أُخرى كما لو قال لعبده: أعتقتك، وبه جزم فِي أصل الروضة فِي المسألة العاشرة تبعًا للرافعي، وَإِنْ وَكَّلَ بِالذَّبْحِ نَوَى عِنْدَ إِعْطَاءِ الوَكِيْلِ أوْ ذَبْحِهِ، لأنه قائم مقامه وَنِيَّتُهُ عند الإعطاء إلى الوكيل مفرَّعٌ على الأصح فِي تقديم النَّيَّةِ على الذبح، ولا يخفى أن المراد إذا كان الوكيل مسلمًا؛ فإنه إن كان كتابيًا لا يجوز تفويضُ النِّيَّةِ إليه.
فَصْلٌ: وَلَهُ الأَكْلُ مِنَ أُضْحِيَةِ تَطَوُّعٍ، أي بل يُسْتَحَبُّ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (٤٢٠) وقيل: يجب لظاهر هذا الأمر، أما الواجبة فيجوز إن كانت معيَّنة ابتداءً، وإن كانت معينة عن شيء فِي الذمة فلا؛ لأنه يشبه دماء الجبرانات، وَإِطْعَامُ الأَغْنِيَاءِ، كما يطعم الضيف، لَا تَمْلِيْكُهُمْ، أي ليتصرفوا بها بالبيع وغيره؛ لأن الهبة ليست صدقةً؛ والأضحية ينبغي أن تكون مترددة بين التَّطَعُّمِ والإِطعامِ وبين الصدقة؛ فإن الأغنياء ضيفان الله على لحوم الأضاحي، والضيف لا يَهِبُ ولكن يُطعم، قال الإِمام: وهذا هو الذي يظهر لنا؛ وتبعه الغزالي والرافعي والمصنف وفيه نظرٌ. وَيَأْكُلُ ثُلُثًا، ويتصدق بثلثين لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (٤٢١) جعلها على ثلاثة أقسام؛ وفسَّرَ المفسرون القَانِعَ: الَّذِي يَسْأَلُ، وَالْمُعْتَرُّ: هُوَ الَّذِي يَتَعَرَّضُ لَهُ وَيَحُومُ حَوْلَهُ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفًا، أي ويتصدق بالنصف لقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ جعلها قسمين، وهذا هو القديم، وعبارةُ الماوردي فِي حكايته: إنه يأكل ويَدَّخِرُ ويُهدي النصف ويتصدَّق بالنصفِ، ولم يذكر عنه الرافعي الإِدِّخار، وكأنه لم يرَ هذا الموضع منه فإنه نقله بلفظ عن القديم؛ ونقل عن الجديد أيضًا أكل الثلث والتصدق بالثلث وإهداء الثلث إلى المتجملين، كذا حكاه الشيخ أبو حامد؛ ثم قال: ولو تصدق بالثُّلُثَيْنِ كان أحبُّ. وصححه المصنف فِي تصحيحه، وقال الرافعي فِي تَذْنِيْبِهِ: المشهورُ الأول، وقال فِي الشرح: يشبه أن لا يكون فِي الحقيقة اختلاف ولكن من اقتصر على التصدق بالثلثين ذكر ما هو الأحبُّ أن يوسع فعدَّ الهدية من الصدقة، ولكن عن الماوردي فِي الحكاية
стр. 1717
عن القديم جعل الهدية من حَيِّزِ (•) الأكلِ، وَالأصَحُّ: وُجُوبِ التَّصَدُّقِ بِبَعْضِهَا، أي ما ينطلق الاسم عليه لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، والثاني: لا؛ لأنه يجوز أكل أكثرها فيجوز أكل جميعها، وَالأَفْضَلُ بِكُلِّهَا، مسارعة إلى الخيرات، إِلَّا لُقَمًا يَتَبَرَّكُ بِأَكْلِهَا، لأنه ﵊ [كَانَ يَأْكُلُ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَتِهِ] كما رواهُ البيهقي (٤٢٢)، وَيَتَصَدَّقُ بجلْدِهَا، أَو يَنْتَفِعُ بِهِ، لقوله ﵊ [مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَتِهِ فَلَا أُضْحِيَةَ لَهُ] رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد (٤٢٣)، وَوَلَدُ الْوَاجِبَةِ يُذْبَحُ، تبعًا لأُمه، فإن ماتت الأُمُّ بقيَ أضحية، وَلَهُ أَكْلُ
стр. 1718
كُلِّهِ، هذا ما رأى الغزالي أنَّه أظهر فتبعه المصنف، وأما الروياني فقال: المذهب أنَّه يُسْلَكُ به مسلك الضحايا، وَشُرْبُ فَاضِلِ لَبَنِهَا، لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ (٤٢٤) قالَ النَّخَعِيُّ: إنِ احتاج إلى ظهرها! رَكِبَ؛ وإنْ حلبَ لبنها شَرِبَ.
وَلَا تَضْحِيَةَ لِرَقِيْقٍ، لأنه لا ملك له، ولو ملك على الأظهر كما سلف فِي موضعه، فَإنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ وَقَعَتْ لَهُ، أي للسيد لأنه كالآلة، وَلَا يُضَحِّي مُكَاتَبٌ بِلَا إِذْنٍ، كما ليس له أن يتبرع، فإن أذن فالخلاف فِي تبرعه.
وَلَا تَضْحِيَةَ عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، لأنها عبادة، والأصلُ أن لا تفعل عن الغير إلا ما خرج بدليل لا سيما مع عدم الإذن.
وَلَا عَنْ مَيِّتٍ إِن لَمْ يُوْصِ بِهَا، كذا قاله صاحب العدة والبغوي، وأطلق أبو الحسن العبادي جوازها؛ لأنها ضرب من الصدقة، والصدقة تصح عن الميت وتنفعه وتصل إليه بالإجماع، ولا يأكل أحد من هذه شيئًا قاله القفال فِي فتاويه معللًا بأن الأضحية وقعت عنه ولا يحل الأكل منها إلا بإذنه وهو متعذر فيجب التصدق به عنه.
فَصْلٌ: أي فِي العقيقة، يُسَنُّ أَنْ يَعُقَّ عَنْ غُلَامٍ بِشَاتَيْنِ، وَجَارِيَةٍ بِشَاةٍ، للاتباع (٤٢٥)، وَسِنُّهَا وَسَلَامَتُهَا، أي عن العيوب، وَالأَكْلُ وَالتَّصَدُّقُ كَالأُضْحِيَةِ،
стр. 1719
أي وكذا الهدية؛ وقدر المأكول ونحوها.
ويُسَنُّ طَبْخُهَا، لأنه أسهل لمتناوله ويطبخ بحلو، وقيل: بحامض، وَلَا يُكْسَرُ عَظْمٌ، تفاؤُلًا بسلامة أعضاء المولود، فلو كسرهُ؛ فالأصح: لا كراهة؛ لأنها طيرة وقد نُهِيَ عنها (٤٢٦).
وَأَنْ تُذْبَحَ يَوْمَ سَابِعٍ وِلَادَتِهِ وَيُسَمَّى فِيْهِ، وَيُحْلَقَ رَأْسُهُ بَعْدَ ذَبْحِهَا وَيُتَصَدَّقُ بِزِنَتِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، للأمر به (٤٢٧)؛ لكن لم أرَ لِلذَّهَبِ ذِكرًا فِي الأخبارِ، وَيُؤَذِّنُ فِي
كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
الأَصْلُ فِي الْبَابِ آيَاتٌ مِنْهَا: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٤٢٩).
حَيْوَانُ الْبَحْرِ السَّمَكُ مِنْهُ حَلَالٌ كَيْفَ مَاتَ، لما سلف فِي باب الصيد والذبائح، وقوله (كَيْفَ مَاتَ) أي: أنَّه لا فرق بين أن يموت حتف أنفه أو بسبب ظاهر كصدمة حجر وضغطةٍ ونحوها، وَكَذَا غَيْرُهُ، أي غير السمك من حيوان البحر مما ليس على صورته، فِي الأَصَحِّ، لإطلاق قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ (٤٣٠) وقوله ﷺ [الْحِلَّ مَيْتَتُهُ] (٤٣١)، وإنما قدرتُ فِي كلام المصنف ما قدمته؛ لأنه صحَّحَ فِي أصل الروضة إطلاق اسم السمك على جميع ما فِي البحر، وَقِيْلَ: لَا، لأنه ﵊ خَصَّ السمكَ بالحلِّ فِي قوله [أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ] (٤٣٢) فيبقى ما سواهما داخل تحت تحريم الميتة؛ لكن حَدِيْثَ حِلِّ الميتةِ عامٌّ، وَقِيْلَ: إِنْ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ حَلَّ، أي كالبقر والشاة حل، وَإلَّا فَلَا: كَكَلْبٍ وَحِمَارٍ، اعتبارًا لما فِي البحر بما فِي البر؛ ولأن الاسم يتناوله فأجرى عليه حكمه؛ فعلى هذا إن وجد ما لا نظير له فِي البر فهو حلال لقصة العَنْبَرِ؛ وهي فِي الصحيح؛ ولا نظير لها فِي البر؛ وعلى هذا لا يحلُّ ما أشبهَ الحمارَ وإن كان فِي الْبَرِّ حمارُ الوحش.
стр. 1722
فَرْعٌ: إذا حكمنا بِحِلِّ ما سوى السمك من حيوان البحر، فقيل: يشترط فيه الذكاة، والأصح: لا، بل تحلُّ مَيْتَتُهُ أيضًا.
وَمَا يَعِيْشُ فِي بَرٍّ وَبَحْرٍ: كَضِفْدَعٍ وَسَرَطَانٍ وَحَيَّةٍ حَرَامٌ، أما الضِّفْدَعُ؛ فلأنه صحَّ النهيُ عن قتلهِ (٤٣٣) وَمَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ مُحَرَّمٌ، ولأنه مستخبثٌ، وقيل: هو سَمٌّ. وأما السَّرَطَانُ وَالْحَيَّةُ؛ فَلِما فيهما من الضَّرَرِ، وكذا ذاتُ السُّمُومِ، وقال المصنف فِي شرح المهذب: الصحيحُ المعتمدُ أنَّ جميع ما فِي البحر حلالٌ مِيْتَتُهُ إلَّا الضِّفْدَعُ، ويحمل ما ذكر الأصحاب أو بعضهم من السُّلَحْفَاةِ وَالْحَيَّةِ وَالنَّسْنَاسِ على ما يكون فِي غير البحر.
وَحَيْوَانُ الْبَرِّ يَحِلُّ مِنْهُ الأَنْعَامُ، بالإجماع: وهي الإبل؛ والبقر؛ والغنم، وَالخَيْلُ، لأنهُ ﵊ [رَخَّصَ فِيْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ] متفق عليه (٤٣٤) [وَأُكِلَ فِي بَيْتِهِ] كما رواه أحمد (٤٣٥).
стр. 1723
وَبَقَرُ وَحْشٍ وَحِمَارُهُ، لأنهما من الطيبات.
وَظَبْيٌ، بالإجماع، ولأنه من الطيبات أيضًا.
وَضَبْعٌ، لقوله ﵊ [الضَّبْعُ صَيْدٌ فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ فَفِيْهِ جَزَاءٌ كَبْشٌ مُسِنٌّ وَتُؤْكَلُ] رواه الحاكم من حديث جابر وقال: صحيح الإسناد (٤٣٦)، ونابُهُ ضعيف لا يتقوى به ولا يفترس به ولا يعيش به، وقيل: أنَّه من أحمق الحيوان؛ لأنه يتناوم حتى يصطاد، وقَال أبو حنيفة ومالك بتحريمه لحديث فيه لا يصحُّ (٤٣٧).
وَضَبٌّ، لأنه أُكِلَ بِحَضْرَتِهِ الْكَرِيْمَةِ؛ وَقَالَ [لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ] متفق عليه (٤٣٨).
وَأَرْنَبٌ، لأنه ﵊ [أَكَلَ مِنْهَا] كما أخرجه البخاري (٤٣٩)،
стр. 1724
وأغرب أبو حنيفة بتحريمها، وَثَعْلَبٌ، لأنه من الطيبات ونابه ضعيف، وَيَرْبُوعٌ، لأن العرب تستطيبهُ ونابهُ ضعيفٌ أيضًا، وَفَنَكٌ، قيل: إلحاقًا له بالثعلب وهو بفتح الفاء والنون دابَّةٌ يَفْرَى جِلْدُهَا، وحكى في الْمُحْكَمِ كسر الفاء وسكون النون، وَسَمُّورٌ، إلحاقًا بالثعلب أيضًا وهو بفتح السين وتشديد الميم قال ابن دَرَسْتَوَيْهِ: وهو دابة بريَّةٌ مثل السنور ويتخذ من جلودها الفراء للينها وخفتها ودفائها وحسنها وهو أعجمي معرب، ووقع في تهذيب اللغات للمصنف: أنه طائر معروف.
وَيَحْرُمُ بَغْلٌ؛ وَحِمَارٌ أَهْلِيٌّ، للنهي عنهما كما صححه الحاكم (٤٤٠)، والنهي عن الْحُمُرِ في الصحيحين (٤٤١)، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبَاعِ، وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ: كَأَسَدٍ؛ وَنَمِرٍ؛ وَذِئْبٍ؛ وَدُبًّ؛ وَفِيْلٍ؛ وَقِرْدٍ؛ وَبَازٍ؛ وَشَاهِيْنٍ؛ وَصقْرٍ؛ وَنَسْرٍ؛ وَعِقَابٍ، أي وجميع جوارح الطير لِلنَّهْيِ عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ في الصحيحين (٤٤٢) وَعَنْ كُلِّ ذِي مَخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ في مسلم (٤٤٣). والمراد من ذي
стр. 1725
النابٍ الذى يَعْدُو على الحيوان ويتقوَّى بنابه، والتحريمُ منوطٌ بِعَدْوِهِ بِنَابِهِ على النص، وَكَذَا ابْنِ آوَى؛ وَهِرَّةِ وحشِ فِي الأَصَحَّ، لأن العرب تستخبث الأول والهرة الوحشية تعدو بنابها، والثاني: لا؛ لضعف ناب الأول، وأما في الهرة فبالقياس على الحمار الوحشي، واحترز بـ (الوحشي) عن الهرة الأهلية؛ فإنها حرام على المعروف؛ لأنها تعدُو وتعيش بنابها وقد ورد في الخبر أنها سَبُعٌ (٤٤٤).
وَيَحْرُمُ مَا نُدِبَ قَتْلُهُ: كَحَيَّةٍ؛ وَعَقْرَبِ؛ وَغُرَابٍ أَبْقَعَ؛ وَحِدَأًةٍ؛ وَفَأْرَةٍ؛ وَكُلَّ سَبُعٍ ضَارًّ، أي كأسد ونمر وغيرهما مما سلف لقوله ﵊: [خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابَّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلَّ وَالْحَرَمِ: الْغَرَابُ؛ وَالحِدَأَةِ؛ وَالْفَأْرَةِ؛ وَالْعَقْرَبِ؛ وَالْكَلْبِ العَقُورِ] متفق عليه (٤٤٥) وفي رواية لمسلم [الغُرَابُ الأَبْقَعُ]، وفي رواية له: [أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِقَتْلِ خَمْسٍ فَوَاسِقَ فِي الحِلِّ وَالْحَرَمِ] (٤٤٦) وفي رواية لأبي داود والترمذي؛ وقال: حسنٌ من حديث أبي سعيد الخدري، ذَكَرَ السَّبُعَ الْعَادِيَ مَعَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ (٤٤٧)، والسبب في حرمة ما أُمر بقتله من الحيوان: أن الأمر
стр. 1726
بقتله إسقاطٌ لحرمتهِ ومنعٌ من اقتنائِهِ، وَكَذَا رَخْمَةٍ، لخبثِ غِذائها؛ وَبُغَاثَةٍ كَالْحَدَأَةِ وهي طائر أبيض بطيءُ الطيران أصغر من الحدأة وأوله فيه الحركات الثلاث (•).
وَالأَصَحُّ: حِلُّ غُرَابِ زَرْعٍ، أي وهو أَسْوَدٌ صغيرٌ يقال له الزَّاغُ وقد يكون مُحْمَرُّ المنقار والرجلين؛ لأنه مستطاب يأكل الزرع فأشبه الْفَوَاخِتَ، والثاني: أنه حرام؛ لأنه من جنس الغربان؛ وَيَحْرُمُ الغرابُ الأسود على الأصحِّ، وكذا الْغُدَافُ الصغير على الأصح في أصل الروضة؛ وإن كان ظاهر إيراد الرافعي تصحيحُ الْحِلِّ.
وَتَحْرِيْمُ بَبَغَا وَطَاوُسٍ نقله الرافعي عن تصحيح البغوي خاصة ولم يعلله ولا علل مقابله، وَالْبَبَغَاءُ بفتح الْبَاءَيْنِ والأُولى مفتوحةٌ والثانية مشدَّدةٌ ومنهم من ضبطها بإسكانِ الثانية، واقتصر المصنفُ فيما رأيته بخطَّهِ على تشديدِ الباء الثانيةِ وعَلَّمَ على الألف علامة القَصْرِ، قال الصَّاغَانِيُّ في عِبَابِهِ؛ ومن خطَّهِ نقلتُ: البَبَغَا هذا الطائرُ الأخضرُ المعروفُ يعني الدُّرَّةُ.
وَتَحِلُّ نَعَامَةٌ؛ وَكُرْكِيٌّ؛ وَبَطٌّ؛ وَإِوَزٌّ؛ وَدَجَاجٌ؛ وَحَمَامٌ وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ وَمَا عَلَى شَكْلِ عُصْفُورٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ كَعَنْدَلِيْبٍ؛ وَصَعْوَةٍ؛ وَزَرْزُورٍ، لأنها من الطيبات والإِوزُ بكسر الهمزة حكى عن البطليوسي وِزَّةٌ، وقال صاحب الواعي: الأَوَزُّ طيرُ الماءِ واحدُها إِوَزَّةٌ وهو الطيرُ الذي يقالُ له الْبَطُّ، وكذا قال ابن خَالَوَيْهِ الإِوَزُّ الْبَطُّ صِغَارُهُ وَكِبَارُهُ فينكرُ على المصنف جَمْعُهُ بينهما، والدجاجُ مُثَلَّثُ الدَّالِ حكاه غير واحد وقوله (عَبَّ وهدَرَ) الأشبه كما قال الرافعي: أن ما عبَّ
стр. 1727
وهدَرَ، وَالْعَبُّ شِدَّةُ جُرَعِ الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ تَنَفُّسٍ، وَالْهَديْرُ: تَرجِيْعُ الصَّوتِ وَمُوَاصَلَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْطِيْعٍ لَهُ، وَالْعُصْفُورُ بضمِّ العين وحكى فتحها، وَالعَنْدَلِيْبُ بفتح العين والدال وهو طائرٌ يقال لهُ الْهَزَّارُ، والجمعُ الْعَنَادِلُ؛ لأنك ترده إلى الرباعي ثم تبني منه الجمع، وَالْبُلْبُلُ يُعَنْدِلُ إِذَا صَوَّتَ قاله الجوهري، والصَعَوَةُ بفتح الصاد والعين المهملتين، لاَ خُطَّافٌ، لورود النهي عن قتله (٤٤٨) وهو الْخُفَّاشُ كما نص عليه أهل اللغة، وإن كان كلام المصنف في الروضة تبعًا للرافعي يقتضي تغايرهما، وَنَمْلٌ وَنَحْلٌ، للنهي عن قتلهما (٤٤٩)، وعن الخطابي: أن النهي الوارد في قتل النمل المراد به السُليماني أي لانتفاء الأذى منه دون الصغير (٤٥٠)، وكذا نقل عن شرح السُّنَّةِ أيضًا، وَذُبَابٌ وَحَشَرَاتٌ كَخُنْفَسَاءَ وَدُودٍ، لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٤٥١)، وَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، تغليبًا للتحريم، وَمَا لاَ نَصَّ فِيْهِ
стр. 1728
إِنِ اسْتَطاَبَهُ أَهْلُ يَسَارٍ وَطِبَاعٍ سَلِيْمَةٍ مِنَ الْعَرَبِ، أي مَنْ كَانَ فِي زَمَنِهِ عَلَيهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ، فِي حَالِ رَفَاهِيَةٍ حَلَّ، وَإنِ اسْتَخْبَثُوهُ فَلاَ، لأن القرآن أُنْزِل بلغتهم وهم المخاطَبون به، ويشترط فيهم الشروط المذكورة فلا عبرة بأهل الحاجة ولا بالأجْلاَفِ ولا بحال الْجَدْبِ، وَإن جُهِلَ اسمُ حَيَوَانٍ سُئِلواْ وَعُمِلَ بِتَسْمِيَتِهِمْ، أي حِلًا وحُرمًا، وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْمٌ عِنْدَهُمْ اعْتُبِرَ بِالأَشْبَهِ بِهِ، أى إما صورةً أو طبعًا أو طعمًا (٤٥٢).
فَصْلٌ: وَإِذَا ظَهَرَ تَغَيُّرُ لَحْمِ جَلَّالَةٍ حَرُمَ أَكْلُهُ، لأنها صارت من الخبائث، وَقِيْلَ: يُكْرَهُ، لأن النهي الوارد فيه إنما كان لتغير اللحم وهو لا يوجب التحريم بدليل المذكى إذا جاف وهذا ما نقله الرافعي في الشرح والتذنيب عن إيراد الأكثرين، لا جَرَمَ عقّبه المصنف بقوله: قُلْتُ: الأَصَحُّ يُكْرَهُ وَاللهُ أَعْلَمُ، وتبع الرافعي في المُحَرَّرِ الإمام والبغوي والغزالي لكنه اعترض عليه في التذنيب، والجلاّلة: هي التي تأكل العذرة والنجاسات سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم والدجاج، ثم قيل: إن كان أكثر علفها النجاسة فهي جلالة، وإن كان الطّاهر أكثر فلا، وهذا قضية كلام المصنف في تحريره، والصحيح أنه لا اعتبار بالكثرة بل بالرائحة والنتن كما جزم به المصنف فإن وجد في عرقها وغيره ريح الجلالة فهو موضع النهي وإلاّ فلا، فَإِنْ عُلِفَتْ طَاهِرًا فَطَابَ، لَحْمُهَا، لزوال التغيير، حَلَّ، لزوال العلة.
فُرُوعٌ: كما يمنع لحمها يمنع لبنها، وكذا بيضها، ويكره الركوب عليها بدون حائل، وحكمُ السَّخْلَةِ الْمُرَبَّاة بِلَبَنِ كَلْبٍ كَالْجَلَّالَةِ.
стр. 1729
وَلَوْ تَنَجَّسَ طَاهِرٌ كَخَلًّ وَدُبْسٍ ذَائِبٍ حَرُمَ، أي أَكْلُهُ لأَنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنِ الْفَأْرَةِ تَكُونُ فِي السَّمْنِ فَقَالَ: [إِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقَوْهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلاَ تَقْرَبُوهُ] وقد سبق في النجاسات (٤٥٣)، وفي البيع وجه أنه يمكن تطهير الدهن، فعلى ذلك الوجه إذا غسل يزول التحريم، وَمَا كُسِبَ بِمُخَامَرَةِ نَجِسٍ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ مَكْرُوهٌ، للنهي عنه (٤٥٤)، وَيُسَنُّ أَنْ لاَ يَأْكُلَهُ وَيُطْعِمَهُ رَقِيْقَهُ وَنَاضِحَهُ، لأن مُحَيَّصَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ؟ فَنَهَاهُ عَنْهُ فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ: [أَعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ] حَسَّنَهُ الترمذيُّ وصححهُ ابنُ حبَّان (٤٥٥)
стр. 1730
وأخرجه مالك في الموطأ عن ابن مُحَيَّصَةَ وزاد [وَأَطْعِمْهُ رَقِيْقَكَ] (٤٥٦) والفرق بين الحر والعبد أنه كَسْبُ دَنِيًّ والعبدُ دَنِيٌّ فصرف الدَّنِيُّ إلى الدَّنِيَّ، وقيل: يكرهُ للعبد أيضًا؛ ونسبه الماوردي إلى الأكثرين.
وَيَحِلُّ جَنِيْنٌ وُجِدَ مَيِّتًا فِي بَطْنٍ مُذَكَّاةٍ، أى سواء أشعرَ أم لا؟ لقوله ﵊: [ذَكَاةُ الْجَنِيْنِ ذَكاةُ أُمَّهِ] صححهُ ابن حبان (٤٥٧)، قال الجويني: وإنما يحل إذا سكن في البطن عقب ذَبْحِ الأُمَّ، فأما لو بقي زمانًا طويلًا يضطرب ثم سكن وتحرك فالصحيح أنه حرام.
فَصْلٌ: وَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مُخَوَّفًا وَوَجَدَ مُحَرَّمًا، أى كميتة؛ ودم؛ ولحم خنزير؛ وما في معناها، لَزِمَهُ أَكْلُهُ، كما يجب دفع الهلاك بأكل الحلال،
стр. 1731
وَقِيْلَ: يَجُوزُ، ولا يجب؛ لأنه قد يريدُ التَّوَرُّعَ لتردُّده في الانتهاء إلى حد الضرورة كَالْمَصُولِ عليهِ يتردَّدُ في القدر الدافع للصائل فيتورَّعُ.
فَرْعٌ: خوفُ طولِ مدَّةِ المرضِ كخوفِ الموتِ، وكذا الضعف عن المشي أو الركوب، وكذا الانقطاع عن الرفقة، وكذا إذا عيل صبره وجهده الجوع.
فَرْعٌ: ليس للعاصي بسفره أكل الميتة حتى يتوب على الصحيح.
فَإِنْ تَوَقَّعَ حَلاَلاً قَرِيْبًا لَمْ يَجُزْ غَيْرُ سَدَّ الرَّمَقِ، لأندفاع الضرورة به، وَإِلاَّ، أي وإن لم يتوقعه، فَفِي قَوْلِ: يَشْبَعُ، أي بحيث تنكسر سورة الجوع؛ لأن ما يحل منه القدر الذي يسد الرمق يحل القدر المشبع كالطعام المباح، وَالأَظْهرُ: سَدُّ الرَّمَقِ، لاندفاع الضرورة به، إِلَّا أن يَخَافَ تَلَفًا إِنِ اقْتَصَرَ، على سد الرمق فإنه يشبع وجوبًا قطعًا؛ وإن كان في بلد وتوقع الحلال قَبْلَ عَوْدِ الضَّرُورَةِ، قال الإمام: يجب القطع بالاقتصار على سَدَّ الرَّمَقِ.
وَلَهُ أَكْلُ آدَمِيِّ مَيَّتٍ، لأن حرمة الحي أعظم فلا يأكل منه إلاّ ما يسد الرمق، وليس له طبخهُ وشَيِّهِ كما قال الماوردي، ويستثنى ما إذا كان الميت نبيًا؛ فإنه لا يجوز الأكل منه قطعًا كما قاله المروزي، وما إذا كان الميت مسلمًا والذمي مضطرًا على الأقيس في الروضة.
وَقَتْلُ مُرْتَدًّ وَحَرْبِيًّ، لأنهما ليسا معصومين، لاَ ذِمَّيًّ وَمُسْتَأْمِنٍ وَصَبِيًّ حَرْبِيًّ، لحرمة قتلهم، قُلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ قَتْلِ الصَّبِيَّ وَالْمَرْأَةِ الْحَرْبِيَّيْنِ لِلأَكْلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنهما ليسا بمعصومين وليس المنع من قتلهما في غير حالة الضرورة لحرمة روحهما بل لحق الغانمين، ألا ترى أنه لا تتعلق به الكفارة.
وَلَوْ وَجَدَ طَعَامَ غَائِبٍ أَكَلَ، لدفع الإضرار، وَغَرِمَ، مراعاة لِحَقَّ الغيرِ، أَوْ حَاضِرٍ مُضْطَرًّ لَمْ يَلزَمْهُ بَذْلُهُ إِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ، إبقاءً لمهجته، اللهم إلّا أن يكون غير المالك نبيًا؛ فإنه يجب على المالك بَذْلُه له، فَإِنْ آثَرَ مُسْلِمًا جَازَ، قال تعالى:
стр. 1732
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ .... ﴾ الآية (٤٥٨)، أما الكافر فلا، وإن كان ذميًا وكذا البهيمة، أَوْ غَيْرَ مُضْطَرًّ لَزِمَهُ إِطْعَامُ مُضْطَرًّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمَّيًّ، أى أو مستأمن، وكذا لو كان يحتاج إليه في تأتي الحال في الأصح، فَإِنِ امْتَنَعَ، أي المالك من إطعامه، فَلَهُ، أي للمضطر، قَهْرُهُ، أي على أخذه، وَإنْ قَتَلَهُ، أي ويكون مُهْدَرًا، وَإنَّمَا يَلْزَمُهُ، يعني المالك الإطعام، بِعِوَضٍ نَاجِزٍ إِنْ حَضَرَ، وَإِلَّا فَبِنَسِيْئَةٍ، أى ولا يلزمه البذل مجانًا، فَلَوْ أَطْعَمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا فَالأَصَحُّ: لاَ عِوَضَ، حملًا على المسامحة المعتادة في الطعام سيما في حق المضطر، والثاني: يلزمه؛ لأنه خَلّصَّهُ من الهلاك بذلك فرجع عليه بالبذل كما في العفو عن القصاص.
فَرْعٌ: كما يجب البذل لإبقاء الآدمي المعصوم يجب لابقاء البهيمة المحترمة وإن كانت ملكًا للغير.
وَلَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتَةً وَطَعَامَ غَيْرِهِ، أَوْ مُحْرِمٌ مَيْتَةً وَصَيْدًا فَالْمَذْهَبُ أَكْلُهَا، لأنه لا ضمان فيها، وفي الأُولى وجه: أنه يأكل الطعام؛ لأنه حلال العين، ووجه ثالث: أنه يتخير بينهما، وفي الثانية قول: أنه يأكل الصيد؛ لأن تحريم الميتة آكد وأغلظ؛ لأنه يَتَأَبَّدُ وَيَعُمُّ الْمُحرِمَ وغيره وتحريم الصيد بخلافه، وفي قول أو وجه: يتخيّر بينهما كما في الأَولى، وكان ينبغي للمصنف التعبير في الأُولى بالأصح؛ لأنها ذات ثلاثة أوجه، وقيل أقوال، وأما الثانية: فيصح التَعْبِيرُ فيها بالمذهب؛ لأن الأكثر على بناء الخلاف في أن ما يذبحه المُحرَّم هل يصير ميتة، إن قلنا: نعم أكل الميتة قطعًا، وإلّا فقولان، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيْمُ قَطْعِ بَعْضِهِ لأَكْلِهِ، لأنه قطع لحم حي قد يتوقع منه الهلاك وكقطعه من غيره، والثاني: لا؛ لأنه إتلاف بعضٍ لاستبقاء الكل فأشبه قطع اليد بسبب الأكَلَةِ، قال الرافعي في شرحيه: ويشبه أن يكون هذا أظهر؛
стр. 1733
وبه قال الشيخ أبو حامد وغيره لا جرم اعترض المصنف عليه بقوله: قُلْتُ: الأَصَحُّ جَوَازُهُ، ثم قال: وَشَرْطُهُ، أي شرط قطع بعضه لأكله، فَقْدُ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهَا، أي فإن وجد شيئًا يأكله حرم قطعًا، وَأَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ مِنْ قَطْعِهِ أَقَلَّ، أي فإن كان أكثر حُرَّم قطعًا، وَيَحْرُمُ قَطْعُهُ، أي من نفسه، لِغَيْرِهِ وَمِنْ مَعصُومٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، إذ ليس فيه إتلاف البعض لإبقاء الكل.
والرمح والمزاريق.
فَرْعٌ: يَصُحُّ أيضًا على جميع أنواع القسي حتى يجوز على الرمي بالمسلات والابر.
وَكَذَا مَزَارِيْقَ، وَرِمَاحٍ؛ وَرَمْيٍ بِأَحْجَارٍ وَمَنْجَنِيْقٍ، وَكُلِّ نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ عَلَى المَذْهَبِ، أما المزاريق والرماح أسلحةٌ يرمى بها وتُبتغى الإصابة بها كالسِّهَامِ، ووجه مقابله: قِلَّةُ ما يرمى بها في الحروب ومنهم من قطع بالأول، وأما الرمي بالأحجار والمقلاع والمنجنيق فقال الماوردي: هي كالسهام قطعًا فهذه طريقة، وقال غيره: وجهان، أحدهما: المنع توجيهًا بأنها ليست من آلة الحروب، والأصح: الجواز والتوجيه ممنوع، وقوله (وَكُلُّ نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ) يدخل فيه التردد بالسيوف والرماح، والأصح: جواز المسابقة عليها، نعم: كان ينبغي له التعبير فيه بالأصح لا بالمذهب.
فَائِدَةٌ: الْمَزَارِيْقُ جَمْعٌ وَاحِدُهَا مِزْرَاقٌ، قال الجوهري: هو رُمْحٌ قَصِيْرٌ فعلى هذا ذكر المصنف الرماح بعدها من باب ذكر العامِّ بعد الخاصِّ.
لاَ عَلَى كُرَةِ صَوْلَجَانٍ وَبُنْدُقٍ، أى وكذا جُلاَهِقُ (٤٦٤)، وَسِبَاحَةٍ؛ وَشِطْرِنْجٍ؛ وَخَاتَمٍ، وُوُقُوفٍ عَلَى رِجْلٍ، وَمَعْرِفَةِ مَا فِي يَدِهِ، أى من فردٍ وزوجٍ أي وكذا سائر أنواع اللعب؛ لأنها لا تنفع في الحروب، وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَى خَيْلٍ، للحديث السالف، أو حافر وتلحق الإبل بالخيل لقوله أيضًا أو خف، وَكَذَا فِيْلٍ؛ وَبَغْلٍ؛ وَحِمَارٍ فِي الأَظْهَرِ، لعموم قوله: [أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ] ويؤيِّده العدولُ عن ذكر الفرس والبعير إلى ذكر الحافر والخف، والثاني: المنع؛ لأنها لا تصلح للكرِّ والفرِّ ولا
стр. 1737
يقاتل عليها غالبًا، لاَ طَيْرٍ وَصِرَاعٍ فِي الأَصَحِّ، لأنه ليس من آلات القتال، والثاني: يجوز، أما في الطير؛ فلأنه يحتاج إليها في الحرب لإنهاء الأخبار، وأما في الصراع؛ فلأنه ﵊ صَارَعَ رُكَانَةَ عَلَى شِيَاهٍ كما رواهُ أبو داود في مراسيله (٤٦٥)، وأجاب الأول: بأن الغرض أنْ يُرِيَهُ شِدَّتَهُ لِيُسْلِمَ، وَلهَذَا لَمَّا أَسْلَمَ رَدَّ غَنَمَهُ عَلَيْهِ، ثم محلُّ الخلاف ما إذا ثَمَّ عوض؛ فإن لم يكن عوض فلا خلاف في الجواز.
فَائِدَةٌ: صح أنه ﵊ تَسَابَقَ هُوَ وَعَائِشَةُ (٤٦٦)، ولا خلاف في جواز المسابقة على الأقدام بلا عوض، وبه الأصح المنع بعوض، ومن الحديث المذكور يؤخذ جواز المسابقة من النساء وإن كان المنقول في الرافعي والكفاية المنع؛ لأنهن لَسْنَ من أهل الحرب.
فَصْلٌ: وَالأَظْهَرُ: أَنَّ عَقْدَهُمَا، يعني عقد المسابقة والمناضلة، لاَزِمٌ لاَ جَائِزٌ، كالإجارة، والثاني: أنه جائز كَالْجُعَالَةِ، ومحل الخلاف فيمن التزم المال، فأما من لم يلتزم شيئًا وقد يَغْنَمُ؛ فجائزٌ في حقه قطعًا، ثم فَرَّعَ المصنفُ على القولين باللزوم فقال: فَلَيْسَ لأحَدِهمَا فَسْخُهُ، لأن هذا شأن العقد اللازم، نعم: لو بَانَ بالعوض المعين عيبٌ ثبت حقُّ الفسخ، وَلاَ تَرْكُ العَمَلِ قَبْلَ شُرُوعٍ وَبَعْدَهُ، أي سواء كان ناضلًا أو منضولًا وأمكن أن يدركه صاحبه ويسبقه وإلّا فلا، فله الترك؛ لأنه ترك حق نفسه، وَلاَ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ فِيْهِ، أى في العمل، وَلاَ فِي مَالٍ، أي إلاّ أن يفسخا العقد الأول ويستأنفا عقدًا كما ذكره في الروضة تبعًا للرافعي، هذا كله تفريع على قول اللزوم. وعلى قول الجواز، يجوز جميع ذلك.
стр. 1738
وَشَرْطُ الْمُسَابَقَةِ عِلْمُ الْمَوْقِفِ، أي الذي يبدآن بالجري منه، وَالْغَايَةِ، أي التي يجريان إليها؛ لأنه ﵊ [سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضْمَرَةِ مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاع وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ] متفق عليه (٤٦٧)، وَتَسَاوِيْهِمَا فِيْهِمَا، أي تساوي المتسابقين في الموقف والغاية، فلو شرط تقدم موقف أحدهما أو تقدم غايته لم يجزْ؛ لأن المقصود معرفة فروسية الفارس وجودة سير الفرس، ولا يعرف ذلك مع تفاوت المسافة لاحتمال أن يكون السَّبْقُ بقصر المسافة لا لحذق الفارس ولا لفراهة الفرس.
فَرْعٌ: لو لم يُعَيِّنَا غايةً؛ وشرط المال لمن سبق منهما حيث سبق لم يَجُزْ، جزم به في الْمُحَرَّرِ.
وَتَعْيِيْنُ الْفَرَسَيْنِ، لأن المقصود امتحان الفرس ليعرف سيره فإن أحضرت الافراس وعقدت على عينها فذاك، وإن وصفت وعُقدت على الوصف فالأصح في أصل الروضة: الصحة كما يقام الوصف في السلم مقام الاحضار، قال الرافعي في التَّذْنِيْبِ: وهذا هو الأَوْجَهُ وبه قال العراقيون، والثاني: المنع وهو ظاهر كلام المصنف تبعًا لِلْمُحَرَّرِ وصححه الغزالي، لأن الْمُعَوَّلَ في المسابقة على أعيانها، وَيتَعَيَّنَانِ، أى فلا يجوز إبدالهما، وإن وقع هلاك انفسخ العقد، وإذا وقع عقد على الوصف ثَم أُحْضُرَ فرس فما ينبغي أن يفسخ العقد بهلاكه قاله الرافعي، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُلِّ وَاحِدٍ، أي فإن كان فرس أحدهما يقطع بتخلفه أو فارهًا يقطع بتقدمه لم يجز، وصحح الإمامُ الصحة فيما إذا كان يقطع بسبق أحدهما، ولو كان سبق احدهما ممكنًا على الندور
стр. 1739
ففي الاكتفاء به للصحة وجهان: أَقْرَبُهُمَا إلى كلام الأصحاب: المنع؛ وأنه لا يقام للاحتمال النادر وَزْنٌ.
وَالْعِلْمُ بِالْمَالِ الْمَشرُوطِ، أي بالمشاهدة إن كان معينًا، وبالوصف إن كان من الذمة كالاجارة والجعالة، فلو عقدا على مجهولٍ أو خنزير فَسَدَ! واستحق أجرة المثل على الأصح.
فَرْعٌ: من شروط المسابقة ما استدركه الرافعي على الوجيز وأهمل التصريح به في المحرر؛ وهو أن يستبقا على الدابتين فلو شرطا إرسالهما ليجريا بأنفسهما فالعقد باطلٌ؛ لأنها تَنفرُ ولا تقصد الغاية بخلاف الطيور إذا جوزنا المسابقة عليها؛ لأن لها هداية إلى الغاية، وأن تكون المسافة بحيث يمكن للفرسين قطعهما ولا ينقطعان، فإن كانت بحيث لا يصلان غايتها إلاّ بانقطاع وتعب فالعقد باطل.
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ شَرْطُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِهِمَا بِأَنْ يَقُولَ الإِمَامُ أَوْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ: مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَذَا أَوْ عَلَيَّ كَذَا، لما فيه من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد أسباب القتال ولأنه بذل مالٍ في طاعة، وَمِنْ أَحَدِهِمَا، أي ويجوز شرط المال من أحدهما، فَيَقُولُ: إِنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا. أَوْ سَبَقْتُكَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْكَ، لأن المقصود من العقد يحصل مع خُلُوِّهِ من القمار؛ فإنَّ الْمُخَرَّجَ حريص على أن يسبق كي لا يغرم، والآخر حريص عليه ليأخذه، فَإِنْ شَرَطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا فَلَهُ عَلَى الآخَرِ كَذَا لَمْ يَصِحَّ، لقوله ﵊: [مَن أدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لاَ يُؤْمَنُ أنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ وَإِنْ أمِنَ أنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ] قال الحاكم: صحيحُ الإسناد (٤٦٨)، فإذا كان قمارًا عند الأمن مِن سبق فرس الْمُحَلِّلِ،
стр. 1740
فعند عدم المحلل أَولى، ولأن معنى القمار موجود فيه؛ فإن كُلاًّ منهما يرجُو الْغَنْمَ ويخشى الْغَرمَ، إِلاَّ بِمُحَلَّلٍ فَرَسُهُ كُفْءٌ لِفَرَسَيْهِمَا، للخبر المذكور، فإن سبق غنم مَا لهما وإن سُبق فلا غرم عليه، وقد سلف عن الإمام تصحيح الصحة فيما إذا كان أحد الفرسين يقطع بفراهته وتقدمه، والكفوء مثلث الكاف المساوي والنظير، واقتصر المصنف على الضَّمِّ فيما رأيته بخطه، فَإِنْ سَبَقَهُمَا أَخَذَ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَاهُ وَجَاءَا مَعًا فَلاَ شَيْءَ لأَحَدٍ، لعدم سبقه لهما ولعدم سبق أحدهما الآخر، وَإِنْ جَاءَ مَعَ أَحَدِهِمَا فَمَالُ هَذَا لِنَفْسِهِ، وَمَالُ الْمُتَأَخَّرِ لِلْمُحَلِّلِ وَللَّذِي مَعَهُ، لأنهما سبقاه، وَقِيْلَ: لِلْمُحَلِّلِ فَقَطْ، هو قول ابن خيران؛ لأنه منع فيما إذا شرطا أن المحلل يأخذ السبقين إن سبق، وإن كل واحد منهما إن سبق أحرز ما أخرجه وأخذ ما أخرجه الآخر لكن الصحيح المنصوص الجواز، وَإِن جَاءَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ المُحَلِّلُ ثُمَّ الآخَرُ فَمَالُ الآخَرِ لِلأَوَّلِ فِي الأصَحِّ، لأن المحلل مسبوق، والثاني: أنه له وللمحلل معًا؛ لأنهما سبقا الآخر، والثالث: أنه للمحلل خاصة وهو ضعيف، هذا إذا قلنا بالمنصوص، فإن قلنا بقول ابن خيران فهل هو لِلْمُحَلِّلِ أمْ يُحْرِزُهُ مُخَرِّجُهُ وَلاَ يَسْتَحِقُّهُ المُحَلِّلُ وَلاَ السَّابِقُ؟ وجهان ولا خلاف أنَّ الأولَ يُحْرِزُ مَا أخْرَجَهُ، وَإِنْ تَسَابَقَ ثَلاَثَةٌ فَصَاعِدًا، وَشُرِطَ لِلثَّانِي مِثْلَ الأَوَّلِ، أي وكذا أكثر، فَسَدَ، لأن كل واحد منهما يؤخر نفسه فلا يجتهد في السبق، ووقع في الرافعي والروضة تصحيح الصحة فيما إذا شرط له مثل ما شرط للأول وعَلَّلاه بأن كُلاًّ منهما يجتهد أن يكون هنا أولًا وثانيًا، وَدُونَهُ يَجُوزُ فِي الأَصَحِّ، لأنه يسعى ويجتهد له ليفوز بالأكثر، والثاني: المنع؛ لأنه إذا كان يتحصل على شيء فقد يتكاسل فيفوت مقصود العقد، وَسَبْقُ إِبِلٍ بِكَتِفٍ، وَخَيلٍ بِعُنُقٍ، لأن الإبل ترفع أعناقها من العدو فلا يمكن اعتباره، والخيل تمدها، وعبر في الروضة تبعًا للرافعي بالكتد بدل الكتف وهو مجتمع الكتفين بين أصل العنق والظهر، وقال الماوردي: فيه تأويلان؛ أحدهما هذا، والثاني: الأول؛ أعني الْكَتِفَ، وأطلق المصنف ما ذكره في الخيل، وَيُرَدُّ عَلَيْهِ أنهما إذا اختلفا في الطول وسبق الأطول بقدر الزيادة أو دونها! لم يحكم بأنه السابق، وَقِيْلَ: بِالْقَوَائِمِ فِيْهِمَا، لأن العدو بها وهو الأقيس عند الإمام.
стр. 1741
فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِلْمُنَاضَلَةِ بَيَانُ أَنَّ الرَّمْيَ مُبَادَرَةٌ وَهِيَ أنْ يَبْدُوَ أَحَدُهُمَا، أي يسبق، بِإِصَابَةِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ، أي كما إذا شرط أن من سبق إلى إصابة خمسة من عشرين فله كذا ورمى كل واحد عشرين فأصاب أحدهما خمسة والآخر دونها فالأول ناضل، أَوْ مُحَاطَّةٌ، أي بتشديد الطاء، وَهِيَ أَنْ تُقَابَلَ إِصَابَاتُهُمَا وَيُطرَحُ الْمُشْتَرَكُ فَمَنْ زَادَ بِعَدَدِ كَذَا فَنَاضِلٌ، أى كخلوصِ خمسة من عشرين، فإذا رميا عشرين وأصاب كل واحد خمسة لم ينضل أحدهما الآخر، وإن أصاب أحدهما خمسة والآخر عشرة فالثاني ناضل، وَاعْلَمْ: أن ما جزم به المصنف من اشتراط التعرض لكون الرمي مبادرة أو محاطة هو أحد الوجهين، وأصحهما على ما ذكره البغوي: أنه لا يشترط التعرض لهما في العقد، وإذا أطلقنا حمل العقد على المبادرة؛ فإنها الغالب من المناضلة، كذا نقله الرافعي عن تصحيح البغوي وأقرهُ واستقل بتصحيحه في الشرح الصغير وتبعه المصنف في الروضة وخالفا في الكتاب وَالْمُحَرَّرِ، وَبَيَانُ عَدَدُ نُوَبِ الرَّمْيِ، أي في المحاطّة والمبادرة جميعًا ليكون للعمل ضبط وهي في المناضلة كالميدان في المسابقة ولو تناضلا على رمية واحدة فقيل بالمنع والأصح الصحة، وَالإِصَابَةِ، أي وبيان عدد الإصابة كخمسة من عشرين؛ لأن الاستحقاق بالإصابة وبها يتبين حذق الرامي وجودة رميه، وَمَسَافَةِ الرَّمْيِ، لاختلاف الغرض بها، وقيل: لا يشترط؛ وينزل على العادة الغالبة للرماة هناك إن كانت، فإن لم يكن عادة وجبت قطعًا، قال الرافعي: وعلى هذا بحمل ما أطلقه الأكثرون من اشتراط إعلام المسافة، ولو تناضلا على أن يكون السبق لأبعدهما رميًا ولم يقصدا غرضًا صح العقد على الأصح، وَقَدْرُ الغَرَضِ، أي بفتح الغين المعجمة والراء وهو العلامة التي يرمي إليها من خشب أو قرطاس أو دائرة، طُولًا وَعَرْضًا، لاختلاف الغرض بذلك، إِلَّا أَنْ يَعْقِدَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ عَرَضٌ مَعْلُومٌ فَيُحْمَلُ الْمُطلَقُ عَلَيْهِ، وَلْيُبَيِّنَا صِفَةَ الرَّمْي، أي الإِصابة، مِنْ قَرْعٍ: وَهُوَ إِصَابَةُ الشَّنِّ، بفتح الشين وهو الغرض، بِلاَ خَدْشٍ، أَوْ خَزْقٍ: وَهُوَ أن يَثقُبَهُ وَلاَ يَثْبُتَ فِيْهِ، أَوْ خَسْقٍ: وَهُوَ أَن يَثْبُتَ فِيهِ، أَوْ مَرْقٍ: وَهُوَ أَنْ يَنْفُذَ، أي ويخرج من الجانب الآخر، وإنما يتصور ذلك في الشَّن
стр. 1742
المعلق، ووجه ذلك اختلاف الأغراض بهذه الصفات، فَإِنْ أَطْلَقَا، أي العقد، اقْتَضَى الْقَرْعَ، لأنه المتعارف، قال الرافعي: والأصح ما في التهذيب: أنه لا يشترط التعريض لشئ منها كالخرم والمرق وكإصابة أعلى الشّنِ وأسفله؛ فإن اطلقا اقتضى القرع.
وَيَجُوزُ عِوَضُ الْمُنَاضَلَةِ مِنْ حَيثُ يَجُوزُ عِوَضُ الْمُسَابَقَةِ وَبِشَرْطِهِ، أي فيجوز أن يكون من غيرهما ومن أحدهما ومنهما بمحلل كما في المسابقة، وَلاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِيْنُ قَوْسٍ وَسَهْمٍ، لأن الاعتماد على الرامي، فَإنْ عَيَّنَ لَغَا، وَجَازَ إِبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ، أي سواء حدث فيه خلل يمنع استعماله أم لا بخلاف الفرس، واحترز بقوله (بِمِثْلِهِ) عن الانتقال من نوع إلى نوع كالقسي الفارسية والعربية؛ فإنه لا يجوز إلاّ بالتراضي لأنه ربما كان به أدرب، فَإنْ شُرِطَ منْعُ إِبْدَالِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ، كسائر العقود الفاسدة، وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ بَيَانِ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ، لأن الأغراض تخلف بذلك فإن تركاه لم يصح العقد، والثاني: لا، فقيل: يقرع بينهما، وقيل: يؤخذ بعادة الرماة.
وَلَوْ حَضَرَ جَمْعٌ لِلْمُنَاضَلَةِ فَانْتَصَبَ زَعِيْمَانِ يَخْتَارَانِ أَصْحَابًا جَازَ، أي ويكون كل حزب في الإصابة والخطأ كالشخص الواحد، وإنما يجوز بشروط ذكرتها في الأصل، منها أن يكون لكل حزب زعيم كما ذكره المصنف، وَلاَ يَجُوزُ شَرْطُ تَعْيِيْنِهِمَا، يعني الأصحاب، بِقُرْعَةٍ، لأنها قد تجمع الحذاق في جانب وضدهم في الآخر فيفوت مقصود المناضلة، فَإِنِ اخْتَارَ، أي أحد الزعيمين، غَرِيْبًا ظَنَّهُ رَامِيًا فَبَانَ خِلاَفُهُ، أي أنه لا يحسن الرمي، بَطَلَ الْعَقْدُ فِيْهِ، وَسَقَطَ مِنَ الْحِزْبِ الآخَرِ وَاحِدٌ، أي بإزائه كما أنه إذا بطل البيع في بعض المبيع يسقط قسطه من الثمن، وَفِي بُطلاَنِ الْبَاقِي قَوْلًا، تفريق، الصَّفْقَةِ، أي على المذهب، وقيل: بالبطلان قطعًا، فَإِنْ صَحَّحْنَا فَلَهُمْ جَمِيْعًا الْخِيَارُ، للتبعيض، فَإِنْ أجَازُوا وَتَنَازَعُوا فِيمَنْ يَسْقُطُ بَدَلُهُ فَسَدَ العَقدُ، لتعذر إمضائه، واحترز بقوله فيما مضى (فَبَانَ خِلاَفُهُ) عما إذا بان أنه ضعيف الرمي أو قليل الإصابة فإنه لا فسخ لأصحابه، ولو بان فوق ما ظنوه فلا فسخ للحزب الآخر وفيه بحث.
стр. 1743
وَإِذَا نَضَلَ حِزْبٌ قُسِمَ الْمَالُ بِحَسَبِ الإِصَابَةِ، لأن الاستحقاق بها، وَقِيْلَ: بِالسَّويَّةِ، لأنهم كالشخص الواحد، قال الرافعي في شرحيه: وهو الأشبه، مع أنه قال في الْمُحَرَّرِ: إنَّ الأشبه الأول، وهذا عجيب فلعل أحدهما من سبق القلم وتبعه في الروضة في تصحيح الثاني، وَيُشْتَرَطُ فِي الإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ أَنْ تَحْصُلَ بِالنَّضْلِ، لأنه المفهوم من الإصابة عند الإطلاق، فَلَوْ تَلَفَ وَتَرٌ أوْ قَوْسٌ، أي قبل خروج السهم لا بتقصيره وسوء رميه، أَوْ عَرَضَ شَيْءٌ، أى كشخص وبهيمة، انْصَدَمَ بِهِ السَّهْمُ وَأَصَابَ حُسِبَ لَهُ، لأن الإصابة مع الغلبة (•) تدل على جودة الرمي، وَإِلاَّ لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، إحالة له على السبب العارض.
وَلَوْ نَقَلَتِ الرِّيْحُ الْغَرَضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَهُ حُسِبَ لَهُ، أي إن كان الشرط الإصابة؛ لأنه لو كان مكانه لأصابه، وَإِلاَّ فَلاَ يُحْسَبُ عَلَيْهِ، أي وإن لم يصب موضعه فلا يحسب عليه، وعبارة الْمُحَرَّر: وإلاّ فلا؛ أى لا يحسب له ولا بد من مراجعة الأصل لتحقيق ذلك منه، وَلَوْ شُرِطَ خَسْقٌ؛ فَثَقَبَ! وَثَبَتَ! ثُمَّ سَقَطَ؛ أَوْ لَقِيَ صَلاَبَةً فَسَقَطَ؛ حُسِبَ لَهُ، أما في الأُولى؛ فكما لو نزعه غيره، وأما في الثانية؛ فلظهور سبب الرجوع عن الْخَسْقِ وهو الصلابةُ.
стр. 1744
كِتَابُ الأَيْمَانِ
الأَيْمَانُ: هُوَ جَمْعُ يَمِيْنٍ، سُمَّيَتْ بِذَلِكَ؛ لأَنَّهُمْ كَانُواْ عِنْدَ الْحَلْفِ يَتَقَابَضُونَ بِأَيْمَانِهِمْ؛ وَهِيَ فِي الشَّرْعِ مَا سَيَأْتِي. وَالأَصْلُ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ... ﴾ الآية (٤٦٩)، وَالأَحَادِيْثُ الشَّهِيرَةُ، وَإِجْمَاعُ الأُمَّةِ عَلَى انْعِقَادِ الْيَمِيْنِ، وَتَعَلُّقُ الْكَفَّارَةِ بِالْحِنْثِ فِيْهَا.
لاَ تَنْعَقِدُ، يعني اليمين، إِلَّا بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ كقَوْلِهِ: وَاللهِ، وَرَبَّ الْعَالَمِيْنَ، وَالْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ، وَكُلُّ اسْمٍ مُخْتَصًّ بِهِ ، أي كالإله ومالك يوم الدين؛ لأن الأيمان معقودة (•) بِمَنْ عَظُمت حُرمَتُهُ وَلَزِمَتْ طَاعَتُهُ، وإطلاق هذا مختصٌّ بالله تعالى، والمراد بالذات في كلام المصنف الحقيقة، والعالَم بفتح اللام كُلُّ المخلوقاتِ.
وَلاَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ: لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِيْنَ، لأن هذه الألفاظ لا تحتمل غير اليمين، وَمَا انْصَرَفَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ عِنْدَ الإِطْلاَقِ كَالرَّحِيْمِ، وَالْخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَالرَّبَّ تنْعَقِدُ بِهِ الْيَمِيْنُ، أي سواءٌ أراد الله تعالى أو أطلق، لأن الإطلاق ينصرف إليه، إِلا أن يُرِيْدَ غَيْرهُ، لأنه قد يستعملُ في حقِّ غيره كرحيم القلب وربَّ الدار وخالقِ الكذبِ
стр. 1745
ورازقُ الجيش، قال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ (٤٧٠) وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٤٧١).
وَمَا اسْتُعْمِلَ فِيْهِ وَفِي غَيْرِهِ سوَاءٌ: كالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالْحَيَّ لَيْسَ بِيَمِيْنٍ إِلَّا بنِيَّةٍ، لأنها لَمَّا استعملت فيهما سواءً؛ أشبهت كنايات الطلاق، وهذا ما صححه في الروضة؛ أعني فيما إذا نوى، وصحح الرافعي في الشرح: أنه لا يكون يمينًا، ولو نوى؛ لأن ما يطلق على الباري وغيره ليس بتعظيم ولا حرمة، واليمين إنما تنعقد باسم معظم وهذا مردود، وَالصِّفَةُ: كَوَعَظَمَةِ اللهِ، وَعِزَّتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَكَلاَمِهِ، وَعِلْمِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَمَشِيْئَتِهِ يَمِيْنٌ، لأن هذه لم يزل موصوفًا بها فأشبهت اليمين بأسمائه فتنعقد يمينه بها ولو أطلق، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ، وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ، لأنه محتمل.
وَلَوْ قَالَ: وَحَقِّ اللهِ؛ فَيَمِيْنٌ؛ إِلَّا أَنْ يُرِيْدَ الْعِبَادَاتِ، لأن حقَّ الله تعالى، وإن كان يطلق على العبادات التي أمر بها، ويطلق بمعنى استحقاقه الإلهية والتعالي والعظمة؛ لكنه غلب استعماله في اليمين فصرف إليه.
وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: بَاءٌ، وَوَاوٌ، وَتَاءٌ: كَبِاللهِ وَوَاللهِ وَتَاللهِ، وَتخْتَصُّ التَّاءُ بِاللهِ تَعَالَى، لأنها لا تدخل إلّا عليه، وَلَوْ قَالَ: اللهَ؛ وَرَفَعَ أَوْ نَصَبَ أو جَرَّ فَلَيْسَ بِيَمِيْنٍ إِلَّا بِنِيَّةٍ، لأنه لا يعرفه إلاّ الخواص، وَلَوْ قَالَ: أَقْسَمتُ؛ أَوْ أُقْسِمُ؛ أَوْ حَلَفْتُ؛ أَوْ أَحْلِفُ بِاللهِ لأَفْعَلَنَّ؛ فَيَمِيْنٌ إِنْ نَوَاهَا أو أَطْلَقَ، لكثرته في الاستعمال، وَإِنْ قَالَ: قَصَدْتُ، أي بما ذَكَرتُ، خَبَرًا مَاضِيًا؛ أَوْ مُستَقبَلًا! صُدَّقَ بَاطِنًا، لاحتمال ما يدَّعيه، وَكَذَا ظَاهِرًا عَلَى الْمَذْهَبِ، لظهور الاحتمال أيضًا، كذا نصَّ عليه، ونصَّ في الإيلاء: أنه إذا قال: أقسمتُ بالله لا وَطِئْتُكِ، ثم قال: أردتُ يمينًا ماضيةً أنه لا يقبل، وللأصحاب ثلاث طرق؛ أظهرها: حكاية قولين فيهما؛ اظهرهما: القبول لما قلناه، والثاني: المنعُ؛ لظهوره في الإنشاء، والطريق الثاني: القطعُ بالمنعِ، وحملَ ما ذكره هنا على القبول باطنًا، والثالث: تقريرُ النَّصَّيْنِ، والفرقُ أن حقَّ الله تعالى مبنيٌّ
стр. 1746
على المسامحة بخلاف حقَّ الآدمي، ومحلُّ الخلاف ما إذا لم يعلم له يمينٌ ماضية، فإن عُلِمَ؛ قُبِلَ ارِاَدَتُهُ خبرًا عن ماضٍ قطعًا.
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: أُقْسِمُ عَلَيكَ بِاللهِ؛ أَوْ أَسْأَلُكَ بِاللهِ لَتَفْعَلَنَّ؛ وَأرَادَ يَمِيْنَ نَفْسِهِ فَيَمِيْنٌ، لصلاحية اللفظ له، وَإِلَّا فَلَا، حَملًا على الشفاعة.
ولَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَأنَا يَهُودِيٌّ؛ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلاَمِ؛ فَلَيْسَ بِيَمِيْنٍ، لانتفاء الاسم والصفة، نَعَمْ؛ يَسْتَغْفِرُ اللهَ؛ وَيَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ؛ جَبْرًا لما وقعَ من الخللِ، وَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِهَا بِلاَ قَصْدٍ، أى كقوله في حالة غضبٍ أو لَجَاجٍ أو عَجَلةٍ أو صِلَةِ كلامٍ لا والله؛ وبلى والله، لَمْ تَنْعَقِدْ، أي بل هو لَغْوُ اليمينِ؛ كما قالت عائشة في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٤٧٢) رواه أبو داود مرفوعًا وصححه ابن حبان (٤٧٣)، ولو كان يحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره فهو في معنى لغو اليمين أيضًا، والمراد من تفسير اللَّغْوِ بِلَا والله وَبَلَى والله أن يقولَ أحدهما تارة والآخر أُخرى كما نَبَّهَ عليه ابن الصلاح، أما لو جمعهما في كلام واحد، فقد قال الماوردي: الأُولى لغو؛ لأنها غير مقصودة، والثانية منعقدة؛ لأنها استدارك مقصود منه.
فَرْعٌ: إذا وقع مثل ذلك في الطلاق أو العتاق وادَّعى أنه لم يقصد اليمين، لا يقبلُ في الحكم لتعلق حقَّ الغير به.
وَتَصِحُّ، يعني اليمين، عَلَى مَاضٍ، بالإِجماع، وَمُسْتَقْبَلٍ، أي إذا كان ممكنًا، قال
стр. 1747
عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: [وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا] (٤٧٤)، أما غيره كالصُّعُودِ إلى السماء وقَلْبِ الْحَجَرِ ذَهَبًا، فالأصحُّ: انعقاد يمينه وتلزمه الكفارة في الحال، ولو حلف لا يصعد إلى السماء أو لا يقتل ميتًا؛ فالأصح: عدم انعقاد يمينه.
فَصْلٌ: وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ، لأنه جعل الله عرضة ليمينه وقد نهاه عنه، إِلَّا فِي طَاعَةٍ، كالجهاد للحديث السالف [وَاللهِ لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا]، ويستثنى أيضًا الأيمان الواقعة في الدَّعَاوَى إذا كانت صادقة فإنها لا تكره، وكذا إذا دعت إليها حاجة كتوكيد وتعظيم أمر، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ عَصَى، أى بيمينه، وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَكَفَّارَةَ، لأن الإقامة على هذه الحالة معصية، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ أَوْ فِعْلِ مَكْرُوهٍ, أي كإلتفات في الصلاة ونحوه، سُنَّ حِنْثُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، لقوله ﵊ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: [وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِيْنٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا؛ فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِيْنِكَ] متفق عليه (٤٧٥)، أَو تَرْكِ مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ؛ فَالأَفْضَلُ: تَرْكُ الحِنْثِ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٤٧٦)، وَقِيلَ: الْحِنْثُ، لينتفع المساكين بالكفَّارة، وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِغَيْرِ صَوْمٍ، أي كالكفارة بالمال، عَلَى حِنْثٍ جَائِزٍ، لأنها وجبت بشيئين يختصَّان بها فجاز تقديمها
стр. 1748
على أحدهما كتعجيل الزكاة، نَعَمْ: الأَولى أن لا يكفِّرَ حتى يحنث خروجًا من خلاف أبي حنيفة، واحترز بقوله: (بِغَيْرِ صَوْمٍ) عما إذا كفَّر بالصوم؛ فإن الصحيح: أنه لا يجوز تقديمها على الحنث؛ لأنها عبادة بدنية فلم يجُز تقديمها على وقت وجوبها بغير حاجة كصوم رمضان، ولا خلاف في امتناع التقديم قبل انعقاد اليمين، قِيْلَ: وَحَرَامٍ، أى إن كان الْحِنْثُ بارتكاب حرام بأن حلف لا يزني؛ لأن الكفارة لا يتعلق بها تحريم ولا تحليل؛ فأن المحلوف عليه على حالة حرام قبل اليمين وبعدها، وقبل التكفير وبعده، ووجه المنع كَيْلَا يتوسَّلُ به إلى المعصية، ولأن التقديم رخصة فلا تستباح بها المعاصي، وهذا ما رجحه البغوي فتبعه الرافعي في المُحَرَّرِ، لكنه صحَّحَ الجواز في الشرح الصغر ونقلهُ عن كثيرين في الكبير، وصرَّحَ المصَنِّفُ في أصل الروضة: بأنه الأصح عند الأكثرين لا جرم قال هنا، قُلْتُ: هَذَا أصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ عَلَى الْعَوْدِ، أي وكذا يجوز تقديم كفارة الظهار على العود؛ لأنه تقديم بعد وجود أحد السببين، لأن الكفارة منسوبةٌ إلى الظِّهَارِ؛ كما أنها منسوبة إلى اليمين، ويتصور تقديم كفارة الظهار على العود في صور منها: إذا ظاهر من رجعية ثم كَفَّرَ ثم راجعها، وَقَتْلٍ علَى الْمَوْتِ، أى وكذا يجوز تقديم كفارة القتل على الموت بعد حصول الجرح، وكذا تقديم جزاء الصيد قبل الموت بعد الجرح، ثم هذا في التكفير بالإعتاق، فأما الصوم فلا يتقدم على الصحيح كما سبق، ولا يجوز تقديم كفارة القتل على الجرح بحال لا في الآدمي ولا في الصيد، وَمَنْذُورٍ مَالِيًّ، أي وكذا يجوز تعجيل المنذور إذا كان ماليًا، كإِنْ شَفَى اللهُ مريضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أن أُعْتِقَ أو أَتَصَدَّقَ بِكَذَا، فيجوزُ تقديم الإعتاق والتَّصَدُّقِ على الشفاء، ورجوع الغائب، وعن فتاوى القفال ما تنازع فيه وصححه المصنف في الروضة في باب تعجيل الزكاة، ونقله الرافعي عن تصحيح ابن عبْدان وأقره عليه، واحترز بـ (الماليّ) عن البدني فإنه لا يجوز تقديمه على الحنث قطعًا.
فَصْلٌ: يَتَخَيَّرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ بَيْنَ عِتْقٍ كَالظَّهَارِ، وَإطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِيْنَ
стр. 1749
لِكُلَّ مِسْكِيْنٍ مُدُّ حَبًّ مِنْ غَالِبِ قُوْتِ بَلَدِهِ، وَكِسْوَتُهُمْ بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً كَقَمِيْصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ إِزَارٍ، لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ ... ﴾ الآية (٤٧٧)، قوله (كَالظَّهَارِ) أي من كونها مؤمنة بلا عيب كما أسلفنا هناك، والجامع بينهما التكفير، وخرج بقوله (عَشْرَةِ مَسَاكِيْنَ) ما إذا أطعم خمسة وكسى خمسة؛ فإنه لا يجوز، كما لا يجوز إعتاق نصف رقبة وإطعام خمسة، واعتبار الْمُدَّ أنه سَدَادُ الراغب وكفايةُ المقتصد ونهايةُ الزهيد, واعتبارُ الغالب كما في الظهار، واعتبار مسمَّى الكِسْوَةِ؛ لأن الشارع أطلقها ولا عُرْفَ لَهُ فِيْهَا.
فَرْعٌ: يجزئُ المنديلُ؛ قاله الأصحابُ.
لاَ خُفًّ؛ وَقُفَّازَيْنِ؛ وَمِنْطَقَةٍ، لخروج ذلك عن الكِسوة الملبوسَةِ، وَلاَ يُشتَرَطُ صَلاَحِيَتُهُ لِلْمَدْفُوع إِلَيْهِ فَيَجُوزُ سَرَاوِيْلُ صَغِيْرٍ لِكَبِيْرٍ لاَ يَصْلُحُ لَهُ، وَقُطْنٌ، أي وصوفٌ كما في المُحَرَّرِ، وَكَتَّانٌ؛ وَحَرِيْرٌ لاِمْرَأَةٍ وَرَجُلٍ، لوقوع اسم الكسوة على ذلك، وليس لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ، كالطعام العتيق؛ فإن ذهبت أو تَخَرَّقَ فلا يجوزُ كإلاطعام الْمُسَوسِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الثَّلَاثَةِ، أي وهي العتق وإلاطعام والكسوة، لَزِمَهُ صَوْمُ ثَلاثةِ أَيَّامٍ، للآية (٤٧٨)، وَلا يَجِبُ تَتَابُعُهَا فِي الأَظْهَرِ، لإطلاق الآية، والثاني: يجب؛ لِقِرَاءَةِ ابنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيَّ بْنِ كَعْبٍ ﴿ثَلَاَثةُ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ﴾ (٤٧٩) والقراءَةُ
стр. 1750
الشَّاذَّةُ كخَبَرِ الواحد في وجُوبِ العملِ بها، وأجاب الأول: بأن الشَّاذَّ إنما يكون كخبر الواحد إذا ثبت كونهُ قرآنًا ولا ثبوت لأنه يجوز أن يكون تفسيرًا؛ وعموم القراءة المشهورة أولى (٤٨٠)، وَإِنْ غَابَ مَالُهُ انْتَظَرَهُ، وَلَم يَصُمْ، أي وإن حلت له الزكاة، لقدرته على التكفير بالمال من غير ضرر (•) وأخذ الزكاة لحاجة تختص بمكانه والكفارة تعتبر بإمكانه.
فَرْعٌ: لو لم يجد الرقبة ومالُهُ حاضرٌ! أنتظرَ أيضًا.
وَلاَ يُكَفّرُ عَبْدٌ بِمَالٍ، لعدم ملكه له؛ ولو بالتمليك على الأظهر، إِلَّا إِذَا مَلْكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً، ليكفَّرَ بهما أو ملكه مطلقًا ثم أذن له في ذلك، وَقُلْنَا: يَملِكُ، أما إذا أطلق التمليكَ؛ فإنه لا يملك إخراج كفارته بغير إذن سيده، وخرج بقوله (طَعَامًا أوْ كِسْوَةً) ما إذا ملكه عبدًا ليعتقه عنها وهو الأصح؛ لأنه يستعقب الولاء ولا يمكن إثباته للعبد، بَلْ يُكَفَّرُ بِصَوْمٍ، لما ذكرناه من أنه لا يملك ولو مُلَّكَ على الأظهر.
فَرْعٌ: إذا قلنا له أنْ يكفَّرَ بالمال فمقتضى كلام صاحبِ التَّنْبِيْهِ: أنه ليس له العَّدُولُ عنه إلى الصيام، والذي أبداهُ الإمام والرافعيُّ الجوازُ.
وَإِنْ ضَرَّهُ، يعني الصوم كَالْحَرِّ الشديد والنهار الطويل أو كان يضرُّهُ ويُضعِفُهُ عن العمل، وَكَانَ حَلَفَ وَحَنِثَ بِإِذْنِ سَيَّدِهِ صَامَ بِلاَ إذْنٍ، لوجود الرضى من السيد فيهما، أَوْ وُجِدَا، يعني الحلف والحنث، بِلاَ إذْنٍ لَمْ يَصُمْ إِلَّا بِإذْنٍ، لأنه لم
стр. 1751
يأذن في السبب وعليه فيه ضرر؛ فكان له منعه وإخراجه منه كالحج، وَإِنْ أَذِنَ فِي أحَدِهِمَا، فالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْحَلِفِ، أي فيُنظر إن كان بإذنه أو دونه، وكلام المصنف يشمل ما إذا أذن في اليمين دون الحنث وعكسه، أما الأُولى: وهي ما إذا حلف بالإذن وحنث بغيره، وفيه وجهان كما ذكره في الكتاب؛ أحدهما: أن له أن يصوم بغير إذنه؛ لأن إذنه في الحلف إذن فيما يترتب عليه، والثاني: المنعُ؛ لأن اليمين مانعة من الْحِنْثِ؛ فليس إذنهُ فيها إذنًا في التزام الكفَّارة، وهذا ما صححه الرافعي في شرحيه ونقله عن الأكثرين، وتبعه في الروضة، لكن في المحرر صحح الأول فتبعه المصنف هنا، وأما الثانية: وهي ما إذا حلف بغير إذنه وحَنِثَ بإذنه؛ وفيه وجهان أيضًا؛ أحدهما: أنه لا يصوم إلا بإذنه؛ لأن الحلف هو السبب الأول؛ ولم يأذن السيد فيه وإنما العبد وَرَّطَ نفسه فيه، وهذا ما صححهُ في الكتاب تبعًا لِلْمُحَرَّرِ، والثاني: له أن يصوم بغير إذن السيد؛ لأن الحنث يستعقب الكفارة، فالإذنُ فيه يكفي إذنًا في التكفير، وصحح في الروضة تبعًا للرافعي، ولعل ما في الكتاب تبعًا لِلمُحَرَّر سَبْقُ قَلَمٍ من الْحِنْثِ إِلَى الْحَلْفِ، وهذه المسألة هي نظير رجوع الضامن في الأقسام الأربعة كما سلف في بابه، واحترز المصنف أوَّلًا بقوله (فَإِنْ ضَرَّهُ) عما إذا لم يضرُّهُ الصوم كالشتاء ونحوه؛ فإنه ليس له المنع والحالة هذه على الأصح؛ لأنه لا يتضررُ به، ومَنْ بَعضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ يُكَفَّرُ بِطَعَامٍ أَوْ كِسوَةٍ، أي ولا يصوم لقدرته على ما يُقدم على الصوم، لَا عِتْقٍ، لنقصه؛ لأنه ليس أهلًا للولاء.
فَصْلٌ: حَلَفَ لاَ يَسْكُنُهَا أَوْ لاَ يُقِيمُ فِيْهَا! فَليَخْرُجْ فِي الْحَالِ، فَإِنْ مَكَثَ بِلاَ عُذْرٍ حَنَثَ، وَإِنْ بَعَثَ مَتَاعَهُ، لأن اسم السُّكْنَى يقعُ على الابتداء وعلى الاستدامة، ألاَ تَرَى أنك تقولُ: سكنتُ الدار شهرًا، وسواء أخرج أهله وأثاثه وبقي وحده كما ذكره المصنف أمْ لا؟ لأنه حلف على سكنى نفسه لا أهله ومتاعه، أما إذا مَكَثَ لعذرٍ؛ بأن أُغلق الباب أو منع من الخروج ونحوهما؛ فإنه لا يَحْنَثُ، ثم أن المصنف أطلقَ الخروج ولم يُقَيَّدْهُ، وَقَيَّدَهُ ابنُ الصباغ وصاحبُ التَّنْبِيهِ وابنُ الصلاح وغيرهم بما إذا خرج بِنِيَّةِ التَّحَوُّلِ؛ وذلك يُشعر بأنه إذا خرج لا بِنِيَّتِهِ وتركَ قماشَهُ يَحْنَثُ
стр. 1752
وفيه نظرٌ، لأن من كان في دار وخرج منها إلى السوق مثلًا يُعَدُّ ساكنًا؛ نظرًا إلى أن عادة الساكنِ أن يخرج ويدخل، وَإنِ اشْتَغَلَ بِأسْبَابِ الْخُرُوجِ: كَجَمْعِ مَتَاعٍ؛ وَإِخْرَاجِ أَهْلٍ؛ وَلُبْسِ ثَوْبٍ لَمْ يَحْنَثْ، لأنه لا يعدُّ ساكنًا.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فخَرَجَ أَحَدَهُمَا فِي الْحَالِ لَم يَحْنِثْ، لعدم المساكنة؛ فإنْ مكثا بلا عذر فيه حنث، وَكَذَا لَوْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ وَلِكُلَّ جَانِبٍ مَدْخَلٌ فِي الأَصَحِّ، لاشتغاله برفع المساكنة، والثاني: يحنث لحصولها إلى تمام البناء مِنْ غير ضرورة، وهذا ما صححه الجمهور كما نقله الرافعي وتبعه عليه في الروضة، وما في الكتاب هو ما صَحَّحَهُ البغويُّ وعجيبٌ مِن الْمُحَرَّرِ وَالمُصَنِّفِ كَيْفَ تابعاهُ وخالَفَا الجمهورَ، وهذا كله إذا قَيَّدَ المساكنةَ ببعض المواضعِ لفظًا وإليه الإشارة بقوله (هَذِهِ الدَّارِ)، فأما إذا لم يُقَيَّدْهَا لفظًا؛ فَيُنْظَرُ: إن نوى موضعًا معينًا من بيتٍ أو دارٍ أو محلةٍ أو بلدةٍ؛ فالأصح: أن اليمين محمولةٌ على ما نوى وإلاّ فَيَحْنَثُ بالمساكنة في أيِّ موضعٍ كان.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُهَا، يعني الدار، وَهُوَ فِيْهَا أَوْ لاَ يَخْرُجُ وَهوَ خَارِجٌ فَلاَ حِنْثَ بِهَذَا، لأنه ليس داخلًا ولا خارجًا، فلو نوى بالدخول الاجتناب فأقام حنث في الأصح، أَوْ لاَ يَتَزَوَّجُ؛ أَو لاَ يَتَطَهَّرُ؛ أو لاَ يَلْبَسُ؛ أَو لاَ يَرْكَبُ؛ أَوْ لاَ يَقُومُ؛ أَوْ لاَ يَقْعُدُ فَاسْتَدَامَ هَذِهِ الأَحْوَالَ حَنَثَ، قُلْتُ: تَحْنِيثُهُ بِاسْتِدَامَةِ التَّزَوُّجِ، وَالتَّطَهُّرِ غَلَطٌ لِذُهُولٍ، هو كما قال، فإنه صرَّحَ في الشَّرْحِ: أنه لا حنث فيهما، وَفَرَّقَ بأن الاستدامة فيهما ليست كالابتداء، ولهذا لا يقال: تزوجتُ شهرًا أو تطهَّرْتُ شهرًا، بلْ مُنْذُ شهرٍ بخلاف غيرهما؛ يقول: لَبِسْتُ الثوبَ شهرًا وركبتُ الدابة شهرًا وكذا الباقي.
وَاسْتِدَامَةُ طِيْبٍ لَيْسَ تَطَيَّبًا فِي الأَصَحَّ، لأنه لم يحدث فعلًا؛ ولهذا لو تطيَّبَ ثم أَحْرَمَ واستدامَ لا تلزمهُ الفديةُ، والثاني: نعم؛ لأنه منسوبٌ إلى التَّطَيُّبِ، وَكَذَا وَطْءٌ؛ وَصَوْمٌ؛ وَصَلاَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي على الأصح في كلها ويتصور ذلك في الصلاة إذا حلف ناسيًا لها فإن اليمين ينعقد.
стр. 1753
فَصْلٌ: ومَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ دَارًا حَنِثَ بِدُخُولِ دِهْلِيْزٍ دَاخِلَ الْبَابِ، أَوْ بَيْنَ بَابَيْنِ، لأنه من الدار؛ ومن جاوز الباب عُدَّ داخلًا، لاَ بِدُخُولِ طَاقٍ قُدَّامَ الْبَابِ، لأنه لا يقال دخل الدار، قال الرافعي: وَالطَّاقُ هو المعقودُ خارج الباب، ولاَ بِصُعُودِ سَطْحٍ غَيْرِ مُحَوَّطٍ، ولا سُترة عليه، وَكذا مُحَوَّطٍ فِي الأَصَحَّ، كما لو حصل على بعض جدران الدار؛ لأن السطح حاجز يَقِي الدار من الْحَرَّ وَالْبَرْدِ كالجدارِ، والثاني: يحنث؛ لإحاطة حيطان الدار به.
وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ؛ أَوْ رَأْسَهُ؛ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يَحْنَثْ، لأنه لا يُسَمَّى داخلاً، فَإِنْ وضَعَ رِجْلَيْهِ فِيْهَا مُعتَمِدًا عَلَيْهِمَا حَنَثَ، لأنه يسمى داخلًا، وَلَوِ انْهَدَمَتْ، أي الدار المحلوف عليها، فَدَخَلَ وَقَدْ بَقِيَ أَساسُ الْحِيْطَان حَنَثَ، لأنها منها، وَإِنْ صَارَتْ فَضَاءً؛ أَوْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا؛ أَوْ حَمَّامًا؛ أَوْ بُسْتَانًا فَلاَ، لزوال مُسَمَّى الدار.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ حَنَثَ بِدُخُولِ مَا يَسْكُنُهَا بمِلْكٍ لاَ بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ وَغَصْبٍ، لأن الإضافة تقتضي الْمِلْكَ، إِلَّا أَنْ يُرِيْدَ مَسْكَنَهُ، أي فَنَعمَلُ بِقَوْلِهِ؛ لأن الشَّرْعَ وردَ به مَجَازًا فَأَثَّرَتْ فِيْهِ النَّيَّةُ؛ قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٤٨١) أي من بيوت الأزواج، وانما قلنا إنهُ مَجَازٌ؛ لأنه يَصْدُقُ أنها ليست داره بل مسكنه، واستثنى ابن يونس الطلاق والعِتَاقَ؛ وقال: إنه يُدَّيَنُ باطنًا، وَاعْتُرِضَ عليه بأن نِيَّةَ السَّكَنِ توجبُ التغليظ عليه وذلك موجب لوقوع الطلاق والعتق فلا حاجة إلى الإستثناء، وَيَحْنَثُ بِمَا يَمْلُكهُ وَلاَ يَسْكُنُهُ إِلَّا أَنْ يُرِيْدَ مَسْكَنَهُ، عملًا بقصده.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ؛ أَوْ لاَ يُكَلَّمُ عَبدَهُ؛ أَو زَوْجَتَهُ فَبَاعَهُمَا؛ أَوْ طَلَّقَهَا فَدَخَلَ وَكَلَّمَ لَمْ يَحْنِثْ، لأنه لم يدخل داره ولم يكلم عبده ولا زوجته لزوال الْمِلْكِ بالبيع والطلاق، ولو عَبَّرَ بقوله (فأزال ملكهما) بدل (بَاعَهُمَا) لكان أعمَّ ليدخل الهبة وغيرها، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: دَارهُ هَذِهِ أو زَوْجَتُهُ هَذِهِ أَوْ عَبْدَهُ هَذَا فَيَحْنَثُ،
стр. 1754
تغليبًا للتعيين فإنَّه أقوى، إِلَّا أَنْ يُرِيْدَ مَما دَامَ مِلْكُهُ، عملًا بإرادته.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا مِنْ ذَا الْبَابِ فَنُزِعَ وَنُصِبَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا لَمْ يَحْنَثْ بِالثَّانِي، وَيحْنَثُ بِالأَوَّلِ في الأَصَحِّ، حملًا لليمين على المنفذ الأول لأنه المحتاج إليه في الدخول دون الباب المنصوب عليه، والثاني: أنَّه يحمل عليهما جميعًا حتَّى لا يحنث إذا فُقِدَ واحدٌ منهما؛ لأن الإشارة وقعت عليهما، والثالث: أن يمينه تحمل على الباب المتخذ من الخشب ونحوه؛ لأن اللفظ له حقيقة، فيحنثُ بدخول المنفذ الْمُحَوَّلِ إليه ولا يحنثُ بالأول، وهذا كلُّهُ إذا أطلق، فإن قال: أردتُ بعض هذه الْمَحَامِلِ حُمِلَ عليه وارتفعَ الخلافُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا حَنَثَ بِكُلِّ بَيْتٍ مِنْ طِيْنٍ؛ أوْ حَجَرٍ؛ أَوْ آجُرٍّ؛ أَوْ خَشَبٍ؛ أَوْ خَيْمَةٍ، أي سواء كان حَضَرِيًّا أو بَدَوِيًّا، قَرِيْبًّا من البَلَدِ أو بَعِيْدًا, لأن اسم البيت يقعُ عليه حقيقةً في اللغة؛ لأنه كُلُّ مَا جُعِلَ لِلسَّكَنِ، وَتُسَمَّيْهِ خيمةً أو مَضْرِبًا إنما هو اسمُ نوعٍ، وهذا إذا أَطلق؛ فإنْ نَوَى نوعًا منها حُمِلَ عليه، وَلَا يَحْنَثُ بِمَسْجِدٍ؛ وَحَمَّامٍ؛ وَكَنِيسَةٍ؛ وَغَارِ جَبَلٍ, لأنها لا تُسمَّى بيتًا عُرْفًا، أوْ لَا يَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ! فَدَخَلَ بَيْتًا فِيْهِ زَيْدٌ وَغَيرُهُ حَنَثَ، لوجود صورة الدخول على الجميع، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ نَوَى الدُّخُولَ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ لَا يَحْنَثُ، كما في مسألة السَّلَامِ الآتية، لكن الفرقَ واضحٌ؛ وهو أن الاستثناء لا يصح في الأفعال، ألا ترَى أنَّه لا يصُحُّ أنْ يقالَ: دخلتُ عليكم إلاّ زيدًا، ويصحُّ أنْ يقال: سَلَّمْتُ عليكم إلاّ زيدًا، فَلَوْ جَهِلَ حُضُورَهُ فَخِلَافُ حِنْثِ النَّاسِي، أي والجاهل، والأصحُّ فيهما عدم الحنث، وتوقف جماعة في الإفتاء لها مسألة الناسي، قُلْتُ: وَلَوْ حَلَفَ لا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيْهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ لَمْ يَحْنَثْ, لأنه سَلَّمَ بلفظٍ عامٍّ يحتملُ إرادة الكُلِّ والبعضِ، فإذا نوى أحدُ مُحْتَمَلَيْهِ كان بِحَسْبِهِ، وَإِن أَطْلَقَ حَنَثَ في الأظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، نظرًا إلى عموم اللفظ، والثاني: لا, لأن اللفظ يصلح للجميع وللبعض فلا يحنث بالشك.
فَصْلٌ: حَلَفَ لا يَأكُلُ الرُّؤُوسَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ حَنَثَ برُؤُوسٍ تُبَاعُ وَحْدَهَم، أي وهي رؤوس الإبل؛ والبقر؛ والغنم عملًا بالعُرف المخصِّصِ اسم الرؤوس بها, لَا
стр. 1755
طَيْرٍ؛ وَحُوْتٍ؛ وَصَيْدٍ, لأنها لا تباع مفردة، ولا يفهم من اللفظ عند الإطلاق، إِلَّا بِبَلَدٍ تُبَاعُ فِيْهِ مُفْرِدَةً، أَي فإنَّه يحنث بأكلها هناك, لأنها كرؤوس الأنعام في حق غيرهم، وهل يحنث بأكلها في غير ذلك البلد؟ وجهان؛ أحدهما: نعم لوجود مُسَمَّى الرأس، قال الرافعي: وهذا أقوى؛ وأقربُ إلى ظاهر النصِّ وتبعه في الروضة، والثاني: لا؛ عملًا بِعُرْفِ البلدِ، وصححهُ المصنِّفُ في التصحيح وهو ظاهرُ كلامه هنا، وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ عَلَى مُزَايِلِ بَائِضِهِ، أي مفارقه، فِي الْحَيَاةِ كَدَجَاجٍ؛ وَنَعَامَةٍ؛ وَحَمَامٍ، لأنه المفهوم عند الإطلاق، نَعَمْ؛ المتصلَّبُ بعد الموت يحنث به في الأصح من زوائد الروضة، لا سَمَكٍ وَجَرَادٍ, لأنه يخرج بعد الموت بِشَقِّ الْبَطْنِ كذا عَلَّلَهُ الرافعيُّ، وَاللَّحْمُ عَلَى نَعَمٍ وَخَيْلٍ وَوَحْشٍ وَطَيْرٍ، لتناول اليمين جميع ذلك. أما الحرام كالميتة ونحوها؛ فالأقوى في الروضة عدمُ الحنث به، لا سَمَكٍ, لأنه لا يُفْهَمُ من إطلاق اسم اللحم عُرفًا؛ وإن سماهُ اللهُ لحمًا، وَشَحْمِ بَطْنٍ، أي وكذا شحم عَيْنٍ؛ لأنهما يخالفان اللحم اسمًا وصفة، وَكَذَا كَرِشٍ؛ وَكَبدٍ؛ وَطِحَالٍ؛ وَقَلْبٍ فِي الأصَحِّ، وكذا الأمعاءُ والرِّئَةُ؛ لأنها ليست لحمًا، والثاني: الْحِنْثُ؛ لأنها في حكم اللحم وقد تُقَامُ مقامه، وفي الصحيح: [أَلَا وَإِنَّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً وَهِيَ الْقَلْبُ] (٤٨٢)، وَالأَصَحُّ: تَنَاوُلُهُ, يعني اللحم، لَحْمَ رَأْسٍ ولِسَانٍ، لِصِدْقِ الاسم عليهما، والثاني: لا، والأصحُّ: القطع بالأول، والخلافُ جارٍ في لحم الْخَدِّ وَالأَكَارِع، وَشَحْمِ ظَهْرٍ وَجَنْبٍ، أي وهو الأبيضُ الذي لا يخالطهُ الأحمر, لأنه لحمٌ سمينٌ ولهذا يَحْمَرُّ عند