← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

أما التي قبلها، ففيها طريقة قاطعة بأنها تعقد لهم لما سلف، وطريقة حاكية لوجهين، وحه الجواز ما سلف، ووجه المنع. وعزاه القاضي إلى الأكثرين أنها ليست كتبًا منزّلة تتلى، ولأنها مواعظ لا أحكامَ فيها، وظاهر إيراد الرافعي ترجيح طريقة الوجهين، وأما الثانية ففيها طريقة قاطعة أيضًا أنها تعقد له سواء كان الأبُ وثنيًّا أو الأمُّ وثنيّة لما سلف، في تغليب حقن الدم، وفي المناكحة والذبيحة غلبنا التحريم احتياطًا، وطريقةٌ ثانيةٌ: أن حكمه حكم المناكحة والذبيحة، فإن كان الأبُ وثنيًّا فلا أو عكسه فقولان، وعبارة الروضة: فيه طرق؛ المذهب تقريره سواء كان الكتابي الأب أو الأم، وقيل: قولان، وقيل: لا يقر، وقيل: يلحق بالأب، وقيل: بالأم. تَنْبِيْهٌ: أَفْهَمَ حَصْرُ المصنَّفِ عقدَ الذمةِ لمن ذكر أنها لا تعقد لغيرهم كعبدة الأوثان والملائكة والشمس ومن في معناهم والسامرة والصابئة إن خالفوا أصل دينهم فليسوا منهم، وإلا فمنهم كما سلف في النكاح. وَلاَ جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ، لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... ﴾ الآية (٣٦٠)، وهذا خطابٌ للذكور، وَخُنْثَى، كالمرأة، فلو بانَتْ ذكورتُهُ أُخذ منه ما مضى كما جزم به المصنف في شرح المهذب في باب الأحداث، وَمَنْ فِيْهِ رِقٌّ, لأنه مال والمال لا جزية عليه، وَصَبِيًّ وَمَجْنُونٍ، لرفع القلم عنهما، فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ قَلِيْلًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ لَزِمَهُ، أي ولا عبرة بهذا الزمن اليسير، أَوْ كَثِيْرًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ, فَالأَصَحُّ: تُلَفَّقُ الإِفَاقَةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً وَجَبَتْ، اعتبارًا للأيام المتفرقة بالأيام المجتمعة، والثاني: لا شيء عليه كمن بعضه رقيق، وَلَوْ بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيًّ وَلَمْ يَبْذُلْ جِزْيَةً أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ، أي ولا يُغْتَالَ؛ لأنه كان في أمان أبيه بحكم التبعية، وَإِنْ بَذَلَهَا عُقِدَ لَهُ, لأن عقد الأب كان لنفسه، وَقِيْلَ: عَلَيْهِ كَجِزْيَةِ أَبِيْهِ، كما يتبعه في أصل الأمان واختاره الماوردي، وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهَا عَلَى زَمِنٍ؛ وَشَيْخٍ هَرِمٍ؛ وَأَعْمًى؛

стр. 1682

وَرَاهِبٍ؛ وَأَجِيْرٍ, لأنها كأجرة الدار يستوي فيه أرباب الأعذار، والطريق الثاني: البناء على جواز قتلهم، وإن قلنا بالجواز ضربت عليهم الجزية وإلا فلا إلحاقًا لهم بالصبيان والنساء، وظاهر إيراد الروضة ترجيح الطريقة الأولى، وهو من تصرّفه, وَفَقِيْرٍ عَجَزَ عَنْ كَسْبٍ, لأنه كَالْغَنِيِّ في الْحَقْنِ وَالسُّكْنَى (٣٦١)، فَإذَا تَمَّتْ سَنَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ فَفِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوْسِرَ، كما يعامل المعسر ويطالب إذا أيسر، وَاعْلَمْ: أن قوله (وَفَقِيْرٍ) هو معطوف على قوله (وَالْمَذْهَبُ)، وصريحه حكاية طريقين أو طرق في ذلك، والذي في الرافعي وغيره حكاية قولين فيه؛ أصحُّهما: الوجوب، والثاني: المنع؛ لأنها حقٌّ ماليٌّ يجب له كلِّ حَوْلٍ فلم يلزمه هذا كمال الزكاة. فَصْلٌ: وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنَ اسْتِيْطَانِ الْحِجَازِ, لأنه ﵊ أَوْصَى بِذَلِكَ كَمَا أخْرَجَهُ أحمد والبيهقي وأصلهُ في الصحيحين من حديث ابن عبَّاسٍ (٣٦٢)، وَهُوَ، يعني الحجاز، مَكَّةُ وَالْمَدِيْنَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا، كذا فَسَّرَهُ الشافعيُّ ﵁ (٣٦٣)، وَقِيلَ: لَهُ الإِقَامَةُ في طُرُقِهِ الْمُمْتَدَّةِ, لأنها ليست مجتمع الناس ولا موضع الإقامة،

стр. 1683

والأصح: المنعُ؛ لأنَّها من بلاد الحجاز، وَلَوْ دَخَلَ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، لِتَجَرُّئِهِ ودخولهِ ما ليسَ له دخولُه، فَإنِ اسْتَأْذَنَ، أي في دخوله، أَذِنَ، أي الإمام أو نائبه في ذلك، إِنْ كَانَ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِيْنَ كَرِسَالَةٍ وَحَمْلِ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ، أي وكذا عقد هدنة أو ذمة، فَإنْ كَانَ لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيْهَا كَبِيْرُ حَاجَةٍ لَمْ يَأْذَنْ إِلاَّ بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا، أي وقَدَرُهُ راجع إلى رأي الإمام، وَلاَ يُقِيْمُ إلاَّ ثَلاَثَةَ أَيَامٍ، اقتداءً بالفاروق ﵁ (٣٦٤)، وَيُمْنَعُ دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ (٣٦٥) والمراد به هنا جميع الحرم بدليل قوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أَيِ انْقِطَاعَ التِّجَارَةِ عَنْكُمُ، ومعلوم أن الجلَب ليس إلى المسجد نفسه وقد سلف في الحج حد حرم مكة، فَإِنْ كَانَ رَسُولًا خَرَجَ إِلَيْهِ الإِمَامُ أَوْ نَائِبٌ يَسْمَعُهُ، حسمًا للباب، وَإِنْ مَرِضَ فِيْهِ نُقِلَ، وَإِنْ خِيْفَ مَوْتُهُ، أي من النَّقْلِ؛ لأنه ممنوع من الإقامة، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُدْفَنْ فِيْهِ، فَإِنْ دُفِنَ نُبِشَ وَأُخْرِجَ, لأن بقاء جيفته أشد من دخوله فيها حيًا، وهذا إذا لم يَتَقَطَّعْ؛ فإنْ تَقَطَّعَ تَرَكَهُ، وَإِن مَرِضَ في غَيْرِهِ, أي في غير الحرم، مِنَ الْحِجَازِ وَعَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ في نَقْلِهِ تُرِكَ وَإِلاَّ نُقِلَ، فَإِنْ مَاتَ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ دُفِنَ هُنَاكَ، للضرورة. فَرْعٌ: حَرَمُ المدينة لا يلحق بحرم الكعبة فيما ذكرنا، لكن استحسن الروياني أن يَخْرُجَ منه إذا لم يتعذر الإخراج ويدفن خارجه، وفي الذخائر أن بعض أصحابنا ألحق المدينة وحرمها بحرم مكة. فَصْلٌ: أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِيْنَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ، لقوله ﵊ لمعاذ لَمَّا بعثه

стр. 1684

إلى اليمن: [خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ - أَيْ مُحْتَلِمٍ - دِيْنَارًا أوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ] ثيابٌ تكون باليمن، رواه الترمذي وصححه (٣٦٦)، ومعنى عدله أي بدله كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٣٦٧) وروى الشافعي من طريق عمر بن عبد العزيز أنه ﵊ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ: [أَنَّ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ بَيْنَهُمْ (•) دِيْنَارًا لِكُلِّ سَنَةٍ أَوْ قِيْمَتَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ] يعني من أهْلِ الذِّمَّةِ (٣٦٨)، ثم روى عن مطرف بن مازن وهشام بن يوسف بإسناد لا نحفظهُ غيرَ أنهُ حَسَنٌ: أَنَّهُ ﵊ فَرَضَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ دِيْنَارًا كُلَّ سَنَةٍ (٣٦٩). وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ مُمَاكَسَةٌ حَتَّى يَأْخُذَ مِنْ مُتَوَسِّطِ دِيْنَارَيْنِ وَغَنِيِّ أَرْبَعَةً، لأن الإِمام متصرف للمسلمين فينبغي أن يحتاط لهم، وأطلق المصنف تبعًا للرافعي استحباب المماكسة، ونقل ابن الرفعة عن الأصحاب: أنه ليس للعاقد إذا قدر على العقد لمئة دينار أن ينقص منها دانقًا، وَلَوْ عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ ثُمَّ عَلِمُواْ جَوَازَ دِيْنَارٍ لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ، كمن اشترى شيئًا بأكثر من ثمن مثله، فَإِنْ أَبَواْ فَالأَصَحُّ أَنَّهُمْ نَاقِضُونَ، أي بذلك كما لو امتنع من أداء أصل الجزية، والثاني: لا، ويقنع منهم بالدينار كما يجوز ابتداء العقد به. فَرْعٌ: لا يصح بدل الزيادة في العقد لسفيه على الأشبه بخلاف ما إذا لم يعفُ مستحق القود إلاّ بزيادة صيانة للروح.

стр. 1685

وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِنِيْنَ أُخِذَتْ جِزْيَتُهُنَّ مِنْ تِرْكَتِهِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوَصَايَا، كسائر الديون، وَيُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ آدَمِيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي فإن لم تفِ التركة ضارب الإمام مع الغرماء بالجزية، وصحَّحَ المصنف هذه الطريقة في أصل الروضة، والطريق الثاني: أنه على الأقوال في اجتماع دَين الله ودَين الآدمي! هل يقدم ذا أم ذاك أم يستوي (•)؟ أَوْ فِي خِلاَلِ سَنَةٍ، أي أسلم أو مات في خلال سنة، فَقِسْطٌ، كالأُجرة، وَفِي قَوْلٍ: لاَ شَيْءَ، لأنه مال يراعى فيه الحول فيسقط بالموت في خلال الحول كالزكاة. فَصْلٌ: وَتُؤْخَذُ، يعني الجزية، بِإِهَانَةٍ فَيَجْلِسُ الآخِذُ، وَيَقُومُ الذِّمِّيُّ وَيُطَأْطِئُ رَأْسَهُ وَيَحْنِي ظَهْرَهُ وَيَضَعُهَا في الْمِيزَانِ، وَيَقْبِضُ الآخِذُ لِحْيَتَهُ، وَيَضْرِبُ لِهْزِمَتَيْهِ، أي بكسر اللام والزاء وهي مجتمع اللحم بين الماضغ والاذن ويقول: يَا عَدُوَّ اللهِ أَدِّ حَقَّ اللهِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٣٧٠)، قال الرافعي: ويشبهُ أن يكون (•) الضربُ في أحد الجانبين ولا يراعَى الجمع بينهما، وَكُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ، لأنها تسقط بتضعيف الصدقة، وَقِيْلَ: وَاجِبٌ، ليحصل الصغار المذكور، فَعَلَى الأَوَّلِ، أي وهو استحباب هذه الكيفية: لَهُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بِالأَدَاءِ وَحَوَالَةٌ عَلَيْهِ وَأَنْ يَضْمَنَهَا، لأن الصغار حاصل بالتزامه المال وانقياده للأحكام على كره منه، والضمان أولى بالصحة؛ لأنه لا يمنع الطلب من الذمي وإقامة الصغار عليه، وعلى الثاني: وهو وجوبها, لا يجوز جميع ذلك إذ فيه إهانة للمسلم، ولو وكل ذمي ذميًا بالأداء قال الإِمام: الوجه طرد الخلاف؛ لأن كُلًّا منهما معنى بالصغار في نفسه. قُلْتُ: هَذِهِ الْهَيْئَةُ، يعني السالفة، بَاطلَةٌ وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَشَدُّ خَطَأً؛ وَاللهُ! أَعْلَمُ, هو كما قال؛ فإنه لا أصل لها؛ وإنما تؤخذ برفق كسائر الديون، ويكفي فِي الصَّغَارِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَيْهِمُ الْحُكْمُ لاَ أَنْ يُضْرَبواْ وَيُؤْذَواْ بِقَوْلٍ قَبِيْحٍ وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْكَفِّ عَنْهُمْ، وفِي هذه الهيئة مِن الأذى ما لا يَخْفَى.

стр. 1686

فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ إِذَا صُولِحُواْ فِي بَلَدِهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، اتباعًا لعمر ﵁ وروي مرفوعًا لكنه منقطع (٣٧١)، زَائِدًا عَلَى أَقَلِّ جِزْيةٍ، لأن التمليك يجب في الجزية والضيافة مبنية على الإباحة، وَقِيْلَ: يَجُوزُ مِنْهَا، لأنه ليس عليهم إلّا الجزية، وثبت عن عمر كما قال في الذخائر أنه لم يأخذ منهم مع الضيافة شيئًا آخر فلعلها بلغت القدر الواجب، وَتُجْعَلُ، يعني الضيافة، عَلَى غَنِيٍّ وَمُتَوَسِّطٍ، لاحتمالهما أياها، لاَ فَقِيْرٍ فِي الأَصَحِّ، لأن الضيافة تتكرر فيشق عليه القيام بها، والثاني: تجعل عليه كالجزية، والثالث: تجعل على المعتمل دون غيره؛ قال الرافعي: وهو حسنٌ. فَرْعٌ: قال أصحابنا: يُشْتَرَطُ عليهم تزويد الضيف كفايته ليوم وليلة؛ ذكره في الذخائر. وَيَذْكُرُ، يعني الإمام عند اشتراط الضيافة، عَدَدَ الضِّيْفَانِ رِجَالاً وَفُرْسَانًا، لأنه أنفى للغرر، وَجِنْسَ الطَّعَامِ وَالأُدْمِ وَقَدْرَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَذَا، أي من الخبز وكذا من السمن أو الزيت؛ لأنه أنفى للغرر كما سلف، وَعَلَفَ الدَّوَابِّ، أي من تبن أو حشيش أو قتٍّ، ولا يحتاج إلى ذكر قدر العلف، فإن ذكر الشعير بَيَّنَ قدرَهُ، وإطلاق العلف لا يقتضي الشعير نصَّ عليه؛ وإنما هو التبن والحشيش، وَمنْزِلَ الضِّيْفَانِ مِنْ كَنِيسَةٍ وَفَاضِلِ ومَسْكَنٍ، لما أسلفناه، والضيافة تستلزم ذلك أيضًا

стр. 1687

عادة، قال في الحاوي: ويجب أن يُعَلُّواْ الأبوابَ ليدخلها المسلمون رُكبانًا، وَمُقَامَهُمْ، أى ويذكر مدة مقامهم، وَلاَ يُجَاوِزُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، لأن في الزيادة مشقة. فَائِدَةٌ: لو امتنع من الضيافة اثنان أو ثلاثة أجبروا عليها، فإن امتنع الكل انتقض عهدهم كالجزية؛ قاله في الاستقصاء، وقال مجلي: إذا امتنع الْكُلُّ قُوتِلُواْ؛ فَإِنْ قَاتَلُواْ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ. فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ قَوْمٌ: نُؤَدِّي الْجِزْيَةَ بِاسْمِ صَدَقَةٍ لاَ جِزْيَةٍ فَلِلإِمَامِ إِجَابَتُهُمْ إِذَا رَأَى، اقتداءً بعمر ﵁ (٣٧٢) وسواء فِي هذا العرب أو العجم، وَيُضَعِّفُ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةَ؛ فَمِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ شَاتَانِ، وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِيْنَ بِنْتَا مَخَاضٍ، وَعِشْرِيْنَ دِيْنَارًا دِيْنَارٌ

стр. 1688

وَمِائَتَي دِرْهَمٍ عَشْرَةٌ وَخُمُسُ الْمُعَشَرَاتِ، لأن هذا شأن التضعيف، وَلَوْ وَجَبَ بِنْتَا مَخَاضٍ مَعَ جُبْرَانٍ، أي كما في ست وثلاثين عند فقد بنتي اللبون، لَم يُضَعِّفِ الْجُبْرَانَ في الأَصَحِّ، لما في تضعيف الجبران من تضعيف الضعف فيؤخذ مع كل بنت مخاض شاتان أو عشرون درهمًا، والثاني: يضعف فيؤخذ مع كلِّ بنت مخاض أربع شياه أو أربعون درهمًا، لأنه بعض الصدقة المأخوذة، وَلَوْ كَانَ بَعْضَ نِصَابٍ، أي كعشر شياه مثلًا، لَمْ يَجِبْ قِسْطُهُ في الأَظْهَرِ، لأن الأثر عن عمر ﵁ ورد في تضعيف ما يجب على المسلم لا في إيجاب ما لا يجب، والثاني: يجب قسطه رعاية للتضعيف، ثُمَّ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةٌ، أي وأن بدّل الأسم ومصرفه مصرف الفيء، ولهذا قال عمر ﵁: (هَؤُلاَءِ حَمْقَى أَبَوْ الاِسْمَ وَرَضُواْ بِالْمَعْنَى) (٣٧٣)، فَلاَ يُؤخَذُ مِن مَالِ مَنْ لاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ، أي كصبي ومجنون وامرأة. فَرْعٌ: تضعيفُ الصدقة غير متعيِّنٍ، بل يجوز تَرْبِيْعُهَا وَتَخمِيْسُهَا على ما يراهُ من المصلحة؛ قاله الأصحاب. فَصْلٌ: يَلْزَمُنَا الْكفُّ عَنْهُمْ وَضَمَانُ مَا نُتلِفُهُ عَلَيْهِمْ نَفْسًا وَمَالًا وَدَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ، لأنهم إنما بذلوا الجزية لعصمة الدماء والأموال، وَقِيْلَ: إِنِ انْفَرَدُواْ بِبَلَدٍ لَمْ يَلْزَمْنَا الدَّفْعُ، كما لا يلزمهم الذب عنا، والأصح: اللزوم إذا أمكن الحاقًا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة، وهذا إذا جرى العقد مطلقًا؛ فإن جرى بشرط الدفع وجب لا محالة، وفيه احتمال للإمام، ولو كانوا مستوطنين بدار الحرب وبذلوا الجزية فلا يلزمنا الذب عنهم قطعًا، وَنَمْنَعُهُمْ إِحْدَاثَ كَنِيْسَةٍ، أي وكذا بيعة، في بَلَدٍ أَحْدَثْنَاهُ، أي كبغداد لأنه معصية، واستثنى الماوردي ما إذا أحدثُوها لعموم الناس؛ فإن اقتصروا على أهل دينهم فوجهان، أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، أي كاليمن، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً، أي كأصفهان (•)، لاَ يُحْدِثُونَهَا فِيْهِ، لأن المسلمين قد

стр. 1689

ملكوها بالاستيلاء، وَلاَ يُقَرُّون عَلَى كَنِيْسَةٍ كَانَتْ فِيهِ في الأَصَحِّ، لما قلناه، والثاني: يُقرّون؛ لأن المصلحة قد تقضي ذلك وليس فيه إحداث ما لم يكن، وصححه المارودي، أَوْ صُلْحًا، أى ما فتح صلحًا، بِشَرْطِ الأَرْضِ لَنَا، وَشَرْطِ إِسْكَانِهِمْ، أي بخراج، وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ جَازَ، لأنه إذا جاز الصلح على أن كل البلد لهم فعلى بعضه أولى، ولو صالحوا على إحداثها أيضًا جاز؛ ذكره الروياني في الكافي وغيره، وقال الماوردي: لا يجوز؛ وهو ظاهر عبارة الحاوي الصغير أيضًا حيث قال: وتبقى، وَإِنْ أُطْلِقَ، أي فلم يذكر الشرط, المذكور، فَالأَصَحُّ الْمَنعُ، أي من إبقائها بل يهدم ما فيها من الكنائس، لأن إطلاق اللفظ يقتضي صيرورة جميع البلد لنا، والثاني: أنها تبقى وتكون مستثناة بقرينة الحال، فإن شرطنا تقريرهم! وقد لا يتمكنون من الإقامة إلا بأن يبقى لهم مجمع لعبادتهم، أَوْ لَهُمْ قُرِّرَتْ، أي وما فتح صلحًا بشرط أن تكون الأرض لهم يؤدون خراجها فيُقرّون على الكنائس والبِيع؛ لأنها ملكهم، وَلَهُمُ الإِحْدَاثُ في الأَصَحِّ، لأن الملك والدار لهم، والثاني: لا؛ لأن البلد تحت حكم الإسلام. فصْلٌ: وَيُمْنَعُونَ، أي بالشرط كما قاله الماوردي، وُجُوبًا، وَقِيْلَ: نَدْبًا مِنْ رَفْعِ بِنَاءٍ عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ، لأن فيه تعظيمًا لهم ويخشى منه الإطلاع على عورة المسلمين، فإن لم يوجد شرطٌ فيستحب أن لا يعلوا، كما قال المارودي في الأحكام، وهذا المنع لحقِّ الله تعالى إعلاءً لدينه؛ فلا يسقط برضى الجار، وَالأصَحُّ: الْمَنْعُ مِنَ المُسَاوَاةِ، لأن المقصود التمييز بينهما في البناء كما يميز بينهما في اللباس، والثاني: لا، لأنه لم يعلُ على المسلم، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُواْ بِمَحِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ لَمْ يُمْنَعُواْ، أي من رفع البناء، لانتفاء خوف الإطلاع على عورة المسلمين، والثاني: المنع أيضًا؛ لما فيه من التجمل والشرف، وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ رُكُوبِ خَيْلٍ, لشرفها، لاَ حَمِيْرٍ وَبِغَالٍ نَفِيْسَةٍ، لأنه لا شرف فيها، كذا علله ابن الرفعة، وألحق الغزالي تبعًا للإمام البغال النفيسة بالخيل لما في ركوبها من التجمل، وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ، لاَ حَدِيْدٍ، وَلاَ سَرْجٍ، لئلا يشبه المسلمين؛ ويركبون عرضًا، قال ابن كج: والنساء

стр. 1690

والصغار لا يلتزمون الصَّغَارَ إذ لا جزية عليهم، وَيُلْجَأُ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُيقِ، للأمر به في الصحيحين، ولا حرج إذا خلت الطريق من الزحمة (٣٧٤). فَرْعٌ: لا يجوز ابتداؤُه بالسَّلاَمِ على الأصح، فلو سَلَّمَ الذِّمِّيُّ أجابهُ بقولهِ (وَعَلَيْكَ) فقط على الأصح؛ لأنه ربما ينوي به شرًّا، وصوَّبَ الخطابي حذف الواو. وَلاَ يُوَقْرُونَ، وَلاَ يُصَدَّرُونَ في مَجْلِسٍ، أي إذا اتفق اجتماعه مع مسلم إهانة له وتحرم موادَدَتُه، وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ، أي بلبس الغيار وذلك في دار الإسلام كما قيّده في المهذب ليعرفوا فيعاملوا بما يليق بهم، وَالزُّنّارِ فَوْقَ الثِّيَابِ، لأمر عمر ﵁ به (٣٧٥)، وَإِذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيْهِ مُسْلِمُون أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ جَعَلَ في عُنُقِهِ خَاتَمَ

стр. 1691

حَدِيْدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ، ليعرفوا به. فَصْلٌ: وَيُمْنَعُ مِن إِسْمَاعِهِ الْمُسْلِمِيْنَ شِرْكًا، وَقَوْلَهُمْ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيْحِ، وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيْرٍ؛ وَنَاقُوسٍ؛ وَعِيْدٍ، أي وكذا قراءتهم التوراة والإنجيل ولو في كنائسهم لما فيه من المفاسد، وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ الأُمُورُ فَخَالَفُواْ لَمْ يَنْتَقِضِ الْعَهْدُ، لأنهم يدينون بها أو لعدم تضرر المسلمين بها، وَلَوْ قَاتَلُونَا أَوْ امْتَنَعُواْ مِنَ الْجِزْيَةِ أَوْ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ الإِسْلاَمِ انْتَقَضَ، لمخالفته موضوع العقد، وجزم الحاوي الصغير بالانتقاض بالتمرد عن الأحكام وتبع في ذلك الإِمام. وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أي باسم نكاح، أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِيْنَ، أَوْ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِيْنِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِسْلاَمِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ بِسُوءٍ، أي وكذا إذا ذكر الله تعالى به، فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ انْتِقَاضَ الْعَهْدِ بِهَا انْتَقَضَ، لمخالفته الشرط، وَإِلاَّ فَلاَ، لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها لتحريمها لا تخل بمقصوده، والثاني: ينتقض مطلقًا، لما فيه من الضرر، والثالث: مقابله، وصحح في أصل الروضة طريقة القطع بعدم الانتقاض إن لم يقع شرطًا، وكذا إن وقع على الأظهر وفيه مخالفة لما في الكتاب. وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، لأنه صار حربيًا لنا في دار الإسلام، أَوْ بغَيْرِهِ لَمْ يَجِبْ إبْلاَغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الأَظْهَرِ، بَل يَخْتَارُ الإِمَامُ فِيْهِ قَتْلًا؛ وَرِقًّا؛ وَمَنًّا؛ وَفِدَاءً، لأنه كافر لا أمان له كالحربي، والثاني: يُبَلَّغُ الْمَأْمَنَ كمن دخل بأمان صبي، وأجاب الأول عن هذا بأنه يعتقد في نفسه أمانًا، وهنا فعل باختياره ما أوجب انتقاض الأمان، فَإِنْ أَسْلَمَ، أي هذا المنتقض عهده، قَبْلَ الاِخْتِيَارِ امْتَنَعَ الرِّقُّ، أي بخلاف الأسير لأنه لم يحصل في يد الإِمام بالقهر فَخَفَّ أمره، قُلْتُ: ولا يجوز قتله وفداؤه أيضًا، وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الأَصَحِّ، إذ لم يوجد منهم خيانة ناقضة، والثاني: يبطل كما كانوا تبعًا في ثبوت الأمان، وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بُلِّغَ الْمَأْمَنَ، لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نقض عهده فيبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه.

стр. 1692

كِتَابُ الْهُدْنَةِ الْهُدْنَةُ: هِيَ مُصَالَحَةُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ فِيْهِمْ مَنْ يُقَرُّ عَلَى دِيْنِهِ وَمَنْ لاَ يُقَرُّ، وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْهُدُون وَهُوَ السُّكُونُ. وَالأَصْلُ فِيْهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا في الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ (٣٧٦) وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ (٣٧٧) وَهَادَنَ ﵊ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ. عَقْدُهَا لِكُفَّارِ إِقْلِيْمٍ، أي كالهند والروم مثلًا، يَخْتَصُّ بِالإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ فِيْهَا، أي في عقد الهدنة لأنه من الأمور العظام، فإن تعاطاه الآحاد فسد لكن يلحقون بالمأمن، وَلِبَلْدَةٍ يَجُوزُ لِوَالِي الإِقْلِيمِ أَيْضًا، لدخول ذلك في ولايته. فَرْعٌ: لا يقوم إمام البغاة مقام إمام أهل العدل في ذلك، قاله الماوردي. وَإِنَّمَا تُعْقَدُ لِمَصْلَحَةٍ كَضَعْفِنَا بِقِلَّةِ عَدَدٍ وَأُهْبَةٍ أَوْ رَجَاءِ إِسْلاَمِهِمْ أَوْ بَذْلِ جِزْيَةٍ، أي فإن لم يكن مصلحة لم يجز للإمام أن يهادنهم بل يقاتلهم إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا أهل كتابٍ قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (٣٧٨)، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أي ضعف ورأى الإمام المصلحة في الهدنة، جَازَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، للآية السالفة، لاَ سَنَةً، لما فيه من ترك أخذ الجزية، وَكَذَا دُوْنَهَا فِي الأَظْهَرِ، لمفهوم الآية، والثاني: يجوز؛ لأنها مدة تقصر عن مدة الجزية فجاز أن يؤمن

стр. 1693

فيها من غير عوض كالأشهر الأربعة، قال المارودي: وهذا كله بالنسبة إلى نفوس المعقود (•) عليهم، أما أموالهم فيجوز العقد لها مُؤَبَّدًا، وفي جوازه كذلك للذرية وجهان، وَلِضَعْفٍ تَجُوزُ عَشْرَ سِنِيْنَ فَقَطْ، أى بحسب الحاجة؛ لأنَّهُ ﵊ هَادَنَ قُرَيْشًا فِي (•) الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِيْنَ كما رواه أبو داود (٣٧٩)، وقوله (فَقَطْ) مراده أنه لا تجوز الزيادة على ذلك ولو احتيج إليها، نَعَمْ فيجوز والحالة هذه أن يعقد على عشر ثم عشر ثم عشر قبل أن تُقَضَّى الأُولى؛ جزم به الفوراني وغيره. وَمَتَى زَادَ عَلَى الْجَائِزِ، أي بأن زاد عند الضعف على عشر سنين أو احتاج إلى أربع سنين مثلًا فزاد، فَقَوْلًا: تَفْرِيْقُ الصَّفْقَةِ، لأنه جمعٌ في العقد الواحد بين ما يجوز العقد عليه وما لا يجوز، وقيل: يصح في الزائد قطعًا؛ لأنه يتسامح في معاقدة الكفار، وَإِطْلاَقُ العَقْدِ يُفْسِدُهُ، لأن الإطلاق يقتضي التأبيد؛ وحكى الرافعي في الإملاء عن البحر: أنه إذا أطلق الأمان حمل على أربع أشهر ويبلغ بعدها المأمن، وأقره عليه بعد أن قرر أن حكم الأمان حكم المهادنة حيث لا ضعف، وَكَذَا شَرْطٌ، فاسد، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ بِأَنْ شَرَطَ مَنْعَ فَكِّ أَسْرَانَا، أي منهم، أَوْ تَرْكَ مَالِنَا لَهُمْ، أَوْ لِتُعْقَدَ لَهُمْ ذِمَّةٌ بِدُونِ دِيْنَارٍ، أَوْ بِدَفْعِ مَالٍ إِلَيْهِمْ، قال الإِمام: هو كالخلاف في أن الوقف هل يفسد بالشرط الفاسد؟ ولو دعت حاجة إلى بذل المال؛ جاز. وفي وجوب بذله عند الضرورة، وجهان؛ بناهما الرافعي على وجوب دفع الصائل، وضعَّفَ في الروضة البناء وصحح وجوب البذل للضرورة. وَتَصُحُّ الهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الإِمَامُ مَتَى شَاءَ، لأنه ﵊

стр. 1694

وَادَعَ يَهُودَ خَيْبرَ وَقَالَ: [أُقِرُّكُمْ مَا أقَرَّكُمُ اللهُ] رواه البخاري من حديث ابن عمر (٣٨٠)، لكن لو اقتصر الإمام اليوم على هذه اللفظة فسد العقد، لأنه ﵊ يعلم ما عند الله بالوحي بخلاف غيره، وَمَتَى صَحَّتْ، يعني الهدنة، وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَوْ يَنْقُضُوهَا بِتَصْرِيْحٍ أَوْ قِتَالِنَا، أَوْ مُكَاتَبَةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لَنَا، أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ، قال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٣٨١) وقال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (٣٨٢)، وَإِذَا انْتَقَضَتْ جَازَتِ الإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ وَبَيَاتُهُمْ، أي إذا كانوا في بلادهم؛ وسواء علموا أن ما أتوا به ينقض العهد أو لم يعلموا، قال الرافعي: وينبغي أن يقال إذا لم يعلموا أنه خيانة لا ينتقض العهد إلا إذا كان المفعول مما لا يشك في مضادته الهدنة كالقتال، أما من دخل دارنا بأمان أو بمهادنة فلا يغتالوا إن انتقض عهده بل يبلغ المأمن. وَلَوْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَاقُونَ بِقَوْلِ وَلاَ فِعْلٍ، أي بل ساكنوهم وسكتوا، انْتَقَضَ فِيْهِمْ أيضًا، لأن سكوت الباقين يشعر بالرضى فجعل نقضًا منهم، كما أن هدنة البعض وسكوت الباقين هدنة في حق الكل، وَإِنْ أَنْكَرُواْ باعْتِزَالِهِمْ أَوْ إِعْلاَمِ الإِمَامِ بِبَقَائِهِمْ عَلَى الْعَهْدِ فَلاَ، لقوله تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ (٣٨٣). وَلَوْ خَافَ خِيَانَتَهُمْ فَلَهُ نَبْذُ عَهْدِهِمْ إِلَيهِمْ، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ

стр. 1695

خِيَانَةً ... ﴾ الآية (٣٨٤)، فإن لم يخفها لم يجز، ويفهم من هذا أن عقدها لازم، وَيُبَلَّغُهُمُ الْمَأْمَنَ، أي بعد استيفاء ما وجب عليهم من الحقوق، وَلاَ يَنْبُذُ عَقْدَ الذَّمَّةِ بِتُهْمَةٍ، أي بخلاف عقد الهدنة، والفرق بينهما من وجوه ذكرتها في الأصل منها أن عقد الذمة آكد؛ لأنه مؤبَّدٌ، ولأنه عقد معاوضة. فَصْلٌ: وَلاَ يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةِ تَأْتِيْنَا مِنْهُمْ، أي بخلاف شرط رد الرجل إذا هاجر مسلمًا، والفرق أنه لا يؤمن أن يصيبها زوجها الكافر أو أن تزوج من كافر، فَإِنْ شُرِطَ فَسَدَ الشَّرْطُ، أي سواء كان لها عشيرة أم لا لاستقرار الشريعة على منع الرد، وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ، كالشرط الفاسد إذا قرن بالعقد، والثاني: لا؛ لأنها ليست بآكد من النكاح وهو لا يفسد بالشروط الفاسدة، وهذا الخلاف هو عين الخلاف السالف في كلام المصنف أول الباب؛ لكنه ضَعَّفَهُ هناك وقَوَّاهُ هنا فخالف. وَإِنْ شَرَطَ رَدَّ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ لَمْ يَجِبْ دَفْعُ مَهْرٍ إِلَى زَوْجِهَا في الأَظْهَرِ، لأنه لو وجب بدل البضع لكان ذلك مهر المثل لا ما أنفق الزوج، والثاني: يجب لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ (٣٨٥) والمراد منه الصَّدَاقُ، ولأن البُضع متقوَّمٌ وهو حقه وقد أحلنا بينه وبينه. وَلاَ يُرَدُّ صَبِيٌّ وَمَجْنُونٌ، لضعفهما؛ بل ولا يجوز الصلح بشرط ردهم، وَكَذَا عَبْدٌ وَحُرٌّ لاَ عَشِيْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه جاء مسلمًا مراغمًا لهم، والظاهر: أنهم يسترقونه ويهينونه ولا عشيرة له تحميه، ووجه الرد أن المنع في حق النساء لخوف الفاحشة، وهو وجه في العبد لا طريقة، نعم؛ قال الرافعي: إن الذي يوجد للمعظم فيه منع الرد فأبدله المصنف بالمذهب، وأما مسألة الحر فالصحيح فيها طرد الوجهين في العبد، ومنهم من قطع فيه بالردِّ؛ لأن الْحُرَّيَّةَ في الجملة مظنةُ القوة والاقتدار. وَيُرَدُّ مَنْ لَهُ عَشِيْرَةٌ طَلَبَتْهُ إِلَيْهَا، كما [رَدَّ ﵇ أَبَا جَنْدَلَ عَلَى أَبِيهِ سُهَيْلٍ بنِ

стр. 1696

عُمْرٍو] رواه البخاري (٣٨٦)، والظاهر: أنهم يذبون عنه ويحمونه، لاَ إِلَى غيْرِهَا، أي لا يرد إلى غير عشيرته، إِلَّا أَن يَقْدِرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى قَهْرِ الطاَّلِبِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ، وعلى ذلك حُمِلَ رَدُّ النَّبِيَّ ﷺ أَبَا بَصِيْرٍ؛ فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي طَلَبِهِ رَجُلاَنِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِمَا؛ فَقَتَلَ أحَدَهُمَا فِي الطَّرِيْقِ وأفْلَتَ الآخَرُ (٣٨٧)، وإذا لم يطلبه أحد فلا رد كما لا غرم، وَمَعْنَى الرَّدَّ أَن يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَالِبِهِ، وَلاَ يُجْبَرُ عَلَى الرُّجُوعِ، وعلى هذا حمل رد النبي ﷺ أبا بصير وأبا جندل، ولا يبعد تسمية التخلية ردًا كما في الوديعة، وَلاَ يَلْزَمُهُ يعني المطلوب، الرُّجُوعُ، ولذلك لم ينكر النبي ﷺ على أبي بصير امتناعه، وَلَهُ قَتْلُ الطَّالِبِ، لقصة أبي بصير السالفة، وَلَنَا التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ لاَ التَّصْرِيْحُ، لأنَّ عُمَرَ ﵁ قَالَ لأَبِي جَنْدَلَ حِيْنَ رُدَّ إِلَى أَبِيْهِ [اِصْبِرْ أَبَا جَنْدَلٍ؛ فَإِنَّمَا هُمُ المُشْرِكُونَ وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ كَدَمِ كَلْبٍ] فعرَّض لهُ بقتل أبيهِ، كما رواه الإمام أحمد في مسنده (٣٨٨)، وفي القتل والتعريض احتمال للإمام أشار إليه في الْمُحَرَّرِ بالظاهر، واعتذر في الدقائق عن حذفه فقال: تعبيره بالظاهر فيه إشارة إلى احتمال له، ولم يرد إثبات خلاف فلا خلاف فيه وهو عجيبٌ منه؛ وإلّا فالرافعي في الشرح الصغير أثبته وجهًا؛ وكذلك هو نفسه في عدة مواضع جعل إحتمال الإمام وجهًا. وَلَوْ شَرَطَ أنْ يَرُدُّواْ مَنْ جَاءَهُم مُرْتَدًّا مِنّا لَزِمَهُمُ الْوَفَاءُ، عملًا بالتزامهم، فَإِنْ أَبَواْ فقَدْ نَقَضُواْ، العهد، وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ شَرْطِ أَنْ لاَ يَرُدُّواْ، أي من جاءهم منَّا مرتدًا؛ لأنه ﵇ شرط ذلك في مهادنة قريش (٣٨٩)، والثاني: المنعُ؛ ولا بد من

стр. 1697

استرداده لإعلاء الإسلام وإقامة حكم المرتدين عليه، قال الماوردي: والصحيح عندي صحة هذا الشرط في الرجال دون النساء كما ذكرنا في شرط ردَّ من جاءنا مسلمًا؛ لأَنَّ الأَبْضَاعَ يُحْتَاطُ لَهَا، وهو ما في الحاوي الصغير.

стр. 1698

كِتَابُ الصَّيْدِ والذَّبَائِحِ الأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (٣٩٠) وَقَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٣٩١) وَالْمُذَكَّى مِنَ الطِّيِّبَاتِ، وَمِنَ السُّنّةِ مَا سَيَأْتِي؛ وَالإِجْمَاعُ قَائِمٌ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا. ذَكَاةُ الْحَيْوَانِ الْمَأْكُولِ بِذَبْحِهِ فِي حَلْقٍ أوْ لَبَّةٍ، أي بفتح اللام، إِن قَدَرَ عَلَيْهِ، لقول عمر وابن عباس [الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ] رواه الشافعي وروي مرفوعًا بضعف (٣٩٢)، وَإِلَّا، أي وإن لم يقدر عليه، فَبِعَقْرٍ مُزْهِقٍ حَيْثُ كَانَ، لما سيأتي. وَشَرْطُ ذَابِحٍ وَصَائِدٍ: حِلُّ مُنَاكَحَتِهِ، وَتَحِلُّ ذَكاَةُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، أي وإن كان لا يحل مناكحتها إذ لا أثر للرق في الذبيحة بخلاف المناكحة قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (٣٩٣) والمراد بالطعام الذبائح، وهذا تصريح بحلّ ذبائح أهل

стр. 1699

الكتاب وبتحريم ذبائح من عداهم كالمجوس وعباد الأوثان وغيرهما، وَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا فِي ذَبْحٍ أَوِ اصْطِيَادٍ حَرُمَ، تغليبًا للتحريم، وَلَوْ أَرْسَلاَ كَلْبَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ، فَإِنْ سَبَقَ آلَةُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَ أَوْ أَنْهَاهُ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ حَلَّ، أي ولا يقدح فيه ما وجد من المجوسي، كما لو ذبح مسلم شاةً ثم قدَّها المجوسي، وَلَوِ انْعَكَسَ، أي بأن سبق آلة المجوسي، أَوْ جَرَحَاهُ مَعًا أَوْ جُهِلَ أَوْ مُرَتَّبًا وَلَمْ يُذَفّفْ أَحَدُهُمَا حَرُمَ، تغليبًا للتحريم، ومسألة ما إذا جهل من زيادات المصنف على الْمُحَرَّرِ والشرح. وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيًّ مُمَيِّزٍ، لصحة قصده، وَكَذَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ، وَمَجْنُونٍ، وَسَكْرَانَ فِي الأَظْهَرِ، لأن لهم قصدًا وإرادة في الجملة، والثاني: لا؛ لفساد قصدهم، ورجحه جماعة، قال البغوي: فإن كان للمجنون أدنى تمييز؛ وللسكران قصدٌ حلت قطعًا، وَتُكْرَهُ ذَكَاةُ أَعْمَى، لأنه قد يُخْطِئُ الْمَذْبَحَ، وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ بِرَمْيٍ أَوْ كَلْبٍ فِي الأَصَحِّ، لأنه ليس له قصد صحيح فصار كما لو استرسل الكلب بنفسه، والثاني: يحل كذبحه، قال الرافعي: والأشبه أن الخلاف مخصوص بما إذا أدّله بصير على أن بحذائه صيدًا فرمى أو أرسل الكلب عليه بدلالته. فَرْعٌ: أُجْرَي الخلاف المذكور في اصطياد الصبي والمجنون بالرمي والكلب أيضًا؛ قال في شرح المهذب: والمذهب هنا الحِلُّ. فَصْلٌ: وَتَحِلُّ مَيْتَةُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ، بالإِجماع، وخالف أبو حنيفة في السمك الطافي والسُّنَّةُ الصَّحِيْحَةُ قَاضِيَةٌ عَلَيْهِ (٣٩٤)، وَلَوْ صَادَهُمَا، يعني السمك والجراد،

стр. 1700

مَجُوسِيٌّ، فإنه يحلُّ مَيْتَتَهُمَا ولا اعتبار بفعله قاله في الروضة، وكذا لو ذبح المجوسي سمكةً فإنها تحل أيضًا، وَكَذَا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ طَعَامٍ كَخَلًّ؛ وَفَاكِهَةٍ؛ إِذَا أُكِلَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ، لأنه يشقُّ تمييزه فعُفي عنه بخلاف ما إذا كان منفردًا لانتفاء ذلك، والثاني: يحل مطلقًا، لأنه كجزء منه طبعًا وطعمًا، والثالث: يحرم مطلقًا، لأنه ميتة والخلاف جارٍ، وإن قلنا بنجاسة ميتة الدود كما هو المشهور. وَلاَ يَقْطَعُ بَعْضَ سَمَكَةٍ حَيَّةً، لما فيه من التعذيب، فَإنْ فَعَلَ أَوْ بَلَعَ سَمَكَةً حَيَّةً حَلَّ فِي الأَصَحِّ، لأن المبان كالميت، وميتة هذا الحيوان حلال، ولأنه ليس في ابتلاعها أكثر من قتلها وهو جائز، والثاني: لا فيهما، أما الأول؛ فلإطلاق ما أُبينَ من حي فهو ميت، وأما الثاني؛ فلما في جوفها، والخلاف جارٍ في الجراد أيضًا. وَإِذَا رَمَى صَيْدًا مُتَوَحِّشًا أَوْ بَعِيْرًا نَدَّ، أي هرب، أوْ شَاةً شَرَدَتْ بِسَهْمٍ أَوْ أَرْسْلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ في الْحَالِ حَلَّ، أما في الْوَحْشِيِّ (•) فإجماع، وأما في الأنسي إذا توحش كهرب البعير وشرود الشاة فلحديث رافع بن خديج في البعير المحبوس بالسهم والشاة بالقياس، وَلَوْ تَرَدَّى بَعِيْرٌ وَنَحْوُهُ في بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ فَكَنَادٍّ، أي في حله بالرمي، وفي السنن الأربعة من حديث أَبِي الْعُشَرَاءِ الدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِيْهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلاَّ في الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ فَقَالَ ﵊: [لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لأَجْزَأَكَ] قال الترمذي: غريب (٣٩٥)، قُلْتُ: الأَصَحُّ: لاَ يَحِلُّ، أي المتردي، بِإِرْسَالِ الْكَلْبِ، وَصَحَّحَهُ

стр. 1701

الرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأن الحديد يستباح به الذبح مع القدرة والكَلْبُ بخلافه، والشاشي في حليته لم يصححه وإنما نقل تصحيحه عن الماوردي، ووجه الحل القياس على البعير النادِّ، وَمَتَى تَيَسَّرَ لُحُوقُهُ بِعَدْوٍ أَوِ اسْتِعَانَةٍ بِمَنْ يَسْتَقْبِلُهُ فَمَقْدُورٌ عَلَيْهِ، أي فلا يحل بالرمي وارسال الكلب عليه وإنما يحل بالذبح في المذبح، وَيَكْفِي في النَّادِّ وَالمُتَرَدِّي جُرْحٌ يُفْضِي إلَى الزُّهُوقِ، أي كيف كان لما أسلفناه في الخبر من ذكر الفخذ، وَقِيْلَ: يُشْتَرَطُ مُذَفِّفٌ، لينزل منزلة قطع الحلقوم والمريء في المقدور عليه. وَإِذَا أَرْسَلَ سَهْمًا أَوْ كَلْبًا أَوْ طَائِرًا عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَمَاتَ فَإنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيْهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، أوْ أدْرَكَهَا وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِلاَ تَقْصِيْرٍ بِأَنْ سَلَّ السِّكَّيْنَ فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكانٍ أَوِ امْتَنَعَ بِقُوَّتِهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ حَلَّ، أما فيما إذا لم يدرك فيه حياة مستقرة فكما لو ذبح شاة فاضطربت، وأما في إدراكها وتعذر الذبح من غير تقصير، فكما لو لم يدركه حيًّا، وَإِنْ مَاتَ لِتَقصِيْرهِ بِأَنْ لاَ يَكُونَ مَعَهُ سِكِّيْنٌ أَوْ غُصِبَتْ أَوْ نَشِبَتْ في اْلغِمْدِ، أي علقت به، حَرُمَ، كما لو تردى بعير فلم يذبحه حتى مات فحقه أن يستصحب الآلة في غمد يواتيه. وَلَوْ رَمَاهُ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ حَلًا، أي وكذا لو قطعه قطعتين متفاوتتين، وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ، أي أزال من الصيد، عُضْوًا، أي كَيَدٍ ورجلٍ، بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ، أي بسيف وغيره ومات في الحال، حَلَّ الْعُضْوُ وَالْبَدَنُ، لأن محل ذكاة الصيد كل البدن، أَوْ بِغَيْرِ مُذَفِّفٍ ثُمَّ ذَبَحَهُ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ مُذَفِّفًا حَرُمَ الْعُضْوُ، لأنه أُبينَ من حي،

стр. 1702

وَحَلَّ الْبَاقِي، فإن لم يبنه بالجراحة الأولى فقد صار مقدورًا عليه فتعين الذبح ولا تجزئ سائر الجراحات، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ وَمَاتَ بِالجُرْحِ، أي الأول، حَلَّ الْجَمِيْعُ، لأن الجرح السابق كالذبح للجملة فيتبعها العضو، وَقِيْلَ: يَحْرُمُ الْعُضْوُ، لأنه أُبينَ من حي فأشبه ما إذا قطع إلية شاة ثم ذبحها لا تحل الإلية، وهذا الوجه صححه الرافعي في شرحيه والمصنف في الروضة وتبع هنا المحرر، أما باقي البدن فلا خلاف في حله. فَرْعٌ: لو جرحه جراحة أخرى والحالة هذه بأن كانت مذففة فالصيد حلال والعضو حرام وإلّا فالصيد حلال أيضًا والعضو حرام على الصحيح، لأن الإِبانةَ لم تتجرد ذكاة للصيد. فَصْلٌ: وَذَكَاةُ كُلَّ حَيْوَانٍ قَدَرَ عَلَيْهِ بِقَطْعِ كُلَّ الحُلْقُومِ وَهُوَ مَخْرَجُ النَّفَسِ وَالمَرِئِ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ، أي والشراب، لأن الحياة توجد بهما وتفقد بفقدهما، وخرج بالقطع ما لو اختطف رأس عصفور أو غيره بيده أو ببندقة فإنه ميتة وبقوله قدر عليه بما لا يقدر عليه وقد سلف، وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُ الوَدَجَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَي الْعُنُقِ، لأنه أوحى وأسهل لخروج الروح فهو من الإحسان في الذبح، وَلَوْ ذَبَحَهُ مِنْ قَفَاهُ عَصَى، لزيادة الإيلام، فَإِنْ أَسْرَعَ وَقَطَعَ (•) الحُلْقُومَ وَالمَرِئ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَلَّ، كما لو قطع يد حيوان ثم ذكاه، وِإلاّ فَلاَ، أي وإن لم يسرع بل لما قطعهما انتهى إلى حركة مذبوح فإنه لا يحل. فَرْعٌ: القطع من صفحة العنق كالقطع من القفا. وَكَذَا إِدْخَالُ سِكَّيْنٍ بِأُذُنِ ثَعْلَبٍ، أي ليقطع الحلقوم والمرئ داخل الجلد فإن فيه التفصيل المذكور في مسألة الذبح من القفا حتى يصل إليهما، وَيُسَنُّ نَحْرُ إِبِلِ وَذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ، للاتباع (٣٩٦)؛ ويجوز عكسه أي من غير كَرَاهَةٍ لأنه لم يَرِدْ فيه نهيٌ.

стр. 1703

فَرْعٌ: الخيل كالبقر وكذا حمار الوحش وبقره والزرافة إن قلنا بحلها، والبط والأوز، ويقتضي تعليل نحر الإبل أنه أسرع لخروج روحها لطول عنقها الحاقًا بها. وَأَنْ يَكُونَ الْبَعِيْرُ قَائِمًا مَعْقُولَ الرُّكْبَةِ، أي اليسرى للإتباع (٣٩٧)، وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ مُضجَعَةٌ لِجَنْبِهَا الأَيْسَرِ، أما في الشاة فللاتباع (٣٩٨)، وأما في البقر فبالقياس،

стр. 1704

وَيُتْرَكُ رِجلُهَا الْيُمْنَى وَتُشَدُّ بَاقِي الْقَوَائِمِ، كما ذكره بعد، ووقع في الكفاية ترك الرجل اليسرى فكأنه سبق قلم. وَأَنْ يُحِدَّ شَفْرَتَهُ، للأمر به (٣٩٩)، وَيُوَجَّهُ لِلْقِبْلَةِ ذَبِيْحَتَهُ، لأنها أفضل الجهات وذلك فى الأضحية ونحوه آكد؛ لأَنَّهُ ﵊ وَجَّهَ كَبْشَهُ إِلَى الْقِبلَةِ (٤٠٠)، وأصح الأوجه: أنه يوجه مذبحها إلى القبلة ولا يوجه وجهها ليمكنه هو أيضًا الاستقبال. وَأَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤٠١) وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤٠٢) فالمراد ما ذبح للأصنام هنا قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٤٠٣) وسياق الآية دال

стр. 1705

عليه فإنه قال ﴿وَإِنَّهُ فِسْقٌ﴾ (٤٠٤) وقد أجمعنا على أن من أكل ذبيحة مسلم لم يسمّ الله عليها ليس بفاسق، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قياسًا على سائر المواضع (٤٠٥)، وَلَا يَقُلْ: بِاسْمِ اللهِ، وَاسْمِ مُحَمَّدٍ، فإن قال حرم؛ لأن من حق الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه واليمين باسمه والسجود له لا يشاركه في ذلك مخلوق. فَصْلٌ: يَحِلُّ ذَبْحُ مَقْدُورٍ عَلْيْهِ وَجُرْحُ غَيْرِهِ بِكُلَّ مُحَدَّدٍ يَجْرَحُ كَحَدِيْدٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ وَحَجَرٍ وَزُجَاجٍ إِلَّا ظُفْرًا وَسِنًّا وَسَائِرِ الْعِظَامِ، لقوله ﵊: [مَا أَنْهَرَ الدَّمُ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ، وَلَيْسَ السَّنَّ وَالظُّفْرَ. وَسَأُحَدَّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ: أَمَّا السَّنُّ فَعَظْمٌ؛ وَأَمَّا الظُّفْرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ] متفق عليه (٤٠٦)، ولا يستثنى من الظفر إلا ما قتله الكلب ونحوه بظفر أو نَابِهِ فإنه يحلُّ

стр. 1706

للحاجة، فَلَوْ قَتَلَ بِمُثَقَّلٍ أَوْ ثِقَلٍ مُحَدَّدِ كَبُنْدُقَةٍ وَسَوْطٍ وَسَهْمٍ بِلاَ نَصْلٍ وَلاَ حَدٍّ أَوْ سَهْمٍ أَوْ بُنْدُقَةٍ أَوْ جَرَحَهُ نَصْلٌ وَأَثَّرَ فِيْهِ عُرْضُ السَّهمِ فِي مُرُورِهِ وَمَاتَ بِهِمَا، أَوِ انْخَنَقَ بِأُحْبُولَةٍ، أي منصوبة له، أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ فَوَقَعَ بِأَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ ثُمَّ سَقَطَ مِنْهُ حَرُمَ، أما في الأول؛ فلأنه موقودة قال الله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾، وأمَّا في الباقي؛ فلإجتماع الْمُبِيْحِ وَالْمُحَرِّمِ فيغلب المحرمُ وموته بالأحبولة يدخل في قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾، وأما إذا أصابه سهم فوقع على جبل ثم سقط منه؛ فإنه لا يدري من أيهما مات، وقوله (فَوَقَعَ بِأَرْضٍ) كذا رأيته في خطه ولعل صوابه فوقع بسطح ثم سقط منه كما هو في المحرر والشرح والروضة لأنه سيجزم في مسألة ما إذا وقع بأرض ثم مات بالحل حيث قال، وَلَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِالْهَوَاءِ فَسَقَطَ بِأَرْضٍ وَمَاتَ حَلَّ، لأن الوقرع على الأرض لا بد منه فعفى عنه كما لو كان الصيد قائمًا فوقع على جنبه لما أصابه السهم وانصدم بالأرض ولو لم يجرحه السهم في الهواء لكن كسر جناحه فوقع فمات فإنه حرام لأنه لم يصبه جرح يحال الموت عليه، ولو كان الجرح خفيفًا لا يؤثر مثله ولكنه عطل جناحه فسقط فمات فإنه حرام. فَصْلٌ: وَيَحِلُّ الاِصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ كَكَلْبٍ وَفَهْدٍ وَبَازٍ وَشَاهِيْنٍ، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ .... ﴾ الآية (٤٠٧)، واستبعد الإمام تعليم الفهد، بِشَرْطِ كَوْنِهَا مُعَلَّمَةً بِأَنْ تَنْزَجِرُ جَارِحَةُ السَّبَاعِ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ وَتَسْتَرْسِلُ بِإِرْسَالِهِ، وَيُمْسِكُ الصَّيْدَ وَلاَ يَأْكُلَ مِنْهُ، أي فإن

стр. 1707

لم تكن معلَّمة لم يحل ما قتلته، وإن أدركه وفيه حياة مستقرة فلا بد من ذبحه لقوله ﵊ لأَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشْنِيِّ [وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرُ مُعَلَّمٍ فَأدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ] متفق عليه (٤٠٨)، وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الأَكْلِ فِي جَارِحَةِ الطَّيْرِ فِي الأَظْهَرِ، كما في جوارح السباع، والثاني: لا؛ لأنه لا يمكن التحامل عليها، وَيُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ هَذِهِ الأُمُورِ، أي المعتبرة في التعليم، بِحَيْثُ يَظُنُّ تَأَدُّبَ الْجَارِحَةِ، والرجوع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح، وقيل: يشترط تكرره ثلاث مرات وهو ظاهر كلام الحاوي الصغير، وَلَوْ ظَهَرَ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا ثُمَّ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ، قبل قتله أو بعده، لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ الصَّيْدُ فِي الأَظْهَرِ، لأن عدم الأكل شرط في التعليم ابتداءً فكذا دوامًا، والثاني: يحل لأن الأصل بقاؤه على التأدب، والأكل يحتمل أن يكون لشدة جوع أو غيظ على الصيد إذا أتعبه، وفصَّل جماعة فقالوا إن أكَلَ عقب القتل فقولان وإلا فيحل قطعًا، فَيُشْتَرَطُ تَعْلِيْمٌ جَدِيْدٌ، أي إذا قلنا بالتحريم، ولو أتى بالفاء بدل الواو لكان أحسن لِيُنِيْهَ على التفريع ولا ينعطف التحريم على ما اصطاده من قبل خلافًا لأبي حنيفة، وَلاَ أَثَرَ لِلَعْقِ الدَّمِ، لأنه لم يتناول ما هو مقصود الصائد. وَمَعَضُّ الْكَلْبِ مِنَ الصَّيْدِ نَجِسٌ، كغيره، وَالأصَحُّ: أَنَّ لاَ يُعْفَى عَنْهُ، كوُلُوغِهِ، والثاني: نعم لعسر الاحتراز، وَأَنَّهُ يَكْفِي غَسْلُهُ بِمَاءٍ وَتُرَابٍ، أى سبعًا كغيره، وَلاَ يَجِبُ أَن يُقَوَّرَ وَيُطْرَحَ، والثاني: لا، بل يقوَّرُ ذلك الموضع ويطرح؛ لأنه تَشَرَّبَ

стр. 1708

لُعابه فلا يتخلله الماء، وَلَوْ تَحَامَلَتِ الْجَارِحَةُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ بِثِقْلِهَا حَلَّ فِي الأَظْهَرِ، لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (٤٠٩)، والثاني: لا، لأن الله تعالى سمَّاها جوارح فينبغي أن تجرح والأول قال الجوارح الكواسب. فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ سِكَّيْنٌ فَسَقَطَ وَانْجَرَحَ بِهِ الصَّيْدُ، فمات، أَوِ احتَكَّتْ بِهِ شَاةٌ وَهُوَ فِي يَدِهِ فَانْقَطَعَ حُلْقُومُهَا وَمَرِيْئُهَا أَوِ استَرْسَلَ كَلْبٌ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ لَمْ يَحِلَّ، لأنه في الأُولى والثانية لم يذبح ولم يقصد الذبح، وفي الثالث لم يرسل، وَكَذَا لَوِ اسْتَرسَلَ كَلْبٌ فَأَغْرَاهُ صاحِبُهُ فَزَادَ عَدْوُهُ لَم يَحِلَّ فِي الأَصَحِّ، تغليبًا للتحريم، والثاني: يحل؛ لأنه قد ظهر أثر الإغراء فينقطع الاسترسال ويصير كأنه خرج بإغراء صاحبه، واحترز بقوله فزاد عدوه عما إذا لم يزد فإن إغراؤه لا يؤثر، ويحرم الصيد جزمًا وبقوله فأغراه عما إذا زجره، فإنه إن وقف فأغراهُ وقتل حلَّ جزمًا، وإن لم ينزجر ومضى على وجهه لم يحل جزمًا. وَلَوْ أَصَابَهُ، يعني الصيد، سَهْمٌ بِإِعَانَةِ رِيْحٍ، أى وكان يقصر عنه لولا الريح، حَلَّ، لأن الاحتراز عن هبوبها لا يمكن ولا يتغير به حكم الإرسال، وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا لاِخْتِبَارِ قُوَّتِهِ أَوْ إِلَى غَرَضٍ فَاعْتَرَضَهُ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ حَرُمَ فِي الأَصَحِّ، لانتفاء القصد، والثاني: لا؛ لوجود قصد الفعل، وَلَوْ رَمَى صَيْدًا ظَنَّهُ حَجَرًا أَوْ سِرْبَ ظِبَاءٍ فَأَصَابَ وَاحِدَةٌ حَلَّتْ، أما الأولى؛ فلأنه قتله بفعله ولا اعتبار بظنه كما لو قطع حلق شاة وهو يظنه ثوبًا، وأما في الثانية؛ فلأنه قصد السرب وهذه منها، وَإِنْ قَصَدَ وَاحِدَةً، أى من السرب، فَأَصَابَ غَيْرَهَا حَلَّتْ فِي الأَصَحِّ، لوجود قصد الصيد، والثاني: المنع لأنه أصاب غير ما قصده وصححه في البويطي، وَلَوْ غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا حَرُمَ، لاحتمال موته بسبب آخر ولا أثر لتضمخه بدمه فربما جرحه الكلب وأصابته جراحة أخرى، فَإِنْ جَرَحَهُ وَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا حَرُمَ فِي الأَظْهَرِ؛ لأنه يحتمل أن يكون الموت بسبب آخر، والتحريم يحتاط له،

стр. 1709

والثاني: أنه يحل لأنه لم يتحقق سبب سوى الجرح الذي أصابه، فالوجه إضافة الموت إليه وهذا ما اختاره الغزالي في الإحياء، وقال المصنف في الروضة: إنه أصح دليلًا ولم يثبت في التحريم شيء، ومحل الخلاف ما إذا وجده بدون جرح (•) آخر غير الجراحة، أما إذا وجد عليه أثر صدمة أو جراحة أخرى أو وجده في ماء ونحو ذلك فإنه حرام قطعًا، قال الأصحاب: وَتُسَمَّى هذه المسألة مسألةُ الإِنْمَاءِ. فَصْلٌ: يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِضَبْطِهِ بِيَدِهِ، وَبِجَرْحٍ مُذَفَّفٍ، وَبِإِزْمَانِ وَكَسْرِ جَنَاحٍ، أي بحيث يعجز عن الطيران والعدو جميعًا، وَبُوُقُوعِهِ فِي شَبَكَةٍ نَصبَهَا، وَبِإِلْجَائِهِ إِلَى مَضِيْقٍ لاَ يُفْلِتُ مِنهُ، أي وكذا بإرساله الكلب على صيد فأثبته، والضابط الجامع لذلك إبطال الامتناع وحصول الاستيلاء عليه، وَلَوْ وَقَعَ صَيْدٌ فِي مِلْكِهِ وَصَارَ مَقْدُوْرًا عَلَيْهِ بِتَوَحُّلِ وَغَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْهُ فِي الأَصَحَّ، لأنه لم يقصد بسقي الأرض الاصطياد والقصد مَرْعِيٌّ في التملك، والثاني: يملكه كما لو وقع في الشبكة، قال الإمام: ومحل الخلاف فيما إذا لم يكن سقي الأرض مما يقصد به توحل الصيد، فإن كان فكنصب الشبكة، وللروياني نحوه كذا نقله الرافعي عنهما هنا وتبعه المصنف وأقراهما عليه ونقلا عن الإمام في كتاب إحياء الموات الجزم بعدم الملك وأقرّاه عليه هناك، وَمَتَى مَلَكَهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ بِانْفِلاَتِهِ، كما لو أبق عبده، وَكَذا بِإِرْسَالِ الْمَالِكِ لَهُ فِي الأَصَحِّ، كما لو سَيَّبَ دابته، ولا يجوز أن يفعل ذلك؛ لأنه يشبه السَّوَائِبَ، وَالثَّانِي: يجوز، كما لو أعتق عبده، والثالث: إن قصد بإرساله التقرب إلى الله زال وإلا فلا. وَلَوْ تَحَوَّلَ حَمَامُهُ إِلَى بُرْجِ غَيْرِهِ لَزِمَهُ رَدُّهُ، لبقاء ملك الأول عليه، فإن حصل بينهما بيض أو فرخ فهو تابع للأنثى دون الذكر، فَإِنِ اخْتَلَطَ وَعَسُرَ التَّمْيِيْزُ لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ أَحَدِهِمَا وَهِبَتُهُ شَيْئًا مِنْهُ لِثَالِثٍ، فإنه لا يتحقق الملك فيه، وَيَجُوزُ لِصَاحِبِهِ فِي الأَصَحِّ، للضرورة، والثاني: لا، وينبغي تخصيص الخلاف بما إذا جهلا

стр. 1710

العدد والقيمة، فإن علماها فيظهر القطع بالصحة لصيرورتها شائعة، فَإِنْ بَاعَاهُمَا، أى باعا الحمام المختلط ولا يدرى واحدٌ منهما عين ماله، وَالْعَدَدُ مَعْلُومٌ، أي كمائتين ومائة، وَالْقِيمَةُ سَوَاءٌ صَحَّ، أي وتحتمل الجهالة في المبيع للضرورة، وَإِلاَّ فَلاَ، لأنه لا يعرف كل واحد ما يستحقه من الثمن، وفيه بحث للرافعي للضرورة. وَلَوْ جَرَحَ الصَّيْدَ اثْنَانِ مُتَعَاقِبَانِ، فَإِنْ ذَفَّفَ الثَّانِي أَوْ أَزْمَنَ دُونَ الأَوَّلِ فَهُوَ لِلثَّانِي، أي ولا شيء على الأول بجراحته لأنه كان مباحًا حينئذ، وَإِنْ ذَفَّفَ الأَوَّلُ فَلَهُ، أي وعلى الثاني أرش ما نقص من لحمه وجلده؛ لأنه حتى على ملك الغير، وَإِنْ أَزْمَنَ فَلَهُ، أي للأول أيضًا لإزمانه إياه، ثُمَّ إِنْ ذَفَّفَ الثَّانِي بقَطْعِ حُلْقُومٍ وَمَرِئٍ فَهُوَ حَلاَلٌ، وَعَلَيْهِ لِلأَوَّلِ مَا نَقُصَ بِالذَّبْحِ، وَإِنْ ذَفَّفَ لاَ بِقَطْعِهِمَا أَوْ لَمْ يُذَفِّفْ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ فَحَرَامٌ، لأن المقدور عليه لا يحل إلاّ بقطعهما وتغليبًا للتحريم في الأخير، وَيَضْمَنُهُ الثَّانِي لِلأَوَّلِ، لإفساد ملك الأول عليه، وفيما يضمنه تفصيل ذكرته في الأصل فَرَاجِعْهُ، وَإِنْ جَرَحَا مَعًا وَذَفَّفَا أَوْ أَزْمَنَا فَلَهُمَا، لاشتراكهما في سبب الملك، وَإِنْ ذَفَّفَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَزْمَنَ دُونَ الآخَرِ فَلَهُ، لانفراده بسبب الملك ولا ضمان على الآخر، وَإِنْ ذَفَّفَ وَاحِدٌ وَأَزْمَنَ آخَرُ وَجُهِلَ السَّابِقُ حَرُمَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لاحتمال تقدُّمِ الإزمان فلا تحلُّ بعده إلاّ بقطع الْحُلْقُومِ وَالْمَرِئِ، والطريق الثاني: حكاية قولين كمسألة الإِنْمَاءِ السالفة، ووجه الشبه اجتماع المبيح والمحرِّمِ، ومن قال بالأول؛ قال: هناك جرح يحال عليه الموت وهو معهود في القصاص وغيره وهنا بخلافه. فَرْعٌ: الاعتبار في الترتيبِ وَالْمَعِيَّةِ بالإصابة لا بابتداءِ الرمي.

стр. 1711

كِتَابُ الأضْحِيَّةِ الأُضْحِيَّةُ: هِيَ بِتَشْدِيْدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيْفِهَا وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا. وَالأَصْلُ فِيْهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٤١٠) وَقَوْلُهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٤١١) عَلَى الأَشْهَرِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلاَةِ صَلاَةُ الْعِيْدِ وَبِالنَّحْرِ الضَّحَايَا، وَالسُّنَّةُ فِي ذَلِكَ صَحِيْحَةٌ شَهِيْرَةٌ. هِيَ سُنَّةٌ، أي على الكفاية لأنَّ أبا بكر وعمر ﵄ كانا لا يُضَحَّيَانِ مخافة أن يرى ذلك واجبًا، رواه البيهقي عنهما بإسناد حسن (٤١٢)، لاَ تَجِبُ إِلاَّ بِالْتِزَامٍ، كسائر القُرَبِ، وَيُسَنُّ لِمُرِيْدِهَا أَنْ لاَ يُزِيْلَ شَعْرَهُ وَلاَ ظُفْرَهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يُضَحَّي، للأمر به في صحيح مسلم (٤١٣)، والحكمة فيه أن تبقى الأجزاء

стр. 1712

كاملة لتشملها المغفرة والعتق من النار، وَأَنْ يَذْبَحَهَا بِنَفْسِهِ، للاتباع (٤١٤)، نَعَمْ: تُستثنى المرأة من ذلك فإن الأفضل لها أن تُوَكِّلَ، وَإِلاَّ فَلْيَشْهَدْهَا، لأنه ﵊ أَمَرَ فَاطِمَةَ بِذَلِكَ كما رواه الحاكم وصحح إسناده (٤١٥) وَلاَ تَصِحُّ إِلاَّ مِنْ إِبِلٍ؛ وَبَقَرٍ؛ وَغَنَمٍ، بالإجماع وما حكاه ابن المنذر عن الحسن بن صالح من تجويزه التضحية ببقر الوحش عن سبعة وبالظبي عن واحد، وبه قال داود: في بقر الوحش شاذ، وَشَرْطُ إِبِلٍ أَنْ يَطْعَنَ فِي السَّنِّ السَّادِسَةِ، وَبَقَرٍ وَمَعْزٍ فِي الثَّالِثَةِ، وَضَأْنٍ فِي الثَّانِيَةِ، هذا هو الصحيح فيها، نعم: قال العبادي والبغوي وصاحب الكافي: الْجَذَعَةُ ما استكملت سَنَةً أو اجْذَعَتْ قبلها أى أسقطت سِنَّهَا، وَيَجُوزُ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، بالإجماع، وَخَصِيٌّ، للاتباع (٤١٦)، وَالْبَعِيْرُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سبْعَةٍ،

стр. 1713

للنص فيه كما رواه مسلم (٤١٧)، وَالشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ، أي وما خالفه إن صح أوّل على الاشتراك في الثواب، وَأَفْضَلُهَا بَعِيْرٌ، لأنه أكثر لحمًا، ثُمَّ بَقَرَةٌ، لأنها كَسَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ ضَأْنٌ، لأن لحمه أطيب مما بعده، ثُمَّ مَعْزٌ، لما قررناه من لحم الضَّأْنِ أطيبُ منه فكذلك أخره عنه، وَسَبْعُ شِيَاهٍ أَفْضَلُ مِنْ بَعِيْرٍ، لأن لحم الغنم أطيب والدم المراقُ أكثر، وَشَاةٌ أَفْضَلُ مِنْ مُشَارَكَةٍ فِي بَعِيْرٍ، للانفراد بإراقة الدم وطيب اللحم، وَشَرْطُهَا، يعني الأضحية، سَلَامَةٌ مِنْ عَيْبٍ يَنْقُصُ لَحْمًا، أي فِي الحال كقطعة فِلْقَةً (•) من الفخذ ونحوه أو في الْمَآلِ كالعرج الْبَيِّنِ ونحوه كما سيأتي؛ لأنه ينقص رعيها فتهزل وقد صحَّ أنه ﵊ قال: [أَرْبَعٌ لاَ تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالمَرِيْضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالْكَسِيْرُ الَّتِي

стр. 1714

لَا تُنَقِّي] (٤١٨) فنصَّ على هذه الأربعة وفُهِمَ المعنى: وهو نقص ما هو مستطاب لا يحصل بفواته طيبُ الأجزاء (•) وهَزَالٌ أو ما يفضي إليه، فَلَا تُجْزِئُ عَجْفَاءُ، أي وهي التي ذهب مُخُّهَا من غاية الهزال، وَمَجْنُونَةٌ، لأنه ورد النهي عن الثولاء وهي المجنونة التي تستدبر المرعى ولا ترعى إلَّا الشيء القليل وذلك يورثُ الهزالَ، وَمَقْطُوعَةُ بَعْضِ أُذُنٍ، أي قليلًا كان أو كثيرًا لذهاب جزء مأكول، وَذَاتُ عَرَجٍ وَعَوَرٍ وَمَرَضٍ وَجَرَبٍ بَيِّنٍ، للحديث السالف، وَلَا يَضُرُّ يَسِيْرُهَا، لأنه لا يؤثر فِي اللحم، وَلَا فَقْدُ قَرْنٍ، لأنه لا يتعلق بالقُرون كبير غرض، وَكَذَا شَقُّ أُذُنٍ، وخرقها، وَثَقْبُهَا فِي الأَصَحِّ، لأن ذلك لا ينقص من لحمها شيئًا، والثاني: يضر ذلك؛ لأنه صح النهي عن التضحية بالْخَرْقَاءِ وهي مخروقةُ الأُذن والشَّرقَاءُ وهي مُشَرَّقَةُ (•) الأُذن؛ فالأول حمل هذا على التنزيه، وتبع المصنف الْمُحَرَّر فِي ذِكْرِ خرق الأذن مع ثقبها والرافعي فِي الشرح فسَّر الْخَرْقَ بِالنَّقْبِ، قُلْتُ: الصَّحِيْحُ الْمَنْصُوصُ يَضُرُّ يَسِيْرُ الْجَرَبِ وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنه يفسدُ اللحم. فَصْلٌ: وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا، أي وقت الأضحية، إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ مَضَى قَدْرُ رَكْعَتَيْنِ وَخُطبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، أي فإن ذبح قبل ذلك فشاة لحم للاتباع، وقوله (خَفِيْفَتَيْنِ) يعود إلى الصلاة والخطبة. ولو قال: خَفِيْفَاتٍ؛ لكان أصرحَ؛ ووقع فِي مناسك الْمُصَنِّفِ: معتدلتين بدل خفيفتين، وهو غريبٌ، قُلْتُ: ارْتِفَاعُ الشَّمْسِ فَضِيْلَةٌ، وَالشَّرْطُ طُلُوعُهَا ثُمَّ مُضِيُّ قَدْرُ الرَّكْعَتَيْنِ وَالخُطْبَتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَبْقَى، أي وقت الأضحية، حَتَّى تَغْرُبَ، الشمس، آخِرَ التَّشْرِيْقَ، لقوله

стр. 1715

عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ [فِي كُلِّ أَيَّامِ التَّشْرِيْقِ ذَبْحٌ] رواهُ ابن حِبَّان فِي صحيحه (٤١٩)، نَعَمْ: يُكره ليلًا. وَمَنْ نَذَرَ مُعَيَّنَةً؛ فَقَالَ: للهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّي بِهَذِهِ! لَزِمَهُ ذَبْحُهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، لأنه الوقت السائغ شرعًا، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ، أي بغير تفريط، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لأنها وديعة عنده، وَإِنْ أَتْلَفَهَا لَزِمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيْمَتِهَا مِثْلَهَا وَيَذْبَحَهَا فِيْهِ، أي فِي الوقت المذكور إقامة للمثل مقامها، وَاعْلَمْ: أن الإتلاف تارة يوجد من الأجنبي فالحكم كما ذكره؛ وتارة يوجد من المعيِّن، وفيه وجهان، أحدهما: أنَّه كالأجنبي، وأصحهما: أنَّه يلزمه أكثر الأمرين من قيمتها وتحصيل مثلها كما لو باعها، فإن كانت القيمة أنقص اشتريَّ شقْصٌ إن لم يوحد دون المثل، وإن كانت أزيد ولا كريمة اُشْتُرِيَّ شَقْصٌ أيضًا مع المثل فإن لم يمكن شراء شقص لقلة الزائد فَيُشْتَرَى به لحم ويتصدق به أو يتصدق به دراهم، فيه وجهان، وَإنِ نَذَرَ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَنَّ لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فِيْهِ، لأنه التزم أضحية فِي الذمة وهي مؤقتة، وفيه وجه كدماء الجبران، فَإِنْ تَلِفَتْ، أي المعينة، قَبْلَهُ بَقِيَ الأَصْلُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، لأن ما التزمه ثبت فِي ذمته والمعين، وإن زال ملكه عنه فهو مضمون عليه وهذا ما اقتصر عليه المعظم، والثاني: لا، لتعيينها بالتعيين. وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ عِنْدَ الذَّبْحِ إِنْ لَمْ يَسْبِقْ تَعْيِيْنٌ، لأنه عبادة، والأعمالُ بِالنِّيَّاتِ؛ وذكرَ الإِمامُ تخريج وجهين فِي جواز تقديمها كما فِي جواز تقديمها على تفرقة الزكاة؛ قال الرافعي: والأصح الجواز، وَكَذَا إِنْ قَالَ: جَعَلْتُهَا أُضْحِيَةً فِي الأَصَحِّ، لأن التضحية فربة فِي نفسها فتحتاج إلى النِّيَّةِ، والثاني: يكفيه ذلك ولا يُشْتَرَط نِيَّةٌ

стр. 1716

أُخرى كما لو قال لعبده: أعتقتك، وبه جزم فِي أصل الروضة فِي المسألة العاشرة تبعًا للرافعي، وَإِنْ وَكَّلَ بِالذَّبْحِ نَوَى عِنْدَ إِعْطَاءِ الوَكِيْلِ أوْ ذَبْحِهِ، لأنه قائم مقامه وَنِيَّتُهُ عند الإعطاء إلى الوكيل مفرَّعٌ على الأصح فِي تقديم النَّيَّةِ على الذبح، ولا يخفى أن المراد إذا كان الوكيل مسلمًا؛ فإنه إن كان كتابيًا لا يجوز تفويضُ النِّيَّةِ إليه. فَصْلٌ: وَلَهُ الأَكْلُ مِنَ أُضْحِيَةِ تَطَوُّعٍ، أي بل يُسْتَحَبُّ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٤٢٠) وقيل: يجب لظاهر هذا الأمر، أما الواجبة فيجوز إن كانت معيَّنة ابتداءً، وإن كانت معينة عن شيء فِي الذمة فلا؛ لأنه يشبه دماء الجبرانات، وَإِطْعَامُ الأَغْنِيَاءِ، كما يطعم الضيف، لَا تَمْلِيْكُهُمْ، أي ليتصرفوا بها بالبيع وغيره؛ لأن الهبة ليست صدقةً؛ والأضحية ينبغي أن تكون مترددة بين التَّطَعُّمِ والإِطعامِ وبين الصدقة؛ فإن الأغنياء ضيفان الله على لحوم الأضاحي، والضيف لا يَهِبُ ولكن يُطعم، قال الإِمام: وهذا هو الذي يظهر لنا؛ وتبعه الغزالي والرافعي والمصنف وفيه نظرٌ. وَيَأْكُلُ ثُلُثًا، ويتصدق بثلثين لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٤٢١) جعلها على ثلاثة أقسام؛ وفسَّرَ المفسرون القَانِعَ: الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْمُعْتَرُّ: هُوَ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَهُ وَيَحُومُ حَوْلَهُ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفًا، أي ويتصدق بالنصف لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ جعلها قسمين، وهذا هو القديم، وعبارةُ الماوردي فِي حكايته: إنه يأكل ويَدَّخِرُ ويُهدي النصف ويتصدَّق بالنصفِ، ولم يذكر عنه الرافعي الإِدِّخار، وكأنه لم يرَ هذا الموضع منه فإنه نقله بلفظ عن القديم؛ ونقل عن الجديد أيضًا أكل الثلث والتصدق بالثلث وإهداء الثلث إلى المتجملين، كذا حكاه الشيخ أبو حامد؛ ثم قال: ولو تصدق بالثُّلُثَيْنِ كان أحبُّ. وصححه المصنف فِي تصحيحه، وقال الرافعي فِي تَذْنِيْبِهِ: المشهورُ الأول، وقال فِي الشرح: يشبه أن لا يكون فِي الحقيقة اختلاف ولكن من اقتصر على التصدق بالثلثين ذكر ما هو الأحبُّ أن يوسع فعدَّ الهدية من الصدقة، ولكن عن الماوردي فِي الحكاية

стр. 1717

عن القديم جعل الهدية من حَيِّزِ (•) الأكلِ، وَالأصَحُّ: وُجُوبِ التَّصَدُّقِ بِبَعْضِهَا، أي ما ينطلق الاسم عليه لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، والثاني: لا؛ لأنه يجوز أكل أكثرها فيجوز أكل جميعها، وَالأَفْضَلُ بِكُلِّهَا، مسارعة إلى الخيرات، إِلَّا لُقَمًا يَتَبَرَّكُ بِأَكْلِهَا، لأنه ﵊ [كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَتِهِ] كما رواهُ البيهقي (٤٢٢)، وَيَتَصَدَّقُ بجلْدِهَا، أَو يَنْتَفِعُ بِهِ، لقوله ﵊ [مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَتِهِ فَلَا أُضْحِيَةَ لَهُ] رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد (٤٢٣)، وَوَلَدُ الْوَاجِبَةِ يُذْبَحُ، تبعًا لأُمه، فإن ماتت الأُمُّ بقيَ أضحية، وَلَهُ أَكْلُ

стр. 1718

كُلِّهِ، هذا ما رأى الغزالي أنَّه أظهر فتبعه المصنف، وأما الروياني فقال: المذهب أنَّه يُسْلَكُ به مسلك الضحايا، وَشُرْبُ فَاضِلِ لَبَنِهَا، لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ (٤٢٤) قالَ النَّخَعِيُّ: إنِ احتاج إلى ظهرها! رَكِبَ؛ وإنْ حلبَ لبنها شَرِبَ. وَلَا تَضْحِيَةَ لِرَقِيْقٍ، لأنه لا ملك له، ولو ملك على الأظهر كما سلف فِي موضعه، فَإنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ وَقَعَتْ لَهُ، أي للسيد لأنه كالآلة، وَلَا يُضَحِّي مُكَاتَبٌ بِلَا إِذْنٍ، كما ليس له أن يتبرع، فإن أذن فالخلاف فِي تبرعه. وَلَا تَضْحِيَةَ عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لأنها عبادة، والأصلُ أن لا تفعل عن الغير إلا ما خرج بدليل لا سيما مع عدم الإذن. وَلَا عَنْ مَيِّتٍ إِن لَمْ يُوْصِ بِهَا، كذا قاله صاحب العدة والبغوي، وأطلق أبو الحسن العبادي جوازها؛ لأنها ضرب من الصدقة، والصدقة تصح عن الميت وتنفعه وتصل إليه بالإجماع، ولا يأكل أحد من هذه شيئًا قاله القفال فِي فتاويه معللًا بأن الأضحية وقعت عنه ولا يحل الأكل منها إلا بإذنه وهو متعذر فيجب التصدق به عنه. فَصْلٌ: أي فِي العقيقة، يُسَنُّ أَنْ يَعُقَّ عَنْ غُلَامٍ بِشَاتَيْنِ، وَجَارِيَةٍ بِشَاةٍ، للاتباع (٤٢٥)، وَسِنُّهَا وَسَلَامَتُهَا، أي عن العيوب، وَالأَكْلُ وَالتَّصَدُّقُ كَالأُضْحِيَةِ،

стр. 1719

أي وكذا الهدية؛ وقدر المأكول ونحوها. ويُسَنُّ طَبْخُهَا، لأنه أسهل لمتناوله ويطبخ بحلو، وقيل: بحامض، وَلَا يُكْسَرُ عَظْمٌ، تفاؤُلًا بسلامة أعضاء المولود، فلو كسرهُ؛ فالأصح: لا كراهة؛ لأنها طيرة وقد نُهِيَ عنها (٤٢٦). وَأَنْ تُذْبَحَ يَوْمَ سَابِعٍ وِلَادَتِهِ وَيُسَمَّى فِيْهِ، وَيُحْلَقَ رَأْسُهُ بَعْدَ ذَبْحِهَا وَيُتَصَدَّقُ بِزِنَتِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، للأمر به (٤٢٧)؛ لكن لم أرَ لِلذَّهَبِ ذِكرًا فِي الأخبارِ، وَيُؤَذِّنُ فِي

стр. 1720

أُذُنِهِ حِينَ يُوْلَدُ، وَيُحَنَّكُ بِتَمْرٍ، للاتباع (٤٢٨)
следующие страницы →