إِلاَّ فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى، لأنها تُدْرَأُ بالشبهات ويندب سترها ويجوز في المال قطعًا، وكذا في القصاص وحد القذف على الأظهر.
تَنْبِيهَاتٌ: أَحَدُهَا: أشار الإمام إلى أنه لا يقضي بعلمه في الإعْسَارِ. ثَانِيْهَا: طَرَدَ بعضُهم الخلاف في كل شيء حتى في الجرح والتعديل، وهي طريقة في الحاوي وغيره، وظاهر كلام المصنف يشملها، والذي قاله العراقيون أنه يقضي بعلمه في الجرح والتعديل قطعًا. ثَالِثُهَا: عن الاصطخري أنه يتعين القضاء بالعلم في مواضع منها: أَنْ يُقِرَّ عنده بالطلاق الثلاث ثم يَدَّعِي زوجتها أو يدعي أن فلانًا قتل أباه وهو يعلم أنه قتله غيره. رَابِعُهَا: لا يقضي بعلمه فيما إذا قامت بينة على خلافه، جزم به الشاشي في الحلية للتهمة، ولا يقضي بالبينة والحال هذه أيضًا لعلمه بكذبها. خَامِسُهَا: المراد بالعلم الظن المؤكد لا اليقين؛ خلافًا للغزالي والإمام.
فَصْلٌ: وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيْهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّكَ حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، لإمكان التزوير ومشابهة الخط رجوعًا إلى اليقين، وَفِيْهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا، لتعذر التحريف، والأصح الأول لاحتماله، وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطٍّ مُوَرِّثِهِ إِذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ، أي بخلاف خطه كما سيأتي في الدعاوى، وَالصَّحِيْحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيْثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ، لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية على التوسعة، والثاني: المنع إلى أن يتذكر كما في الشهادة، ولا يكفيه رؤية السماع بخطه أو خط ثقة.
فَصْلٌ: لِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، أي وجوبًا، فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ، أي وإن اختلفا حرية ورقًا وشرفًا وغيره؛ فلا يدخل أحدهما قبل الآخر، وَقِيَامٍ لَهُمَا، أي بأن يقوم لهما أو يترك، وَاسْتِمَاعٍ، وَطَلاَقَةِ وَجْهٍ، وَجَوَابٍ، وَسَلاَمٍ، وَمَجْلِسٍ، أي وسائر أنواع الإكرام، ولا يخص أحدهما بشيء من ذلك لأنه ينكسر به قلب الآخر ويمنعه من إقامة حجته، وَالأَصَحُّ رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيْهِ، يعني في المجلس إكرامًا له
стр. 1787
وفيه قِصَّةٌ في البيهقي حَسَنَةٌ لكن في إسنادها ضعف (٥١١). والثاني: يُسَوِّي بينهما لما سلف؛ ولأنه يسوي بينهما في الإقبال عليهما والاستماع منهما فكذا في المجلس، قال الرافعي: ويمكِنُ أن يكون الوجهان في رفع المجلس جاريين في سائر وجوه الإكرام وقد صرَّحَ بذلك الفورانيُّ قبلَهُ، وَإِذَا جَلَسَا، بين يديه، فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ، لأنهما حضرا للكلام وله، وَأَنْ يَقُولَ: لِيَتَكَلَّمَ الْمُدَّعِي، لأنه ربما هَابَاهُ، فَإِذَا ادَّعَى، أي دعوى صحيحة، طَالَبَ خَصْمَهُ بِالْجَوَابِ، لأن به تنفصل الخصومة، فَإنْ أَقَرَّ فَذَاكَ، وَإنْ أَنْكَرَ فَلَهُ أَن يَقُولَ لِلْمُدَّعِي: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ لأجل فصل الخصومة، وَأَنْ يَسْكُتَ، تحرزًا من اعتقاد ميل إلى المدِّعي، فَإِنْ قَالَ: لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيْدُ تَحْلِيْفَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، لأنه إن تورع عن اليمين وأَقَرَّ سهل الأمر على المدعي واستغني عن إقامة الْبَيِّنَةِ، وإن حلف! أقام البَيِّنَةَ وَبَانَ كذبه وخيانته فله إذًا في التحليف غرض ظاهر وإن قال: أَوْ لاَ بَيِّنَةَ لِي، أي حاضرة ولا غائبة أو قال: كُلُّ بَيِّنَةٍ أقيمُها فهي باطلةٌ أو كاذبةٌ أو بَيِّنَةُ زُورٍ، ثُمَّ أَحْضَرَهَا قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ، لأنه ربما لم يعرف أو نسي ثم عرف وتذكر، والثاني: لا، للمناقضة؛ إلّا أن يذكر لكلامه تأويلًا كَكُنْتُ ناسِيًا أو جاهِلًا، ونسبه الماوردي والروياني إلى الأكثرين.
فَرْعٌ: لو قال: لاَ بَيَّنَةَ لِي! واقتصر عليه؛ فقال البغوي: هو كقوله: لا بينة لي حاضرة، وقيل: كقوله لا حاضرة ولا غائبة؛ فيكون فيه الوجهان، وهو ما أورده الغزالي؛ وهو ظاهر إيرادُ المصنِّفِ حيث قال ولا بينة لي لكني قيدته بما سلف تبعًا للرافعي في شرحه؛ فإنه ذكره كذلك؛ وصحَّحَ القبول ولم يصحح في هذه شيئًا.
فَصْلٌ: وَإذَا ازْدَحَمَ خُصُومٌ قُدِّمَ الأَسْبَقُ، لأنهُ الْعَدْلُ، والاعتبار بسبق المدعي دون المدّعي عليه؛ فَإِنْ جُهِلَ، أي السابق، أَوْ جَاؤُواْ مَعًا أُقْرِعَ، لتعيين ذلك طريقًا كالسفر ببعض نسائه، ولو آثر بعضهم بعضًا جاز، ثم هذا إذا أمكن الإقراع فلو
стр. 1788
كثروا كتب أسماءهم وجعلها بين يديه ثم يمد يده ويأخذ رقعة فيقدم صاحبها؛ قاله ابن الصباغ وغيره، وفسَّرَ الروياني الإقراع بهذا. وَيُقَدَّمُ مُسَافِرُونَ مُسْتَوْفِزُونَ، وَنِسْوَةٌ، وَإِنْ تَأَخَّرُواْ، أما في الأُولى: فلدفع الضرر عنهم، وأما في الثانية: فَلأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ، مَا لَمْ يَكْثُرُواْ، دفعًا للضرر عن المقيمين في الأُولى، وعن الرجال في الثانية فَيَتَعَيَّنُ (•) السَّبْقُ والقُرْعَةُ.
فَرْعٌ: المسافرون بعضهم مع بعض كالمقيمين فَيُعْتَبَرُ السَّبْقُ وَالْقُرْعَةُ، وكذا النسوة وما أسلفناه في النساء مع الرجال والمسافر مع المقيمين.
فَرْعٌ: ينبغي أن لا يفرق بين أن يكون المسافر مُدعيًا أو مُدَّعَى عليه؛ قاله الرافعي.
فَرْعٌ: تقديم المسافر والمرأة ليس بمستحق على الصحيح؛ بل هو رخصة يجوز الأخذ به، قال في الروضة: والمختار أنه يستحب لا يقتصر فيه على الإباحة.
وَلاَ يُقَدَّمُ سَابِقٌ وَقَارِعٌ إِلَّا بِدَعْوَى، واحدة دفعًا للضرر عن الباقين؛ لئلا يستوعبُ المجلس بدعاويه، ثم يقال له: إن شئتَ فاجلس ليفرغ الجميع ثم يسمع خصومته الثانية إن بقي وقت ولم يَضْجَرْ، وسواء كانت الثانية على المُدَّعَى عليه أوَّلًا أو على غيره على الأصح.
فَرْعٌ: المقدم بالسفر لم يذكر المصنف حكم تقديمه هل يقدم بدعوى واحدة أم بأكثر؟ وفيه احتمالات للرافعي، والأرجح في الروضة: أن دعاويه إن كانت قليلة أو خفيفة لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا قُدِّم بجميعها، وإلاّ قُدَّم بواحدة لأنها مأذون فيها وقد يقنع بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر ولتطرد هذه الاحتمالات في التقديم بالأنوثة.
فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ شُهُودٍ مُعَيَّنِيْنَ، لاَ يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ، للتضييق على الناس، وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ فَعَرَفَ عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا عَمِلَ بِعِلْمِهِ، أي ولا حاجة إلى تعديل في
стр. 1789
الأُولى وإن طلبه الخصم، وبحث في الثانية؛ لأنه يراد لمعرفة العدالة والفسق وهو حاصل، وَإِلَّا, أي وإن لم يعرف عدالة أو فسقًا، وَجَبَ الِاسْتِزْكَاءُ، أي والتعديل سواء طعن الخصم في الشهود أو سكت؛ لأنه حكم بشهادة، فيشترط فيه البحث عن شرطها كما إذا طعن الخصم؛ ثم بَيَّنَ كَيْفِيَّةِ الاستزكاء فقال: بِأَنْ يَكْتُبَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّاهِدُ، أي من اسم وكنية إن اشتهر بها، وولاء إن كان عليه ولاء، واسم أبيه وجدِّهِ وحِلْيَتِهِ وحِرْفَتِهِ وسُوقِهِ ومسجدِهِ لئلا يشتبه بغيره، وإن كان مشهورًا وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف كتبه، وَالْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ، أي وبأن يكتب أيضًا اسم المشهود له والمشهود عليه، فقد يكون بينهما ما يمنع شهادته له أو عليه من قرابة أو عداوة، وَكَذَا قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه قد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير، والثاني: لا يكتبهُ؛ لأن العدالة لا تَتَجَزَّأُ والأولُ يمنعُ هذا، وَيَبْعَثَ بِهِ مُزَكِّيًا، ليعرف حاله، ثُمَّ يُشَافِهُهُ الْمُزَكِّي بِمَا عِنْدَهُ، أي فإن كان جرحًا لم يظهره، وقال للمدعي: زِدْنِي في الشهود، وإن كان تعديلًا عَمِلَ بمقتضاه، وَقِيْلَ: تَكْفِي كِتَابَتُهُ، كما عليه العمل، والأصح: أنه لا بد من المشافهة؛ لأن الخطَّ لا يعتمدُ كما سبق.
وَشَرْطُهُ، أي الْمُزَكِّي، كَشَاهِدٍ مَعَ مَعْرِفَةِ الْجَرْحِ وَالتَّعدِيْلِ، لئلا يجرح العدل ويزكي الفاسق، وَخِبْرَةُ بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، لأن الإنسان يخفي أسباب الفسق غالبًا فلا بد من معرفة باطن حاله، وهذه الأمور تظهر أحوال الشخص ولا يشترط التقادم في المعرفة على الأشبه، وإن كان ظاهر لفظ الشافعي يقتضي اعتباره، وقوله (خِبْرَةُ) هو برفع الهاء وجرها، وَالأصَحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظِ شَهَادَتِهِ، أى فيقول: أشهد أنه عدل، والثاني: لا، وَأَنَّهُ يَكْفِي: هُوَ عَدْلٌ، لأنه اثبت العدالة التي اقتضاها ظاهر اطلاق قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥١٢) وهذا ما نَصَّ عليه في حَرْمَلِة، وَقِيْلَ: يَزِيْدُ عَلَيَّ وَلِيٌّ، لجواز أن يكون عدلًا في شيء
стр. 1790
دون شيء، وهذا ما نصَّ عليه في الأُمِّ والمختصَرِ، وحكاهُ في الشامل والبيان عن أكثرهم، والأَوَّلُونَ أَوَّلُواْ هذا النصَّ وجعلوه تأكيدًا لا شرطًا، وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ، أي بخلاف التعديل لأن أسبابه مختلف فيها، وَيَعْتَمِدُ فِيْهِ، يعني في الجرح، المُعَايَنَةَ أَوِ الِاسْتِفَاضَةَ، أي بأن رآه يزني أو يشرب الخمر؛ والسماعُ كما ذكره في الْمُحَرَّرِ: بأن يسمعه يَقْذِفُ أو يُقِرُّ على نفسه بالزنا؛ أو الاستفاضة أي وكذا خبر التواتر لحصول العلم، ولا يجوز الجرح بناء على خبر عدد يسير، لكن يشهد على شهادتهم بشرط الشهادة على الشهادة، وَيُقَدَّمُ، أي بينة الجرح، عَلَى التَّعْدِيْلِ، لأن معه زيادة علم، فَإِنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ: عَرَفْتُ سَبَبَ الْجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَأصْلَحَ قُدِّمَ، لما ذكرناه، ويقدم أيضًا فيما إذا شهد بجرحه ببلد ثم انتقل إلى غيره فعدله آخران فيها وهو ظاهر إذا كان بين انتقاله من الأول إلى الثاني مدة الاستبراء وإلاّ لم يقدم، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَكفِي فِي التَّعْدِيْل قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: هُوَ عَدْلٌ، وَقَدْ غَلِطَ، فيما شهد به بل لا بد من البحث والتعديل لحق الله تعالى ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق، والثاني: يحكم بشهادتهما بلا بحث؛ لأن البحث لِحَقِّهِ وقد اعترف بعدالتهما.
بَابُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ
هُوَ جَائِزٌ، للحاجة إليه، إِنْ كَانَ، عَلَيْهِ، بَيِّنَةٌ، وإلا فلا فائدة لهذه الدَّعْوَى، وَادَّعَى الْمُدَّعِي جُحُودَهُ، فَإنْ قَالَ: هُوَ مُقِرٌّ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، لأنها لا تقام على مُقِرٍّ، وِإِنْ أَطْلَقَ، أي ولم يتعرض لجحوده ولا لإقراره، فَالأَصَحُّ: أَنَّهَا تُسْمَعُ، لأنه قد لا يعلم جحوده في غيبته ويحتاج إلى الإثبات فجعلت الغيبة كالسكوت، والثاني: لا تسمع إلا عند تعرض الْبَيِّنَةِ للجحود؛ لأن البَيِّنَةَ إنما يحتاج إليها عنده، وَأَنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْقَاضِي نَصْبُ مُسَخَّرٍ، أي بفتح الخاء المشددة، يُنْكِرُ عَنْ الْغَائِبِ؛ لأن الغائب قد يكون مُقِرًّا فيكون إنكار المسخر كذبًا، والثاني: يلزمه لتكون البيّنة على إنكار منكر، وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ أَن الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذمَّتِهِ، احتياطًا للمحكوم
стр. 1791
عليه، لأنه لو حضر لربما ادّعى ما يبرئه، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، لأن باب التدارك إن كان هناك دافع غير مُنْحَسِمٍ، وَيَجْرِيَانِ فِي دَعْوَى عَلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، أي وكذا ميّت، والوجوب فيهم أولى لعجزهم عن التدارك، وَلَوْ ادَّعَى وَكِيْلٌ عَلَى غَائِبٍ فَلاَ تَحْلِيْفَ، أي بل يعطى المال إن كان المدّعى عليه هناك مال؛ لأن الوكيل ليس له أن يحلف لفعل غيره.
وَلَوْ حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهَ وَقَالَ لِوَكِيْلِ الْمُدَّعِي: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ! أُمِرَ بِالتَّسْلِيْمِ إِلَى الْوَكِيْلِ، لأنّا لو وقفنا الأمر إلى أن يحضر الموكل لانْجَرَّ الأمرُ إلى أن يتعذر استيفاء الحقوق بالوكالة، وله أن يثبت الإبراء بعد أن كانت له حجة.
وَإذَا ثَبَتَ مَالٌ عَلَى غَائِبٍ؛ وَلَهُ مَالٌ! قَضَاهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ، لأنه حقٌّ وجبَ عليه وتعذر وفاؤه من جهة من عليه فقام الحاكم مقامه، كما لو كان حاضرًا فامتنع، وَإِلاَّ، أي وإن لم يكن له مال حاضر، فَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي إِنْهَاءَ الْحَالِ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ؟ أَجَابَهُ؛ فَيُنْهِي سَمَاعَ بَيِّنَةٍ لِيَحْكُمَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَوْفِي الْمَالَ، أَوْ حُكْمًا لِيَسْتَوْفِي، وَالإِنْهَاءُ أَنْ يُشهِدَ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ، مسارعة إلى قضاء الحقوق، ويُسْتَحَبُّ كِتَابٌ بِهِ، أي ولا يجب؛ لأن الاعتماد على الشهادة، وفائدة الكتاب تذكُّرُ الشهود وإلزام المكتوب إليه، يَذْكُرُ فِيْهِ، يعني فِي الكتاب، مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ، من اسمٍ وَكُنْيَةٍ وَقَبِيْلَةٍ وَصَنْعَةٍ وَحِلْيَةٍ، وكذا المحكوم له ليسهل التمييز، وَيَخْتِمُهُ، حفظًا له وإكرامًا للمكتوب إليه، ويدفع إلى شاهدين نسخة غير مختومة ليطالعاها ويتذكرا عند الحاجة، وَيَشْهَدَانِ عَلَيْهِ إِنْ أَنْكَرَ، أي إذا وصل كتاب القاضي وحامله إلى قاضي بلد المكتوب إليهَ أُحْضِرَ الْخَصْمُ، فإن أقر بالْمُدَّعَى به؛ فذاك؛ وإلا شهد الشاهدان بحكم القاضي الكاتب، فَإِنْ قَالَ: لَسْتُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، وَعَلَى الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ بِأَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ، لأن الأصل عدم تسميته بهذا الاسم، فَإِنْ أَقَامَهَا، يعني البيّنة بأنه اسمه ونسبه، فَقَالَ: لَسْتُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْحُكْمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الاِسْمِ وَالصِّفَاتِ، لأن الظاهر
стр. 1792
أنه المحكوم عليه، وَإِنْ كَانَ، أي بأن عرفه القاضي أو قامت عليه بيّنة، أُحْضِرَ، يعني المشارك، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ طُولِبَ وَتُرِكَ الأوَّلُ، وَإِلَّا، أي وإن أنكر، بَعَثَ، يعني الحاكم، إِلَى الْكَاتِبِ لِيَطْلُبَ مِنَ الشُّهُودِ زِيَادَةَ صِفَةٍ تُمَيِّزُهُ وَيَكْتُبُهَا ثَانِيًا، أي فإن لم يجد مزيدًا وقف الأمر حتى ينكشف.
وَلَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ بِبَلَدِ الْحَاكِمِ فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ فَفِي إِمْضَائِهِ إِذَا عَادَ إِلَى وِلاَيَتهِ خِلاَفُ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ، أي فإن قلنا: نَعَمْ فَنَعَمْ، وإن قلنا: لا؛ فعن بعضهم تجويزه أيضًا، والأصح: المنع، كما لا يجوز الحكم بشهادة سمعها في غير محل ولايته.
وَلَوْ نَادَاهُ فِي طَرَفَي وِلاَيَتِهِمَا أَمْضَاهُ، لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى سَمَاعِ بَيِّنَةٍ كَتَبَ سَمِعْتُ بَيِّنَةً عَلَى فُلاَن، وَيُسَمِّيْهَا الْقَاضِي إنْ لَمْ يُعَدِّلْهَا، أي ولا حاجة هنا إلى تحليف المدعي، وَإِلَّا، أي وإن عدلها، فَالأَصَحُّ: جَوَازُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ، كما أنه إذا حكم استغنى عن تسمية الشهود، والثاني: لا، وهو قول الإمام والغزالي، قال الرافعي: والقياس الأول وهو المفهوم من إيراد البغوي وغيره؛ ثم قال: ويجوزُ أن يُقدَّرَ فيه خلافٌ، فجزمه هنا بحكاية وجهين مخالف لذلك، وَالْكِتَابُ بِالْحُكمِ يَمْضِي مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَبِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لاَ يُقبَلُ عَلَى الصَّحِيْحِ إِلَّا مِنْ مَسَافَةِ قَبُولِ شَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ، أي وهي مسافة العدوى لا القَصْرِ على الأصح كما سيأتي، والفرق بينهما أن الحكم هناك قد تَمَّ وليس بعده إلا الاستيفاء، وسماعُ الْبَيِّنَةِ بخلافه؛ فإنه إذا لم تبعد المسافة لم يعسر إحضار الشهود عند القاضي الآخر.
فَصْلٌ: ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنِ الْبَلَدِ يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهَا كَعَقَارٍ؛ وَعَبْدٍ؛ وَفَرَسٍ مَعْرُوفَاتٍ؟ سَمِعَ بَيِّنَتَهُ؛ وَحَكَمَ بِهَا؛ وَكَتَبَ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ لِيُسَلَّمَهُ لِلْمُدَّعِي، كما يسمع البيّنة ويحكم على الغائب، وقوله (مَعْرُوفَاتٍ) هو مما غَلَّبَ فيه ما لا يعقل على من يعقل، والقاعدة العكسُ فنقولُ مَعْرُوفِيْنَ كما نطق به الْمُحَرَّرُ وهو في
стр. 1793
الروضة تبعًا للشرح، وَيَعْتَمِدُ فِي الْعِقَارِ حُدُودَهُ، أي وموضعه كما صرح به في المحرر لأجل التمييز، وينبغي أن يتعرض للحدود الأربعة، ولا يجوز الاقتصار على حدين أو ثلاثة ذكره ابن القاصّ، وفي فتاوى البغوي: أنها إذا صارت معروفة بثلاثة حدود جاز الاقتصار على ذكرها ولا يجب التعريض للقيمة على الأصح لحصول التمييز دونه، أَوْ لاَ يُؤْمَنُ، أي كغير المعروف من العبيد والدَّوَابِّ وغيرهما، فَالأَظْهَرُ: سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ، كما تسمع على الشخص الغائب اعتمادًا على الْحِلْيَةِ والصِّفَةِ؛ ولأنه يحتاج إليه كالعقار، والثاني: لا، لكثرة الاشتباه.
وَيُبَالِغُ الْمُدَّعِي فِي الْوَصْفِ، أي بما يمكن من الاستقصاء، وَيَذْكُرُ الْقِيْمَةَ، وَأَنَّهُ لاَ يَحْكُمُ بِهَا، أي بما قامت الْبَيَّنَةُ عليه؛ لأن الحكم مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد، والثاني: نعم كالعقار، والحاصل ثلاثة أقوال؛ أظهرها: كما ذكره المصنف تسمع البيّنة ولا يَحْكُمُ، وثانيها: لا تسمع ولا يحكم، وثالثها: تسمع ويحكم، ثم فرع المصنف على الصحيح وهو السماع وعدم الحكم فقال: بَلْ يَكْتُبُ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ بِمَا شَهِدَتْ بهِ فَيَأْخُذُهُ وَيَبْعَثُهُ إِلَى الْكَاتِبِ لِيَشْهَدُواْ عَلَى عَيْنِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُدَّعِي بِكَفِيْلٍ بِبَدَنِهِ؛ فَإِنْ شَهِدُواْ بِعَيْنِهِ كَتَبَ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيْلِ، وَإِلَّا فَعَلَى الْمُدَّعِي مُؤْنَةُ الرَّدِّ، والقول الثاني: أن القاضي بعد الانتزاع يَبِيْعُهُ للمدعي ويقبضُ منه الثمنَ ويضعهُ عند عَدْلٍ أو يكفله بالثمن، فإن سَلَّمَ المدَّعي بشهادة الشهود على عينه عند القاضي الكاتب كتب بردِّ الثمن أو إبراء الكفيل، وبَان بطلان البيع وإلا فالبيع صحيح ويسلم الثمن إلى المدعي عليه، وهذا بيع يتولاه القاضي للمصلحة كما يبيع الضوال، أَوْ غَائِبَةً عَنِ الْمَجْلِسِ لاَ الْبَلَدِ أمَرَ بِإِحْضَارِ مَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ لِيَشْهَدُواْ بِعَيْنِهِ وَلاَ تُسْمَعُ شَهَادَةٌ بِصِفَةٍ، تشبيهًا بما إذا كان المدَّعى عليه حاضرًا في البلد، ولا تسمع الشهادة وهو غائب عن مجلس الحكم، واحترز بـ (ما يمكن إحضاره) عما لا يمكن كالعقار، فإن المدَّعي يحدَّهُ ويقيم البيِّنة عليه بتلك الحدود! إلا أن يكون مشهورًا فلا حاجة إلى تحديده، وَإِذَا وَجَبَ إِحْضَارٌ فَقَالَ: لَيْسَ بِيَدِي عَيْنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ! صُدِّقَ بِيَمِيْنِهِ، لأن الأصل عدمُ عَيْنٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ
стр. 1794
لِلْمُدَّعِي، أي بعد ذلك، دَعْوَى الْقِيْمَةِ، لاحتمال أنها هلكت، فَإِنْ نَكَلَ، أي المدعى عليه عن اليمين، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً كُلِّفَ الإِحْضَارَ وَحُبِسَ عَلَيْهِ وَلاَ يُطْلَقُ إِلَّا بِإِحْضَارٍ أَوْ دَعْوَى تَلَفٍ، فتؤخذ منه القيمة ويقبل منه دعوى التلف، وإن كان خلاف قوله الأول للضرورة.
وَلَوْ شَكَّ الْمُدَّعِي؛ هَل تَلِفَتِ الْعَيْن؟ فَيَدَّعِي قِيْمَةً أَمْ لاَ؛ فَيَدَّعِيْهَا فَقَالَ: غَصَبَ مِنِّي كَذَا، فَإِنْ بَقِيَ لَزِمَهُ رَدُّهُ وَإِلا فَقِيمَتُهُ سُمِعَتْ دَعوَاهُ، للحاجة، وعليه عمل القضاة، فعلى هذا يحلَّفُ أنه لا يلزمه ردُّ العين ولا قيمتها, وَقِيْلَ: لاَ، لأنها غير جازمة، بَلْ يَدَّعِيْهَا وَيُحَلِّفُهُ ثُمَّ يَدَّعِي الْقِيْمَةَ وَيَجْرِيَانِ فِيْمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ لِدَلَّالٍ لِيَبِيْعَهُ فَجَحَدَهُ وَشَكَّ هَلْ بَاعَهُ فَيَطْلُبُ الثَّمَنَ، أَمْ أَتْلَفَهُ! فَقِيْمَتَهُ، أمْ هُوَ بَاقٍ فَيَطْلُبُهُ، أي فعلى الأول يدعي أن عليه ردُّ الثوب أو ثمنه أو قيمته، ويحلف الخصم يمينًا واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته، فلو نكل ورُدَّتِ اليمينُ على المدّعي! فهل يَحْلِفُ على التردد كما ادَّعى على التردد أم يُشترط التعيين؟ وجهان؛ وعلى الثاني: يدّعى العين في دعوىً، والقيمة في أخرى، والثمن في أخرى.
فَرْعٌ: جميع ما ذكرناه فيما إذا كان الخصم حاضرًا، فإن كان غائبًا والمال في البلدِ كما وصفناه، أُحضر مجلس الحكم أيضًا، وأخذه ممن هو في يده لتشهد الشهود على عينه (•).
وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الإِحْضَارَ فَثَبَتَ لِلْمُدَّعِى اسْتَقَرَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْمُدَّعَي عَلَيْهِ، لأنه المحوج إلى ذلك، وَإِلَّا فَهِيَ، يعني مؤنة الإحضار، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُدَّعِي، لأنه المحوج إليه.
فَصْلٌ: الْغَائِبُ الَّذِي تُسْمَعُ الْبيِّنَةُ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ مَنْ بِمَسَافَةٍ بَعِيِدَةٍ، لأن القريب يسهل إحضاره، وَهِيَ، ويعني المسافة البعيدة، الَّتِي لاَ يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ إِلَى مَوْضِعِهِ
стр. 1795
لَيْلًا، أي فإن كان يرجع فقريبة، وتسمَّى مسافة الْعَدْوَى كما سيأتي، وللقاضي أن يحكم على من غاب إلى الأُولى؛ لأن في إحضاره مفارقة الأهل ليلاً، وَقِيْلَ: مَسَافَةُ قَصْرٍ، أي والقريبة ما دونها، وَمَنْ بِقَرِيْبَةٍ كَحَاضِرٍ فَلاَ تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُ، وَيُحْكَمُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ، أي بل يحضر ليأتي بمطعن إن أمكن بخلاف البعيد فإن انتظاره يطول، إِلَّا لِتَوَارِيْهِ أَوْ تَعَزُّزِهِ، أي فإنها تسمع ويحكم عليه وإلا اتخذ الناس التواري والامتناع ذريعة إلى إبطال الحقوق، وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَى غَائِبٍ فِي قِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ وَمَنْعُهُ فِي حَدِّ اللهِ تَعَالَى, لأن حقَّ الله تعالى مَبْنِيٌّ على المسامحة لاستغنائه، وحقُّ الآدمي مبني على التضييق لاحتياطه، والثاني: المنع مطلقًا؛ لأن الحدَّ يسعى في دفعه ولا يوسع بابه، والثالث: الجواز مطلقًا، كما في الأموال فيكتب إلى قاضي بلد المشهود عليه ليأخذه بالعقوبة.
وَلَوْ سَمِعَ بَيِّنَةً عَلَى غَائِبٍ فَقَدِمَ قَبْلَ الْحُكْمِ لَمْ يَسْتَعِدْهَا بَلْ يُخْبِرُهُ، أي بالحال، وَيُمَكّنُهُ مِنْ جَرْحٍ، أي وإن قدم بعد الحكم فهو على حجته في إقامة البيّنة بالأداء والإبراء وجرح الشهود، لكن يشترط أن يُؤَرِّخَ الجارحُ فِسْقَهُ بيوم الشهادة؛ لأنه إذا أطلق احتمل حدوثه بعد الحكم , وَلَوْ عُزِلَ بَعْدَ سَمَاعِ بَيِّنَةٍ ثُمَّ وُلِّيَ وَجَبَتِ الِاسْتِعَادَةُ، لبطلانها بالعزل.
فَصْلٌ: وَإِذَا اسْتُعْدِيَ عَلَى حَاضِرٍ بِالْبَلَدِ، أي على طلبه، أَحْضَرَهُ بِدَفْعِ خَتْمِ طِيْنٍ رَطْبٍ؛ أَوْ غَيْرِهِ، ليعرضه على الخصم، وليكن مكتوبًا عليه أجب القاضي، أَوْ بِمُرَتَّبٍ لِذَلِكَ، أي وَهُمُ الأعوانُ سواءٌ عرف أن بينهما معاملة أم لا؟ ! صيانةً للحقوق، ولاحتمال أن له عليه حقًا بجهة إرث أو إتلاف، فَإِنِ امْتَنَعَ بِلاَ عُذْرٍ أَحْضَرَهُ بِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَعَزَّرَهُ، أي بما يراه، فإن امتنع به كمرض ونحوه بعث إليه من يحكم بينه وبين خصمه أو يأمره بنصب وكيل ليخاصم عنه، أَوْ غَائِبٍ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ، محل، فَلَيْسَ لَهُ إِحْضَارُهُ، لانتفاء ولايته عليه، أَوْ فِيْهَا وَلَهُ هُنَاكَ نَائِبٌ لَمْ يُحْضِرْهُ بَلْ يَسْمَعُ بَيِّنَةً وَيَكْتُبُ إِلَيْهِ, لأن في إحضاره مشقَّة مع إمكان الحكم في
стр. 1796
ذلك الموضع الذي هو فيه، أَوْ لاَ نَائِبَ، فَالأَصَحُّ: يُحْضِرُهُ مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَقَطْ، وَهِيَ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ لَيْلاً، وثانيها: إن كان دون مسافة القصر أحضر وإلا فلا، والثالث: أنه يحضرهُ قَرُبَتِ المسافةُ أَمْ بَعُدَتْ، نَعَمْ؛ له أن يبعث إلى بلد المطلوب من يحكم بينه وبين المستعدي, ونقله الماوردي عن الأكثرين.
وَأَنَّ الْمُخَدَّرَةَ لاَ تُحْضَرُ، صرفًا للمشقة عنها، وسبيل القضاء في حقها كما سلف في المرض، والثاني: تحضر كغيرها، قال القفال في فتاويه ومنها نقلتُ: عندي أنه لا معنى للتخدير ولا أصل له في الشرع، وَهِيَ، يعني المخدّرة، مَنْ لاَ يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِحَاجَاتٍ، أي متكررة لشراء قطن وخبز وبيع غزل ونحوها؛ فإن كانت لا تخرج إلا نادرًا لعزاءٍ أو زيارة أو حمام فمخدرة.
بَابُ الْقِسْمَةِ
اَلْقِسْمَةُ: وَهِيَ بِكَسْرِ الْقَافَ، وَالأَصْلُ فِيْهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ... ﴾ الآية (٥١٣)، وَفِعْلُهُ ﵊ بِالْغَنَائِمِ وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا.
قَدْ يَقْسِمُ الشُّرَكَاءُ أَوْ مَنْصُوبُهُمْ أَوْ مَنصُوبُ الإِمَامِ, لأن المقصود يحصل بكل ذلك، وَشَرْطُ مَنْصُوبِهِ، يعني منصوب الإمام: ذَكَرٌ حُرٌّ عَدْلٌ, لأنه يلزم كالحاكم، يَعْلَمُ الْمَسَاحَةَ؛ وَالْحِسَابَ, لأنها آلة القسمة، وهل يشترط معرفة التقويم؟ فيه وجهان: لأن في أنواع القسمة ما يحتاج إليه، وجزم جماعة بالاستحباب منهم ابن الصباغ، وخرج بمنصوب الإمام منصوب الشركاء؛ فإنه لا يشترط فيه العدالة ولا الحرية؛ لأنه وكيل لهم، قال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن يكون في توكيل العبد
стр. 1797
في القسمة الخلاف في توكيله في البيع والشراء، فَإِنْ كَانَ فِيْهَا تَقْوِيْمٌ وَجَبَ قَاسِمَانِ؛ لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين، قال ابن الرفعة: وقضية هذا أن الحاكم لو فَوَّضَ لواحد سماعَ البيِّنة بالتقويم وأن يحكم! أنه لا يكفي؛ وقد قال الإمام: إن ذلك سائغ، وَإلاَّ، أي وإن لم يكن فيها تقويم، فَقَاسِمٌ، وَفِي قَوْلٍ: اثْنَانِ، الخلاف يلتفت إلى أن منصب القاسم كالحاكم وكالشاهد، وَلِلإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيْمِ فَيَعْمَلُ فِيْهِ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ وَيَقْسِمُ، أي بنفسه، وَيَجْعَلُ الإمَامُ رِزْقَ مَنْصُوبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ, لأنه من المصالح، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أي فيه مال أو لم يُتبرَّعْ (•) له، فَأُجْرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ, لأنه يعمل لهم، وخالف القاضي حيث امتنع عليه أن يعتاض على الحكم؛ لأن القضاء حقٌّ للهِ بخلافها، فَاِنْ اسْتَأْجَرُوهُ وَسَمَّى كُلٌّ قَدْرًا لَزِمَهُ، أي سواء تَسَاوَوْا فيه أو تَفَاضَلُواْ, وَإِلَّا، أي وإن سَمَّواْ له أُجرة وأطلقوا، فَالأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الْحِصَصِ, لأنها من مَؤُنَاتِ الْمِلْكِ فأشبهت النفقة، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى الرُّؤُوسِ, لأن عمله في الحساب والمساحة يقع لهم جميعًا، وقد يكون الحساب في الجزء القليل أغمض، ومنهم من قطع بالأول وصححه المصنف في أصل الروضة، ويستثنى من إطلاق المصنف قسمة التعديل؛ فإنها توزع بحسب المأخوذ قلة وكثرة لا بحسب الحصص على الأصح؛ لأن العمل في الكثير أكثر.
فَصْلٌ: ثُمَّ مَا عَظُمَ الضَّرَرُ فِي قِسْمَتِهِ كَجَوْهَرَةٍ؛ وَثَوْبٍ نَفِيْسَيْنِ؛ وَزَوْجَيْ خُفًّ، إِنْ طَلَبَ الشُّرَكَاءُ كُلُّهُمْ قِسْمَتَهُ لَمْ يُجِبْهُمُ الْقَاضِي, لأنهُ سَفَهٌ، وَلاَ يَمْنَعُهُمْ إِنْ قَسَمُواْ بِأَنْفُسِهِمْ إِنْ لَمْ تَبْطُلْ مَنْفَعَتَهُ كَسَيْفٍ يُكْسَرُ، نعم لا يجيبهم في الأصح، وَمَا يَبْطُلُ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ كَحَمَّامٍ؛ وَطَاحُونَةٍ صَغِيْرَيْنِ لاَ يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ فِي الأَصَحِّ، لوجود الضرر للآخر [وَلاَ ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ] (٥١٤) والثاني: يجاب، فَإِنْ
стр. 1798
أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ، أي وطاحونين، أُجِيْبَ، لانتفاء الضرر، ولو احتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد أجيب أيضًا على الأصح لتيسر التدارك، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ لاَ يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لآخَرَ، فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُ صَاحِبِ الْعُشرِ بِطَلَبِ صَاحِبِهِ، لأن الطالب ينتفع بها، وضرر صاحب العُشر لا ينشأُ من مجردها بل سببه قلّة نصيبه، والثاني: المنع، للضرر الذي يلحقه، دُونَ عَكْسِهِ, لأنه مُضَيِّعٌ لِمَالِهِ مُتَعَنِّتٌ، والثاني: يجبر الآخر، لتمييز ملكه، وَمَا لاَ يَعْظُمُ ضَرَرُهُ! قِسْمَتُهُ أَنْوَاعٌ:
• أَحَدُهَا: بِالأَجْزَاءِ، أي وتسمّى قسمة المتشابهات، كَمِثْلِيًّ، أي كالحبوب والدراهم والدنانير، وَدَارٍ مُتَّفِقَةِ الأَبْنِيَةِ، وَأَرْضٍ مُشْتَبِهَةِ الأَجْزَاءِ فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ، أي سواء كانت الأنصباء متساوية أو متفاوتة لينتفع الطالب بماله على الكمال ويتخلص من سوء المشاركة مع أنه لا ضرر فيها على الشريك كما لو اختلط له درهم بعشرة، فَتُعَدَّلُ السِّهَامُ كَيْلًا، أي في المكيل، أَوْ وَزْنًا، أي في الموزون، أَوْ ذَرْعًا، كالأرض المتساوية، بِعَدَدِ الأَنْصِبَاءِ إِنِ اسْتَوَتْ، أي كما إذا كانت بين ثلاثة أثلاثًا؛ فتجعل ثلاثة أجزاء متساوية؛ ثم يؤخذ ثلاث رقاع متساوية، وَيَكْتُبُ فِي كُلَّ رَقْعَةٍ اسْمَ شَرِيْكٍ، أي من الشركاء، أَوْ جُزْءًا، أي من الأجزاء، مُمَيَّزًا بِحَدًّ أَوْ جِهَةٍ، أي وغيرهما كما قاله في الروضة تبعًا للرافعي، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ مُسْتَوِيَةٍ، أي وزنًا وشكلًا من طين مجفف أو شمع، وتجعل في حجر من لم يحضر الكتابة والادراج، فإن كان صبيًا أو أعجميًا كان أَولى، ثُمَّ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا، كذا هو في النسخ بضمير مفرد، وعبارته في الروضة تبعًا للرافعي من لم يحضر الكتابة والادراج، فكان ينبغي أن يقول من لم يحضرهما؛ وما أحسن عبارة الْمُحَرَّرِ: مَنْ لَمْ يُحْسِنْ ذَلِكَ، رُقْعَةٍ، أي يخرجُ رقعة، عَلَى الْجُزْءِ الأَوَّلِ إِنْ كَتَبَ الأَسْمَاءَ، على الرقاع، فَيُعْطِي مَنْ خَرَجَ اسْمُهُ، أي ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يلي الأول، فمن خرج اسمه من الآخرين أخذهُ؛ ويتعين الثَّالِثُ لِلثَّالِثِ، أَوْ عَلَى اسْمِ زَيْدٍ إِنْ كَتَبَ الأَجْزَاءَ، أي وإن كتب في الرقاع أسماء الأجزاء؛ أخرجت رقعة باسم زيد ثم أخرى باسم عمرو، ويتعين الثالث للثالث، ويتعين من يبتدئ به من الشركاء أو
стр. 1799
الأجزاء منوط بنظر القسام، فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الأَنْصِبَاءُ كَنِصْفٍ؛ وَثُلُثٍ؛ وَسُدُسٍ؛ جُزِّئَتِ الأَرْضُ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ؛ وَقُسِّمَتْ كَمَا سَبَقَ، وَيَحْتَرِزُ عَنْ تَفْرِيْقِ حِصَّةِ وَاحِدٍ، إعْلَمْ: أن هذا الكلام يقتضي أنه يكتب اسم الشريك أو الجزء كما سبق لكن رجح في الروضة تبعًا للرافعي: إنه لا يكتب والحالة هذه الأجزاء على الرقاع بخلاف العتق؛ لأنه لو أثبتها وأخرج الرقاع على الأسماء ربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس فيفرق بين ملك من له النصف والثلث، ثم الخلاف في الأولوية لا في الجواز على الأرجح.
• الثَّانِي: بِالتَّعْدِيْلِ كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيْمَةُ أَجْزَائِهَا بِحَسَبِ قُوَّةِ إِنْبَاتٍ وَقُرْبِ مَاءٍ، أي وفي أن بعضها يسقى بالنهر وبعضها بالناضح فيكون ثلثها لجودته كثلثيها بالقيمة مثلًا، فيُجعل هذا سهمًا وهذا سهمًا إن كان بينهما نصفين، وإن اختلفت الأنصباء كنصف وثلث وسدس جعلت ستة أسهم بالقيمة دون المساحة، وَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَيْهَا في الأَظْهَرِ، إلحاقًا للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء، والثاني: لا، لاختلاف الأغراض والمنافع، وَلَوِ اسْتَوَتْ قِيْمَةُ دَارَيْنِ أَوْ حَانُوتَيْنِ فَطَلَبَ جَعْلَ كُلِّ لِوَاحِدٍ فَلاَ إِجْبَارَ، أي سواء تجاور الحانوتان والداران أم تباعدا لشدة الاختلاف في الأغراض باختلاف المحال والأبنية، أَوْ عَبِيْدٍ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ نَوْعٍ أُجْبِرَ، لقلة الأغراض فيها بخلاف الدور، أَوْ نَوْعَيْنِ، أي كعبدين تركي وهندي، وثوبين ابريسم وكتّان، وكذا إن كانا جنسين كعبدٍ وثوب وحنطة وشعير ودابة ونحوها, فَلَا، إجبار لشدة تعلق الأغراض بكل جنس وبكل نوع.
• الثَّالِثُ: بِالرَّدِّ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِئْرٌ أَوْ شَجَرٌ، أي وكذا إذا كان في الدار بيت، لاَ يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ فَيَرُدُّ مَنْ يَأْخُذُهُ قِسْطَ قِيْمَتِهِ، أي كما إذا كان كل جانب يساوي ألفًا فيرد آخذه خمسمائة، وَلاَ إِجْبَارَ فِيْهِ, لأنه دخله ما لا شركة له فيه، وَهُوَ بَيْعٌ، أي وهذا النوع بيع؛ وهو قسمة الردِّ بيع؛ لأنه يأخذ عما يُؤخذ من ماله عوضًا هو مال وذلك حقيقة البيع، وَكَذَا التَّعْدِيْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لأن كل جزء مشترك بينهما، وإنما دخلها الإجبار للحاجة كما يبيع الحاكم مال
стр. 1800
المديون جبرًا، والطريق الثاني: طرد القولين في قسمة الأجزاء، وَقِسْمَةُ الأَجْزَاءِ إِفْرَازٌ فِي الأَظْهَرِ, لأنها لو كانت بيعًا لما دخلها الإجبار، ولما جاز الاعتماد على القرعة، ومعنى قولنا إفراز: أنَّ القسمةَ تُبَيِّنَ أن ما خرج لكل واحد منهما هو الذي ملكه، والثاني: أنها بيع؛ لأنه ما من جزء من المال إلا وكان مشتركًا بينهما، فإذا اقتسما! فكأنه باع كُلٌّ منهما ما كان له في حصة صاحبه بحصته، ووقع في الرافعي في أوائل باب الربا تصحيحه, وكذا في زكاة المعشرات.
وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ الرِّضَا بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ، كما في الابتداء، وَلَوْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ مَا لاَ إِجْبَارَ فِيْهِ اشْتُرِطَ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ فِي الأَصَحِّ، كَقَوْلِهِمَا: رَضِيْنَا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ، أَوْ بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ، الخلاف كالخلاف فيما إذا حكَّما رجلًا فحكم بينهما هل يكفي الرضا الأول أم لا؟ ثُمَّ اعْلَمْ بَعْدَ ذَلِكَ: أن مُراد المصنِّف بقسمة ما لا إجبار فيه قسمة الرد فقط؛ فإنه يقطع بأنه لا إجبار فيها، وصحح في قسمة الأجزاء والإفراز (•) والتعديل الإجبار، ففيه حينئذ تكرار؛ لأنه قطع قبل ذلك فيها باشتراط الرضى بعد خروج القرعة، والرافعي في الْمُحَرَّرِ فرضَ المسألة في قسمة ما يجبر فيه، فكأن (مَا) في الكتابة من طُغْيَانِ الْقَلَمِ، ثم أنه عبر في الروضة في الأظهر خلاف ما فعل هنا، نَعَمْ: تَبِعَ هُنَا الْمُحَرَّرَ.
وَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ غَلَطٌ أَوْ حَيْفٌ فِي قِسْمَةِ إِجْبَارٍ نُقِصَتْ، كما لو قامت بيّنة على ظلم القاضي وكذب الشهود، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَادَّعَاهُ وَاحِدٌ، أي من الشريكين، فَلَهُ تَحْلِيْفُ شَرَيْكِهِ, لأن له فيه غرضًا ظاهرًا، فإن نكل وحلف المدعى نقضت القسمة، وَلَوِ ادَّعَاهُ، يعني الغلط أو الحيف، فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ، أي بأن نصبا قاسمًا أو اقتسموا بأنفسهم، وَقُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ، فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ أَثَرَ لِلْغَلَطِ، فَلاَ فَائِدَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى، كما لا أثر للغبن في البيع والشراء، والثاني: أنها تنقض؛ لأنهما تراضيا لاعتقادهما أنها قسمة عدل، قُلْتُ: وَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ نُقِضَتْ إِنْ ثَبَتَ, لأن الإفراز
стр. 1801
لا يتحقق مع التفاوت، وَإِلاَّ، أي وإن لم يثبت، فَيَحْلِفُ شَرِيْكُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وهذا كله إذا اعتبرنا الرضى بعد خروج القرعة، فإن لم نَعْتَبِرْهُ! فالحكم كما لو ادَّعى الغلط في قسمة الإجبار، وَلَوِ اسْتَحَقَّ بَعْضُ الْمَقْسُومِ شَائِعًا، أي كالربع مثلًا، بَطَلَتْ فِيْهِ وَفِي الْبَاقِي خِلاَفُ تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، أي ففي قول تبطل فيه أيضًا، وفي قولٍ: تصح ويثبت الخيار وهذا هو الأصح، أَوْ مِنَ النَّصِيْبَيْنِ مُعَيَّنٌ سَوَاءٌ بُقَّيَتْ، وَإِلاَ بَطَلَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ, لأن ما تبقى لكل واحد لا يكون قدر حقه بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر وتعود الإشاعة.
стр. 1802
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
اَلشَّهَادَةُ: الإِخْبَارُ بِمَا شُوهِدَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشُّهُودِ وَالْحُضُورِ، أَوْ مِنَ الإِعْلاَمِ، وَالأَصْلُ فِيْهَا قَبْلَ الإِجْمَاعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (٥١٥) وَقَوْلُهُ ﴿وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٥١٥) وَهُوَ أَمْرُ إِرْشَادٍ لاَ وُجُوبٍ، وَمِنَ السُنَّةِ أَحَادِيْثٌ شَهِيْرَةٌ.
شَرْطُ الشَّاهِدِ: مُسْلِمٌ؛ حُرٌّ؛ مُكَلَّفٌ؛ عَدْلٌ ذُو مُرُوءَةٍ؛ غَيْرُ مُتَّهَمٍ، أي فلا يقبل من ضدهم لما لا يخفى، ويشترط أيضًا فيه النُّطْقُ.
وَشَرْطُ الْعَدَالَةِ: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ، وَالإِصْرَارُ عَلَى صَغِيْرَةٍ، أي دون الاجتناب الكلي فَقَلَّ مَن يسلم منها، والمعتبرُ في الإصرارِ الإكثارُ منها سواء كانت من نوع أو أنواع على الأوفق لقول الجمهور، فلا تَضُرُّ المداومةُ على نوع من الصغائر إذا غَلَبَتِ الطَّاعَاتُ.
وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ عَلَى الصَّحِيْحِ، لقوله ﷺ : [مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيْرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيْرٍ وَدَمِهِ] رواه مسلم (٥١٦)، والثاني: أنه كاللعب بالشطرنج،
стр. 1803
نَعَمْ هُوَ أَشَدُّ، وَيُكْرَهُ بِشِطْرَنْجٍ، لأثر عَلِيًّ فِيْهِ (٥١٧)، وقد ذكرت في الأصل أنه رُوي اللعب به عن جماعة من الصحابة والتابعين. فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مَالٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَقِمَارٌ، أي فإن أخرج احدهما مالًا ليبذله إن غُلِبَ ويُمْسِكُهُ إن غَلَبَ فليس بقمار؛ بل هو عقد مسابقة على غير آلة قتال فلا يصحُّ, فلو اقترن به فُحْشٌ أو إخراجُ صلاةٍ عن وقتها عمدًا رُدَّتْ بذلك الْمُقَارِنُ، فإن لم يكن عمدًا بل شغله اللعبُ به حتى خرج وهو غافل وأكثر منه ردت أيضًا.
وَيُبَاحُ الْحُدَاءُ وَسَمَاعُهُ، لما فيه من إيقاظ النَّوَامِ وتنشيطِ الإبل للسير وقد ورد فيه أحاديث (٥١٨)، وَيُكْرَهُ الْغِنَاءُ بِلاَ آلَةٍ، وَسمَاعُهُ، لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
стр. 1804
يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (٥١٩) قاله جماعة: إنه الغناء (٥٢٠) وليس بحرام على المشهور، وقد أَوْضَحْتُ الكلام على ذلك وغيره في أوراق في الأصل فَارْحَلْ إِلَيْهِ.
وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ آلَةٍ مِنْ شِعَارَ الشَّرَبَةِ كَطُنْبُورٍ؛ وَعُودٍ؛ وَصَنْجٍ؛ وَمِزْمَارٍ عِرَاقِيًّ، وسائر المعازف؛ وهي الملاهي والأوتار أي كَالرَّبَابِ؛ وَالْجَنْكِ؛ وَالْحَفَانَةِ؛ وَالسَّنْطِيْرِ؛ وَالْكَمَنْجَةِ؛ وغيرها، وَاسْتِمَاعُهَا، للآية السالفة، قال ابن عباس والحسنُ:
стр. 1805
إنه الْمَلاَهِي (٥٢١)، لاَ يَرَاعَ فِي الأَصَحِّ، لأنه ينشِّطُ على السير في الأسفار فأشبه الْحِدَاءَ (٥٢٢)، قُلْتُ: الأَصَحُّ تَحْرِيْمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، كَالْمِزْمَارِ وَالْيَرَاعِ وَالشُبَّابَةُ (٥٢٣).
وَيَجُوزُ دُفٌّ لِعُرْسٍ وَخِتَانٍ، للنصِّ في العُرس؛ والخِتانُ مثلُهُ (٥٢٤)، وَكَذَا غَيْرِهِمَا فِي الأَصَحِّ، لأنه قد يراد إظهار السرور لسائر الأسباب الحادثة، والثاني: المنع؛ لأن عمر كان إذا سمع صوتًا أنكره (٥٢٥)، فإن كان عرسًا أو ختانًا أَقَرَّهُ، وَإِنْ كَانَ فِيْهِ
стр. 1806
جَلاَجِلُ، أي يَحِلُّ الدُّفُّ وإن كان فيه جلاجل لاطلاق الأدلة، ومِنْ ادّعى أنها لم تكن بجلاجل فعليه الإثبات.
وَيَحْرُمُ ضَرْبُ الْكُوْبَةِ، بضم الكاف وسكون الواو؛ لأن الله حرمها كما رواه أبو داود وصحَّحَهُ ابنُ حبان (٥٢٦)، وَهِيَ طَبْلٌ طَوِيْلٌ ضَيِّقُ الْوَسَطِ، كذا فسّره المصنف تبعًا للرافعي، ولم أرَ مَنْ قيده من أهل اللغة به، وإنما أطلقوا أنها النَّرْدُ أَوِ الطَّبْلُ، وقال ابن الأعرابي: الأظهر أنها الْبَرْبَطُ (•)، وَلاَ الرَّقْصُ، أي فإنه لا يحرم؛ لأنه مجرد حركات على استقامة أو اعوجاج، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيْهِ تَكَسُّرٌ كَفِعْلِ الْمُخَنَّثِ، فإنه حرامٌ على الرجال والنساء.
وَيُبَاحُ قَوْلُ شِعْرٍ وَإِنْشَادُهُ، لأنه ﵊ كَانَ لَهُ شُعَرَاءُ يُصْغِي إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ (٥٢٧)
стр. 1807
وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ (٥٢٨)، وَاسْتَنْشَدَ الشَّرِيْدَ شِعْرَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ وَاسْتَمَعَ إِلَيْهِ (٥٢٩)، إِلَّا أَنْ يَهْجُوَ، في شعره بما هو صادق أو كاذب؛ فإنه لا يباح وتُرَدُّ شهادته، أَوْ يُفْحِشَ، أَوْ يُعَرِّضَ بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فإنها تُرَدُّ شهادته بذلك لما فيه من الإيذاء والإشهار والقذف إِنْ صرَّحَ.
فَصْلٌ: وَالْمُرُوءَةُ تَخَلُّقٌ بِخُلُقِ أمْثَالِهِ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، وهو أحسن ما قيل في حدها (٥٣٠)، فَالأَكْلُ فِي سُوقٍ، أي وكذا الشرب من سقايات الطريق إلاّ أن يكون
стр. 1808
سُوقِيًّا أو شرب لغلبة عطش. وَالْمَشْيُ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، أي والبدن إذا لم يكن الشخص ممن يليق به مثله، وَقُبْلَةُ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَإِكْثَارُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةٍ، وَلُبْسُ فَقِيْهٍ قِبَاءٌ وَقَلَنْسُوَةً، وهي مما يُلْبَسُ على الرأس، حَيْثُ لاَ يُعْتَادُ، وَإِكْبَابٌ عَلَى لَعِبِ شِطْرَنْجٍ أَوْ غِنَاءٍ أَوْ سَمَاعِهِ، وَإِدَامَةُ رَقْصٍ يُسْقِطُهَا، يعني المروءة، وَالأَمْرُ فِيْهِ يَخْتَلِفُ بِالأَشْخَاصِ وَالأَحْوَالِ وَالأَمَاكنِ، أي فقد يُسْتَقْبَحُ من شخص ولا يستقبح من غيره، والإكباب على اللعب بالشطرنج في الخلوة ليس كاللعب به في السُّوقِ مَرَّةً على ملإٍ من الناس، وَحِرْفَةٌ دَنِيْئَةٌ كَحِجَامَةٍ؛ وَكَنْسٍ؛ وَدَبْغٍ، أي وقَيِّمِ حمَّام وحارس ونَخَّالٍ وإسْكَافٍ وقَصَّارٍ، مِمَّنْ لاَ تَلِيْقُ بِهِ تُسْقِطُهَا، لإشعار ذلك بقلة مروءته، فَإِنِ اعْتَادَهَا وَكَانَتْ حِرْفَةَ أَبِيْهِ فَلاَ فِي الأَصَحِّ، لأنها حرفة مباحة والناس محتاجون إليها وهي من فروض الكفايات، ولو رَدَدْنَا شهادتهم لم نأمن أن يتركوها، والثاني: نعم؛ لأن اشتغالهم بهذه الحرفة ورضاهم بها يُشْعِرُ بِالْخِسَّةِ وقِلَّةِ الْمُرُوءَةِ، وقال في الروضة: ولم يتعرَّضِ الجمهورُ لهذا القيد؛ وينبغي أن لا يُقَيَّدَ بِصَنْعَةِ آبائه بل ينظرُ هل يليقُ به هو أمْ لاَ؟ !
فَصْلٌ: وَالتُّهْمَةُ أَنْ يَجُرَّ إِلَيْهِ، بشهادته، نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَرَرًا فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ، أي المأذون، لأن ما شهد به فهو له، وَمُكَاتَبِهِ، لأن له في مال مكاتبه علقة حال الكتابة، لأن له المنع من بعض التصرفات ويرجع إليه بعد العجز، وَغَرِيْمٍ لَهُ
стр. 1809
مَيِّتٍ أَوْ عَلَيْهِ حَجْرُ فَلَسٍ، لأنه إذا اثبت للغريم شيئًا أثبت لنفسه المطالبة.
فَرْعٌ: تُقْبَلُ شَهَادَةُ الغَرِيْمِ لِغَرِيْمِهِ الْمُوسِرِ، وَكَذَا الْمُعْسِرِ قَبْلَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، لِتَعَلُّقِ الْحَقِّ بِذِمَّتِهِ.
وَبِمَا هُوَ وَكِيْلٌ فِيْهِ، لأنه يثبت بشهادته ولاية في المشهود به، وَبِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ، أي وكذا بالأداء لأنه يسقط شَهَادَةَ المطالبة عن نفسه، وَبِجِرَاحَةِ مُوَرِّثِهِ، للتهمة، وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثٍ لَهُ مَرِيْضٍ أَوْ جَرِيْحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الاِنْدِمَالِ قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ، لما سلف في كتاب دعوى الدم والقسامة؛ فإنه ذكرها هناك أيضًا، واحترز بـ (قَبْلَ الاِنْدِمَالِ) عما بعده؛ فإنها تقبل إلاّ أن يكون أصلًا وفرعًا، وَتُرَدُّ شَهَادَةُ عَاقِلَةٍ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ، أي يحملونه كما أسلفه في الكتاب المذكور أيضًا، وَغُرَمَاءِ مُفْلِسٍ بِفِسْقِ شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ، لأنهم يدفعون عنهم ضرر المزاحمة، وَلَوْ شَهِدَا لإِثْنَيْنِ بِوَصِيَّةٍ فَشَهِدَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ قُبِلَتِ الشَّهَادَتَانِ فِي الأَصَحِّ، لانفصال كل شهادة عن الأخرى ولا تجرُّ شهادته نفعًا، والثاني: نعم؛ لتهمة المواطأة، وخالف ذلك في الروضة فعبّر بالصحيح فجعل الخلاف ضعيفًا وجعله هنا قويًا، وَلاَ تُقْبَلُ لأَصْلٍ وَلاَ فَرْعٍ، للريبة، وعن القديم القبول؛ لأن الشخص لا يكون صادقًا في شيء دون شيء وهو باطل تُمنع شهادته لنفسه.
فَرْعٌ: لا تقبل لمكاتب والده أو ولده وَمَأْذُونِهِمَا.
وَتُقْبَلُ عَلَيْهِمَا، لانتفاء التهمة، وَكَذَا عَلَى أَبِيْهِمَا بِطَلاَقِ ضُرَّةِ أُمِّهِمَا، أي وأُمهما تحته، أَوْ قَذْفِهَا فِي الأَظْهَرِ، لأنها شهادة على أبيه لغير أمه، والثاني: المنع؛ لأنه مُتَّهَمٌ إذ يَجُرُّ بها إلى أُمِّهِ نَفْعًا، وهو انفرادها بالأب فإن الطلاق ينجز ذلك، والقذف يحوج إلى اللعان، وَإِذَا شَهِدَ لِفَرْعٍ وَأَجْنَبِيٍّ قُبِلَتْ لِلأَجْنَبِيِّ فِي الأَظْهَرِ، أي من الخلاف في تفريق الصفقة، قُلْتُ: وَتُقْبَلُ لِكُلًّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ، أي للآخر لأن الحاصل بينهما عقد يطرأُ ويزول فلا يمنع قبول الشهادة كما لو شهد الأجير للمستأجر، وفيه قول آخر قال به الأئمة الثلاثة، وَلأَخٍ وَصَدِيْقٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنهما
стр. 1810
لا يُتَّهَمَانِ تهمة الأب والابن، وَلاَ تُقْبَلُ مِنْ عَدُوٍّ، لتهمته، وَهُوَ مَنْ يُبْغِضُهُ بِحَيْثُ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ، وَيَحْزَنُ بسُرُورِهِ وَيَفْرَحُ بِمُصِيْبَتِهِ، وَتُقْبَلُ لَهُ، إذ لا تهمة، وَكَذَا عَلَيْهِ فِي عَدَاوَةِ دِيْنٍ كَكَافِرٍ وَمُبْدِعٍ، لأن العداوة الدينية لا توجب رَدَّ الشهادة.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مُبْتَدِعٍ لاَ نُكَفِّرُهُ، إِلَّا الْخِطَابِيَّةُ فإنهم يشهدون بالموافقة، فإن ذكر في شهادته ما يقطع الاحتمال قُبِلَتْ، لاَ مُغَفَّلٍ لاَ يَضْبِطُ، لعدم الوثوق بقوله، نعم لو فصَّل الشهادة فوصف المكان أو الزمان وتأنق في ذكر الأوصاف قبلت والغلط اليسير لا يقدح، وَلاَ مُبَادِرٍ، للتهمة، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، وَفِيْمَا لَهُ فِيْهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ، أي لا يتأثر برضى الآدمي، كَطَلاَقٍ وَعِتْقٍ وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ، وَبَقَاءِ عِدَّةٍ وَانْقِضَائِهَا، وَحَدٍّ لَهُ، كحد الزنا وقطع الطريق والسرقة، وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه متعلق حقوق الله تعالى كالطلاق والعتاق، والثاني: لا تقبل فيه، وصححه الغزالي، واحترز بـ (حق الله تعالى) عن حق الآدمي كالقصاص وحد القذف والبيوع والأقارير، فإن شهادة الحسبة لا تقبل فيه، فإن لم يعلم صاحب الحق أعلمه الشاهد حتى يدعى ويستشهده فيشهد.
فَصْلٌ: وَمَتَى حَكَمَ بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ صَبِيَّيْنِ نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، لأنه يتيقن الخطأ كما لو حكم باجتهاد ثم بَانَ النصُّ بخلافه، وَكَذَا فَاسِقَانِ فِي الأَظْهَرِ، كسائر المسائل المذكورة، وأولى؛ لأن اعتبار العدالة منصوص عليه، قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ... ﴾ الآية (٥٣١)، والثاني: لا ينقض، لأن فسقهم إنما يعرف ببيّنة تقوم عليه، وعدالة تلك البيّنة لا تدرك إلّا بالاجتهاد، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ كَمَالِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، لعدم
стр. 1811
تهمتهم بدفع العار بخلاف الفاسق فإنه يخفي فسقه، والرد يظهر فيسعى في الدفع، ومراده مظهر الكفر، أما إذا كان يستتر به وأعادها فالأصح في الروضة وهو القياس في الرافعي: فاسقٌ عدم القبول، أَوْ فَاسِقٍ تَابَ فَلَا، لما قلناه، وسواء المستتر به والمعلن على الأصح، وَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهَا، أي على غير تلك الشهادة التي شهد بها حال فسقه ثم تاب إذ لا تهمة، بِشَرْطِ اِخْتِبَارِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُدَّةً يُظَنُّ بِهَا صِدْقُ تَوْبَتهِ، لأن التوبة من أعمال القلوب، وهو مُتَّهَمٌ بترويج شهادته فاعتبر الشارع ذلك ليقوي ما ادعاه، وَقَدَّرَهَا الأَكْثَرُونَ بِسَنَةٍ، لأن لمضي الفصول الأربعة تأثيرًا بَيِّنًا في تهييج النفوس وانبعاثها لمتشابهاتها، فإذا مضت على السلامة أشعر ذلك بحسن السريرة، وقد اعتبر الشرع السَّنَةَ في العُنَّةِ (٥٣٢) والزكاة والجزية، وَيُشْتَرَطُ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةٍ الْقَوْلَ، كما أن التوبة من الردة بكلمتي الشهادة، فَيَقُولُ الْقَاذِفُ: قَذْفِي بَاطِلٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ وَلاَ أَعُودُ إِلَيْهِ، أي ولا يكلف أن يقول كذبت فربما كان صادقًا؛ فكيف نأمره بالكذب.
فَرْعٌ: إذا تاب بالقول اشترط مضي المدة المذكورة إذا كان القذف على وجه السبِّ والإيذاء لا على وجه الشهادة على المذهب فيهما.
وَكَذَا شَهَادَةُ الزُّورِ، أي فيقول في التوبة منها كذبت فيما قلت ولا أعود لمثله، قُلْتُ: وَغَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ يُشْتَرَطُ إِقْلاَعٌ، أى عن المعصية، وَنَدَمٌ، وَعَزْمٌ أَن لاَ يَعُودَ، قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ (٥٣٣)، وَرَدُّ ظُلاَمَةِ آدَمِيٍّ إِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، فَيُرَدُّ المغصوب مثلًا إن كان باقيًا وإلَّا فَبَدَلَهُ أو يستحل فيبرئه المغصوب منه أو وارثه.
فَصْلٌ: لاَ يَحْكُمُ بِشَاهِدٍ إِلَّا فِي هِلاَلِ رَمَضَانَ فِي الأَظْهَرِ، لما تقدم في بابه، وقد ذكرت في الأصل هنا مسائل أُخر يحكم فيها بقول واحد، فسارع إلى استفادتها
стр. 1812
منه فإنها مهمة، وَيُشْتَرَطُ لِلزِّنَا أَرْبعَةُ رِجَالٍ، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ... ﴾ الآية (٥٣٤)، وَلِلإِقْرَارِ بِهِ إثْنَانِ فِي الأَظْهَرِ، كغيره من الأقارير، وَفِي قَوْلٍ: أَرْبَعَةٌ، لأنه إقرار بفعل فلا يثبت إلَّا بما يثبت به ذلك الفعل لاستوائهما في الموجب، وَلِمَالٍ وَعَقْدٍ مَالِيِّ كَبَيْعٍ وَإِقَالَةٍ وَحَوَالَةٍ وَضَمَانٍ، وَحَقٍّ مَالِيٍّ كَخِيَارٍ وَأَجَلٍ: رَجُلاَنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٥٣٥) فكان على عمومه إلّا ما خَصَّهُ دَلِيْلٌ. ولا تثبت بشهادة النساء وحدهن لظاهر الآية، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ، أى مما ليس بمالٍ ولا يقصد منه مال، مِنْ عُقُوبَةٍ للهِ تَعَالَى، أي كحد الشرب وقطع الطريق والقتل بالردة، أَوْ لآدَمِيٍّ، أي كقصاص وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رِجَالٌ غَالِبًا كَنِكَاحٍ؛ وَطَلاَقٍ؛ وَرَجْعَةٍ؛ وَإِسْلاَمٍ؛ وَرِدَّةٍ؛ وَجَرْحٍ؛ وَتَعْدِيْلٍ؛ وَمَوْتٍ؛ وَإِعْسَارٍ؛ وَوَكَالَةٍ وَوِصَايَةٍ؛ وَشَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ: رَجُلاَنِ، أما في العقوبات؛ فلقول الزُّهْرِيِّ: (مَضَتِ السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْخَلِيْفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ أَنْ لاَ تُقْبَلَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ) (٥٣٦). وأما فيما يطلع عليه الرجال غالبًا؛ فلأن الله تعالى نصَّ في الشهادة فيما سوى الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع: في الطلاق؛ والرجعة؛ والوصية (٥٣٧)، ونص ﵊ في النكاح، وقال ابن شهاب: (مَضَتِ
стр. 1813
السُّنَّةُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ لاَ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَلاَ فِي النِّكَاحِ وَلاَ فِي الطَّلاَقِ) (٥٣٨) وهذا وإن كان مُرسلًا؛ فالخصم يقول بِحُجِّيَّتِهِ.
فَرْعٌ: في فتاوى الغزالي: أنها إذا ادَّعَتْ أنه نكحها؛ وطلبت الإرث؛ فمقصودُها المال؛ فيثبت برجل وامرأتين وشاهد ويمين، وكذا إذا ادَّعت زوجته طلاقًا وطلبت نصف المهر.
وَمَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ النِّسَاءُ أَوْ لاَ يَرَاهُ رِجَالٌ غَالِبًا كَبَكَارَةٍ؛ وَوِلاَدَةٍ؛ وَحَيْضٍ؛ وَرَضَاعٍ؛ وَعُيُوبٍ تَحْتَ الثِّيَابِ، أي كَرَتْقٍ؛ وَقَرْنٍ؛ وَبَرَصٍ؛ وغيره؛ سواءٌ ما تحت الازار وغيره مما للمحارم النظر إليه خاصة، كما قاله في الحاوي والبحر، يَثْبُتُ بِمَا سَبَقَ، وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ، أما النِّسْوَةُ الْمُنْفَرِدَاتُ؛ فلقول الزُّهْرِيِّ: (مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ تَجُوزَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيْمَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ مِنْ وِلاَدَةِ النِّسَاءِ وَعُيُوبِهِنَّ) رواه ابن أبي شيبة (٥٣٩)، وأما اعتبار الأربع؛ فإقامة لكل امرأتين مقام رجل، وإذا ثبت قبولهن منفردات فرجلان ورجل وامرأتان بالقبول أولى، وهو مراد المصنف بما سبق، وخرج بقوله (وَعُيُوبٍ تَحْتَ الثِّيَابِ) العيوب الظاهرة، فإن البغوي قال: العيب الذي في
стр. 1814
وجه الحُرَّةِ وكَفَّيْهَا لا يثبت إلَّا برحلين تفريعًا على أنهما ليسا من العورة، وفي وجه الأمَة وما يبدو منها عند المهنة يثبت برجل وامرأتين لأن المقصود منه المال، وأطلق الماوردي نقل الإجماع على أن عيوب النساء في الوجه والكفين لا يُقبل فيهما إلَّا الرجال دون النساء، ولم يفصل بين الحرة والأمَة، وصرح به القاضي فيهما.
وَمَا لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وامْرَأَتَيْنِ لا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَيَمِيْنٍ، لأن الأول أقوى، وَمَا ثَبَتَ بِهِمْ، أي برجل وامرأتين، ثَبَتَ بِرَجُلٍ وَيَمِيْنٍ، لأنه ﵊ [قَضَى بِيَمِيْنٍ وَشَاهِدٍ] رواه مسلم من حديث ابن عباس وله طرق أخرى رواه عشرون صحابيًا فأكثر مرفوعًا (٥٤٠)، إِلَّا عُيُوبَ النَّسَاءِ وَنَحْوَهَما، أي فإنها لا تثبت برجل ويمين لخطر أمرها بخلاف المال، وَلا يَثْبُتُ شَيْءٌ بِامْرَأَتَيْنِ وَيَمِيْنٍ، وَإنَّمَا يَحْلِفُ المُدَّعِي بَعْدَ شَهادَةِ شاهِدِهِ وَتَعْدِيْلِهِ، ليُقوى جانبه إذًا، وَيَذْكُرُ فِي حَلِفِهِ صِدْقَ الشَّاهِدِ، أي وجوبًا، فإِن تَرَكَ الْحَلِفَ وَطَلَبَ يَميْنَ خَصْمِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، لأنه قد يكون له غرض في التورع عن اليمين، فإن حلف سقطت الدعوى، فَإِنْ نَكَلَ، أي المدعى عليه، فَلَهُ، أي للمدعي، أَنْ يَحْلِفَ يَمِيْنَ الرَّدِّ فِي الأَظْهَرِ، كما لو لم يكن له إلّا شاهد ونكل المدعى عليه؛ فإن للمدعي أن يحلف يمين الرد في الأظهر، والثاني: لا؛ لأنه لا يمكنه الحلف مع الشاهد.
فَصْلٌ: وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ أَمَةٌ وَوَلَدُها، يَسْتَرِقُّهُمَا، فَقالَ رَجُلٌ: هَذِهِ مُسْتَوْلَدَتِي عَلِقَتْ بِهَذا فِي مِلْكِي وَحَلَفَ مَعَ شاهِدٍ ثَبَتَ الاِسْتِيْلاَدُ، لأن حكم المستولدة حكم المال فتسلم إليه، وإذا مات حكم بعتقها بإقراره، لا نَسَبُ الْوَلَدِ وَحُرَّيَّتُهُ فِي الأَظْهَرِ، لأنهما لا يثبتان بهذه الحجة فيبقى الولد في يد صاحب اليد، والثاني: يثبتان تبعًا لها فينزع الولد منه ويكون حرًا نسيبًا بإقرار المدعي.
وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ غُلاَمٌ؛ فَقالَ رَجُلٌ: كَانَ لِي وَأَعْتَقْتُهُ وَحَلَفَ مَعَ شاهِدٍ،
стр. 1815
فَالْمَذْهَبُ: انْتِزاعُهُ وَمَصِيْرُهُ حُرًّا، كذا نص عليه؛ فمنهم من خرَّج فيه قولًا من المسألة قبلها؛ لأنها شهادة بملك متقدم، ومنهم من قطع بالنص وفَرقَ بأن المدعى عليه هنا يدعي ملكًا؛ وحُجَّتُهُ تصلح لإثباته، والعتق يترتب عليه؛ بخلاف الاستيلاد وجعلها في أصل الروضة المذهب؛ وهو من تَصَرُّفِهِ.
وَلَوِ ادَّعت وَرَثَةٌ مَالًا لِمُوَرَّثِهِمْ! وَأَقامُوا شاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ بَعْضُهُم أَخَذَ نَصِيْبَهُ، وَلا يُشارَكُ فِيْهِ، كذا نص عليه هنا، ونص في الصلح فيما لو ادّعيا دارًا إرثًا! فَصَدَّقَ المدَّعى عليه أحدهما وكذب الآخر، فإن المكذب يشارك المصدق، فخرج بعضهم من الصلح قولًا: أن ما أخذه الحالف يشاركه فيه من لم يحلف؛ لأن الارث ثبت على الشيوع، وقطع به الجمهور بما نص عليه، وفرقوا بأن الثبوت هنا بشاهد ويمين، فلو أثبتنا الشركة لَمَلَّكْنَا الناكل بيمين غيره، وهناك الثبوت بإقرار المدعى عليه ثم يترتب عليه إقرار المصدق بأنه إرث، وَيَبْطُلُ حَقُّ مَنْ لَمْ يَحْلِف بِنُكُولِهِ إِنْ حَضَرَ وَهُوَ كَامِلٌ، أي حتى لو مات لم يكن لوارثه أن يحلف قاله الإمام، وفي كلام غيره ما ينازع فيه، فَإِنْ كَانَ غائِبًا أوْ صَبِيًّا أو مَجْنُونًا، فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَقْبِضُ نَصِيْبَهُ فَإِذَا زالَ عُذْرُهُ حَلَفَ وَأَخَذَ بِغَيْرِ إِعادَةِ شَهادَةٍ، وفي قول: يقبض ويوقف (•). ولو تغيَّر حال الشاهد ففى إعادة الشهادة تردُّدٌ.
فَصْلٌ: وَلا تَجُوزُ شَهادَةٌ عَلَى فِعْلٍ كَزِنَا وَغَضْبٍ وَإِتْلاَفٍ وَوِلاَدَةٍ إِلَّا بِالإِبْصَارِ، لأنه يصل به إلى العلم من أقصى جهاته، وَتُقْبَلُ مِنْ أَصَمَّ، لحصول العلم له بالمشاهدة، وَالأَقْوَالُ كَعَقْدٍ، أي وفسخ، يُشْتَرَطُ سَمْعُهَا وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا، أي ولا يكفي التسامع لأن ما أمكن إدراكه بعلم الحواس لم يجز أن يعمل فيه بالظن ولا تقبل فيها شهادة الأصم الذي لا يسمع شيئًا، وَلَا يُقبَلُ، الشهادة من، أعْمَى، لانسداد طريق المعرفة عليه مع اشتباه الأصوات وإمكان التصنع فيها، إِلَّا أَنْ يُقَرَّ فِي أُذُنِهِ، أي بطلاق أو إعتاق أو مال، فَيَتَعَلَّقَ بِهِ حَتَّى يشْهَدَ عِندَ قاضٍ بِهِ عَلَى الصَّحِيْحِ، لحصول العلم
стр. 1816
بأنه المشهود عليه، والثاني: لا يقبل حسمًا للباب، ولجواز أن يكون المقر غيره، قال القاضي حسين: ومحل الخلاف ما إذا جمعهما مكان خالٍ؛ وألصق فاه باذنِهِ وضبطه كما سلف، فلو كان هناك جماعة وأقرَّ في اذنِهِ لم يُقبل.
وَلَوْ حَمَلَها بَصِيْرٌ ثُمَّ عَمِيَ شَهِدَ إِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعْرُوفِي الاِسْمِ وَالنَّسَبِ، لحصول العلم، وكذا لو عميَ ويد المقر في يده فشهد عليه كمعروف الاسم والنسب، وإن لم يكن كذلك لم تقبل شهادته؛ لأنه لا يمكنه تعيين المشهود عليه والإشارة إلى المشهود له.
تَنْبِيهٌ: تقبل شهادته أيضًا فيما شهد فيه بالاستفاضة كالموت وغيره مما سيأتي على الأصح إذا لم يحتج إلى تعيين وإشارة، وتقبل أيضًا في الترجمة على الأصح كما سلف في أثناء باب القضاء، قال ابن الصباغ: وينبغي قبولها؛ يعني فيما إذا عرف شخصًا وعرف صوته ضرورة لأنه تعيّن.
وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ، فَإِنْ عَرَفَ عَيْنَهُ واسْمَهُ وَنَسَبَهُ شَهِدَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ إِشارَةً، وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، لحصول التمييز بذلك، فَإِنْ جَهِلَهُمَا، يعني اسْمَهُ وَنَسَبَهُ، لَمْ يَشْهَد عِنْدَ مَوْتهِ وَغَيْبَتِهِ، لعدم العلم والاشتباه فيحضر بعد موته يشاهد صورته ويشهد على عينه فإن دفن لم ينبش وتعذرت الشهادة عليه.
وَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ شَهادَةِ عَلَى مُتَنَقَّبَةٍ اعْتِمَادًا عَلَى صَوْتِهَا، لاشتباه الأصوات، فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ جازَ، أي التحمل ولا يضر النقاب، وَيَشْهَدُ عِنْدَ الأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ عَلَيْهَا بِتَعْرِيْفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ عَلَى الأَشْهَرِ، أي وهو الذي أورده أكثرهم، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلاَفِهِ، أي أنه يجوز التحمل عليها بذلك، قال جماعة: ويكفي واحد سلوكًا به مسلك الأخبار، وقال الشيخ أبو حامد: إذا سمع من عدلين أنها فلانة بنت فلان جاز التحمل ويشهد على اسمها ونسبها عند الغيبة.
стр. 1817
وَلَوْ قَامَتْ بَيَّنَةٌ عَلَى عَيْنِهِ بِحَقًّ، فَطَلَبَ الْمُدَّعِي التَّسْجِيْلَ؟ سَجَّلَ الْقَاضِي بِالْحِلْيَةِ لاَ بِالاِسْمِ والنَّسَبِ مَا لَمْ يَثْبُتَا، أي ولا يكفي فيهما قول المدعي ولا إقرار مَنْ قامت عليه البينة، فإن نسب الشخص لا يثبت بإقراره، وَلهُ الشَّهادَةُ بِالتَّسَامُعِ عَلَى نَسَبٍ مِنْ أَبٍ أَوْ قَبِيْلَةٍ، لأنه لا يدرك بطريق القطع بل بالظاهر، فلم يكلف فيه القطع كيلا يمتنع، قال في الأشراف: وتجوز الشهادة به وإن لم يعرف المنسوب إليه، وَكَذَا أُمِّ فِي الَأصَحِّ، أي كالأب، والثاني: لا، لإمكان رؤية الولادة، وَمَوْتٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، كالنسب، والطريق الثاني: أنه على الخلاف في الولادة وما في معناه لا يمكن فيه المعاينة، لا عِتْقٍ وَوَلاَءٍ وَوَقْفٍ وَنِكَاحٍ وَمِلْكٍ فِي الأَصَحَّ، لأن مشاهدتها متيسرة، قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقَّقِيْنَ وَالأَكْثَرِيْنَ فِي الْجَمِيْعِ الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لِمَسِيْسِ الحاجة إلى إثباتها به، وَشَرْطُ التَّسَامُعِ سَمَاعُهُ مِنْ جَمْعٍ يُؤمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، أي ويقع العلم أو الظن القوي بخبرهم ولا يكفي قول عدلين، نَعَمْ لو أشهداه شهد على شهادتهما، وَقِيْلَ: يَكْفِي، سماعه، مِنْ عَدْلَيْنِ، كما يجوز للحاكم الحكم بشهادتهما، وَلا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى مِلْكِ بِمُجَرَّدِ يَدٍ، لأنها لا تستلزم الملك، وفيه قول بعيد: أنه يجوز، نعم يجوز أن يشهد له باليد إذا رآه في يده مدة طويلة، والتصرف لا يفيد جواز الشهادة على الملك أيضًا، فلو اجتمع اليد والتصرف فقد ذكره حيث قال: وَلا بِيَدٍ وَتصَرُّفٍ في مُدَّةٍ قَصِيْرَةٍ، وَتَجُوزُ فِي طَوِيْلَةٍ فِي الأَصَحِّ، لأن امتداد اليد والتصرف من غير منازعة لمنازع يغلب ظن الملك، والثاني: المنع؛ لأن الغاصب والمستأجر والوكيل أصحاب يد وتصرف؛ فان انضم إلى اليد والتصرف الاستفاضة ونسبةُ الناس الملك إليه جازت الشهادة قطعًا.
فَرْعٌ: طول المدة وقصرها يرجع فيها إلى العرف في الأصح؛ وقيل: الطويلة سَنَةٌ.
وَشَرْطُهُ، يعني التصرف المعتبر في هذا الباب: تَصَرُّفُ مُلَّاكٍ مِنْ سُكْنَى وَهَدْمٍ وَبِناءٍ وَبَيْعٍ، أي وفسخ، وَرَهْنٍ، لأن هذه الأمور ظاهرة في إثبات اليد (•) وكذا
стр. 1818
الإجارة في الأصح، ولا يكفي التصرف مرة واحدة؛ فإنه لا يفيد الظن، وَتُبْنَى شَهَادَةُ الإِعْسَارِ عَلَى قَرَائِنَ وَمَخَائِلَ الضُّرِّ وَالإِضَاقَةِ، أي بأن يراقب في خلواته لأنه مما يشاهد ويعسر الاطلاع عليه، وشرط شاهده خبرة باطنة كما سلف في بابه كالشهادة على أنه لا وارث لفلان إلا فلان.
فَصْلٌ: تَحَمُّلُ الشَّهادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النّكَاحِ، لتوقف الانعقاد عليه، وَكَذَا الإِقْرَارُ، وَالتَّصَرُّفُ الْمَالِيُّ، وَكِتَابَةُ الصَّكَّ فِي الأَصَحَّ، للحاجة إليها، وعبّر في الروضة في الأولين بالصحيح فخالف، والثاني: المنع؛ لأن الصحة واستيفاء المقاصد لا يتوقف عليه، وإذا قلنا بالافتراض في الأولين فذاك إذا حضره المتحمل له، أما إذا ادعى للتحمل فلا تجب الإجابة في الأصح إلّا أن يكون المتحمل له معذورًا بمرض أو حبس أو كانت مخدَّرة إذا أثبتنا للتخدير أثرًا، وكذا لو دعاه القاضي ليشهد على أمر ثبت عنده لزمه الإجابة وكذا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إِلَّا اثْنَانِ، أي بأن لم يتحمل سواهما أو مات الباقون أو جُنوا أو فسقوا أو غابوا، لَزِمَهُما الأَدَاءُ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ... ﴾ الآية (٥٤١)، فَلَوْ أَدَّى واحِدٌ وامْتَنَعَ الآخَرُ وَقالَ: احْلِفْ مَعَهُ عَصَى، لأن من مقاصد الاشهاد التورع عن اليمين، وَإِنْ كَانَ، أي في الواقعة، شُهُودٌ فَالأَدَاءُ فَرضُ كِفَايَةٍ، لأن الفرض يحصل بالبعض فأشبه
стр. 1819
رد السلام، فَلَوْ طَلَبَ مِنَ اثْنَيْنِ لَزِمَهُمَا فِي الأَصَحِّ، لئلا يفضي إلى التواكل، والثاني: لا كالتحمل، والأول فرَّقَ بأنه هنا يتحمل أمانة وهناك يؤديها، ومحل الخلاف كما قال الإمام ما إذا علم المدّعون أن في الشهود من يرغب في الأداء أو لم يعلموا من حالهم رغبة ولا إباء، أما إذا علموا إباءهم فليس ذلك موضع الخلاف، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا وَاحِدٌ لَزِمَهُ إِنْ كَانَ فِيْمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِيْنٍ، وَإِلَّا فَلاَ، لأن المقصود لا يحصل إلَّا به، وَقِيْلَ: لا يَلْزَمُ الأَدَاءُ إِلَّا مَنْ تَحَمَّلَ قَصْدًا لا اتّفاقًا، لأنه لم يوجد منه التزام، والأصح: لا فرق؛ لأنها أمانة حصلت عنده فعليه الخروج عنها.
وَلِوُجُوبِ الأَدَاءِ شُرُوطٌ:
١ - أَنْ يُدْعَى مِن مَسافَةِ الْعَدْوَى، أي وهي التي يرجع منها مبكرًا ليلًا كما سلف للحاجة إلى الاثبات وتعذره بالشهادة على الشهادة، وَقِيْلَ: دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، الخلاف مبنيٌّ على أن الشهادة على الشهادة في مثلها هل تقبل؟ والأصحُّ: نعم؛ وعدم وجوب الإجابة للمشقة، فإن دُعي من مسافة القصر لم تجب الإجابة جزمًا.
٢ - وَأنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَإِنْ دُعِيَ ذُو فِسْقٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، أي ظاهر أو خفي، قِيْلَ: أَوْ مُخْتَلَفٍ فِيْهِ، لَمْ يَجِبْ، أما في المجمع عليه فظاهر؛ بل يحرم عليه أن يشهد فضلًا عن الوجوب، وأما في المختلف فيه كشرب النبيذ؛ فلأن الظاهر استمراره على اجتهاده، والأصحُّ: الوجوب فيه وإنْ عَهِدَ من القاضي التَّفْسِيقُ وردُّ الشهادة به، لأنه قد يتغير اجتهاده.
٣ - وَأَنْ لاَ يَكُون مَعْذُورًا بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، أي كمن خاف على ماله أو تعطل كسبه في ذلك الوقت، فَإِنْ كَانَ أَشْهَدَ عَلَى شَهادَتِهِ أَوْ بَعَثَ القاضِي مَنْ يَسمَعُهَا، رَفْعًا للمشقة عنه.
فَصْلٌ: تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ، أي كالأموال والأنكحة والعقود والفسوخ ونحوها لدعاء الحاجة إلى ذلك لأن شهود الواقعة قد يغيبون أو يموتون، وَفِي عُقُوبَة لآدَمِيًّ عَلَى الْمَذْهَبِ، أي كالقصاص وحد القذف لا في حد
стр. 1820
الله تعالى، لأن حقَّ الآدميَّ مبنيٌّ على الشح وحقه تعالى على المسامحة لاستغنائه، وهذا كما في كتاب القاضي إلى القاضي فإن الأصح المنع في حق الله تعالى دون حق الآدمي، وقد يرتب فيقال: إن جوّزنا في حق الله ففي حق الآدمي أولى، فإن منعنا هناك فهنا قولان، وَتَحَمُّلُهَا بِأَنْ يَسْتَرْعِيْهِ، يعني الأصل، فَيَقُولُ: أَنا شاهِدٌ بِكَذَا وَأُشْهِدُكَ أَوْ اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي، أي وكذا إذا استَشْهَدْتَ على شهادتي فقد أذنت لك في أن تشهد، أَوْ يَسْمَعُهُ يَشْهَدُ عِنْدَ قاضٍ، لأنه لا يتصدى لإقامة الشهادة عند القاضي إلا بعد تحقق الوجوب، أوْ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلاَنٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا عَنْ ثَمَنِ مَبِيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ، لأن الاستناد إلى السبب يقطع احتمال الوعد والتساهل، وَفِي هَذا وَجْهٌ، أي أن الاستناد إلى السبب لا يكفي للتحمل، حكاه الإمام وقال: إنه أظهر، وذكر ابن القاصّ: أنه إذا سمع الشاهد يحمل شاهدًا؛ فيصح تحمله على شهادته مسترعيًا، وينبغي أن يجوّز للسامع التحمل لأن القصد معرفة عدم التساهل، وَلَا يَكْفِي سَمَاعُ قَوْلِهِ: لِفُلاَنٍ عَلَى فُلاَنٍ كَذا، أَوْ أَشْهَدُ بِكَذَا، أَوْ عِنْدِي شَهادَةٌ بِكَذَا، لأن الناس قد يتساهلون في إطلاق ذلك على عدة ونحوها، وَليُبَيَّنِ الْفَرْعُ عِنْدَ الأَدَاءِ جِهَةَ التَّحَمُّلِ، أي فإن استرعاه الأصلَ قال: اشهد أن فلانًا شَهِدَ أنَّ لفلان على فلان كذا، وأشهدَني على شهادته، وإن لم يسترعِهِ بَيَّنَ أنَّه شَهِدَ عند القاضي، أو أنه أسندَ المشهود به إلى سببه؛ لأن الغالب على الناس الجهل بطريق التحمل، فَإِنْ لَمْ يُبَيَّنْ، أي جهة التحمل، وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ فَلَا بَأْسَ، لانتفاء المحذور، نَعَمْ؛ يُسْتَحَبُّ للقاضي أنْ يسأله بِأَيِّ سبب ثبتَ هذا المال؟ وهل أخبرك به الأصل؟
وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَلَى شهادَةِ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ، لأنه غير مقبولها، وَلا تَحْمِلُ النَّسْوَةُ، أي وإن كانت الأصول أو بعضهم نساء وكانت الشهادة في ولادة أو رضاع أو مال، لأن شهادة الفرع تثبت بشهادة الأصل لا ما شهد به الأصل، ونفس الشهادة ليست بمال يطلع عليه الرجال، وفيه وجه شاذٌّ، فَإن مَاتَ الأَصْلُ أوْ غابَ أَوْ مَرِضَ لَمْ يَمْنَعْ شَهَادَةَ الْفَرْعِ، لأن ذلك ليس نقصًا، وَإِنْ حَدَثَ رِدَّةٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ عَداوَةٌ مَنَعَتْ، لأن هذه الأحوال لا تَهْجُمُ دُفْعَةً واحدة بل الفسق يورث الريبة
стр. 1821
فيما تقدم، والرّدَّةُ تُشْعِرُ بِخُبْثٍ في العقيدة سابقٍ، والعداوَةُ تنشأُ لِضَغَائِنَ كانت مسكنة وليس لمدة الريبة من قبل ضبط فينعطف إلى حالة التحمل، وَجُنُونُهُ، يعني الأصل، كَمَوْتِهِ عَلَى الصَّحِيْحِ، لأنه لا يوقع ريبة فيما مضى، والثاني: يمنع كالفسق.
وَلَوْ تَحَمَّلَ فَرْعٌ فَاسِقٌ أَوْ عَبْدٌ، أي، أَوْ صَبِيٌّ فَأَدَّى وَهُوَ كَامِلٌ قُبِلَتْ، كما في الأصل إذا تحمل وأدّى في حال الكمال، وَيَكْفِي شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، لأنها شهادة على شخصين فجاز أن يجتمعا عليهما في حقين كما لو شهدا على مقرّين، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رَجُلٍ وامْرَأَةٍ اثْنَانِ، لأنهما إذا شهدا على شهادة أحد الأصلين كانا كشاهد واحد قام بها شهادة أحد الشطرين فلا يقوّم بها الشطر الثاني، كما لو شهد مرة على شيء لا يشهد مرة أخرى، وربما سُمِّيَ هذا الجديد والأول القديم، ووقع في الكفاية: أن النووي صحَّحَ هذا وكأنه وهم.
وَشَرْطُ قَبُولِهَا، يعني شهادة الفرع على الأصل، تَعَذُّرُ أَوْ تَعَسُّرُ الأَصِيْلِ بِمَوْتٍ أوْ عَمًى، أوْ مَرَضٍ يَشُقُّ حُضُورُهُ، أي لا مطلق المرض، أَوْ غَيْبَةٍ لِمَسَافَةِ عَدْوَى، وَقِيْلَ: قَصْرٍ، كذا وقع في الكتاب، وصوابه زيادة لفظة (فَوْقَ) قبل مسافة العَدْوَى فإنه الذي يسوّغ شهادة الفرع، كما قرره في الروضة تبعًا للرافعي، ووقع في الْمُحَرَّرِ على الصواب كما بَيَّنَهُ في الأصل فَلَيْتَهُ تَابَعَهُ، وَأَنْ تُسَمَّيَ الأُصُولَ، لتعرف عدالتهم، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يُزَكّيَهُمُ الْفُرُوعُ، أي بل لهم إطلاق الشهادة، والقاضي يبحث عن عدالتهم، وقيل: يشترط، فَإِنْ زَكَّوْهُمْ قُبِلَ. وَلَوْ شَهِدُواْ عَلَى شَهادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ لَمْ يَجُزْ، لأن القاضي قد يَعْرِفَهُمْ بالجرح لو سُمُّواْ.
فَصْلٌ: رَجَعُواْ، يعني الشهود، عَنِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ، أي الحكم بشهادتهم لأنه لا يدري أصدقوا في الأول أو في الثاني فلا ينفى ظن الصدق، أَوْ بَعْدَهُ، أي بعد الحكم، وَقَبْلَ اسْتِيْفاءِ مالٍ اسْتُوفِيَ، لأن القضاء قد تَقَدَّمَهُ (•) وليس هو مما يسقط بالشبهة حتى يتأثر بالرجوع، أَوْ عُقُوبَةٍ، أي كقصاص وحد قذف،
стр. 1822
فَلاَ، لأنها تسقط بالشبهة وهو شبهة بخلاف المال، أَوْ بَعْدَهُ، أي بعد الاستيفاء، لَمْ يُنْقَضْ، لتأكد الأمر، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا أَوْ قَتْلَ رِدَّةٍ أَوْ رَجْمُ زِنًا أَوْ جَلْدِهُ وَمَاتَ وَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا فَعَلَيْهِمْ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ، أي موزعة على عدد رؤوسهم لتسببهم (•) إلى ذلك ويُحدّون في شهادة الزنا حد القذف أولًا ثم يقتلون، وهل يرجمون أو يقتلون بالسيف؟ فيه احتمالان للعبادي والأصح الأول، وَعَلَى الْقَاضِي قِصَاصٌ إِنْ قَالَ: تَعَمَّدْتُ، أي ورجع هو دون الشهود أو دية مغلظة، وَإِنْ رَجَعَ هُوَ وَهُمْ فَعَلَى الْجَمِيْعِ قِصَاصٌ إِنْ قَالُواْ: تعَمَّدْنَا، لتسببهم إلى قتله عدوانًا، فَإِنْ قَالُواْ: أَخْطَأْنَا فَعَلَيهِ نِصْفُ دِيَةٍ وَعَلَيْهِمْ نِصْفُ، دية، وَلَوْ رَجَعَ مُزَكًّ، فالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَضْمَنُ، لأنه بالتزكية يلجئ القاضي إلى الحكم المفضي إلى القتل، والثاني: لا؛ لأنه لم يتعرض للمشهود عليه وإنما أثنى على الشاهد، والحكم يقع بشهادة الشاهد فكان كالممسك مع القاتل، أَوْ وَلِيٌّ وَحْدَهُ فَعَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ، لأنه المباشر، أَوْ مَعَ الشُّهُودِ فَكَذَلِكَ، لأنه المباشر وهم معه كالممسك مع القاتل، وهذا التصحيح من تصرف المصنف، وَقِيْلَ: هُوَ وَهُمْ شُرَكَاءٌ، لتعاونهم على القتل، وَلَوْ شَهِدَا بِطَلاَقٍ بَائِنٍ؛ أَوْ رَضَاعٍ، أي مُحَرَّمٍ، أَوْ لِعَانٍ؛ وَفَرَّقَ الْقَاضِي؛ فَرَجَعا؛ دامَ الْفِراقُ، لأن قولهما في الرجوع محتمل فلا يردُّ القاضي بقول محتمل، وَعَليْهِمْ مَهْرُ مِثْلٍ، لأنه بدلُ ما فَوَّتَاهُ، وَفِي قَولٍ: نِصْفُهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ وَطْءٍ، لأنه الذي فات على الزوج، وفيه قول آخر: نصف المسمَّى، وخرج بالطلاق البائن الرجعي، فإنه إذا رجع لا غرم إذ لا تفويت وإلَّا (•) غرم.
وَلَوْ شَهِدَا بِطَلاَقٍ وَفَرَّقَ فَرَجَعَا فَقامَتْ بَيِّنَة أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ، أي مُحَرِّمٌ، فَلا غُرْمَ، إذا لم يفوّتا شيئًا، وَلوْ رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ غَرِمُواْ فِي الأَظْهَرِ، لحصول الحيلولة بشهادتهم، والثاني: لا، وهو ظاهر المذهب، وعُزِيَ إلى الجديد لأنه
стр. 1823
لم يوجد تفويت حقيقة لأن المشهود عليه لو صدقهم في الرجوع لزمه رد المال، ووقع في الكفاية: أن النووي صححه وهو وهْمٌ، وَمَتَى رَجَعُواْ كُلُّهُمْ وُزَّعَ عَلَيْهِمُ الْغُرْمُ، أي بالسوية، أَوْ بَعْضُهُمْ وَبَقِيَ نِصَابٌ، أي كما إذا رجع من الثلاثة في العتق أو القتل واحد، فَلا غُرْمَ، أي على الراجع لأنه بقي من تقوم به الحجة فكأن الراجع لم يشهد، ووقع في الرافعي: أن ابن الحداد قال بهذا، والذي في فروعه الجزم بوحوب الغرم وفيه أيضًا وجوب القصاص، وَقِيْلَ: يَغْرَمُ قِسْطَهُ، لأن الحكم وقع بشهادة الجميع وكل منهم قد فوّت قسطًا فيغرّم ما فوّت، وَإِنْ نَقَصَ النَّصَابُ وَلَمْ يَزِدِ الشُّهُودُ عَلَيْهِ، أي بأن رجع من شاهِدَي القتل أحدهما، فَقِسْطٌ، من النصاب، فَإذا زَادَ، أي بأن رجع من الثلاثة اثنان، فَقِسْطٌ مِنَ النَّصَابِ، بناء على أنه لا غرم إذا بقي نصاب فيجب النصف على الراجعين من الثلاثة، وَقِيْلَ: مِنَ الْعَدَدِ، أي فيجب الثلثان عليهما؛ لأن البيّنة إذا نقص عددها زال حكمها وصار الضمان متعلقًا بالأثلاث وقد استووا فيه.
وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وامْرَأَتَانِ فَعَلَيْهِ نِصْفٌ وَهُمَا نِصْفٌ؛ أَوْ وَأَرْبَعٌ فِي رَضَاعٍ فَعَلَيْهِ ثُلُثٌ وَهُنَّ ثُلُثَانِ، فَإِنْ رَجَعَ هُوَ أَو ثِنْتَانِ فَلاَ غُرمَ فِي الأَصَحِّ، لبقاء الحجة، والثاني: عليه أو عليهما ثلث الغرم، وَإِنْ شَهِدَ هُوَ وَأَرْبَعٌ بِمالٍ فَقِيْلَ كَرَضَاعٍ، أي فعليه ثلث وعليهن ثلثان، وَالأَصَحُّ: هُوَ نِصْفٌ وَهُنَّ نِصْفٌ سَوَاءٌ رَجَعْنَ مَعَهُ أوْ وَحْدَهُنَّ، أي بخلاف الرضاع لأن المال لا يثبت بشهادة النساء وإن كثرن، فنصف الحجة تقوم بالرجل معهن كم كنّ، وَإِنْ رَجَعَ ثِنْتَانِ، فَالأَصَحُّ: لاَ غُرْمَ، لبقاء الحجة، والثاني: عليهما ربع الغرم، وَأَنَّ شُهُودَ إحْصَانٍ أَوْ صِفَةٍ مَعَ شُهُودِ تَعْلِيْقِ طَلاَقٍ أَوْ عِتْقٍ لاَ يَغْرَمُون شَيْئًا، أي إذا رجعوا، أما في شهود الإحصان؛ فلأنهم لم يشهدوا بما يوجب عليه عقوبة؛ وإنما وصفوه بصفة كمال، وأما في شهود الصفة مع شهود تعليق الطلاق أو العتق؛ فلأنهم لم يشهدوا على فعله وهو الموجب للطلاق والعتق وإنما أثبتوا صفة، والثاني: يغرمون؛ لأن الرجم لا يتوقف على ثبوت الزنا والإحصان جميعًا، فالقتل لم يستوفَ إلا بهم وكذلك الطلاق والعتق وقع بقولهم.
стр. 1824
كِتَابُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَاتِ
الدَّعْوَى: فِي اللُّغَةِ الاِسْمُ مِنَ الاِدَّعَاءِ وَجَمْعُهَا دَعَاوَى، وَالْبَيِّنَاتُ: جَمْع بَيَّنَةٍ وَهِيَ الْمُوَضِحَةُ، وَالأَصْلُ فِي الْبَابِ حَدِيثُ [الْبَيَّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ] رواه البيهقي من حديث ابن عباس بإسناد جيد وهو في الصحيحين بنحوه (٥٤٢).
تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى عِنْدَ قَاضٍ فِي عُقُوبَةٍ كَقِصَاصٍ وَقَذْفٍ، لعظم خطره والاحتياط في إثباته واستيفائه، وَإنِ اسْتَحَقَّ عَيْنًا فَلَهُ أَخْذُها إِنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَإِلَّا وَجَبَ الرَّفْعُ إِلَى قَاضٍ، تحرزًا منها، أَوْ دَيْنًا عَلَى غَيْرِ مُمْتَنِعٍ مِنَ الأَدَاءَ طَالَبَهُ بِهِ، أي ليؤدي ما عليه، وَلاَ يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ لَهُ, لأن الخيار في تعيين المال المدفوع إلى من عليه، أَوْ عَلَى مُنْكِرٍ وَلاَ بَيِّنَةَ أَخَذَ جِنْسَ حَقَّهِ مِنْ مَالِهِ، أي إن ظفر به لعجزه عن حقه إلَّا بذلك ولا يأخذ غيره مع القدرة على الأصح، وَكَذَا غَيْرَ جِنْسِهِ إِنْ فَقَدَهُ
стр. 1825
عَلَى الْمَذْهَبِ، للضرورة، وقيل: قولان؛ وجه المنع: أنه لا يتمكن من تملكه وليس له أن يبيع مال غيره لنفسه، وخرج بـ (الفقد) الوجدان فإنه لا يأخذ غيره كما تقدم، أَوْ عَلَى مُقِرٍّ مْمْتَنِعٍ أَوْ مُنْكِرٍ، وَلَهُ بَيَّنَةٌ فَكَذلِكَ، أي له الاستقلال بالأخذ لأن في المرافعة مؤنة ومشقة وتضييع زمان، وَقِيْلَ: يَجِبُ الرَّفْعُ إِلَى قَاضٍ، كما لو أمكنه تحصيل الحق بالمطالبة والتقاضي.
وَإِذَا جَازَ الأَخْذُ فَلَهُ كَسْرُ بَابٍ وَنَقْبِ جِدَارٍ لاَ يَصِلُ إِلَى الْمَالُ إِلَّا بِهِ، أي ولا يضمن ما فوقه على الأصح كمن لا يقدر على دفع الصائل إلا بإتلاف ماله فأتلفه لا يضمن، ثُمَّ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَمَلَّكُهُ، بدلًا عما استحقه، وَمِنْ غَيْرِهِ يَبِيْعُهُ، أي بنفسه كما يتسلط على الأخذ ولا يتملكه على الصحيح، وَقِيْلَ: يَجِبُ رَفْعُهُ إِلَى قَاضٍ يَبِيْعَهُ, لأنه كيف يلي التصرف في مال غيره لنفسه، وهذا التصحيح من تصرف المصنف وهو مقتضى ما في الرافعي، ثم هذا إذا كان القاضي جاهلاً بالحال ولا بيّنة للأخذ، فإن كان عالمًا فالظاهر والمذهب: أنه لا يبيعه إلا بإذنه، وَالْمَأْخُوذُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، أي على الآخذ، فِي الأَصَحَّ، فَيَضْمَنُهُ إِنْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ وَبَيْعِهِ, لأنه يأخذه لغرضه كالمستام بل أولى لأن المالك لم يسلطه، والثاني: لا؛ لأنه مأخوذ للتوثق والتوصل به إلى الحق فأشبه الرهن، وإذن الشرع في الأخذ يقوم مقام إذن المالك، وَلاَ يَأْخُذُ، أي المستحق، فوْقَ حَقَّهِ إِنْ أَمْكَنَهُ الاِقْتِصَارُ، لحصول المقصود به، فإن لم يمكن فلا يضمن الزيادة على الأصح للعذر، وَلَهُ أَخْذُ مَالِ غَرِيْمٍ غَرِيْمِهِ، أي بأن يكون لزيد على عمرو دين ولعمرو على بكر مثله، يجوز لزيد أن يأخذ من مال بكر ماله على عمرو ولا يمنع من ذلك ردّ عمرو وإقرار بكر له، ولا جحود بَكرٍ إستحقاق زيد على عمرو.
فَرْعٌ: جحد دَيْنَهُ وله عليه صك بدين آخر قبضه ولم يعلم به الشهود، ففي فتاوى القفال: أنه لا يجوز أن يدّعي به ويقيم البيّنة عليه ويقبضه بدينه الآخر، وعن القاضي أبي سعيد: أن له ذلك، قال في الروضة: هو الصحيح.