← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الإمام: والأظهر وجوب القصاص، وَإِلاَّ، أي وإن لم يقصّر في اختبارهما بل بحث وبذل وَسْعَهُ، فَالْقَوْلاَنِ، أي في أن الضمان على عاقلته أو في بيت المال وقد تقدم توجيههما، فَإِنْ ضَمَّنَّا عَاقِلَةً أَوْ بَيْتَ مَالٍ فَلاَ رُجُوعَ عَلَى الذِّمِّيَّيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ فِي الأَصَحِّ، لأنهما يزعمان أنهما صادقان ولم يوجد منهما تعدٍّ فيما أتيا به. وقد ينسب القاضي إلى تقصير في البحث، والثاني: نعم، لأنهما غرّا القاضي، والثالث: يثبت الرجوع للعاقلة دون بيت المال. وَمَنْ حَجَمَ أَوْ فَصَدَ بِإِذن لَمْ يَضْمَنْ، أي ما تَوَلَّدَ لأنّا لو ضمنّاهما لأحجما عنهما، وَقَتْلُ جَلاَّدٍ وَضَرْبُهُ بِأَذْنِ الإِمَامِ كَمُبَاشَرَةِ الإِمَامِ إِنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ، أي ويتعلق القصاص والضمان بالإمام دونه، لأنه آلته. ولو ضَمَنَّاهُما لم يتولَّ الجلدَ أحدٌ، وَإِلاَّ، أيْ وَإِنْ عُلِمَ ظُلْمُ الإمَامِ وَخَطَأُهُ، فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلاَدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِكْرَاهٌ، من جهة الإمام، لأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْحَالَ لَزِمَهُ الاِمْتِنَاعُ، أمَّا إِذَا أَكْرَهَهُ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمَا. فَصْلٌ: وَيَجِبُ خِتَانُ اْلْمَرْأَةِ بِجُزْءٍ مِنَ اللَّحْمَةِ بِأَعْلَى الْفَرْج، وَالرَّجُلُ بقَطْعِ مَا يُغَطّي حَشَفَتَهُ، أما الوجوب فاستدلوا له بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٣٠٥) وكان من مِلَّتِهِ الختان، قال البيهقي: هذا أحسنُ ما يحتجّ به (٣٠٦)، قال الخطابي: وكان واجبًا عليه، قُلْتُ: لكن نبيُّنا ﷺ وُلِدَ مختونًا وأول من

стр. 1647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1648

اختتن من النساء هاجر كما أن أول من اختتن من الرجال إبراهيم، والسرُّ فيه أنه لمّا بلى بالترويع بذبح ولده فأحب أن يجعل لكلِّ واحد ترويعًا بقطع عضو وإراقة دم، نص عليه في البويطي؛ ويبتلى أولادهم بالصبر على إيلام الآباء لهم فتكون هذه الحالة مُظْهِرَةٌ للصبر والتسليم من الآباء والأولاد تأسيًا بإبراهيم عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ، وأما الكيفية فكما ذكر المصنف؛ وقوله (بِجُزْءٍ مِنَ اللَّحْمَةِ) كذا عبّر به الرافعي، وعبارة الماوردي: قَطْعُ جِلْدَةٍ مِن أَعْلاَهُ. فَرْعٌ: الْخُنْثَى يَحْرُمُ خِتَانُهُ عَلَى الأَصَحِّ. بَعْدَ الْبُلُوغِ، لأنه وقت التكليف، وَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ، أي في حق الطفل كما في الْمُحَّرَرِ، في سَابِعِهِ، للاتباع (٣٠٧)، ويكره قبله؛ جزم به في التحقيق؛ ونقله في شرح

стр. 1649

المهذب عن الماوردي، وقال عنه: هذا في الغلام والجارية وأقره، فَإِنْ ضَعُفَ عَنِ احْتِمَالِهِ، أي في السابع، أُخِّرَ، إلى أن يحتمله حتى قال الإمام لو كان الرجل ضعيفًا بحيث لو اختتن خيف عليه أخّر إلى أن يحتمله. فَرْعٌ: الأكثر على أنه لا يحسب يوم الولادة من السبعة، وصحح الرافعي أنه يحسب. وَمَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لاَ يَحْتَمِلُهُ لَزِمَهُ قِصَاصٌ إِلَّا وَالِدًا، للبعضية، نعم: عليه الدية، فَإِنِ احْتَمَلَهُ وَخَتَنَهُ وَليٌّ فَلاَ ضَمَانَ في الأصَحِّ، لأنه لا بد منه، وفي التقديم نظر؛ وفائدة للصبي، لأن القطع والبدن غض رخص، والمقطوع قدر يسير أسهل عليه، والثاني: تلزمه، لأن الختان غير واجب في الحال، فأشبه قطع السِلعة، وخرج بالوليّ الأجنبي، قال البغوي فيه: يحتمل أن يبني على ختن الامام في الحر الشديد إن ضمناه، فكذلك هنا وإلا فلا، وقال السرخسي: ينبني على أن الجرح اليسير هل فيه قصاص؟ وفيه وجهان: إن قلنا: نعم فهو عمد، وإلا فشبه عمد، وَأُجْرَتُهُ، يعني الخاتن، في مَالِ الْمَخْتُونِ، لأنه لمصلحته. فَائِدَةٌ: السُّنَّةُ في ختان الذكور إظهاره وفي ختان النساء إخفاؤء، وكذا رأيته في كتاب ابن الحاج المالكي ﵀ (٣٠٨). فَصْلٌ: مَنْ كَانَ مَعَ دَابَّةٍ أَوْ دَوَابٍّ ضَمِنَ إِتْلاَفَهَا نَفْسًا وَمَالًا لَيْلًا وَنَهَارًا، لأنها تحت يده وتصرفه وعليه القيام بحفظها وتعهّدها، وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ بِطَرِيْقٍ فَتَلِفَ

стр. 1650

بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ فَلاَ ضَمَانَ، لأن الطريق لا يخلو عنه والمنع من الطروق مما لا سبيل إليه، نعم، وَيَحْتَرِزُ، كما قال المصنف: عَمَّا لاَ يُعْتَادُ، كَرَكْضٍ شَدِيْدٍ في وَحْلٍ فَإِنْ خَالَفَ ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ، وما جزم به المصنف هنا من عدم الضمان خالفه في شرح المهذب والرافعي في محرمات الإحرام فأوحبا الضمان، وَمَنْ حَمَلَ حَطَبًا عَلَى ظَهْرِهِ أوْ بَهِيْمَةٍ فَحَكَّ بِنَاءً فَسَقَطَ ضَمِنَهُ، لوجود التلف بفعله، وَإِنْ دَخَلَ سُوْقًا فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ ضَمِنَ إِنْ كَانَ زِحَامٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَتَمَزَّقَ ثَوْبٌ فَلاَ، أي إذا كان يستقبل البهيمة، لأن التقصير منه، إِلاَّ ثَوْبَ أَعْمَى وَمُسْتَدْبِرَ الْبَهِيْمَةِ فَيَجِبُ تَنْبِيْهُهُ، أي فإن لم ينبههما فالضمان عليه لتقصيره، وَإِنَّمَا يَضْمَنُةُ، أي وإنما يضمن صاحب البهيمة ما أتلفته، إِذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الْمَالِ فَإِنْ قَصَّرَ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطَرِيْقٍ أَوْ عَرَّضَهُ لِلدَّابَّةِ فَلاَ، لأنه المضيع لِمَالِهِ، وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَأَتْلَفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ نَهَارًا لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا، أَوْ لَيْلًا ضَمِنَ، للحديث الصحيح فيه كما أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (٣٠٩)، ولو جرت العادة في ناحية

стр. 1651

بإرسال البهائم ليلاً للرعي وحفظها نهارًا أو بحفظ الزرع ليلًا فالأصح اتباع ذلك، ولو كانت المراعي متوسطة المزارع أو كانت البهائم ترعى في حريم السواقي ولا يعتاد إرسالها بلا راعٍ، فإن أرسلها فمقصر ضامن لما أتلفته وإن كان نهارًا على الأصح، إِلاَّ أَنْ لاَ يُفَرَّطَ فِي رَبْطِهَا، أي بأن ربطها وأغلق بابه واحتاط على العادة؛ ففتح الباب لِصٌّ أو انهدم الجدار فخرجت ليلًا فلا ضمان لعدم التقصر منه، أَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الزَّرْع وَتَهَاوَنَ فِي دَفْعِهَا، أي ولو فرط صاحب الدابة إذ هو المضيع لماله بتهاونه، وَكَذَا إِنْ كَانَ الزَّرْعُ في مُحَوَّطٍ لَهُ بَابٌ تَرَكَهُ مَفْتُوحًا في الأَصَحِّ، لأن التقصير منه بفتح الباب، والثاني: يضمن لأن العادة ربط البهائم وحفظها ليلًا؛ فإرسالها تقصير، وَهِرَّةٌ تُتْلِفُ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا إِن عُهِدَ ذَلِكَ مِنْهَا ضَمِنَ مَالِكُهَا فِي الأَصَحَّ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، لأن مثل هذه الهرة ينبغي أن تربط ويكف شرها، وكذا كل حيوان تولع بالتعدي، والثاني: لا ضمان، سواء أتلفت ليلًا أو نهارًا، لأن العادة أنها لا تربط، وَإِلاَّ، أي وإن لم يعهد ذلك منها، فَلاَ فِي الأَصَحِّ، لأن العادة حفظ الطعام عنها لا ربطها، والثاني: يفرق بين الليل والنهار كما سبق في البهيمة. فَائِدَةٌ: في فتاوى القفال ومنها نقلتُ؛ حَمَامٌ في قفصٍ في دار الشيخ، فقيل له: هل يجوزُ حبسُ هذا؟ قال: يجوز لأنَّا نَتَعَهَّدُهُ ولا تمييز له على أنه كان صغيرًا أدخلناه فهو كالحمار يربط.

стр. 1652

كِتَابُ السِّيَّرِ هُوَ جَمْعُ سِيْرَةٍ وَهِيَ الطَّرِيْقَةُ، وَيُقَالُ: إنَّهَا مِنْ سَارَ يَسِيْرُ، وَتَرْجَمَهُ المُصَنِّفُ بِذَلِكَ، لأَنَّ أَحْكَامَهُ مُتَلَقَّاةٌ مِنْ سَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزَوَاتِهِ، وَالْمَقْصُودُ الْكَلاَمُ فِي الْجِهَادِ وَأَحْكَامِهِ، وَالأَصْلُ فِيْهِ الإِجْمَاعُ؛ وَمَا لاَ يُعَدُّ مِنَ الآيَاتِ وَالأَخْبَارِ الَّتِي بَعْضُهَا فِي الْبَابِ. كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْضَ كِفَايَةٍ، أما كونه فرضًا فبالإجماع، وأما كونه فرضُ كفايةٍ فَاحْتُجَّ لهُ بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (٣١٠) ذكرَ فَضْلَ المجاهدين ووعد القاعدين بالحسنى أيضًا، ولو كان القاعدون تاركين للفرض لَمَا وعدَهُم بالخير، وَقِيْلَ: عَيْنٌ، لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ إلى قوله تعالى ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣١١) ومن قال بهذا

стр. 1653

قال: مَنْ لَمْ يَخْرُجْ من المدينةِ كان يحرُسُها، وحراستُها نَوْعٌ من الجهاد؛ والقائل بالأول قال: الوعيدُ إنما كان في حالِ قلة المسلمين وكثرة المشركين، أو يحمل على من عيّنه النبي ﷺ للجهاد؛ فإنه يتعين عليه الإجابة. وقال الماوردي: كان فرض عين على المهاجرين وفرض كفاية على غيرهم، وقال بعض العلماء من غير أصحابنا: كان فرض عين على الأنصار دون غيرهم، لأنهم بايعوا عليه قال شاعرهم: نَحْنُ الَّذِيْنَ بَايَعُواْ مُحَمَّدًا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِيْنَا أَبَدًا (٣١٢) وَاعْلَمْ: أن الله تعالى لما بعث نبيه عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ أمره بالتبليغ والإنذار بلا قتال؛ ومنع منه، وأُمروا بالصبر على أذى الكفار ثم بعد الهجرة أذن الله سبحانه في القتال للمسلمين إذا ابتدأهم الكفار به، ثم أباح القتال ابتداءً، لكن في غير الأشهر الحرم، ثم أمره من غير تقييد بشرط ولا زمان. وهل كان فرض عين أو كفاية؟ فيه الخلاف المذكور. وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِلْكُفَّارِ حَالاَنِ: أَحَدُهُمَا يَكُونُونَ بِبِلاَدِهِمْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، إذ لو فرض على الأعيان لتعطلت المعايش وخربت البلاد، إِذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيْهِمْ كِفَايَةٌ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِيْنَ، لأن هذا شأن فروض الكفايات (٣١٣). وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ وَحَلِّ الْمُشْكِلاَتِ فِي الدِّيْنِ، أي حتى لا تخلو خطة من خطط الإسلام عن ذلك، والمراد بِالْخِطَّةِ مَسَافَةُ الْقَصْرِ،

стр. 1654

وَبِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيْرٍ وَحَدِيْثٍ, وَالْفُرُوعِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لشدة الحاجة إلى ذلك وللإفتاء أيضًا، وَلاَ بُدَّ مِنْ مُقَدِّمَاتِ هَذِهِ، الْعُلُومِ مِنَ اللُّغَةِ وَالْنَّحْوِ وَالتَّصْرِيْفِ وَمَعْرِفَةِ أَسْمَاءِ الرُّوَاةِ جَرْحًا وَتَعْدِيْلًا، وقد ذكرتُ هنا في الأصل الاشتغال بالعلوم العقلية وبعلم الطب وبالعقائد وغير ذلك مما هو ضروري فسارع إليه ترشد والله الموفق. وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، والمراد منه الأمر بواجبات الشرع والنهي عن محرماته، فإن نصب لذلك رجل تعين عليه بحكم الولاية. وَإحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ، لأن ذلك من شعائر الإسلام، وقوله (بِالزِّيَارَةِ) قد يُفهم أن الحج لا يتعين بل العمرة؛ والصلاة والاعتكاف في المسجد الحرام لذلك كما ذكره الرافعي بحثًا ورده عليه في الروضة، وَدَفْعُ ضَرَرِ الْمُسْلِمِيْنَ، أي وكذا أهل الذمة أي على أهل الثروة، كَكِسْوَةِ عَارٍ؛ وِإطْعَامِ جَائِعٍ؛ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ، وَبَيْتِ مَالٍ، صيانة للنفوس، وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ وَأَدَاؤُهَا، أي على ما يفصله في بابه، وهذا إذا حضر التحمل فإن دُعي له فقيل: تجب الإجابة أيضًا، والأصح: المنع؛ إلَّا أن يكون الداعي قاضيًا أو معذورًا بحبسٍ ونحوه. فَرْعٌ: إعانة القضاة على استيفاء الحقوق ونحو ذلك من فروض الكفايات، وكذا تَجْهِيْزُ الْمَوْتَى غَسْلًا وَتَكْفِيْنًا وَصَلاَةً وَدَفْنًا ونحو ذلك. وَالْحِرَفُ وَالصَّنَائِعُ وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ، كالبيع والشراء والحراثة والحجامة والكنس، ولا شك أن قيام الدنيا بهذه الأسباب، وقيام الدين موقوف على أمر الدنيا. قال الإمام؛ وجماعاتٌ: والقيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين، أي لأنه ساعٍ في صيانة الأمة عن الأثم بخلاف الثاني. وَجَوَابُ سَلَامٍ عَلَى جَمَاعَةٍ، لحديث فيه أخرجه أبو داود ولم يضعِّفه (٣١٤)،

стр. 1655

وَيُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ، لقوله ﵊: [إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلاَمِ] رواه أبو داود بإسناد حسن (٣١٥)، قال القفال في فتاويه: وابتداء السلام أفضل من الردِّ. وحكى القاضي فيه خلافًا؛ وأحكامُ السَّلام هنا مَبْسُوطَةٌ في الأصل فَرَاجِعْهَا مِنْهُ فَفِيْهِ مُهِمَّاتٌ. لاَ عَلَى قَاضِي حَاجَةٍ وَآكِلٍ، وَفِي حَمَّامٍ، وَلاَ جَوَابَ عَلَيْهِمْ، لاشتغالهم، واستثنى الإمام من الآكل ما إذا سلَّم بعد الابتلاع وقبل الوضع، وقال: إنه لا يتوجه في هذه الحالة الامتناع، وجزم به المصنف في الأذكار، وبقيت أحوال أخر فراجعها من الأصل، وقد ذكرت هنا فصلًا في تشميت العاطس، وفصلًا آخر في أحكام مهمة يتعين عليك مراجعتها منه والله الهادي. فَصْلٌ: وَلاَ جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ؛ وَمَجْنُونٍ؛ وَامْرَأَةٍ؛ وَمَرِيضٍ، لأنهم ضعفاء، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ كالمرأة، أي لا يقدر على القتال أو يَشقُّ عليه لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ... ﴾ الآية (٣١٦)، وَذِي عَرَجٍ بَيِّنِ، للآية المذكورة، وأما العرج اليسير الذي لا يمنع المشي فلا اعتبار به، وَأَقْطَعَ؛ وَأَشَلَّ، لأنه لا يتمكن من الضرب والاتقاء. فَرْعٌ: لا يجب على من فَقَدَ معظم أصابعه بخلاف فاقد الأَقَلِّ. تَنْبِيْهٌ: لا يجب على الأعمى أيضًا، وعجبتُ للمصنف إهماله ولا يجب على الذِّمَّيِّ أيضًا.

стр. 1656

وَعَبْدٍ، لاستغراقه في خدمة سيده، ولو أذن له أيضًا كما صرح به الإمام وقال: إنه الوجه، وَعَادِمِ أُهْبَةِ قِتَالٍ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ ... ﴾ إلَى قوله: ﴿وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ (٣١٧). وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ حَجِّ مَنَعَ الْجِهَادَ إِلَّا خَوْفَ طَرِيْقِ مِنْ كُفَّارٍ، لأن الغزو مبني على مصادفة المخاوف، وَكَذَا مِنْ لُصُوصِ الْمُسْلِمِيْنَ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأن الخوف محتمل في هذا السفر، وقتال الْمُتَلَصِّصِيْنَ أهَمَّ وَأَوْلَى، والثاني: إنه يمنع الوجوب كما في الحج. وَالدَّيْنُ الْحَالُّ يُحَرِّمُ سَفَرَ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ، لأن مقصود الجهاد طلب الشهادة ببذل النفس للقتل فيؤدي إلى إسقاط حق ثابت، إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيْمِهِ، لإسقاطه حقه، نَعَمْ؛ لو كان معسرًا فليس له منعه على الصحيح، ونقل في الكفاية مقابله عن الأصحاب وهو ظاهر إطلاق المصنف، ولو استناب موسر من يقضي له من مال حاضر فله الخروج أو غائب فلا، والْمُؤَجَّلُ لاَ، لأنه الآن مخاطب بفرض الكفاية، والدَّين المؤجَّل لا يتوجه الخطاب به إلَّا بعد حلوله، وَقِيْلَ: يَمْنَعُ سَفَرًا مُخَوِّفًا، أي كجهاد وركوب بحر وبادية مُخْطِرَةٍ صيانة لحق المستحق، اللَّهُمَّ إلَّا أن يقيم كفيلًا بالدين، أما السفر الذي لا يغلب فيه الخطر فلا منع منه قطعًا. وَيَحْرُمُ جِهَادٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ إِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، لأنه فرض كفاية وبِرَّهما فرض عين، وللحديث الصحيح فيه، فإن كانا كافرين لم يلزمه استئذانهما لأنهما يمنعانه، والأجداد والجدات كالأبوين عند عدمهما، وكذا مع وجودهما على الأصح لوجوب

стр. 1657

بِرِّهما، والأب الرقيق كالحر على الصحيح. لاَ سَفَرَ تَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ، كسفر حج وأَولى؛ لأن الحج على التراخي، وَكَذَا كِفَايَةٍ، أى بأن خرج طالبًا لدرجة الفتوى، وفي الناحية من يستقل بها، فِي الأَصَحِّ، لأن الحجر على المكلف وحبسه بعيد، والثاني: لا بد من الاذن، كما في سفر الغزو لتعين البِر عليه، فَإنْ أَذِنَ أَبَوَاهُ وَالْغَرِيْمُ ثُمَّ رَجَعُواْ وَجَبَ الرُّجُوعُ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الصَّفَّ, أى ولم يكن خرج بجعلٍ من السلطان؛ لأنه عذر منع الوجوب، وكذا طريانه كالعمى والمرض (٣١٨)، أما إذا خرج بجعل منه فلا يرجع؛ قاله الماوردي، ولو خاف على نفسه أو ماله أو خاف انكسار قلوب المسلمين لا يلزمه الانصراف، فَإِنْ شَرَعَ فِي قِتَالٍ حَرُمَ الاِنْصِرَافُ فِي الأظْهَرِ، لأن حق الجهاد سابق، والثاني: لا يحرم؛ رعاية لحق الآدمي الذي بِنَاؤُهُ على الضيق، ولا يجوز على الأول أن يقف موقف طلب الشهادة بل يقف في أواخر الصفوف ويحرس قاله القاضي أبو الطيب، وفي الحاوي: أن محل الخلاف في المتطوع، أما إن خرج بجُعلٍ فإن كان مقامه أصلح لم يرجع، وإن كان رجوعه أصلح لتشاغل المجاهدين به فيرجع. الثَّانِي: يَدْخُلُون بَلْدَةً لَنَا فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفْعُ بِالْمُمْكِنِ؛ فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ وَجَبَ الْمُمْكِنُ حَتَّى عَلَى فَقِيْرٍ، أي بما يقدر عليه، وَوَلَدٍ؛ وَمَدِيْنٍ؛ وَعَبْدٍ بِلَا إِذْنٍ، أي وينحلُّ الْحَجْرُ عنهم في هذه الحالة، لأن في دخولهم دار الإسلام خَطْبٌ عظيم لا سبيل إلى إهماله، فلا بد من الجد في دفعه بما يمكن، وَقِيْلَ: إِنْ حَصَلَتْ مُقَاوَمَةٌ بِأَحْرَارٍ اشْتُرِطَ إِذْنُ سَيِّدِهِ، لأن في الأحرار غِنْيَةً عَنْهُمْ، والأصح الأولُ لِتَقْوَى القلوبُ وتعظُمَ الشوكةُ وتشتَدَّ النكايةُ في الكفار إشفاقًا من هجومهم، وَالنِّسْوَةُ إن لم يكن فيهن قوة دفاع لا يحضُرن، وإن كان! فعلى ما ذكرناه في العبد، ويجوز أن لا تحوج الزوجة إلى أذن الزوج كما لا يحوج العبد إلى إذن السيد، وَإِلَّا، أي وإن لم

стр. 1658

يكن تأهب لقتال، فَمَنْ قُصِدَ! دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُمْكِنِ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ أُخِذَ قُتِلَ، أي سواء كان حرًا أو عبدًا رجلًا أو امرأة سليمًا أو أعمى وأعرج، ولا تكليف على الصبيان والمجانين، وَإِنْ جَوَّزَ الأسْرَ فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ، لأن المكافحة والحالة هذه استعجال للقتل، والأسرُ يحتمل الخلاص. وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ مِنْ الْبَلْدَةِ كَأَهْلِهَا، أي حتى إذا لم يكن في أهل البلد كفاية وجب على هؤلاء أن يطيروا إليهم، فإن كان فيهم كفاية فالأصح الوجوب أيضًا لِعِظَم الواقعة، وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ يَلْزَمُهُمْ الْمُوَافَقَةُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إِنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيْهِمْ، دفعًا عنهم وإنفاذًا لهم، قِيْلَ: وَإِنْ كَفَواْ، لِعِظَم الواقعة، والأصح: المنع، لأنه يؤدي إلى الإيجاب على جميع الأُمة، وفي ذلك حرج من غير حاجة، وَلَوْ أَسَرُواْ مُسْلِمًا فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ النُّهُوضِ إلَيْهِمْ لِخَلاَصِهِ إِنْ تَوَقَّعْنَاهُ، أي ويكون كدخولهم الدار؛ لأَنَّ حُرْمَةَ الإِسْلاَمِ كَحُرْمَةِ دَارِ الْمُسْلِمِيْنَ، والاستيلاء على المسلم أعظم من الاستيلاء على الإسلام، والثاني: المنع، لأن تحريك الجنود لواحد يقع في الأسر بعيد ومخالف لما نقل في السير. فَصْلٌ: يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، لأنه على حسب الحاجة، والإمام ونائبه أعرف بها وإنما لم يحرم، لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفس وهو جائز في الجهاد، وفي المرشد أن ذلك لا يجوز. وَيُسَنُّ، للإمام، إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذَ الْبَيْعَةَ بالثَّبَاتِ، اقْتَدَاءً بِهِ ﷺ أَيْ يُبَايِعُهُمْ أَنْ يَثْبُتُواْ لِلْحَرْبِ كما هو مشهور في الصحيح (٣١٩)، وَلَهُ الاِسْتِعَانَةُ

стр. 1659

بِكُفَّارٍ، اقتداءً به أيضًا كما ذكره الشافعي (٣٢٠)، تُؤْمَنُ خِيَانَتَهُمْ، وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ قَاوَمْنَاهُمْ، وشرط في الروضة شرطًا ثالثًا وهو: أن يعرفَ الإمامُ حُسْنَ رَأْيِهِمْ في المسلمينَ، وشرطَ الماوردي: أن يخالفوا معتقد العدو كاليهود مع النصارى، وَبِعَبِيْدٍ بإِذْنِ السَّادَةِ وَمُرَاهِقِيْنَ أَقْوِيَاءَ، لأنه ينتفع بهم في القتال وسقي الماء ومداواة الجرحى ويستصحب النِّسَاءُ لمثل ذلك، وَلَهُ، يعني الإمام على وجه الاستحباب، بَذْلُ الأُهْبَةِ وَالسِّلاَحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِهِ، لينال ثواب الإعانة، [فَمَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا] (٣٢١) وكذا للآحاد بذل الأهبة من ماله.

стр. 1660

وَلاَ يَصُحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ، لأنه إن لم يكن متعيِّنًا عليه فمتى حَضَرَ الصَّفَّ تعيَّنَ عليه؛ فلا يجوزُ أخذ الأُجرة عن فرض العين، وَيَصُحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ، لأنه لا يقع عنه، وطريقه الإجارة لا الجعالة على الأصح، ويحتمل جهالة العمل لأن مقصوده القتال، لِلإِمَامِ، قِيْلَ: وَلِغَيْرِهِ، كالاذان على الأصح، والأصح: المنع، والفرقُ أنَّ الجهادَ أعظمُ وقعًا ويتعلق بإقامته وتأخيره مصالح يحتاج فيها إلى نظر كامل. وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيْبٍ، لأن فيه قطع الرحم المأمور بصلتها، وَمَحْرَمٍ، أي وقتل قريب مَحْرَم، أَشَدَّ، لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٣٢٢)، قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ ﷺ ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لما روى البيهقي عن عبد الله بن شَوْذَبٍ (•) قال: جَعَلَ أَبُو أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ يَنْصِبُ الأَلَّ لأَبِي عُبَيْدَةَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ يَحِيْدُ عَنْهُ فَلَمَّا أكْثَرَ الْجَرَّاحُ قَصَدَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَقَتَلَهُ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيْهِ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ ... ﴾ الآية (٣٢٣)، وهذا مرسلٌ أو معضلٌ (٣٢٤). وَيَحْرُمُ قَتْلُ صَبِيٍّ، للنهي عنه في الصحيحين من حديث ابن عمر (٣٢٥)،

стр. 1661

وَمَجْنُونٍ، قياسًا عليه، وَامْرَأَةٍ، للحديث المذكور، وَخُنْثَى مُشْكِلٍ، إلحاقًا له بالمرأة، وَاعْلَمْ: أَن هؤلاء إذا قاتلوا جاز قتالهم، وقد صرح به في الْمُحَرَّرِ فحذفه المصنف، وَيَحِلُّ قَتْلُ رَاهِبٍ، أي شيخًا كان أو شابًا، وَأَجِيْرٍ؛ وَشَيْخٍ؛ وَأَعْمًى؛ وَزَمِنٍ لاَ قِتَالَ فِيْهِمْ وَلاَ رَأْيَ في الأَظْهَرِ، لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ... ﴾ (٣٢٦) والثاني: لا يحلُّ؛ لأنهم لا يقاتلون فأشبهوا النساء والصبيان، أما الشيخ وغيره إذا كان له رأيٌ يستعين به الكفار في القتال؛ وكان يُدَبِّرُ لهم أمْرَ الحرب فيجوز قتله قطعًا (٣٢٧). فَرْعٌ: يجوز قتلُ السوقة على المذهب، وقيل: على القولين. فَيُسْتَرَقُّونَ وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ، أي وذراريهم، وَأَمْوَالُهُمْ، أي إذا جَوَّزْنَا قَتْلَهُمْ ولهذا أتى المصنف بالفاء ليُنَبِّه على التفريع، فإن قلنا: بالمنع؟ فالمذهب: أنهم يُرَقُّونَ بنفس الأسر كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.

стр. 1662

فَرْعٌ: لا يُقْتَلُ رَسُولُهُمْ لحديث صحيح فيه (٣٢٨). فَصْلٌ: وَيَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ في الْبِلاَدِ وَالْقِلاَعِ، أي بكسر القاف لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ (٣٢٩) وقد حَاصَرَ الشَّارِعُ ﵇ أَهْلَ الطَّائِفِ متفق عليه (٣٣٠)، وَإرْسَالُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيْقٍ، للنص في المنجنيق (٣٣١)، والباقي بالقياس؛ لأن أكثر ما في ذلك قتلهم غيلة وسيأتي جوازه،

стр. 1663

وَتَبْيِيْتُهُمْ في غَفْلَةٍ، للاتباع، فَإِنْ كَان فِيْهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيْرٌ أَوْ تَاجِرٌ جَازَ ذَلِكَ، أى ما ذكرناه من النار والمنجنيق وما في معناهما، عَلَى الْمَذْهَبِ، لئلا يتعطل الجهاد بحبس مسلم فيهم، وَاعْلَمْ: أن مجموع ما في هذه المسألة ثلاث طرق؛ أصحها في أصلِ الروضة: إن لم تكن ضرورة كُرْهٍ تحرُّزًا من إهلاك المسلم، وفي تحريمه قولان: أَظْهَرُهُمَا: لا، لما أسلفناه، وثانيهما: نعم، لأنه قَدْ يُصِيْبَ الْمُسْلِمَ [وَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنَ عِنْدَ اللهِ مِنْ قَتْلِ مسُلِمٍ] كما ورد في الخبر في النسائي وغيره (٣٣٢)، وإن كانت ضرورة لخوف ضررهم أو لم يحصل فتح القلعة إلَّا به جاز قطعًا، والثانية: لا، اعتبارًا بالضرورة، بَلْ إِنْ عُلِمَ أَنَّ مَا يَرْمِي بِهِ يُهْلِكُ الْمسْلِمَ لَمْ يَجُزْ؛ وإلَّا فقولان، والثالثة: إن كان عدد المسلمين الذي فيهم مثل المشركين لم يجُز رميهم، وإن كان أقلَّ جاز؛ لأنَّ الغالب أنَّهُ لا يصيب المسلمين. وَلَوِ الْتَحَمَ حَرْبٌ فَتَتَرَّسُواْ بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ، أي بينهم، جَازَ رَمْيُهُمْ، كيلا يُتخذ ذلك ذريعة إلى منع الجهاد، وَإِنْ دَفَعُواْ بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ فَالأظْهَرُ تَرْكُهُمْ، لأنه ﵊ [نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصَّبْيَانِ] (٣٣٣) ونحن في غنية عنهم، والحالة هذه بخلاف الأولى، والثاني: يجوز رميهم كما يجوز نصب المنجنيق على القلعة وإن كان يصيبهم. فَرْعٌ: لو تَتَرسُواْ بهم في القلعة فالراجح في الروضة الجواز. وَإِنْ تَتَرَّسُواْ بِمُسْلِمِيْنَ فَإِنْ لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ تَرَكْنَاهُمْ، صيانة

стр. 1664

للمسلمين، وَإِلاَّ، أي وإن دعت ضرورة إلى رميهم بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم ظفروا بنا وكبرت نكايتهم، جَازَ رَمْيُهُمْ فِي الأَصَحِّ، أي على قصد قتال المشركين ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان؛ لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام، ولا يبعد احتمال طائفة للدفع عن بيضة الإسلام، ومراعاة الأمور الكليات وهذا ما نص عليه أيضًا، والثاني: لا يجوز الرمي إذا لم يمكن ضرب الكفار إلاّ بضرب المسلمين لأن غايته أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف بدليل صورة الإكراه، قال الرافعي: وأشعَرَ إيرادُ الغزالي أن تخصيص الوجهين بما إذا تترس الكفار بطائفة من المسلمين في صف القتال فإنه أجاب بالمنع فيما إذا تترس الكفار بمسلم، قُلْتُ: وتبعه الحاوي الصغير حيث قال: لا كافر بِمُسْلِمٍ. فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ الإِنْصِرَافُ عَنِ الصَّفِّ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْنَا، لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ... ﴾ الآية (٣٣٤)، وهو أمرٌ بمعنى الخبر؛ وإلاَّ لَوْ وَقَعَ خلافَ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وهو محالٌ وقد ثبت أنَّ التولي يوم الزحف من الكبائر، إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ؛ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... ﴾ الآية (٣٣٥)، وَيَجُوزُ إِلَى فِئَةٍ بَعِيْدَةٍ في الأَصَحِّ، لمطلق الآية، والثاني: يشترط أن يكون فئة قريبة ليتصور الاستنجاد بها في القتال وإتمامه، ثم هذا كله في

стр. 1665

حال القدرة، أما من عجز بمرض ونحوه أو لم يبق معه سلاح فله الانصراف بكل حال، ويستحب أن يتولى متحرفًا أو متحيزًا، وَلاَ يُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى بَعِيْدَةٍ الْجَيْشَ فِيْمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ، لأن ببعده تفوت نصرته، أما ما غنموه قبل مفارقته فيشارك، كذا نص عليه وبمثله في المتحرف لقتال، وَيُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى فَئَةٍ قَرِيْبَةٍ في الأَصَحِّ، لبقاء نصرته، والثاني: لا؛ لأجل مفارقته وفيه بُعد، فَإِنْ زَادُواْ عَلَى مِثْلَيْنِ جَازَ الاِنْصِرَافُ، لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ... ﴾ الآية (٣٣٦)، إِلاَّ أَنَّهُ يَحْرُمُ انْصِرَافُ مِائَةِ بَطَلٍ عَنْ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ في الأَصَحِّ، لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف، والثاني: المنع؛ لأن اعتبار الأوصاف يُعْسَرُ (•) فاعتبر الحكم بالعدد، ومأخذ الخلاف النظر إلى مجرد اللفظ أو مراعاة المعنى، ويعبر عنه بأنه هل يجوز أن يستنبط من اللفظ العام أو المطلق معنى يخصصه أو يقيده؟ والخلاف جارٍ في العكس وهو فرار مائة من ضعفائنا عن مائة وتسعة وتسعين من أبطالِهِمْ؛ فإن اعتبرنا العدد لم يجز الفرار، وإن اعتبرنا الْمَعْنَى جَازَ. تَنْبِيْهٌ: قيَّد الغزالي وإمامه جواز الانصراف من الصف بما إذا لم يكن فيه انكسار المسلمين؛ وتبعهما الحاوي الصغير، قال الرافعي: ولم يتعرضْ له المعظم. فَصْلٌ: وَتَجُوزُ الْمُبَارَزَةُ، للاتباع (٣٣٧)، فَإِنْ طَلَبَهَا كَافِرٌ اسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ إِلَيْهِ، لأن في ترك الخروج إضعافًا للمسلمين وتقوية للكافرين (٣٣٨)، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ مِمَّنْ

стр. 1666

جَرَّبَ نَفْسَهُ، أي فعرف قوّته وجرأته، فأما الضعيف الذي لا يثق بنفسه فيُكره له المبارزة ابتداءً وإجابة، وَبِإِذْنِ الإِمَامِ، فإن بارز من غير إذنه جاز؛ لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز، ولو قال: وبإذن صاحب الراية كما قال الإمام لكان أَولى. فَصْلٌ: وَيَجُوزُ إِتْلاَفُ بِنَائِهِمْ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ، لأنه ﵇[قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيْرِ وَحَرَّقَ وَهِيَ الْبُوَيْرَةُ فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ ... ﴾ الآية] متفق عليه (٣٣٩)، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُرْجَ حُصُولَهَا لَنَا، مغايظة لهم وتشديدًا عليهم، فَإِنْ رُجِيَ نُدِبَ التَّرْكُ، حفظًا لها على المسلمين. وَيَحْرُمُ إِتْلاَفُ الْحَيْوَانِ، حرمةً له، إِلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ لِدَفْعِهِمْ أوْ ظَفَرٍ بِهِمْ، لأنها كالآت للقتال، أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إِلَيهِمْ وَضَرَرَهُ، دفعًا لهذه المفسدة. فَصْلٌ: نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إِذَا أُسِرُواْ رُقُّواْ، أي وكان حكمهم حكم سائر أموال الغنيمة، وقال الماوردي في الأحكام: مَنْ لا كتاب لها إذا امتنعت من الإسلام تقتل عند الشافعي (٣٤٠).

стр. 1667

فَرْعٌ: المجنون كالصبي. وَكَذَا الْعَبيْدُ، لأنهم من جملة الأموال، وَيجْتَهِدُ الإِمَامُ، أي وكذا أمير الجيش، فِي الأَحْرَارِ الْكَامِلِيْنَ، إذا أُسِروا، وَيَفْعَلُ الأحَظَّ لِلْمُسْلِمِيْنَ مِنْ قَتْلٍ؛ وَمَنٍّ؛ وَفِدَاءٍ بِأَسْرَى أوْ مَالٍ، أي سلاحًا كان أو غيره، وَاسْتِرْقَاقٍ، للاتباع (٣٤١)، والمال المفادى به يقسَّم كالغنائم، وفي فتاوى القفال: أنه إذا كان أسراؤنا في أيديهم جاز لنا الفداء بالمال وغيره، بخلاف ما إذا كان أسراؤهم في أيدينا فإنه يجوز لنا المفاداة بالنفس لا بالمال، وهكذا مذهب أبي حنيفة، وغلطَ القاضي صاعدٌ فقال: لا يجوز في الأول المفاداة بالنفس ولا بالمال، فَإِنْ خَفِىَ، على الإمام، الأَحَظُّ حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ، لأنه راجع إلى اجتهاده، لا إلى تشهّيه فيؤخر لظهور الصواب، وَقِيْلَ: لاَ يَسْتَرِقُّ وَثَنِيٌّ، كما لا يجوز تقريره بالجزية، والأصح: نعم، لأن من جاز أن يمن عليه ويفادى جاز أن يسترق كالكتابي، وَكَذَا عَرَبِيٌّ في قَوْلٍ، لحديث فيه، لكنه واهٍ (٣٤٢)، لا جرم أن

стр. 1668

الأصح استرقاقه كغيره. فَرْعٌ: الأصحُّ: منع الاسترقاق فيما إذا حاصرنا لهم قلعة فنزل أهلها على حكم حاكم، لأنه ذُلٌّ مؤبَّدٌ. وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيْرٌ عَصَمَ دَمَهُ، لقوله ﷺ : [أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُواْ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله] إلى أن قال: [فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُواْ مِنِّي دِمَاءَهُمْ] الحديث متفق عليه (٣٤٣)، وَبَقِيَ الْخِيَارُ في الْبَاقِي، لأن المخير بين أشياء إذا سقط بعضها لتعذره لا يسقط الخيار في الباقي، كما لو سقط العتق في الكفارة لتعذره لم يسقط خياره فيما عداه، وَفِي قَوْلٍ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ، لأنه أسير محرم القتل فأشبه الصبي، وأجاب الأول عن الصبي: بأن الصبي لم يكن مخيرًا فيه في الأصل بخلاف الأسير، فإن اختار الفداء فشرطه أن يكون له فيهم عزٌّ أو عشيرة يسلم بها دينه ونفسه، وِإسْلاَمُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ، يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ، للحديث السالف قريبًا، قال القاضي حسين: وإنما يدفع السيف بكلمتي الشهادة والإقرار بأحكامهما لا بمجرد قولهما وفيه نظر، وَصِغَارَ وَلَدِهِ، أى من السبي ويحكم بإسلامهم تبعًا، أما البالغ العاقل فلا يعصمه إسلام الأب لاستقلاله بالإسلام. فَرْعٌ: الحَمْلُ كالمنفصل فلا يسترقُّ تبعًا لأُمه. فَرْعٌ: هل يعصم إسلام الجد ولَدَ ابنه الصغير؛ فيه أوجهٌ، أصحُّها: نعم كالأب، وثالثُها: إن كان الأب ميتًا عُصِمَ؛ وإلاّ فلا. فَرْعٌ: المجنون من أولاده كالصغير، فلو بلغ عاقلًا ثم جُنَّ عصمه أيضًا على الصحيح.

стр. 1669

لاَ زَوْجَتَهُ، أي لا يعصم إسلامه زوجته عن السبي، عَلَى الْمَذْهَبِ، لاستقلالها، وهذا ما نصَّ عليه هنا، ونص على أن المسلم إذا أعتق عبدًا كافرًا فالتحق بدار الحرب لا يجوز استرقاقه؛ فاختلف الأصحاب فيهما على طريقين؛ أشهرهما: أن فيهما قولين نقلًا وتخريجًا، أحدهما: لا تسترقُّ زوجته، ولا عتيقه، لئلا يبطل حقه من النكاح والولد، والثاني: يسترقان لاستقلالهما، والطريق الثاني: تقرير النصين، والفرق أن الولاء بعد ما ثبت لا يمكن رفعه وإبطاله وإن تراضيا به، والنكاح ينفسخ ويرتفع بأسباب، وحدوث الرق من تلك الأسباب، والظاهر كما قال الرافعي: ما نص عليه في الصورتين وإن قدر الخلاف، واختار ابن كج في الزوجة المنع والخلاف جار في استرقاق حربية نكحها مسلم وهي في دار الحرب، وفال الرافعي في كلامه على الوجيز الوجهان في استرقاق الحربية ومنكوحة الكافر يجريان على نسق واحد، لكن الغزالي في زوجة من أسلم اقتصر على الأظهر، وخالف في الْمُحَرَّرِ في زوجة المسلم كما سيأتي وتبعه المصنف. فَإِنِ اسْتُرِقَّتِ انْقَطَعَ نِكَاحُهُ في الْحَالِ، لأنه زال ملكها عن نفسها فيزول ملك الزوج عنها من باب أولى، ولأنها صارت أَمَة كتابية، ولا يجوز إمساك الأَمَة الكتابية للنكاح، وَقِيْلَ: إِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا انْتُظِرَتِ الْعِدَّةُ فَلَعَلَّهَا تَعْتِقُ فِيْهَا، كما لو ارتدت بعد الدخول، والأصح: المنعُ؛ لأن حدوث الرق يقطع النكاح فأشبه الرضاع، وَيَجُوزُ إِرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ، أي إذا كانت حربية؛ وينقطع به نكاحه، وَكَذَا عَتِيْقُهُ في الأصَحِّ، لأن الذمي لو التحق بدار الحرب استرق فعتيقه أولى، والثاني: لا يجوز كاسترقاق معتق المسلم، قال الرافعي: والوجه أن يرتب فيقال: إن جَوَّزْنَا استرقاق عتيق المسلم فهنا أولى وإلاّ فوجهان، لاَ عتِيْقُ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ (٣٤٤)، قد سبق بيان كل ذلك قريبًا، وَإِذَا سُبِيَ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا انْفَسَخَ النِّكَاحُ إِنْ كَانَا حُرَّيْنِ، لأن الرق إذا حدث زال ملكها عن نفسها، فلأن

стр. 1670

تزول العصمة بينها وبين الزوج من باب أولى، وهذا إذا كان الزوج كافرًا، فإن كان مسلمًا؛ فإن قلنا: لا تسترق زوجة المسلم فلا كلام، وإن قلنا: تسترق فالأصح: انفساخه سواء قبل الدخول وبعده ذكره الإمام، قِيْلَ: أَوْ رَقِيْقَيْنِ، لحدوث السبي، ولهذا لو سبيت مستولدة صارت رقيقة (•)، والأصح: المنع إذا لم يحدث رق وإنما انتقل من شخص إلى شخص فأشبه البيع وغيره، والخلاف جارٍ سواء أسلما أم لا، وَإِذَا أُرِقَّ، أي الحربي، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَسْقُطْ، لأن شَغَلَ الذِّمَّةِ قد حصلَ ولم يوجد ما يقتضي السقوط، ولو كان الدَّيْن للسابي ففي سقوطه الوجهان فيمن كان له دين على عبد غيره فملكه، فَيُقْضَى مِنْ مَالِهِ إِنْ غَنِمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ، أي ويقدم الدَيْن على القسمة كما يقدم على الوصية، وإن زال ملكه بالرق، كما أن دَين المرتد يقضى من ماله وإن حكمنا بزواله، واحترز بقوله (إِنْ غَنِمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ) عما إذا غُنم قبله فإنه ملك الغانمين ولا يقضى منه الدَيْن كما لو انتقل ملكه بوجه آخر، وإن غُنم مع استرقاقه فالأصح تقديم الغنيمة لتعلقها بالعين فإن لم يوجد له مال ففي ذمته إلى أن يعتق، وهل يحل الدَّيْن المؤجَّل بالرق؟ فيه وجهان مرتبان على الخلاف في الحلول بالإفلاس، وأولى بالحلول لأنه يشبه الموت من حيث أنه يزيل الملك ويقطع النكاح، هذا إذا كان الدَّين لمسلم، فإن كان لذمّي فبمثله أجاب الإمام، وقال: دَين الذمي محترم كعين ماله، وذكر البغوي فيه وجهين، وإن كان لحربي واسترق المدين فالظاهر سقوطُ الدَّيْنِ، وفيه احتمال للإمام. وَلَوِ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ ثُمَّ أسْلَمَا أَوْ قَبِلاَ جِزْيَةً دَامَ الْحَقُّ، كما إذا أسلم الزوجان ولم يقبض المهر المسمَّى بقي استحقاقه، وَلَوْ أُتْلِفَ عَلَيْهِ، أي على الحربي، فَأَسْلَمَا، وكذا لو أسلم المتلف، فَلاَ ضَمَانَ في الأَصَحِّ، لأنه لم يلتزم شيئًا والاسلام يجبّ ما قبله، والإتلاف ليس عقدًا يستدام، والثاني: يجب الضمان؛ لأنه لازمٌ عندهم؛ فكأنهم تراضوا عليه.

стр. 1671

فَصْلٌ: وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَهْرًا غَنِيْمَةٌ، كما تقدم في بابه، وَكَذَا مَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ بِسَرِقَةٍ، أَوْ وُجِدَ كَهَيْئَةِ اللُّقَطَةِ عَلَى الأَصَحِّ، لأن دخوله دار الحرب وتغريره بنفسه يقوم مقام القتال، والثاني: أنه لمن أخذه خاصة؛ لأنه ليس مأخوذًا بقوة الجند ولا بقوة الإسلام حتى يكون فيئًا، ولا بقتال حتى يكون غنيمة، وجزم به الرافعي في الأول في باب زكاة المعدن والركاز، والخلاف في الثانية للإمام وحده، وعامة الأصحاب على أنه غنيمة، ورأيتُ في فتاوى القفال: أنه إذا وَجَدَ لقطة في مال مشرك (•) في دار الحرب، فإن دخل بأمان فلقطة، وإلا فإن علم أنه من مال مشرك، فإن كان دخوله مع العسكر فغنيمة، وإن دخل متلصصًا كان غنيمة له فنخمسها، وإن وُجد في دار الإسلام فإن كان له عهد فكالمسلم وإلا ففيءٌ يعطيه إلى الإمام ليصرفه فيه. فَرْعٌ: المأخوذ على صورة الاختلاس كالمأخوذ على صورة السرقة. فَإِنْ أمْكَنَ كَوْنُهُ لِمُسْلِمٍ، أي بأن كان هناك مسلم، وَجَبَ تَعْرِيْفُهُ، أي ثم بعد يعود الخلاف المذكور في أنه غنيمة أم للآخذ، وصِفَةُ التعريف سَنَةٌ كما في المهذب والتهذيب، وحكاه الروياني وأفهم كلامه ترجيحه، وقال الشيخ أبو حامد: يعرف يومًا أو يومين، ويقرب منه قول الإمام يكفي بلوغ الأخبار إلى الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم سواهم ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار. فَصْلٌ: وَلِلْغَانِمِيْنَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيْمَةِ بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ، أي كزيت وسمن، وَلَحْمٍ وَشَحْمٍ وَكُلُّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا، أي وإن لم يأذن الإمام للحاجة الداعية إليه، وهل يجوز أخذ الشحم والدهن لتوقيح الدواب وهو مسحها بالمذاب وهو المغليُّ ولِجَرَبِهَا؟ وجهان: أحدُهما: نعم كعلفها؛ وهذا يوافقه إطلاق المصنف في قوله (وَشَحْمٍ)، وأصحُّهما وهو المنصوص أيضًا: المنع كالمداواة، وَعَلَفُ الدَّوَابِ تِبْنًا وَشَعِيْرًا وَنَحْوَهُمَا، لأنه لا بد من مركوب فهو كالقوت والعلَف هنا بفتح اللام

стр. 1672

لأن المراد مَا تأكله، وَذَبْحُ مَأْكُولٍ لِلَحْمِهِ، كتناول الأطعمة ويجب رد جلده إلى المغنم لا ما يؤكل مع اللحم، وَالصَّحِيْحُ: جَوَازُ الْفَاكِهَةِ، لأنه قد يحتاج إلى ذلك، والثاني: لا، لأنه لا يحتاج إليها غالبًا، وَأَنَّهُ لاَ تَجِبُ قِيْمَةُ الْمَذبُوحِ، أي إذا ذبحه لأجل لحمه، كما سلف، كما لا تجب قيمة الطعام المأخوذ، والثاني: يجب، لأن الترخيص ورد في الطعام، والحيوان ليس بطعام، ولهذا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا وهو ضعيف، لأن القيمة لو وجبت لما جاز الذبح وهذا القائل قد أجازه، وَأَنَّهُ لاَ يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمُحْتَاجٍ إِلَى طَعَامٍ وَعَلَفٍ، لإطلاق المرخص في الباب، قال الإمام: إلا أن يضيّق على المحتاجين فللإمام منعه، والثاني: يختصُّ لاستغنائه عن أخذ حق الغير. فَرْعٌ: ما يأخذه لا يملكه بالأخذ لكن أبيح له الأكل؛ والآخذ كالضيف، ذكره الإمام وغيره، ووقع في الحاوي الصغير: أنه يملكه ولا نعرفه لغيره. وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْحِيَازَةِ، لأنه معهم كغير الضيف مع الضيف، والثاني: يجوز لمظنة الحاجة وعزة الطعام هناك، قال الرافعي: والأول موافقٌ لما ذكرناه في قسمة الغنائم أن من لَحِقَ الجند في دار الحرب بعد حيازة الغنيمة لا يشاركهم في الغنيمة، وإن لَحِقَ قبل الحيازة، فالأصح أن الجواب كذلك، وَاعْلَمْ: أن قول المصنف (بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْحِيَازَةِ) يوهم أنه لو لحق قبل الحيازة يختلف الحكم، ولا يختلف؛ لأنه لا يشاركه قبل الحيازة ولا بعدها كما قررناه، وَأنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى الْمَغْنَمِ، لزوال الحاجة، والمأخوذ متعلق بحق الجميع، والثاني: لا، لإباحة الأخذ، والثالث: إن كان قليلًا لا يبالى به لم يرد وإلا فيرد، وهذه الأقوال على المشهور كما نبّه عليه الرافعي خلاف ما جزم به المصنف وهو في ذلك تابع للغزالي، وَمَوْضِعُ التَّبَسُّطِ دَارُهُمْ، لأنه موضع العزة فإن انتهوا إلى عمران دار الإسلام وتمكنوا من الشراء أمسكوا، وَكَذَا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى عُمْرَانِ الإِسْلاَمِ في الأَصَحِّ، لبقاء الحاجة، والثاني: المنع؛ لأن مظنَّة الحاجة دار الحرب فَيُنَاطُ الحكم به، وعكسه لو وجدوا سوقًا في دار الحرب وتمكنوا فيه من الشراء فقد طرد الغزالي فيه الخلاف لانعكاس التوجيهين،

стр. 1673

وقطع الإمام بالجواز وقال لم أر لأحد منعه، ونزّلوا دار الحرب في ذلك منزلة السفر في الترخص. فَصْلٌ: وَلِغَانِمٍ رَشِيْدٍ وَلَوْ مَحْجُورًا عَلَيْهِ بِفَلَسٍ الإِعْرَاضُ عَنِ الْغَنِيْمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، لأنه بمَحْضِ جهاده للآخرة، وخرج بالرشيد الصبي والمجنون والسفيه، واحترز بقوله (قَبْلَ الْقِسْمَةِ) عما بعدها لاستقرار الملك ولا يصح إعراض العبد عن رَضْخِهِ ويصح للسيد؛ لأنه حقه، وَالأصَحُّ: جَوَازُهُ، يعني الإعراض، بَعْدَ فَرْزِ الْخُمُسِ، أي وقيل: قسمة الأخماس الأربعة، لأن بالإقرار لا يتعين حق واحد فواحد، والثاني: المنع؛ لأن حقهم تميز عن الجهات العامة فصار كمالٍ مشترك، وَجَوَازُهُ، أي الإعراضُ، لِجَمِيْعِهمْ، أي ويصرف الجميع إلى مصرف الخمس؛ لأن المعنى المصحح للإعراض يشمل الواحد والجميع عامة، والثاني: لا، لأنّا لو صححنا ذلك لصرفنا نصيبهم إلى مصارف الخمس، وَبُطْلاَنُهُ مِنْ ذِي الْقُرْبَى، لأنهم يستحقونه بلا عمل فأشبه الإرث، والثاني: يصح كالغنائم؛ وفرض الحاوي الصغير تبعًا للوجيز المسألة في إعراض جميعهم وليس بجيد، وَسَالِبٍ، لأنه متعين كالوارث، والثاني: يصحُّ كإعراض سائر الغانمين، وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، أي فَيُضَمُّ نصيبهُ إلى المغنم، وَمَنْ مَاتَ فَحَقُّهُ لِوَارِثِهِ، أي إن لم يعرض كسائر الحقوق، وَلاَ يُمْلَكُ إِلاَّ بِقِسْمَةٍ، وَلَهُمُ التَّمَلُّكُ، أي اختيار التملك؛ لأنهم لو ملكوا لم يصح إعراضهم كمن احتطب، وَقِيْلَ: يَمْلِكُونَ، أي بالحيازة والاستيلاء التام؛ لأن الاستيلاء على ما ليس بمعصوم من المال سبب الملك، وَقِيْلَ: إِنْ سَلِمَتْ إِلَى الْقِسْمَةِ بَانَ مِلْكُهُمْ، وَإِلاَّ فَلاَ، لأن قصد الاستيلاء على المال لا يتحقق إلا بالقسمة، فإذا اقتسموا أثبتنا قصد التملك بالاستيلاء فَتَبَيَّنَ حصولُ الْمِلْكِ، وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالاِسْتِيلاَءِ كَالْمَنْقُولِ، بجامع المالية، وَلَوْ كَانَ فِيْهَا كَلْبٌ أَوْ كِلاَبٌ تَنْفَعُ، أي للاصطياد والحراسة، وَأرَادَهُ بَعْضُهُمْ، أي بعض الغانمين وأهل الخمس، وَلَمْ يُنَازَعْ أُعْطِيَهُ، وِإلاَّ، أي وإن نُوزِعَ، قُسِّمَتْ إِنْ أَمْكَنَ، أي بأن وجد عدّة كلاب وأمكن قسمتها عددًا، وَإلاَّ أُقْرِعَ، بينهم هذا ما يوجد في كتب العراقيين كما قال الرافعي وناقشه فيه في الكفاية،

стр. 1674

وصرح الجرجاني بأن الكلب لا يدخل في القسمة، وَالصَّحِيْحُ: أَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ فُتِحَ عَنْوَةً؛ لأن عمر ﵁ قسَّمَهُ في جملة الغنائم (٣٤٥)، وسُمَّي سوادًا لخضرته بالأشجار والزرع على أحد الأقوال، والثاني: أنه فُتِحَ صُلْحًا وأنَّ عُمَرَ ﵁ رَدَّهُ عليهم بخَرَاجٍ يؤدُّونه كُلِّ سَنَةٍ (٣٤٦)، وَقُسِّمَ ثُمَّ بَذَلُوهُ وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، أي وقفه عمر ﵁ كما روي عنه من طرق، وَخَرَاجُهُ أُجْرَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِيْنَ، والثاني: أنه باعه من أهله، وَالْخَرَاجُ ثَمَنٌ مُنَجَّمٌ؛ لأنه لم يزل الناس يبيعون أرض السواد ويشترون من غير إنكار (٣٤٧)، ومن قال بالأول لا يسلم عدم الإنكار بل قد روي الإنكار عن عمر ﵁ (٣٤٨).

стр. 1675

تَنْبِيْهٌ: في السبب الباعث على استرجاعه منهم خلاف، قيل: لأنه خاف أن يشتغلوا بفلاحته عن الجهاد، وقيل: لئلا ينفردوا بها وذريتهم عن سائر الناس. وَهُوَ، يعني حدَّ السواد، مِنْ عَبَّادَانَ إِلَى حَدِيْثَةَ الْمَوْصِلِ طُوْلًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا. قُلْتُ: الصَّحِيْحُ: أَنَّ الْبَصْرَةَ وِإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً في حَدِّ السَّوَادِ فَلَيْسَ لَهَا حُكمُهُ إِلاَّ في مَوْضِعٍ غَرْبِيَّ دِجْلَتِهَا وَمَوْضِعٍ شَرْقَيَّهَا؛ لأنها أُحدثت بعد فتحه ووقفه، وَأَنَّ مَا في السَّوَادِ مِنَ الدُّوْرِ وَالْمَسَاكِنِ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأن أحدًا لم يمنع شراءها, ولأن وَقْفَهَا يفضي إلى خرابها، والثاني: المنع كالمزارع، وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا, لأنه ﵊ لم يَقْتُلْ إلاَّ أُناسًا خَصَّهُمْ به ولم يسلب؛ ولا قسَّمَ عقارًا ومنقولًا، ولو فُتحت عُنوة لكان الأمرُ بخلاف ذلك، فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعُ، لقوله ﵊ [هَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيْلٌ مِنْ رباعٍ] (٣٤٩). فَرْعٌ: فُتِحَتْ بَلَدُنَا مِصْرُ عِنْوَةً وَكَذَا دِمَشْقُ عَلَى مَا يَتَرَجَّحُ أَيْضًا. فَصْلٌ: يَصُحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ أَمَانُ حَرْبِيًّ وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ فَقَطْ، لقوله ﵊ [إِنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِيْنَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ] الحديث متفق عليه (٣٥٠)، وخرج بـ (المسلم) الكافر لأنه منهم، وبـ (المكلف) الصبي والمجنون، لأنه عقد فأشبه سائر العقود، وبـ (المختار) المكره كعقده وبـ (المحصور) أمان ناحية وبلدة لتعطل الجهاد، ودَخَلَ في الضابط المذكور العبد وإن كان سيده كافرًا والمرأة والخنثى والفقير والمحجور عليه بالسفه والمريض والفاسق.

стр. 1676

وَلاَ يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيْرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ في الأَصَحِّ؛ لأنه في نفسه ليس آمنًا، والثاني: يصح؛ لأنه مسلم مكلف مختار أَمَّنَ أمانًا ليس فيه إضرار. وَيَصِحُّ، يعني الأمان، بِكُل لَفْظٍ يُفِيْدُ مَقْصُودَهُ، أي صريحًا كأجَرتُكَ أو كناية كَأَنْتَ عَلَى مَا تُحِبُّ، وَبِكتَابَةٍ، لأثر فيه عن عمر ﵁ (٣٥١)، وَرِسَالَةٍ، أي سواء كان الرسول مسلمًا أو كافرًا. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْكَافِرِ بِالأَمَانِ، أي فإن لم يعلمه فلا أمان له حتى لو بدر مسلم فقتله جاز، فَإِنْ رَدَّهُ بَطَلَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْبَل في الأَصَحِّ، كغيره من العقود، والثاني: يكفي السكوت لبناء الباب على التوسعة، وَتَكْفِي إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ، أي ولو من قادر على النطق لبناء الباب على الإتِّسَاعِ. وَيجِبُ أَنْ لاَ تَزِيْدَ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجُوزُ مَا لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً، لما سيأتي في الهدنة، أما السَّنَةُ فممتنعة قطعًا، ولو زاد على الجائز فتفريق الصفقة، وَلاَ يَجُوزُ أمَانٌ يَضُرُّ الْمُسْلِمِيْنَ كَجَاسُوسٍ. أي وكذا طليعة، وَلَيْسَ لِلإِمَامِ نَبْذُ الأَمَانِ إِنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً, لأنه لازم من جهة المسلمين؛ فإن خافها نَبَذَهُ كالهدنة، وأَولى، وَلاَ يَدْخُلُ في الأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا فِي الأَصَحِّ إِلاَّ بِشَرْطٍ، لقصور اللفظ، والثاني: يدخل لاحتياجه إلى ذلك؛ واقتضى كلام الرافعي في أول المسألة الثانية الجزم به. فَصْلٌ: وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ الْحَرْبِ إِنْ أَمْكَنَهُ إِظْهَارُ دِيْنِهِ، أي لقوته وعشيرته، اسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ، إلى دار الإِسلام خوفًا من الميل إليهم؛ ولا تجب لقدرته على

стр. 1677

إظهار دينه، وَإِلاَّ وَجَبَتْ إِنْ أَطَاقَهَا، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ الآية (٣٥٢)، مع قوله ﵊: [لاَ تَنْقَطِعُ الهِجْرَةُ مَا قُوْتِلَ الْكُفَّارُ] صححه ابن حبان (٣٥٣)، وَلَوْ قَدَرَ أَسِيْرٌ عَلَى هَرَبِ لَزِمَهُ، إقامةً لِدِيْنِهِ، وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بِلاَ شَرْطٍ فَلَهُ اغْتِيَالَهُمْ، أي قتلًا وسَبْيًا لأنهم لم يَسْتَأْمِنُوهُ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ حَرُمَ، عملًا بما التزمه، وكذا لو أطلقوه على أنه في أمان منهم فلم يستأمنوه، فَإِنْ تَبِعَهُ قَوْمٌ فَلْيَدْفَعْهُمْ وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ، كما في دفع الصائل، وَلَوْ شَرَطُواْ أَنْ لاَ يَخرُجَ مِنْ دَارِهِمْ لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ، أي بل عليه الخروج؛ لأن في ذلك تركِ إقامةَ الدِّينِ. فَصْلٌ: وَلَوْ عَاقَدَ الإِمَامُ عِلْجًا يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ جَازَ، أي وهي جُعَالَةٌ بجعلٍ مجهول غير مملوك احتمل للحاجة، وسواء كانت الجارية المعينةُ حُرَّةً أو أَمةً؛ لأن الحرَّةَ تُرَقُّ بالأسر، وخرج بقوله (وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ) ما إذا قال الإمام: له جارية مما عندي؛ فإنه لا يصح للجهل بِالْجُعْلِ كسائر الْجُعَالاَتِ؛ ولا تجوز هذه المعاقدة مع مسلم على الأصح عند الإمام، وتبعه الحاوي الصغير؛ لأن فيه نوعٌ من غررٍ فلا يحتمل معه بخلاف العلج، فَإِنْ فُتِحَتْ بِدِلاَلَتِهِ أُعْطِيَهَا، أي فلا حق فيها لغيره؛ لأنه استحقَّها بالشرطِ قبلَ الظَّفَرِ، أَوْ بِغَيْرِهَا، أي أو فتحت بغير دلالته، فلاَ

стр. 1678

فِي الأَصَحِّ، الخلاف مبني على أن الاستحقاق يثبت بنفس الدلالة أو لا يستحق إلا إذا حصل الفتح بدلالته، فَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ! فَلاَ شَيْءَ لَهُ, لأنه لما شرط جارية منها صارت جعالته مستحقة بشرطين الدلالة والفتح فلم يستحق بأحدهما؛ بخلاف ما لو كان الجعل من غير القلعة فإنه يستحقه بالدلالة وإن لم تفتح، وَقِيْلَ: إِنْ لَمْ يُعَلِّقِ الْجُعْلَ بِالْفَتْحِ فَلَهُ أُجْرَةَ مِثْلٍ، لوجود الدلالة، والأصح: المنع؛ لأن تسليمها لا يمكن إلا بالفتح، فالشرط مقيد بالفتح حقيقة وإن لم يجز لفظًا، أما إذا علق الجعل بالفتح فلا شيء له قطعًا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْهَا جَارِيَةٌ أَوْ مَاتَتْ قَبْلَ الْعَقْدِ فَلاَ شَيْءَ، له لفقد المشروط، أَوْ بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيْمِ وَجَبَ بَدَلٌ, لأنها حصلت في يد الإمام وقبضته؛ فكان الْمُتْلَفُ من ضمانه، أَوْ قَبْلَ ظَفَرٍ فَلاَ فِي الأَظْهَرِ, لأنه لم تحصل القدرة عليها فأشبه ما إذا لم تكن، والثاني: نَعَمْ, لأن العقد تعلق بها؛ وهي حاصلة؛ ثم تعذر التسليم، فصار كما إذا قال من ردَّ عبدي فله هذه الجارية، فردَّهُ وقد ماتت الجارية يلزمه بدلها، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ بَدَلٍ, لأن الإسلام مانع، ومنهم من قال: إنه على الخلاف المذكور في الموت، ولم يرجح الرافعي واحدًا من هذين الطريقين، بل قال: الظاهر في صورة الإِسلام وجوب البدل، وإن ثبت الخلاف وهو فيما إذا أسلمت بعد الظفر، أظهرُ منه فيما إذا أسلمَتْ قبلَهُ؛ لأنها إذا أسلمت بعدهُ تكون مملوكةً، وَهُوَ، أي البدلُ المذكور حيث أوجبناهُ هو، أُجْرَةُ مِثْلٍ، وَقِيْلَ: قِيْمَتُهَا، الخلاف على أنَّ الْجُعْلَ مضمون ضمان عقد أو يدٍ كما في الصَّدَاقِ، لكن قال الرافعي: الموجود لعامة الأصحاب هنا قيمة الجارية، قال: ولا يتعذر الفرق على من يحاوله وجزم به الحاوي الصغير وهو منصوص الأُمِّ.

стр. 1679

كِتَابُ الْجِزْيَةِ الْجِزْيَةُ: وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْمُجَازَاةِ لِكَفِّنَا عَنْهُمْ، وَقِيْلَ: مِنَ الْقَضَاءِ؛ قال تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ (٣٥٤). وَالأَصْلُ فِيْهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ ... ﴾ الآية (٣٥٥). وَأخَذَهَا ﵊ مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ وَغَيْرِهِمْ (٣٥٦). صُورَةُ عَقْدِهَا: أُقِرُّكُمْ بِدَارِ الإِسْلاَمِ أَوْ أَذِنْتُ في إِقَامَتِكُمْ بِهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُواْ جِزْيَةً وَتَنْقَادُواْ لِحُكْمِ الإِسْلاَمِ، أي ويقول الذمي: قَبِلْتُ أو رضيتُ بذلك كما سيأتي, لأن الجزية مع الانقياد عوض التقرير، فيجب التعرض له كالثمن في المبيع والأجرة في الإجارة، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا، كالثمن والأجرة، والثاني: لا، وينزل المطلق على الأقل، لاَ كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ

стр. 1680

وَسَلَّمَ وَدِيْنِهِ, لأنه داخل في الانقياد، والثاني: يشترط إذ به تحصل المسالمة وترك التعرض من الجانبين، وَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ مُؤَقَّتًا عَلَى الْمَذْهَبِ, لأنه بدلٌ عن الإِسلام، وهو لا يصح مؤقتًا، فكذلك عقد الذمة، والثاني: يصح كالهدنة. والثالث: القطع بالصحة، واقتصر الغزالي على الأولى، ولم يرجح الرافعي واحدًا منها وإنما أرسلهما إرسالًا، وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ، كغيره من العقود، وَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ بِدَارِنَا فَقَالَ: دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلاَمِ اللهِ تَعَالَى، أَوْ رَسُولًا، أَوْ بِأَمَانِ مُسْلِمٍ صُدِّقَ، لاحتمال ما يدعيه، وَفِي دَعْوَى الأَمَانِ وَجْهٌ، لإمكان إقامة البيِّنة عليه، وَيُشْتَرَطُ لِعَقدِهَا الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، أي الذي فوض ذلك إليه, لأنه من المصالح العظام. فاختص بمن له النظر العام، وَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ إِذَا طَلَبُواْ، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾، إِلاَّ جَاسُوسًا نَخَافُهُ، أي فإنه لا تجب عليه الإجابة، بل لا تقبل الجزية منه. وكذا لو كان يخاف غائلتهم، ويرى أن ذلك مكيدة منهم فلا يجيبهم، ولو أراد الإمام أن يستعين بهم في القتال فامتنع من الخروج إلا إذا تركت له الجزية، فالأَولى أن يقبضها منه ثم يردها إليه، فإن لم يفعل وتركها جاز، وكان إبراءٌ في وقتها، قاله الروياني في بحره قبيل باب نصارى العرب. فَصْلٌ: وَلاَ تُعْقَدُ إِلاَّ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، أي من العرب والعجم؛ لأنهم أهل كتاب، وَالْمَجُوسِ, لأنه ﵊ أخذها منهم كما سلف، وَأَوْلاَدُ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ أَوْ شَكَكْنَا فِي وَقْتِهِ، تغليبًا لحقن الدم، وخرج بهذا ما إذا كان ذلك بعد بعثة نبينا أو عيسى صلى الله عليهما وسلم فإنها لا تنعقد لهم، وَكَذَا زَاعِمٌ التَّمَسُّكَ بِمُصْحَفِ إِبْرَاهِيْمَ وَزَبُورِ دَاوُدَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ, لأن الله تعالى أنزل عليهم صُحُفًا فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٣٥٧) وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٥٨) وتسمَّى كُتُبًا كما نصَّ عليه الشافعي ﵁ فاندرجت في قوله تعالى ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٣٥٩)، وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَالآخَرُ وَثَنِيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ، تغليبًا لحقن الدم، وقوله (عَلَى الْمَذْهَبِ) عائدٌ إلى هذه المسألة والتي قبلها،

стр. 1681

أما التي قبلها، ففيها طريقة قاطعة بأنها تعقد لهم لما سلف، وطريقة حاكية لوجهين، وحه الجواز ما سلف، ووجه المنع. وعزاه القاضي إلى الأكثرين أنها ليست كتبًا منزّلة تتلى، ولأنها مواعظ لا أحكامَ فيها، وظاهر إيراد الرافعي ترجيح طريقة الوجهين، وأما الثانية ففيها طريقة قاطعة أيضًا أنها تعقد له سواء كان الأبُ وثنيًّا أو الأمُّ وثنيّة لما سلف، في تغليب حقن الدم، وفي المناكحة والذبيحة غلبنا التحريم احتياطًا، وطريقةٌ ثانيةٌ: أن حكمه حكم المناكحة والذبيحة، فإن كان الأبُ وثنيًّا فلا أو عكسه فقولان، وعبارة الروضة: فيه طرق؛ المذهب تقريره سواء كان الكتابي الأب أو الأم، وقيل: قولان، وقيل: لا يقر، وقيل: يلحق بالأب، وقيل: بالأم. تَنْبِيْهٌ: أَفْهَمَ حَصْرُ المصنَّفِ عقدَ الذمةِ لمن ذكر أنها لا تعقد لغيرهم كعبدة الأوثان والملائكة والشمس ومن في معناهم والسامرة والصابئة إن خالفوا أصل دينهم فليسوا منهم، وإلا فمنهم كما سلف في النكاح. وَلاَ جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ﴾ الآية (٣٦٠)، وهذا خطابٌ للذكور، وَخُنْثَى، كالمرأة، فلو بانَتْ ذكورتُهُ أُخذ منه ما مضى كما جزم به المصنف في شرح المهذب في باب الأحداث، وَمَنْ فِيْهِ رِقٌّ, لأنه مال والمال لا جزية عليه، وَصَبِيًّ وَمَجْنُونٍ، لرفع القلم عنهما، فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ قَلِيْلًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ لَزِمَهُ، أي ولا عبرة بهذا الزمن اليسير، أَوْ كَثِيْرًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ, فَالأَصَحُّ: تُلَفَّقُ الإِفَاقَةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتْ، اعتبارًا للأيام المتفرقة بالأيام المجتمعة، والثاني: لا شيء عليه كمن بعضه رقيق، وَلَوْ بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيًّ وَلَمْ يَبْذُلْ جِزْيَةً أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ، أي ولا يُغْتَالَ؛ لأنه كان في أمان أبيه بحكم التبعية، وَإِنْ بَذَلَهَا عُقِدَ لَهُ, لأن عقد الأب كان لنفسه، وَقِيْلَ: عَلَيْهِ كَجِزْيَةِ أَبِيْهِ، كما يتبعه في أصل الأمان واختاره الماوردي، وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهَا عَلَى زَمِنٍ؛ وَشَيْخٍ هَرِمٍ؛ وَأَعْمًى؛

стр. 1682

وَرَاهِبٍ؛ وَأَجِيْرٍ, لأنها كأجرة الدار يستوي فيه أرباب الأعذار، والطريق الثاني: البناء على جواز قتلهم، وإن قلنا بالجواز ضربت عليهم الجزية وإلا فلا إلحاقًا لهم بالصبيان والنساء، وظاهر إيراد الروضة ترجيح الطريقة الأولى، وهو من تصرّفه, وَفَقِيْرٍ عَجَزَ عَنْ كَسْبٍ, لأنه كَالْغَنِيِّ في الْحَقْنِ وَالسُّكْنَى (٣٦١)، فَإذَا تَمَّتْ سَنَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَفِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوْسِرَ، كما يعامل المعسر ويطالب إذا أيسر، وَاعْلَمْ: أن قوله (وَفَقِيْرٍ) هو معطوف على قوله (وَالْمَذْهَبُ)، وصريحه حكاية طريقين أو طرق في ذلك، والذي في الرافعي وغيره حكاية قولين فيه؛ أصحُّهما: الوجوب، والثاني: المنع؛ لأنها حقٌّ ماليٌّ يجب له كلِّ حَوْلٍ فلم يلزمه هذا كمال الزكاة. فَصْلٌ: وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنَ اسْتِيْطَانِ الْحِجَازِ, لأنه ﵊ أَوْصَى بِذَلِكَ كَمَا أخْرَجَهُ أحمد والبيهقي وأصلهُ في الصحيحين من حديث ابن عبَّاسٍ (٣٦٢)، وَهُوَ، يعني الحجاز، مَكَّةُ وَالْمَدِيْنَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا، كذا فَسَّرَهُ الشافعيُّ ﵁ (٣٦٣)، وَقِيلَ: لَهُ الإِقَامَةُ في طُرُقِهِ الْمُمْتَدَّةِ, لأنها ليست مجتمع الناس ولا موضع الإقامة،

стр. 1683

والأصح: المنعُ؛ لأنَّها من بلاد الحجاز، وَلَوْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، لِتَجَرُّئِهِ ودخولهِ ما ليسَ له دخولُه، فَإنِ اسْتَأْذَنَ، أي في دخوله، أَذِنَ، أي الإمام أو نائبه في ذلك، إِنْ كَانَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِيْنَ كَرِسَالَةٍ وَحَمْلِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، أي وكذا عقد هدنة أو ذمة، فَإنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيْهَا كَبِيْرُ حَاجَةٍ لَمْ يَأْذَنْ إِلاَّ بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا، أي وقَدَرُهُ راجع إلى رأي الإمام، وَلاَ يُقِيْمُ إلاَّ ثَلاَثَةَ أَيَامٍ، اقتداءً بالفاروق ﵁ (٣٦٤)، وَيُمْنَعُ دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٣٦٥) والمراد به هنا جميع الحرم بدليل قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أَيِ انْقِطَاعَ التِّجَارَةِ عَنْكُمُ، ومعلوم أن الجلَب ليس إلى المسجد نفسه وقد سلف في الحج حد حرم مكة، فَإِنْ كَانَ رَسُولًا خَرَجَ إِلَيْهِ الإِمَامُ أَوْ نَائِبٌ يَسْمَعُهُ، حسمًا للباب، وَإِنْ مَرِضَ فِيْهِ نُقِلَ، وَإِنْ خِيْفَ مَوْتُهُ، أي من النَّقْلِ؛ لأنه ممنوع من الإقامة، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُدْفَنْ فِيْهِ، فَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ, لأن بقاء جيفته أشد من دخوله فيها حيًا، وهذا إذا لم يَتَقَطَّعْ؛ فإنْ تَقَطَّعَ تَرَكَهُ، وَإِن مَرِضَ في غَيْرِهِ, أي في غير الحرم، مِنَ الْحِجَازِ وَعَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ في نَقْلِهِ تُرِكَ وَإِلاَّ نُقِلَ، فَإِنْ مَاتَ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ دُفِنَ هُنَاكَ، للضرورة. فَرْعٌ: حَرَمُ المدينة لا يلحق بحرم الكعبة فيما ذكرنا، لكن استحسن الروياني أن يَخْرُجَ منه إذا لم يتعذر الإخراج ويدفن خارجه، وفي الذخائر أن بعض أصحابنا ألحق المدينة وحرمها بحرم مكة. فَصْلٌ: أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِيْنَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ، لقوله ﵊ لمعاذ لَمَّا بعثه

стр. 1684

إلى اليمن: [خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ - أَيْ مُحْتَلِمٍ - دِيْنَارًا أوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ] ثيابٌ تكون باليمن، رواه الترمذي وصححه (٣٦٦)، ومعنى عدله أي بدله كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٣٦٧) وروى الشافعي من طريق عمر بن عبد العزيز أنه ﵊ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: [أَنَّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بَيْنَهُمْ (•) دِيْنَارًا لِكُلِّ سَنَةٍ أَوْ قِيْمَتَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ] يعني من أهْلِ الذِّمَّةِ (٣٦٨)، ثم روى عن مطرف بن مازن وهشام بن يوسف بإسناد لا نحفظهُ غيرَ أنهُ حَسَنٌ: أَنَّهُ ﵊ فَرَضَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ دِيْنَارًا كُلَّ سَنَةٍ (٣٦٩). وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ مُمَاكَسَةٌ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ مُتَوَسِّطِ دِيْنَارَيْنِ وَغَنِيِّ أَرْبَعَةً، لأن الإِمام متصرف للمسلمين فينبغي أن يحتاط لهم، وأطلق المصنف تبعًا للرافعي استحباب المماكسة، ونقل ابن الرفعة عن الأصحاب: أنه ليس للعاقد إذا قدر على العقد لمئة دينار أن ينقص منها دانقًا، وَلَوْ عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ ثُمَّ عَلِمُواْ جَوَازَ دِيْنَارٍ لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ، كمن اشترى شيئًا بأكثر من ثمن مثله، فَإِنْ أَبَواْ فَالأَصَحُّ أَنَّهُمْ نَاقِضُونَ، أي بذلك كما لو امتنع من أداء أصل الجزية، والثاني: لا، ويقنع منهم بالدينار كما يجوز ابتداء العقد به. فَرْعٌ: لا يصح بدل الزيادة في العقد لسفيه على الأشبه بخلاف ما إذا لم يعفُ مستحق القود إلاّ بزيادة صيانة للروح.

стр. 1685

وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِنِيْنَ أُخِذَتْ جِزْيَتُهُنَّ مِنْ تِرْكَتِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوَصَايَا، كسائر الديون، وَيُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ آدَمِيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي فإن لم تفِ التركة ضارب الإمام مع الغرماء بالجزية، وصحَّحَ المصنف هذه الطريقة في أصل الروضة، والطريق الثاني: أنه على الأقوال في اجتماع دَين الله ودَين الآدمي! هل يقدم ذا أم ذاك أم يستوي (•)؟ أَوْ فِي خِلاَلِ سَنَةٍ، أي أسلم أو مات في خلال سنة، فَقِسْطٌ، كالأُجرة، وَفِي قَوْلٍ: لاَ شَيْءَ، لأنه مال يراعى فيه الحول فيسقط بالموت في خلال الحول كالزكاة. فَصْلٌ: وَتُؤْخَذُ، يعني الجزية، بِإِهَانَةٍ فَيَجْلِسُ الآخِذُ، وَيَقُومُ الذِّمِّيُّ وَيُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَحْنِي ظَهْرَهُ وَيَضَعُهَا في الْمِيزَانِ، وَيَقْبِضُ الآخِذُ لِحْيَتَهُ، وَيَضْرِبُ لِهْزِمَتَيْهِ، أي بكسر اللام والزاء وهي مجتمع اللحم بين الماضغ والاذن ويقول: يَا عَدُوَّ اللهِ أَدِّ حَقَّ اللهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣٧٠)، قال الرافعي: ويشبهُ أن يكون (•) الضربُ في أحد الجانبين ولا يراعَى الجمع بينهما، وَكُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ، لأنها تسقط بتضعيف الصدقة، وَقِيْلَ: وَاجِبٌ، ليحصل الصغار المذكور، فَعَلَى الأَوَّلِ، أي وهو استحباب هذه الكيفية: لَهُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بِالأَدَاءِ وَحَوَالَةٌ عَلَيْهِ وَأَنْ يَضْمَنَهَا، لأن الصغار حاصل بالتزامه المال وانقياده للأحكام على كره منه، والضمان أولى بالصحة؛ لأنه لا يمنع الطلب من الذمي وإقامة الصغار عليه، وعلى الثاني: وهو وجوبها, لا يجوز جميع ذلك إذ فيه إهانة للمسلم، ولو وكل ذمي ذميًا بالأداء قال الإِمام: الوجه طرد الخلاف؛ لأن كُلًّا منهما معنى بالصغار في نفسه. قُلْتُ: هَذِهِ الْهَيْئَةُ، يعني السالفة، بَاطلَةٌ وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَشَدُّ خَطَأً؛ وَاللهُ! أَعْلَمُ, هو كما قال؛ فإنه لا أصل لها؛ وإنما تؤخذ برفق كسائر الديون، ويكفي فِي الصَّغَارِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمُ الْحُكْمُ لاَ أَنْ يُضْرَبواْ وَيُؤْذَواْ بِقَوْلٍ قَبِيْحٍ وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، وفِي هذه الهيئة مِن الأذى ما لا يَخْفَى.
следующие страницы →