يأذن في السبب وعليه فيه ضرر؛ فكان له منعه وإخراجه منه كالحج، وَإِنْ أَذِنَ فِي أحَدِهِمَا، فالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْحَلِفِ، أي فيُنظر إن كان بإذنه أو دونه، وكلام المصنف يشمل ما إذا أذن في اليمين دون الحنث وعكسه، أما الأُولى: وهي ما إذا حلف بالإذن وحنث بغيره، وفيه وجهان كما ذكره في الكتاب؛ أحدهما: أن له أن يصوم بغير إذنه؛ لأن إذنه في الحلف إذن فيما يترتب عليه، والثاني: المنعُ؛ لأن اليمين مانعة من الْحِنْثِ؛ فليس إذنهُ فيها إذنًا في التزام الكفَّارة، وهذا ما صححه الرافعي في شرحيه ونقله عن الأكثرين، وتبعه في الروضة، لكن في المحرر صحح الأول فتبعه المصنف هنا، وأما الثانية: وهي ما إذا حلف بغير إذنه وحَنِثَ بإذنه؛ وفيه وجهان أيضًا؛ أحدهما: أنه لا يصوم إلا بإذنه؛ لأن الحلف هو السبب الأول؛ ولم يأذن السيد فيه وإنما العبد وَرَّطَ نفسه فيه، وهذا ما صححهُ في الكتاب تبعًا لِلْمُحَرَّرِ، والثاني: له أن يصوم بغير إذن السيد؛ لأن الحنث يستعقب الكفارة، فالإذنُ فيه يكفي إذنًا في التكفير، وصحح في الروضة تبعًا للرافعي، ولعل ما في الكتاب تبعًا لِلمُحَرَّر سَبْقُ قَلَمٍ من الْحِنْثِ إِلَى الْحَلْفِ، وهذه المسألة هي نظير رجوع الضامن في الأقسام الأربعة كما سلف في بابه، واحترز المصنف أوَّلًا بقوله (فَإِنْ ضَرَّهُ) عما إذا لم يضرُّهُ الصوم كالشتاء ونحوه؛ فإنه ليس له المنع والحالة هذه على الأصح؛ لأنه لا يتضررُ به، ومَنْ بَعضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ يُكَفَّرُ بِطَعَامٍ أَوْ كِسوَةٍ، أي ولا يصوم لقدرته على ما يُقدم على الصوم، لَا عِتْقٍ، لنقصه؛ لأنه ليس أهلًا للولاء.
فَصْلٌ: حَلَفَ لاَ يَسْكُنُهَا أَوْ لاَ يُقِيمُ فِيْهَا! فَليَخْرُجْ فِي الْحَالِ، فَإِنْ مَكَثَ بِلاَ عُذْرٍ حَنَثَ، وَإِنْ بَعَثَ مَتَاعَهُ، لأن اسم السُّكْنَى يقعُ على الابتداء وعلى الاستدامة، ألاَ تَرَى أنك تقولُ: سكنتُ الدار شهرًا، وسواء أخرج أهله وأثاثه وبقي وحده كما ذكره المصنف أمْ لا؟ لأنه حلف على سكنى نفسه لا أهله ومتاعه، أما إذا مَكَثَ لعذرٍ؛ بأن أُغلق الباب أو منع من الخروج ونحوهما؛ فإنه لا يَحْنَثُ، ثم أن المصنف أطلقَ الخروج ولم يُقَيَّدْهُ، وَقَيَّدَهُ ابنُ الصباغ وصاحبُ التَّنْبِيهِ وابنُ الصلاح وغيرهم بما إذا خرج بِنِيَّةِ التَّحَوُّلِ؛ وذلك يُشعر بأنه إذا خرج لا بِنِيَّتِهِ وتركَ قماشَهُ يَحْنَثُ
стр. 1752
وفيه نظرٌ، لأن من كان في دار وخرج منها إلى السوق مثلًا يُعَدُّ ساكنًا؛ نظرًا إلى أن عادة الساكنِ أن يخرج ويدخل، وَإنِ اشْتَغَلَ بِأسْبَابِ الْخُرُوجِ: كَجَمْعِ مَتَاعٍ؛ وَإِخْرَاجِ أَهْلٍ؛ وَلُبْسِ ثَوْبٍ لَمْ يَحْنَثْ، لأنه لا يعدُّ ساكنًا.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فخَرَجَ أَحَدَهُمَا فِي الْحَالِ لَم يَحْنِثْ، لعدم المساكنة؛ فإنْ مكثا بلا عذر فيه حنث، وَكَذَا لَوْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ وَلِكُلَّ جَانِبٍ مَدْخَلٌ فِي الأَصَحِّ، لاشتغاله برفع المساكنة، والثاني: يحنث لحصولها إلى تمام البناء مِنْ غير ضرورة، وهذا ما صححه الجمهور كما نقله الرافعي وتبعه عليه في الروضة، وما في الكتاب هو ما صَحَّحَهُ البغويُّ وعجيبٌ مِن الْمُحَرَّرِ وَالمُصَنِّفِ كَيْفَ تابعاهُ وخالَفَا الجمهورَ، وهذا كله إذا قَيَّدَ المساكنةَ ببعض المواضعِ لفظًا وإليه الإشارة بقوله (هَذِهِ الدَّارِ)، فأما إذا لم يُقَيَّدْهَا لفظًا؛ فَيُنْظَرُ: إن نوى موضعًا معينًا من بيتٍ أو دارٍ أو محلةٍ أو بلدةٍ؛ فالأصح: أن اليمين محمولةٌ على ما نوى وإلاّ فَيَحْنَثُ بالمساكنة في أيِّ موضعٍ كان.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُهَا، يعني الدار، وَهُوَ فِيْهَا أَوْ لاَ يَخْرُجُ وَهوَ خَارِجٌ فَلاَ حِنْثَ بِهَذَا، لأنه ليس داخلًا ولا خارجًا، فلو نوى بالدخول الاجتناب فأقام حنث في الأصح، أَوْ لاَ يَتَزَوَّجُ؛ أَو لاَ يَتَطَهَّرُ؛ أو لاَ يَلْبَسُ؛ أَو لاَ يَرْكَبُ؛ أَوْ لاَ يَقُومُ؛ أَوْ لاَ يَقْعُدُ فَاسْتَدَامَ هَذِهِ الأَحْوَالَ حَنَثَ، قُلْتُ: تَحْنِيثُهُ بِاسْتِدَامَةِ التَّزَوُّجِ، وَالتَّطَهُّرِ غَلَطٌ لِذُهُولٍ، هو كما قال، فإنه صرَّحَ في الشَّرْحِ: أنه لا حنث فيهما، وَفَرَّقَ بأن الاستدامة فيهما ليست كالابتداء، ولهذا لا يقال: تزوجتُ شهرًا أو تطهَّرْتُ شهرًا، بلْ مُنْذُ شهرٍ بخلاف غيرهما؛ يقول: لَبِسْتُ الثوبَ شهرًا وركبتُ الدابة شهرًا وكذا الباقي.
وَاسْتِدَامَةُ طِيْبٍ لَيْسَ تَطَيَّبًا فِي الأَصَحَّ، لأنه لم يحدث فعلًا؛ ولهذا لو تطيَّبَ ثم أَحْرَمَ واستدامَ لا تلزمهُ الفديةُ، والثاني: نعم؛ لأنه منسوبٌ إلى التَّطَيُّبِ، وَكَذَا وَطْءٌ؛ وَصَوْمٌ؛ وَصَلاَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي على الأصح في كلها ويتصور ذلك في الصلاة إذا حلف ناسيًا لها فإن اليمين ينعقد.
стр. 1753
فَصْلٌ: ومَنْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ دَارًا حَنِثَ بِدُخُولِ دِهْلِيْزٍ دَاخِلَ الْبَابِ، أَوْ بَيْنَ بَابَيْنِ، لأنه من الدار؛ ومن جاوز الباب عُدَّ داخلًا، لاَ بِدُخُولِ طَاقٍ قُدَّامَ الْبَابِ، لأنه لا يقال دخل الدار، قال الرافعي: وَالطَّاقُ هو المعقودُ خارج الباب، ولاَ بِصُعُودِ سَطْحٍ غَيْرِ مُحَوَّطٍ، ولا سُترة عليه، وَكذا مُحَوَّطٍ فِي الأَصَحَّ، كما لو حصل على بعض جدران الدار؛ لأن السطح حاجز يَقِي الدار من الْحَرَّ وَالْبَرْدِ كالجدارِ، والثاني: يحنث؛ لإحاطة حيطان الدار به.
وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ؛ أَوْ رَأْسَهُ؛ أَوْ رِجْلَهُ لَمْ يَحْنَثْ، لأنه لا يُسَمَّى داخلاً، فَإِنْ وضَعَ رِجْلَيْهِ فِيْهَا مُعتَمِدًا عَلَيْهِمَا حَنَثَ، لأنه يسمى داخلًا، وَلَوِ انْهَدَمَتْ، أي الدار المحلوف عليها، فَدَخَلَ وَقَدْ بَقِيَ أَساسُ الْحِيْطَان حَنَثَ، لأنها منها، وَإِنْ صَارَتْ فَضَاءً؛ أَوْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا؛ أَوْ حَمَّامًا؛ أَوْ بُسْتَانًا فَلاَ، لزوال مُسَمَّى الدار.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ حَنَثَ بِدُخُولِ مَا يَسْكُنُهَا بمِلْكٍ لاَ بِإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ وَغَصْبٍ، لأن الإضافة تقتضي الْمِلْكَ، إِلَّا أَنْ يُرِيْدَ مَسْكَنَهُ، أي فَنَعمَلُ بِقَوْلِهِ؛ لأن الشَّرْعَ وردَ به مَجَازًا فَأَثَّرَتْ فِيْهِ النَّيَّةُ؛ قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (٤٨١) أي من بيوت الأزواج، وانما قلنا إنهُ مَجَازٌ؛ لأنه يَصْدُقُ أنها ليست داره بل مسكنه، واستثنى ابن يونس الطلاق والعِتَاقَ؛ وقال: إنه يُدَّيَنُ باطنًا، وَاعْتُرِضَ عليه بأن نِيَّةَ السَّكَنِ توجبُ التغليظ عليه وذلك موجب لوقوع الطلاق والعتق فلا حاجة إلى الإستثناء، وَيَحْنَثُ بِمَا يَمْلُكهُ وَلاَ يَسْكُنُهُ إِلَّا أَنْ يُرِيْدَ مَسْكَنَهُ، عملًا بقصده.
وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ؛ أَوْ لاَ يُكَلَّمُ عَبدَهُ؛ أَو زَوْجَتَهُ فَبَاعَهُمَا؛ أَوْ طَلَّقَهَا فَدَخَلَ وَكَلَّمَ لَمْ يَحْنِثْ، لأنه لم يدخل داره ولم يكلم عبده ولا زوجته لزوال الْمِلْكِ بالبيع والطلاق، ولو عَبَّرَ بقوله (فأزال ملكهما) بدل (بَاعَهُمَا) لكان أعمَّ ليدخل الهبة وغيرها، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: دَارهُ هَذِهِ أو زَوْجَتُهُ هَذِهِ أَوْ عَبْدَهُ هَذَا فَيَحْنَثُ،
стр. 1754
تغليبًا للتعيين فإنَّه أقوى، إِلَّا أَنْ يُرِيْدَ مَما دَامَ مِلْكُهُ، عملًا بإرادته.
وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا مِنْ ذَا الْبَابِ فَنُزِعَ وَنُصِبَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهَا لَمْ يَحْنَثْ بِالثَّانِي، وَيحْنَثُ بِالأَوَّلِ في الأَصَحِّ، حملًا لليمين على المنفذ الأول لأنه المحتاج إليه في الدخول دون الباب المنصوب عليه، والثاني: أنَّه يحمل عليهما جميعًا حتَّى لا يحنث إذا فُقِدَ واحدٌ منهما؛ لأن الإشارة وقعت عليهما، والثالث: أن يمينه تحمل على الباب المتخذ من الخشب ونحوه؛ لأن اللفظ له حقيقة، فيحنثُ بدخول المنفذ الْمُحَوَّلِ إليه ولا يحنثُ بالأول، وهذا كلُّهُ إذا أطلق، فإن قال: أردتُ بعض هذه الْمَحَامِلِ حُمِلَ عليه وارتفعَ الخلافُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا حَنَثَ بِكُلِّ بَيْتٍ مِنْ طِيْنٍ؛ أوْ حَجَرٍ؛ أَوْ آجُرٍّ؛ أَوْ خَشَبٍ؛ أَوْ خَيْمَةٍ، أي سواء كان حَضَرِيًّا أو بَدَوِيًّا، قَرِيْبًّا من البَلَدِ أو بَعِيْدًا, لأن اسم البيت يقعُ عليه حقيقةً في اللغة؛ لأنه كُلُّ مَا جُعِلَ لِلسَّكَنِ، وَتُسَمَّيْهِ خيمةً أو مَضْرِبًا إنما هو اسمُ نوعٍ، وهذا إذا أَطلق؛ فإنْ نَوَى نوعًا منها حُمِلَ عليه، وَلَا يَحْنَثُ بِمَسْجِدٍ؛ وَحَمَّامٍ؛ وَكَنِيسَةٍ؛ وَغَارِ جَبَلٍ, لأنها لا تُسمَّى بيتًا عُرْفًا، أوْ لَا يَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ! فَدَخَلَ بَيْتًا فِيْهِ زَيْدٌ وَغَيرُهُ حَنَثَ، لوجود صورة الدخول على الجميع، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ نَوَى الدُّخُولَ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ لَا يَحْنَثُ، كما في مسألة السَّلَامِ الآتية، لكن الفرقَ واضحٌ؛ وهو أن الاستثناء لا يصح في الأفعال، ألا ترَى أنَّه لا يصُحُّ أنْ يقالَ: دخلتُ عليكم إلاّ زيدًا، ويصحُّ أنْ يقال: سَلَّمْتُ عليكم إلاّ زيدًا، فَلَوْ جَهِلَ حُضُورَهُ فَخِلَافُ حِنْثِ النَّاسِي، أي والجاهل، والأصحُّ فيهما عدم الحنث، وتوقف جماعة في الإفتاء لها مسألة الناسي، قُلْتُ: وَلَوْ حَلَفَ لا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيْهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ لَمْ يَحْنَثْ, لأنه سَلَّمَ بلفظٍ عامٍّ يحتملُ إرادة الكُلِّ والبعضِ، فإذا نوى أحدُ مُحْتَمَلَيْهِ كان بِحَسْبِهِ، وَإِن أَطْلَقَ حَنَثَ في الأظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، نظرًا إلى عموم اللفظ، والثاني: لا, لأن اللفظ يصلح للجميع وللبعض فلا يحنث بالشك.
فَصْلٌ: حَلَفَ لا يَأكُلُ الرُّؤُوسَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ حَنَثَ برُؤُوسٍ تُبَاعُ وَحْدَهَم، أي وهي رؤوس الإبل؛ والبقر؛ والغنم عملًا بالعُرف المخصِّصِ اسم الرؤوس بها, لَا
стр. 1755
طَيْرٍ؛ وَحُوْتٍ؛ وَصَيْدٍ, لأنها لا تباع مفردة، ولا يفهم من اللفظ عند الإطلاق، إِلَّا بِبَلَدٍ تُبَاعُ فِيْهِ مُفْرِدَةً، أَي فإنَّه يحنث بأكلها هناك, لأنها كرؤوس الأنعام في حق غيرهم، وهل يحنث بأكلها في غير ذلك البلد؟ وجهان؛ أحدهما: نعم لوجود مُسَمَّى الرأس، قال الرافعي: وهذا أقوى؛ وأقربُ إلى ظاهر النصِّ وتبعه في الروضة، والثاني: لا؛ عملًا بِعُرْفِ البلدِ، وصححهُ المصنِّفُ في التصحيح وهو ظاهرُ كلامه هنا، وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ عَلَى مُزَايِلِ بَائِضِهِ، أي مفارقه، فِي الْحَيَاةِ كَدَجَاجٍ؛ وَنَعَامَةٍ؛ وَحَمَامٍ، لأنه المفهوم عند الإطلاق، نَعَمْ؛ المتصلَّبُ بعد الموت يحنث به في الأصح من زوائد الروضة، لا سَمَكٍ وَجَرَادٍ, لأنه يخرج بعد الموت بِشَقِّ الْبَطْنِ كذا عَلَّلَهُ الرافعيُّ، وَاللَّحْمُ عَلَى نَعَمٍ وَخَيْلٍ وَوَحْشٍ وَطَيْرٍ، لتناول اليمين جميع ذلك. أما الحرام كالميتة ونحوها؛ فالأقوى في الروضة عدمُ الحنث به، لا سَمَكٍ, لأنه لا يُفْهَمُ من إطلاق اسم اللحم عُرفًا؛ وإن سماهُ اللهُ لحمًا، وَشَحْمِ بَطْنٍ، أي وكذا شحم عَيْنٍ؛ لأنهما يخالفان اللحم اسمًا وصفة، وَكَذَا كَرِشٍ؛ وَكَبدٍ؛ وَطِحَالٍ؛ وَقَلْبٍ فِي الأصَحِّ، وكذا الأمعاءُ والرِّئَةُ؛ لأنها ليست لحمًا، والثاني: الْحِنْثُ؛ لأنها في حكم اللحم وقد تُقَامُ مقامه، وفي الصحيح: [أَلَا وَإِنَّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً وَهِيَ الْقَلْبُ] (٤٨٢)، وَالأَصَحُّ: تَنَاوُلُهُ, يعني اللحم، لَحْمَ رَأْسٍ ولِسَانٍ، لِصِدْقِ الاسم عليهما، والثاني: لا، والأصحُّ: القطع بالأول، والخلافُ جارٍ في لحم الْخَدِّ وَالأَكَارِع، وَشَحْمِ ظَهْرٍ وَجَنْبٍ، أي وهو الأبيضُ الذي لا يخالطهُ الأحمر, لأنه لحمٌ سمينٌ ولهذا يَحْمَرُّ عند
стр. 1756
الْهِزَالِ، والثاني: لا؛ لأنه شحمٌ؛ قال تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ (٤٨٣) وإذا كان شحمًا كان كَشَحْمِ البَطْنِ وَالْعَيْنِ.
فَرْعٌ: الصوابُ في الروضة الجزمُ بأن الجراد ليس من جنس اللحوم لعدم إطلاق الأسم عليه لغة وعرفًا.
وَأَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ لا يَتَنَاوَلُهُ الشَّحْمُ، لما ذكرناه من كونه لحمًا، والثاني: يتناوله لما ذكرناه من كونه شحمًا، وَأَنَّ الأَلِيَّةَ وَالسِّنَامَ لَيْسَا شَحْمًا وَلَا لَحْمًا, لأنهما يخالفان اللحم في الأسم والصفة، والثاني: هما لحمًا لقربهما من اللحم السمين، وَالألِيَّةُ لا تَتَنَاوَلُ سِنَامًا وَلَا يَتَنَاوَلُهَا، لاختلاف الاسم والصفة، وَالدَّسَمُ يَتَنَاوَلُهُمَا وَشَحْمُ ظَهْرٍ وَبَطْنٍ وَكُلَّ دُهْنٍ، لصدق الاسم على جميع ذلك، وَلَحْمُ الْبَقَرِ يَتَنَاوَلُ جَامُوسًا، لدخوله تحت اسم البقر، وكذا البقر الوحشي على الأصح، وهو كالخلاف فيما لو حلف على ركوب حمارٍ فركب حمار وحشٍ.
فَصْلٌ: وَلَوْ قَالَ مُشِيْرًا إِلَى الْحِنْطَةِ: لَا آكُلُ هَذِهِ حَنَثَ بِأَكْلِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا وَبِطَحْنِهَا وَخَبْزِهَا، عملًا بالإشارة، وَلَوْ قَالَ: لا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ حَنَثَ بِهَا مَطْبُوخَةً وَنِيئَةً وَمَقلِيَّةً، لوجود الأسم، لا بِطَحِيْنِهَا وَسَوِيْقِهَا وَعَجِيْنِهَا وَخُبْزِهَا، لزوال اسم الحنطة فصار كما لو زرعها فأكل حشيشها لزوال اسم الحنطة، وَلَا يَتَنَاوَلُ رَطْبٌ تَمْرًا وَلَا بُسْرًا وَلا عِنَبٌ زَبِيْبًا، لعدم الدخول تحت الاسم، وَكذَا العُكُوسُ، لما قلناه.
وَلَوْ قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ فَتَتَمَّرَ فأَكَلَهُ، أَوْ لا أُكَلِّمُ ذَا الصَّبِيَّ فَكَلَّمَهُ شَيْخًا فَلَا حِنْثَ فِي الأَصَحِّ، لزوال الاسم كما في الحنطة، والثاني: نعم؛ لأن الصورة ما تبدلت ههنا وإنما تغيرت الصفة فصار كما لو قال لا آكل هذا اللحم فجعله شواءٌ وأكله، وَالْخُبْزُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خُبْزٍ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيْرٍ وَأَرُزٍّ وَبَاقِلَا وَذُرَةٍ وَحِمَّصٍ،
стр. 1757
لصدق الاسم على كل ذلك ولا يضر كونه غير معهود ببلده، فَلَوْ ثَرَدَهُ فَأَكَلَهُ حَنَثَ، لصدق الأسم، نَعَمْ: لو صار في المرقة كالحسو فَتَحَسَّاهُ لم يحنث.
وَلَوْ حَلَفَ لا يَأْكُلُ سَوِيْقًا فَسَفَّهَ أَوْ تَنَاوَلَهُ بِأُصْبُعٍ حَنَثَ, لأنه يُعَدُّ أكلًا، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي مَاءٍ فَشَرِبَهُ فَلَا؛ لأن الحلف على الأكل ولم يوجد، أوْ لَا يَشْرَبُهُ فَبالْعَكْسِ، أي يحنث في الثَّانية لوجود المحلوف عليه دون الأول لأنه لم يشربه، أوْ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا أَوْ مَائِعًا آخَرَ فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ حَنَثَ, لأنه كذلك يؤكل، أَوْ شَرِبَهُ فَلَا، لعدم الأكل، أَوْ لا يَشْربهُ فَبِالْعَكْسِ، أي يحنث في الثَّانية لوجود المحلوف عليه دون الأُولى لعدمه، أَوْ لا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ جَامِدًا أوْ ذَائِبًا حَنَثَ, لأنه فعل المحلوف عليه، وزاد فأشبه ما لو حلف لا يدخل على زيد فدخل على زيد وعمرو، وَإنْ شَرِبَ ذَائِبًا فَلَا, لأنه لم يأكله، وَإِنْ أَكَلَهُ فِي عَصِيْدَةٍ حَنِثَ إِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ ظَاهِرَةً، أي متميزة في الحس، كما قاله الإمام لما ذكرناه من قبل من كونه فعل المحلوف عليه وزاد.
وَيَدْخُلُ فِي فَاكِهَةٍ رُطَبٌ وَعِنَبٌ وَرُمَّانٌ وَأُنْرُجٌّ وَرَطْبٌ وَيَابِسٌ، لوقوع اسم الفاكهة عليها، قُلْتُ: وَلَيْمُونٌ وَنَبْقٌ وَكَذَا بِطِّيْخٌ وَلُبُّ فُسْتُقٍ وَبُنْدُقٍ وَغَيْرِهِمَا فِي الأَصَحِّ، أما في البطيخ؛ فلأن لها نضجًا وادراكًا كالفواكه، وأما اللُّبُّ؛ فلأنه يعد من يابس الفاكهة، لاَ قِثَّاءٌ وَخِيَارٌ وَبَاذِنْجَانٌ وَجَزَرٌ, لأنها من الخضروات لا من الفواكه، وَلَا يَدْخُلُ فِي الثِّمَارِ يَابِسٌ، وَالله أَعْلَمُ، نقله في الروضة عن الجمهور وفيه إشكال.
وَلَوْ أطلَقَ بِطِّيخٌ وَتَمْرٌ وَجَوْزٌ لَمْ يَدْخُلْ هِنْدِيٌّ، للمخالفة في الطعم واللون، والبطيخ الهنديُّ هو الأخضرُ وفيه نظرٌ، والمختار: الحنث؛ لإطلاقه عليه في بلدنا، وَالطَّعَامُ يَتَنَاوَلُ قُوْتًا وَفَاكِهَةً وَأُدْمًا وَحَلْوَى، كذا حدُّ الطعام هنا وَحَدَّهُ في باب الربا بحدٍّ آخر تقدم هناك فراجعه، وَلَوْ قَالَ: لاَ آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبَقَرَةِ تَنَاوَلَ لَحْمَهَا دُونَ وَلَدٍ وَلَبَنٍ، حملًا على الحقيقة المتعارفة، أَوْ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَثَمَرٌ دُونَ وَرَقٍ وَطَرَفِ غُصْنٍ، حَمْلًا على الْمَجَازِ الْمُتَعَارَفِ وَالْحَقِيْقَةُ هُنَا تَعَذَّرَتْ.
стр. 1758
فَصْلٌ: حَلَفَ لا يَأكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةِ فَاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ فَأَكَلَهُ إِلَّا تَمْرَةً لَمْ يَحْنَثْ، لجواز أن تكون هي المحلوف عليها، والأصل براءة الذمة، وكذا الحكم لو ضاع من الجميع تمرة ولا يخفَى الورعُ، أَوْ لَيَأْكُلَنَّهَا فَاختَلَطَتْ لَمْ يَبْرَأْ إِلَّا بِالْجَمِيْعِ، لاحتمال أن تكون المتروكة هي المحلوف عليها، أوْ لَيأْكُلَنَّ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ فَإِنَّمَا يَبَرُّ بِجَمِيْعِ حَبِّهَا, لأن يمينه تعلقت بالجميع، ولو قال: لا آكلها فترك حَبَّةً لم يحنث، أَوْ لا يَلْبَسُ هَذَيْنِ لَمْ يَحْنَثْ بِأَحَدِهِمَا, لأن الحلف عليهما معًا ولم يوجد، فَإِنْ لَبِسَهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا حَنِثَ, لأن يَمينه تعلقت بلبسهما وقد وجد، أَوْ لاَ أَلْبَسُ هَذَا وَلَا هَذَا حَنِثَ بِأَحَدِهِمَا, لأنهما يَمِيْنَانِ، أَوْ لَيَأْكُلَنَّ ذَا الطَّعامِ غَدًا فَمَاتَ قَبْلَهُ، أي قبل مجيء الغد، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ, لأنه لم يبلغ زمن البرِّ والحنث، وَإِنْ مَاتَ أوْ تَلِفَ الطَّعَامُ فِي الْغَدِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِن أَكْلِهِ حَنِثَ, لأنه تمكن من البر فصار كما لو قال: لآكُلَنَّ هذا الطعام، ويتمكن من أكله فلم يأكله حتَّى تلف؛ فإنَّه يحنث قطعًا، وَقَبْلَهُ، أي قبل التمكن، قَوْلَانِ كَمُكْرَهٍ، للفوت بغير اختياره؛ والأصح: عدم الحنث، وَإِنْ أَتْلَفَهُ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ قَبْلَ الْغَدِ حَنِثَ, لأن الْبِرَّ يُقَيَّدُ بزمان فكان شرطًا كالمقيد بمكان وقد فَوَّتَهُ باختياره؛ لكن يحنث في الغد لا عند أكل شيء منه على الأصح عند الإمام، وصحَّحَ البَغَوِيُّ: أنَّه يحنث إذا مضى من الغد وقت إمكان الأكل، وَإِنْ تَلِفَ أَوْ أَتلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَكمُكْرَهٍ, لأنه فات بعد اختياره، أَوْ لأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ، وكذا معه، فَلْيَقْضِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ الشَّهْرِ, لأن هذا اللفظ يقع على أول جزء من الليلة الأُولى من الشهر؛ لأن لفظة (عِنْدَ) تقتضي المقاربة، فَإِنْ قَدِمَ، أي القضاء، أَوْ مَضَى بَعْدَ الْغُرُوبِ قَدْرُ إِمْكَانِهِ حَنِثَ, لأنه فَوَّتَ الْبِرَّ على نفسه، وَإِنْ شَرَعَ فِي الْكَيْلِ، أي الوزن ونحوه، حِينَئِذٍ وَلَمْ يَفرُغْ لِكَثْرَتهِ إِلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ لَمْ يَحْنَثْ، أي وكذا إذا ابتدأ حينئذ بأسباب القضاء ومقدماته.
فَصْلٌ: حَلَفَ، أَوْ لا يَتَكَلَّمَ فَسَبَّحَ أَوْ قَرَأَ قُرْآنًا فَلَا حِنْثَ, لأن الكلام في العرف ينصرف إلى كلام الآدميين، أَوْ لا يُكَلَّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيهِ حَنِثَ, لأنه نوع من الكلام، وَإِنْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ أوْ أشَارَ إِلَيهِ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا فِي الْجَدِيْدِ، لعدم
стр. 1759
تناول الأسم لذلك حقيقة إذ يصح نفي الكلام عنه فيقال ما كلمة بل كاتبه أو أشار إليه لقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (٤٨٤) ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ (٤٨٥) وسواءٌ أشار الناطق أوِ الأخرس، وإنما جعلنا إشارته كنطقه في المعاملات للضرورة، والقديم: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ (٤٨٦) ولقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (٤٨٧) فاستثنَى الرمزَ والإشارةَ من التَّكَلُّمِ فدَلَّ على أنهُمَا منهُ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةً أَفْهَمَهُ بِهَا مَقْصُودَهُ وَقَصَدَ قِرَاءَةً لَم يَحْنَثْ, لأنه لم يكلمه، وَإِلَّا، أي وإن لم يقصد القراءة بل الإفهام، حَنِثَ, لأنه كلّمه، ولهذا تبطل الصلاة بمثل هذا، وإن أطلق! فهل يُخَرَّجُ على نظيره في الصلاة أو انقطع بعدم الحنث؟ فيه نظر.
فَصْلٌ: أَوْ لَا مَالَ لَهُ حَنِثَ بِكُلِّ نَوْعٍ وَإِنْ قَلَّ حَتَّى ثَوْبِ بَدَنِهِ، لصدق الاسم عليه، وَمُدَبِّرٍ, لأنه ملكه، وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَمَا وَصَّى بِهِ؛ لأنه يعدّ في ملكه، وَدَيْنِ حَالٍّ، أي على مَلَئٍ مُقر لأنه متى شاء أخذه فهو كوديعة له عند إنسان، وَكَذَا مُؤَجَّلٍ في الأصَحِّ, لأنه ثابتٌ في الذَّمَّةِ يصحُّ الإبراء منه، والثاني: المنع؛ لأن المالية موصوفة بموجود ولا موجود هنا، وسواء كان الذي عليه الدَّيْنُ موسرًا أو معسرًا على الصحيح لثبوت المال في الذمة، لَا مُكَاتَبٍ في الأصَحِّ, لأنه كالخارج عن ملكه، والثاني: نَعَمْ؛ لأنه عبدٌ ما بقي عليه درهم، أوْ لَيَضْرِبَنَّهُ، فَالْبِرُّ، أي بكسر الباء، بِمَا يُسَمَّى ضَرْبًا، أي ولا يبر بوضع اليد عليه ورفعها، وَلَا يُشْتَرَطُ إِيْلَامٌ؛ لأنه يقال ضَرَبَهُ وَلَمْ يُؤْلِمْهُ، وفيه وجه: أنَّه يُشترط، وقد سلف في الطلاق تصحيحهُ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: ضَرْبًا شَدِيْدًا، أي فإنَّه يشترط الايلام للتنصيص عليه، وَلَيْسَ وَضعُ سَوْطٍ عَلَيْهِ، وَعَضٌّ، وَخَنْقٌ، وَنَتْفُ شَعْرٍ، أي وَقَرْصٌ، ضَرْبًا, لأنه لا يتناول ذلك بدليل صحة نفيه عنه، قِيْلَ: وَلَا لَطْمٌ وَوَكْزٌ، أي وهو الدفع؛ لأنه لا
стр. 1760
يُسَمَّى ضربًا عادة، والأصح: أنهما ضربٌ كما جزم به الرافعي، والمصنِّفُ في الطلاق، أَوْ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ أَوْ خَشَبَةٍ فَشَدَّ مِائَةً وَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً، أَوْ بِعِثْكَالٍ، أي عُرْجُونٍ، عَلَيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ بَرَّ إِنْ عَلِمَ إِصَابَةَ الْكُلِّ، أَوْ تَرَاكَمَ بَعْضٌ عَلَى بَعْضٍ فَوَصَلَهُ أَلَمُ الْكُلِّ, لأن الضرب بالمائة قد حصل، نَعَمْ؛ ما ذكره في الخشبة بعيدٌ يَأْبَاهُ لفظها، فالصواب: أنْ تُخَصَّصَ بعرف يطلقون اسم الخشبة على عيدان الشَّمَارِيْخِ، وصحح في الروضة تبعًا للشرح: أنَّه لا يَبِرُّ بعثكالٍ عليه مائة شمراخ فيما إذا حلف ليضربنه مائة سوط؛ لأنها أخشابٌ لا سياط، نَعَمْ؛ ظاهر كلام البندنيجي والمحاملي وابن الصباغ والبغوي ما في الكتاب كما أفاده ابنُ الرفعة، قُلْتُ: وَلَا شَكَّ فِي إِصَابَةِ الْجَمِيْعِ بَرَّ عَلَى النَّصِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ، عملًا بالظاهر وهو الإصابة، وفيه قولٌ مُخَرَّجٌ: أنَّه لا يَبِرُّ وهو موافقٌ لما سلف في حَدِّ الزِّنَا فَرَاجِعْهُ، أوْ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ مَرَّةٍ لَم يَبَرَّ بِهَذَا, لأنه لم يضربه إلاّ مرة واحدة، وكذلك لو حلف ليضربنه مائة ضربة على الأصح.
فَصْلٌ: أَوْ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ، يعني حقّي، فَهَرَبَ وَلَمْ يُمْكِنْهُ اتَّبَاعُهُ لَمْ يَحْنَثْ, لأنه حَلَفَ على فعل نفسه ولم يوجد، قُلْتُ: الصَّحِيْحُ لا يَحْنَثُ إذَا أَمْكَنَهُ اتِّبَاعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لما ذكرناه من أنَّه حلف على فعل نفسه فلا يحنث بفعل الغريم، ومن الأصحاب من أطلق تخريجه على قولي الإكراه لحصول المفارقة من غير اختياره، ولو فارقه باذنه فالأصح لا حنث، والمراد بالمفارقة هنا ما يقطع خيار المجلس، وَإِنْ فَارَقَهُ أوْ وَقَفَ حَتَّى ذَهَبَ وَكَانَا مَاشِيَيْنِ أَوْ أَبْرَأَهُ أَوِ احْتَالَ عَلَى غَرِيْمٍ ثُمَّ فَارَقَهُ أَوْ أَفْلَسَ فَفَارَقَهُ لِيُوسِرَ حَنَثَ، أما في الأُولى والثانية: فلوجود المفارقة، وأما في الثالثة: فلأنه فوت البر باختياره، وأما الرابعة: فلأن الحوالة، وإن قلنا: هي استيفاء فليست استيفاء حقيقة، وإنما هي كالاستيفاء في الحكم، وأما في الأخيرة فلوجود المفارقة، وإن كان تركه واجبًا كما لو قال لا أصلي الفرض! فصَلَّى؛ فإنَّه يحنث؛ وإن كانت الصلاةُ واجبةً عليه شرعًا، وَإن اسْتَوْفَى وَفَارَقَهُ فَوَجَدَهُ نَاقِصًا، إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقَّهِ لَكِنَّهُ أَرْدَأُ لَمْ يَحْنَثْ، لأنَّ الرَّدَاءَةَ لا تمنعُ الاستيفاءَ، وَإِلَّا، أي وإن
стр. 1761
كان غير جنس حقه بأن كان حقه دراهم فخرج المأخوذ نحاسًا أو مغشوشًا، حَنِثَ عَالِمٌ، أي بالحال، وَفِي غَيْرِهِ، أي وهو الجاهل، الْقَوْلَانِ، أي في الناسي، أَوْ لَا رَأَى مُنْكَرًا إِلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْقَاضِي فَرَأَى وَتَمَكَّنَ فَلَمْ يَرْفَعْ حَتَّى مَاتَ حَنِثَ, لأنه فوت البر باختياره، فإن لم يتمكن! فقولًا حَنِثَ الْمُكْرَهُ، ويُحْمَلُ عَلَى قَاضِي الْبَلَدِ، فَإِنْ عُزِلَ فَالْبِرُّ بالرَّفْعِ إِلَى الثَّانِي, لأن التعريف بالألف واللام يرجع إليه، أَوْ إِلَّا رَفَعَهُ إِلَى قَاضٍ بَرَّ بِكُلِّ قَاضٍ، أي في ذلك البلد وغيره لصدق الاسم، أَوْ إِلى الْقَاضِي فُلانٍ فَرآهُ ثُمَّ عُزِلَ، فَإنْ نَوَى مَا دَامَ قَاضِيًا حَنِثَ إِنْ أَمْكَنَهُ رَفْعُهُ، إِلَيْهِ، فَتَرَكَهُ، لتفويته البر باختياره، وَإِلَّا، أي وإن لم يتمكن من الرفع لمرض أو حبس أو جاء إلى باب القاضي فحجب، فَكَمُكْرَهٍ، أي الأصح فيه لا حنث، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بَرَّ بِرَفْعٍ إِلَيهِ بَعْدَ عَزْلِهِ، لتعلقه بالعين، وذكر القضاء تعريفًا له، ولو أطلق فالأصح البر أَيضًا بالرفع بعد عزله.
فَرْعٌ: لو كان في البلد قاضيان يستقلُّ كلٌّ منهما بجملةِ البلد كفَى الرفعُ إلى أحدهما، فإن انفرد كل بجانب؛ فهل يقال: إنه يتعين الجانب الذي فيه صاحب المنكر أم يخرج على الخلاف في أن المعتبر الرفع إلى القاضي حالة الحلف أو حالة رؤية المنكر؟ فيه نظرٌ.
فَصْلٌ: حَلَفَ لا يَبِيْعُ أَوْ لَا يَشْتَرِي فَعَقَدَ لِنَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، أي بوكالة أو ولاية، حَنِثَ, لأنه يصدق عليه أنَّه باع واشترى، وَلَا يَحْنِثُ بعَقْدِ وَكِيْلِهِ لَهُ لأنه لم يفعل، أوْ لَا يُزَوِّجُ أَوْ لا يُطَلَّقُ أَوْ لا يَعْتِقُ أَوْ لا يَضْرِبُ فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ لا يَحْنَثُ، لما ذكرناه من كونه لم يفعله، وسواء كان ممن جرت عادته بالتوكيل فيه أم لا، إِلَّا أَنْ يُرِيْدَ أَنْ لا يَفْعَلَ هُوَ وَلَا غَيْرُهُ، أي فإنَّه يحنث بالتوكيل فيما ذكر عملًا بإرادته، أَوْ لا يَنْكِحُ حَنِثَ بِعَقْدِ وَكِيْلِهِ لَهُ, لأن الوكيل هنا سَفِيْرٌ مَحْضٌ؛ ولهذا تجب تسمية الموكل، لا بِقَبُولِهِ هُوَ لِغَيْرِهِ, لأنه لم ينكح، أوْ لا يَبِيْعُ مَالَ زَيْدٍ فَبَاعَهُ بِإِذْنِهِ حَنِثَ، أي وكذا بإذن الحاكم لحجر أو امتناع لصدق اسم البيع، وَإِلَّا فَلَا، أي وإن باع من
стр. 1762
غير إذن؛ فلا حنث لفساد البيع، أَوْ لا يَهَبُ لَهُ فَأَوْجَبَ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ لَمْ يَحْنَثْ، لعدم التمام, وَكَذَا إِنْ قَبِلَ وَلَمْ يَقْبِضْ فِي الأَصَحِّ, لأن مقصود الهبة نقل الملك ولم يوجد، والثاني: يحنث؛ لأن الهبة قد حصلت؛ والمتخلف الْمِلْكُ، وَيحْنَثُ بِعُمْرَى وَرُقْبَى، وَصَدَقَةٍ، أي تطوعٍ؛ لأنها أنواع خاصة من الهبة، أما الواجبة فلا يحنث بها في الأصح، لا إِعَارَةٍ، إذ لا تمليك فيها، وَوَصِيَّةٍ, لأنها تمليك بعد الموت؛ والميت لا يحنث، وَوَقْفٍ، بناءً على أنَّه لا يملكه، أوْ لَا يَتَصَدَّقُ لَمْ يَحْنَثْ بِهِبَةٍ فِي الأَصَحِّ، لأنها ليست بصدقة، نعم؛ كُلُّ صَّدَقَةٍ هِبَةٌ وَلَا عَكْسَ، والثاني: يحنث؛ كما في عكسه، أوْ لا يَأْكُلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ لَمْ يَحْنَثْ بِمَا اشْتَرَاهُ مَعَ غَيْرِهِ، أي مشاعًا؛ لأن كُلَّ جزءٍ قيل فيه هذا اشتراهُ زيد صَدَقَ فيه؛ بل اشتراه عمرو، وَكَذَا لَوْ قَالَ: مِنْ طَعَامٍ اشْتَرَاهُ زَيْدٌ في الأَصَحِّ، هذا قول الجمهور، والثاني: لا، لصدق الاسم، وَيَحْنَثُ بِمَا اشْتَرَاهُ سَلَمًا, لأنه نوع من الشراء، وَلَوِ اخْتلَطَ مَا اشْتَرَاهُ بِمُشْتَرَى غَيْرِهِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أكْلَهُ مِنْ مَالِهِ، أي بأن أكل قدرًا صالحًا كَالْكَفِّ وَالْكَفَّيْنِ بخلاف عشر حَبَّاتٍ وعشرين، أوْ لَا يَدْخُلُ دَارًا اشتَرَاهَا زَيْدٌ لَمْ يَحْنَثْ بِدَارٍ أخَذَهَا بِشُفْعَةٍ، لعدم صدق الاسم.
стр. 1763
كِتَابُ النَّذْرِ
النَّذْرُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ الْوَعْدُ مُطْلَقًا، وَفِي الشَّرْعِ: الْوَعْدُ بِخَيْرٍ فَقَطْ. وَالأَصْلُ فِيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٤٨٨) وَالسُّنَّةُ الشَّهِيْرَةُ، وَالإِجْمَاعُ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهِيَتِهِ لِصِحَّةِ النَّهْيِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ لا يَأْتِي بِخَيْرٍ وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ الْبَخِيْلِ.
وَهُوَ ضَرْبَانِ: نَذْرُ لَجَاجٍ: كَإِنْ كَلَّمْتُهُ! فَلِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقٌ أَوْ صَوْمٌ، وَفِيْهِ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ، لقوله ﵊: [كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِيْنِ] رواه مسلم (٤٨٩)، وإنما حمل الأصحاب هذا الحديث على نذر اللجاج؛ لأنه لا خلاف إن نذر التَّبرر لا يكفَّرُ، وَفِي قَوْلٍ: مَا الْتَزَمَ، وفاءً به، وَفِي قَوْلٍ: أَيُّهُمَا شَاءَ, لأنه يشبه النذر من حيث أنَّه التزم قربة، واليمين من حيث أن مقصوده مقصود اليمين ولا سبيل إلى الجمع بين موجبيهما ولا إلى تعطيلهما فوجب التخيير، قُلْتُ: الثَّالِثُ أَظْهَرُهُ وَرَجَّحَهُ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لما قلناه.
وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتُ! فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ أو نَذْرٍ؛ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ بِالدُّخُولِ، للحديث السالف، وقال القاضي حُسين وغيره في الثاني: إنه مُفَرَّعٌ على قول
стр. 1764
وجوب الكفَّارة، وعلى القول الثاني: تلزمه قربة من القرب والتعيين إليه وليكن ما يُعَيِّنُهُ مما يُلْتَزَمُ بالنذر، وعلى الثالث: يَتَخيَّرُ بين ما ذكرناه وبين الكفارة.
وَنَذْرُ تبَرُّرٍ، أي تقرب: بِأَنْ يَلْتَزِمَ قُرْبَةٌ إِن حَدَثَتْ نِعْمَةٌ أو ذَهَبَت نِقْمَةٌ كَإِنْ شَفَي اللهُ مَرِيْضِي فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ فعَلَيَّ كَذَا فَيَلزَمُهُ ذَلِكَ إِذَا حَصَلَ المُعَلْقُ عَلَيْهِ، لقوله ﵊: [مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيْعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلاَ يَعْصِهِ] رواه البخاري (٤٩٠)، وقد ذمَّ الله أقوامًا عاهدوا الله ولم يَفُواْ فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ... ﴾ الآية (٤٩١)، وَإِنْ لَمْ يُعَلَّقْهُ، يعني النَّذْرَ، بِشَيْءٍ كَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ لَزِمَهُ فِي الأَظْهَرِ، لِمُطْلَقِ الحديث المذكور آنفًا، والثاني: لا يصح، فلا يلزمه شيء؛ لأن أهل اللغة قالوا كما حكاه ثعلب: النذْرُ هُوَ وَعْدٌ بِشَرْطٍ وَلاَ شَرْطَ هُنَا فَلاَ نَذْرَ، ومنعَ الأول هذا لقوله تعالى عن مَرْيَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ... ﴾ الآية (٤٩٢)، فأطلقَت ولم تُعَلِّقْهُ على شرط وسَمَّتْهُ نَذْرًا، وَلاَ يَصِحُّ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، لقوله ﵊: [لاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ] رواه مسلم (٤٩٣)،
стр. 1765
وَلاَ وَاجِبٍ، أي كصلاة الخمس ورمضان؛ لأنه واجب بإيجاب الشرع ابتداءً فلا معنى لإيجابه.
وَلَوْ نَذَرَ فِعْلَ مُبَاحٍ أَوْ تَرْكِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، لقوله ﵊: [لاَ نَذْرَ إِلَّا فِيْمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهَ اللهِ] رواه أبو داود (٤٩٤)، لَكِنْ إِنْ خَالَفَ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِيْنٍ عَلَى المُرَجَّحِ، هذا خلاف ما رجحه في الروضة تبعًا للشرح كذا فيه وفي الفرض والمعصية، وقال في شرح الْمُهَذَّبِ: إنه الصوابُ.
فَرْعٌ: لو نذر الْحَلْقَ؛ وقلنا: إنه استباحةُ محظورٍ لا ثوابَ فيه؛ فالأصحُّ في أصل الروضة وجوبه؛ والأقربُ في التَّذْنِيْبِ خلافه.
فَصْلٌ: وَلَوْ نَذَرَ صَوْمَ أَيَّامٍ نُدِبَ تَعجِيلُهَا، مسارعة إلى براءة الذمة، فَإِنْ قَيَّدَ بِتَفْرِيْقٍ أَوْ موَالاَةٍ وَجَبَ، عملًا بما التزمه، وَإِلَّا جَازَ، أي وإن لم يقيد تفريق ولا موالاة جاز التفريق والولاء لحصول الوفاء على التقديرين، أَوْ سَنَةٍ مُعَيَّنَةٍ صَامَهَا وَأَفْطَرَ الْعِيْدَ وَالتَّشْرِيْقَ وَصَامَ رَمَضَانَ عَنْهُ وَلاَ قَضَاءَ، لأن هذه الأيام لو نذر صومها لم ينعقد نذره، فإذا أطلق فأولى أن لا يدخل في نذره، وَإِنْ أفْطَرَتْ بِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَظْهَرِ، لأن الزمان قابل للصوم، وإنما أفطرت لمعنى فيها فتقضي كصوم رمضان، وهذا ما رجَّحه البغوي فتبعه المحرر، قُلْتُ: الأَظْهَرُ لاَ يَجِبُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأن أيام الحيض لا يقبل الصوم فيها فلم تدخل في نذرها كالعيد، وَإِنْ أَفْطَرَ يَوْمًا بِلاَ عُذْرٍ وَجَبَ قَضَاؤُهُ، لتفويته، وَلاَ يَجِبُ اسْتِئْنَافُ سَنَةٍ، لأن التتابع كان للوقت لا أنه مقصود كما في رمضان، فَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ وَجَبَ فِي الأَصَحِّ، لأن ذكر التتابع يدل على كونه مقصودًا، والثاني: لا يجب، لأن شرط التتابع مع تعيين السنة لغو، أَوْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَشَرَطَ التَّتَابُعَ وَجَبَ،
стр. 1766
عملًا بما التزمه، وَلا يَقْطَعُهُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَنْ فَرْضِهِ وَأَفْطَرَ الْعِيْدَ وَالتَّشْرِيْقَ، لأنها مستثناة شرعًا، وَيَقضِيْهَا تِبَاعًا مُتَّصِلَةً بِآخِرِ السَّنَةَ، لأنه التزم صوم سنة ولم يصم عما التزم سنة، وَلاَ يَقْطَعُهُ حَيْضٌ، وَفِي قَضَاِئهِ الْقَوْلاَنِ، تقدما بدليلهما، وَإِنْ لَمْ يَشْرِطْهُ، يعني التتابع، لم يَجِبْ، لعدم الالتزام فيصوم ثلاثمائة وستين يومًا أو اثني عشر شهرًا بالهلال، أوْ يَوْمَ الإِثْنَيْنِ أبدًا لَمْ يَقْضِ أَثَانِيَ رَمَضَان، لأن وجوب صوم رمضان سابق على النذر فلا ينعقد عليها النذر، وَكَذَا الْعِيْدَ وَالتَّشْرِيْقَ فِي الأَظْهَرِ، كالأثاني في رمضان لأن هذا يتعين للإفطار كما أنه يتعين لصوم رمضان، والثاني: يجب القضاء, لأن ذلك قد يتفق وقد لا يتفق فتناوله النذر بخلاف أثاني رمضان، وبخلاف ما إذا نذر صوم سنة معينة حيث قلنا لا يقضي؛ لأن وقوعها في السنة لازم ووقوع العيد في يوم الإثنين ليس بلازم، وَاعْلَمْ: أن كلام المصنف يوهم أن كل اثنين وقع في رمضان لا يقضيها قطعًا مع جريان الخلاف في العيد والتشريق وليس كذلك بل الخامس من الأثانين الواقعة في رمضان هو كالعيد ففيه الخلافُ، فَلَو لَزِمَهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ تِبَاعًا لِكَفَّارَةٍ صَامَهُمَا وَيَقْضِي أَثَانِيَهُمَا، أي إذا سبق النذر الكفارة لأنه أدخل على نفسه صوم الشهرين بعده، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَقْضِي إِنْ سبَقَتِ الْكَفَّارَةُ النَّذْرَ، كما لا يقضي الأَثَانِيْنَ الواقعة في رمضان لتقدم وجوبها على النذر، قُلْتُ: ذَا الْقَوْلِ أَظْهَرُ، واللهُ أَعْلَمُ، لما قلناه، ووجه مقابله: أن الوقت غير متعين لصوم الكفارة، ولو صام في الشهرين أثانيهما لوقعت عن نذره فإذا ترك قضى بخلاف أثانين رمضان وهو أظهر عند البغوي وطائفة من العراقيين، وتبعهم الرافعي في الْمُحَرَّرِ، وَتقْضِي زَمَنَ حَيْضٍ وَنفَاسٍ، أي واقع في الأثانين، فِي الأَظْهَرِ، الخلاف كما مر في العيد، ومحل الخلاف فيما إذا لم يكن لها عادة غالبة؛ فإن كانت فعدم القضاء فيما يقع في عادتها أظهر؛ لأنها لا تقصد صوم اليوم الذي يقع في عادتها غالبًا في مفتتح الأمر.
فَرْعٌ: المرضُ كالحيضِ والنفاسِ.
أَوْ يَوْمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَصُمْ قَبْلَهُ، وفاءً بالملتزم، أَوْ يَوْمًا مِنْ أُسْبُوعٍ ثُمَّ نَسِبَهُ صَامَ
стр. 1767
آخِرَهُ وَهُوَ الجُمُعَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَقَعَ قَضَاءً، أي وإن كان هو فقد وفى بما التزم وهنا فائدة فراجعها من الأصل.
فَصْلٌ: وَمَنْ شَرَعَ فِي صَوْمِ نَفْلٍ فَنَذَرَ إِتْمَامَهُ لَزِمَهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأن صومه صحيح فيصح التزامه بالنذر ويلزمه الإتمام، والثاني: لا يصح؛ لأنه نذر صوم بعض اليوم، وَإِنْ نَذَرَ بَعْضَ يَوْمٍ لم يَنْعَقِدْ، لأنه ليس بقربة، وَقِيْلَ: يَلْزَمُهُ يَوْمٌ، لأنه قد ورد الأمر في إمساك بعض النهار كما في حق من أصبحَ. مفطرًا يوم الشَّكِّ ثم بَانَ أنه من رمضان لكن لا سبيل إلى صيامه؛ لأن صوم بعض يوم ليس هو معهودًا شرعًا فلزمه يوم كامل، أَوْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدٍ، فَالأَظْهَرُ: انْعِقَادُهُ، لأن الوفاء به ممكن بأن يعلم أنه يَقْدِمُ غدًا وينوي ليلًا، والثاني: لا، لأنه لا يمكنه الصوم بعد القدوم؛ لأن التبييت شرط في صوم الفرض، وإذا لم يمكن الوفاء بالملتزم يلغو الالتزام، فَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا أَوْ يَوْمَ عِيْدٍ أَوْ فِي رَمَضَانَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لأن هذه الأوقات غير قابلة للصوم، نَعَمْ؛ يُستحب أن يصوم من الغد أو يومًا آخر شكرًا لله، أو نَهَارًا وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ صَائِمٌ قَضَاءً أوْ نَذْرًا وَجَبَ يَوْمٌ آخَرُ عَنْ هَذَا، كما لو نذر صوم يوم معين ففاته، واستحب الشافعي أن يعيد الصوم الواجب الذي هو فيه؛ لأنه بَانَ أنه صائم يومًا مستحق الصوم، أَوْ وَهُوَ صَائِمٌ نَفْلًا فَكَذَلِكَ، أي يلزمه يوم آخر، وَقِيْلَ: يَجِبُ تَتْمِيْمُهُ وَيَكْفِيْهِ، أي ويكون تطوعًا وآخره فرضًا كمن دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه يلزمه الإتمام، وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ زَيْدٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَومُ الْيَوْمِ التَّالِي لِيَوْمِ قُدُومِهِ، وَإِنْ قَدِمَ عَمْرٌو فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَومُ أَوَّلِ خَمِيْسٍ بَعدَهُ فَقَدِمَا فِي الأَربِعَاءِ وَجَبَ صَوْمُ الْخَمِيْسِ عَن أَوَّلِ النَّذْرَيْنِ وَيَقْضِي الآخَرَ، لتعذر صومه بخلاف الأول.
فَرْعٌ: لو قال: إنْ قدِمَ زيدٌ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أن أصومَ أَمْس يوم قدومِهِ، صحَّ نذره على المذهب ذكره في شرح المهذب.
فَصْلٌ: نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ أَوْ إِتْيَانِهِ، أي أو وصفه بالحرام، فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ إِتْيَانِهِ بِحَجًّ أَوْ عُمْرَةٍ، لأن الله تعالى أوجب قصده فلزمه بالنذر كسائر
стр. 1768
القرب، ومطلق كلام الناذر محمول على ما ثبت له أصل في الشرع كمن نذر أن يصلي يلزمه الصلاة المعهودة لا الدعاء، وقصد البيت الحرام في الشرع هو بالحج أو بالعمرة، والطريق الثاني فيه قولان، أما إذا لم يصفه بالحرام؛ بأن قال: أمشي إلى بيت الله أو آتيه، فقولان أحدهما: أن مطلقه يحمل على البيت الحرام؛ لأنه السابق إلى الفهم فيصير كالمذكور، وأصحهما في الروضة تبعًا للرافعي: أنه لا ينعقد نذره؛ إلا أن ينوي البيت الحرام؛ لأن جميع المساجد بيت الله تعالى، فَإِنْ نَذرَ الإِتْيَانَ لَمْ يَلْزَمْهُ مَشْيٌ، أي بل له الركوب قطعًا، وكذا لو نذر الذهاب وغيره مما سوى المشي، وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ أَوْ أَنْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ مَاشيًا، فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمَشْيِ، الخلاف مبنيٌّ على أن الحج راكبًا أفضل أو ماشيًا، وفيه قولان؛ أحدهما: أن الركوب أفضل، وصححه المصنف في شرح المهذب وَصَوَّبهُ في الروضة اقتداءً به ﷺ ، والثاني: أن المشيَ أفضلُ وهو ما صححه الرافعي؛ لأن التعب فيه أكثرُ، وصحَّ أنه ﵊ قَالَ لِعَائِشَةَ: [أَجْرُكِ عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ] كما أخرجه الشيخان من حديثهما (٤٩٥)، فإن قلنا: المشي أفضل؛ لزم بالنذر، وإن قلنا الركوب أفضل أو سوينا لم يلزم المشي بالنذر، كذا ذكره في الروضة وغيرها تبعًا للرافعي، ثم قال الصواب أن الركوب أفضل كما سلف، ومقتضاه أنه لا يلزم المشي لكن صحح لزومه في الكتاب وغيره وعلله في شرح المهذب بأنه مقصود، وقال في موضع من أصل الروضة: أنه يلزمه الوفاء بالمشي إذا قلنا المشي أفضل، ومقتضاه أنه لا يلزم إلا إذا قلنا الركوب أفضل.
فَرْعٌ: في نهاية مشيهِ طريقان؛ أصحهما: حتى يَتَحَلَّلَ التَّحَلُّلَيْنِ، وقيل: له الركوب بعد التَّحَلُّلِ الأول.
فَإِنْ كَانَ قَالَ: أَحُجُّ مَاشِيًا فَمِن حَيْثُ يُحْرِمُ، أي سواء أحرم من الميقات أو
стр. 1769
من قبله؛ لأنه التزم المشي في الحج وابتدأ الحج من وقت الإحرام، وَإِنْ قَالَ: أَمْشِي إِلَى بَيْتِ اللهِ تَعَالَى فَمِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ فِي الأَصَحِّ، لأن قضية قوله أن يخرج إليه من بيته ماشيًا، والثاني: من الميقات؛ لأن المقصود من الإتيان الحجَّ أو العمرة فيمشي من حيث يحرم، وَإِذَا أوْجَبْنَا الْمَشْيَ فرَكِبَ لِعُذْرٍ أجْزَأهُ، أي حجِّهِ راكبًا عن حَجَّة النذر لمكان العذر، وَعَلَيْهِ دَمٌ فِي الأظْهَرِ، لما روى أبو داود بإسناد على شرط البخاري (•) عن ابن عباس [أَنَّ أُخْتَ عُقبَةَ نَذَرَتْ أَن تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ فَأمَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِي هَدْيًا] (٤٩٦)، والثاني: لا دم عليه؛ كما لو نذر الصلاة قائمًا فصلى قاعدًا للعجز، وفَرَّقَ الأول: بأن الصلاة لا تجبر بالمال بخلاف الحج، واحترز بقوله أولًا: (إِذَا أوْجَبْنَا الْمَشْيَ) عما إذا لم نوجبه؛ فإنه لا يجبر تركه بدم.
فَرْعٌ: الدمُ شاةٌ على الأظهر.
أَوْ بِلاَ عُذْرٍ أَجزَأَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لإتيانه بأصل الحج ولم يبقَ إلا هيئته فصار كترك الإحرام من الميقات، والثاني: لا؛ لأنه لم يأت بما التزم، وَعَلَيهِ دَمٌ، لأنه ترفّه بترك صفةٍ، وَمَنْ نَذَرَ حَجًّا أو عُمْرَةً لَزِمَهُ فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ مَعْضُوبًا اسْتَنَابَ، كما في حجة الإسلام.
وَيُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهُ فِي أَوَّلِ الإِمْكَانِ، لئلَّا يعرضه للنسيان وحوادث الزمان ومبادرة لبراءة الذمة، فَإنْ تَمَكَّنَ فَأَخَّرَ فَمَاتَ حُجَّ مِن مَالِهِ، كَحَجَّةِ الإسلامِ، وَإِنْ نَذَرَ الحَج عَامَهُ وَأَمْكَنَهُ لَزِمَهُ، تفريعًا على الصحيح وهو لزوم التعيين كالصوم، فَإِنْ مَنَعَهُ مَرَضٌ وَجَبَ الْقَضَاءُ، أي إن منعه بعد الإحرام، فإن منعه قبله فلا؛ قاله
стр. 1770
المتولي، لأن المنذور صح في تلك السنة ولم يقدر عليه، أَوْ عَدُوًّ فَلَا فِي الأَظْهَرِ، لمكان العذر، والثاني: نعم؛ وقطع به، ويجريان فيما لو منعه السلطان أو ربُّ الدَّين وهو لا يقدر على أدائه.
فَرْعٌ: النسيانُ وخَطَأُ الطريقُ والضَّلاَلُ فيه كالمرض.
أَوْ صَلَاةً أَوْ صَوْمًا فِي وَقْتٍ فَمَنَعَهُ مَرَضٌ أَوْ عَدُوٌّ وَجَبَ القَضَاءُ، أي بخلاف الحج؛ لأن الواجب بالنذر كالواجب بالشرع، وقد يجب الصوم والصلاة مع العجز فلزما بالنذر والحج لا يجب إلا عند الاستطاعة، وَاعْلَمْ: أن ظاهر كلام المصنف تعيين الصوم والصلاة في الوقت المعين بالنذر وهو ما صححه في أصل الروضة في الصوم؛ وقال: إن الخلاف جارٍ في الصلاة أيضًا لكنه في باب الاعتكاف جزم في الصلاة بعدم التعيين تبعًا للرافعي، أَوْ هَدْيًا لَزِمَهُ حَمْلُهُ إِلَى مَكَّةَ وَالتَّصَدُّقُ بِهِ عَلَى مَنْ بِهَا، أي غريبًا كان أو مستوطنًا قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ (٤٩٧)، أَوِ التَّصَدُّقُ عَلَى أَهْلِ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَهُ، وفاءً بالملتزم، أو صَوْمًا فِي بَلَدٍ لَم يَتَعَيَّنْ، أي بل له الصوم في غيرها سواء عين مكة أو غيرها كما أن الصوم الذي هو بدل واجبات الإحرام لا يختص بالحرم، وَكَذَا صَلَاةٌ، لاستواء المساجد في الفضيلة إلا ما استثنى كما سيأتي، إِلّا الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لعظم فضله وتعلق النُّسُكِ به، وَفِي قَوْلٍ: وَمَسْجِدِ الْمَدِيْنَةِ وَالأَقْصَى، لأنهما مَسْجِدَانِ تُشَدُّ الرِّحَالُ إليهما كما نَطَقَ به الحديث الصحيح (٤٩٨) فَتَعَيُّنًا بالنذر كالمسجد الحرام. قُلْتُ: الأَظْهَرُ تَعْيِيْنُهُمَا كاَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
стр. 1771
ثم هو نصه في البويطي وقطع به المراوزة، ووجه مقابله: أنهما لا يقصدان بِالنُّسُكِ فأشبها سائر المساجد، فعلى الأول: لو صَلَّى في المسجد الحرام خرج عن نذره على الأصح بخلاف العكس، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى ولا عكس على الأصح في الروضة، أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا فَيَوْمٌ، لأن الصوم اسمُ جنسٍ يقعُ على القليل والكثير والمتيقن يوم فلا يزاد عليه، أَوْ أَيَّامًا فَثَلَاثَةٌ، لأن الأيام جمعٌ وأقل الجمع ثلاثة، أَوْ صَدَقَةً فَبِمَا كَانَ، لإطلاق الاسم عليه، أَوْ صَلاَةً فَرَكْعَتَانِ، حملًا على أقل واجب الشرع فيها، وَفِي قَوْلٍ: رَكْعَةٌ، حملًا على أقل جائزة وهي ركعة، فَعَلَى الأَوَّلِ: يَجِبُ الْقِيَامُ فِيْهِمَا مَعَ الْقُدْرَةِ، لأنّا ألحقناه بواجب الشرع، وَعَلَى الثَّانِي: لاَ، لأنّا ألحقناه بجائزه، أَوْ عِتْقًا فَعَلَى الأَوَّل رَقَبَةُ كَفَّارَةٍ، حملًا له على الرقبة الواجبة شرعًا، وَعَلَى الثَّانِي رَقَبَةٌ، أي ولو معيبة وكافرة لوقوع الاسم، قُلْتُ: الثَّانِي هُنَا أظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَوْ عِتْقَ كَافِرَةٍ مَعِيْبَةٍ أَجْزَأَهُ كَامِلَةٌ، لإتيانه بما هو أفضل، فَإِنْ عَيَّنَ نَاقِصَةً تَعَيَّنَتْ، أي بأن قال: للهِ عَلَيَّ أن أعتِقَ الكافرَ أو المعيبَ لتعلق النذر بعينه ولو كان المبذول أشرف، أَوْ صَلاَةً قَائِمًا لَمْ يَجُزْ قَاعِدًا، لأنه دون ما التزم، بِخِلاَفِ عَكْسِهِ، أي وهو ما إذا نذر الصلاة قاعدًا فإنه يجوز أن يصليها قائمًا لاتيانه بما هو أفضل، وله أن يصلي قاعدًا كما لو صرح في نذره بركعة له الاقتصار عليها، كذا جزم به الرافعي هنا في موضع ونفى الخلاف فيه في الشرح الصغير، وكذا المصنف في الروضة؛ لكنهما حكيا في موضع من الإمام عن الأصحاب لزوم القيام عند القدرة إذا حملنا المنذور على واجب الشرع، وأنهم تكلفوا فرقًا بينه وبين ما إذا نذر ركعة أنه لا يلزمه إلّا ركعة، قال: ولا فرق فيجب تنزيلهما على الخلاف، أَوْ طُولَ قِرَاءَةِ الصَّلاَةِ، أوْ سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوِ الْجَمَاعَةَ لَزِمَهُ، ذلك طاعة، وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُ النَّذْرِ بِكُلِّ قُرْبَةٍ لاَ تَجِبُ ابتِدَاءً كَعِيَادَةٍ وَتَشْيِيْعِ جِنَازَةٍ، وَالسَّلاَمِ، لأن الشارع رغب فيها والعبد يتقرب بها؛ فهي كالعبادات، والثاني: المنع؛ لأنها ليست على أوضاع العبادات.
стр. 1772
كِتَابُ الْقَضَاءِ
الْقَضَاءُ: بِالْمَدِّ الْوِلاَيَةُ، وَجَمْعُه أَقْضِيَةٌ كَغِطَاءٍ وَأَغْطِيةٍ، وَهُوَ فِي الأَصْلِ: إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَفَرَاغُهُ؛ كَمَا قَالَهُ الأَزْهَرِيُّ وَيَكُونُ إِمْضَاءَ الحُكْمِ، وبِمَعْنَى أوْجَبُ وَقَدَّرَ، وبَمِعَنَى الإِتْمَامِ وَالأَدَاءِ. وَالأَصْلُ فِيْهِ مِنَ الكِتَابِ آيَاتٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٤٩٩) وَمِنَ السُّنَّةِ أحَادِيْثُ صَحِيْحَة مَشْهُورَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ ﵊: [إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ] مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ حَدِيْثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ (٥٠٠).
هُوَ فَرْضٌ كِفَايَةٍ، بالإجماع كما قاله الرافعي، فَإِنْ تَعَيَّنَ، أي للقضاء، لَزِمَهُ طَلَبُهُ، أي إن لم يُعْرَضْ عليه؛ لأن به يخرج من واجبه ويلزمه بذل المال في تحصيله إن احتاج إليه، وَإِلَّا, أي وإن لم يتعين عليه، فَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَصْلَحَ، وَكَانَ يَتَوَلَّاهُ فَلِلْمَفْضُولِ الْقَبُولُ، بناء على أن الإِمَامَةَ الْعُظْمَى تنعقدُ للمفضولِ مع وجُود الفاضل وهو الأصحُّ، وَقِيْلَ: لاَ، بناء على مقابله، وقوله: (وَكَانَ يَتَوَلَّاهُ) احترز به عما إذا كان الأصلح لا يتولاه؛ فإنه كما لو لم يوجد.
стр. 1773
وَيُكْرَهُ طَلَبُهُ، لما فيه من الخطر، وَقِيْلَ: يَحْرُمُ، أي ولا تحرم توليته كما صرح به القاضي؛ لكن استشكله الإمام، وَإِنْ كَانَ مِثْلَهُ فَلَهُ الْقَبُولُ، أي ولا يلزمه فربما قام به غيره.
وَيُنْدَبُ الطَّلَبُ إِنْ كَانَ خَامِلًا، أي غير مشهور بين الناس، يَرْجُو بِهِ نَشْرَ الْعِلْمِ؛ أَوْ مُحْتَاجًا إِلَى الرِّزْقِ، أي مع الشهرة، وإذا وَلِيَ صَارَ مَكْفِيًّا من بيت المال لينتفع به، وَإِلَّا، أي وإن كان مع الشهرة مكفيًا، فَالأَوْلَى تَرْكُهُ، أي الطلب والقبول لما فيه من الخطر من غير حاجة إلى ارتكابه، قُلْتُ: وَيُكْرَهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أي الطلب والقبول إن لم يطلبه؛ وعلى ذلك حُمل امتناع السلف، وهذا ما صَحَّحَهُ الرافعي في شَرْحَيْهِ أيضًا، وَالاِعْتِبَارُ فِي التَّعْيِيْنِ وعَدَمِهِ بِالنَّاحِيَةِ، أي فلا يجب على من يصلح للقضاء طلب القضاء ببلدة أخرى لا صالح بها ولا قبوله إذا ولي.
فَرْعٌ: قال الإِمامُ والغزاليُّ: يجب أن يكون في القرى من القضاة عدد بحيث لا يكون بين القاضيين مسافة العَدْوى وفي هذا التحديد نظر.
فَصْلٌ: وَشَرْطُ الْقَاضِي: مُسْلِمٌ، أي فلا يُوَلَّى كَافِرٌ قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٥٠١) وَلاَ يُوَلَّى أيضًا عَلَى أهْلِ دِينِهِ. مُكَلَّفٌ، فلا يُوَلَّى صبيٌ ولا مجنونٌ لنقصهما. حُرٌّ، أي فلا يُوَلَّى رقيقٌ لنقصه أيضًا. ذَكَرٌ، أي فلا تُوَلَّى امرأةٌ لنقصها؛ والخنثى الْمُشْكِلُ كَهِيَ. عَدْلٌ، أي فلا يُوَلَّى فاسقٌ لنقصه. سَمِيْعٌ؛ بَصِيْرٌ؛ نَاطِقٌ، لأن الأَصَمَّ بالكلية لا يُفَرَّقُ بين إقرارٍ وإنكارٍ، والأعمى لا يعرف الطالب من المطلوب، والأخرس لا يقدر على انفاذ الأحكام، وفي معنى الأعمى من يرى الأشباحَ ولا يعرف الصُّوَرَ، نَعَمْ؛ لو كان إذا قربت منه عرفها صح كما تصحُّ ولايةُ الأَعْشَى. كَافٍ، أي فلا يُوَلَّى مُغَفَّلٌ ومن اخْتَلَّ نظرُهُ بكبر ونحوه.
مُجْتَهِدٌ، أي فلا يُوَلَّى جَاهِلٌ بالأحكام الشرعية وطُرُقها، المحتاجُ إلى تقليد غيره فيها، ولأنه لا يصلح للفتوى فالقضاء أولى، وَهُوَ، أي المجتهد، أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْقُرْآنِ
стр. 1774
وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْكَامِ، أي لا جميعها وآيُ الأحكام كما قيل خَمْسُ مِائَةِ آيةٍ، قال الروياني: وكذا الأخبار التي تتعلق بها الأحكام وفيما ذكره نظرٌ، وَخَاصَّهُ، وَعَامَّهُ، أي والعام الذي أريد به الخصوص وعكسه ومقيده ومطلقه، وَمُجْمَلَهُ، وَمُبَيَّنَهُ، وَنَاسِخَهُ، وَمَنْسُوخَهُ، أي وأسباب النزول كما قال ابن برهان، وَمُتَوَاتِرَ السُّنَّةِ وَغَيْرَهُ، أي وهو الآحادُ، وَالْمُتَّصِلَ؛ وَالْمُرْسَلَ، وَحَالَ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا، لأن بذلك يُتَوَصَّلُ إلى تقرير الأحكام، وَلِسَان الْعَرَبِ لُغَةً وَنَحْوًا، لأن الشرع ورد بالعربية وبهذا يعرف عموم اللفظ وخصوصه وإطلاقه وتقييده وإجماله وبيانه؛ فيعرف ما لا بد منه من فَهْمِ الكتاب والسُّنَّةِ، وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ إِجْمَاعًا وَاخْتِلاَفًا، أي حتى لا يُخَالِفَ الإجماع باختيار قولِ ثالث، وَالْقِيَاسَ بِأَنْوَاعِهِ، أي جَلِيِّهِ وَخَفِيِّهِ وَصَحِيْحِهِ وَفَاسِدِهِ، ولا يشترط التَّبَحُّرُ في هذه العلوم بل يكفي جُمَلٌ منها، وبقيت تحقيقاتٌ أوضحتُها فى الأصل فَرَاجِعْهَا مِنْهُ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ جَمْعُ هَذِهِ الشُّرُوطِ، أى لخلو الزمان عن المجتهد المستقل، فَوَلَّى سُلْطَانٌ لَهُ شَوْكَةٌ فَاسِقًا أَوْ مُقَلَّدًا نَفَذَ قَضَاؤُهُ لِلضَّرُورَةِ، كَيْلاَ تَتَعَطَّلَ مصالح الناس، وهذا الحكم تبع فيه المصنَّفُ والرافعيَّ الغزاليَّ وعُدَّ من إفراده، والمنقولُ أنه لا ينفذُ قضاء الفاسق، قال ابن الرفعة: وكلامُ صاحب الكَافِي دَالٌّ عَلَى تَرَدُّدٍ فِيْهِ إذا كان ثَمَّ مَنْ يَصْلُحُ، فإن لم يكن فلا وجهَ إلا تنفيذ حكمه وهو الحقُّ، وَيُنْدَبُ لِلإِمَامِ إِذَا وَلَّى قَاضِيًا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي الاِسْتِخْلاَفِ، ليكون أسهل عليه وأقضى إلى فصل الخصومات، فَإِنْ نَهَاهُ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، لأنه لم يرضَ بنظر غيره، فإن كان ما فوّضه إليه لا يمكنه القيام به فيقتصر على الممكن ويترك الاستخلاف على الأرجح (•) في الروضة، فَإِنْ أَطْلَقَ، أي التَّوْلِيَةَ اسْتَخْلَفَ فِيْمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، لأن العرف يقتضيه، لاَ غَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ، لأن العُرف لم يقتضيه، والثاني: يستخلف فِي الكُلِّ كالإمام، نَعَمْ؛ لو أمكنه القيام بما تولاه كقضاء بلدة صغيرة فليس له الاستخلاف في الأصح؛
стр. 1775
لأن الإمام لم يَرْضَ بنظر غيره.
فَرْعٌ: لو جعل لرجل التزويج والنظر في أمر اليتامى؛ لم يكن له أن يستنيبَ فيه؛ قاله القاضي شُرَيْحٍ في أَدَبِ الْقَضَاءِ له.
وَشَرْطُ الْمُسْتَخْلَفِ كَالْقَاضِي، لأنه نائبه، إِلَّا أَنْ يُسْتَخْلَفَ فِي أَمْرٍ خَاصًّ: كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ فَيَكْفِي عِلْمُهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَيَحْكُمَ، يعني الخليفة، بِاجْتِهَادِهِ أَوِ اجْتِهَادِ مُقَلَّدِهِ، أي بفتح اللام، إِنْ كَانَ مُقَلِّدًا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِ خِلاَفَهُ، هذا مَبْنِيٌّ على جواز استخلاف من يخالفه فى الحكم وهو المعروف.
فَائِدَةٌ: القضاةُ الثَّلاَثَةُ حَدَثُواْ في سنة أربع وستين وستمائة مع وجود القاضي تاج الدين ابنُ بنتِ الأَعَزِّ واستمرار ولايته ونظره واستقر في ذلك الوقت في الدولة الظاهرية: أن الشافعي ينفرد بأربعة أشياء: الأوقاف؛ والأيتام؛ والنواب؛ وبيت المال، ويشارك الثلاثة في الباقي (٥٠٢).
فَصْلٌ: وَلَوْ حَكَّمَ، أي بتشديد الكاف، خَصْمَانِ رَجُلًا فِي غَيْرِ حَدَّ اللهِ تعَالَى جَازَ مُطْلَقًا بِشَرْطِ أَهْلِيَّةِ الْقَضَاءِ، لأنه وقع بجمع من الصحابة ولم ينكر أحدٌ (٥٠٣)، وخرج بقوله (فِي غَيْرِ حَدًّ للهِ تَعَالَى) حدُّ الله؛ فإنه لا تحكيم فيه؛ إذ ليس لها طالب معين، وقوله (مُطْلَقًا) أي سواء كان هناك قاضٍ أمْ لم يكن، وسواءً المحكم فيه قصاصًا أو نكاحًا أو غيرهما مما سيأتي، وخرج بالأهلية فاقدها؛ فإن حكمه لا ينفذ
стр. 1776
اتفاقًا، وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَجُوزُ، لأنه تقليد القضاء من مناصب الإمام فلا يثبت للآحاد، وَقِيْلَ: بِشَرْطِ عَدَمِ قَاضٍ فِي الْبَلَدِ، للضرورة؛ فإن كان! فالقولان، وقيل: عكسُهُ محافظة على منصب القاضي، وَقِيْلَ: يَخْتَصُّ بِمَالٍ، لأنه أخفٌّ، دُونَ قِصَاصٍ وَنِكَاحٍ وَنَحْوِهِمَا، أي كَلِعَانٍ وَحَدَّ قَذْفٍ؛ لأنها أمور خطيرةٌ فَتُنَاطُ بنظر القاضي ومنصبه، والأصح: عدم الاختصاص؛ لأَنَّ مَنْ صَحَّ حُكْمُهُ فِي الْمَالِ صَحَّ فِي غَيْرِهِ كَالمُوَلَّى من جهة الإمام، وقوله (وَقيْلَ) في هذين الموضعين هو طريقةٌ؛ فهذا مما أطلق الوجه على اصطلاحه والمراد الطريقة، وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ إِلَّا عَلَى رَاضٍ بِهِ؛ فَلاَ يَكْفِي رِضَا قَاتِلٍ فِي ضَرْبِ دِيَةٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ، أي بل لا بد من رِضَى الْعَاقِلَةِ، وَإنْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْحُكْمِ؛ امْتَنَعَ الْحُكْمُ، حتى لو أقام المدعي شاهدين؛ فقال المدعى عليه: عزلتك؛ لم يكن له أن يحكم، وَلاَ يُشْتَرَطُ الرَّضَا بَعْدَ الْحُكْمِ فِي الأَظْهَرِ، كحكم الحاكم، والثاني: يشترط؛ لأن رِضَاهُمَا مُعْتَبَرٌ في الحكم فكذلك في لزومه.
فَصْلٌ: وَلَوْ نَصَبَ قَاضِيَيْنِ فِي بَلَدٍ وَخَصَّ كُلاَّ بِمَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ أَوْ نَوْعٍ، أي بأن جعل أحدهما يحكم في الأموال والآخر يحكم في الدماء والفروج، جَازَ، قال ابنُ كَجًّ: وكذا لو وَلَّاهُمَا على أن يحكم كُلٌّ منهما في الواقعة التي يرفعها المتخاصمان إليه، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُخَصَّ فِي الأَصَحَّ، أي بل عمَّم ولايتهما مكانًا وزمانًا وحادثة كنصب الوكيلَين والوصيَّيْنِ، وهذا ما صححه الأكثرون، ورواه الروياني في النص (•)، والثاني: لا يجوز كالإمامة العُظمَى؛ وصححه الإمام والغزالي وابن أبي عُصْرُونَ، ونقل مُجَلَّي في تصحيحه عن الأصحاب، فعلى هذا إن ولاّهما معًا بطلت ولايتهما؛ أو متعاقبين صحَّتْ توليةُ الأول دون الثاني، إِلاَّ أَنْ يَشْرِطَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى الْحُكْمِ، أي فإنه لا يجوز؛ لأن الاختلاف يكثر في مواقع الاجتهاد فتتعطل الحكومات.
فَرْعٌ: الحكم المذكور جارٍ فِي أكثر من قاضيين بشرط أن يقل عددهم، فإن كثر لم يصح قطعًا قاله الماوردي والروياني.
стр. 1777
فَصْلٌ: جُنَّ قَاضٍ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ عَمِيَ أَوْ ذَهَبَتْ أَهْلِيَّةُ اجْتِهَادِهِ وَضَبْطِهِ بِغَفْلَةٍ أَوْ نِسْيَانٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ، لأن هذه الأمور تمنعُ ولاية الأب، فالحاكم أَولى، وما جزم به الرافعي والمصنف في الإغماء حكاهُ الروياني وجهًا وَوَهَّاهُ حيث قال: لو أُغْمِيَ على القاضي لم يؤثر في ولايته لأنه مرض، قال: وفيه وجه بعيد؛ أنه ينعزل به وليس بشيء، قُلْتُ: والقول بعدم انعزاله وجه مُحْكَى في الوكالة وفي الحكمين في الشقاق، وقد حكاه الرافعي فيه ولم يحكه في القضاء، والقضاء أقوى من الوكالة وأولى بعدم الانعزال كما قاله الروياني في البحر فَتَنَبَّهْ له، وَكَذَا لَوْ فُسَّقَ فِي الأَصَحَّ، أي بخلاف الإمام الأعظم لما في إبطال ولايته من اضطراب الأمور وحدوث الفتن، والثاني: ينفذ كالإمام الأعظم وقد تقدمت هذه المسألة في الوصايا أيضًا، فَإِنْ زَالَتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ لَمْ تَعُدْ وِلاَيَتُهُ فِي الأَصَحَّ، أي إلا بالاستئناف لأنه بالانعزال صار على ما كان عليه قبل التولية فاحتاج إلى تجديدها، والثاني: يعود من غير استئناف كما تعود ولاية الأب إذا جُنَّ ثم أفاق، وَلِلإِمَامِ عَزْلُ قَاضٍ ظَهَرَ مِنْهُ خَلَلٌ، لأنه عين المصلحة، أَوْ لَمْ يَظْهَرْ، وَهُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْهُ، أي خلل وهناك أفضل منه، لما في ذلك من تحصيل مصلحة زائدة، أَوْ مِثْلُهُ، أي وكذا دونه، وَفِي عَزْلِهِ مَصْلَحَةٌ كَتَسْكِيْنِ فِتْنَةٍ وَإِلَّا فَلاَ، أي وإن لم يكن فيه مصلحة فليس له عزله، لَكِنْ يَنْفُذُ الْعَزْلُ فِي الأَصَحَّ، للمصلحة وطاعة السلطان، والثاني: لا؛ لأنه لا خلل في الأول ولا مصلحة في عزله، أما إذا لم يكن ثمَّ من يصلح للقضاء غيره فإنه ليس له عزله، ولو عزله لم ينعزل، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لاَ يَنْعَزِلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ خَبَرَ عَزْلِهِ، لعظم الضرر في نقض أقضيته بعد العزل وقبل بلوغ الخبر، والطريق الثاني: حكاية قولين كالوكيل، وَإِذَا كَتَبَ الإِمَامُ إِلَيْهِ: إِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي فَأَنْتَ مَعْزُولٌ فَقَرَأَهُ انْعَزَلَ، لوجود القراءة، وَكَذَا إِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحَّ، لأن الغرض إعلامه بصورة الحال لا قراءته بنفسه، والثاني: لا ينعزل لصورة اللفظ؛ وهو المصحح (•) في نظيره من الطلاق والفرق ظاهر.
وَيَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ وَانْعِزَالِهِ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِي شُغْلٍ مُعَيَّنٍ كَبَيْعِ مَالِ مَيَّتٍ, أي أو
стр. 1778
غائب كالوكيل فإنه ينعزل بموت الموكل، وَالأَصَحُّ: انْعِزَالُ نَائِبهِ الْمُطْلَقِ إِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي اسْتِخْلاَفٍ، لأن الاستخلاف في هذا لحاجته إلى من يعاونه في العمل وقد زالت بزوال ولايته، أوْ قِيْلَ لَهُ: اسْتَخْلِفْ عَنْ نَفْسِكَ أَوْ أَطْلَقْ، لظهور غرض المعاونة؛ وبطلانها بطلان ولايته، فَإِنْ قَالَ: اسْتَخْلِفْ عَنَّي فَلاَ، لأنه مأذون من جهة الإمام، وكان الأول سفير محض في التولية والوجه، الثاني: ينعزل مطلقًا؛ كما ينعزل الوكيل بموت الموكل، والثالث: لا مطلقًا؛ رعاية لمصلحة الناس، وَلاَ يَنْعَزِلُ قَاضٍ بِمَوْتِ الإِمَامِ، أي ولا بانعزاله لشدة الضرر في تعطيل الحوادث، وكذا لا ينعزل الولاة بذلك أيضًا، وَلاَ نَاظِرُ يَتيْمٍ وَوَقْفٍ. بِمَوْتِ قاضٍ، أى وكذا بانعزاله؛ لئلا تتعطل أبواب المصالح؛ فَهُمْ كالمتولي من جهة الواقف.
فَصْلٌ: وَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ بَعْدَ انْعِزَالِهِ: حَكَمْتُ بكَذَا، لأنه لا يملك إنشاء الحكم يومئذ؛ فكذا إقراره به, فَإِنْ شَهِدَ مَعَ آخَرَ بِحُكْمِهِ لَم يُقْبَلْ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه يشهد على فعل نفسه، والثاني: يقبل؛ لأنه لا تجرُّ شهادته نفعًا إلى نفسه ولا تدفع ضررًا، ومحل الخلاف في غير الإقرار، أما إذا شهد أنه أقر في مجلس حكمه فتقبل شهادته قطعًا كما نبّه عليه صاحب المعين اليمني، أوْ بِحُكْمِ جَائِزِ الْحُكْمِ؛ قُبِلَتْ فِي الأَصَحَّ، كما لو شهدت المرضعة برضاع محرّم ولم تذكر فعلها، والثاني: المنع؛ لأنه قد يريد نفسه فيجب البيان ليزول اللبس، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ قَبْلَ عَزْلِهِ: حَكَمْتُ بِكَذَا، لأنه يملك الإنشاء إذن، فَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلَّ وِلاَيَتِهِ فَكَمَعْزُولٍ، لأنه ليس له إنشاء الحكم ثم فلا يقبل إقراره به.
وَلَوِ ادَّعَى شَخْصٌ عَلَى مَعْزُولٍ أَنَّهُ أَخَدَ مَالَهُ بِرِشْوَةٍ أَوْ شَهَادَةِ عَبْدَيْنِ مَثَلاً أُحْضِرَ وَفُصِلَت خُصُومَتُهُمَا، لأن هذا الأخذ كالغصب وله أن يوكل ولا يحضر، قال ابن كج: والرشوة عطية بشرط أن يحكم له بغير حق أو يمتنع عن الحكم عليه بحقًّ؛ بخلاف الهدية فإنها عطية مطلقًا.
وَإِنْ قَالَ: حَكَمَ بِعَبْدَيْنِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَالًا أُحْضِرَ، أي ليجيب عن دعواه كما لو
стр. 1779
طلب إحضار غيره، وَقِيْلَ: لاَ حَتَّى يُقِيْمَ بَيَّنَةً بِدَعْوَاهُ، أي يكون له بَيَّنَةٌ؛ لأن الظاهر جريان حكمه على الصواب، وهذا أصح عند البغوي، وقال في الْمُحَرَّرِ: رجحه مرجحون، ولم يذكر غير ذلك، لكنه في الشَّرْحِ قال: إن الأول أصح عند الروياني وغيره؛ فلذلك صححه المصنف هنا، فَإِنْ أُحْضِرَ، أي بعد البَيَّنَةِ أو مِن غيرِ بَيَّنَةٍ، وَأَنْكَرَ صُدَّقَ بِلاَ يَمِيْنٍ فِي الأَصَحَّ، صيانة له على التَّحْلِيْفِ والابتذال بالمنازعات الباطلة، قُلْتُ: الأَصَحُّ بِيَمِيْنٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، كالمودع وسائر الأمناء إذا ادَّعَيْتَ عليهم خيانةً.
ولَوِ ادَّعَى عَلَى قَاضٍ جَوْرٌ فِي حُكْمٍ لَمْ يُسْمَعْ ذَلِكَ، وَيُشْتَرَطُ بَيَّنَةٌ، لأنه أمين شرعًا، ولو فتح باب التحليف لتعطل القضاء، وكذا الشاهد إذا ادّعي عليه أنه شهد بالزور وأراد تحليفه كما ذكره المصنف في الدَّعَاوَى، وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِحُكْمِهِ، أي كَأَنِ ادَّعَى تلفًا أو غيره، حَكَمَ بَيْنَهُمَا خَلِيفَتُهُ أَوْ غَيْرُهُ، لفصل الخصومة بذلك.
فَصْلٌ: لِيَكْتُبِ الإِمَامُ لِمَنْ يُوَلَّيهِ، للاتباع (٥٠٤)، وَيُشْهِدُ بِالْكِتَابِ شَاهِدَيْنِ، أي سواء قرُبَ مَحِلُّ الْوِلاَيَةِ أَمْ بَعُدَ، يَخْرُجَانِ مَعَهُ إِلَى الْبَلَدِ يُخْبِرَانِ بِالْحَالِ، لأهل العمل، وَتَكْفِي الاِسْتِفَاضَةُ فِي الأَصَحَّ، لأنه لم يؤثَرْ عن الشارع ولا عن الخُلفاء بعده الاشهاد؛ بل كانوا يقنعون بالاشتهار وتكفي الاستفاضة، والثاني: لا يكفي؛
стр. 1780
لأن العقود لا تثبت بها كالوكالة والإجارة، ومحل الخلاف في البلد القريب؛ ومنهم من أطلقه كما هو ظاهر إيراد المصنف، قال الرافعي: ويشبه أن لا يكون في هذا خلاف، ويكون التعويل على الاستفاضة، لاَ مُجَرَّدُ كِتَابٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأنه لا يعتمد على الخط، وقيل: وجهان كما حكاه في الروضة، ووجه الاعتماد بُعد الجُرأة في مثل ذلك على الإمام، وَيَبْحَثُ الْقَاضِي عَنْ حَالِ عُلَمَاءِ الْبَلَدِ وَعُدُولِهِ، أي قبل دخوله ليعاملهم إذا دخل بما يليق بهم؛ فإن تعذر فبعد دخوله.
وَيَدْخُلُ يَوْمَ الاِثْنَيْنِ، لأنه ﵊ دَخَلَ فِيْهِ الْمَدِيْنَةَ (٥٠٥)؛ فإن فَاتَهُ فالسبت أو الخميس، وَيَنْزِلُ وَسَطَ الْبَلَدِ، لأنه أقرب إلى التسوية فلا يطول الطريق على بعضهم، وَيَنْظُرُ أَوَّلًا فِي أَهْلِ الْحَبْسِ، لأن الحبس عذابٌ، وهذا على سبيل الاستحباب كما صرح به الرافعي في أواخر الأدب، لكن قال الإمام: إنه واجب، فَمَنْ قَالَ: حُبِسْتُ بِحَقًّ أَدَامَهُ، لأنه الحق، أَوْ ظُلْمًا فَعَلَى خَصْمِهِ حُجَّةٌ، أي والقول قول المحبوس بيمينه، فَإِنْ كَانَ، أي خصمه، غائِبًا كَتَبَ إِلَيْهِ لِيَحْضُرَ، لفصل الخصومة بينهما، ثُمَّ فِي الأَوْصِيَاءِ، أي إذا فرغ من النظر في المحبوسين نظر في الأوصياء ومالِ الأطفال؛ لأن الوَصِيَّ يتصرُّفُ في حَقَّ من لا يُمْكِنُهُ المرافعةُ والمطالبةُ كالأطفال وأصحاب الجهات العامة، فَمَنِ ادَّعَى وِصَايَةً سَألَ عَنْهَا، أي فإن أقام بيّنة بثبوتها أقرّه، وَعَن حَالِهِ وَتصَرُّفِهِ، فَمَنْ وَجَدَهُ فَاسِقًا أخَذَ الْمَالَ مِنهُ أَوْ ضَعِيْفًا، أي لكثرة الأموال أو لسبب آخر، عَضَّدَهُ بِمُعِيْنٍ.
تَنْبيْهٌ: ثم بعد الأوصياء يُنْظَرُ في أُمناء القاضي ثم في أَمْرِ الأَوْقَافِ وَالْمُتَوَلَّيْنَ لَهَا، وفي اللُّقَطةِ وَالضُّوَالَّ ويرتب الحكم عليها وَيُقَدَّمُ من ذلك الأَهَمَّ فَالأَهَمَّ.
стр. 1781
فَصْلٌ: وَيَتَّخِذُ مُزَكَّيًا، لشدة الحاجة إليه؛ فإنه يعرف حال من تُجْهَلُ عَدَالَتُهُ من الشهود؛ لأنه لا يمكنه البحث بنفسه، وصفته يأتي بيانها في آخر الباب، وَكَاتِبًا، للاتباع (٥٠٦).
وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسْلِمًا عَدْلًا، لِيُؤْمَنَ مِنْ خِيَانَتِهِ، عَارِفًا بِكِتَابَةِ مَحَاضِرَ وَسِجِلَّاتٍ، لِيُعْلَمَ صِحَّةُ ما يكتبه من فساده، وَيُسْتَحَبُّ فِقْهٌ، لئلا يؤتى من الجهل، وُوُفُورُ عَقْلٍ، لئلا ينخدع أو يُدَلَّسَ عليه، وَجَوْدَةُ خَطًّ، أي وأن يكون ضابطًا للحروف لِئَلَّا يقعَ الغلطُ والاشتباهُ، وأهمل فيه أمورًا أخرى ذكرتها في الأصل، وَمُتَرْجِمًا، أي ويتخذ أيضًا مترجمًا لأن القاضي قد لا يعرف لسان بعض الخصوم والشهود فلا بد ممن يطلعه عليه، وَشَرْطُهُ عَدَالَةٌ، وَحُرَّيَّةٌ، وَعَدَدٌ، لأنه ينقل إلى القاضي قولًا لا يعرفه فأشبه الشاهد والمُزَكَّي، وَالأَصَحُّ: جَوَازُ أَعْمَى، لأن الترجمة تفسير اللفظ لا يحتاج إلى معاينة وإشارة بخلاف الشَّاهِدُ، والثاني: لا، كما لا يجوز أن يكون شاهدًا، وَاشْتِرَاطُ عَدَدٍ فِي إِسْمَاعِ قَاضٍ بِهِ صَمَمٌ، كالمترجم، والثاني: لا؛ لأن المسمع لو غيَّر لأنكر عليه الخصم والحاضرون بخلاف المترجم، وهذا في إسماع كلام الخصم القاضي، فأما إسماع ما يقوله القاضي وما يقوله الخصم فلا يشترط فيه العدد؛ قاله القفال؛ لأنه اخبار محضٌ.
وَيَتَّخِذُ دِرَّةً لِلتَّأْدِيْبِ، اقتداءً بالفاروق (٥٠٧)، وَسِجْنًا لأدَاءِ حَقًّ وَلِتَعْزِيْرٍ، اقتداءً به
стр. 1782
أيضًا (٥٠٨) وفي أدب القضاء للقاضي شُرَيْحٍ وجهان في تَقْيِيْدِ الْمَحْبُوسِ إذا كان لَجُوجًا.
стр. 1783
وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ مَجْلِسِهِ فَسِيْحًا، أي واسعًا؛ كيلا يتأذى بضيقه الخصوم، بَارِزًا، أي ظاهرًا ليعرفه من يراه، مَصُونًا مِنْ أَذَى حَرًّ وَبَرْدٍ، أي وريح ودخان وغبار كيلا يتأذى به، لاَئِقًا بِالْوَقْتِ، أي فيجلس في الصيف حيث يليقُ به، وكذا في الشتاء وزمن الرياح، زاد على الْمُحَرَّر وأن يكون لائقًا بالقضاء أيضًا، لاَ مَسْجِدًا، أي فإنه يكره اتخاذه مجلسًا للحكم صونًا له عن ارتفاع الأصوات وَاللَّغَطِ، وخالف فيه الأئمة الثلاث؛ فقالوا: بعدمها، كما لا يكره الجلوس فيه للفتوى وتَعَلُّمِ القُرْآنِ والعلم؛ وهو وجه عندنا، نَعَمْ: لو اتفقت قضية أو قضايا وقت حضوره المسجد لصلاة وغيرها؛ فلا بأس بفصلها.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْضِيَ فِي حَالِ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَشَبَعٍ مُفْرِطَيْنِ، للنهي عنه (٥٠٩)، وَكُلُّ حَالٍ يَسُوءُ خُلُقُهُ فِيْهِ، أي كَالْهَمَّ الشديد ونحوه؛ لأنه لا يتوفر على الاجتهاد إذن، وَيُنْدَبُ أَنْ يُشاوِرَ الفُقَهَاءَ، للاتباع، وَأَنْ لاَ يَشْتَرِيَ وَيَبِيْعَ بِنَفْسِهِ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ وَكِيْلٌ مَعْرُوفٌ، لِئَلَّا يُحَابِي، والأجارة وسائر المعاملات كالبيع والشراء؛ بل نصَّ في الأُمَّ: أنه لا ينظر في نفقة عياله؛ ولا أمر ضيعته؛ بل يَكِلُهُ إلى غيره تفريغًا لقلبه، فَإِنْ أَهْدَى إِلَيْهِ مَن لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلاَيَتِهِ، أي ولا خصومة له، حَرُمَ قُبُولُهَا، لأنه يدعو إلى الميل إليه وينكسر به قلب خصمه في الصورة الأُولى ولأن الثانية سببها العمل ظاهرًا، فلو قبلها لم يملكها.
فَرْعٌ: هدية من لا خصومة له في غير محل ولايته كهدية من عهد منه الهدية قبل الولاية لقرابة أو صداقةٍ؛ ولا يحرَّم قبولها على الصحيح؛ لأنها ليست حادثة بسبب العمل.
стр. 1784
وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلاَ خُصُومَةَ جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ، لخروج ذلك عن سبب الولاية، وَالأوْلَى أَنْ يُثِيْبَ عَلَيْهَا، أو يضعها في بيت المال وإن زاد المهدي على القدر المعهود صارت هَدِيَّتُهُ كَهَدِيَّةِ من لم تعهد منه الهدية، ثم لا يخفى أن الأَوْلى سد باب القبول حسمًا لمادة التهمة.
فَرْعٌ: نزوله على أهل عمله ضيفًا؛ كقبول هديتهم؛ قاله الماوردي.
فَرْعٌ غَرِيبٌ: هل للقاضي تخصيصُ بعض الرَّعَايَا بإهداء هديَّةٍ إليه؟ فيه وجهان حكاهُما القاضي شُرَيْحٌ في أَدَبِ الْقَضَاءِ.
فَصْلٌ: وَلاَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيْقِهِ وَشَرِيْكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ، للتهمة، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، كذلك أيضًا، والثاني: لا؛ لأن القاضي أَسِيْرُ الْبَيِّنَةِ.
فَرْعٌ: يجوز أن يحكم عليهم لانتفائها.
وَيَحْكُمُ لَهُ، يعني القاضي، وَلِهَؤُلاَءِ الإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، دفعًا للتهمة، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه حاكم، وإن كان نائبًا فأشبه سائر الحكام، والثاني: لاَ كَهُوَ، وِإذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيهِ أَوِ نَكَلَ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِي أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِيْنِهِ أَوِ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالإِشْهَادَ بِهِ لَزِمَهُ، لأنه قد ينكر من بعد فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه، إن قلنا لا يقضي بعلمه، وإن قلنا إنه يقضي؛ فربما ينسى أو يُعْزَلَ فلا يُقْبَلُ قولهُ، أَوْ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ أَوْ سِجِلًا بِمَا حَكَمَ اسْتُحِبَّ إِجَابَتُهُ، لأن الحقَّ ثبت بالشهود لا بالكتاب، وَقِيْلَ: تَجِبُ، توثيقًا لحقِّه كالاشهاد، ويُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَهُ، وَالأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيْوَانِ الْحُكْمِ، أي وتختم ويكتب على رأسها اسم الخصمين ويضعها في خريطة ونحوها.
فَصْلٌ: وَإذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ بَان خِلاَفَ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ، أي إمَّا متواترة أو خبر آحاد، أَوِ الإِجْمَاعَ أوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، لأن الاجتهاد
стр. 1785
إنما يسوغ إذا لم يخالف ذلك، فإذا خالفه كان مردودًا، لاَ خَفِيٍّ، أى إذا ظهر له قياس خفي رجح عنده على ما حكم به ورأى أنه الصواب؛ فليحكم بما حَدَثَ بعد ذلك من أخوات الحادثة بما رآه ثانيًا، ولا يَنْقُضُ ما حكم به أولًا بل يُمْضِيْهِ؛ لأن الظنون المتعادلة لو نُقِضَ بعضُها ببعض لما استمر حُكْمٌ؛ ويشق الأمر على الناس. وقد بَيَّنْتُ القياس الجلي والخفي في الأصل فراجعه منه.
وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا، لأنَّا مأمورون باتباع الظاهر والله يتولى السرائر (٥١٠)؛ فإذا حكم بشهادة الشهود بظاهر التعديل وهم كذبة لا يفيد حكمه الحل باطنًا سواء كان الحكم بمال أو نكاح أو غيرهما، وقد وافق الخصم على الأَمْلاَكِ الْمُطْلَقَةِ، نَعَمْ؛ الانشاءات كالتفريق بين المُتَلاَعِنِيْنَ ونحوه إذ ترتبت على أصلٍ صادقٍ، فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين نفذ ظاهرًا وباطنًا، وإن كان مختلفًا فيه نفذ ظاهرًا وكذا على الأصح عند جماعة منهم البغوي، وَلاَ يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِالإِجْمَاعِ، قُلْتُ: ففيه وجه حكاه الماوردي، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ، لأنه إذا حكم بما يفيد الظن وهو شاهدان أو شاهدٌ ويمين فبالعلم أولى، قال الماوردي ويشترط لنفوذه أن يقول قد علمت أن له عليك ما ادعاه وقد حكمت عليك بعلمي فإن أغفل شيئًا من ذلك لم ينفذ، والثاني: لا للتهمة، والأول أجاب عن معنى التهمة: بأن القاضي لو قال: ثَبَتَ عندي وصَحَّ لَدَيَّ كذا لزم قبوله ولم يبحث عما صح وثبت به؛ والتهمة قائمة.
فَرْعٌ: قال الإمام: اللَّوْثُ إِذَا عَايَنَهُ الْقَاضِي لهُ اعتمادهُ قطعًا.
стр. 1786
إِلاَّ فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى، لأنها تُدْرَأُ بالشبهات ويندب سترها ويجوز في المال قطعًا، وكذا في القصاص وحد القذف على الأظهر.
تَنْبِيهَاتٌ: أَحَدُهَا: أشار الإمام إلى أنه لا يقضي بعلمه في الإعْسَارِ. ثَانِيْهَا: طَرَدَ بعضُهم الخلاف في كل شيء حتى في الجرح والتعديل، وهي طريقة في الحاوي وغيره، وظاهر كلام المصنف يشملها، والذي قاله العراقيون أنه يقضي بعلمه في الجرح والتعديل قطعًا. ثَالِثُهَا: عن الاصطخري أنه يتعين القضاء بالعلم في مواضع منها: أَنْ يُقِرَّ عنده بالطلاق الثلاث ثم يَدَّعِي زوجتها أو يدعي أن فلانًا قتل أباه وهو يعلم أنه قتله غيره. رَابِعُهَا: لا يقضي بعلمه فيما إذا قامت بينة على خلافه، جزم به الشاشي في الحلية للتهمة، ولا يقضي بالبينة والحال هذه أيضًا لعلمه بكذبها. خَامِسُهَا: المراد بالعلم الظن المؤكد لا اليقين؛ خلافًا للغزالي والإمام.
فَصْلٌ: وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيْهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّكَ حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، لإمكان التزوير ومشابهة الخط رجوعًا إلى اليقين، وَفِيْهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا، لتعذر التحريف، والأصح الأول لاحتماله، وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطٍّ مُوَرِّثِهِ إِذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ، أي بخلاف خطه كما سيأتي في الدعاوى، وَالصَّحِيْحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيْثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ، لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية على التوسعة، والثاني: المنع إلى أن يتذكر كما في الشهادة، ولا يكفيه رؤية السماع بخطه أو خط ثقة.
فَصْلٌ: لِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، أي وجوبًا، فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ، أي وإن اختلفا حرية ورقًا وشرفًا وغيره؛ فلا يدخل أحدهما قبل الآخر، وَقِيَامٍ لَهُمَا، أي بأن يقوم لهما أو يترك، وَاسْتِمَاعٍ، وَطَلاَقَةِ وَجْهٍ، وَجَوَابٍ، وَسَلاَمٍ، وَمَجْلِسٍ، أي وسائر أنواع الإكرام، ولا يخص أحدهما بشيء من ذلك لأنه ينكسر به قلب الآخر ويمنعه من إقامة حجته، وَالأَصَحُّ رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيْهِ، يعني في المجلس إكرامًا له
стр. 1787
وفيه قِصَّةٌ في البيهقي حَسَنَةٌ لكن في إسنادها ضعف (٥١١). والثاني: يُسَوِّي بينهما لما سلف؛ ولأنه يسوي بينهما في الإقبال عليهما والاستماع منهما فكذا في المجلس، قال الرافعي: ويمكِنُ أن يكون الوجهان في رفع المجلس جاريين في سائر وجوه الإكرام وقد صرَّحَ بذلك الفورانيُّ قبلَهُ، وَإِذَا جَلَسَا، بين يديه، فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ، لأنهما حضرا للكلام وله، وَأَنْ يَقُولَ: لِيَتَكَلَّمَ الْمُدَّعِي، لأنه ربما هَابَاهُ، فَإِذَا ادَّعَى، أي دعوى صحيحة، طَالَبَ خَصْمَهُ بِالْجَوَابِ، لأن به تنفصل الخصومة، فَإنْ أَقَرَّ فَذَاكَ، وَإنْ أَنْكَرَ فَلَهُ أَن يَقُولَ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ لأجل فصل الخصومة، وَأَنْ يَسْكُتَ، تحرزًا من اعتقاد ميل إلى المدِّعي، فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيْدُ تَحْلِيْفَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، لأنه إن تورع عن اليمين وأَقَرَّ سهل الأمر على المدعي واستغني عن إقامة الْبَيِّنَةِ، وإن حلف! أقام البَيِّنَةَ وَبَانَ كذبه وخيانته فله إذًا في التحليف غرض ظاهر وإن قال: أَوْ لاَ بَيِّنَةَ لِي، أي حاضرة ولا غائبة أو قال: كُلُّ بَيِّنَةٍ أقيمُها فهي باطلةٌ أو كاذبةٌ أو بَيِّنَةُ زُورٍ، ثُمَّ أَحْضَرَهَا قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ، لأنه ربما لم يعرف أو نسي ثم عرف وتذكر، والثاني: لا، للمناقضة؛ إلّا أن يذكر لكلامه تأويلًا كَكُنْتُ ناسِيًا أو جاهِلًا، ونسبه الماوردي والروياني إلى الأكثرين.
فَرْعٌ: لو قال: لاَ بَيَّنَةَ لِي! واقتصر عليه؛ فقال البغوي: هو كقوله: لا بينة لي حاضرة، وقيل: كقوله لا حاضرة ولا غائبة؛ فيكون فيه الوجهان، وهو ما أورده الغزالي؛ وهو ظاهر إيرادُ المصنِّفِ حيث قال ولا بينة لي لكني قيدته بما سلف تبعًا للرافعي في شرحه؛ فإنه ذكره كذلك؛ وصحَّحَ القبول ولم يصحح في هذه شيئًا.
فَصْلٌ: وَإذَا ازْدَحَمَ خُصُومٌ قُدِّمَ الأَسْبَقُ، لأنهُ الْعَدْلُ، والاعتبار بسبق المدعي دون المدّعي عليه؛ فَإِنْ جُهِلَ، أي السابق، أَوْ جَاؤُواْ مَعًا أُقْرِعَ، لتعيين ذلك طريقًا كالسفر ببعض نسائه، ولو آثر بعضهم بعضًا جاز، ثم هذا إذا أمكن الإقراع فلو
стр. 1788
كثروا كتب أسماءهم وجعلها بين يديه ثم يمد يده ويأخذ رقعة فيقدم صاحبها؛ قاله ابن الصباغ وغيره، وفسَّرَ الروياني الإقراع بهذا. وَيُقَدَّمُ مُسَافِرُونَ مُسْتَوْفِزُونَ، وَنِسْوَةٌ، وَإِنْ تَأَخَّرُواْ، أما في الأُولى: فلدفع الضرر عنهم، وأما في الثانية: فَلأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ، مَا لَمْ يَكْثُرُواْ، دفعًا للضرر عن المقيمين في الأُولى، وعن الرجال في الثانية فَيَتَعَيَّنُ (•) السَّبْقُ والقُرْعَةُ.
فَرْعٌ: المسافرون بعضهم مع بعض كالمقيمين فَيُعْتَبَرُ السَّبْقُ وَالْقُرْعَةُ، وكذا النسوة وما أسلفناه في النساء مع الرجال والمسافر مع المقيمين.
فَرْعٌ: ينبغي أن لا يفرق بين أن يكون المسافر مُدعيًا أو مُدَّعَى عليه؛ قاله الرافعي.
فَرْعٌ: تقديم المسافر والمرأة ليس بمستحق على الصحيح؛ بل هو رخصة يجوز الأخذ به، قال في الروضة: والمختار أنه يستحب لا يقتصر فيه على الإباحة.
وَلاَ يُقَدَّمُ سَابِقٌ وَقَارِعٌ إِلَّا بِدَعْوَى، واحدة دفعًا للضرر عن الباقين؛ لئلا يستوعبُ المجلس بدعاويه، ثم يقال له: إن شئتَ فاجلس ليفرغ الجميع ثم يسمع خصومته الثانية إن بقي وقت ولم يَضْجَرْ، وسواء كانت الثانية على المُدَّعَى عليه أوَّلًا أو على غيره على الأصح.
فَرْعٌ: المقدم بالسفر لم يذكر المصنف حكم تقديمه هل يقدم بدعوى واحدة أم بأكثر؟ وفيه احتمالات للرافعي، والأرجح في الروضة: أن دعاويه إن كانت قليلة أو خفيفة لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا قُدِّم بجميعها، وإلاّ قُدَّم بواحدة لأنها مأذون فيها وقد يقنع بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر ولتطرد هذه الاحتمالات في التقديم بالأنوثة.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ شُهُودٍ مُعَيَّنِيْنَ، لاَ يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ، للتضييق على الناس، وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ فَعَرَفَ عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا عَمِلَ بِعِلْمِهِ، أي ولا حاجة إلى تعديل في
стр. 1789
الأُولى وإن طلبه الخصم، وبحث في الثانية؛ لأنه يراد لمعرفة العدالة والفسق وهو حاصل، وَإِلَّا, أي وإن لم يعرف عدالة أو فسقًا، وَجَبَ الِاسْتِزْكَاءُ، أي والتعديل سواء طعن الخصم في الشهود أو سكت؛ لأنه حكم بشهادة، فيشترط فيه البحث عن شرطها كما إذا طعن الخصم؛ ثم بَيَّنَ كَيْفِيَّةِ الاستزكاء فقال: بِأَنْ يَكْتُبَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّاهِدُ، أي من اسم وكنية إن اشتهر بها، وولاء إن كان عليه ولاء، واسم أبيه وجدِّهِ وحِلْيَتِهِ وحِرْفَتِهِ وسُوقِهِ ومسجدِهِ لئلا يشتبه بغيره، وإن كان مشهورًا وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف كتبه، وَالْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ، أي وبأن يكتب أيضًا اسم المشهود له والمشهود عليه، فقد يكون بينهما ما يمنع شهادته له أو عليه من قرابة أو عداوة، وَكَذَا قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه قد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير، والثاني: لا يكتبهُ؛ لأن العدالة لا تَتَجَزَّأُ والأولُ يمنعُ هذا، وَيَبْعَثَ بِهِ مُزَكِّيًا، ليعرف حاله، ثُمَّ يُشَافِهُهُ الْمُزَكِّي بِمَا عِنْدَهُ، أي فإن كان جرحًا لم يظهره، وقال للمدعي: زِدْنِي في الشهود، وإن كان تعديلًا عَمِلَ بمقتضاه، وَقِيْلَ: تَكْفِي كِتَابَتُهُ، كما عليه العمل، والأصح: أنه لا بد من المشافهة؛ لأن الخطَّ لا يعتمدُ كما سبق.
وَشَرْطُهُ، أي الْمُزَكِّي، كَشَاهِدٍ مَعَ مَعْرِفَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعدِيْلِ، لئلا يجرح العدل ويزكي الفاسق، وَخِبْرَةُ بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، لأن الإنسان يخفي أسباب الفسق غالبًا فلا بد من معرفة باطن حاله، وهذه الأمور تظهر أحوال الشخص ولا يشترط التقادم في المعرفة على الأشبه، وإن كان ظاهر لفظ الشافعي يقتضي اعتباره، وقوله (خِبْرَةُ) هو برفع الهاء وجرها، وَالأصَحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظِ شَهَادَتِهِ، أى فيقول: أشهد أنه عدل، والثاني: لا، وَأَنَّهُ يَكْفِي: هُوَ عَدْلٌ، لأنه اثبت العدالة التي اقتضاها ظاهر اطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥١٢) وهذا ما نَصَّ عليه في حَرْمَلِة، وَقِيْلَ: يَزِيْدُ عَلَيَّ وَلِيٌّ، لجواز أن يكون عدلًا في شيء
стр. 1790
دون شيء، وهذا ما نصَّ عليه في الأُمِّ والمختصَرِ، وحكاهُ في الشامل والبيان عن أكثرهم، والأَوَّلُونَ أَوَّلُواْ هذا النصَّ وجعلوه تأكيدًا لا شرطًا، وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ، أي بخلاف التعديل لأن أسبابه مختلف فيها، وَيَعْتَمِدُ فِيْهِ، يعني في الجرح، المُعَايَنَةَ أَوِ الِاسْتِفَاضَةَ، أي بأن رآه يزني أو يشرب الخمر؛ والسماعُ كما ذكره في الْمُحَرَّرِ: بأن يسمعه يَقْذِفُ أو يُقِرُّ على نفسه بالزنا؛ أو الاستفاضة أي وكذا خبر التواتر لحصول العلم، ولا يجوز الجرح بناء على خبر عدد يسير، لكن يشهد على شهادتهم بشرط الشهادة على الشهادة، وَيُقَدَّمُ، أي بينة الجرح، عَلَى التَّعْدِيْلِ، لأن معه زيادة علم، فَإِنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ: عَرَفْتُ سَبَبَ الْجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَأصْلَحَ قُدِّمَ، لما ذكرناه، ويقدم أيضًا فيما إذا شهد بجرحه ببلد ثم انتقل إلى غيره فعدله آخران فيها وهو ظاهر إذا كان بين انتقاله من الأول إلى الثاني مدة الاستبراء وإلاّ لم يقدم، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَكفِي فِي التَّعْدِيْل قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ عَدْلٌ، وَقَدْ غَلِطَ، فيما شهد به بل لا بد من البحث والتعديل لحق الله تعالى ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق، والثاني: يحكم بشهادتهما بلا بحث؛ لأن البحث لِحَقِّهِ وقد اعترف بعدالتهما.
بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ
هُوَ جَائِزٌ، للحاجة إليه، إِنْ كَانَ، عَلَيْهِ، بَيِّنَةٌ، وإلا فلا فائدة لهذه الدَّعْوَى، وَادَّعَى الْمُدَّعِي جُحُودَهُ، فَإنْ قَالَ: هُوَ مُقِرٌّ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، لأنها لا تقام على مُقِرٍّ، وِإِنْ أَطْلَقَ، أي ولم يتعرض لجحوده ولا لإقراره، فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا تُسْمَعُ، لأنه قد لا يعلم جحوده في غيبته ويحتاج إلى الإثبات فجعلت الغيبة كالسكوت، والثاني: لا تسمع إلا عند تعرض الْبَيِّنَةِ للجحود؛ لأن البَيِّنَةَ إنما يحتاج إليها عنده، وَأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْقَاضِي نَصْبُ مُسَخَّرٍ، أي بفتح الخاء المشددة، يُنْكِرُ عَنْ الْغَائِبِ؛ لأن الغائب قد يكون مُقِرًّا فيكون إنكار المسخر كذبًا، والثاني: يلزمه لتكون البيّنة على إنكار منكر، وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ أَن الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذمَّتِهِ، احتياطًا للمحكوم