Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
﴿وساءت مرتفقا﴾. ﴿وحسنت مرتفقا﴾. وهو كثير.
وأما الثاني: فنحو قولك: ويحه رجلًا، ولله دره رجلًا، وحسبك به رجلًا، ولله دره فارسًا. وأنشد سيبويه لعباس بن مرداس:
ومرة يحميهم إذا ما تبددوا ... ويطعنهم شزرًا فأبرحت فارسا
وأنشد أيضًا للأعشى:
تقول أبنتي حين جد الرحيل ... أبرحت ربًا وأبرحت جارًا
وأجاز الفارسي أن تكون جارة من قول الأعشى:
بانت لتحزننا عفاره ... يا جارتا ما أنت جاره
تمييزًا لجواز دخول من عليها لأن ما استفهام على معنى التعجب، فجارة يصح أن يقال فيها: (ما أنت من جارة). كما قال الآخر:
стр. 1822
يا سيدًا ما أنت من سيد ... موطأ الأكناف رحب الذراع
ومن ذلك قولهم: لا كزيٍد فارسًا، أراد: لا فارس كزيٍد، فلما حذف الاسم استبهم ففسره، وكذلك سائر ما تقدم لما أردت التعجب من المذكور، واستبهم المعنى الذي تمدحه أتيت بما يفسر المراد. ومثل قولك: لا كزيد فارسًا، ما أنشده سيبويه:
لنا مرفد سبعون ألف مدجٍج ... فهل في معد فوق ذلك مرفدا
فمرفد: تمييز، والأصل: فهل في معد/ مرفد فوق ذلك؟ فلما لم يذكره احتاج إلى تفسيره لاستبهامه، وعلى هذا الحد سائر ما فيه معنى التعجب، كان التعجب فيه قياسيًا أو سماعيًا.
فإن قيل: أما إذا كان التعجب قياسيًا، فهذا ظاهر. وأما غير القياسي فمشكل، لأن الناظم جعل نصب المميز ها هنا قياسيًا. وكون التعجب سماعيًا بنافي كون نصب التمييز والإتيان به معه قياسيًا، بل الظاهر أن التمييز معه سماعي أيضًا، وإذ ذاك لا يصح قوله: (وبعد كل ما اقتضى تعجبا).
فالجواب: أن هذا غير لازٍم، بل قد يصح أن يكون الكلام سماعًا ويجري القياس في بعض أحواله؛ ولذلك نظائر قد مضى منها بعض ويأتي منها أشياء إن
стр. 1823
شاء الله. فمن الكلام الذي يتعجب به (تالله) يستعمل بمعنى ما رأيت مثله أو ما في الدنيا مثله. وقولهم: ما أنت، وويحه ولله دره، ونحوها تستعمل في التعجب على غير قياٍس ولكن منها ما يكون ظاهر المعنى فيما قصدت في التعجب، كما إذا قلت: ما أحسن زيدًا وأنت متعجب من حسنه، أو قلت: وقد ذكر في الفروسية: لله دره! فهذا غير محتاٍج إلى التمييز لظهور القصد، وقد يكون وجه التعجب خفيًا، فتحتاج إلى بيانه. فإذا بينته بتمييز يكون حكمه النصب على ما بين، فيكون معنى القياس أنك إذا تعجبت بلفٍظ لا يقاس وخفي لك وجه التعجب، فجائز أن تفسره بمميٍز على هذا الوجه، ولا تناقض في هذا، وإنما التناقض في كون وجه القياس هو بعينه وجه الوقف على السماع، وليس كذلك؛ لأن القياس في الإتيان بالتمييز، والسماع في اللفظ المتعجب به، فقد ظهرت المباينة بين موضعي القياس والسماع، فلا تناقض. والله أعلم.
وقوله: (ميز) معناه انصب المفسر على التمييز حتمًا لازمًا البتة، ويستوي ها هنا المميز المضاف وغيره، كما كان لازمًا في قوله: (والنصب بعدما أضيف وجبا) إلى آخره. فالمسألتان سواء، لأنه لا يصح أن تقول: أكرم برجٍل! ولا: لله در رجٍل! ولا: حسبك برجٍل! ولا ما أشبه ذلك.
وقد يحتمل من جهة اللفظ أن يكون معنى قوله: (ميز) ايت بالتمييز إن شئت بعدما اقتضى تعجبا؛ وإنما قال هذا لأن التعجب يقتضي متعجبًا منه، فقد شئت بعدما اقتضى تعجبًا؛ وإنما قال هذا لأن التعجب يقتضي متعجبًا منه، فقد يكون بينًا نحو: ما أشجع زيدًا! وأحسن بزيد! وقد يكون مبهمًا، فإذا قلت: أحسن بزيٍد، أو حسن زيد، وأنت تريد التعجب من شجاعته أو كرمه أو نحو
стр. 1824
ذلك لم يفهم ما المتعجب منه، فاحتجت إلى التمييز لتبين ما أردت التعجب منه فقلت: شجاعًا أو كريمًا، كما كان قولك: (عشرون) مبهمًا في المعدودات حتى قلت: درهمًا أو ثوبًا. قال سيبويه: حين تكلم على وجه نصب هذه الأشياء: "ومع هذا أنك إذا قلت: ويحه فقد تعجبت وقد أبهمت من أي أمور الرجل تعجبت وأي الأنواع تعجبت منه، فإذا قلت: فارسًا أو حافظًا، فقد اختصصت ولم تبهم وبينت في أي نوٍع هو". فلما كان للتعجب وجه في الإبهام نص على أن التمييز يقع بعده، ويلزم من ذلك النصب، لأن التمييز لا/ يكون إلا منصوبًا، والظاهر في تفسير كلامه الوجه الأول. وعلى كل تقديٍر فالنصب لازم، لأن التمييز هنا إما من مضاٍف، وإما من مؤوٍل بالمضاف فقولك: لله دره فارسًا في تأويل: ما في الدنيا مثله فارسًا، وكذلك: حسبك به عالمًا وما أحسنه فارسًا. وسائر ما تقدم على هذا التأويل يجري، فيصير المبهم هو المثل وهو مضاف، فلا يمكن فيه الجر. والله أعلم. ثم قال:
وأجرر بمن إن شئت غير ذي العدد ... والفاعل المعنى كطب نفسًا تفد
يعني أن التمييز يجوز جره بمن ظاهرة، فتقول: لي ملوه من عسل. وهذا راقود من خل، ورطل من زيٍت، ومنوان من عسٍل، وما في السماء موضع راحة من سحاٍب، ولله دره من رجل، وحسبك به من رجٍل. وما أشبه ذلك كله جائز، وإنما جاز لأن التمييز هذا أصله، فهو إذا انتصب إنما ينتصب على تضمين معنى من، فساغ إظهارها والجر بها، ولا يريد بقوله: (واجرر بمن) أن الجر بها جائز وهي مقدرة متضمنة؛ لأن حروف الجر لا يبقى عملها مع عدم ظهورها، وما جاء من ذلك في الشذوذ لا معتبر به،
стр. 1825
وإنما يريد: ايت بها في الكلام وجر بها إن شئت ذلك، لكن ليس في كلامه نص على إظهارها، وبذلك يكون كلامه غير محرٍر؛ إذ قد يفهم منه الجر بها مضمرة، لأن من التمييزات ما يجر كذلك، وذلك مميز كم الاستفهامية، إذا أدخل عليها جار نحو: بكم درهٍم اشتريت ثوبك؟ فدرهم عند الناظم مجرور (بمن) مضمرٍة، نص عليه في بابه، وكذلك قولك: كم غلاٍم أعتقت. في الخبرية، الغلام عند بعض القدماء مجرور (بمن) مضمرة، لأن المعنى في الجميع شاهد من حيث كان معنى (من) مفهومًا ظاهرًا، فقد يقول القائل: هذا كذلك، وليس بصحيح؛ إذ لا يجوز هنا الجر إلا (بمن) ظاهرًة أو بإضافٍة كما تقدم. فعبارة الناظم موهمة.
والعذر أنه لو كان قصده الإضمار لبين ذلك، ولا يحتاج إلى بيانه إذا لم يكن إضمار، وذلك أن قاعدة العوامل وأصلها أن تعمل ظاهرًة ملفوظًا بها، فإن عملت وهي مضمرة فذلك عارض لها ليس بأصٍل، ولا بد من التنبيه على ذلك العارض، فعادته وعادة غيره أنه إذا تكلم في العمل لا يحتاج إلى تقييد العامل بكونه ظاهرًا إذا كان باقيًا على أصله، فإن عرض له الإضمار نبه عليه، وكذلك فعل في كم حين بين أن درهمًا في قولهم: بكم درهٍم اشتريت ثوبك؟ وفي غير ذلك من المواضع التي يضمر فيها الجار، فلما يقيد هنا (من) بكونه مضمرًة، علمنا أنها إنما تعمل على أصلها من الإظهار. وهذا بين.
وقوله: (إن شئت) تخيير بين النصب المذكور أولًا والجر، أي أن أحدهما ليس بخارج عن القياس؛ بل هما معًا جائزان قياسًا، فلك الخيرة بينهما في الاستعمال إلا في موضعين استثناهما:
стр. 1826
أحدهما: تمييز العدد، وذلك قوله: (غير ذي العدد) فـ (ذي) بمعنى صاحب، واقع/ على التمييز كأنه قال: غير التمييز صاحب العدد، يعني أن تمييز الأعداد لا يجر (بمن) ظاهرًة أصلًا؛ بل يلزم النصب على التمييز لا غير، فتقول: أحد عشر درهمًا، وعشرون درهمًا، ولا تقول: أحد عشر من درهم، ولا عشرون من درهم ولا ثلاثون من ثوب، ولا ما أشبه ذلك، وإنما كان ذلك لأن (من) إنما تدخل على النوع الذي المميز بعضه، فيحتاج إلى أن يكون ذلك النوع أكثر من المميز. وهذا واضح في: رطل من عسٍل، وراقود من خل، ونحو ذلك، وأما الأعداد فقد عرف مقدارها وعدد أفرادها من لفظها، فبقي حقيقة الإفراد، فاكتفى في ذلك بواحد منها، فلم يصح أن تدخل (من) لأنها جنسية تفيد أن ما دخلت عليه جنس لبعٍض تقدم قبلها، فإذا كان العدد على خلاف ذلك لأن الدرهم بعض مما قبله، لم يصح دخولها لما يلزم من عكس القضية، وهو أن يكون ما تدخل عليه وهو التمييز بعض المميز، وذلك خلاف ما عليه الأمر في (من) الجنسية بخلاف: رطل من عسٍل، فإنه على القاعدة الظاهرة. بهذا علل المسألة بعضهم، وفيه نظر، فإن درهمًا إنما المراد به الجنس لا درهم واحد.
والموضع الثاني: التمييز الذي هو فاعل من جهة المعنى، وذلك قوله: (والفاعل المعنى) وهو معطوف على (ذي) أي: غير ذي العدد وغير الفاعل المعنى، يعني أن التمييز الذي هو فاعل في أصل المعنى لا يصح أن تدخل عليه (من)، نحو قولك: زيد أكثر مالًا، وأعز نفرًا، فمالًا ونفرًا فاعل في المعنى، والمراد: زيد كثر ماله وعز نفره، وكذلك: زيد أطيب نفسًا، ومثله الناظم بقوله: (طب نفسًا) أي لتطب نفسك، فلا يجوز ها هنا الجر بمن، فلا تقول: زيد أكثر من ماٍل، ولا أعز من نفٍر، ولا أطيب من نفٍس، ولا طب من نفٍس، ولا ما أشبه ذلك، ومثله: مررت برجٍل حسٍن وجهًا، لا تقول: حسن من
стр. 1827
وجه، لأنه فاعل في المعنى، والتقدير: حسن وجهه، وإنما امتنع دخول (من) ها هنا اعتبارًا بما في التمييز من معنى الفاعلية، فلم يدخلوها عليه؛ لأن الفاعل لا يقع مجرورًا بحرف غير زائد، هذا تعليل بعضهم. وأيضًا: فإن التمييز ها هنا ليس على معنى (من) كما كان في نحو: رطل زيتًا، وما أفضله رجلًا، فلا ينجر بحرٍف لا يقتضيه معناه، وقد كان التمييز يقتضي معنى (من) في عشرين درهمًا وشبهه، لأن المعنى: من الدراهم، ولكن لم ينطق بها مع الإفراد، فأحرى ألا يؤتى بها إذا لم يقتضيها معنى التمييز.
و(تفد) جواب لقوله: (طب نفسًا) ومعناه: تعطى الفائدة من: أفاده يفيده إفادة، والاسم الفائدة، وهي ما استفاده الإنسان من علم أو ماٍل أو غيرهما.
ثم قال ﵀:
وعامل التمييز قدم مطلقا ... والفعل ذو التصريف نزرًا سبقا
عامل التمييز على قسمين:
فعل متصرف نحو: طاب زيد نفسًا، ﴿واشتعل الرأس شيبًا﴾. وامتلأ الإناء/ ماء، وما أشبه ذلك.
وفعل غير متصرٍف، أو غير فعل نحو: ﴿كبرت كلمة﴾، وأكرم بزيٍد أبًا، وزيد أفضل أبًا، ولي ملء الإناء عسلًا، وما لي مثله عبدًا، ونحو ذلك، وكلاهما يلزم فيه تقديم العامل عند الناظم في هذا الكتاب لقوله: (وعامل التمييز قدم مطلقا) يعني أنه يلزم تقديمه عليه كان متصرفًا أو غير متصرف، فلا يجوز تأخير العامل، نحو: نفسًا طاب زيد، وشيبًا اشتعل الرأس، ولا كلمة كبرت،
стр. 1828
وأبًا أكرم بزيٍد، ولا عسلًا لي ملء الإناء، ولا ما كان مثل ذلك، فإن ورد من ذلك شيء فهو من محفوظات الشعر، نحو ما أنشده الفراء من قول الراجز:
ونارنا لم ير نارًا مثلها ... قد علمت ذاك معد كلها
وأعني مع كون العامل غير متصرٍف، وإذا كان متصرفًا فسيأتي ما فيه، ولم يلتفت إلى تقديم التمييز على صاحبه دون العامل، لأن العامل إما أن يكون هو المميز أو غيره، فإنه كان هو المميز، فالنص على تقديم العامل نص على تقديم المميز، لأنه هو، وإن كان غيره فلا مبالاة بتقديم التمييز على المميز إذا كان العامل متقدمًا، فيجوز: اشتعل شيبًا الرأس، وطاب نفسًا زيد، ونحو ذلك. قال ابن الضائع: وهو متفق عليه.
وإنما اختلفوا في تقديم التمييز على العامل على تفصيل، وهو أنه لا يخلو أن يكون العامل متصرفًا أو غير متصرف، فإن كان غير متصرف في خلاف في منع التقديم، وأما إن كان متصرفًا، فإن النحويين اختلفوا فيه، فالجمهور من البصريين على منع التقديم، وإليه مال ابن مالك هنا، وفي الفوائد المحوية له، لأنه جعل التقديم نزرًا بقوله: (والفعل ذو التصريف نزرًا سبقا) يعني أن الفعل المتصرف قد جاء في السماع مسبوقًا بالتمييز، لكن نزرًا: نادرًا لا يعتبر.
فإن قيل: لعله أخذ في القياس بذلك النزر لأن النزر بمعنى القليل، والقليل عنده قد يقيس عليه، وقد تقدم من ذلك.
فالجواب: أن قوله أولًا: (وعامل التمييز قدم مطلقا) نص في وجوب التقديم، فاللازم عن ذلك أن تقديم التمييز عنده ممنوع مطلقًا في القياس، ثم
стр. 1829
أخبر عن السماع، والذي جاء في السماع من ذلك نزر كما قال. ومنه ما أنشده المازني للمخبل، وهو ثابت له في كتاب سيبويه.
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها ... وما كان نفسًا بالفراق تطيب
والتقدير على قوله: وما كان تطيب نفسًا بالفراق. وأنشد المؤلف في الشرح:
ضيعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما ارعويت ورأسي شيبًا اشتعلا
التقدير: اشتعل شيبًا، وأنشد أيضًا:
ولست إذا ذرعًا أضيق بضارٍع ... ولا يائٍس عند التعسر من يسر
وأنشد أيضًا:
أنفسًا تطيب بنيٍل المنى ... وداعي المنون ينادي جهارا
والذي اشتهر عند النحويين الأول، والجميع إن صح نادر، فلا اعتداد به في القياس عنده.
стр. 1830
وذهب الكسائي من أهل الكوفة، والمازني وتلميذه المبرد - من أهل البصرة/ إلى جواز التقديم، وهو مذهب ابن مالك في التسهيل وشرحه. والصحيح منع ذلك من جهة القياس والسماع.
أما السماع: فلو كان مقولًا لسمع، لكنه لم يسمع إلا نادرًا في الشعر الذي هو محل الضرورة، فدل على أن العرب تمتنع منه قصدًا.
وأما القياس: فإن التمييز هنا منقول من الفاعل، فأصله أن يكون فاعلًا، فكرهوا أن ينقلوه عن موضعه الأصلي، وهو أن يؤخروه عن العامل فيه؛ إذ كان الفاعل لا يتقدم على عامله. وهذا قاله الفارسي وغيره.
ورد ذلك ابن عصفور باتفاقهم على جواز التقديم في نحو: أذهبت زيدًا، وإن كان فاعلًا في أصله.
وأجيب بأن التمييز فاعل في أصله بهذا الفعل الذي نصبه، وزيدًا في: أذهبت زيدًا، لم يكن قط فاعلًا بهذا الفعل الذي هو أذهبت، وإنما كان فاعلًا بالفعل الذي نقل منه، وهو ذهب، وهو الآن مفعول صحيح، فوجب أن يغلب عليه الحكم الحاضر، وأما التمييز فإنما هو فاعل في الحقيقة وانتصابه إنما هو مجاز، وعلى التشبيه هذا وجه.
ووجه ثاٍن: أن المانع شبهه بالنعت في أنه بيان لما قبله، فلا يتقدم، كما لا يتقدم النعت. وهذا منقول عن الفارسي أيضًا، واستحسنه ابن خروف، ورده
стр. 1831
ابن عصفور بأنه لو كان كالنعت لم يتقدم على المميز متوسطًا بينه وبين الفعل، كما لا يتقدم النعت.
قال ابن الضائع: ولهم أن يفرقوا بأن النعت بيان للمنعوت والتمييز ليس بيانًا للمرفوع فيه، وإنما هو بيان لمن له الفعل حقيقة، فهو بيان للفعل وإسناده حقيقة فلا يتقدم عليه.
ووجه ثالث: أن المانع كون عامله غير متصرفٍ، لأن ناصبه تمام الكلام لا الفعل المذكور. قاله ابن عصفور. ورد بأن ذلك دعوى؛ إذ لا يصح أن ينسب العمل إلى غير الفعل مع حضوره وإمكان نسبة العمل إليه.
فإن قال: قد ثبت في المنتصب بعد تمام الاسم أنه لا يعمل فيه الفعل.
أجيب بأن الأحكام من جره عند زوال التمام، دلت على تعذر نسبة العمل إلى الفعل، فليس حكمهما واحدًا، بل هما نوعان مختلفان، ولذلك يمتنع التقديم هنا باتفاق، وكالحال أيضًا إذا عمل فيها الفعل تقدمت عليه، وإذا عمل فيها المعنى لم تتقدم.
ووجه رابع: أن الأصل في الحال والتمييز امتناع التقديم لضعف العامل. ألا ترى أنه لا يعمل فيها إلا نكرتين، لكن الحال أشبهت الظرف، فجاز تقديمها، كما جاز تقديم الظرف، وبقى التمييز على أصل الامتناع. وهذا منقول عن الجرمي.
ووجه خامس: أن المانع أنهم كرهوا الاتساع بعد الاتساع مع اعتبار الفاعلية في الحقيقة. قاله بن أبي الربيع، وهو معنى ما نقل ابن مالك في الشرح عن المانعين من أن هذا النوع من التمييز فاعل في الأصل، وقد أوهن بجعله
стр. 1832
كالفضلات، فلو قدم لازداد وهنا إلى وهنه، فمنع، لأنه إجحاف، ورده من أوجه ستة - أجاب عن جميعها / شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار، رحمة الله عليه:
أحدها: أنه دفع روايات برأي لا دليل عليه.
والجواب: أنا لم نرد قط رواية برأي، وإنما قلنا: إن ما سمع من التقديم مخصوص بالشعر الذي يجوز فيه تقديم ما لا يجوز تقديمه في النثر على تسليم أن إعرابه تمييز، وقد يتجه له إعراب آخر.
والثاني: أن جعل التمييز كبعض الفضلات محصل لضرب من المبالغة، ففيه تقويه لا توهين، فإذا حكم بعد ذلك بجواز التقديم ازدادت التقوية وتأكدت المبالغة.
والجواب: أن المسألة من باب تشبيه الأصول بالفروع، وإذا شه أصل بفرع لم يقو الفرع أن يحمل عليه الأصل في جميع وجوهه، وإنما يحمل عليه في الوجه الذي وقع فيه التشبيه دون ما لم يقع فيه تشبيه، وفي تقديم التمييز زيادة بعد عن الأصل، وإنما وقع التشبيه بالمفعول في مجرد النصب لا في جواز التقديم، فوجب الامتناع.
والثالث: أن أصالة فاعلية التمييز المذكور كأصالة فاعلية الحال نحو: جاء راكبًا رجل، فإن أصله جاء راكب على الاستغناء بالصفة، وجاء رجل على عدم الاستغناء بها، والصفة والموصوف شيء واحد في المعنى، فقدم راكب ونصب بمقتضى الحالية، ولم يمنع ذلك تقديمه على جاء مع أنه يزال عن إعرابه الأصلي وعن صلاحية الاستغناء به عن الموصوف، فكما تنوسي الأصل في الحال، كذلك تنوسي في التمييز.
والجواب: أن هذا تلفيق بعيد جدًا، وذلك أن ما ذكره من أصالة فاعلية
стр. 1833
الحال غير صحيح؛ لأن الحال لم تكن قط فاعلة لا لفظًا ولا أصلًا، وإنما أصلها أن تكون تابعة لموصوف تكون على حسبه من رفع أو نصب أو خفض، ولم يكن قط راتبًا لها، فيكون كالتمييز.
والرابع: أنه لو صح اعتبار الأصالة في عمدة جعلت فضلة، لصح اعتبارها في فضلة جعلت عمدة، فكان يجوز لنائب عن الفاعل من التقديم على رافعه ما كان يجوز له قبل النيابة، والأمر بخلاف ذلك، لأن حكم النائب فيه حكم المنوب عنه، ولا يعتبر حاله التي انتقل عنها، فكذلك التمييز المذكور.
والجواب: أن النائب إنما ناب عن الفاعل في وجه لا يصح معه تقدم، وهو شغل الفعل به وبناؤه له، وجعله معه كالشيء الواحد، وامتناع حذفه، كما أن الفاعل كذلك فيما ذكر، بخلاف التمييز، فإنه لمن يشبه بالمفعول إلا في مجرد النصب خاصة من حيث اشتغل الفعل بغيره لفظًا، فأشبه الفضلات، فانتصب انتصابها.
والخامس: أن منع تقديم التمييز المذكور عند من منعه مرتب على كونه فاعلًا في الأصل، وذلك إنما هو في بعض الصور، وفي غيرها هو بخلاف ذلك، نحو: امتلأ الكوز ماء، و ﴿فجرنا الأرض عيونًا﴾. وفي هذا دلالة على ضعف علة المنع لقصورها عن عموم جميع الصور.
والجواب: أنه قد صح في غير موضع من العربية حمل ما ليس فيه سبب/ على ما فيه السبب إذا كان الجميع من باب واحد ليجري الكل على أسلوب واحد، كتعد ونعد وأعد مع يعدـ وكيذر مع يدع، وكامتناع نعت الضمير
стр. 1834
بغير نعت البيان حملًا على امتناع نعته به. ونظائره كثيرة، وهذا من ذلك.
والسادس: أن امتناع أصالة الفاعلية في منع التقديم على العامل متروك في نحو: أعطيت زيدًا درهمًا، فإن زيداً في الأصل فاعل وبعد جعله مفعولًا لم يعتبر ما كان له من منع التقديم؛ بل أجيز فيه ما يجوز فيما لا فاعلية له في الأصل، فكذا ينبغي أن يفعل بالتمييز المذكور.
والجواب: أن هذا بعينه هو رد ابن عصفور، وأجيب بالفرق بين المسألتين: أن زيدًا هنا، لم يكن قط فاعلاً بهذه البنية الناصبة له، وإنما كان فاعلًا في بنية أخرى وهي عطا قبل النقل، وهما بنيتان مختلفتان كما ترى، وأما التمييز فإنه فاعل في الأصل والمعنى بهذه البنية الناصبة له في الحال، وليس مفعولًا صحيحًا كزيد في أعطيت زيدًا درهمًا، وقد تقدم هذا المعنى.
هذا ما احتج به ابن مالك، وما رد به الأستاذ ﵀. قال ابن الضائع: والصحيح في المنع عدم ورود السماع به، وذلك أن التمييز كثير في الكلام، فإن لم يرد مقدمًا في موضع أصلًا - يعني في الكلام - دليل على رفضه. قال: ويدل على ذلك أن مجوز تقديمه لم يعثر على اتساعه في كلام العرب واتساع من بعده إلا على هذا البيت - يعني بيت المخبل - وليس بنص فيما زعموا، ولو كان نصًا لوجب حمله على الضرورة؛ إذ لم يرد. وما قال ابن الضائع من الاعتماد على السماع هو الأصل عند الجميع، ولكنهم مع ذلك أظهروا للمنع وجوهًا من القياس، فالحق إذا ما ذهب إليه الناظم هنا.
حدثنا شيخنا الأستاذ أبو عبد الله بن الفخار - رحمة الله عليه - قال: أخبرني من أثق به من أصحابنا - يعني تلميذه الشيخ أبا جعفر الشقوري شيخنا أنه
стр. 1835
لقي الشيخ أبا حيان الغرناطي بالقاهرة، فسأله عن مذهب مدرسي العربية بغرناطة في هذه المسألة. قال: فأخبرته بامتناع التقديم، فقال: بل الصحيح الجواز قياسًا وسماعًا، ثم قام، فأخرج له مبيضة على تسهيل ابن مالك، وقرأ عليه وجه القياس. وأنشد له من السماع أبياتًا كثيرة.
قال الأستاذ: يرحم الله أبا حيان لقد أغفل أصلًا عظيمًا من أصول النحو مع كثرة دوره على ألسنة المقرئين، وذلك أن تقديم التمييز على عامله إذا كان فعلًا - يعني متصرفًا- لو كان جائزًا عند العرب لكثر نظمًا ونثرًا كثرة لا يمكن فيها تأويل، كما كثر تقديم الحال على عاملها إذا كان فعلًا نظمًا ونثرًا كثرة لا يمكن فيها تأويل.
قال: فلما كان الأمر على خلاف ذلك، دل دلالة واضحة على امتناع العرب من تقديمه على عامله وإن كان فعلًا، لأن اختصاص ذلك الشعر مع كثرة استعماله دليل على أنه من ضرائره. وزادني شيخنا أبو عبد الله البلنسي - أجله الله - في هذه الحكاية أن أبا حيان لما قرأ عليه تلك الأبيات على كثرتها قال له: ما تقولون/ في هذه الشواهد؟ فقال له الفقيه أبو جعفر: نجمعها جميعًا، ونقول هذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. قال: فانزعج الشيخ أبو حيان لهذا الكلام، وإنما نبه الفقيه أبو جعفر بما قال على الأصل الذي أشار إليه شيخنا الأستاذ - رحمة الله عليه - وهو أصل متفق عليه عند الأكابر: الخليل وسيبويه، فمن دونها إلى الآن، وابن مالك قد يعتبره في مواضع كهذا الوضع، وقد لا يعتبره كما فعل في مسألة دخول واو الحال على المضارع الموجب، وفي مسألة الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، وغيرهما من المسائل التي تقدمت إلى أخر ستأتي في مواضعها إن شاء الله.
стр. 1836
والأصل المذكور قد تبين في الأصول، وسيقع التنبيه عليه في باب الإضافة إن شاء الله، و (سبق) فعل مبني للمفعول للعلم بالفاعل، وهو التمييز، أي نزراً سبقه التمييز، والنزر: القليل التافه. يقال: نزر الشيء - بالضم - ينزر نزارة، وانتصب هنا على الحال من ضمير سبق.
وهنا انقضى الكلام على المنصوبات ونصب الأفعال إياها، وأخذ بعد يتكلم على المجرورات وعواملها وأحكامها الخاصة بها. وهذا حين ابتدائه.
стр. 1837
حروف الجر
لما كان الجر لا يكون إلا بالإضافة، والإضافة على وجهين: إضافة اسم إلى اسم نحو: غلام زيد، وإضافة فعل إلى اسم بواسطة الحرف المضيف، نحو: مررت بزيد، وكان لكل واحد من القسمين أحكام تختص به، خص كل قسم بباب على حدة، وبدأ بإضافة الفعل إلى الاسم، وهي المختصة بالحروف، فقال:
هاك حروف الجر وهي من إلى ... حتى خلا حاشا عدا في عن على
مذ منذ رب اللام كي واو وتا ... والكاف، والبا، ولعل ومتى
(ها) مقصورا، وهاء ممدودًا أسما فعل معناهما: خذ، ويجوز لحاق الكاف لهما حرف خطاب بحسب المخاطب من إفراد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، كما في اسم الإشارة، فتقول: هاك، وهاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن، وكذلك سائر الحالات، فمعنى قوله: (هاك حروف الجر): خذ حروف الجر، وكأنه على حذف المضاف، أي خذ أحكام حروف الجر، من معانيها، ومواضعها، وغير ذلك من أحكامها، وسماها حروف الجر، لأنها تعمل الجر فيما دخلت عليه؛ فسميت بأثرها، وتسمى أيضًا حروف الإضافة، وذلك من جهة معناها؛ لأنها تضيف إلى الاسم ما قبله أو ما بعده، فإذا قلت: مررت بزيد، فقد أضفت المرور إلى زيد بالباء.
وإذا قلت: رب رجل يقول ذاك، فقد أضفت القول إلى الرجل برب، وكذلك سائر الحروف.
ثم أخذ في تعدادها فقال: (وهي من إلى) إلى آخرها، عطف بعضها على
стр. 1838
بعض بحرف عطف تارة، وبغير حرف تارة، بل على تقديره حسب ما / اعتاده في حذفه إياه اختصارًا، والذي ذكر منها عشرون حرفًا، وهي: من، نحو: جئت من الدار، وإلى نحو: ذهبت إلى السوق، وحتى، نحو: ﴿سلام هي حتى مطلع الفجر﴾، وخلا، نحو: قام القوم خلا زيد، وحاشا، ؟ نحو: قام القوم حاشا زيد، وعدا، نحو: جاء القوم عدا زيد، وفي، نحو: زيد في الدار، وعن، نحو: أعرضت عن زيد، وعلى، نحو: قعدت على الحصير، ومنذ ومذ، نحو: ما رأيته منذ يوم الجمعة، ومذ يوم الجمعة، ورب، نحو: رب رجل يقول ذاك، واللام، تحو: المال لزيد، وكي، نحو: جئتك كي تكرمني، على قولهم: كيمه، والواو في القسم نحو: والله لأكرمن زيدًا، والتاء كذلك نحو: تالله لا يقوم زيد، وكاف نحو: زيد كأسد، والباء نحو: مررت بزيد. ولعل حرف جر عند بني عقيل، سمعه أبو زيد من بني عقيل. وروى الجر بها أيضًا الفراء وغيره، ولامها الأخيرة مفتوحة أو مكسورة؟ ، وأنشدوا على ذلك:
لعل الله يمكنني عليها ... جهاراً من زهير أو أسيد
стр. 1839
وروى الفراء الجر بعل، وأنشد:
عل صرف الدهر أو دولاتها ... يدنيننا اللمة من لماتها
فيستريح القلب من زفراتها
ومتى أيضًا حرف الجر عند هزيل، حكى يعقوب عنهم أنهم يستعملونها بمنزلة (من).
وقال الكسائي، قال معاذ: سمعت ابن جوية يقول: وضعته في متى كمي، أي: في كمي.
وأنشد الأصمعي لأبي ذويبٍ الهذلي:
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لججٍ خضر لهن نئيج
стр. 1840
وقال أبو المثلم الهذلي:
متى ما تنكروها تعرفوها ... متى أقطارها غلق نفيث
وفي كون (متى) في هذه اللغة حرفًا نظر، فقد قال يعقوب في كتاب المقصور والممدود: إنها بمعنى وسط، وإن معنى قولهم: جعلته في متى كمي، أي: في وسط كمي، فأدخل عليها (في) كما ترى، وذلك شاهد على أنها اسم لا حرف.
ثم قال: وقد تكون بمعنى (من)، ثم أنشد البيتين، فحكاية معاذ لهذا لا دليل فيها لوضوح كونها اسمًا؛ بدليل دخول (في) عليها، قال ابن جني: أما (متى) في لغة هذيل، فإنها اسم. قال: وكذلك التي بمعنى (من) هذه، وكأن
стр. 1841
حرف الجر مراد معها، أي: ترفعت من متى لجج، أي: من أوساط لجج، وكذلك قول الآخر: متى أقطارها، أي: من متى أقطارها، ثم قال: ولا ينكر أيضًا أن يكون حرفًا كـ "من"، فإذا لم يتحصل يعد كون (متى) في لغة هذيل حرفًا، فإثبات الناظم لها في حروف الجر دعوى لا دليل عليها.
والجواب: أن كون (متى) بمعنى: وسط في تلك اللغة ثابت، وليس هو مراد ابن مالك، وإنما مراده الاستعمال الآخر؛ إذ اللغويين حكوا في (متى) في لغة هذيل استعمالين:
أحدهما: أن تكون بمعنى وسط، وذلك قولهم: وضعته في متى كمي.
والآخر: أن يكون بمعنى (من) كما في الأبيات المذكورة.
وأما ما جوزه ابن جني فبناء على قول من قال: إنها في الشعر بمعنى / وسط أيضًا؛ إذ للعلماء فيها قولان:
أحدهما: هذا، وأن كونها بمعنى (من) لم يثبت بعد، فرد المحتمل إلى المحقق.
والثاني: أنها تستعمل بمعنى (من)؟ ، وهو رأي يعقوب، وجماعة من اللغويين والنحويين - وإلى هذا القول ذهب الناظم هنا، وفي التسهيل ميلًا مع الأكثر - حكى هذين القولين ابن السيد في قوله: متى لجج خضر، فكأن ابن جني جوز كل واحد من القولين واعتمد الناظم على أحدهما. ولم يذكر من حروف الجر (لولا) إذا جاء بعدها الضمير المتصل نحو: لولاك، ولولاه، وإن
стр. 1842
كان مذهب سيبويه أنها في تلك الحال جارة؛ لقلة مجيئها كذلك؛ ولذلك لما ذكر (لولا) لم يعرج عليها في ذلك القليل، بل قال:
لولا ولو ما يلزمان الابتدا ... إذا امتناعًا بوجود عقدا
ويحتمل أن يكون مذهبه هنا مذهب الأخفش والفراء القائلين بأن هذه الضمائر بعد (لولا) في موضع رفع، كأنه من وضع المتصل موضع المنفصل، ويكون قوله: (يلزمان الابتدا) نفيًا لرأي سيبويه فيها، فلا تكون على هذا من حروف الجر أصلًا.
أو يكون هنا رأي [رأي] المبرد في أن لولاك، ولولاه ليس من كلام العرب. وهذا أظهر في نفي وقوع (لولا) حرف جر، وسيأتي الكلام على هذا كله في: فصل (لو) إن شاء الله.
وأعلم أن هذه الحروف تأتي على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون حروفًا لا غير، كالباء، والواو، والتاء، ورب، ومن، وإلى، وحتى، وفي، واللام، وكي، ولعل.
والثاني: أن تكون حروفًا تارة وأفعالًا تارة, وذلك: خلا، وعدا، وحاشا، وقد مر ذكر ذلك في باب الاستثناء.
والثالث: أن تكون حروفًا تارة وأسماء تارة، وذلك: عن، وعلى، ومذ، ومنذ، والكاف، ومتى.
стр. 1843
وإنما هذا التقسيم بالنسبة إلى وضع اللفظ بعينه، لا بالنسبة إلى اشتراك اللفظ بسبب الإعلال التصريفي، فإن ذلك عارض، كـ (من) الجارة مع: (من) أمرًا من: مان يمين، و (في) الجارة مع (في) أمرًا للمخاطبة من: وفي يفي، وكذلك ما أشبهه، فليس المراد هذا، وإنما المراد ما كان فيها في أصل الوضع عومل معاملة الحرف والاسم، أو معاملة الحرف والفعل والمعنى واحد، وعلى هذا التقسيم بني الناظم كلامه هنا.
وهذه الحروف تقدم منها في باب الاستثناء: خلا، وحاشا، وعدا، ويختص منها بباب القسم: الواو، والتاء، فأحكامهما مستوفاة هناك، ولم يذكر هنا من أحكامهما إلا بعضًا: وهو ما يتعلق بهما من حيث هما حرفا جر، وأما ما يتعلق بهما في القسم، فلم يذكره في هذا النظم؛ إذ ترك باب القسم جملة، فلم يبوب عليه فيه أصلًا، وهو ضروري الذكر كسائر الأبواب؛ بل الضرورة إليه أشد من الضروري إلى باب الإخبار.
وما أدري ما الذي صده عن ذكره؟ وعلى كل تقدير فالأحرف الجارة في القسم هي هذه، وما / يتعلق بها من أحكام الجر قد ذكره.
فإن قيل: فقد نقصه من حروف القسم الجارة (من)، فإنك تقول: من ربي لأفعلن، إما على أن (من) وضعت موضع الباء. والأصل: (بربي). وإما على أن المعنى: من أجل ربي، وكذلك: مـ الله لأفعلن، على أن أصلها الواو، كأنه قال: والله لأفعلن.
فالجواب: أن (من) أصلها عنده (أيمن)، فهي مما غير في القسم، وكذلك: مـ الله، فهي أسماء لا حروف؛ فلذلك لم يذكرها. والله أعلم.
ثم لما عدها أتى قبل ذكر أحكامها التفصيلية المختصة بكل حرف بأحكام لها
стр. 1844
عامَّة مشترك فيها، فقال:
بالظاهر اخصص منذ، مذ وحتى ... والكاف، والواو، ورب، والتا
فقسم الحروف الجارة أولًا على قسمين:
أحدهما: ما لا تدخل من الأسماء إلا على الظاهر دون المضمر، وذلك سبعة أحرف:
أحدها والثاني: مذ، ومنذ، وهو قوله: (بالظاهر اخصص منذ، مذ) فتقول: ما رأيته منذ يومين، ومذ يومين، ولا تقول: ما رأيته مذهما، ولا منذهما، ولا مذه، ولا ما كان نحو ذلك.
قال سيبويه: "واستغنوا عن الإضمار في (مذ) بقولهم: مذذاك؛ لأن ذاك اسم مبهم، وإنما يذكر حين يظن أنك قد عرفت ما يعني"، فهو عنده من باب الاستغناء، كما استغنوا عن وذر، وودع بترك، وبليلة عن ليلاة، ولذلك قالوا: ليال وبلمحة عن ملمحة، ولشله عن مشبه، وعليه جاء ملامح ومشابه أغنى عن المتروك، واستغنوا بذكر عن مذكار أو مذكير، وعلى المتروك جاء مذاكير، وعن جمع الكثرة بجمع القلة كأرجل وآذان، وعن جمع القلة بجمع الكثرة كشسوع ورجال. وهو باب واسع.
والثالث: حتى، فتقول: دع القوم حتى يوم كذا، ورأيتهم حتى زيد، ولا
стр. 1845
تقول: دع القوم حتاه، ولا رأيتهم حتاه، ولا رأيتهم حتاك. قال سيبويه: "واستغنوا عن الإضمار في (حتى) بقولهم: رأيتهم حتى ذاك، وبقولهم: دعه حتى يوم كذا وكذا، وبقولهم: دعه حتى ذاك وبالإضمار في (إلى) من قولهم: دعه إليه لأن المعنى واحد".
والرابع: الكاف فتقول: أنت كزيد، وعمرو كالأسد، ولا تقول: أنت كه، ولا كك، ولا نحو ذلك. قال سيبويه: "وذلك أنهم استغنوا بقولهم: مثلي وشبهي عنه فأسقطوه".
والخامس: الواو فتقول: والله لأفعلن. ﴿قل بلى وربي لتبعثن﴾. ولا تقول: وه لأفعلن، ولا وك، فإن أردت الإتيان بالضمير أتيت بالباء مكان الواو، ومن هنا ظهر لهم أن الباء هي الأصل؛ لأنها أعم استعمالًا، وأقوى تصرفًا، وإنما أبدلت من الباء لمضارعتها لها لفظًا ومعنى.
أما اللفظ: فلان مخرجهما معًا من الشفتين.
وأما المعنى: فإن الباء للإلصاق، والواو للجمع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد اجتمع به، قاله ابن جني. والسهيلي ينكر إبدالها من الباء، وليس هذا موضع الاحتجاج على الصحيح من المذهبين.
والسادس: (رب) فتقول): رب رجل / يقول ذاك، و:
стр. 1846
* ألا رب خصم فيك ألوي رددته *
ولا يجوز أن تقول: ربك، ولا ربني، ولا زيد ربه؛ لأن (رب) خاصتها العرب بالدخول على النكرات، فلا تقول: رب زيد، ولا رب هذا، ولا رب الرجل، والضمائر أعرف المعارف، فلا تدخل عليها من باب أولى. وأما من جاء من نحو: ربه رجلًا، فإنما ساغ من جهة أن هذا الضمير قد انتفى عنه المعنى الذي كان به ضمير النكرة معرفة، وهو عودة على معروف تقدم، فذلك هنا مفقود؛ فإنه عائد على ما لم يعقل إلا بعد الفراغ من ذكره، فلم تدخل عليه (رب) إلا وهو أشد إبهامًا من النكرة الظاهرة؛ لأن النكرة الظاهرة تدل بنفسها على جنس أو نوع منه بخلاف الضمير المفسر بمذكور بعده.
والسابع: التاء، فتقول: تالله لا يقوم زيد، ولا تقول: ته ولا تك، كما تقول: به وبك.
ووجه ذلك أن التاء لما كانت عندهم بدلًا من الواو المبدلة من الباء، وكانت الواو لا تدخل على المضمر كانت التاء أولى ألا تجر المضمر؛ ولذلك اختصت باسم الله تعالى فلم تدخل على غيره إلا شاذًا كقولهم: ترب الكعبة. هذا تمثيل ما ذكر. وقد ذكر سيبويه من هذه الحروف: الكاف، وحتى، ومذ في باب مفرد من أبواب الضمائر، ولكن لا يخالف فيما تقدم؛ إذ قد ذكر أحكام البواقي في مواضعها.
وحكى السيرافي أن المبرد أجاز في الكاف، وحتى، ومذ ما منع سيبويه
стр. 1847
فيقول: حتى هو رفعا، وحتى إياه نصبا، وحتاه، وحتاك جرًا، وكذلك: مذه، ومذهو.
وعلى هذا يقول: زيد كك وأنت كه ونحو ذلك.
قال السيرافي: وقول سيبويه هو الموافق لكلام العرب. وما جاء من ذلك على خلاف ما تقرر فمحفوظ كما سيذكر بعد.
وسكوته عن الحروف البواقي يقتضي أن حكمها مخالف لهذه، وأنها لا تختص بالظاهر؛ بل تدخل على كل ظاهر ومضمر، وهو القسم الثاني، فيجوز أن تقول: المال لزيد، والمال له، ومررت بزيد، ومررت به، وبك لأفعلن، وعلى زيد مال، وعليك مال، وجئت من الدار، وقرب مني، وكذلك سائر الحروف، لكنه يلزم من هذا التقسيم أن تكون حاشًا، وخلا كـ "إلى" و"على" تدخلان على الظاهر والمضمر. وقد نص الفارسي في بعض كتبه على أنهما كحتى لا يضافان إلى المضمر، فيبقى هذا الموضع مشكلًا إلا أن يدعي الناظم خلاف ذلك، فقد أنشد في الرشح في فصل حاشا قول الشاعر:
في فتية جعلوا الصليب إلههم ... حاشاي إني مسلم معذور
стр. 1848
فيمكن أن يدعي مثل ذلك في (خلا) أيضًا؛ إذ لا مانع منه. والله أعلم.
ثم قسم القسم الأول من القسمين تقسيمًا آخر فقال:
وأخصص بمذ ومنذ وقتًا وبرب ... منكرًا والتاء لله ورب
فجعله ضربين:
أحدهما: ما يختص ببعض الأسماء الظاهرة دون بعض، وذلك أربعة أحرف: الأول، / والثاني: مذ ومنذ، وهما مختصان بالزمان، وذلك قوله: (وأخصص يمذ ومنذ وقتًا) فتقول: ما رأيته مذ يوم الجمعة، ومنذ يومين، ولا تقول: ما رأيته مذ قيام زيد، ولا منذ قيام زيد، وهذا الذي قال هو الذي يظهر من كلام سيبويه وغيره حيث جعلوهما لابتداء الغاية في الزمان أو للغاية كلها، لكن في الزمان أيضًا، فيقتضي ذلك أنهما لا يدخلان إلا على الزمان. وهذا مشكل على رأيه؛ لأنه أجاز في التسهيل أن يضافا إلى المصدر، فتقول: ما رأيته مذ قيام زيد، ومنذ قيام زيد. فإذا ليس بمختص بالزمان على رأيه، وكذلك تقول: ما رأيته مذ أن زيدًا قائم، وهو على ذاك لا يختص بالزمان، فكيف يقول: (وأخصص بمذ ومنذ وقتًا).
والجواب عن ذلك: أن (مذ) و (منذ) إذا جرا المصدر، فعلى تقدير الزمان لابد من ذلك، كأنك قلت: مذ زمان قيام زيد، ومذ زمان أن زيدًا قائم، فلم ينفكا إذًا عن الاختصاص بالزمان إما لفظًا وإما تقديرًا، وكذلك أيضًا يقدر الزمان وإن كان اسمًا، ووقع بعدهما الجملة، نحو: مذ قام زيد، حسب ما
стр. 1849
يذكر في موضعه إن شاء الله.
والثالث: رب، وهي مختصة بجر النكرة لقوله: (وبرب منكرًا) أي: وأخصص برب منكرًا من الأسماء، فلا تدخل على المعارف، فتقول: رب رجل يقول ذاك، ولا يقال: رب زيد الذي يقول ذاك، وما جاء من قولهم: ربه رجلًا، فقد تقدم العذر عنه، وأنها إنما جرت هنا المضمر لإبهامه كالنكرة مع أنه نادر كما سيأتي بعد.
فإن قيل: كيف تختص بالنكرة، وأنت تقول: رب رجل وأخيه، فتعطف على مخفوضها النكرة معرفة، والمعطوف مقدر الوقوع في موضع المعطوف عليه، فكأنك قلت: رب أخيه. وأبين من هذا أنك تقول: رب ضارب زيد. وقد قرر النحويون أن (رب) تصرف زمان ما تدخل عليه إلى الماضي، فهي مختصة بالماضي من الزمان، واسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي إضافته محضة. فالإضافة إذًا في رب ضارب زيد محضة، وإذا كانت محضة، فضارب معرفة بالإضافة، وقد دخلت عليه (رب)، فـ (رب) إذًا يجوز أن تجر المعرفة والنكرة، فلم تختص إذًا بالنكرة، كما قال- أنشد سيبويه لجرير -:
يا رب غابطنا لو كان يعرفكم ... لاقي مباعدة منكم وحرمانًا
ولا يقال: لعل الناظم يقول: إن إضافة اسم الفاعل غير محضة، وإن كانت بمعنى الماضي؛ لأنه نص على اختصاص إضافة التخفيف بما كان من اسم الفاعل
стр. 1850
بمعنى الحال أو الاستقبال، فالذي بمعنى الماضي إذًا إضافته لغير التخفيف، وهي إضافة التخصيص أو التعريف.
فالجواب: أن قولك: رب رجل وأخيه، ليس مما نحن فيه؛ إذ يجوز عندهم في المعطوف ما لا يجوز في المعطوف عليه في مواضع معدودة هذا منها. ومنها: كل رجل وأخيه، وكل شاة وسخلتها، وكم رجل وأخيه، و:
*أي فتى هيجاء أنت وجارها*
ولا رجل وأخاه، وهذه ناقة وفصيلها/ راتعان، وهل من رجل وأخيه؟ فلا اعتراض برب رجل وأخيه؛ إذ لا يحل محل المعطوف عليه وإن كان معطوفًا، كما لا تحل هذه المعطوفات كلها محل ما عطفت عليه.
وأما: رب ضارب زيد، فالإضافة فيه غير محضة، إما على ما رآه في التسهيل من أنها لا يلزم مضي ما تتعلق به، بل قد يكون حالًا ومستقبلًا، فليس بصارفة للمضي. قال ذبك في باب حروف الجر. ونقل عن ابن السراج جواز أن يكون
стр. 1851
حالًا ومنع أن يكون مستقبلًا، وأيضًا فإنه نص في باب الإضافة على أن رب تدخل على ما هو حال أو مستقبل، فقال:
وإن يشابه المضاف يفعل ... وصفًا فعن تنكيره لا يعدل
ثم قال:
*كرب راجينا عظيم الأمل*
فجعل (رب) داخلة على ما شابه (يفعل) الذي هو للحال أو الاستقبال.
وإما أن يكون يرى هنا أن (رب) تخلص للمضي كمذهب غيره من النحويين، ويتأول (يا رب غابطنا) على حكاية الحال الماضية، فكأن (رب) دخلت اعتبارًا بمعنى المضي الحاصل في الوجود و (غابط) حكت حاله فيما مضى، فصح انفصال إضافته.
وعلى الجملة فقد اتفقوا على أن ما بعد (رب) لا يكون إلا نكرة، وقد ظهر ذلك بما أنشده سيبويه لأبي محجن الثقفي ﵁:
يا رب مثلك في النساء غريرة ... بيضاء قد متعتها بطلاق
فوصف مثلك بالنكرة، فدل على أنه نكرة وإن كانت رب مختصة بالماضي، فصح ما نص عليه الناظم من اختصاص رب بأن تجر النكرة ويتعلق برب هنا مسألتان:
стр. 1852
إحداهما: أنه قد تقرر فيها جعله لها من حروف الجر، فالحرفية فيها ثابتة عنده، وهذا مذهب البصريين، وذهب الكوفيين إلى أنها اسم، والأصح ما ذهب إليه الناظم؛ لخلوها من العلامات اللفظية الدالة على الاسمية، وكذلك خلت من الدلالات المعنوية؛ ولأنها مساوية للحرف في عدم استقلالها بالمفهومية دون ذكر مجرورها، وقد خرجت (كم) عن هذا بصلاحيتها لعلامات الأسماء، وهي الإضافة إليها، نحو: غلام كم رجل ضربت؟ ودخول حرف الجر عليها، نحو: بكم درهم اشتريت ثوبك؟ والابتداء بها نحو: كم مالك؟ ووقوعها مفعولًا نحو: كم أكرمت؟ وغير ذلك من خواص الأسماء وليس في (رب) شيء من هذا، وليست بفعل باتفاق، فدل على أنها حرف.
فإن قيل: إن الذي يدل على أسميتها أمور:
منها: أنها مساوية لكم في معنى العدد، ونظيرتها في معنى التكثير، أو نقيضتها إن كانت للتقليل، والشيء يحمل على نظيره ونقيضه في الحكم.
ومنها: اختصاصها عن حروف الجر بما لا يكون في سائرها كلزومها صدر الكلام واختصاصها بجر النكرة الموصوفة، وحذف متعلقها.
ومنها: دخول التصرف فيها بالحذف فتقول: رب. وقد قرئ بالوجهين: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾. والتصرف بعيد عن الحروف قريب من الأسماء، فإذا كان كذلك لحقت بجنس ما يتصرف.
стр. 1853
ومنها: وقوعها مبتدأ مثل (كم) فتقول: / رب رجل قائم، وأنشدوا:
إن يقتلوك فإن قتلك لم يكن ... عارًا عليك، ورب قتل عار
فالجواب: أن هذا كله لا دلالة فيه، أما كونها للعدد فليس كذلك؛ بل هي للتقليل أو التكثير أولهما، وكلاهما من معاني الحروف لا من معاني الأسماء. وأما لزومها الصدر؛ فلمضارعتها لحروف النفي، لأن التقليل تقريب من النفي؛ ولذلك تستعمل (قل) في النفي، فتقول: قلما يقوم زيد، بمعنى: ما يقوم زيد، وغن كانت للتكثير فلمضارعة (كم)، ولا يلزم من ذلك أسميتها، كما لم يلزم من مضارعة (قل) للنفي أن تصير حرفًا.
وأما اختصاصها بجر النكرة الموصوفة فلا يلزم من اختصاصها ببعض الأسماء أسميتها، وإلا لزم من اختصاص التاء أو الواو بالظاهر أن تكون أسماء.
وأما التصرف: فقد يأتي في الحروف الحذف، وأكثر ذلك في المضاعف كأن وأن ولعل، تقول فيه: عل، وحاشا: حاش وحشا.
والكوفيون يزعمون أن سوف يلحقها الحذف، وليست باسم باتفاق.
وأما (رب قتل عار) فعار: خبر مبتدأ محذوف، أي هو عار، لا أن (رب) مبتدأ فقد ثبت أن (رب) حرف لا اسم، والله أعلم.
والثانية: أن الناظم أتى هنا برب هكذا خفيفة ساكنة، فيمكن أن يكون ذلك لأجل القافية، والأصل (رب)، فيحتمل أن يكون أتى بذلك على أصل اللغة في استعمالها، فرب منقولة بضم الراء وإسكان الباء. وفي (رب) لغات غير
стр. 1854
هاتين، فيقال: رب ورب ورب ورب، وتلحقها التاء مفتوحة ورب ورب. وذكر في التسهيل لها عشر لغات.
والرابع من الحروف المختصة ببعض الأسماء الظاهرة: التاء، فزعم أنها مختصة باسمين من أسماء الله تعالى، وهما: الله والرب، فأما دخولها على اسم الله فهو الشهير نحو: ﴿تالله تفتوا تذكر يوسف﴾. ﴿تالله لقد آثرك الله علينا﴾. وأنشد سيبويه:
تالله يبقي على الأيام ذو حيد ... بمشمخر به الظيان والآس
وأما دخلوها على الرب، فحكى الأخفش: تربى، ولكن هذا شاذ محفوظ.
ومن هنا يكون قول الناظم مشكلًا؛ لأن حقيقة الأمر في التاء اختصاصها باسم الله ولا تدخل على غيره إلا ما شذ من دخولها على الرب، ولا يصح أن تكون مختصة بالرب بهذا الشذوذ؛ بل هي مختصة بألا تدخل عليه، والشاذ لا
стр. 1855
يكسر هذا الاختصاص، كما لا يكسر اختصاص حروف الجر بالأسماء قول من قال:
*والله ما زيد بنام صاحبه*
ولا اختصاص (ال) بالأسماء قولهم: اليجدع، وما أشبه ذلك، وإذا كان كذلك فإطلاقه اختصاص التاء بالاسمين معًا موهم أنهما في ذلك سيان، وذلك غير صحيح، وأيضًا يقتضي أن ذلك قياس في الرب، وأن تقول: تربى، وترب الكعبة، وترب الناس، وتالرب، وتربك، وما/ أشبه ذلك، وهو أيضًا غير صحيح؛ بل هو موقوف على محله بنصه في التسهيل وشرحه على ذلك. فقوله: (لله ورب) فيه ما ترى.
والقسم الثاني: ما عدا هذه الأربعة، لا يختص ببعض الأسماء الظاهرة دون بعض، فحتى، والكاف، والواو تدخل على كل ظاهر، فتقول: حتى زيد، و ﴿حتى مطلع الفجر﴾. وحتى يوم كذا، وكذا سائرها، ثم استدرك ذكر ما خرج عن هذا الضابط المذكور فقال:
стр. 1856
وما رووا من نحو ربه فتى ... نزر كذاكها ونحوه أتى
يعني أن القاعدة المطردة في (رب) إنما هي الدخول على الظاهر النكرة، فما جاء فيها من الدخول على المضمر وجرها له نزر قليل، ولا يكون ذلك إلا والضمير قد لزمه بعده مفسر منصوب على التمييز، فلا يكون الضمير مما يعود على ما قبله أصلًا، وإنما يكون ضميرًا موضوعًا على الإبهام يفسر بمنصوب كنعم في قولك: نعم رجلًا زيد، فتقول: ربه رجلًا، وربه غلامًا، وربه امرأة، وربه امرأتين، وربه رجالًا، وريه نسوة، لا يختلف الضمير وإن اختلف ما يفسره؛ بل يلزمه الإفراد والتذكير في أشهر الاستعمالين.
وقد نبه الناظم على اشتراط المفسر بعده، وأنه لا يفسره متقدم بمثاله الذي مثل به، وهو (ربه فتى) لكنه لم ينه على لزومه طريقة واحدة، أو جواز أن يختلف باختلاف المفسر كرأي الكوفيين، وحكايتهم، ولكن المطابقة قليلة الاستعمال بالنسبة إلى عدمها، فإذا كان الأمران منقولين، فلا يضيره السكوت عن ذلك مع أن جرها للضمير قليل في نفسه.
ثم قال: (كذاكها ونحوه أتى) يعني أنه أتى من كلامهم دخول الكاف على الضمير المتصل، لكن نزرًا أيضًا لقوله: (كذاكها)، ونبه بهذا المثال المخصوص الذي دخلت الكاف فيه على ضمير الواحدة المؤنثة على ما جاء في الشعر بهذا اللفظ بعينه، كأنه يشير إلى سماع في ذلك معين، وذلك قول العجاج أنشده سيبويه:
стр. 1857
*وأم أوعالٍ كها أو أقربا*
كأنه قال: مثلها أو أقرب. ونبه بقوله: (ونحوه) على ما جاء في كلامهم من نحو هذا الضمير، وهو ما أنشده سيبويه للعجاج:
فلا ترى بعلًا ولا حلائلًا ... كهو ولا كهن إلا حاظلًا
وأنشد الفراء:
وإذا الحرب شمرت لم تكن كي ... حين تدعو الكماة فيها نزال
وقال الفراء: سمعت بعض من يروي عن الحسن، وكان فصيحًا: "حتى يكون كك وتكون كه".
وأنشد الفارسي في دخولها على الضمير المنفصل قول الشاعر:
فأحسن وأجمل في أسيرك إنه ... ضعيف ولم يأسر كإياك آسر
стр. 1858
وحكى الأخفش أو غيره: ما أنا كانت ولا أنت كأنا.
وهذا الأخير أعني دخولها على الضمير المنفصل ضعيف في القياس، والقياس الاتصال.
قال سيبويه/ في توجيه ما أنشده: إلا أن الشعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف؟ ، فيجرونها على القياس" ثم أتى بالشاهدين. ثم قال: "شبهه بقولهم: له ولهن".
قال: "ولو اضطر شاعر فأضاف الكاف؟ إلى نفسه قال: "كي". وقد ورد مثل هذا في حتى. قال الشاعر:
فلا والله لا يلفى أناس ... فتى حتاك يا ابن أبي يزيد
أنشده ابن خروف، ولم ينبه على مثله الناظم.
وإنما ترك ذلك لشذوذه جدًا بخلاف ما نبه عليه، فإنه شهير في النقل، وفيه على شذوذه كثرة ما في الشعر، وقد وجد بعضه في الكلام.
стр. 1859
فإن قيل: فكذلك الأمر في (حتى) و (مذ) و (منذ) عند المبرد هو مما يقاس، فكان أولى أن ينبه عليه.
قيل: إنما تعرض الناظم للتنبيه على السماع، والمبرد لا سماع له في مذهبه، وإنما يقول بمقتضى القياس، كما أجاز (أعطاهوني) و (منحتنيني) قياسًا، وإن لم يسمع، فاقتصار الناظم على ما اقتصر عليه حسن.
وقوله: (كذاكها ونحوه أتى) يعني أنه أتى نزرًا أيضًا.
ثم شرع في الكلام على الحروف على التفصيل فقال:
بعض وبين وابتدئ في الأمكنة ... بمن وقد تأتي لبدء الأزمنة
وزيد في نفي وشبهه فجر .... نكرة كما لباغ من مقر
فابتدأ في ذكر معاني هذه الحروف حرفًا حرفًا. وقبل الشروع في شرح كلامه لابد من إيراد سؤال يسأل عنه ابن مالك في هذا النظم وغيره من تواليفه؛ بل هو سؤال وارد على جميع من تكلم في حصر معاني هذه الحروف حتى إن باب حروف الجر صار غالب ما يذكر فيه تفسير معانيها بحيث صارت الأحكام المتعلقة بها في القياس أقلية بالنسبة إلى تفسير المعاني، ولا شك أن هذا نحلة اللغوي لا نحلة النحوي من حيث هو نحوي، فمن تعرض لتفسير معاني الحروف وصيرها كالأمر الضروري في صناعة النحو فليتعرض لتفسير معاني الأسماء والأفعال وحينئذ يصير لغويًا ولا نحويًا، أو ليترك تفسير الجميع حتى يكون تحويًا فقط وهو الأحق، لأن غيره تخليط لبعض العلوم ببعض.
فالجواب عن هذا: أن حروف المعاني على الجملة مما يحتاج في إدراك
стр. 1860
حقائق معانيها إلى قياس ونظر، كما يحتاج في سائر أبواب النحو إلى القياس والنظر لتمييز الصواب من الخطأ، وهذا النحو ليس على وضع تفسير الغريب؛ إذ كنت تفسر الشيء بمرادفه فقط.
وأيضًا تفسيرها يصعب لأنها تدور بين المولدين والعرب على معنى واحد لشدة الحاجة إلى معانيها، فتفسيرها أشد من تفسير الغريب، لأن الغريب له / ما يساويه من اللفظ المعروف للمعنى الواحد، فإذا طلب ذلك وجد ما يقوم مقامه، فيفسر به، ولأنه قد كان يستغني به عن الغريب العربي. وأما الحروف فليست كذلك، لأنها تجري في كلام العرب والمولدين سواء. فليس في كلام المولدين ما يستغني به عنها، كما كان في الأسماء والأفعال، فإذا طلب ما تفسر به أعوز ذلك، فصار بيانها أشد من بيان غيرها. هذا ما قال ابن سيدة في المخصص في توجيه المسألة، وكأنه منتزع من كلام سيبويه، فإنه لما تكلم على معاني الحروف وما أشبهها من الأسماء في باب عدة ما يكون عليه الكلم ختم الباب بأن قال: "وإنما كتبنا منن الثلاثة وما جاوزها غير المتمكن الكثير الاستعمال من الأسماء وغيرها الذي تكلم به العامة، لأنه أشد تفسيرًا، وكذلك الواضح عند كل أحد هو أشد تفسيرًا؛ لأنه يوضح به الأشياء، فكأنه تفسير التفسير".
ثم قال: "وإنما كتبنا من الثلاثة على نحو الحرف والحرفين، وفيه الإشكال والنظر". هذا ما قال، وهو يشير إلى ما تقدم، فكان إذًا تفسير الحروف العربية وما أشبهها من مشكلات الكلم التي لا مرادف لها تفسر به مما يلحق النظر فيه بعلم النحو بهذا التقرير، وعلى هذا جرى النحويون فيما أشكل معناه من
следующие страницы →