Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
كنت لقائمًا، أو إنّك قتلتَ لمسلما، لم يجز، فعلمنا أنها ليست بها.
وقد اعتذر عن هذا المعنى ابنُ خروفٍ فقال: ولما خُفِّفت وأبطل عملُها ألزموها اللام فرقًا بينها وبين النافية، وأدخلوها على ما لم تكن تدخل عليه وإنّ مثقلةً، فقالوا: إن قام لزيدٌ، وإن ضربتَ لعمرًا، ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقينَ﴾؛ قال: وليس دخولها في هذه المواضع بأبعد من دخولِ إنّ على الفعل، لَمّا أُلغِيت جاز فيها ذلك. هذا ما قاله؛ وأيضًا فلا بُعْدَ في أَنْ يعملَ ما قبلها فيما بعدها، كما يعمل فيما قبلها إذا قلت: إنّ زيدًا طعامَكَ لآكِلٌ، وإن زيدًا في الدار لقائِمٌ. وما أشبه ذلك، لما كانت مؤخرة من تقديم، فمن حيث فيها على الجملة ألّا تعتبر صَدْريّتِها مع إنّ يجوز أن لا تعتبر هنا أيضًا لأن المخففة هى المثقّلَةُ. وللمؤلف هنا جواب آخر في الشرح لا حاجة إلى جَلْبِهِ هنا.
والفائدة الثانية: ما نصّ عليه/ من لزوم اللام، والفائدة في لزوم اللام قصدُ التفرقة بين إِنْ المخففة من الثقيلة وبين إن النافية؛ إذ لو قلت: إِنْ زيد قائمٌ، لم يُعرَفْ أهى النافية أم لا، فأدخلوا اللام المختصّة بأنْ المخففة، لأنها التى تصحبها حال تثقيلها وحال تخفيفها أيضًا إذا أُعمِلَت، فلم تلتبس بالنافية؛ ولأن لام الابتداء ليس من شأنها أن تدخل مع أدوات النفي، فحصل الفرق بينهما؛ قال سيبويه: «اعلم أنهم يقولون: إِنْ زيدٌ لذاهبٌ، وإِنْ عَمْروٌ لخيرٌ منك، لما خَفّفها جعلها بمنزلة لكنّ حين خَفّفها» -يعى بمنزلتها في الإهمال-، قال: «وألزمها اللام لئلا تلتبس
стр. 1052
بإن التي بمنزلة ما التى ينفي بها». وهذا التعليل (قد) يقتضى أنها لا تلزم إذا لم يقع لَبْسٌ، ولكن العرب لم تراع ذلك إلا في النادر، كما هو ذاكره. والفائدة الثالثة: أنها لا تلزم إذا أُعْمِلت، لأنّ الناظم شرط في لزومها إهمالَ إِنّ، فاقتضى مفهُو الشرط أنها إذا لم تُهْمَلْ لا تلزمُ. وذلك صحيح، فتقول: إِنْ زيدًا قائمٌ، وإِنْ زيدًا لقائم. نصّ على ذلك السيرافي وغيره، ووجه ذلك ظاهر، وهو أنها لما أُبقيَتْ مع التخفيف على حكمها مع التثقيل في العمل، أُبِقَى لها أيضًا حكمُ دخول اللام في الخبر، وهو الجواز مع التثقيل، فكذلك يكون مع بقاء حكمه. ثم قال: «وَرُبّما استُغْنَىِ عَنها»، رُبّما إنما يستعملها الناظم في التقليل، والضمير «عنها» عائدٌ إلى اللام. يعنى أنّ اللام الفارقة قد يُستَغنى عنها فلا يؤتى بها، لك بشرط أن يبدو ويظهر مرادُ المتكلم بكلامه ومعتمدُه الذى اعتمده. وذلك الإيجابُ لا النفىُ. وهذا الاستغناء قليلٌ في الكلام، والغالبُ لزوم اللام. وحاصلُ ذلك أنها تسقط إذا أُمِن اللبس بين إِنْ المخففة والنافية بقرينة تدلّ على ذلك، فإذا أُمِن اللبسُ فربّما لم يُؤْتَ باللام نحو قراءة من قرأ: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَا متاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيا﴾، بكسر لام لما، أى: للذى هو متاع الحياة الدنيا. وفي الحديث: «وأَيمُ الله، إِنْ كَانَ خليقًا للإمارة». وقال معاوية في كعب الأحبار: «إن كان من أحذقِ هؤلاء». وهذا كلُّه نادر كما قال.
стр. 1053
(فإن) قيل: في ظاهر سياقه تناقضٌ، وذلك أنه قال: «وتلتزمُ اللامُ»، فاقتضى أن السقوط غير موجود، ثم قال: «وربّما استُغْنِى عنها» فاقتضى أها غير لازمة! وشأنه أن يأتى في مثل هذا بلفظ الغلبة أو الشياع فيقول: وتغلبُ اللامُ، أو: وتلحقُ اللام في الغالب أو الشائع أو ما أشبه ذلك. فهذه عبارة معترضةٌ.
فالجواب: أن قصده أمرٌ آخر، وهو أنّ قوله: «وتلزم اللامُ» يريدُ في القياس، فلا يجوز إسقاطها البتّة وإن أُمِنَ اللبس. وقوله: «وربّما استُغنِىَ عنها»، يعنى به في السماع الذى لا يقاسُ عليه. والدليل على هذا القصيد من كلامهم قوله: «وربّما» فجعل النُّدورَ في قسم ما أُمِن فيه اللبسُ، ومواضع أمن اللبس لا توصف بالندور لكثرة القراءة الدالّة، فإنما أراد تعيينن موضع السماع، وأن إسقاط اللام نادِرٌ لا يقاسُ عليه. ولو أراد القياس لم يأت بربّما المقتضية لترك القياس عنده/، وليس قصده كما قال في التسهيل: «وتلزم اللام بعدها فارقةً إِنْ خيف لبسٌ بإنْ النافية». فهذا الكلامُ يقتضى أَنّ إسقاطها بشرط أَمْنِ اللبس قياسٌ، بخلاف كلامه في هذا النظم، فإنّ الظاهر منه لزومُ اللام مطلقًا كمذهب سيبويه وغيره، فخالف ما ذهب إليه التسهيل وشرحه، ومذهبه هنا أصحّ؛ إذ لو كان أمُن اللبس مجوّزًا لإسقاطها عند العرب لكانوا خُلَقاءَ أن يكثر ذلك في كلامهم ويشيع؛ إذ اللام عند ذلك جائزةُ اللحاق لا لازمتُه، فلما لم يكن ذلك، بل حافظوا على إلحاقها مطلقًا، دلّ ذلك على أهم أجروا ما لا لبس فيه على ما فيه اللبس، ليجرى البابُ كلُّه مجرًى واحدًا، كما فَعَلُوا
стр. 1054
ذلك في جريان الصفة على غير من هى له. وقد مرّ ذلك في باب الابتداء.
فإن قيل: أطلق الناظمُ القولَ في لزوم هذه اللام، فاقتضى أنها تلزمُ الخبر كان منفيًا أو موجبًا. وليس كذلك، بل إما تلزم عند كون الخبر موجبا لم تتقدّمه أدا نفى، وقد شرط ذلك في التسهيل حيث قال: «وتلزمُ اللام بعدها فارقةً إن خِيفَ لبسٌ بإن النافية، ولم يكُنْ بعدها نَفْىٌ» فلا يجوز على هذا: إِنْ زيدٌ لما قام، وإن زيدٌ للا يقوم، وكلامُه هنا يجوز ذلك لإطلاقِه وعدمِ ذكره هذا الشرط. وهو غير صحيح.
فالجواب: أن هذا الاشتراط غير محتاج إليه؛ إذ (قد) تقرّر من كلامه أنّ هذه اللام هى لام الابتداء الدالخلة في خبر إنّ، وإذا كات إيّاها فقد تقدّم قبلُ اشتراط كونِ الخبر غير مفيّ في قوله: «وَلَا يَلىِ ذى اللامَ ما قَدْ نُفيا»؛ فذِكْرُ ذلك هنا تكرارٌ من غير فائدة. وأيضا لو احتيج إلى ذلك الشرط أنْ يُذكَرَ هنا لاحتيج لذكر جميع الشروط مثل أن لا يكون فعلا ماضيا متصرِّفًا خاليًا من قد، وساءر ما ذُكِر هنالك، فلما لم يكن كذلك كان تَرْكُ هذا الشرطِ هو الوجبَ ها. فالذى فعل هَنَ ابن مالكٍ أحسنُ من فعله في التسهيل، والله أعلم.
ثم بَيَّن دخولها في الأفعال فقال: «والفِعلُ إِنْ لَم يَكُ ناسخًا» .. إلى آخره. هذا الكلامُ تُعطِى أَنّ وصلَ إِنْ هذه بالأفعالِ جائز على الجملة. وهذا مفهومٌ من كلامه؛ لأن معناه أَنّ الفعل إن كان ناسخًا وصِلَ بها وغلا فهو على الجملة مما يُوصَل بها الفعل. وهذا مُتّفق عليه، لكنهم اختلفوا في تعيين نَوْعِهِ، فالبصريُّونَ على اشتراطِ كونه ناسخًا للابتداءِ، وهو الّذى ذكَره النّاظم من أنها لا تُوصَل بالفِعلِ غالبًا إلا إذا كان ناسخًا، والأفعال النواسخ هى: كان وأخواتها، وكاد
стр. 1055
وأخواتها، وعلم وأخواتها، فتقول: إن كان زيدٌ لقائمًا، وإن كادَ ليقوم، وإن علمتك لصادقًا. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُبينٍ﴾، ﴿وَإِنْ يَكَادُ الذينَ كَفَرُوا لَيُزْلقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمِ﴾، ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبينَ﴾. وهو كثير.
وأما الكوفيون فلا يُعَيِّنون لذلك ناسخًا من غيره، بل يجيزون دخولها على كل فِعْلٍ متصرِّفٍ/ فيقولون: إِنْ ضربَ لزيدًا، وإن أكرمتَ لعمرًا، وإن قام لزيدٌ. وإلى هذا ذهب الأخفشُ، ومالَ إليه المؤلف في التسهيل وشرحه. والظاهرُ منه هنا خلاف ذلك، لقوله: «فَلَا تُلْفِيهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِى مُوْصَلَا، والغالبُ عنده في مقابلة النادِرِ، وهكذا جرى اصطلاحه في هذا الإطلاق، والنادرُ لا يقاسُ عليه. وإنما ذهبوا إلى ذلك لوجود السماع به، أمّا الكوفيون فالذى حكوا من ذلك هو قولُ امرأةِ الزبير ﵄:
ثكَلَتْكَ أُمُّكَ إِنْ قَتَلْتَ لَمُسْلِمًا
وَجَبتْ عَلَيْكَ عُقُوبةُ المُتَعمِّدِ
وهذ -وإن كان في نقلهم شاذًا- فهو على قاعدتهم قياسٌ، من جهة أَنّ إِنْ عنده نافيةٌ، واللامُ ايجابيّة، كما وإلّا، وكما أَنّ ما وإلّا غير مختصّةٍ بناسخ دون غيره، فكذلك مرادفها.
стр. 1056
وأما من قال بقياسه من البصريين فمعتمدهم السماع، فقد جاء من ذلك أشياء؛ من ذلك ما حكى الأخفش في معانيه في قراءة ابن مسعود، قال: ﴿إِنْ لَبِثْتُم لَقَلِيلًا﴾، وقول امرأة من العرب: «والذى يُحْلَفُ به إِنْ جاءَ لَخَاطبًا»، وقول بعض العرب: «إِنْ يَزِينُك لنفسُكَ، وَإِنْ يَشِينُك لهِيَهْ». وهذا كلّه لا يبلغ مَبْلَغَ أَنْ يُقاسَ عليه.
وإنما اختصت بالأفعال الناسخة لأنها كانت مختصّة بالدخول على المبتدأ والخبر في الأصل، فلمّا خُفِّفَتُ الشئ على حال كذا، أى: وجدته كذلك .. وذى من قوله: «بإذن ذِى مُوْصَلا صفةٌ لإِنْ، وهى التى يشار بها إلى القريب المؤنث، أى: لا تلفيه موصَلًا بإن هذه، يعنى المخففة من الثقيلة، تحرّزًا من إِنْ النافية وإن الشرطية، فإنهما مخالفان لها في هذا الحكم.
وتحرز بقوله: «غالبًا» مما جاء من الأفعال غير الناسخة موصلًا بإن. وقد تقدم ما جاء من ذلك
وبقي (هنا) على الناظم سؤالان:
أحدهما: أن «موصلا» من «أوصلت» الرباعىّ، والفعلُ المستعمل في معنى الوصول كذا إلى كذا وصولًا. ولا تقول: أوصلت كذا بكذا، بمعنى وصلته، وإنما تقول: أوصلتُ كذا إلى كذا، فهو الذى يتعدّى إلى الثاني بإلى لا بالباء، وأما المتعدّى بالباء فتقول فيه: وصلته فهو موصول. فكان حقّ الناظم أن يقول: فلا تلفيه غالبا بإن ذي موصولا.
стр. 1057
والثاني: أنّ هذا الوصلَ المراد لم يبّن كيف يكون، أقبل إِنْ أم بعدها؟ فإن اتصال الشئ بالشئ يكون من كلتا جهتيه، ولذلك تقول: «وصلتُ الكلام بعضه ببعض، تريد: وصلتُ أوّله بآخره، وأخَرهُ بأوّله. وإذا كان كذلك فمن الواجب بيانُ اتصال الفعلِ بإنْ، هل يكون الفعلُ متقدّما على إنْ أو متأخّرًا عنها؛ إذ لا يعرف ذلك إلا بالنّقْلِ والنصّ عليه. ولذلك اعتنى أبو القاسم بهذه المسألة، فبوّب لها بابًا مستقلًا فقال: باب الجمع بين إنّ وكان»، ونص على تقديم إنّ، فَتَرْكُ الناظمِ بيانَ ذلك تقصيرٌ.
والجواب عن الأول: أن العرب تقول: وَصَلَ الشئُ بالشئ/: إذا اتصل به. فهو يتعدّى ولا يتعدّى، كرجَعَ ورجعتُه، ووقف ووقفتُه، وعَمَر المنزلُ وعمرتُه؛ وإذا ثبت ذلك فلعلّ الناظم عدّى هذا الفعل بالهمزة بناءً على أنه مقيس، كما تقول: ذهب وأذهبته، وقام وأقمته، وقعَد وأقعدتُه؛ فيكون مُوصلًا من أوصلتُ الشئ بالشئ، المعدّى من وصل بمعنى اتّصل، ولا يكون فيه اعتراضٌ.
وعن الثاني: أن وَصْلَ الشئِ بالشئِ يجرى في العرف على معنى الوصل من آخر، ولذلك إذا أرادوا الوصل من أوّلٍ عدلوا عن هذا اللفظ إلى لفظ «ألحقت» أو إلى لفظ أدخلت، فيقول: كذا على كلمة كذا، أى أوصلتها بها من أولها. فلفظُ الوصل في العرف المستعمل له خصوصيّةٌ
стр. 1058
باللحاق من آخر؛ فكأنّ الناظم عوّل في فهم تقديم إِنْ على الفعل على هذا الاستعمال. والله أعلم.
وَإِنْ تُخَفّفْ أَنّ فَاسْمُهَا اسْتَكَنْ
وَالخَبَرَ اجْعَلْ جُمْلةً من بَعْدِ أَنْ
وَإِنْ يَكُنْ فِعْلًا وَلَمْ يَكُنْ دُعَا
وَلَمْ يَكُنْ تَصْرِيفُهُ مُمْتَنِعَا
فالأحْسَنُ الفَصْلُ بَقَدْ، أو نفىٍ أو
تَنْفِيسٍ أوْ لَوْ، وَقَلِيلٌ ذِكُرُ لَوْ
هذا هو الحرف الثاني من الأحرف الثلاثة التى خُفِّفت في هذا الباب، وهو أَنّ المفتوحة، وذكر من أحكامها المختصّة أنها إذا خُفِّفت لم تُهْمَلْ؛ بل عملها باقٍ، إلا أنّ اسمها يكون مُستَكنًا، أى مضمرًا أبدًا لا يجوز إظهاره إلا في نُدورٍ أو ضرورة شعر لا يعتدّ به، نحو ما أنشده ابن الأنبارىّ وغيره من قول الشاعر:
فَلوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرّخَاءِ سَأَلْتِنِى
فَرِاقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وأنتِ صديقُ
وأنشد ابن الأنباري أيضا:
стр. 1059
لَقَد عَلِم الضّيفُ والمُرْمِلُونَ
إِذّا اغْبرّ أُفْقٌ وَهَبّتْ شَمَالَا
وَخَلّتْ عَنْ أولادِها المرضِعاتُ
ولم تَرَ عَيْنٌ لِمُزْنٍ بِلَالًا
بأَنّكَ الرّبيِعُ وغيثٌ مَرِيعٌ
وقِدْمًا هُنَاك تكُونُ الثّمالَا
وهذا تكنّ لم يُبَيّن ما هو؟ وكان أولى به أن يبيّنه، ولكن لم يحنج إلى ذلك، بناءً على أنه لا يتعيّن ما هو، إذ لا يلزمُ أن يكون ضمير الشأن لإمكان عوده على حاضر أو غائب معلوم. وإلى هذا ذهب في شرح التسهيل، واحتجّ لذلك بكلام سيبويه إذ قال في قوله تعالى: ﴿وآخرُ دَعْوَاهُم أَنِ الحمدُ لِله رَبِّ العَالَمِينَ﴾: «هوَ على قوله: أنه الحمد لله». ثم قال: «ومثل ذلك: ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبراهيمُ، قَدْ صَدّقْتَ الرُّؤْيا﴾، كأنه جَلّ وعزّ قال: وناديناه أَنّك قد صدّقت الرُّؤْيا يا إبراهيم. قال: وإذا قلت: أرسل إليه أَنْ ما أنتَ وذا؟ فَهِىَ عَلى أَىْ». قال: «وإن أدخلتَ الباءَ على أَنّك وأنه فكأنه يقول: أرسلْ إليه بأنّك ما أنت وذا جاز». وله مثل ذلك في باب هذا الباب، والجمع مذكور في أبواب إن وأنّ
стр. 1060
من آخر الرِّزمة (الأولى).
وقد التزم بعضهم في هذا المستكنّ أن يكون ضمير الشأن. وذلك غيرُ لازم. هذا حكم اسمها وياتى حكمُ خبرها.
وقد اقتضى كلامُه فيها حيث ألزم لها اسمًا وخبرًا، ولم يقلْ غير ذلك أنها عنده معملةٌ مع التخفيف/ مطلقًا، وخلافُ أهل البلدين جارٍ فيها. واستدلّ لصحّة إعمالها بما تقدّم من الشاهدين، وأن بعض أهل اللغة يحكي ذلك عن بعض العرب. وغلى هذا فلا نُكْر في التزام حذف الاسم مع التخفيف، فقد حذفوه في المثقلة حين قالوا:
فَلَو أَنّ حُقّ اليومَ منكُمْ إقامةٌ
وإِنْ كانَ سَرْحٌ قد مضى فَتَسرّعا
فما خَفّفوها بالحذف حذفوا أيضا الاسم لتكون على شكل ما لا يعملُ، إذ صارت شبه متالا يعمل في الاسماء. ولا نظير هذا التزامهم في إِنِ الشرطية إذا حذفوا جوابها أن يكون فعلُ الشرط ماضيا، لئلا تكون على شاكلة ما يجزم وليس له جواب ينجةزم. فالحاصل أنّ ذلك فرارٌ من قبح لفظيّ. وأيضا فقد قال سيبويه: «لم يحذفوا لأن يكونَ الحذفُ يُدخِله في حروف الابتداء، بمنزلة إنّ ولكنّ، ولكنهم حذفوا كما حذفوا الإضمار، وجعلوا الحذف عَلَمًا لحذفِ الإضمار في إنّ، كما فعلوا ذلك في كأنّ». وقال في أبواب إنّ وأَنّ: ومن قال: ﴿والخامسةُ أَنْ غَضَبُ اللهِ عَلَيها﴾، فكأنه قال: أنه غَضَبُ الله عليها، لا يُخَفِّفُها في الكلام زبدًا وبعدها
стр. 1061
الأسماءُ إلا وأنت تريدُ الثقيلة مضمرًا فيها الاسم». انتهى.
فإن قلت: فهذا يقتضى أنها إذا كان بعدها الأفعال لا يضمر فيها، ولا تكون المخففة من الثقيلة.
فالجواب: أنه إنما نفي أن تكون التفسيرية التى بمعنى أَىْ، وأما إذا وليها الأفعال فقد تكون التفسيريّة، وقد تكون المخفّفة ويضمر بعدها.
وقولُ الناظم: «والخَبَر اجعلْ جملة من بعد أَنْ»، يريد أن الخبر إما أن يكون جملة اسميّةً أو فعلية، فإن كان جملة اسمية فاجعلها بعد الحرف من غير اشتراط فعلٍ. هذا معنى قوله: «من بعد أَنْ» أَىْ: على الإطلاق، كقول الله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الحمدُ للهِ ربِّ العَالَمِينَ﴾. وقرئ في غير السبع: ﴿والخامِسَةُ أَنْ غَضَبُ اللهِ عليها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقينَ﴾. وفي السبع: ﴿والخامِسَةُ أن لعنةُ اللهِ عليه إِنْ كَانَ مِنَ الكَاذِبينَ﴾. وفي الشعر ما أنشده سيبويه من قول الأعشى:
في فِتْيَةٍ كسُوفِ الهِنْدِ قد عَلِمُوا
أَنْ هالِكٌ كُلٌّ من يَحْفَى ونتعلُ
فإن قيل: مقتضى هذا الكلام التزامُ عدمِ الفصلِ بين إن وهذه الجملة، وأن لا يجوز الفصلُ وذلك غير صحيح، بل الفصلُ بالأدوات جائز؛ فأنت تقول:
стр. 1062
علمتُ أن لا عالم إلا زيد. وفي القرآن الكريم: ﴿وَأَنْ لا إِلَه إِلّا هُوَ، فَهَلْ أنتُمْ مُسْلِمونَ﴾. وقل لبيد بن ربيعة:
فَقُولا لَهُ -إِنْ كانَ يُقسِمُ أمره-:
أَلَمّا يَعَظْكَ الدّهْرُ، أُمُّكَ هَابِلُ
فَتَعْلَم أَنْ لَا أَنْتَ مُدْرِكَ ما مَضَى
وَلَا أَنْتَ مِمّا تَحْذَرُ النفسُ زائُل
وأنشد ابنُ خروف لكُثَيِّر:
لِتَعْلَم عِنْد الغَيْبِ أَنْ لا مُقَصِّرٌ
وهو شهيرٌ، فكيف هذا؟
الجواب: أن الناظم لم يشترط هنا الولاية لأنْ، وإنما ذكر أنك تجعلُ الجملة بعدها قطّ، من غير شرطٍ؛ فإنما زطلق العبارة توطئةً لما يذكُره بعدُ من اشتراطِ الفعلِ في الأحسن/ إذا كانت الجملة فعلية، يفهم له من مجموع العبارتين أن الجملة الفعلية يشترط فيها الفصلُ في الأمر الأرجح، بخلاف الجملة الاسمية يشترط فيها ذلك.
فإن قيل: من أين تعَيَّن أن يكون المراد بالجملة في قولهم: «والخَبَر اجعَلْ جُمْلَةً». الجملة الاسمية، يقيّدها بذلك؟
فالجواب: أن الذى يُبيِّن ذلك من كلامه مَوْرِدُ التقسيم؛ إذ قال:
стр. 1063
«وَإِنَ يكُنْ فِعْلًا»، أى: يكن الخبر فعلًا، فدلّ على أن الجملة المتقدمة التى جعلها خبرًا من بعد أَنْ ليست الفعليّة لا تتضمّنُها، فتعيّن أنه الاسمية بهذا الاعتبار؛ إذ لا جُملة إلا اسمية أو فعليّة. ويحتملُ آخَر، وهو أن يكون المرادُ بقوله: «والخَبَر اجْعَلْ جُملة» الجملة على الإطلاق، كانت اسميةً؛ إذْ لم يُقيّدها، وإنما ألزم أن يكون الخبر جملة خاصّةً، فيكون حالها في الجواز أَعمّ من أن يقع بين أَنْ وبينها فَضْلٌ أَوْلا، فإن لَحَقِ فصلٌ فهو جائزٌ، وإن لم يلحق فكذلك، لكن الأحسنُ الفصلُ إذا كانت فعليّةً على تفصيله المذكور، كأنّه قال: يلزمُ أن يكون خَبرُها جملةً بِفَصْلٍ وغير فَصْلٍ، إلا أنّ الأحسنَ في الفعلية الفصل بشرطه. وهذا كلام مستقيم.
فمثال الفصلِ وعدمه مع الجملة الاسمية قد تقدّم، ومثالُه مع الفعلية قولُ الله تعالى: ﴿قَالُوا: نُريدُ أَنْ نأكُلَ مِنْها وتَطْمئِنّ قُلُوبُنَا، وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ .. الآية، وقولهُ تعالى: ﴿عَلِم أَنْ سَيَكُونُ منْكُمْ مَرْضَى﴾. ومثال عَدَمِ الفصل قراءةُ من قرأ: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرّضَاعَةَ﴾. وقال امرؤ القيس:
وَحَدِّثْ بِأَنْ زالَتْ بِلَيْلٍ حُمُولُهمْ
كَنَخْلٍ من الأعراضِ غير منَبّقِ
стр. 1064
وقال النابغة الذبياني:
فَلَمّا رَأَوا أَنْ ثَمّرَ اللهُ مَاله
وَأثلَ مَوَجُودًا وَسّد مَفَاقِرَهْ
وقال الفراء: ولو رُفِع الفعلُ في خَبَر أَنْ بغير لا. كان صوابًا، كقولك: حَسِبْتُ أن تقولُ ذلك، لأن الكاف تحسنُ مع أَنّ، فتقول: حَسِبت أنّك تقولُ ذاك. وأنشد:
أَنْ تَهْبطِينَ بِلَادَ قَوْمٍ يَرْتَعُونَ مِنَ الطّلاحِ
وإن كان قد ضعفه سيبويه فلم يمنعه البتّةَ، قال: «واعلم أنّه ضعيفٌ في الكلام أن تقول: قد علمتُ أَنْ تَفَعَلُ ذاك، ولا: قد علمتَ أَنْ فَعَلَ ذاك، حتى تقول: سيفعلُ أو قد فَعلُ، أو تنفي فَتدخُلَ لا». ثم وجّه ذلك. فعدمُ الفصل إذًا جائز، لكن الفصلَ أقوى منه. ويُحْتَمِل أن يكون من ذلك ما أنشده السيرافىُّ وغيره:
أَنْ تَقْرآنِ عَلَى أَسْمَاءً وْيَحكُما
مِنِّى السّلَامَ، وأَنْ لا تُشْعِرا أَحَدَا
ثم بيّن بعد هذا الإطلاق ما يحتاج إلى الفصل في الوجه الأحسن مما
стр. 1065
لا يحتاج إليه، فقال: «وَإِن يَكُنْ فِعْلًا ولم يكُنْ دُعَا» .. إلى آخره، وحاصله: أن الخبر إذا كان فعلًا، وذلك عبارة عن كونه جملة فعليّة، فالأحسنُ فيه الفصلُ بين أَنْ والفعلِ بأحد تلك الأشياء، ويجوز عَدَمُه على قلة، لكن بشرطين:
أحدهما: أن لا/ يكون فِعْل دُعَاءٍ، وهو قوله: «وَلَم يَكُن دُعَا»، يعني الفعلَ، وإليه رجع الضمير في «يَكُن»، فإنه إن كان دعاءً لم يشترط الفصلُ في الأحسن، بل لا يفتقر إليه، نحو قولهم: أَمَا أَنْ جَزَاك الله خيرًا. ومنه في القرآن الكريم: ﴿وَالخامِسَة أَنْ غَضِب اللهُ عليها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقين﴾. وما أشبه ذلك.
والثاني: أن لا يكون الفِعلُ غير متصرف، وذلك قوله: «ولم يَكُنْ تصريفه مُمْتَنِعا»، فإن إِنْ كان غير متصرّفٍ لم يحتج إلى فَضْلٍ، نحو علمت أن لستَ قائمًا. ومنه قولُ الله تعالى: ﴿وَأن ليس للإنْسانِ إِلّا ما سَعَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾.
فإذا اجتَمَعَ الشّرطان فحينئذٍ يعتبر الفصلُ كما ذكر، وعيّن له أربع أدوات:
إحداها: قد، نحو قولك: علمتُ أن قد قام زيد، وقال تعالى حكايةً: ﴿وَيَعْلَم أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾.
стр. 1066
والثانية: أداةُ نَفْىٍ، كلا، ولن، ولم، نحو: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب أَنْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ من فَضْلِ اللهِ﴾، ﴿أَفَلا يَرَونَ أَنْ لَا يرْجِعُ إلَيْهم قَوْلًا﴾ .. الآية ﴿أَيَحْسَبُ الإِنسانُ ألّن نّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾، ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾، ﴿أَيَحسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أحد﴾.
والثالثة: حرفُ التنفيس -وهو السنُ أو سوفَ- نحو: علمتُ أَنْ سيقومُ زيدٌ، قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيكُونُ مِنْكمْ مَرْضَى﴾.
والرابعة: لو، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَلَمّا خَرّ تَبَيّنَتِ الجنُّ أَنْ لو كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .. الآية. وأنشد الفارسي:
أَمَا -والله- أَنْ لَوْ كُنْتَ حُرًا
وما بالحُرِّ أَنْتَ وَلَا الخَلِيقِ:
«وذلك أنّهم جَعَلوا ذلك عَوِضًا مما حذفوا من أنه -يعنى إحدى النونين والاسم- أن يَدَعُوا السين أو قد إِذْ قدروا على أَنْ يكون عِوَضًا ولا تنقضُ ما يريدون لو لم لُوا السين ولا قد». انتهى.
стр. 1067
وإنما لم يفعلوا ذلك بالجملة لااسمية ولم يُرَجِّحوا الفَصْلَ كالفعلية؛ لأنك قد جئت أَنْ باسمٍ وخبرٍ، كما جئت (بهما) بعد المثقّلة المُعْمَلَةِ، فكأَن ما حُذِف لم يُحْذَفْ، يقال في الفَصْلِ مع الجمكلة الفعلية: إنه عوض، ولا يقال ذلك فيه مع الجملة الاسمية، كما جِئَ به لما تقتضيه الأداةُ من المعنى.
وأما فِعْلُ الدعاء فلم يحتج إلى فضلٍ لأنه لا يُوصِلُ إليه مع الدعاء، قال سيبويه: «وَأَمّا قولهم: أَمَا أَنْ جَزاك الله خيرًا، فإنهم إنّما أجازوه -يعنى من غير فَضْلٍ- لأنه دعاء، ولا يَصِلُون هنا إلى قَدْ ولا السين. ولو قلت: أما أَنْ يَغْفِرُ اللهُ لَكَ، جاز لأنه دعاء، ولا تَصِلُ هنا إلى السين». قال: «ومع هذا أيضًا أنه قد كَثُر في كلامهم حتى حذفوا فيه إِنّهُ -يعنى المكسورة- وإِنّه لا تُحذَفُ في غير هذا الموضع. وسمعناهم يقولون: أَما إِنْ جزاك الله خيرًا، شبهوها بأنّهُ -يعنى المفتوحة- فلما جازت إِنّ كانت هذه أَجْوَرَ». كأنه يقول: لما كثر هذا في كلامهم استغنوا عن العِوَضِ.
وأما الفِعلُ غير المتصرف فلم يحتج إلى الفصل لشبهه بالاسم في الجمود وعدم التصرف، والاسم غَيرُ محتاجٍ إِلى الفصل، فكذلك ما أشبهه.
وقوله: «قَلَيلٌ ذِكْرُ لَوْ» يَحْتَملُ وجهين من التفسير، أحدهما: أَنْ يريد أنه قليلٌ في السماع، وأن الفصل بها لم يكثر كثرة الفصل بغيرها مما تقدم. والثاني: أن يُريد أَنّ ذكر هذا الفاصِلِ قليلٌ عند النحويين، فلم يذكره منهم إلا قليل، وهو مما يُحتاج إلى ذكره، وبهذا فَسّره ابنه فقال: «وأكثر النحويِّين لم يذكُروا الفَصْلَ بين أَنْ المخفّفة وبين الفِعْلِ بلو»، قال: وإلى ذلك أشار بقوله:
стр. 1068
«وقليلٌ ذِكْرُ لَوْ». وهذا الذى قاله صحيحٌ محتمل، بل هو الأولى؛ إذ لو أراد الأول لقال: «وقليلٌ فَضْلُ لَوْ»، أو ما يعطى هذا المعنى، فإنما أراد: وقليلٌ ذِكْرُها في الفواصل، والنصُّ من النحويين عليها. وقد تقدّم ما في القرآن من قوله: ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ﴾، ومنه أيضا: ﴿وَأنْ لَو استَقَامُوا على الطريقَةِ لأسقيناهُم/ ماءً غدقًا﴾، ومن بحث وجد من ذلك كثيرًا، فليست بقليلة الوجود في كلامهم العرب. والله أعلم.
وَخُفِّفَتْ كَأَنّ أَيْضًا فَنُؤِى
مَنْصُوبُها، وَثابِتًا أَيْضًا رُوِى
هذا هو الحرف الثالث من الأحرف الثلاثة، وَيعنى أنّ العرب خفّفت أيضًا كأنّ بحذفِ إحدى نونيها، كما خففت أَنّ، وحين خَفَّفُوها نَوَوا منصوبَها، أى: إِنهم قدروا لها منصوبًا هو اسما، ويلزم من ذلك أن يكون لها مرفوع، وهو خبرها. وقد انتظم هذا الكلام ثلاثَ مسائل:
أحدها: أنها مع التخفيف عامِلةٌ بإطلاقٍ، لم تُهْمَلْ كما أُهمِلتْ إِنّ المكسورة، بل أعملت كما أعملت أَنّ المفتوحة. وخلاف البصريين والكوفيين فيها جارٍ. والدليل على إعمالها ظهوره مع إثبات الاسم كما سيذكره، وأيضا فإنّ إنما هى الكاف وإنّ، فقولك: كَأَنّ زيدًا أسدٌ، أصله: إن زيدًا كأسدٍ؛ ذكره سيبويه إشارةٌ وبسطه ابن جني؛ فإذا ثبت الإمالُ في إِنّ ثبت في كأنّ، لأنّها هي.
стр. 1069
والثانية: كون منصوبها منوبًا لا يظهر، وهذا هو الأشهر، كقولك: أنت في زمانك كأنْ لم تَعْرِفْ أَهله. ومنه في القرآن الكريم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعة مِنَ النّهَارِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لم تَغْنَ بِالأمْسِ﴾. وأنشد سيبويه لابن صُرَيم الشكرىّ:
وَيَوِمًا تُوَافِينا بِوَجْهٍ مُقَسَّمْ ... كَأَنْ ظبيةٌ تَعْطُوا إلى وَارقِ السّلَمْ
وأنشد أيضا قول الآخر:
وَوَجْهٍ مُشْرِقِ النّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَاهُ حُقّانِ.
والثالثة: أنّ لها خبرًا غير منوىّ، بل هو ظاهرٌ؛ لأنه إذا أشار إلى أنها مُعْملة ج كان لها خبرٌ بلا بدٍّ، ولما كان منصوبُها منويا كان مرفوعُها غير منوىِّ غالبًا. إِلّا أنه لم يُبَىِّ ما يكون خبرًا لها في حال التخفيف، وقد نصّ في التسهيل على تعيين الخبر بناءً على أنّه لا يكون خبرًا لها حالَة التخفيف كلّ ما يكونُ خبرًا لها حالة التثقيل بإطلاقٍ، كما كان ذلك في أَنْ، حسبما بَيّنه فوق هذا فقال: «وتُخَفّف كأنّ فتعمل في اسمٍ كاسم أَنْ المقدّر، والخبر جملة اسميّة أو فعلية مبدوءة بلم أو قد، أو مُفْرد». فمثالُ كونه جملةً اسميةً قوله:
стр. 1070
وَوجْهٍ مُشْرِقٍ النّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْياهُ حُقّانِ
ومثال كونها فعليةً مبدوءةً بلم قولُ الله تعالى: ﴿كَأَنْ لم تَغْنَ بالأَمْسِ﴾، ومبدوءةً بقد نحو قوله، أنشده في الشرح:
لا يَهُولَنّكَ اصْطِلَاءُ لَظَى الحَرْ ... بِ فَمحذُورُهَا كَأَنْ قَدْ أَلَمّا
ومثال المفرد قولهُ:
كَأَنْ ظبيةٌ تعطُو إلى وَارِقِ السّلَمِ
فكان حقُّ الناظم أن يُبَيّن ذلك كلّه، وإلّا فإطلاقه يقتضى أنّ كلّ ما يقع خبرًا للمثقّلة يقع خبرًا للمخففة. وليس كذلك؛ ألا ترى نك لا تقول: حسبتُ زيدًا كأنْ قام، أو كأَنْ، أو كأَنْ في الدار، أو كأن عندك. فلو حملناه على إطلاقه لاقتضى جواز هذا كُلِّه. وغير صحيح، فهو مما فاته ذكرُه، فلو زاد بيان ذلك لكان أحسنَ.
ثم قال: «وثابتًا أيضًا رُوِى». مرفوعُ «رُوِى» عائد على «منصوبُها» /، يعني: أن اسمها ثابتًا غير محذوف ولا منوىّ، كما كان في حين تثقيلها. منه روايةُ من رَوَى بيت:
كَأَنْ ظَبْيةً تعطُو إلى وارقِ السّلَمْ
بنصب ظبية، وخبرها في هذه الرواية محذوف للعلم به، تقديرُه: كأنْ ظبيةً تعطُو هذه المرأةُ. أيضا هذا البيت:
стр. 1071
وَوَجْهٍ مُشْرِقِ النّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَيْه حُقّانِ
بنصب الثديين.
وفي هذا الكلام ما يُشعر بأنه سماعٌ وليس بقياس. وإلى هذا المقصد أشار في التسهيل وشرحه ونصّ سيبويه أَنّ إعمالها مخصوصٌ بالشعر؛ إذ قال في أَنْ المخففة: «فلو لم يريدوا ذلك كما ينصبون إذا اضطُرُّوا في الشعر بكأنّ إذا خَفَّفُوا، يريدون معنى كأنّ، ولم يُريدوا الإضمار، وذلك قوله:
كَأَنْ وَرِيدَيهِ رِشَاءُ خُلْبِ
لكن يلزم الناظِمَ على طريقته المتقدمة له أن لا يكون هذا من قبيل المسموع؛ إذ ليس ما يَضطرُّه لتمكّن الشاعر من أن يقول: كأَنْ ظبيةٌ تعطُو، وكأَنْ ثدياه حُقّان، وكأَنْ وَرِيداه رِشاءُ خُلْبِ. وهى أقربُ في التمكن من قوله:
стр. 1072
صوت الحمار يُجِدّعُ. ومن قوله: وما من يرى للخِلّ. وما أشبه ذلك. فالظاهر أنه غفل عن إعمال تلك القاعدة المقررة عنده، ونعمّا فعل.
стр. 1073
لَا الّتِي لِنفْي الجِنْسِ
هذا هو النوع الخامس من نواسخ الابتداء، وهو: لا التى لنفي الجنس، وعملها في الأصل عند الناظمِ ومن تبعه الناظمُ كعَمَلِ إِنّ، تنصب الاسم وترفع الخبر، للشبه المقرّر بينهما في أنّ كلّ واحدٍ منهما حرفٌ موكّد، فإنّ مؤكدة للإيجاب، ولا مؤكّدةٌ للنفي، وكلاهما موضعه صدرُ الجملة، وهو داخلٌ على المبتدأ والخبر، قال المؤلف: «وأيضًا فإنّ «لا» تقترن بهمزة الاستفهام ويراد به التمني، فيجب إلحاقها بليت، قم حملت في سائر أحوالها على حالها في التمني». وهذا وجه ضعيف.
(ثم قال):
عَمَلُ إِنّ اجْعَلْ لِلَا في نَكِرهْ ... مُفْرَدَةً جَاءَتْك أَوْ مُكَرّرَهْ
فَانْصِبْ بِهَا مُضَافًا أو مُضَارِعَهْ ... وَبَعْدَ ذَاكَ الخْبَرَ اذْكُرْ رَافِعَهْ
ظاهرُ قوله: «عَمَلَ إِنّ اجْعَلْ لِلَا» يقتضى أنّ لا عاملةٌ في الاسم والخبر بإطلاق، أما علمها في الاسم فظاهر، وأما في الخبر فليس بمتّفَقٍ عليه، بل فيه خلافٌ:
فعلى طريقة المؤلف في التسهيل أنّ الاسم إن لم يركّب معها فالخبر مرفوع بها عند الجميع، وإن رُكِّب معها الاسم فقولان؛ قيل: إِلّا الخبر مرفوع بها أيضا، وهو مذهب الناظم. وقيل: على خبر الابتداء، لأن «لا» مع اسمها في موضع اسم مبتدأٍ، فالخبر مرفوعٌ به لا بها.
стр. 1074
وعلى طريقة غيره أن الخبر في رفعه القولان، كان الاسم مركّيًا مع لا أَولا؛ فقد حكى ابن خروفٍ وغيره الخلافَ بين سيبويه والأخفش بإطلاقٍ، ونص ابن خروف على هذا المعنى في نحو: لا خيرًا من زيدٍ، وهو الذى حكى فيه المؤلفُ الاتفاق.
فالحاصل أن الناظم ارتضى مذهب الأخفش في المسألة، ووجهُ/ ذلك ما تقدّم من المناسبات بين إِنّ ولا، وقد ثبت الرفع لإِنّ فلْيكُن كذلك في لا. وأيضًا قد عملت في الاسم باتفاقٍ وعملها في الخبر أولى من العمل في الاسم، لأنّ معناها إِنما تسلط عليه، وإنما عملت في الاسم لأنه مطلوبُ مطلوبها، فهو معمول بالقصد الثاني، وما كان مطلوبًا للعامل بالقصد الأول أَولى أن يكون معمولًا له مما كان مطلوبًا له بالقصد الثاني.
فإن قيل: القاعدة المستمرة أن المشبّه لا يقوى قوة ما شُبِّه به، وقد تقرّر أن لا إنّما عملت لشبهها بإنّ، وعملت إِنّ بشببها بكان، فلا في المرتبة الثالثة، فلا ينبغي في القياس أن تعمل الرفع والنصب، وإلّا لزم أن تكون في العمل في درجة إِنّ، لكنها ليست في درجتها، فلزم أن لا تعمل عملها.
فالجواب: أن القوة والضعف في التشبيه ليس براجعٍ إلى نفس العمل المجعول لها، وإلّا لزم ذلك في إنّ وأَلّا تعمل رفعًا ونصبًا؛ إذا كانت بذلك تصير في درجة الفعل، وإنما ذلك راجع إلى أحكام أُخَر؛ ألا ترى أَنّ تعمل في المعرفة والنكرة، ولا لا تعمل إلا في النكرة، إلى غير ذلك من
стр. 1075
الأحكام التي قصرت فيها عن التصرُّفِ تصرّفَ إنّ. وقد تقدّم هذا المعنى.
وشرط الناظم ﵀ في هذا العمل أن يكون الاسم الذى تعملُ فيه نكرةً بقول: «عَمَل إِنّ اجعَلْ للا في نكره». فاشترط أن يكون المعمول نكرة، ولم يقيده بكونه اسما أو خبرا. فيحمل على إطلاقه فيهما، فتقول: لا رجل في الدار، أى: مستقر في الدار،
وَلَا كَرِيمَ مِنَ الوِلْدَانِ مَصْبُوحُ
ولا يقال: لا رجلَ زيدٌ، ولا كريم أخوه، ولا ما أشبه ذلك. كما لا يقال: لا زَيْدَ في الدار ولا عَمْروَ. وما جاء مما ظاهره ذلك فمؤول أو نادِرٌ لا يُعِتَدُّ به، فيقال في مثل: لا إِله إِلّا الله، ولا عالِمَ إلّا زيدٌ: إن الخبر (مُقَدّر)، والمعنى: لا إله في الوجود إلا الله، ولا عالم في الدنيا إلا زيدٌ. ولا يقالُ: إِنّ هذا التقدير يؤول إلى نفي الإلهيّة عن غير الله بقيدٍ، لأنا نقول: القيدُ هنا غير قادح، لأنه إذا لم يكن غير الله في الوجود لم يكن بإطلاق، وههنا بحثٌ في الخبر آخر. وأيضًا فقولهم: «قضيةٌ ولا أبا حسن لها»، وفي الحديث: «إذا هلك كسرى فلا
стр. 1076
كسرى بعده. وإذا هلك قيصرُ فلا قيصَرَ بعد». وأنشد سيبويه:
لا هَيْثَمَ الليلَةَ للَمِطىِّ
وقال ابن الزبير الأسدىّ، أنشده سيبويه أيضا:
أَرَى الحاجاتِ عند أبي خُبَيبٍ ... نَكِدْنَ، ولا أُميّةَ بالبلاد
/ وقالوا: لا بَصْرَةَ لكم. وقال آخر:
إِنّ لنا عُزّى وَلَا عُزّى لَكُمْ
كلّ هذا نادر لا يُقيّد به، مع أنه مؤوّلٌ إمّا بتقدير تنكير هذه المعارفِ، فتدخلُ تحت قوله: «في نَكِرَه». لكن يبقى أن يقال: هل يجوزُ مثلُ هذا عنده أم لا. فالظاهر أنه لم يتعرّض لهذه المسألة، وقد أجاز ذلك في «التسهيل» على قِلّةِ إذا كانت المعرفةُ يَصِحُّ تنكيرُها كالأعلام لا كالمضمراتِ وأسماءِ الإشارة، خلافًا للفرّاءِ.
стр. 1077
وقوله: «مُفْرَدة جَاءَتك أو مُكَرَّرَه» حالٌ من لا، والعامل في الحال/ جاءتك، يعنى أنك تُعمِلُ لا في النكرة على أىّ حالةٍ كانت، فسواءٌ أكانت مكررة نحو: لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، أو غير مكررة نحو: لا رَجُلَ في الدار. والإفرادُ هنا في مقابلة التكرار، دلّ على ذلك ذكره القسيم بقوله: «أو مكرّرَه». والإفرادُ في هذا الباب يطلقُ بإطلاقين؛ أحدهما: هذا الذى ذكر أنّه مرادُه هنا. والثاني: الإفرادُ الذى في مقابلة الإضافة والشّبِيه بها، وهو المراد في قوله: «وَرَكَبِ المُفْرَدَ فاتحًا»، وقوله: «ومُفْردًا نعتًا لِمَبْنىِّ يَلِى»، وليس بمراده هنا. فعلى هذا يدخل له تحت لفظ المفرد المثنى والمجموع نحو: لا رجلين في الدار، ولا قائِمينِ عِنْدَك، ولا رجالَ في البيت. ويدخل له تحته أيضًا المضافُ والشبيه به، نحو: لا غلامَ أحد عندك، ولا خيرًا من زيدٍ في الدار. وما أشبه ذلك؛ لأن جميع ذلك ليس بمكرّرٍ.
وهذا العمل الذى ذكره الناظم لم يقيّده بوجوبٍ ولا جوازٍ، بل أطلق القول فيه وأجمله بحيث لا يقتضى جوازًا ولا وجوبًا، لأنه أدخَلَ في حكم الإعمال ما يكون العمل فيه واجبًا، وذلك النكرة المفردةُ غير المكرّرة نحو: ﴿ولو تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ و ﴿قَالُوا: لا ضَيْرَ﴾؛ فإنّ هذا لا يجوزُ فيه الإلغاءُ البتّة، فلا تقول: لا غلامٌ فيها، حتى تكرر فتقول: ولا جاريةٌ. وأدخل فيه أيضًا ما يكونُ العملُ فيه جائزًا، وذلك النكرة المكررة نحو: ﴿فلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ و ﴿لا لَغْو فيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ و ﴿لا بَيْعٌ فيه ولا خُلّةُ ولا شفاعَةٌ﴾،
стр. 1078
فأعملها ابن كثير وأبو عَمْرو، وألغاها من عداهما من السبعةِ. فلما حصلَ في مقتضَى الإعمالِ القسمان معًا اللفظ فقال: «عَمَلَ إِنّ اجْعَلْ للَا في نَكِرة» ليشملهما بإطلاقه. و «عَمَلَ إِنّ»: مفعولُ «اجعَلْ» مقدٌ عليه.
ثم إنّ هذا العمل الذى ذكر على وجهين:
أحدهما: عملٌ يبقى على أصله ولا يحدث عليه طارئٌ يغيره عن حاله إلى حالةٍ أخر، وذلك العملُ في النكرة المضافة والّتى ضارعت المضافة.
والثاني: عملٌ لا يَبْقى على حاله بل يتغيّر إلى حالة أخرى، وذلك العملُ في النكرة المفردة غير المضافة ولا الشبية بها، فإنها تتغير من حالة الإعراب إلى حالة البناء.
فأخذ الناظم ﵀ يذكر هذا الحكم ويفصّل ما أجمل فقال: «فانِصِبْ بِها مُضَافًا أو مُضَارِعَه». والضمير في «بها» يعود على لا، وفي «مُضَارعه» يعود على المضاف، والتقدير: فاِنصبْ بلا الاسم النكرة المضاف أو المضارع للمضاف. وهذا هو أحد القسمين، وهو الذى لا يتغيّر عن حاله؛ فقوله: «فانصب بها» يعنى نصبًا صحيحًا لا يتغَيّر عن حالته، فأما المضاف فنحو: لا غُلَام أحدٍ في الدار، وأما المضارع له فهو المشابهُ له، وهو العاملُ فيما بعده نحو: لا ضاربًا أحدًا في الدار، ولا خيرًا مِنْكَ عِنْدِى. والمضارَعَةُ للمضافِ هنا معَتَبرةٌ في صِحّة النصْبِ كاعتبارها في باب النداءِ، فيمتنعُ بناءُ المضارعِ للمضافِ هنا كما يمتنعُ هناك، كالمضاف حقيقةً نحو: يا ضاربا زيدًا، ويا طالعًا الجَبَلِ. فليس بين البابين في هذا خلاف وهذا مذهب البصريين. وذهب
стр. 1079
البغداديُّونَ إلى أنّ العامل هنا يُبْنى ويصحُّ له العملُ مع البناءِ فيقولون: لا خير من زيد، ولا ضاربَ أحدًا في الدار، ونحو/ ذلك. وصحح الفارسىّ الأوّل بأن البناء مع لا يزيلُ شَبَه الفعل كما أنّ التصغير والوصف يزيلان شبهه عن اسم الفاعل والمصدر فلا يعملان.
فإن قيل: إنّ هَلُمّ في لغة أهل الحجاز قد بُنِى الفِعلُ فيه مع حرفٍ قَبْلَه فلم يمنعُه ذلك العملَ، فكذلك اسم الفاعل والمصدر مع لا.
قيل: ذلك نادرٌ. وأيضًا إنما عملُه في لُغَةِ أهل الحجاز عَمَل اسم الفعل لا عمل الفعل، بدليل أنهم جعلوه للواحد والاثنين والجمع على لفظ واحدٍ، وكذلك في المذكر والمؤنث، فهذا يدلّ على خروجه عن حدّ الفعل وعن عمله المعلوم لَمّا بنى مع الحرف، فكذلك ينبغى أن يكون الحكمُ في مسألتنا.
هذا ردّ الفارسى من جهة القياس، وأما من جهة السماع فلا سماعَ، فسقط ما ذهبوا إليه، وثبت ما ارتضاه الناظم. والله أعلم.
ثم قال: «وبعدَ ذَاك الخبرِ اذكرْ رافِعَهْ»، ذاك: إشارةٌ إلى ما تقدّم من نصب الاسم، يعنى أَنّك تأتى بعد ذلك بالخبر رافعًا له؛ إذ كانت «لا» إنّما عملُها كَعَملِ إِنّ حسبما نصّ عليه آنفًا.
فإن قيل: هذان المزدوجان معترضان من وجهين: أحدهما: أنهما حشوٌ بغير مزيد على ما تقدّم؛ إذ قال: إن عَمَل لا كعَمَل إنّ، وذلك معنى كونها تنصب الاسم وترفع الخبر، وهو معنى ما ذكر فيما يظهر لباديء
стр. 1080
الرأي هنا.
والثاني: على تسليم أن لذلك فائدة، فقوله: «وبَعْدَ ذَاكَ الخبر اذكُرْ» يقتضى بظاهره أن يكون الخبرُ مذكورًا ومنطوقًا به على الإطلاق. وهذا المقتضَى ليس بصحيح، بل إنما يكونُ الخبر مذكورًا إذا لم يدلّ عليه دليل، وأما إذا دلّ عليه دليل فلا يمتنع حذفه، بل حذفُه جائز وواجب؛ فيجوز عند أهل الحجاز، ويلزم عند بنى تميم.
فالجوابُ عن ذلك أنْ يقالَ: أما قولُه «فانصِبْ بها مُضَافًا»، فالقصدَ به أَنّ عمل لا تارةٌ يكونُ باقيًا على أَصْلِه لا يعرضُ له البناء، وذلك المضافُ والمضارعٌ له، وتارةً يعرضُ له البناء -وقد تقدم هذا المعنّى- فنبّه فيه على أمرين؛ أحدهم: أنّ العَمَلَ نصبٌ صحيح، أى: لا تَبْنِ الاسم البتّةَ -والثاني: أن صاحب هذا النصبِ هو المضافُ والشبيه به، فلا يُبْنَيان كما يُبْنى المفردُ المنبّه عليه في قوله: «وَرَكِّب المفردَ فاتحًا» ووجهُ عدمِ البناء فيهما أَنّ المُضَافَ مع المضافِ إليه كشئٍ واحدٍ؛ إذ كان منزّلًا منه منزلة التنوين، فلو بُنِى مع لا لزم جعلُ ثلاثةِ أشياءَ شيئًا واحدًا، ولا نظير لذلك- وإذا كان كذلك فلا إشكال ولا تكرار.
وأما قوله: «وبعد ذاكَ الخبرَ اذكرْ»، فالقصدُ به بيانُ رتبة الخبر من الاسم، وأنه لا يكونُ إلا بعده، فلا يجوزُ أن يتقدم، فإنه إنْ تقدّم الخبرُ بطل العملُ نحو: ﴿لَا فِيهَا غولٌ﴾. ويلزمُ عند ذلك التكرارُ، لكنها معملةٌ فبطلَ أَنْ يتقدّمها الخبر. ووجهُ ذلك ظاهر؛ إذ لم يثبُت للا من التصرّفِ في المعمول ما ثبَتَ في إِنّ التى هى أصلٌ لها في العمل، ولم يثبت ذلك لإنّ لا إذا كان الخبرُ ظرفًا
стр. 1081
أو مجرورًا، فلا تبلغُ لا أَنْ يتقدّم خبرها على اسمها وإن كان ظرفًا أو مجرورًا. فهذا قصدُ الناظم بهذا القيد، لا أنه يلزم ذكره؛ والدليل على أن قصده ما ذُكِرَ تقديمُه الظرفَ حين قال: «وبعدَ ذاكَ الخبرَ اذكُرْ»، إِشعارًا بالاعتناء بذكر التركيب، كأنه قال: إنما تأتى به بعد ذكر الاسم لا قبله، وأيضًا فإنه قد قَيّد هذا الإطلاق في آخر الباب فقال/: «وَشَاعَ في ذا البابِ إسقاطُ الخَبَرْ». وَإِذا ثبت هذا كلُّه لم يكن في كلامه حشوٌ، وسقط اعتراضٌ المعترضِ.
والخبَر: مفعول اذكر. ورافعه: حال من فاعل اذكر؛ لأن إضافته غير محضة، أى: اذكره حال كونك رافعًا له.
ثم أخذ في القسم الثاني من قسمي عمل لا، وهو الذى يتغيّر إلى حالة البناء فقال:
وَرَكِّبِ المُفْرَدَ فَاتحًا كَلَا
حَوْلَ ولا قُوّةَ، والثانِى اجْعَلَا
مَرْفُوعًا أو مَنْصُوبًا أو مُرَكّبَا
وَإِنْ رَفَعْتَ أَوّلًا لَاتضِبَا
أشعر بقوله: «وركّب المفرَدَ فاتحًا» أن الاسم مبنىٌّ، وأن سبب البناءِ التركيبُ، فقوله: «فاتحا»، يدلّ على أنّ الحركة بنائيّة، لأنها لو كانت عنده إعرابيّة لقال: ناصبًا، كما قال في القسم الأول: «فانصِبْ بها مضافًا»، وكما قالَ على أثر هذا: مرفوعا أو». وهذا هو الاصطلاح الجاري على لسانه ولسان غيره، ولذلك قال سيبويه في إعراب بنائها:
стр. 1082
«وهي تَجْرِي عَلَى ثَمَانِيةِ مَجارٍ».
وقوله: «وركِّب المفردَ» يشعر أن هذا البناءَ سببُه التركيبُ -يعنى مع لا- وأنّ؛ من أسباب البناء. وهذا الكلام يتعلّق به أربع مسائل:
إحداها: أنه قد قدّم الناظمُ أنّ البناء إنما يكون لشبه الحرف على وجهٍ من الأجه الأربعة المذكورة، ولم يُذْكر فيها التركيب مع الحرف، فلقائل أَن يقولَ: إلى أىِّ جهة ينتسب البناءُ منه؟
والجواب من وجهين:
أحدهما: أن الناظم إنما تكلّم في سبب البناء الذى هو بحقّ الأصل، كالشّبه الوضعى وهو الوضعُ على حرف واحدٍ أو حرفين ثانيهما حرف لين، والشبه المعنوى الذى في اسماء الشرط استفهام، والنيابة عن الفعل من غير تأثر الذى في أسماء الفعل، والاقتصار الذى بأصل الوضع لعارض الذى قد يكون وقد لا يكون. فأنت إذا حقّقت تلك الأوجُهَ لم تجد واحدًا في الاسم المركب مع لا؛ إذ البناءُ فيه طارئ غير أصيلٍ، يزول بزوال موجبه، فيرجع الاسم إلى الأصل من الإعراب. ولقد اعتُرِضَ على الفارسيّ في اقتصاره من أسباب البناء على شيئين، وهما شبهُ الحرفِ، وتضمّن معناه، بأنّ ثم أوجهًا أُخَر موُجِبةٌ للبناء منها: التركيب مع الحرف كمسألتنا، والتركيب مع الصوت نحو: سيبويه، والإضافة إلى الحرف نحو: ﴿مِثْلَ ما أنكم تنطقُونَ﴾، وشِبْهُ ما أشبه
стр. 1083
الحرفَ كَبَدادِ. فَأُجِيب بأنّ علىّ إنما يعنى ما كان مبنيًا بأصل الوضع، لا ما كان سببًا طارئًا. وقد قيل إنه ركب معها لتضمنه معنى الحرف، إذ الأصلُ: لا من رجل، لأنه [جواب قولك]: هل من رجل. وقد نطق بالأصل في قول الشاعر:
فقامَ يَذُودُ الناسَ عَنّا بِسَيْفِهِ ... وقالَ: أَلَا لا من سَبيلٍ إلى هِنْدِ
فحذفوا [من]، وضمنوا الاسم مناها حين ركبوه معها، أشار إلى هذا ابن الأنبارى. والأ [ول أظهر].
والوجه الثني من الجواب أن يقال: إن هذا وإن كان غير داخلٍ بحقّ الأصل فيما نصّ عليه الناظم/، يدخل له فيها بالشبه، وذلك أنّ التركيب هو ضمّ شئ إلى شئٍ آخر، وجعله معه كالجزء منه، وإذا كان كذلك فالذى يكون كالجزء من الشى مفتقر إلى ذلك الشئ الذي جُعِل جزءًا له، إذ لو لم يكن مفتقرًا إليه لكان مستقلًا بنفسه غير مركّب معه، لكنه موضوعٌ الآن على أنه غير مستقلّ، فلا بدّ أن يكون مفتقرًا، فإذًا قصدُ التركيب يجعله مفتقرًا إلى ذلك الذى ركّب معه، فدخل بحكم الشبه في حكم الافتقار الأصيل، لأن القصد إلى جعله مفتقرًا كأنه وَضْعٌ على
стр. 1084
الافتقار مستأنف. وهذا وجه صناعى حسن، وقد تقدّم التنبيه على أصله في باب «المعرف والمبنى»، والله المستعان.
والثانية: أنّ قوله: «وركِّب المفردّ»، إنما يريد بالمفرد هنا ما هو في مقابلة المضاف والشبيه به، لأنه لما قال أوّلًا: «عَمَلَ إِنّ اجعَلْ للا في نكرة» جعل المنصوب بها قسمين هو منصوب أو مضارعٌ له، وقسمًا ليس كذلك، فهو المفرد عنده هنا. لكن يقال: هل يدخُلُ المثنّى والمجموع على حدّه أم لا؟ ظاهر عبارته يقضى بعدم دخولهما لقوله: «فاتحًا»؛ إذ لا يكون في المثنى والمجموع على حدّه، وإنما يُبنَيان على ما كانا يُنصبان به، كما يُبْنَيان في على ما كانا يرفعان به، إلا [أنّ] إن حملناه هذا المحمل، و [أَنّه] إنما أراد المفرد للمثنى والمجموع، والمقابل للمضافِ والشبيه به، خرج له الجمع المكسّر عن حكم البناء، والاتفاقُ أنه لا فرقَ بينه وبين المفردِ في البناءِ عند القائِل به، أو في الإعراب كذلك فلا بدّ أن يقال: إنه أراد بالمفردِ ما قابل المضاف والشبيه به خاصّةً، فيدخل له جمع التكسير بلا بدٍّ يقول: لا رجالَ في الدار، ولا غلمانَ في السوق، كما تقول: لا رجلَ ولا غلامَ، لأنه بقوله: «فاتحًا» دخل له؛ هو مما يفتح؛ لأن إعرابه وبناءه بالحركات. ويبقى والمجموع على حدّه مسكوتًا عنه، فيحتمل أن يكون رأيُه فيه رأىَ الجمهور في أنه مبنى على ما ينصبُ لما كان في باب النداء مبنيًا على ما كان يرفَعُ به. وخالف المبرّد في جعله المثنى على حدّه في هذا الباب معربًا بإطلاق، وكذلك الزجاج أيضا. والأولى مذهب الجمهور، بما اتّفقا مع سائر البصريين عليه من البناء في قولهم: يا قائمان، ويا قائمون، ؛ إِذْ ما في أحدهما
стр. 1085
يلزم في الآخر، فإن أجاز أن يقال في: لا رجلين، إنه معرب، فَلْيقلْ يا رجلان، ذلك بعينه. ويحتمل أن يكون رأيه رأى الزجاج والمبرّد، ويكون: «فاتحا» قيدًا يخرج به المثنى والمجموعُ على حدّه، ويبقى جمعُ التكسير مسكوتًا يدخل في حكم البناءِ، قياسًا على المفرد؛ إذ لا فرق بينهما، بخلاف المثنى وجمع السلامة فإن فيهما مع البناءَ، وهو أالأسماء المثناةَ والمجموعة بالواو والنون لا تكون مع [ما] قبلها اسمًا واحدًا، لم ذلك، كما لم يُوجَدَ المضاف ولا الموصول مع ما قبله بمنزلة اسم واحدٍ. وبهذا احتج المبرّد في «المقتضب» ودليلٌ قوىّ، ويعضّده ما جاء من إعراف/ اثنين في قولهم: اثنى عشر، ولم يركبوه مع عشر، كما ركّبُوا عَشَر وأربعة عشر، وسائر الباب. وقد احتج الزجاج لما قال بأنّ التثنية وجمع السلامة يخرج بهما الاسم عن شبه الحرف. فَرُدّ عليه بقولهم: يا زيدان، ويا قائمون، في النداء؛ إذ هو مبنىّ بلا بدٍّ على ما يرفع به مع وجود المانع عنده. وقد احتُجّ للمبرد أيضًا بأشياءَ ليس فيها مَقْنَعٌ، فلذلك تركتُها، مع أن لا ينبي عليه حكمٌ سوى النظر الصناعىّ.
والثالثة: أن كلامه ظاهر في موافقة جماهير البصريين، في أنّ المفرد مبنيٌ مع لا، وأنه الحركة بناءٍ لا حركة إعراب، خلافًا للكوفيين، والزجاج من البصريين، وتبعه السيرافىّ وتأوّلَ عليه سيبويه، حيث قال:
стр. 1086
«فتنصبُه بغير تنوين، ونصبُها لما بعدها كنصب إِنّ لما بعدها، وإنّما في التنوين عندهما لأنهما لما ضمّ أحدهما إلى الآخر وجعلا كالشئِ الواحد، حذف التنوين علامة ذلك.
وقيل: حذف للتخفيف، وللشبه بالمركب حقيقةً، وهو مذهب مرجوعٌ من أوجه:
منها: أن ذلك مخالف للنظائر؛ فإن الاستقراء قد قرّر أنّ حذف التنوين من أسماء المتمكنة لا يكون إلا لمانع صَرْفٍ، أو للإضافة، أو لام التعريف، أو كونه في موصوف بابن مضافًا إلى علم، أو لملاقاة ساكن، أو للوقف -الاسم المذكور ليس واحدٌ من هذه الأمور بموجود فيه، فتعيّن أنه مبنىّ، وأنّ ذلك هو السبب في حذف تنوينه. ومنها: أنه قد رُوِى عن العرب: جئت بلا شئَ، بالفتح وسقوط التنوين، والجارَ لا يُلْغِىَ ولا يُعلّق. وتأويلُ كلام سيبويه قريبٌ.
فإن قيل: فهل رأيت شيئًا عمل في شئ ثم صار معه كالشئِ الواحد؟
قيل: نعم، الكاف عاملة في ذا من قولك: كذا، وقد جعلت معها كالشئ الواحد، وكذلك الكاف من كأيّنِ، عاملة في أىّ، وهى معها كالشئ الواحد، وكذلك حبّذَا في قول النحويين حيث كانت حَبّ عاملةً في ذا، ثم صيّرت معها كالكلمة الواحدة، وكذلك كأنّ وبها شبّه الأخفش حبذا. ومثلُه إذا تُتُبِّع موجودٌ، فلا بُعْدَ في المسألة.
стр. 1087
فإن قيل: تركيبُ العامل مع المعمول مناقضٌ لعمله فيه؛ إذ قد تقرّر في الأصول أنّ من شرط عمل العامل أن لا يكونَ مع معموله كالشئ الواحد؛ ولذلك لم تعمل عندهم الألف واللام.
فالجواب: أنّ ما اشترطوه صحيح، والتركيب مع العمل صحيح أيضًا، ووجه الجمع بينهما غير محتاج إليه هنا. ومن بحثَ عنه وجده. والله أعلم.
والرابعة: أنّه نبّه على أنّ بناء الاسم مع (لا) على الفتح ليس على الضمّ ولا الكسر.
وأيضًا لما كان منصوبًا ووجهه التشبيه بخمسة عشر؛ فإن البناء للتركيب مقتضٍ للفتحة؛ لخفّتها دون الضمّة والكسرة.
في الأصل أرادوا أنْ لا يذهبَ أثرهُ جُملةً، فأبقوه في البناء على مثل حاله في الإعراب؛ لئلا تختلف حاله في حالةٍ عارضة، ولئلّا يزولَ الدليلُ على النصب [في الأصل]. وقول الناظم (كلا حول ولا قُوّة) مثالان لبناء المفرد على الفتح. وكان يكفيه أن يأتي بمثالٍ واحد، ولكنه أتى بالمثالين ليبين بهما أحكامًا، ويفرّع على اجتماعهما/ مسائل؛ فإنه إذا ضمّ الأول إلى الثاني تصوّر فيهما اثنتي عشرة مسألة، يمتنع منها وجهان، وتصحّ العشرة، وكلّ ذلك قد جمعه الناظم في كلامه حسبما يتبيّن بحول الله، وذلك أنّ (لا حولَ) يُتصوّر فيه البناء على الفتح، والرفع لأجل التكرار، والرفع على إعمالها عمل ليس، فهذه ثلاثة أوجه. و (لا قوة) يتصوّر فيه تلك الأوجه الثلاثة، ويزيد وجهًا رابعًا، وهو النصب عطفًا على موضع اسم (لا) باعتبار عملها.
стр. 1088
فهذه أربعة وجه، فإذا ضربتها في الثلاثة التى في «لا حول» كان الجميع اثنى عشر وجهًا، باثنتى عشرة مسألة:
الأولى: لا حولَ ولا قوةَ، بالفتحِ فيهما وَجَعْلِ الكلام جملتين.
والثانية: لا حولَ ولا قوةٌ، بالفتح في الأول، والرفع في الثانى عطفا على موضع لا مع اسمها، لأنها في تقديم اسم مبتدأ، ولذلك يعطف عليه رفعًا، وُجْرَى عليه النعت رفعًا. ويقيّد هنا زيادة لا توكيدًا.
والثالثة: المسألة بعينها، لكن يكون رفع الثاني على تقدير إعمال لا عمل ليس، والكلام في تقدير جملتين.
والربعة: لا حولَ ولا قُوّةً، بالفتح في الأول والنصب في الثاني، عطفًا على موضع اسم لا باعتبار عملها عملها، وتقدر زيادة لا توكيدا.
وهذه المسائل الأربع داخلة تحت قوله: «وركّب المفرد فاتحًا». ثم قال: «والثاني اجعلا .. مرفوعًا أو منصوبًا أو مركّبا». فالرفع في الثاني على وجهين، والنصب وجهٌ واحدٌ، والتركيب وجه واحد، وكلها مع تركيب الأول.
والخامسة: لا حولٌ ولا قُوّةٌ، بالرفع فيهما، على تقدير الإلغاء فيهما وزيادة لا الثانية.
والسادسة: المسألة بعينها، لكن على تقدير إعمالها معًا عمل ليس، والكلام في تقدير جملتين أو على زيادة الثانية.
والسابعة: المسألة على حالها، لكن على تقدير إِلغاء الأولى وإعمال الثانية عمل ليس، والكلام في تقدير جملتين.
стр. 1089
والثامنة: المسألة على حالها إلا أنها بعكس ما قبلها، على تقدير إعمال الأولى عمل ليس وإلغاء الثانية.
والتاسعة: لا حَوْلٌ ولا قوةَ، برفع الأولى وفتح الثانية، على تقدير إلغاءِ الأولى، وإعمال الثانية عمل إنّ، والكلام في تقدير جملتين.
والعاشرة: المسألة كما هى، لكن على تقدير إِعمال الأولى عمل ليس.
وهذه المسائل الستّ مفهوم جوازُها من قوله: «وَإِنْ رَفَعْتَ أوّلًا لاتَنْصِبا»، فذلك يُعْطِى أنّ ما عدا النصب في الثانى جائز مع رفع الأول، على الإِعمال والإِلغاءِ، فيبقى في الثاني الرفعُ على الإعمال، والرفع على الإلغاء، والنصب، فاثنان يضربان في ثلاثةٍ بستّةٍ.
والحاديةَ عشرَة: لا حول ولا قُوّةٌ، برفع الأول ونصب الثاني، على إعمال الأول عمل ليس.
والثانية عشرة: المسألة بعينها، لكن على تقدير إلغاء الأولى.
وهاتان المسألتان ممنوعتان بنصّ الناظم في قوله: «وإن رفعت أولًا لاتنصبا»؛ لأن النصب هنا لا وجه له؛ إذ لا يمكن العطفُ على موضع الأولى، ولا على موضع اسمها، ولا على لفظه؛ إذ ليس ثَمّ ما يقتضى نصبا دون بناءٍ، وأيضًا ليس للا أن يبقى معها الاسمُ غير مبنىٍّ؛ لأنّ شرط التركيب موجود، فظهر وجهُ المنع في المسألتين.
стр. 1090
فتحصّلَ من كلامه جوازُ عشر مسائلَ مأخوذةٍ من هذا الباب، ومن باب لا/ وما، ومَنُوطَةٍ بتفسير لم يتعرّض إليه؛ إذ لم يبيّن وجه الرفع في هذه المسائل المتصوّرة في كلامه غير مفسّرة وجدتها ست مسائل، خمسة جائزة، وهى: لا حولَ ولا قوة، ولا حولَ ولا قوةً، ولا حولَ ولا قوةٌ، ولا حولٌ ولا قوةَ، ولا حولٌ ولا قُوّةٌ. وواحدة ممتنعة وهى: لا حولٌ ولا قوّةً.
وإن نظرت إلى ما يتصوّرُ في لا -على الجملة- غير منوطةٍ بكلام الناظم، كثرت المسائل الجائزة، وقد رفعها شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار -رحمةُ اللهِ عليه- إلى مائة وإحدى وثلاثين مسألةً، سمعناها كلّها منه، وهى في شرحه للجمل، فليطالعها من تَشَوَّف إليها.
فإن قيل: إن الناظم هنا فَرَّع على إعمال لا وإلغائها في هذه المسائل، ولم يبيّن شرط الإلغاء وهو التكرار، إذ لا يجوزُ الإلغاء فيها بدون التكرار، فلا تقول: لا رجلٌ في الدار -وهى ملغاة- وتسكت حتى تقول: ولا امرأة. ولا يقال: لعلّه ارتضى مذهب المبرّد في عدم اشتراط التكرار، لأنه قد نَصّ في «التسهيل» على مخالفته، فقال: «إذا انفصل مصحوب لا، أو كان معرفة، بطل العملُ بإجماع، ويلزم حينئذ التكرار في غير ضرورةٍ، خلافًا للمبرّد وابن كيسان».
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن نقول: إنما نصّ الناظم هنا على أحكامِ إعمالها عمل
следующие страницы →