Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
وما رووا من نحو ربه فتى ... نزر كذاكها ونحوه أتى
يعني أن القاعدة المطردة في (رب) إنما هي الدخول على الظاهر النكرة، فما جاء فيها من الدخول على المضمر وجرها له نزر قليل، ولا يكون ذلك إلا والضمير قد لزمه بعده مفسر منصوب على التمييز، فلا يكون الضمير مما يعود على ما قبله أصلًا، وإنما يكون ضميرًا موضوعًا على الإبهام يفسر بمنصوب كنعم في قولك: نعم رجلًا زيد، فتقول: ربه رجلًا، وربه غلامًا، وربه امرأة، وربه امرأتين، وربه رجالًا، وريه نسوة، لا يختلف الضمير وإن اختلف ما يفسره؛ بل يلزمه الإفراد والتذكير في أشهر الاستعمالين.
وقد نبه الناظم على اشتراط المفسر بعده، وأنه لا يفسره متقدم بمثاله الذي مثل به، وهو (ربه فتى) لكنه لم ينه على لزومه طريقة واحدة، أو جواز أن يختلف باختلاف المفسر كرأي الكوفيين، وحكايتهم، ولكن المطابقة قليلة الاستعمال بالنسبة إلى عدمها، فإذا كان الأمران منقولين، فلا يضيره السكوت عن ذلك مع أن جرها للضمير قليل في نفسه.
ثم قال: (كذاكها ونحوه أتى) يعني أنه أتى من كلامهم دخول الكاف على الضمير المتصل، لكن نزرًا أيضًا لقوله: (كذاكها)، ونبه بهذا المثال المخصوص الذي دخلت الكاف فيه على ضمير الواحدة المؤنثة على ما جاء في الشعر بهذا اللفظ بعينه، كأنه يشير إلى سماع في ذلك معين، وذلك قول العجاج أنشده سيبويه:
стр. 1857
*وأم أوعالٍ كها أو أقربا*
كأنه قال: مثلها أو أقرب. ونبه بقوله: (ونحوه) على ما جاء في كلامهم من نحو هذا الضمير، وهو ما أنشده سيبويه للعجاج:
فلا ترى بعلًا ولا حلائلًا ... كهو ولا كهن إلا حاظلًا
وأنشد الفراء:
وإذا الحرب شمرت لم تكن كي ... حين تدعو الكماة فيها نزال
وقال الفراء: سمعت بعض من يروي عن الحسن، وكان فصيحًا: "حتى يكون كك وتكون كه".
وأنشد الفارسي في دخولها على الضمير المنفصل قول الشاعر:
فأحسن وأجمل في أسيرك إنه ... ضعيف ولم يأسر كإياك آسر
стр. 1858
وحكى الأخفش أو غيره: ما أنا كانت ولا أنت كأنا.
وهذا الأخير أعني دخولها على الضمير المنفصل ضعيف في القياس، والقياس الاتصال.
قال سيبويه/ في توجيه ما أنشده: إلا أن الشعراء إذا اضطروا أضمروا في الكاف؟ ، فيجرونها على القياس" ثم أتى بالشاهدين. ثم قال: "شبهه بقولهم: له ولهن".
قال: "ولو اضطر شاعر فأضاف الكاف؟ إلى نفسه قال: "كي". وقد ورد مثل هذا في حتى. قال الشاعر:
فلا والله لا يلفى أناس ... فتى حتاك يا ابن أبي يزيد
أنشده ابن خروف، ولم ينبه على مثله الناظم.
وإنما ترك ذلك لشذوذه جدًا بخلاف ما نبه عليه، فإنه شهير في النقل، وفيه على شذوذه كثرة ما في الشعر، وقد وجد بعضه في الكلام.
стр. 1859
فإن قيل: فكذلك الأمر في (حتى) و (مذ) و (منذ) عند المبرد هو مما يقاس، فكان أولى أن ينبه عليه.
قيل: إنما تعرض الناظم للتنبيه على السماع، والمبرد لا سماع له في مذهبه، وإنما يقول بمقتضى القياس، كما أجاز (أعطاهوني) و (منحتنيني) قياسًا، وإن لم يسمع، فاقتصار الناظم على ما اقتصر عليه حسن.
وقوله: (كذاكها ونحوه أتى) يعني أنه أتى نزرًا أيضًا.
ثم شرع في الكلام على الحروف على التفصيل فقال:
بعض وبين وابتدئ في الأمكنة ... بمن وقد تأتي لبدء الأزمنة
وزيد في نفي وشبهه فجر .... نكرة كما لباغ من مقر
فابتدأ في ذكر معاني هذه الحروف حرفًا حرفًا. وقبل الشروع في شرح كلامه لابد من إيراد سؤال يسأل عنه ابن مالك في هذا النظم وغيره من تواليفه؛ بل هو سؤال وارد على جميع من تكلم في حصر معاني هذه الحروف حتى إن باب حروف الجر صار غالب ما يذكر فيه تفسير معانيها بحيث صارت الأحكام المتعلقة بها في القياس أقلية بالنسبة إلى تفسير المعاني، ولا شك أن هذا نحلة اللغوي لا نحلة النحوي من حيث هو نحوي، فمن تعرض لتفسير معاني الحروف وصيرها كالأمر الضروري في صناعة النحو فليتعرض لتفسير معاني الأسماء والأفعال وحينئذ يصير لغويًا ولا نحويًا، أو ليترك تفسير الجميع حتى يكون تحويًا فقط وهو الأحق، لأن غيره تخليط لبعض العلوم ببعض.
فالجواب عن هذا: أن حروف المعاني على الجملة مما يحتاج في إدراك
стр. 1860
حقائق معانيها إلى قياس ونظر، كما يحتاج في سائر أبواب النحو إلى القياس والنظر لتمييز الصواب من الخطأ، وهذا النحو ليس على وضع تفسير الغريب؛ إذ كنت تفسر الشيء بمرادفه فقط.
وأيضًا تفسيرها يصعب لأنها تدور بين المولدين والعرب على معنى واحد لشدة الحاجة إلى معانيها، فتفسيرها أشد من تفسير الغريب، لأن الغريب له / ما يساويه من اللفظ المعروف للمعنى الواحد، فإذا طلب ذلك وجد ما يقوم مقامه، فيفسر به، ولأنه قد كان يستغني به عن الغريب العربي. وأما الحروف فليست كذلك، لأنها تجري في كلام العرب والمولدين سواء. فليس في كلام المولدين ما يستغني به عنها، كما كان في الأسماء والأفعال، فإذا طلب ما تفسر به أعوز ذلك، فصار بيانها أشد من بيان غيرها. هذا ما قال ابن سيدة في المخصص في توجيه المسألة، وكأنه منتزع من كلام سيبويه، فإنه لما تكلم على معاني الحروف وما أشبهها من الأسماء في باب عدة ما يكون عليه الكلم ختم الباب بأن قال: "وإنما كتبنا منن الثلاثة وما جاوزها غير المتمكن الكثير الاستعمال من الأسماء وغيرها الذي تكلم به العامة، لأنه أشد تفسيرًا، وكذلك الواضح عند كل أحد هو أشد تفسيرًا؛ لأنه يوضح به الأشياء، فكأنه تفسير التفسير".
ثم قال: "وإنما كتبنا من الثلاثة على نحو الحرف والحرفين، وفيه الإشكال والنظر". هذا ما قال، وهو يشير إلى ما تقدم، فكان إذًا تفسير الحروف العربية وما أشبهها من مشكلات الكلم التي لا مرادف لها تفسر به مما يلحق النظر فيه بعلم النحو بهذا التقرير، وعلى هذا جرى النحويون فيما أشكل معناه من
стр. 1861
الأدوات أو ما أشبه الأدوات، فما فعل الناظم في هذا الباب وغيره صواب لم يخرج به عن النظر القياسي النحوي على هذه الطريقة.
ثم نرجع إلى كلام الناظم فقوله: (بعض وبين وابتدئ في الأمكنة (بمن) ... ) إلى آخره جعل (من) أولاً على قسمين: زائدٍة، وغيره زائداة.
فأما غير الزائدة: فلها عنده في الوضع الأول أربعة معانٍ:
أحدها: أن تأتي للتبعيض بقوله: (بعض) أي بعض بها ما أتى بعدها، أي أجعل الفعل الذي تعلقت به مسلطًا على مجرورها بقيد التبعيض فيه، وذلك قولك: أكلت من الرغيف، وشربت من الماء. وفي القرآن الكريم: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعٍض، منهم من كلم الله﴾. ﴿فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر﴾. ﴿والله خلق كل دابٍة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع﴾. ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾. ﴿ومنهم من ينظر إليك﴾.
وعلامة كونها للتبعيض صلاحية بعٍض مكانها، كما جاء في قراءة عبد الله: ﴿تنالوا البر حتى تنفقوا بعض ما تحبون﴾. وهذا المعنى متفق عليه في (من).
والثاني: أن تأتي لبيان الجنس، وهو قوله: (وبين) أي أجعلها للبيان مثاله
стр. 1862
قولك: لبست ثوبًا من كتان وسوارًا من ذهب، وجعلوا من ذلك قول الله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾. وجعل بعضهم علامة كونها لبيان الجنس أن تقع بيانًا لما قبلها مقدرة بالذي كما في الآية.
ورد هذا ابن أبي الربيع بأنه لو كان كما قال لصح أن تقول على مثله: مررت برجٍل من زيد، ومررت/ بزيد من أخيك، على تقدير الذي هو زيد والذي هو أخوك. وهذا لا يقال.
وللناظم أن يجيب عن هذا بأن (من) لم تدخل فيه على الجنس، فإنها إذا كانت لبيان الجنس، فيلزم دخولها على الجنس الذي تكون به مبينة. وعلى هذا تقول: مررت بالعصبة من الرجال، فتكون على تقدير: الذين هم الرجال. ومررت بالمنتجعة من بني تميم، وبالفرسان من قريش.
ومن ذلك أيضًا قول الله تعالى: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهٍب ويلبسون ثيابًا خضرًا من سندٍس وإستبرٍق﴾. وما كان نحو ذلك.
ومنه أيضًا: (من) الجارة للتمييز نحو: لي ملؤه من عسل، وبكم درهٍم اشتريت ثوبك؟
وما ذهب إليه من إثبات هذا القسم في (من) مذهب طائفة ونفاه
стр. 1863
بعضهم، وهو رأي الشلويين، ويظهر من سيبويه، وتأولت هذه الأمور على أن تكون (من) فيها للتبعيض، وابن مالك إنما وقف مع ظاهر المعنى بناء على قاعدة سيبويه وغيره من الحمل على الظاهر وإن أمكن أن يكون المراد غيره، فإذا كان ظاهر المعنى شاهدًا بأمر، فلا ينبغي أن يتعدى إلى ما يكون فيه تكلف.
فإن قيل: فإن الأولى أيضًا تقليل المعاني، وردها إلى أقل ما يمكن، بناء على قاعدة تقليل الأوضاع.
فالجواب: أن هذا يعارضه الحمل على الظاهر، فإذا تعارضت القاعدتان وجب الرجوع إلى الترجيح، فمال الناظم إلى ترجيح قاعدة الظاهر، ومال غيره إلى ترجيح قاعدة تقليل الأوضاع.
والثالث: أن تأتي لابتداء الغاية في المكان وهو قوله: (وابتدئ في الأمكنة)، أي: اجعلها لابتداء الغاية في المكان بمعنى أن يكون ما بعدها أول غاية الفعل
стр. 1864
الذي تعلقت به، وعلامتها أن يصلح معها (إلى) التي هي لانتهاء الغاية، نحو: سرت من الدار إلى المسجد، وكذلك تعرف التي لابتداء الغاية في الزمان بصلاحية (إلى) معها. ومثال ذلك قول الله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾. وقوله: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾. وقوله: ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾. وهو كثير. ولا خلاف في ثبوت هذا القسم.
والرابع: أن تأتي لابتداء الغاية في الزمان. وذلك قوله: (وقد تأتي لبدء الأزمنة). يعني أن (من) قد تدخل قليلًا على الأزمنة، فتكون لابتداء الغاية فيها، كما كانت كذلك في الأمكنة إلا أنها في الأزمنة لا تكثر كثرتها في الأمكنة، وحقيقة المعنى: وقد تأتي لبدء الغاية في الأزمنة لكن حذف واختصر، وأضاف البدء إلى نفس الأزمنة لما كان المبدوء واقعًا فيها، نظير قوله تعالى: ﴿بل مكر الليل والنهار﴾. فالمعنى: بل مكر كم في الليل والنهار، فحذف واختصر لعلم المخاطب، فكذلك هذا.
وهذا القسم مختلف في ثبوته، فمذهب أكثر البصريين نفيه، وأن (من) هنا لا تدخل على الزمان أصلًا، وإنما هي في المكان نظير (مذ) في الزمان، فكما لا تدخل مذ على الأمكنة باتفاق كذلك لا تدخل (من) على الأزمنة.
стр. 1865
وأما الكوفيون: /فأجازوا ذلك - ووافقهم المؤلف في التسهيل - واستدلوا على ذلك بالسماع، ففي القرآن: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه﴾. فدخلت (من) على (أول يوم) وهو زمان. وحكى الأخفش عن بعض العرب: من اليوم إلى غد. وقال النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
تورثن من أزمان يوم حليمة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
وقال زهير بن أبي سلمى:
لمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حجج ومن دهر
وقال أبو صخر الهذلي:
стр. 1866
كأنهما ملآن لم يتغيرا ... وقد مر للدارين من بعدنا عصر
وقال قيس بن ذريح:
فمن كان محزونًا غدًا لفراقنا ... فملآن فليبك لما هو واقع
والمراد من البيتين (من الآن) فحذقت نون (من) ضرورة.
وأنشد في الشرح:
ألفت الهوى من حيث ألفيت يافعًا ... إلى الآن مبلوًا بواٍش وعاذل
وأنشد أيضًا:
ونجوت من عرض المنو ... ن من الغدو إلى الرواح
إلى أبيات أخر ذكرها في شرحه.
وفي الحديث: "من يعمل لي من نصف النهار على قيراط، فعملت النصارى
стр. 1867
من نصف النهار على قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين، ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر" الحديث.
وفي الحديث: "فمطرنا من يوم جمعة إلى جمعة".
وقال عائشة ﵂: "ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل"؛ وهذا على رأي المؤلف في الاستشهاد بالحديث، فهذه الشواهد تدل على صحة ما رآه الكوفيون، وقد تردد الفارسي في المسألة، فذكر في التذكرة مذهب سيبويه، وأن (من) و (مذ) لا تدخل إحداهما على الأخرى، ثم ذكر ما خالف ذلك من كلام العرب مما تقدم ذكره ومن غيره.
ثم قال: فلو قال قائل: إن (من) قد لزم الجر وكثر تصرفه، والحروف التي تلزم ولا تنتقل إلى موضع آخر قد يكون فيها من الاتساع والتصرف ما لا يكون فيما ينتقل ولا يلزم، فإذا كان كذلك لم يمتنع أن تدخل (من) على الزمان ولا تكون كمذ؛ لأنها تنتقل عن عمل الجر.
قال: "وينبغي أن يستقرأ هذا، فإن أصيب في مواضع تكثر قطع على هذا، يعني على دخولها على الزمان، ولم يحمل على حذف المضاف، كما تأول أصحابنا قوله: ﴿من أول يوم﴾ و:
стр. 1868
"* ... من حجج ومن دهر *"
هذا كلامه.
وقد أنصف؛ فلذلك أتى الناظم ﵀ فاعتبر المسألة بكلام العرب، فوجد دخول (من) على الأزمنة قليلًا لا يقوى أن يقاوم دخولها على الأمكنة ولا يقارب، فأقرها على ما هي عليه، ولم يطلق القول بالجواز، ولا حتم بالمنع، ولا شك فيما رأى أنه الصواب.
وقد تأول المانعون ما جاء من الشواهد مخالفًا لمذهبهم، فقدروا مصادر من قبل الزمان، فيقولون: التقدير: من تأسيس أول يوم، ومن مر حجج، ومن مر أزمان يوم حليمة، وكذلك سائرها: وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: أن السماع هنا قد كثر كثرة تؤذن بأن التأويل فيها تكلف؛ إذ التأويل إنما يسوغ في النوادر، وليس هذا منها، وإن كان قليلًا، فمثله لا يصرف بالتأويل إلى خلاف ظاهره.
والثاني: أني سمعت شيخنا الأستاذ - رحمة الله عليه - يحكي عن شيخه أبي عبد الله بن عبد المنعم إبطال تقدير المصدر لما يلزم عليه من التسلسل، وأن مذهب الكوفين هو الصواب، لأنك إذا قدرت في الآية: من تأسيس أول يوم، اقتضى قصد التاريخ تقدير زمان قبل التأسيس حتى يكون المعنى: من زمان تأسيس أول يوم، فترجع المسألة إلى أول أمرها، فيفتقرون إلى تقدير مصدٍر هكذا أبدًا، وهو باطل، وهكذا سائر الشواهد، فالذي تلخص من هذا أن دخولها على الزمان ثابت غير مندفع، لكنه قليل عملًا بالاستقراء، ولمن معنى آخر سيذكره بعد هذا إن شاء الله.
стр. 1869
فإن قيل: ما ذكره قاصر من وجهين:
أحدهما: أنه ذكر في التي لابتداء الغاية تقييدًا لو سكت عنه لكان أتم، فإنه ذكر أنها لابتداء الغاية في الزمان والمكان، وهي في الحقيقة لابتداء الغاية مطلقًا، كانت في زمان أو مكان أو غيرهما، فقد قال سيبويه: "وتقول إذا كتبت كتابًا من فلان إلى فلان"، قال: "فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها"، يعني أنها ليست بأماكن كقولك: من مكان كذا إلى مكان كذا، لكنها بمنزلتها في ابتداء الغاية وانتهائها، وكذلك قال غيره، وهو صحيح، فالصواب هنا ما قاله في التسهيل حيث قال: "وهي لابتداء الغاية مطلقًا على الأصح".
والثاني: أنه ذكر لمن هنا من المعاني أقل مما ذكره في التسهيل؛ لأنه ذكر هنا التبعيض، وبيان الجنس، وابتداء الغاية في المكان والزمان، والبدل. ونقصه أن تكون للتعليل، نحو: جئتك من أجل إكرامك. ومنه: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق﴾. ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل﴾. الآية. وأن تكون للبدل نحو: ﴿أرضيتهم بالحياة﴾
стр. 1870
الدنيا من الآخرة﴾ بمعنى بدلًا من الآخرة. ﴿ولو نشأ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون﴾. وأن تكون للمجاوزة نحو: عذت منه، وأنفت منه. وفي القرآن: ﴿إني عذت بربي وربكم من كل متكبر﴾. ومن ذلك: زيد أفضل من عمرو، لأن المعنى جاوزه في الفضل. وأن تكون لانتهاء الغاية نحو: قربت منه؛ لأنه يفيد معنى قربت إليه. وأن تكون للاستعلاء فتوافق على كقوله تعالى: ﴿ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾ أي على القوم. قاله الأخفش. وأن تكون للفصل بين المتضادين نحو: ﴿والله يعلم المفسد من المصلح﴾، ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾. وأن تكون بمعنى الباء كقوله: ﴿ينظرون من طرٍف خفي﴾. حكاه الأخفش عن يونس قال كما تقول: ضربته من السيف، أي بالسيف، وأن تكون بمعنى (في) كقول الشاعر، وهو من أبيات الحماسة:
стр. 1871
/ عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلًا أن يكون له غد
وهذا منتهى ما زاد في التسهيل، فذكر هنا أقل من النصف، فهو تقصير ظاهر.
فالجواب عن الأول: أنه يمكن أن يكون جعل ابتداء الغاية للمكان هو الأصل، وما سواه راجع إليه بالمجاز، فكأنه جعل الأشخاص أماكن بالتأويل لملازمة الأماكن لها؛ إذ لا يقال من فلان إلى فلان إلا ولهما مكانان بينهما مسافة، ويصل الكتاب من أحد المكانين إلى الآخر.
وعن الثاني: أن يقال: إن ما ذكر هنا من المعاني هو الأشهر في الذكر، والأكثر في الاستعمال، وهذا النظم لم يوضع للتتبع؛ بل للاقتصار على جل المهمات كما قال في آخره:
* نظمًا على جل المهمات اشتمل *
وبهذه الطريقة لا يعترض عليه فيما ترك من معاني هذه الحروف، وإنما ينظر معه فيما ذكر خاصة.
وأما الزائدة: فهي التي قال فيها: (وزيد في نفي وشبهه) أي: زيد الحرف الذي هو من، والحروف تذكر وتؤنث على تأويل الحرف، أو اللفظ، أو الكلمة، ومعنى كونه زائدًا كونه يدخل في موضٍع يطلبه العامل بدون ذلك الحرف، فيعمل فيه.
стр. 1872
فإذا قلت: ما في الدار أحٍد، فأحد قد تسلط عليه عامل الابتداء من جهة المعنى ليرفعه بأنه مبتدأ، وكذا: ما جاءني من أحٍد، الفعل طالب لأحد بالفاعلية، فجاءت (من) عاملة في اللفظ مع طلب العامل الأول العمل كذلك في اللفظ، فسميت زائدًة لذلك، لأنها مقحمة بين طالب ومطلوب، ولذلك قد يقولون في (لا) من قولهم: جئت بلا زاٍد، إنها زائدة وإن كان سقوطها مخلا بالمعنى المراد، فإنما قصدوا بالزيادة ما ذكر، فعلى هذا قولهم: ما جاءني من رجٍل. (من) فيه زائدة، وإن كانت تدل على الكثرة والعموم، لأن ذلك المعنى المذكور موجود فيها، فلا يرد إذًا على النحويين على هذه الطريقة اعتراض المبرد في جعلهم (من) في هذه المواضع زائدة لحدوث معنى الكثرة بحدوثها، لأنك إذا قلت: ما جاءني رجل، احتمل أن تريد: ما جاءني رجل واحد، بل اثنان أو ثلاثة، أو: ما جاءني رجل في قوته ونفاذه، بل ضعيف الرجولية، أو ما جاءني رجل بل امرأة.
فإذا قلت: ما جاءني من رجٍل، عم جميع ذلك، فأين كونها زائدة.
فأجيب عن ذلك بهذا المعنى المقرر.
وذكر بعضهم طريقة أخرى في الزيادة: وهي الزيادة لمجرد التوكيد من غير
стр. 1873
إفادة كثرة ولا عموم، ورد على المبرد بقولهم: ما جاءني من أحد؛ إذ لا دلالة على عموم ولا كثرة؛ لأن أحدًأ قد أفاد ذلك المعنى؛ إذ هو مرادف لكراٍب، وعريٍب، ودياٍر ونحوها، وهي موضوعة لعموم النفي، فإذًا لا يمكن إلا الزيادة. فإذا ثبتت زيادتها البتة في: من أحٍد جاز في: ما جاءني من رجٍل أن تزاد، فتكون على ضريين: تكون زائدة على حد زيادتها في: ما جاءني من أحٍد، وتكون / /٢٨٧/ أيضًا مفيدًة للعموم، وهذا المعنى قرره الفارسي، وهو صحيح في نفسه إلا أن اعتراض المبرد قد يرد عليه؛ لأن زيادة (من) هنا للتوكيد، فالتوكيد هو أصل معناها، فليست بزائدة لأن حقيقة الزائدة ما دخوله كخروجه، وهذه ليست كذلك لأن التوكيد قبل دخولها مفقود، فلما أتى بها حصل بها التوكيد، وهو معنى كالتبعيض، والابتداء، فلا تسلم هذه الطريقة على هذا التقدير، كما أن في الطريقة الأولى محلا للبحث.
فقد يمكن أن يريد الناظم بالزيادة على هذه الطريقة ما لم يأت لمعنى العموم.
وأما على الأولى: فهي تسمى زائدة، وإن جاءت لمعنى العموم، ومذهبه في التسهيل يشير إلى الطريقة الأولى، وإليها يشير تمثيله هنا؛ لأنه يمكن في قوله: (ما لباغ من مقر) أن تكون (من) للتوكيد، أو لإفادة العموم.
فإذا تقرر معنى زيادة الحرف، فنرجع إلى كلام الناظم، فقوله: (وزيد في نفٍي وشبهه) إلى آخره، يعني أن (من) تزاد بشرطين:
أحدهما: أن تقع في نفٍي أو ما أشبه النفي. أما زيادتها في النفي، فنحو: ما
стр. 1874
جاءني من رجٍل، وما في الدار من رجٍل، وما ضربت من أحٍد، هذا على الطريقة الأولى.
وعلى الثانية: إنما يصح التمثيل بما في الدار من أحد، وما جاءني من أحد، وما أشبه ذلك، فعند ذكر أحد تتعين الزيادة، ولكن إنما يقع الاعتماد في التمثيل هنا على الأولى، وعند ذلك يتسع مجال التمثيل، ففي القرآن: ﴿وما من إله إلا الله﴾. ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾، ﴿أن تقولوا ما جاءنا من بشيٍر ولا نذير﴾. ﴿وما آتيناهم من كتٍب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير﴾. وذلك كثير.
وأما شبه النفي: فالاستفهام، والنهي، فالاستفهام نحو قولك: هل جاءك من أحد؟ ، وهل في الدار من أحٍد؟ وفي القرآن: ﴿هل من خالق غير الله﴾. ﴿وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحٍد﴾. ﴿هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء﴾. والنهي نحو: لا تضرب من أحد، ولا تقم من أحد. واشتراطه هذا الشرط بناء منه على مذهب الجمهور من البصريين.
وذهب الكوفيون والأخفش إلى جواز زيادتها في الواجب من غير اشتراط نفٍي أو شبهه، وإليه مال في التسهيل، واستدل عليه في الشرح
стр. 1875
بأشياء محتملة.
والصواب ما ذهب إليه ها هنا؛ لأن السماع المستمر قضى أنها تختص بالنفي، إذ لم تأت زيادتها في الإيجاب إلا في محل الاحتمال أو في النذور، فلا يصح أن يقضى بالقياس حتى يتبين من الاستقراء إليها بكثرة مجيئها في الكلام، فإذا لم يكن ذلك، فيجب الوقوف مع السماع؛ لئلا ندعي على العرب ما لا نعرف.
فإن قيل: قد ثبتت الزيادة كثيرًا في الواجب بحيث لا يسع إلا القول بمقتضاها، فمن ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ولقد جاءك من نبأ المرسلين﴾. وقوله: ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾. ﴿ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾. ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾. ﴿تجري من تحتها
стр. 1876
الأنهار﴾. ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾.
وقال المؤلف: "إذا دخلت (من) على قبل، وبعد، ولدن، وعن، فهي زائدة" فهي إذًا في قوله: ﴿لله الأمر من قبل ومن بعد﴾. ﴿قد بلغت من لدني عذرًا﴾. وقول الشاعر:
* من عن يمين الحبيا نظرة قبل *
ونحو ذلك زائدة؛ لأن دخولها لا يزيد معنى على ما كان قبل دخولها.
وعلى ذلك حمل الكسائي قوله ﵇: "إن من أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون".
وعلى ذلك أيضًا حمل ابن جني القراءة المروية عن الأعرج: ﴿لما آتينا كم من
стр. 1877
كتاب وحكمة﴾ على أن أصلها لمن ما، فزاد (من).
وقد حكى الناس: قد كان من مطٍر، وقد كان من حديٍث فخل عني.
وأما الشعر: فمن ذلك قول الشاعر:
وكنت رأى كالموت من بين ساعة ... فكيف يبين كان موعده الحشر
وقال الراجز:
* أمهرت منها جبة وتيسا *
стр. 1878
إلى غير هذا من الأبيات المذكورة في الشرح، فهذا سماع كثير ثابت نظمًا ونثرًا، فما الذي يمنع من القياس؟
فالجواب: أن جميع ما ذكر من السماع لا يثبت به ما قال.
أما أولًا: فإن الأصل الثابت في الحروف ألا تدعى فيها الزيادة إلا إذا تيقنت، وقام الدليل عليها، وأما مع بادي الرأي فذلك غير مخلص.
وأما ثانيًا: فإن هذه المواضع المستشهد بها محتملة لما قال، ولغير ذلك.
أما الآية الأولى: فعلى حذف الموصوف حملها طائفة كأن قال: نبأ من جملة نبأ المرسلين تعبر به أو تتأسى أو نحو ذلك مما يليق، فـ (من) إذذاك للتبعيض، وعلى هذا يجري الحكم في الآية التي تليها، وفي قوله: ﴿يغضوا من أبصارهم﴾، وقولهم: كان من مطر، ومن حديث. وقد تحذف العرب المفعول لمقاصد، وتجتزئ دونها لدلالة عليها، ولغير دلالة. وأما ﴿يكفر عنكم من سيئاتكم﴾ ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾. فإنه مؤول كله على تضمين الفعل معنى فعل آخر، كأنه قال: يخلصكم من ذنوبكم، فرجع إلى معنى قوله في الآيات الأخر ﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾. فـ (من) إذًا لابتداء الغاية، كقولك: خلصت منه، وخرجت منه، وكذلك هي لابتداء الغاية مع قبل وبعد ونظرائهما، فالمعنى استقر له الأمر من هذه الغاية، ومن هذه الأخرى، ولم يذكر انتهاء الغاية؛ إذ لا يلزم ذكرها، وقد يكون ترك ذلك أبلغ، أو تكون غير محتاٍج إلى ذكرها للعلم بها، أو لغير ذلك.
стр. 1879
وأما حديث: "إن من أشد الناس عذابًا"، فعلى إضمار الشأن؛ فلذلك رفع (المصورون).
والعجب أن المؤلف حمل الحديث في التسهيل على إضمار الشأن، وصرح بمخالفة الكسائي، ثم التزم هنا مذهبه، فاستدل به في الشرح على الزيادة. وأما ﴿لما آتيناكم﴾ فإن ما قاله ابن جني فيها تفريع على مذهب الأخفش، والرواية فيها مقال، وإن سلم ما قال فذلك شاذ كشذوذ ما أتى في الشعر من ذلك.
وأما ﴿تجرى من تحتها﴾ فـ (من) لابتداء الغاية كسائر الظروف المجرورة بـ (من)، / وإذا كان كذلك لم يثبت لها زيادة في الواجب. وأجاز بعض الناس زيادتها في غير النفي والاستفهام والنهي، وذلك الشرط، فيقال عنده: إن أكرمت من رجٍل أكرمك. ورد بأن القائل: إن ضربت، وإن كان غير واقٍع مفروض الوقوع بخلاف الاستفهام، فالشرط في معنى الواجب، وإن كان غير واجب؛ ولذلك يخالف الاستفهام في الأحكام الجوابية، وفي غيرها، مع أن السماع في ذلك معدوم أو نادر فلا يلتفت إليه.
فإن قيل: فقول الناظم: (وزيد في نفٍي وشبهه) يقتضي دخول الشرط، فإنه يشبه النفي في كونه غير واقع.
قيل: وكذلك يدخل له إن اعتبر هذا المقدار من الشبه، الأمر، والعرض، والتحضيض، والتمني، والترجي، والدعاء، فكنت تقول على هذا المفهوم: اضرب من رجل، وهلا ضربت من رجل، وليتك تضرب من رجل، وكذلك
стр. 1880
سائرها، وذلك غير صحيح، وكانت هذه الأشياء داخلًة عليه في الاستثناء المفرغ، وفي زيادة الباء في الخبر، وفي غير ذلك من المواضع التي قيد فيها بالنفي وشبهه، وإنما أراد بشبه النفي ما اختص بخصوصية النفي، وذلك أن يدخل على الأسماء المختصة بالنفي كأحٍد، وغريٍب، ودياٍر، وكتيٍع، ونحوها، وذلك يختص بالاستفهام، والنهي؛ لأن النهي إنما محصوله نفي الفعل، والاستفهام يفهم هذا المعنى من حيث كان يستدعي الجواب بالنفي، ولذلك لا تدخل (من) مع كل أداة استفهام، فلا تقول: أين قام من رجٍل؟ أو متى ضربت من رجٍل؟ وإنما تدخل مع هل؟ وما يكون مثلها؛ إذ كان؛ لأن متى، وأين، ونحوهما لا تستدعي نفي الفعل؛ بل تقتضي ثبوته، وأن الاستفهام إنما هو عن وصٍف من أوصاف الفعل الواجب، وليس الفعل واجبًا مع هل، فقد تبين أن غير الاستفهام ليس بشبيٍه بالنفي بهذا الاعتبار، فلا يشمله قول الناظم: (وشبهه) أصلًا.
والشرط الثاني: لزيادة (من) أن تدخل على نكرة كما تقدم تمثيله، وذلك قوله: (فجر نكرة).
ومثل اجتماع الشرطين بقوله: (كما لباغ من مقر)، والباغي: الظالم. المتعدي. يقال: بغى الرجل: إذا تعدى، وبغى عليه: تعدى، وجاوز حد القصد. والمقر: ما يستقر فيه من الأرض، والشرط المذكور هنا يشترطه البصريون، ويوافقهم على اشتراطه الكوفيون إلا الأخفش من البصريين، فإنه يزعم أنها تزاد على الإطلاق من غير شرط، ونحا نحوه المؤلف في التسهيل أيضًا، إذ قال في المجرور بمن الزائدة: "ولا يمتنع تعريفه، ولا خلوه من نفي أو
стр. 1881
شبهه، وفاقًا للأخفش".
واستدل على ذلك بما تقدم، وما استدل به غير ثابت كما مر.
ثم في هذا الكلام مسألتان:
إحداهما: أن ظاهره يعطي أن هذه الزيادة سماع؛ لأن قوله: (وزيد) يخبر عن أمٍر ماٍض، وأنه مفروغ منه، وذلك إنما يصدق على العرب، فإنهم الذين زادوا، ولو أراد زيادة القياس لقال: يزاد، أو يزاد في كذا، أو يجوز زيادته، أو ما يعطي معنى القياس، ولكنه لم يفعل ذلك، فأشكل كلامه من حيث إنه يوهم الوقوف على السماع/ وليس كذلك؛ بل هو قياس مطرد.
والجواب: أن قوله: (وزيد) لا يتعين للعرب؛ بل يمكن أن يريد أن أهل القياس من النحويين المتقدمين زادوه، فإذا أمكن هذا لم يحمل على الأول لأمرين:
أحدهما: أنه إنما انتصب للإخبار عما يقاس، فهو الأصل الذي انتصب لتقريره، فلا يحمل على غيره إلا بدليل.
والآخر: أنه قيد الزيادة بقيود، ومثلها بمثاٍل مرتجٍل مقيٍس، ولم يعين للمثال مثالًا مسموعًا، فدل على أنه قصد تقرير القياس لا التنبيه على السماع.
والثانية: أن هذه الزيادة لم يعين لها موضعًا مخصوصًا، وكان من حقه ذلك؛ إذ لا تزاد في كل موضع، وإن كان ثم نفي أو ما أشبهه؛ إذ لا تقول: ما زيد من قائٍم، وما هذا من رجٍل، ولا ما كان نحو ذلك، وإنما تزاد في مواضع مخصوصٍة، وهو لم ينبه عليها، فكان كلامه غير محرر.
والجواب: أن تمثيله أعطى شرطًا ثالثًا لا بد منه، وهو أن تكون النكرة يراد بها العموم، فيكون الحرف داخلًا يفيد نصية العموم أو تأكيده، فإن قوله: (ما
стр. 1882
لباغ من مقر (مقر) فيه يراد به العموم، نفى كل مقر في الدنيا على أي وصٍف كان أو أي جهٍة كان، فإذا كان كذلك لم يدخل له: ما زيد قائم ونحوه؛ إذ لا يراد بقائٍم العموم أصلًا، بخلاف ما إذا قلت: ما في الدار رجل، فإنه يصح أن يراد فيه برجل العموم، فتدخل (من) إن شئت، فتقول: ما في الدار من رجٍل، وكذلك تقول: ما قام من رجٍل، لأن رجلا يراد به العموم، فإذا كان كذلك فقد حصل للزيادة ضابط صحيح، فيجوز دخولها على المبتدأ في نحو: ما في الدار من رجل، وما من عالٍم إلا زيد. وفي القرآن: ﴿ما لكم من إلهٍ غيره﴾. ﴿وما من إلهٍ إلا الله﴾. وعلى الفاعل نحو: ما قام من أحٍد، وما جاءني من رجٍل، وفي القرآن: ﴿هلا يراكم من أحٍد﴾. وعلى المفعول نحو: ما ضربت من رجٍل، وقال الله: ﴿وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء﴾. ويونس بمعنى العموم في الموضع صلاحية (أحد) في مكان النكرة التي تريد أن تدخل عليها (من)، فإن كانت لغير عاقل فقدرها للعاقل، فإن صلح (أحد) مكانها فهو موضع زيادة (من)، وإلا فلا.
ولقد أسقط هذا الشرط الثالث بعض النحويين. ومنهم ابن عصفور، وهو مخل بموضع القياس، وممن اعتنى به ابن أبي الربيع، فزاد: أن يراد بالنكرة
стр. 1883
استغراق الجنس، واعترض عليه بأن استغراق الجنس مستفاد من زيادة (من) في أحد الوجهين، فكيف يشترط ما هو لازم عنها.
وأجيب بأن (من) لا تزاد في النكرة إلا بشرط أن يراد بها استغراق الجنس قبل دخول (من) عليها، ودخول (من) علامة على ذلك المعنى، فإن كانت تلك النكرة غير مراٍد بها استغراق الجنس، لم يجز دخول (من) عليها، كقولك: ما قام رجل واحد بل اثنان، أو أكثر، فالصحيح اشتراطه.
وأيضًا إن لم تقيد بذلك القيد لم يكن دخولها على المنفي النكرة منضبطًا، وهذا ظاهرة.
/ للانتها حتى ولام وإلى ... ومن وباء يفهمان بدلا
يعني أن هذه الأحرف الثلاثة، وهي: حتى، واللام، وإلى تأتي لانتهاء الغاية، أما (حتى) فهي على أربعة أقسام: حرف عطٍف، وحرف ابتداٍء، وحرف تعليل، وحرف جر. فالثلاثة الأولى سيأتي حكمها في مواضعها إن شاء الله.
وأما الجارة: فهي التي تكلم فيها هنا، ومعناها انتهاء الغاية كما ذكر، إلا أن مجرورها قد يكون مصدرًا مؤولًا، أي مسبوكًا من فعٍل وحرٍف مصدري، نحو قولك: صل حتى يطلع الفجر، تقديره: حتى طلوع الفجر، ومنه: ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض﴾. الآية، وموضع ذكر هذا باب إعراب الفعل. وقد يكون اسمًا صريحًا، نحو قوله تعالى: ﴿سلام هي حتى مطلع
стр. 1884
الفجر﴾، وقوله: ﴿ليسجننه حتى حين﴾. وقوله: ﴿فتول عنهم حتى حين﴾. وقال الشاعر: قيل: هو الملتمس، وقيل غيره.
ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها
يروى برفع النعل، ونصبه، وجره. والشاهد في الجر، فإن قوله: (للانتها حتى) يريد الجارة، لأنها التي ذكرها هنا بخلاف غيرها، فإنها ليست بهذا المعنى، بل لها معاٍن أخر، فالعاطفة كالواو، والتعليلية كاللام، أو كي، والابتدائية كإنما، ونحوها من حروف الابتداء، إلا أن الغاية يصحبها معناها، فإنه المعنى الأصلي لها، فحتى هنا مرادفة لـ (إلى)؛ ولذلك يصح تعويض (إلى) منها.
وأما (اللام) فتكون أيضًا كما قال لانتهاء الغاية، وهو أحد معانيها التي يذكرها بعد، نحو قولك: هديته للطريق، كهديته إليه. قال الله تعالى: ﴿وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾. كقوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى
стр. 1885
صراط مستقيم﴾. وقال تعالى: ﴿بأن ربك أوحى لها﴾. فاللام بمعنى إلى كقوله: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾. وقال العجاج:
* وحى لها القرار فاستقرت *
ووحى وأوحى بمعنى واحد. ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿حتى إذا أقلت سحابًا ثقالًا سقناه لبلٍد ميٍت﴾. لقوله في الآية الأخرى: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابًا فسقناه إلى بلٍد ميٍت﴾. وقال: ﴿كل يجري لأجٍل مسمى﴾. وفي موضع آخر: ﴿كل يجري إلى أجٍل مسمى﴾.
وأما (إلى) فمثالها في انتهاء الغاية قولك: جئت من الدار إلى المسجد. وفي القرآن: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾. ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾. ﴿وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه﴾. ﴿إليه مرجعكم جميعًا﴾ ﴿وإليه ترجعون﴾. وأطلق القول
стр. 1886
في انتهاء الغاية، فدل على أنها في (إلى) لا تختص بالمكان، كما كانت (من) في ابتداء الغاية لا تختص بالمكان، فكما تقول: سرت من الدار إلى المسجد تقول: سرت من يوم الجمعة إلى يوم الخميس.
ومنه قول النابغة:
تورثن من أزمان يوم حليمٍة ... إلى اليوم قد جربن كل التجارب
وقال كثير:
وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم كالمقتضى بكل سبيٍل
وحكى الأخفش: / من الآن إلى غد. وفي الحديث: "فمطرنا من جمعة إلى جمعة". والكلام في (إلى) كالكلام في (من)، ولا يرد عليه هنا ما ورد عليه
стр. 1887
من كون الغاية توجد لا في زمان ولا في مكان، كما قال سيبويه: "وتقول - إذا كتب كتابًا: من فلان إلى فلان"؛ لأنه أطلق القول هنا في الغاية، ولم يقيدها بالزمان والمكان، كما فعل في (من) فكان كلامه ها هنا محررًا.
وقوله: (ومن وباء يفهمان بدلًا) يعني أن هذين الحرفين، وهما (من)، والباء يكونان لمعنى البدلية، أي: عن ما دخلا عليه يفهمان أنه أبدل منه غيره.
فأما (من) فهو المعنى الرابع، أو الخامس لها من المعاني المذكورة لها قبل، مثال ذلك: رضيت من إكرامك بالكلام الحسن. وفي القرآن: ﴿ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلقون﴾. ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة﴾.
وقال الشاعر - ويقال هو أبو الغول الطهوي:
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
وأما الباء: فمعنى البدلية من جملة معانيها التي يذكرها بعد، وذلك نحو: عوضت كذا بكذا. ومن قول رافع بن خديٍج ﵁: "ما يسرني
стр. 1888
أني شهدت بدرًا بالعقبة".
وقال الطهوي المذكور:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شدوا الإغارة فرسانًا وركبانا
وعلامة كون الباء أو (من) للبدلية صحة وقوع (بدل) موقعها، وكان قول الناظم: (يفهمان بدلًا) يشير إلى هذا، أي: يفهمان معنى هذا اللفظ حتى يصح وقوعه موقعه، وهو صحيح، والله أعلم.
واللام للملك وشبهه وفي ... تعديٍة أيضًا، وتعليٍل قفي
وزيد، والظرفية استبن ببا ... و (في) وقد يبينان السببا
هذه معاني اللام الجارة، وذكر هنا أنها تجيء على قسمين: زائدة، وغير زائدة، فغير الزائدة تتصرف على خمسة أوجه من المعنى: فتأتي للملك، ولشبه الملك، وللتعدية، وللتعليل، والخامس: ما ذكره قبل من انتهاء الغاية.
أما كونها للملك فمعناه أن مجرورها مالك لما ذكر قبلها أو بعدها في الكلام، ومثال ذلك: المالك لزيٍد، والدابة لعمرٍو، ومن ذلك قولنا: إنا لله وإنا إليه راجعون. وفي القرآن: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾. ﴿إن الأرض لله﴾ الآية. وهو كثير.
стр. 1889
وأما كونها لشبه الملك: فيدخل تحته أشياء: منها الاستحقاق، نحو: الجلباب للجارية، والسرج للدابة، والجل للفرس، ومنها النسب، ويعبر عنه بالتخصيص أيضًا، نحو: لزيٍد عم، ولعمرٍو خال، وأما أبوك فلك أب، وما أشبه ذلك.
ومنها التمليك الذي عده في التسهيل نحو: وهبت لزيد، وشبه التمليك، نحو: ﴿والله جعل لكم الأرض بساطًا﴾. ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾. ومنه قولهم: أدوم لك ما تدوم لي.
وفي الشعر ما أنشده في الشرح:
ما لمولاك كنت كان لك المو ... لي ومثل الذي تدين تدان
ومنها المقابلى لعلى/ نحو: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾.
وقال النمر بن تولب:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
ومنها اللام التي سماها لام التبليغ: وهي التي تأتي مع قول أو ما في معناه، نحو:
стр. 1890
قلت له، وبينت له، وأذنت له، وفسرت له، وما أشبه ذلك، فكل هذه الأنواع داخلة تحت شبه الملك.
وأما التعدية: فإن المؤلف لم يذكر اللام - حيث استوفى معانيها - معنى تعديٍة، ولا ذكر أحد من المتقدمين - فيما أعلم - لها هذا المعنى. وأيضًا فليست التعدية من المعاني التي وضعت الحروف لها، وإنما ذلك أمر لفظي مقصوده إيصال الفعل الذي لا يستقل بالوصول بنفسه إلى الاسم فيتعدى الفعل إلى ذلك الاسم بوساطة ذلك الحرف، وهذا القصد يشترك فيه جميع حروف الجر، فإنها وضعت لأن توصل الأفعال إلى الأسماء، فهي كما قالوا في الواو التي بمعنى مع في باب المفعول معه، و (إلا) في باب الاستثناء وما أشبه ذلك؛ ولأجل هذا المعنى سميت حروف إضافٍة، فإنها تضيف الأفعال إلى الأسماء ولم تكن الأفعال لتصل إليها دون تلك الحروف، فإذا توسطت صار الاسم مطلوبًا للفعل وصار في موضع نصب به، ولذلك تعطف على موضع الحرف نصبًا. وبهذا المعنى فسر السيرافي قول سيبويه: "ولكنها - يعني حروف الجر - يضاف بها إلى الاسم ما قبله أو ما بعده"، وهذا الحكم في هذه الحروف غير منفرد عن معانيها التي وضعت لها؛ فلذلك صار هذا الموضع مشكلًا جدًا، وقد فسر ابنه التعدية بنحو: ﴿فهب لي من لدنك وليا﴾، وقلت له: افعل. ومعنى التعدية في هذا غير ظاهر إلا بالمعنى العام لجميع الحروف، وأيضًا قد جعل أبوه لما مثل به من ذلك معنى غير التعدية، فجعل للمثال الأول معنى التمليك، وللثاني معنى التبليغ. ولقائل أن يقول: قد
стр. 1891
جاءت الباء للتعدية في نحو: ذهبت به بمعنى أذهبته، كقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾. فلم لا تكون اللام كذلك؟
والجواب عنه: أن ذلك لم يثبت في اللام، كما ثبت عند الجمهور في الباء؛ إذ لا يقال: دخلت لزيٍد، بمعنى أدخلته، كما يقال: دخلت به، فالتعدية على هذا المعنى غير ثابتٍة للام مطلقًا، بل ولا لحرٍف من حروف الجر عند المبرد.
وأقرب ما يعتذر به عنه أن يريد بلام التعدية اللام التي تلحق المفعول به للمتعدي في الأصل بنفسه لضعٍف لحقه أن يبقى على أصله، فكأنه لما ضعف عن تعديه بنفسه بإطلاٍق قوي باللام، فصارت اللام لاختصاصها بتقوية ما صار ضعيفًا تسمى لام التعدية، ولذلك مواضع:
أحدها: أن يتقدم معمول الفعل المتعدي بنفسه، فيجوز دخول اللام على المفعول قياسًا، فيتعدى الفعل بها، نحو قولك: لزيٍد ضربت، ولزيٍد أعطيت درهمًا. وفي القرآن/ الكريم: ﴿إن كنتم للرويا تعبرون﴾. ويقاس على هذا، ولا يقتصر به على السماع.
والثاني: ما كان من العوامل فرعًا عن الفعل المتعدي بنفسه كاسم الفاعل، والمفعول، وأمثلة المبالغة، فإن الفرع لا يقوى في أحكامه قوة الأصل، نحو: هذا ضارب زيدًا، فتقول: هذا ضارب لعمرٍو. ومنه في القرآن: ﴿إن ربَّك
стр. 1892
فعال لما يريد﴾. وهذا أيضًا قياس مطرد، وكذلك المصدر الموصول كقولك: أعجبني ضربك زيدًا، فجائز أن تقول: ضربك لزيٍد؛ لأنه فرع، والفروع لا تقوى قوة الأصول.
والثالث: ما كان من الأفعال المتعدية قد بني للتعجب على صيغة (ما أفعله) نحو: ما أضرب زيدًا لعمرٍو وما أعطى زيدًا لعمرٍو الدراهم. قالت طائفة: إنما دخلت اللام على المفعول به في الأصل؛ لضعف الفعل بدخول معنى التعجب فيه، كما ضعف الفعل حين قدم مفعوله عليه؛ لأن الفعل قد رد في التعجب إلى (فعل)، و (فعل) ضعيفة مختصة بغير المتعدي، وإنما تعدى بنفسه إلى المفعول الآخر من أجل النقل بالهمزة. وهذا توجيه حسن.
والرابع: الفعل النائب عنه حرف النداء، إذا دخله معنى التعجب أو الاستغاثة جاز جره باللام، وقد كان قبل دخول ذلك المعنى يصل بنفسه؛ لأنه لما حذف الفعل ودخله معنى الإنشاء ضعف عن التعدي بنفسه، وخص ذلك بباب الاستغاثة والتعجب لما دخل على إنشاء النداء إنشاء آخر، فكانت اللام مقوية للعامل على التعدي، وهو معنى كون اللام معدية، وذلك أن اللام في هذه المواضع لم يؤت بها لإفادة معنى زائٍد قصد الإتيان به زيادًة على التعدية، وإلا كان سائر حروف الجر آتيًا فيها عند قصد معانيها، وليس كذلك. فهذا دليل على قصد التعدية وحده دون الالتفات إلى المعاني التي وضعت لها، ولكن لما كان هذا محتاجًا إليه في الكلام على الجملة صار هذا
стр. 1893
الاستعمال نحوًا من أنحاء اللام، فعده الناظم.
فإن قيل: أما في باب التعجب فقد نص في غير هذا الكتاب على أن المتعدي بنفسه يتعدى فيه باللام، فالظاهر ما تقدم فيه. وأما لام الاستغاثة: فيمكن أن يقول به، ولم ينص فيه على مخالفٍة. وأما ما عدا ذلك فقد نص في التسهيل على زيادتها، وأنها ليست للتعدية؛ إذ قال: "وتزاد مع مفعول ذي الواحد قياسًا في نحو: ﴿للرويا تعبرون﴾، ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾. وإذا كانت عنده زائدة بطل كونها للتعدية عنده، ولم يصح ذلك التفسير المتقدم.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه يمكن أن يكون هنا رأي خلاف ما رآه هنا؛ لوجٍه ظهر له، ودليٍل عن له. وهذا من عادته، فقد يرى هنا ما يرى في التسهيل خلافه، وقد مضى من هذا مواضع، وستأتي أخر يقع التنبيه عليها إن شاء الله لله تعالى.
والثاني: أن القول/ هنا بالزيادة على خلاف الدليل من وجهين:
أحدهما: أنه خروج عن أصل وضع الحروف، وذلك لا يصلح إلا إذا اضطر إليه، ولم يوجد عنه مندوحة، وقد وجدت بما ظهر له هنا.
والآخر: أن العلة في زيادتها عنده في هذا الموضع ضعف العامل عند تقدم المعمول على العامل، أو كونه فرعًا عن مباشرة العامل فيه بنفسه، وهذه العلة
стр. 1894
أولى في الاعتلال لقصد التعدي باللام منها لقصد الزيادة؛ إذ لا يناسب ضعف العامل زيادة اللام من حيث هي زيادة ويناسب الإتيان بها للتعدية، فإن أراد بالزيادة هذا المعنى فصحيح، ويرجع الخلاف في اللفظ، وسماها زائدة بمعنى أن العامل مما يصل بنفسه على الجملة، فعدي بحرف، ولا مشاحة في الألفاظ، وقد أطلق لفظ الزيادة على اللام هنا شيخنا الأستاذ - رحمة الله عليه، ثم قال: ويمكن أن يقال: إنها في هذه المواضع غير زائدٍة، ولكنها لتعدية ما ضعف عن التعدي إما بالتأخر، وإما بكون عمله غير أصيٍل، كما قالوا في لام المستغاث ونحوها، فكأنه ﵀ أجاز الإطلاقين باعتبارين، والذي يصح دعوى الزيادة فيه ما كان نحو: ﴿ردف لكم﴾؛ لأنه لا وجه لدخول اللام المعدية هنا؛ لعدم الموجب إلا أن يقال ما يقال في نحو: نصحت لك، وكلت لك على القول بأنهما أصلان في نحو: جئتك، وجئت إليك، فيمكن - وقد أشار إليه ابن أبي الربيع، فلا زيادة إذًا في نحو: ﴿ردف لكم﴾.
فإن قيل: كيف حملت القول بالزيادة وعدمها على أنه خلال في لفٍظ، والخلاف موجود نقلًا، فمنهم من قال: إنها توجد زائدة، ومنهم من قال: لا تكون زائدًة البتة، والقائل الأول هو المبرد، واستدل بقوله: ﴿للرؤيا تعبرون﴾. وبقوله: ﴿ردف لكم﴾. ورد عليه بأن (ردف لكم) مضمن معنى الوصول، فلذلك تعدى باللام وأن (للرؤيا تعبرون) قد ضعف العامل فيه عن الطلب، فقوي. فهذا كله نزاع معنوي لا لفظي.
стр. 1895
فالجواب: أن تحقيق الخلاف راجع إلى ما تقدم، فإن أراد القائل بالزيادة أنها لم تأت لقصٍد آخر أصلًا، فقوله غير صحيح؛ إذ لو كانت اللام في نحو: ﴿للرؤيا تعبرون﴾. كما قال، وقد كثر ذلك فيها مع التقدم لكانوا خلقاء أن يزيدوها مع التأخير كثيرًا حتى يصير قياسًا، لكن ذلك باطل، فما أدى إليه كذلك، فلما اختصت بالتقديم، أو بكون العامل فرعًا، دل على أن الزيادة لقصٍد، وهو معنى كونها غير زائدة.
ثم دلنا الدليل أن التقديم يضعف به العامل عن طلب المعمول بدليل أنك تقول: زيد ضربت، فلا يتسلط (ضربت) على (زيد)، ولا تقول: ضربت زيد البتة، وما ذاك إلا أن التقديم يضعف العامل عن العمل في ذلك المقدم، فذلك بعينه هو السبب في دخول اللام كثيرًا، وأن اللام لتقوية الفعل على الوصول إلى ذلك المتقدم، وهو معنى التعدية.
وأما كون اللام للتعليل، وهو معنى السببية، / أي أن المجرور بها على
للحكم المذكور قبلها أو بعدها، فمثاله: جئت لكرمك، وأتيتك لنيل فضلك، وكلمتك لنصحك، ومنه: كل لامٍ دخلت على المفعول له. ومنه بالتأويل قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس﴾ الآية.
وقد جعل الزمخشري من ذلك ما كان نحو قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه﴾. وقوله: ﴿وقالت أخراهم لأولاهم﴾. ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يوتيهم الله خيرًل﴾. وما أشبهه من القول المحكي
следующие страницы →