← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وقول علقمة بن عبدة: يُكلفني ليلى وقد شط وليها ... وعادت عوادٍ بيننا وخطوب والأصل في الربط بالضمير؛ لأنه هو الرابط في جملة الخبر، وجملة النعت، وقد أدخلت العرب الواو في جملة / الحال، ربطت بها بين الحال وصاحبها واستغنت بها عن الضمير، وقد يجتمعان تأكيدًا للربط، ولكن الجملة لا تخلو من واحد منهما، فلو لم يأت بواحدٍ منهما لم يحصل الربط بين الجملتين، ولا عُلم أن أحدهما قيد في الأخرى، فلو قلت: جاء زيد عمرو ضاحك، أو: أقبل محمد على عمرو قلنسوة، أو: جئت قد قام عمرو، أو: جئت لم يأت أخوك، على أن تكون هذه الجمل أحوالًا لم يجز؛ إذ لم تأت برابط من واو أو ضمير، غير أنه قد تأتي جملة الحال خالية منهما على تقدير الضمير، ويكون جائزًا كقولك: بيع السمن منوان بدرهم، تقديره: منوان منه بدرهمٍ، ومررت بالبر قفيز بدرهم، أي قفيز منه بدرهم، كما تقول: البر قفيز بدرهم، ومررت ببر قفيز بدرهم، وأبعد من هذا ما أنشده ابن جني من قول الشاعر: نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب لا يردي يصف غائصًا في الماء من أول النهار إلى انتصافه ورفيقه على شاطئ الماء ينتظر ولا يدري ما كان منه، فهذه الجملة التي هي (الماء غامره)

стр. 1787

حالية ولا رابط فيها من ضمير يعود على الاسم المتقدم، ولا واو تنوب عنه، لكن قدر صاحب الحال محذوفًا، والعائد عليه الهاء في (غامره)، فكأنه قال: نصف النهار على الغائص الماء غامره. هذا تمتم المقصود من شرح كلامه على الجملة، غلا أن في التفصيل نظرًا معتبًرا في الجمل الثلاث. فأما الجملة الاسمية فلا يخلو أن تكون مؤكدة أو غير مؤكدة، فإن كانت غير مؤكدة فالحكم كما ذكر، وإن كانت مؤكدة فلا تدخل عليها الواو أصلًا، فتقول: هو الحق لاشك فيه، ويمكن أن يكون منه قوله تعالى: ﴿ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ أي: ذلك الكتاب يقينُا، وهكذا أيضًا يجري الدرك فيما إذا وقعت الحال المؤكدة جملة فعلية نحو قوله: أخوك زيد قد عرفته، وقال امرئ القيس: خالي ابن كبشة قد علمت مكانه ... وأبو زيد وكلهم أعمامي فهذه الجملة لا تدخل عليها الواو، ووجه امتناعها أن الجملة مؤكدة، والمؤكد هو المؤكد في المعنى، فالواو تنافي الدخول بين التوكيد والمؤكد، فكما لا يصح أن تقول: قام زيد نفسه وعينه، لا يقال: هو الحق ولا شك فيه، على أن تكون الجملة حالًا، ولا أخوك زيد وقد عرفته كذلك. وأما الجملة الفعلية المصدرة بالماضي فلا يجري فيها ذلك الحكم إذا كان الماضي تاليًا لإلا، نحو قوله تعالى ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدثٍ إلا استمعوه﴾، ﴿وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون﴾.

стр. 1788

وهو كثير، فقد نص هو على أنه لا يصح الإتيان بالواو هنا، وكذلك إذا كان الماضي متلوا بأو، نحو: أكرم زيدًا أحسن أو أساء؟ وأنشد في الشرح: كن للخليل نصيرًا جار أو اعتدلا ... ولا تشيح عليه جاد أو بخيلًا فالواو عنده أيضًا لا تصلح ههنا، فلا /تقول: ما يقوم زيد إلا وبكى، ولا أكرم زيدًا أحسن أو أساء؛ إذ لم يُسمع في كلام العرب، وأيضًا فقد تقدم ما في الجملة المؤكدة. وأما الجملة المصدرة بالمضارع المنفي فإنما يجري فيها ذلك الحكم- على ما نص عليه في التسهيل- إذا كان النفي بلم حسب ما مر في التمثيل، وأما إذا نفُي بلا أو ما فلا سبيل للواو، وغنما لا تأتي بلا واو كقوله تعالى ﴿ومالنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق﴾ ﴿وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم﴾ وقال امرئ القيس في ما: ظللت ردائي فوق رأسي قاعدًا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي وأنشد في الشرح: عهدتك ما تصبو وفيك شبيبة ... فما لك بعد الشيب صبًا متيمًا وأيضًا فإن الجملة المصدرة بالماضي لابد فيها من قد ظاهرة أو مقدرة،

стр. 1789

فقولك: جاء زيد وقد ركب هو الأصل، فإن قلت: جاء زيد وركب، فيجوز لكن على تقدير قد، فإن لم تقدرها لم يجز أن تكون حالًا، ويلزم ظهورها عند ابن مالك إذا لك يكن في الجملة ضمير يعود على ذي الحال، نحو قول امرئ القيس: فجئت وقد نضت لنوم ثيابها ... لدى الستر إلا لبسة المتفضل وقول النابغة: فلو كانت غداة البين منت ... وقد رفعوا الخدور على الخيام وقول علقمة: فجالدتهم حتى اتقوك بكبشهم ... وقد حان من شمس النهر غروب وسبب التزام قد لفظًا أو تقدير أمران: أحدهما: أن الفعل الماضي لا يدل على الحال، فينبغي ألا يقوم مقامه. والثاني: أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال فيه الآن أو الساعة، وهذا لا يصلح في الماضي فينبغي ألا يكون حالًا، ولهذا لم يجز أن يقول: مازال زيد قام، ولا: لبس زيد قام؛ لأن ما زال وليس يطلبان الحال، وقام فعل ماضي الزمان، فلو جاز أن يقع الماضي حالًا لجاز هذا، وأيضًا فإذا لم يقع المستقبل في المعنى حالًا إلا بتأويل، نحو: زيد في يده اليوم صقر صائدًا به غدًا، فهو على تقدير: مقدرًا اليوم الصيد به غدًا، فكذلك لا يجوز في الماضي إلا بقرينه تقربه في الحال، وذلك قد، فإنها تقرب الماضي إلى الحال؛ ولذلك كان جوابها، لما يقم. ولما لنفي الماضي المتصل بزمان الحال، ولذلك تقول: قد

стр. 1790

قام الآن، وقد خرج اليوم. قال ابن الأنباري. فإذا ثبت هذا فالناظم لم يتعرض لهذا التقدير، فاقتضى أن جملة الفعل الماضي تقع حالًا قدر مع الماضي قد أو لا، وذلك غير صحيح على ما تقرر، وأيضًا، فإن الجملة المصدرة بالمضارع الماضي معنى محتاجة إلى الواو في القياس كان فيها ضمير أو لم يكن. قال ابن خروف، كقول النابغة: سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد إلى غير ذلك من الشواهد المذكورة، ولا يقال عنده قياسًا: سار زيد لم يسرع. وهذا خلاف ما قاله الناظم في ظاهر إطلاقه. والجواب: أن الجملة المؤكدة لا يتعين كونها في موضع الحال، لاحتمال كونها في المواضع المذكورة خبرًا أو بعد خبر/ أو جملًا لا موضع لها من الإعراب، وإنما أتى بها توكيدًا لما قبلها، وإذا لم تتعين لم يثبت أن الحال المؤكدة تأتي جملة فعلية بعد الدليل على إثباتها، وإن سلمنا أنها أتت فهي بالجملة قليلة فلم يعتبرها. وأما ما اعترض به في جملة الماضي ففيه نظر؛ فإن النحويين لا يفصلون ذلك التفصيل الذي ذكر في التسهيل. وإنما يأتون بالمسالة على ما أشار إليه هنا. قال ابن عصفور: "إن كانت الجملة فعلية وكان الفعل ماضيًا لفظًا ومعنى أو معنى دون لفظ واشتملت على ضمير فالاختيار الواو، وقد يجوز ألا تأتي بها، وإن لم تشتمل على ضمير فلابد من الواو" وهذا المعنى ذكره الجزولي أيضًا. وقال صاحب المفصل في الجملة الفعلية "لا يخلو أن يكون فعلها مضارعًا أو ماضيًا، فإن كان مضارعًا لم يخل من أن يكون مثبتًا أو منفيًا، فالمثبت بغير واو، وقد جاء في المنفي الأمران وكذلك في

стр. 1791

الماضي ولا بد من قد ظاهرة أو مقدرة" فإذا كان هؤلاء وغيرهم يقرون المسالة على هذا الترتيب اعتمدت، وبقي النظر فيما أتى به من الشواهد، وما الذي يليق هنالك من الإعراب. وأما المضارع المنفي بلا فقد لا يدخل هنا من حيث اشترط في جملة الحال ألا تكون مفتتحة بدليل استقبال، وظاهر سيبويه وعليه عول الأكثرون أن لا مخلصة للاستقبال. وإنما يرد السؤال على مذهبه في أنها لا تختص بالاستقبال، ولا يُدرى ما مذهبه حين نظم هذه الأرجوزة، فإن فُرض أن رأيه ما قال في التسهيل، فالسؤال وارد، إلا أنه حكى في التسهيل أن الواو قد تدخل على المضارع المنفي بلا، واستشهد عليه بقوله تعالى ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا ولا تسأل عن أصحاب الجحيم﴾ في قراءة غير نافع، فقوله: (ولا تسأل) جملة حالية دخلت عليها الواو. وهذا الشاهد لا شاهد فيه لعطفه على بشيرًا ونذيرًا فالواو عاطفة، وإنما الشاهد في قراءة ابن ذكوان: ﴿ولا تتبعان﴾ بتخفيف النون. فالنون فيه نون الرفع، وهو خبر لا نهي، والجملة في موضع حال، أي: فاستقيما غير متبعين، أجاز ذلك

стр. 1792

الفارسي وغيره، ولم يجيزوا إلا وهو عندهم جائز أن يقع المضارع المنفي بلا حالًا، وإن كان ذلك قليلًا. وأما النفي بما فما قاله في التسهيل من امتناع دخول الواو عليه فيه نظر، فإنها إذا دخلت على المنفي بلا، وهي تدخل على المستقبل، فأولى أن تدخل على المنفي بما؛ لأنها خاصة بفعل الحال مع عدم القرائن، فقد قال: عهدتك وما تصبوا، وأعد الحصى وما تنقضي عبراتي، فلنظر في هذا الموضع. وأما تركه الكلام على قد فالاعتذار عنه أن رأيه في التسهيل عدم التزامها في اللفظ ولا في التقدير، كمذهب الكوفيين والأخفش، ورد على من قال بالتزام ذلك- وهم جمهور البصريين- بأن الأصل عدم التقدير، فالقول به دعوى، ولأن وجود (قد) مع الفعل المشار إليه لا يزيده معنى/ على ما يفهم به إذا لم يوجد، ومن حق المحذوف المقدر ثبوته أن يدل على معنى لا يدرك بدونه. فإن قيل: إنما تدل على التقريب. قلنا: دلالاتها على التقريب مستغنى عنه بدلالة سياق الكلام على الحالية كما أغنى عن تقدير السين وسوف- سياق الكلام في مثل ﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ بل كما استغنى عن تقدير (قد) مع الماضي القريب الوقوع إذا وقع نعتًا أو خبرًا، وأيضًا فلو كان الماضي معنى لا يقع حاًلا إلا وقبله قد لامتنع وقوع النفي بلم حالًا ولكان النفي بلما أولى منه بذبك؛ لأن لم

стр. 1793

لنفي فعل، ولما لنفي قد فعل. وقد حصل بهذا كله الجواب عن توجيه تقديرها إذا لم توجد. وإذا كان مذهبه عدم الاحتياج غليها فلا يلزمه ذكرها لكن يرد عليه ما التزم من إظهارها إذا لم يكن في الجملة ضمير. وقد يُجاب عنه بأن ذلك لا يلزم فقد تقول: آتيك طلعت الشمس. وما الفارق بين أن يعود من الجملة ضمير على ذي الحال أو لا يعود، ففي التزام ما قال هناك نظر. وأما ما ذهب إليه ابن خروف فلم يرتضه الناظم بل رده بالشواهد المتقدمة الدالة على خلاف ما ذهب إليه. هذا ما يمكن في البحث من المقال في الجواب عن ذلك الاعتراض. والحق أنه إنما أتى فيما عدا الجملة المصدرة بالمضارع المثبت بحكم جملي أكثر يصح إذا أخذت المسألة مأخذ الناس؛ إذ غالب الناس لم يُفصلوا ذلك التفصيل كله، وكثير منه غنما [هو] استقراء من ابن مالك قلما تجده كذلك لغيره. وقد تقدم من كلام الزمخشري والجزولي، وابن عصفور، وغيرهم ما يشير إلى نحو مما ارتكب هنا. وذلك كاف في مثل هذا المختصر. فإن قيل: فكان الأولى ألا يعترض لهذه الإشكالات وأن تجتنب تلك الإيرادات التي يغلب على الظن أن الناظم لم يقصدها حتى يقصر من هذا التقييد ما استبان طوله، ويكتفي بحاصل ما نص عليه خاصة. فالجواب: أن القصد في الشرح غير ما ذكرت، وهو استيعاب ما يسر الله من الكلام على ألفاظه وما احتملته بمنطوقها أو مفهومها، وتفصيل مجمل ما ذكر لتتضح معانيه وتكثر مسائله، وتعظم الفائدة به، ويكون عونًا للناظر على التهدي إلى النظر والبحث والاستنباط وفي غيره مما يحتمل ذلك النظر، ولا يكون تعسفًا على مقصده. ونحن نعلم أن ابن مالك في كتبه مما يقصد في وضع

стр. 1794

الألفاظ وضبط القوانين، والتحرز من الاعتراض، والتوقي من تداخل القواعد، وانكسار الأصول ما لا يقصده غيره، وقد ظهر بما تقدم من ذلك ما يُستحسن ويُستملح، ويُنشط الكسل، ويُنهض العزائم في النظر في هذا النظم خصوصًا، وسيأتيك من ذلك ما تقر به عين المنصف من مفيد ومستفيد بحول الله. وقوله: (وجملة الحال سوى ما قدما) / مبتدأ خبره (بواوٍ) وما بعده معطوفات. و (سوى) منصوب على الاستثناء. والحال قد يحذف ما فيها عمل .... وبعض ما يُحذف ذكره حظل هذه مسألة من أحكام العوامل في الحال، وهو المحذوف، فبين أن عامل الحال قد يُحذف في بعض المواضع كما يُحذف عامل غيره كعامل المفعول به، والعامل في خبر المبتدأ، وهو المبتدأ، ومن شأن العرب الحذف اختصارًا إذا استطالت الكلام، فهو من جملة تصرفاتها في الكلام، ثم إن الناظم هنا ترك بيان أمور: أحدها: أنه لابد من أن يكون على المحذوف دليل، فربما يوهم ذلك أن هذا العامل يجوز حذفه وإن لم يكن عليه دليل، كما قد يوجد بعض المحذوفات لا دليل عليه. والثاني: أن عامل الحال قد يكون فعلًا، وقد يكون صفة، وقد يكون حرفًا من الحروف المشربة معنى الفعل، أو من الأسماء الجامدة التي أشربت معنى الفعل، فلم يبين ما الذي يحذف من هذه الأمور، وقد يتوهم أنه مستعمل في هذه الأنواع كلها، أو قد يختص ببعضها، وذلك البعض لم يتعين فيقع الإشكال. والثالث: أن هذا الحذف يمكن أن يكون قياسًا كله أو سماعًا كله أو يكون بعضه قياسًا ويعضه سماعًا. وهو قد أطلق هنا القول بقلة الحذف على الجملة، ولم يحصل تصريح بقياسٍ ولا سماع، فقد يُوهم إطلاقه أمرًا لم يقصده الناظم.

стр. 1795

فهذه مواضع كان الأولى بها بيانها، والظاهر أنه لم يفعل، وقد يقال: إنه وإن لم يُصرح فقد أشار وقصد البيان. أما الأول، فإن قاعدة الحذف أنه لا يحذف إلا ما دل عليه لدليل، ولو عدم الدليل لم يجز الحذف. أما بالنسبة إلى الكلام المنقول عن العرب فإن إدعاء الحذف في موضع لا دليل فيه تحرص على الغيب، وأيضًا إذا قصدت البيان ثم لم تدل على المحذوف لكان نقص الغرض. وأما بالنسبة إلينا أيها القائسون فإن الحذف من غير دليل ليس من كلام العرب، وأيضًا إذا لم يجعل على المحذوف دليلًا فهو غير مخبر به، ولا عنه فليس بمحذوف في الحقيقة، إذ المحذوف ما جُعل له في الكلام اعتبار ومنزلة، وما لم يدل عليه ليس كذلك أصلًا، فمدعي الحذف من غير دليل مدع لما لا برهان عليه، ومن عادة الناظم ألا يذكر الحذف إلا مع التنبيه على الدليل عليه. كقوله: * ولا تجز هنا بلا دليل * إلى آخره. وقوله: * ويحذف الناصبها إن عُلما * أو شبه ذلك. وإنما ترك ذكره في المفعول به الذي ليس أصله المبتدأ والخبر؛ للزوم الدليل عليه، فكذلك ترك التنبيه هنا عليه علمًا بتلك القاعدة لتقدم ذكرها مرارًا.

стр. 1796

وأما الثاني، فإن القاعدة أن الحذف نوع من أنواع التصرف، وأصل /٢٥٢/ التصرف إنما هو للفعل حسب ما تقرر في غير موضع، فالفعل/ إذًا أول ما يدعى أنه المحذوف، وأيضًا فإن أصل العوامل الفعل، وإنما عمل غيره بالتشبيه به- أعني عوامل الأسماء في الغالب- فإذا كان ثم عامل محذوف فأول سابق إلى الذهن أنه الفعل، فالمحذوف إذا هنا الفعل لا غيره. إن قلت: فإن اسم الفاعل أيضًا قريب الفهم فلمدع أن يدعي أنه المحذوف. فالجواب: أنه ما قرب إلا من جهة فهم الفعل به، فالفعل إذًا سبق للذهن فلا يدعى خلافه، فلأجل هذا ترك الناظم تعيين الفاعل المحذوف، وأيضًا فإن الفعل في باب العمل أكثر دورًا في الكلام فقد صارت له أصالة في العوامل التي تؤدي معنى الفعل، فكان هو الأولى بأن يتصرف فيه بالحذف نظيره (أن) في عوامل الأفعال لما كثر دورها في الكلام دون أخواتها صارت هي التي تنوى من بين سائر النواصب التي لم تدر دورها، ولا استعملت استعمالها وهذا ظاهر. وأما الثالث: فإن قول الناظم: (والحال قد يحذف ما فيها عمل) يشعر بالقياس، لأن (قد) في استعماله وإن دلت على التقليل إنما يطلقها في موضع القياس، وإلا فيقول شذ أو ندر أو ما يعطي هذا المعنى. وقد تقدم لذلك نظائر كثيرة. وهذا الإطلاق شامل لما الحذف فيه جائز أو واجب؛ لأنه لما أطلق هذا القول قسم الحذف إلى جائز ولازم، فقوله: (وبعض ما يحذف ذكره حظل) يعني أن هذا الحذف المذكور بعضه لا يجوز ذكر المحذو معه فذكره حظل أي منع فلا ينطق به البتة- وأصل الحظل: المنع من التصرف والحركة، ويقال حظل عليه يحظل وحظله أيضًا يحظله حظلًا وحظلانًا إذا منعه، ومنه حظل الأيم وهو منعها النكاح. قال الراجز:

стр. 1797

فلا ترى بعلًا ولا حائلًا ... كهو ولا كهن إلا حاظلا والحظل والحظر يتقاربان معنى- وبعضه يجوز معه ذكر المحذوف. وهذا القسم لم يصرح به لكنه مفهوم من كلامه، ولم يعين للقياس في القسمين موضعًا، فأما الجائز الحذف فلا يحتاج إلى تعيين موضع. وأما اللازم الحذف فله مواضع يقاس فيها لم يعتن الناظم بتعيينها بل اكتفى بالإشارة خاصة، فمثال الجائز قولك للراحل عنك: راشدًا مهديًا، تقديره: تذهب راشدًا مهديًا، دلت قرينة الحال على ذلك. وقولك للقادم: مبرورًا مأجورًا، أي: قدمت على هذه الحال، وللمحدث: صادقًا، أي: تقول ذلك صادقًا، وللمشتكي: محقًا أو مبطلًا، وما أشبه ذلك. وهذا مما حذف فيه العامل لقرينة حالية. وتقول فيما حذف لقرينةٍ لفظية: راكبًا، لمن قال: كيف أتيت؟ [أي: أتيت] راكبًا، لمن قال: كيف أتيت؟ [أي: أتيت] راكبًا، وكذلك قولك: بلى مسرعًا، لمن قال لك: لم تلأتني أو لمن قال: لا تأت فلانًا، ومن ذلك في القرآن ﴿أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه. بلى قادرين على أن نسوي بنانه﴾ تقديره: بلى نجمعها قادرين. وقال سويد المرائد الحارئي- من أبيات الحماسة-: /لعمري لقد نادى بأرفع صوته ... نعي حي أن فارسكم هوى أجل صادقًا والقائل الفاعل الذي ... إذا قال قولًا أنبط الماء في الثرى

стр. 1798

أي: تقول ذلك صادقًا. فهذه المثل، وما كان نحوها يجوز إظهار المحذوف معها وأما الذي يلزم فيه الحذف ولا يجوز الإظهار، فله مواضع: منها: حيث يكون الحال تبين ازدياد ثمن أو غيره شيئًا فشيئًا، أو نقصه كذلك، نحو قولك: أخذته بدرهم فصاعدًا، واشترتيه بدينار فزائدًا، والتقدير: فزاد الثمن صاعدًا، وكذلك تصدقت بدينار فسافلًا، تقديره: فنقص الثمن سافلًا، أو ما أعطيته سافلًا، أو انحط سافلًا، أو نحو ذلك. ومنها الحال السادة مد الخبر في قولهم: ضربي زيدًا قائمًا، وأكثر شربي السويق ملتويًا، وأخط ما يكون الأمير قائمًا، وما أشبه ذلك وقد مر ذكره في باب المتبدأ. وأخطب ما يكون الأمير قائمًا، وما أشبه ذلك وقد مر ذكره في باب المتبدأ. ومنها الواقعة بدلًا من اللفظ بالفعل في التوبيخ كان مع استفهام وهو الأكثر أو بدونه، فالاستفهام، نحو قولهم: أقائمًا وقد قعد الناس؟ وأقاعدًا وقد سار الركب، ؟ وذلك أنه رأى رجلًا في قيام أو قعود فأراد أن ينبهه ويوبخه، فكأنه قد لفظ بقوله: أتقوم قائمًا، وأتقعد قاعدًا، ولكنه حذفه لدلالة الحال على المحذوف، وصار بدلًا من اللفظ بالفعل فلزم ألا يؤتي به مع الاسم، ومثل ذلك قولهم: أتميميًا مرة وقيسيًا أخرى. يقال ذلك لمن هو في حال تلونٍ وتنقل، فكأن التقدير: أتتحول تميمًا مرة وقيسيًا أخرى؟ ، ولكنهم حذفوا الفعل. وحكى سيبويه عن بعض العرب أن رجلًا من بني أسد قال يوم جبلة واستقبله بعير أعور فتطير، فقال: يا بني أسد: أعور وذا تابٍ؟ فالمعنى: أتستقبلون أعور وذا ناب، وذلك على جهة التنبيه لهم ليحذرهم لا على أنه يستفهمهم عنه. وأنشد سيبويه لهند بنت عتبة:

стр. 1799

أفي السلم أعيارًا جفاء وغلظة ... وفي الحرب أشباه النساء العوارك أي أتتلونون وتنتقلون مرة كذا ومرة كذا، فتتحولون في السلم مثل الأعيار- وهي الحمير- جفاء وغلظة وفي الحرب أشباه النساء الحيض جبنًا وضعفًا، وأنشد أيضًا: أفي الولائم أولادًا لواحدةٍ ... وفي العيادة أولادًا لعلات أي: أتتحولون عند الولائم متواصلين، وعند النوائب متقاطعين. ومن ذلك في غير الاستفهام قولك: قاعدًا قد علم الله وقد سار الركب، وقائمًا قد علم الله وقد قعد الناس، يوبخه بذلك، كأنه قال: يقوم قائمًا ويقعد قاعدًا. وقد يدخل تحت المقيس ما كان منه في الدعاء نحو: عائذًا بالله من كذا، تقول العرب: عائذًا بالله من شرها، كأنه رأى شيئًا يتقى فصار عند نفسه في حال استعاذةٍ، وحذف الفعل؛ لأن الاسم بدل منه، كأنه قال: أعوذ بالله من شرها، وأنشد سيبويه لعبد الله بن الحارث ﵁: ألحق عذابك بالقوم الذين طغوا/ وعائذًا بك أن يعلوا فيطغوني وتقول على هذا: بريئًا إليك من كذا، ومتوسلًا بكذا على حسب ما يفهم الحال. هذا كله مما يقبل القياس فيدخل تحت كلام الناظم. والله أعلم.

стр. 1800

التمييز / هذا خو النوع الثامن من المنصوبات التي ينصبها كل فعل متعديًا كان أو غير متعد، وهو آخرها، وذلك التمييز. ولم يأت له بحد أو رسمٍ من حيث هو تمييز، وإنما رسم ما يصح أن يكون تمييزًا، وذلك قوله: اسم بمعنى من مبين نكره ... ينصب تمييزًا بما قد فسره كشر أرضًا وقفيز برًا ... ومنورين عسلًا وتمرا فالاسم هو الجنس الأقرب، إذ لا يكون إلا من جنس الأسماء، ويردي بقوله: (بمعنى من) أنه يفهم معناها، كما يفهم الظرف معنى (في)، والحال معنى (في حال)، ولا يريد أنه يرادف من، كما يرادفها بعض مثلًا، وكما ترادف مذ الاسمية مذ الحرفية، وإنما أراد أنه يفهم منه ذلك المعنى، كما لو لفظ بمن. فإذا قلت: (شبر أرضًا) فهو يفهم معنى: شبر من أرضٍ، وكذلك سائر المثل. واحترز بذلك من الحال، فإنها تصدق عليها ألفاظ الرسم، لكنها لا تنتصب على التمييز لأنها ليست بمعنى (من)، وإنما هي بمعنى: في حال، وكذلك يخرج له الظرف بهذا التقدير. فإذا قلت: زيد أمامك، فهو في تقدير: زيد في هذا المكان. وإذا قلت: زيد في الدار قاعدًا، فمعناه في حال قعود، فليسا بتمييز.

стр. 1801

وقوله: (مبين) يعني أنه يبين غيره ويفسر ويوضحه وكذلك التمييز؛ إذ هو مبين لما استبهم من الذوات، كما أن الحال مبينة لما استبهم من الهيئات، فيفترقان في أن الحال مبينة للهيئات، والتمييز مبين للذات، ويجتمعان في أن كل واحٍد منهما مبين لشيء مستبهم، واحترز بذلك مما قد يجيء في الكلام من الأسماء وفيه معنى (من) لكنه ليس بمبين لغيره ولا مفسرًا، كذنبا في قول الشاعر - أنشده سيبويه -: أستغفر الله ذنبًا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل فإنه يصدق عليه أنه اسم بمعنى (من)، ولم ينتصب على التمييز، لأنه لم يقع هاهنا مبينًا لشيء غيره، وإنما وقع في الكلام لأنه المحل المستغفر منه، كما يقع المفعول به في الكلام، ولا يقال في المفعول: إنه مبين ومفسر لغيره، وإن قيل ذلك فعلى معنى تعيين [محل] وقوع الفعل خاصة، وبهذا القيد [أيضًا] يخرج له اسم لا العاملة عمل إن؛ إذ كان اسمًا بمعنى من؛ لأن معنى قولك: لا رجل في الدار، لا من رجٍل في الدار، من حيث كان نفيًا لقولك: هل من رجٍل في الدار؟ وقد نطق به الشاعر فقال: فقام يذود الناس عنها بسيفه ... وقال: ألا لا من سبيٍل إلى هند

стр. 1802

وأيضًا هو نكرة؛ إذ لا تعمل لا إلا في نكرٍة، فكان يدخل عليه هنا، فأخرجه بقول (مبين) لأن اسم لا ليس بمبيٍن ولا مفسٍر لشيء. وقوله: (نكرة) يعني أن التنكير من وصف الاسم الذي يصح انتصابه على التمييز، فلا يكون معرفًة قياسًا. وهذا مذهب البصريين. وذهب/ الكوفيون إلى جواز تعريفه. والصحيح ما أشار إليه الناظم من لزوم التنكير بالقياس والسماع. أما القياس: فإن التمييز إنما وضعه أن يكون بيانًا لما استبهم، وهذا المعنى يمكن مع التنكير، وإذا كان كذلك فالعدول إلى التعريف من غير حاجٍة إليه تكلف تأباه حكمة العرب، وأيضًا فإن التمييز لم يوضع ليخبر عنه أصلًا، والتعريف إنما يدخل الاسم من حيث تحصل الفائدة بالإخبار عنه، فما لا يخبر عنه لا حاجة إلى تعريفه، ولذلك لم يصح تعريف الأفعال، وأيضًا هو تفسير لمبهم، فلم يحتج إلى التعريف قياسًا على الحال، وأيضًا لو صح تعريفه لصح إضماره، لكن إضماره لا يصح ولم يأت في كلامهم - أعني مضمرًا - فثبت أنه لا يصح تعريفه. فإن قيل: القياس إنما يصح إذا عضده السماع، والسماع موجود بخلاف ما زعمتم، فقد قالت العرب: "غبن فلان رأيه، ووجع بطنه ورأسه". وفي القرآن: ﴿إلا من سفه نفسه﴾. وفي الحديث: (تهراق

стр. 1803

الدماء). وجاء من كلامهم: قبضت الخمسة عشر الدرهم. وحكى الكسائي: هو أحسن الناس هاتين، يريد عينين. وأنشد السيرافي: رأيتك لما أن عرفت جلادنا ... رضيت وطبت النفس يا بكر عن عمرو وقال الآخر: أيجمع ظهري وألوي وأبهري ... ومال الصحيح ظهره كالأدبر وقال أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان: إلى ردحٍ من الشيزى ملاء ... لباب البر يلبك بالشهاد

стр. 1804

وأيضًا قالوا: مررت برجٍل حسٍن وجهه، والسماع بمثل هذا كثير، فدل على أن التعريف في التمييز جائز. فالجواب أن يقال: إن ما فيه الألف واللام عندهم - أعني البصريين - محمول على زيادة الألف واللام، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك في باب المعرفة بالأداة. وأما الإضافة: فهو عندهم على تضمين الفعل غير المتعدي، معنى فعٍل يتعدى، أو على إسقاط الجار، فكان التقدير في: غبن في رأيه أو جهل رأيه، وكذلك سفه نفسه ووجع بطنه، أي من بطنه، أو عرف ذلك شذوذًا. وأما هاتين: فإما على نية التنكير كقولهم: * ولا أمية بالبلاد * وإما على حذف الجار، كأنه قال: هو أحسن الناس بهاتين، أي زاد حسنه على الناس بعينيه. قال الفارسي. وأيجمع ظهري، كغبن رأيه، وإنما احتاجوا إلى تأويل ذلك كله لأنهم وجدوا عامة كلام العرب في التمييز على أن يكون منكرًا، ولو جاز تعريفه عند العرب لكانوا خلقاء أن يستعملوه كذلك كثيرًا شائعًا، فلما لم يكن كذلك دل على قصدهم للتنكير، وأن ما عداه راجع إلى ما يعرض لهم من الشذوذات الخارجة عن معتاد كلامهم. فإذا تقرر هذا، فاشتراط الناظم التنكير في الاسم الذي ينصب على التمييز صحيح بناء على الاصطلاح البصري، وعلى هذا يكون قولهم: مررت برجٍل حسٍن وجهه، منصوبًا على التشبيه بالمفعول به لا على التمييز. والذي حصل من

стр. 1805

أوصاف ذلك الاسم الخاصة بصحة نصبه تمييزًا ثلاثة: أن يكون بمعنى (من)، مبنيً نكرة. ويرد عليه السؤال في هذا التعريف/ من أوجٍه أربعة: أحدها: أن التمييز على ضربين: ضرب يكون بمعنى (من) كما قال، كأمثلته التي مثل بها في قوله: (كشبٍر أرضا) وما بعده. وضرب لا يكون كذلك، وهو المنقول من الفاعل وما أشبهه نحو: طاب نفسًا، وكرم أبًا، وسفه نفسًا، وقررت عينًا، وما أشبه ذلك، وكذلك ما انتصب من النكرات في باب الصفة المشبهة نحو: مررت برجٍل حسٍن وجهًا، وكذلك مع أفعل التفضيل نحو: أنت أعلى منزلًا، فليس التمييز في هذه المواضع بمعنى (من) البتة؛ ولذلك لا تقول: طاب زيد من نفٍس، ولا أنت أعلى من منزل، كما تقول: قفيز من بر، وشبر من أرٍض، فاقتضى كلام الناظم هنا أن هذه النكرات التي هي فواعل في المعنى لا تنصب على التمييز، وذلك غير صحيح، فقد جعلها في الباب نفسه مما ينصب على التمييز، فهذا فيه ما ترى. والثاني: أن (من) التي تضمن التمييز معناها هي الجنسية لا غيرها. والناظم قد أجمل الأمر فيها، فلم يبين من أي قسٍم هي من أقسام (من) المذكورة في باب الجر، فقد تشتبه بمن التي لابتداء الغاية، أو للتبعيض، أو غير ذلك من أقسامها، فلا يحصل المقصود من التعريف مع الإبهام والإجمال. والثالث: أنه يدخل له التابع إذا كان مميزًا في المعنى كقول الله تعالى: ﴿وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطًا أممًا﴾. فأسباط ليس بتمييز؛ إذ لو كان تمييزًا لكان سبطًا، مفردًا؛ لأن مميز ما فوق العشرة مفرد منصوب، فدل على أن أسباطًا ليس إلا تابعًا لقوله: (اثنتي عشرة) تبعية البدل. وعلى ذلك

стр. 1806

أيضًا جاء قوله تعالى: ﴿ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين﴾ في قراءة تنوين مائٍة، وهي لغير حمزة والكسائي، فيوهم أن أسباطًا وسنين منصوبان على التمييز، وكذلك ما كان نحوهما مثل: قبضت أحد عشر دراهم، وستة عشر دنانير، وعشرة أثوابًا، وأشباه ذلك، وهو مخل بالقصد. والرابع: أنه يدخل عليه تابع اسم لا إذا كان منصوبًا نحو: لا رجل عاقلًا؛ لأن حكمه في تقدير معنى (من) حكم متبوعه، وهو أيضًا مبين صفة الرجل، فتناوله الرسم، وليس بمنصوب على التمييز أصلًا. وهذه الأشياء الثلاثة الأخيرة قد تحرز منها في التسهيل؛ إذ حد التمييز فقال: "وهو ما فيه معنى (من) الجنسية من نكرٍة منصوبٍة فضلٍة غير تابٍع" وبين مقصده في الشرح بما ذكر أن التحرز منه واجب. والجواب: أما الأول فوارد عليه هنا وفي كتاب "التسهيل"، وقد حد الناس التمييز، فلم يقيدوا هذا التقييد الذي لا يشمل إلا أحد قسميه فقال ابن الضائع: هو الاسم النكرة المنتصب بعد تمام الكلام أو بعد تمام الاسم بيانًا لما انبهم من الذوات. وقال بعضهم: الاسم النكرة المنصوب المبين لما انبهم من الذوات. وقيل غير ذلك مما لم يذكر فيه التقييد بمعنى (من).

стр. 1807

فالحاصل أن الناظم حد بعض ما ينتصب على التمييز، فأخرج بذلك غيره عن أن يكون نصبه على التمييز، وقد كان يمكن الاعتذار بأنه يمكن أن لم يلتزم النصب على التمييز في نحو: سفه نفسًا، وحسن وجهًا، وأن يجعل نصبه على المفعول به، كما يعرب: مررت برجٍل حسٍن/ الوجه، وحسن وجهه كذلك، ويكون مخالفًا للنحويين في مجرد اصطلاح لا ينبني عليه حكم لولا أنه نص على أن مثل: طب نفسًا، وأنت أعلى منزلًا تمييز، فلم يمكن اعتذار عنه بذلك. وأما الثاني: فإنه لم يحتج إلى تقييد (من) بالجنسية؛ لأن غاية ما في ذلك أن تحرز به من قوله: * أستغفر الله ذنبًا لست محصية * وهذا النوع قد خرج عنه بقوله: (مبين)، إذ ليس (ذنبًا) بمبيٍن غيره كما تقدم. فقوله: (مبين) قام مقام تقييد (من) بأنها الجنسية. وأما الثالث: فإنه لم يحد التمييز نفسه، وإنما حد ما يصح انتصابه على التمييز، فالتوابع المعترض بها مفتقرة إلى النظر فيها بما حد به فإن اجتمعت فيها الأوصاف المذكورة، صح انتصابها على التمييز حيث يحتاج إليه إذا لم يختص باب من الأبواب المحتاجة إلى التمييز بزيادة شرط كباب العدد، فإن ما فوق العشرة فيه إنما يفسر بواحٍد منصوب، فاختص بزيادٍة على ما عهد في التمييز. وأما غير باب العدد، فانتصاب تلك الأسماء المذكورة فيها على التمييز جائز، كقولك: هو أكثر الناس دراهم أو ثيابًا، وهو أكثر الناس سنين، وما أشبه ذلك، فكان ﴿أسباطًا﴾ يمكن فيه هذه الأوصاف، إذ هو اسم بمعنى

стр. 1808

(من) مبين نكرة، أي يصلح لمعنى (من) وإذا أمكن اجتماع الأوصاف فيه صح انتصابه على التمييز، فقلت: هم أكثر الناس أسباطًا، لكن لما كان فوق العشرة، إنما يقع التمييز فيه مفردًا لم يصلح أن يعد في الآية تمييزًا، وإن أمكن فيه معنى (من)، فأول على غير التمييز، وجعل بدلًا، فشرط الإفراد في ﴿أسباطًا﴾ يختص بباب العد، وليس مشترطًا في كون التمييز تمييزًا، فبان الاعتراض على الناظم بهذا. وأما الرابع: فإن تابع اسم لا ليس بمضمن معنى (من) بل اسم لا هو المضمن إن فرض - وإن قدر كذلك، فمن حيث هو تابع لما فيه ذلك المعنى مجازًا لا حقيقة. وبيان ذلك أن تضمن معنى (من) إنما جاء من جهة قصد عموم النفي، وهو إنما توجه على الاسم لا على التابع؛ لأن التابع إنما قصد فيه قصد التبعية لا قصد عموم النفي، ومن ثم كان التابع لا يقتصر به على منفي دون موجٍب، ولا على نكرٍة دون معرفة، ففي الحقيقة لم يتضمن معنى (من) فلا يصح الاعتراض به، وهذا كله على تسليم أن (من) المقدرة في اسم لا هي الجنسية، وأما إذا لم يكن كذلك فالاعتراض ساقط من أصله، وقد تقدم الكلام في دخول اسم لا في الحد أو عدم دخوله، فإذا كان اسم لا قد خرج عن الحد بقوله: (مبين) فصفته أولى ألا تدخل فيه. وأما إتيانه في التسهيل بقوله: (غير تابع) ليخرج صفة اسم لا، فإنه لما أخرج اسم لا بقوله: (فضلة) بقي التابع لأنه فضلة في الحكم، فأخرجه بقوله: غير تابٍع، وكان اسم لا داخلًا عليه في قوله: ما ضمن معنى (من) الجنسية حتى أخرجه بقوله: فضلة. وهذا كله غير محتاٍج إليه هنا، ولو لم يأت

стр. 1809

بهذا القيد في التسهيل لم يحتج إليه؛ إذ ليس في التابع معنى (من) الجنسية لما ذكر، فأحرى ألا يحتاج إليه ها هنا وقوله: (ينصب تمييزًا بما قد فسره) هو خبر المبتدأ الذي هو (اسم) ويعني أن الاسم الموصوف/ بهذه الأوصاف المذكورة يصح أن ينصب على التمييز بخلاف ما لم تجتمع فيه هذه الشروط، فإنه لا ينصب على التمييز، فما ليس بمعنى (من) لا ينصب تمييزًا كالحال، والظرف، وما ليس بمبيٍن كذلك لا ينصب هذا النصب كاسم لا، وما ليس بنكرٍة لا ينصب هذا النحو من النصب كالوجه في حسٍن الوجه، وسفه نفسه، وغبن رأيه، وما أشبه ذلك؛ بل إن نصبت فعلى غير التمييز مما تقدم ذكره في أبوابه، أو على التشبيه بالمفعول به، أو غير ذلك، وكان هذا تقرير لاصطلاح مقرٍر لاصطلاح مقرٍر عند النحويين، وهو أن المنصوب على التمييز إنما هو عندهم هذا الموصوف، وعند هذا لا يعترض بما اعترض به أهل الكوفة؛ وذلك أن الاعتراض على الاصطلاح لا يسمع، وقول النحويين: إن التمييز لا يكون إلا نكرة، معناه أن التمييز عندنا عبارة عن المفسر الذي لا يكون إلا نكرة، فإذ كان معرفة لم يكن عندهم تمييزًا في الاصطلاح، فلا ينبغي أن يعترض على من التزم هذا بأن التمييز قد يأتي معرفة، فإنه يقول: إني لم أصطلح على أن أسمي المعرفة تمييزًا، وينبغي أن يقال لمن اعترض بهذا: التمييز عندك لا يكون إلا منصوبًا، وهو منتقض عليك بقولهم: ثلاث أبواٍب، ومائة درهٍم، فإن أثوابًا ودرهمًا تمييز، وهو غير منصوب. فإن قال: إنهم لا يسمون هذا تمييزًا. قيل له: وكذلك أيضًا لا يسمون المعرفة تمييزًا، فأي فرٍق بين الموضعين. وقوله: (بما قد فسره) متعلق بينصب، ويريد أن الناصب لهذا التمييز الكلام الذي قد فسره التمييز أو الاسم الذي قد فسره، وذلك أن التمييز على قسمين:

стр. 1810

قسم ينتصب عن تمام الكلام نحو: طاب زيد نفسًا ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾ وقسم ينتصب عن تمام الاسم (كشبر أرضًا) ورطٍل زيتٍا. فالأول يعمل فيه الفعل، لأنه مفسر به بوجٍه ما. ألا ترى أن الفعل بالنسبة إلى من أسند إليه غير بين، كما أن المسند إليه بالنسبة إلى الفعل غير واضٍح، فصار نفسًا في قولك: طاب زيد نفسًا، مفسرٍا للطيب بالنسبة إلى زيٍد بوجه وبوجه للنسبة الحاصلة بين زيٍد والطيب، أو لمحل تلك النسبة، وهو زيد، فعلى هذا ينبغي أن يفهم قوله (بما قد فسره) بالنسبة إلى مميز الجملة، إذ كان قد يشمل القسمين معًا مميز الجملة ومميز المفرد، وإنما كان ذلك لأن أصل الكلام على غير ذلك الوضع؛ إذ كان أصل قولك: طاب زيد نفسًا، طابت نفس زيٍد، ثم نسب الفعل إلى زيٍد والمراد نفسه مبالغة، فلما أسند الفعل إلى زيٍد، وأريد بيان ذلك المعنى المقصود أتوا بالنفس منصوبٍة؛ إذ لم يمكن رفعها لوجود المرفوع في اللفظ وأشبهت المفعول به من جهة مجيئها بعد تمام الكلام، فانتصب على التشبيه بالمفعول به، وخصوها باسم التمييز حين كانت نكرة، وخصوا ما كان معرفة بالتشبيه فرقًا بينهما، وإلا فكل واحد منهما منصوب على التشبيه. وعلى هذا الحد انتصب شيبًا في ﴿اشتعل الرأس شيبًا﴾ وسائر ما جاء من ذلك. وأما/ القسم الثاني: وهو ما انتصب عن تمام الاسم، فالعامل فيه ذلك الاسم فقوله: (شبر أرضًا) الناصب لأرضًا قولك: (شبٍر) تشبيهًا له بضارب إذا قلت: ضارب زيدًا. وذلك أنك إذا قلت: عندي شبر، فليس التمييز لهذا المقدار نفسه؛ بل للمقدر به، فالمعنى عندي قدر شبٍر، فلما استبهم القدر فسر،

стр. 1811

وهو في التقدير مضاف إلى المقدار، فينبغي ألا يضاف إلى المفسر الذي هو (أرضًا) لأنه قد أضيف قبله إلى المقدار، فلما اقتضاه ولم تمكن إضافته إليه؛ إذ هو قد تم بما أضيف إليه أشبه الصفة المشبهة باسم الفاعل، فنصب ما بعده على التشبيه. ويسمى تمييزًا كما تقدم، فهذا معنى كونه ناصبًا له، وكذلك تجري سائر المثل المنتصبة عن تمام الاسم. ثم تأتي بأمثلٍة من التمييز لكن مما هو منصوب عن تمام الاسم فقال: (كشبرٍ) أرضًا) إلى آخره، وهي ثلاثة كلها مميز للمقدار. والمقادير أربعة: مقدار المساحة، ومقدار الكيل، ومقدار الوزن، ومقدار العد. فقوله: (كشبرٍ أرضًا) من مقدار المساحة، وقوله: (وقفزٍ برًا) من مقدار الكيل. وقوله (ومنوين عسلًا وتمرًا) من مقدار الوزن. وبقي المقدار الرابع لم يأت له بمثال، وكان حقه أن يأتي به؛ لأنه قصد بهذه الأمثلة بيان أنواع المقدار، وهو مقدار العد نحو: عشرين درهمًا، وخمسة عشر ثوبًا وكأنه ترك ذكره لبابه. ومن الأول قولك: عندي ذراع ثوبًا، وما في السماء موضع راحٍة سحابًا، ومن الثاني قولك: عليه نحي سمنًا، وهذا راقود خلا. ومن الثالث: ﴿فمن يعمل مقال ذرٍة خيرًا يره ومن يعمل مثقال درٍة شرًا يره﴾. فتكثير الناظم المثل إشعار بأنواع المقادير. وأيضًا فإن فيها إشارة إلى ما به تمام الاسم، وذلك أن الاسم الذي ينتصب بعده التمييز لا يكون إلا تامًا، ومعنى تمامه أن يكون فيه تنوين أو نون تشبهه، وهي نون التثنية والجمع، وما جرى مجراهما، وما يعاقب التنوين وذلك الإضافة، والألف واللام، فالتنوين في قوله: (كشبرٍ أرضًا وقفيزٍ برًا) والنون التي

стр. 1812

تشبهه في قوله: (منوين عسلًا وتمرًا). وأما الإضافة والألف فنحو: لله دره فارسًا، ﴿وملء الأرض ذهبًا﴾ وما فعل الشبر أرضًا والذراع ثوبًا. وقد نبه على الإضافة بعد، وترك ذكر الألف واللام؛ لأنه قليل في الاستعمال وأكثر ما يستعمل في العدد، وسيأتي ذكره هنالك. فأما إن كان الاسم غير تام فلا بد من الإضافة، نحو: شبر أرٍض وقفيز بر ومنوى عسٍل وتمٍر، وسيأتي ذكره. وإنما جرى الحكم هكذا لما ذكر من تشبيه الاسم هنا بالصفة كضارٍب وحسٍن، فكما تنصب ما بعدهما إذا نونتهما، وما بعد ضاربين وحسنين إذا ثبا نونهما، وتخفض بالإضافة إذا حذفتهما كذلك تفعل في هذا الباب. والشبر: معروف. والقفيز: مكيال يقدر بثمانية مكاكيك، والمكوك: ثلاثة كيلجاتٍ، والكيلجة: منا وسبعة أثمان منا، / والمنا: مفرد المنوين، وهو رطلان وهو المن أيضًا. ثم قال: وبعد ذي ونحوها اجرره إذا ... أضفتها كمد حنطٍة غذا (ذي) إشارة إلى الأمثلة المتقدمة الذكر، وهي أن هذه الأمثلة وما كان نحوها مما انتصب بعد تمام الاسم بالتنوين أو بالنون التي تشبهه لك فيها وجه آخر من الإعراب غير النصب على التمييز، وهو الجر بالإضافة، وذلك إذا حذفت ما به التمام، ثم أضفتها إلى ذلك المنصوب فتقول: ما حنطٍة وكان الأصل فيه على ما تقدم مد حنطًة، لأنه مثل قوله قفيزٍ برًا، لكن لما حذفت التنوين أضفت فقلت: مد حنطٍة، وعلى هذا تقول: شبر أرٍض، وقفيز بر، ومنوا عسل وتمر،

стр. 1813

وراقود خل، ونحي سمن، وما أشبه ذلك. فقوله: (إذا أضفتها) يريد إذا أردت إضافتها فأجرر التمييز بالإضافة، فإن الإضافة توجب الجر، أو إذا حصلت الإضافة معنى، فاجرره بسبب حصولها. والحاصل من كلامه أن التمييز في هذه المثل وما كان نحوها يجوز فيه الأمران: النصب المتقدم، والجر بالإضافة. و (غدا) في قوله: (كمد حنطٍة غذا) بدل أو حال. ثم هنا مسألتان: إحداهما: أنه قيد الجر بالإضافة، ولم يقل (وبعد ذي ونحوها أجرره) فيطلق الجر ولا يقيده، وكان ذلك أولى؛ إذ معلوم أن الجر هنا إنما يصح معها، فإنه لا موجب له في الموضع إلا هي، فكان الإتيان به كالفضل غير المفتقر إليه، فيسأل لم أتى به هل تحت ذلك التقييد فائدة أم لا؟ والجواب: أن له فائدة حسنة، وذلك أنه لو لم يقل: (إذا أضفتها) فيقيد بالإضافة لسبق الوهم إلى بقاء التنوين والنون في المميز وجر التمييز بمن المقدرة، وأن يقال: مد حنطٍة، ومنوان سمٍن وتمٍر على تقدير: مد من حنطة ومنوان من كذا، وهذا غير جائز باتفاٍق، فلما قيد بالإضافة زال هذا التوهم، وتبين أن الجر إنما موجبه الإضافة. فإن قيل: هذا التوهم غير متوهٍم، إذ يسبق مثل هذا إلى ذهن نحوي، لأنه ليس بمعهوٍد في القياس عند أحٍد منهم أن يحذف الجار ويبقى عمله في غير رب على خلاٍف في ذلك، ولو توهم ذلك لتوهم مثله في الحال والظرف؛ إذ هما في تقدير في، فكما لا يجب ولا يحسن التحرز من ذلك في الحال والظرف لا يجب ذلك أيضًا هنا. فالجواب: أن في باب التمييز من ذلك ما يقع التوهم به في هذا الموضع

стр. 1814

وذلك في موضعين: أحدهما: أنه أجاز بعد الجر بمن ظاهرة بقوله: (وأجرر بمن إن شئت غير ذي العدد) إلى آخره، فلو لم يقيد الجر هنا بالإضافة لتوهم أنه يريد ما قال هناك من الجر بمن ظاهرة وليس ذلك مقصوده. والثاني: أن من التمييز ما يجر بمن مضمرًة لا بالإضافة، وذلك مميز (كم) فإن الجر هناك إذا قلت: بكم درهٍم اشتريت ثوبك؟ بمن مضمرة عند المؤلف، ذكر ذلك في التسهيل، ونصره في الشرح، / وارتضاه فيهذا النظم فقال في باب (كم): وأجز أن تجره من مضمرا ... إن وليت كم حرف جر مظهرا وكذلك الجر في (كم) الخبرية عند الفراء إذا قلت: كم درهٍم أعطيت؟ بمن مضمرة لا بالإضافة. ويسهل ذلك أن (من) في قوة الظهور، ولذلك تقول: شبر من أرٍض، وقفيز من بر، كما تقول في (كم): بكم من درهٍم اشتريت ثوبك؟ وكم من درهٍم أعطيت؟ فلما كان الأمر كذلك لم ينبغ أن يترك تقييد الجر بالإضافة رفعًا لتوهٍم ربما لحق في الموضع لو لم يقع البيان. والثانية: أن قوله: (ونحوها) إشارة إلى كل ما كان مثل المثل المتقدمة مما كان فيه تمام الاسم بالتنوين أو بالنون المشبهة به، فذلك هو الذي يجوز فيه الجر، لإمكان حذف ما به التمام، فلو تم الاسم بالإضافة لم تجز الإضافة وجر التمييز بها، لأن ذلك لا يمكن إلا مع حذف المضاف إليه الذي به وقع تمام الاسم،

стр. 1815

والمضاف إليه لا يحذف كما يحذف التنوين، ولا - أيضًا - تمكن الإضافة مع بقائه، وهذا هو الذي أراد بقوله: والنصب بعد ما أضيف وجبًا ... إن كان مثل "ملء الأرض ذهبا" يعني أن ما كان من الأسماء تمامه بالإضافة، فإن نصب التمييز بعده واجب لا يجوز غيره، لأن الإضافة لا تكون إلا بعد حذف ما به التمام، وحذف ما به التمام هنا لا يصح. فإذا قلت: عندي ملء الإناء عسلًا، فملء تام بالمضاف إليه وهو الإناء، فلو حذفته وأضفت إلى التمييز فقلت: لي ملء عسٍل لاختل الكلام، وكذلك: ما في السماء موضع راحٍة سحابًا. و ﴿من يعمل مثال ذرٍة خيرًا يره﴾. وأتى هو بمثاٍل قرآني وهو قول الله تعالى: ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبًا﴾. وشرط في وجوب النصب بع الاسم المضاف أن يكون ذلك المضاف مماثلًا لـ (ملء) المذكور في المثال في وصفه، وهو ألا يكون أفعل تفضيٍل على الوصف الذي يذكر، فإن كان المضاف أفعل التفضيل فليس النصب فيه واجبًا مطلقًا؛ بل فيه تفصيل، وهو أنه لا يخلو أن يكون التمييز هو ما ينطلق عليه أفعل من جهة المعنى أو يكون غيره، فإن كان غيره فالنصب بلا بد، وهو المذكور في البيت الآتي على إثر هذا، وإن كان إياه، فمفهوم هذا الكلام أن الوجهين فيه جائزان، وذلك أنه ذكر أن النصب بعد المضاف واجب إن كان مثل كذا أو كان المضاف أفعل تفضيٍل ليس هو التمييز في المعنى، فاقتضى أن ما سوى هذين القسمين لا ينحتم فيه النصب ولا يجب، فدخل له هنا أفعل التفضيل إذا كان هو التمييز في المعنى، فكأنه جعل التمييز من المضاف كالتمييز

стр. 1816

من غير المضاف إلا في موضعين: أحدهما: ما كان مثل ﴿ملء الأرض ذهبًا﴾. والآخر: ما كان مثل: أنت أعلى منزلًا، فما سواهما يجوز فيه النصب والجر، ومثال ذلك قولك: زيد أفره الناس عبدًا، وهو خير الناس رجلًا، وهما خير الناس اثنين، / وهو أشجع الناس رجلًا على رأي سيبويه، لأن التمييز عنده هو الأول لما مثل بهذين المثالين الأخيرين: "والرجل: هو الاسم المبتدأ والاثنان كذلك، إنما معناه: هو خير رجل في الناس، وهما خير اثنين في الناس". ووجه النصب ظاهر لوجود ما به التمام في اللفظ وهو بالإضافة. وأما الجر: فعلى حذف ما به التمام فتقول: زيد أفره عبد في الناس، وخير رجل في الناس، وهما خير اثنين في الناس، وهو أشجع رجل في الناس. قال سيبويه: "لأن الفارهَ هو العبد ولم تلق أفره ضميرًا خيرًا على غيره، ثم تختص شيئًا، فالمعنى مختلف" يعني أن في أفره ضميرًا يرتفع به وهو الأول. والفراهة له لم تنقل له عن سببي، والمضاف إليه هو المضاف، لأن المعنى: أفره العبيد، فصار هذا مخالفًا لقولك: هو أفره الناس عبدًا، فلما كان المعنى مختلفًا اختلف حكم اللفظ، وفي هذا الكلام بعد مسألتان: إحداهما: أن الإضافة فيما أضيف تارة تكون ظاهرة - وذلك ما فرغ من الكلام فيه. وتارًة تكون مقدرًة، فتجري مجرى الإضافة الظاهرة، كما أن من

стр. 1817

التنوين ما هو ظاهر، ومقدر، والمقدر يجري مجرى الظاهر. فإذا قلت: الإناء ممتلئ ماء أو ملآن ماء، أو زيد ممتلئ غضبًا، والإناءان ممتلئان ماء، والزيدون ممتلئون غضبًا، فالظاهر في مثل هذا جواز النصب والجر كالذي فيه التنوين أو النون المشبهة، لكنه لا يجوز فيه إلا النصب لأنه على تقدير الإضافة كأنه في التمثيل ممتلئ الأقطار أو ملآن الأقطار ماء أو غضبًا، وإذا كان كذلك امتنع أن يضاف إلى التمييز وهذا بعينه حكم التنوين المقدر. فإذا قلت: هند شنباء أنيابًا، فقدرت التنوين نصبت ى غير، ولا تضيف إلا مع تقدير طرحه فتقول: شنباء أنياٍب، وهذا داخل تحت إطلاق الناظم بقوله: (بعدما أضيف) إذ يصدق على المقدر الإضافة أنه أضيف. والثانية: أن قوله: (إن كان مثل ملء الأرض ذهبًا) كما يدخل له فيه المقادير المذكورة يدخل له فيه ما أشبه المقادير، وذلك قولك: لي مثله عبدًا، وما في الناس مثله فارسًا، وعلى التمرة مثلها زبدًا، وما كان من المثل والشبه فهو جاٍر مجرى الملء؛ إذ جعل سيبويه جميع ذلك من المقادير، وذلك أن المقدار عام في أنواع، فجيء بالنوع لبيان المقدار المراد، وكذلك إذا قلت: لي مثله، المثل عام في أنواع الصفات كالعبودية والفروسية والشجاعة وغير ذلك، فاستبهم لفظ المثل، فجيء بقولك: عبدًا أو فارسًا أو شجاعًا مفسرًا ذلك كما جيء بقوله (ماًء) مفسرًا لقولك: ملء كذا. ومن ذلك قولك: داري خلف دارك فرسخين؛ لأنه لما قال: خلف دارك علم أن بين الدارين مسافًة، فميزت ذلك بالفرسخين، فصار كقولك: ما في السماء موضع راحٍة سحابًا. وعلى هذا الباب

стр. 1818

حمل الشلوبين قول الله تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾. قال: لأنه تعالى لما قال: ﴿وواعدنا﴾ علم أن / هناك مسافًة في الزمان، فميزت بثلاثين. ثم قال الناظم: والفاعل المعنى انصبن بأفعلا ... مفضلًا كأنت أعلى منزلا قد تقدم أن التمييز بعد أفعل التفضيل على قسمين: أحدهما: أن يكون هو أفعل في المعنى وهو الذي مر الكلام عليه. والثاني: ما هو غيره، وهو الذي أراد ذكره هنا، فيريد أن التمييز إذا تقدمه أفعل التفضيل وكان في المعنى فاعلًا به، فإنه ينتصب لا غير، نحو قولك: أنت أعلى منزلا، فمنزلا يلزم نصبه لأنه في المعنى فاعل بأفعل، وعلامة ذلك أن تقدر أفعل فعلًا فيكون التمييز فاعلًا به، فإذا سبكت من أعلى فعلًا فقلت: علا - صار (منزلا) مطلوبًا له بالرفع على الفاعلية فتقول: علا منزلك. وعلى هذا تقول: زيد أكثر منك مالًا، وأعز حمى، وأفضل أما، وأحسن وجهًا. هذا إذا كان المميز غير مضاٍف، وكذلك إذا كان مضافًا، نحو: زيد أكثر الناس مالًا وأعزهم حمى، وأفضلهم أما وأحسنهم وجهًا. فهذا الباب ونحوه التمييز فيه فاعل معنى بأفعل؛ إذ التقدير: زيد كثر ماله وعز حماه، وفضلت أمه وحسن وجهه. وإنما لزم النصب هنا لأن أفعل لازم للإضافة أو الفصل بمن، لأن معنى قولك: أنت أعلى منزلًا، أنت أعلى من فلاٍن، أو من الناس، أو أنت أعلى الناس

стр. 1819

منزلًا، فلم يصلح أن يحذف ما به التمام وهو المضاف إليه كما تقدم. وأيضًا فإن أفعل هنا المميز غير المميز، فلا تصلح إضافته إليه، إذ لا يضاف أفعل التفضيل إلا إلى ما هو بعضه، والأعلى هنا غير المنزل، فلم يمكن أن يضاف إليه، فلزم النصب كما ترى، وبهذين فارق القسم المتقدم في أفعل، فجازت فيه الإضافة، لأن أفعل هو المميز، فإذا قلت: هو أشجع الناس رجلًا، فأشجع هو الرجل، فجازت إضافته إليه على معنى هو أشجع الرجال، ولم يكن ثم فضل بمن ولا بإضافٍة. وأيضًا لما كان أفعل هنا متضمنًا لمصدر الفعل وزيادته ومشعرًا به، فإن معنى قولك: أنت أعلى منزلًا من زيد، علو منزلك يزيد على علو منزله، كان بمنزلٍة الفعل الذي تضمن المصدر والزمان، فلم يضف، كما لم يضف الفعل؛ ولذلك أيضًا منع أفعل التثنية والجمع والتعريف لما لم يكن ذلك في الفعل. وقول الناظم: (انصبن بأفعلا) يعني انه انتصب عن تمامه، فهو العامل فيه. وقوله: (كانت أعلى منزلا) مثال معين لما يقع من الأسماء تمييزًا مما هو فاعل معنى، وذلك أن كل ما كان من سبب الأول، كما تقدم من الأمثلة؛ إذ هو الذي يصح أن يصاغ منه فعل وفاعل، هما خبر عن المبتدأ المتقدم ويستقيم الكلام به، فلو قلت: زيد أفضل رجلًا، والرجل ليس الأفضل في المعنى، لم يصح، لأن رجلًا ليس من سبب الأول، فلا يستقيم أن يقدر منه كلام فيه فعل وفاعل يكون خبرًا عن زيٍد، فلا تقول: زيد فضل رجل./ قال سيبويه لما ذكر الأمثلة: "ولا يكون المعمول فيه إلا من سببه" وإنما قال (مفضلًا) فقيد به أفعل، ولم يقتصر على قوله: (بأفعل) لأن ما ذكر من الحكم لا يكون إلا لأفعل المراد به التفضيل، فلو كان أفعل لا يراد به التفضيل، لم يلزم النصب كقولك: زيد أحمر أبًا، وأحمر

стр. 1820

أبٍ وأشنب أنيابًا وأشنب أنياٍب، وفلان أشعر جسدًا وأشعر جسٍد، على حد قولك: زيد حسن وجهًا وحسن وجٍه لأن (أفعل) هنا من الصفة المشبهة. و(مفضلًا) حال من فاعل (انصبن) و (الفاعل) مفعول به. وأصل الكلام: وانصب التمييز الفاعل معناه بأفعل حالة كونك مفضلًا به أو حالة كونك مفضلًا، كأنه ينسب التفضيل إلى (أفعل) لما كان التفضيل به يكون، وإنما نسب الفاعلية إلى المعنى مجازًا، ومراده الفاعل في المعنى. والله أعلم. وبعد كل ما اقتضى تعجبا ... ميز كأكرم بأبي بكٍر أبا (بعد) متعلق بميز، يعني أن من المواضع اللازم فيها النصب أن يقع المميز بعد كل ما يقتضي معنى التعجب، وما يحصله من أنواع الكلام، وذلك أن ما يؤدي معنى التعجب على قسمين: أحدهما: يرجع إلى القياس، وإلى الأبنية الخاصة به، وذلك ما أفعله وأفعل به وفعل الجاري مجراهما. والثاني: ليس داخلًا تحت قانون القياس؛ بل يأتي في الكلام في مواضع يوقف عليها، وكلا القسمين داخل تحت (كل) في قوله: (وبعد كل ما اقتضى تعجبا). فأما الأول فنحو ما أتى به من قوله: (أكرم بأبي بكر أبا) فـ (أبًا) منصوب على التمييز من أبي بكر، ومن مثل سيبويه: أكرم به رجلًا. وعلى هذا تقول: ما أكرم زيدًا أبًا! وما أحسن زيدًا فارسًا! وفي التنزيل الكريم: ﴿ساء مثلًا القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ وقوله: ﴿كبرت كلمة تخرج من أفواههم﴾ وقوله:

стр. 1821

﴿وساءت مرتفقا﴾. ﴿وحسنت مرتفقا﴾. وهو كثير. وأما الثاني: فنحو قولك: ويحه رجلًا، ولله دره رجلًا، وحسبك به رجلًا، ولله دره فارسًا. وأنشد سيبويه لعباس بن مرداس: ومرة يحميهم إذا ما تبددوا ... ويطعنهم شزرًا فأبرحت فارسا وأنشد أيضًا للأعشى: تقول أبنتي حين جد الرحيل ... أبرحت ربًا وأبرحت جارًا وأجاز الفارسي أن تكون جارة من قول الأعشى: بانت لتحزننا عفاره ... يا جارتا ما أنت جاره تمييزًا لجواز دخول من عليها لأن ما استفهام على معنى التعجب، فجارة يصح أن يقال فيها: (ما أنت من جارة). كما قال الآخر:

стр. 1822

يا سيدًا ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع ومن ذلك قولهم: لا كزيٍد فارسًا، أراد: لا فارس كزيٍد، فلما حذف الاسم استبهم ففسره، وكذلك سائر ما تقدم لما أردت التعجب من المذكور، واستبهم المعنى الذي تمدحه أتيت بما يفسر المراد. ومثل قولك: لا كزيد فارسًا، ما أنشده سيبويه: لنا مرفد سبعون ألف مدجٍج ... فهل في معد فوق ذلك مرفدا فمرفد: تمييز، والأصل: فهل في معد/ مرفد فوق ذلك؟ فلما لم يذكره احتاج إلى تفسيره لاستبهامه، وعلى هذا الحد سائر ما فيه معنى التعجب، كان التعجب فيه قياسيًا أو سماعيًا. فإن قيل: أما إذا كان التعجب قياسيًا، فهذا ظاهر. وأما غير القياسي فمشكل، لأن الناظم جعل نصب المميز ها هنا قياسيًا. وكون التعجب سماعيًا بنافي كون نصب التمييز والإتيان به معه قياسيًا، بل الظاهر أن التمييز معه سماعي أيضًا، وإذ ذاك لا يصح قوله: (وبعد كل ما اقتضى تعجبا). فالجواب: أن هذا غير لازٍم، بل قد يصح أن يكون الكلام سماعًا ويجري القياس في بعض أحواله؛ ولذلك نظائر قد مضى منها بعض ويأتي منها أشياء إن

стр. 1823

شاء الله. فمن الكلام الذي يتعجب به (تالله) يستعمل بمعنى ما رأيت مثله أو ما في الدنيا مثله. وقولهم: ما أنت، وويحه ولله دره، ونحوها تستعمل في التعجب على غير قياٍس ولكن منها ما يكون ظاهر المعنى فيما قصدت في التعجب، كما إذا قلت: ما أحسن زيدًا وأنت متعجب من حسنه، أو قلت: وقد ذكر في الفروسية: لله دره! فهذا غير محتاٍج إلى التمييز لظهور القصد، وقد يكون وجه التعجب خفيًا، فتحتاج إلى بيانه. فإذا بينته بتمييز يكون حكمه النصب على ما بين، فيكون معنى القياس أنك إذا تعجبت بلفٍظ لا يقاس وخفي لك وجه التعجب، فجائز أن تفسره بمميٍز على هذا الوجه، ولا تناقض في هذا، وإنما التناقض في كون وجه القياس هو بعينه وجه الوقف على السماع، وليس كذلك؛ لأن القياس في الإتيان بالتمييز، والسماع في اللفظ المتعجب به، فقد ظهرت المباينة بين موضعي القياس والسماع، فلا تناقض. والله أعلم. وقوله: (ميز) معناه انصب المفسر على التمييز حتمًا لازمًا البتة، ويستوي ها هنا المميز المضاف وغيره، كما كان لازمًا في قوله: (والنصب بعدما أضيف وجبا) إلى آخره. فالمسألتان سواء، لأنه لا يصح أن تقول: أكرم برجٍل! ولا: لله در رجٍل! ولا: حسبك برجٍل! ولا ما أشبه ذلك. وقد يحتمل من جهة اللفظ أن يكون معنى قوله: (ميز) ايت بالتمييز إن شئت بعدما اقتضى تعجبا؛ وإنما قال هذا لأن التعجب يقتضي متعجبًا منه، فقد شئت بعدما اقتضى تعجبًا؛ وإنما قال هذا لأن التعجب يقتضي متعجبًا منه، فقد يكون بينًا نحو: ما أشجع زيدًا! وأحسن بزيد! وقد يكون مبهمًا، فإذا قلت: أحسن بزيٍد، أو حسن زيد، وأنت تريد التعجب من شجاعته أو كرمه أو نحو

стр. 1824

ذلك لم يفهم ما المتعجب منه، فاحتجت إلى التمييز لتبين ما أردت التعجب منه فقلت: شجاعًا أو كريمًا، كما كان قولك: (عشرون) مبهمًا في المعدودات حتى قلت: درهمًا أو ثوبًا. قال سيبويه: حين تكلم على وجه نصب هذه الأشياء: "ومع هذا أنك إذا قلت: ويحه فقد تعجبت وقد أبهمت من أي أمور الرجل تعجبت وأي الأنواع تعجبت منه، فإذا قلت: فارسًا أو حافظًا، فقد اختصصت ولم تبهم وبينت في أي نوٍع هو". فلما كان للتعجب وجه في الإبهام نص على أن التمييز يقع بعده، ويلزم من ذلك النصب، لأن التمييز لا/ يكون إلا منصوبًا، والظاهر في تفسير كلامه الوجه الأول. وعلى كل تقديٍر فالنصب لازم، لأن التمييز هنا إما من مضاٍف، وإما من مؤوٍل بالمضاف فقولك: لله دره فارسًا في تأويل: ما في الدنيا مثله فارسًا، وكذلك: حسبك به عالمًا وما أحسنه فارسًا. وسائر ما تقدم على هذا التأويل يجري، فيصير المبهم هو المثل وهو مضاف، فلا يمكن فيه الجر. والله أعلم. ثم قال: وأجرر بمن إن شئت غير ذي العدد ... والفاعل المعنى كطب نفسًا تفد يعني أن التمييز يجوز جره بمن ظاهرة، فتقول: لي ملوه من عسل. وهذا راقود من خل، ورطل من زيٍت، ومنوان من عسٍل، وما في السماء موضع راحة من سحاٍب، ولله دره من رجل، وحسبك به من رجٍل. وما أشبه ذلك كله جائز، وإنما جاز لأن التمييز هذا أصله، فهو إذا انتصب إنما ينتصب على تضمين معنى من، فساغ إظهارها والجر بها، ولا يريد بقوله: (واجرر بمن) أن الجر بها جائز وهي مقدرة متضمنة؛ لأن حروف الجر لا يبقى عملها مع عدم ظهورها، وما جاء من ذلك في الشذوذ لا معتبر به،

стр. 1825

وإنما يريد: ايت بها في الكلام وجر بها إن شئت ذلك، لكن ليس في كلامه نص على إظهارها، وبذلك يكون كلامه غير محرٍر؛ إذ قد يفهم منه الجر بها مضمرة، لأن من التمييزات ما يجر كذلك، وذلك مميز كم الاستفهامية، إذا أدخل عليها جار نحو: بكم درهٍم اشتريت ثوبك؟ فدرهم عند الناظم مجرور (بمن) مضمرٍة، نص عليه في بابه، وكذلك قولك: كم غلاٍم أعتقت. في الخبرية، الغلام عند بعض القدماء مجرور (بمن) مضمرة، لأن المعنى في الجميع شاهد من حيث كان معنى (من) مفهومًا ظاهرًا، فقد يقول القائل: هذا كذلك، وليس بصحيح؛ إذ لا يجوز هنا الجر إلا (بمن) ظاهرًة أو بإضافٍة كما تقدم. فعبارة الناظم موهمة. والعذر أنه لو كان قصده الإضمار لبين ذلك، ولا يحتاج إلى بيانه إذا لم يكن إضمار، وذلك أن قاعدة العوامل وأصلها أن تعمل ظاهرًة ملفوظًا بها، فإن عملت وهي مضمرة فذلك عارض لها ليس بأصٍل، ولا بد من التنبيه على ذلك العارض، فعادته وعادة غيره أنه إذا تكلم في العمل لا يحتاج إلى تقييد العامل بكونه ظاهرًا إذا كان باقيًا على أصله، فإن عرض له الإضمار نبه عليه، وكذلك فعل في كم حين بين أن درهمًا في قولهم: بكم درهٍم اشتريت ثوبك؟ وفي غير ذلك من المواضع التي يضمر فيها الجار، فلما يقيد هنا (من) بكونه مضمرًة، علمنا أنها إنما تعمل على أصلها من الإظهار. وهذا بين. وقوله: (إن شئت) تخيير بين النصب المذكور أولًا والجر، أي أن أحدهما ليس بخارج عن القياس؛ بل هما معًا جائزان قياسًا، فلك الخيرة بينهما في الاستعمال إلا في موضعين استثناهما:
следующие страницы →