Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
جاءت الباء للتعدية في نحو: ذهبت به بمعنى أذهبته، كقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾. فلم لا تكون اللام كذلك؟
والجواب عنه: أن ذلك لم يثبت في اللام، كما ثبت عند الجمهور في الباء؛ إذ لا يقال: دخلت لزيٍد، بمعنى أدخلته، كما يقال: دخلت به، فالتعدية على هذا المعنى غير ثابتٍة للام مطلقًا، بل ولا لحرٍف من حروف الجر عند المبرد.
وأقرب ما يعتذر به عنه أن يريد بلام التعدية اللام التي تلحق المفعول به للمتعدي في الأصل بنفسه لضعٍف لحقه أن يبقى على أصله، فكأنه لما ضعف عن تعديه بنفسه بإطلاٍق قوي باللام، فصارت اللام لاختصاصها بتقوية ما صار ضعيفًا تسمى لام التعدية، ولذلك مواضع:
أحدها: أن يتقدم معمول الفعل المتعدي بنفسه، فيجوز دخول اللام على المفعول قياسًا، فيتعدى الفعل بها، نحو قولك: لزيٍد ضربت، ولزيٍد أعطيت درهمًا. وفي القرآن/ الكريم: ﴿إن كنتم للرويا تعبرون﴾. ويقاس على هذا، ولا يقتصر به على السماع.
والثاني: ما كان من العوامل فرعًا عن الفعل المتعدي بنفسه كاسم الفاعل، والمفعول، وأمثلة المبالغة، فإن الفرع لا يقوى في أحكامه قوة الأصل، نحو: هذا ضارب زيدًا، فتقول: هذا ضارب لعمرٍو. ومنه في القرآن: ﴿إن ربَّك
стр. 1892
فعال لما يريد﴾. وهذا أيضًا قياس مطرد، وكذلك المصدر الموصول كقولك: أعجبني ضربك زيدًا، فجائز أن تقول: ضربك لزيٍد؛ لأنه فرع، والفروع لا تقوى قوة الأصول.
والثالث: ما كان من الأفعال المتعدية قد بني للتعجب على صيغة (ما أفعله) نحو: ما أضرب زيدًا لعمرٍو وما أعطى زيدًا لعمرٍو الدراهم. قالت طائفة: إنما دخلت اللام على المفعول به في الأصل؛ لضعف الفعل بدخول معنى التعجب فيه، كما ضعف الفعل حين قدم مفعوله عليه؛ لأن الفعل قد رد في التعجب إلى (فعل)، و (فعل) ضعيفة مختصة بغير المتعدي، وإنما تعدى بنفسه إلى المفعول الآخر من أجل النقل بالهمزة. وهذا توجيه حسن.
والرابع: الفعل النائب عنه حرف النداء، إذا دخله معنى التعجب أو الاستغاثة جاز جره باللام، وقد كان قبل دخول ذلك المعنى يصل بنفسه؛ لأنه لما حذف الفعل ودخله معنى الإنشاء ضعف عن التعدي بنفسه، وخص ذلك بباب الاستغاثة والتعجب لما دخل على إنشاء النداء إنشاء آخر، فكانت اللام مقوية للعامل على التعدي، وهو معنى كون اللام معدية، وذلك أن اللام في هذه المواضع لم يؤت بها لإفادة معنى زائٍد قصد الإتيان به زيادًة على التعدية، وإلا كان سائر حروف الجر آتيًا فيها عند قصد معانيها، وليس كذلك. فهذا دليل على قصد التعدية وحده دون الالتفات إلى المعاني التي وضعت لها، ولكن لما كان هذا محتاجًا إليه في الكلام على الجملة صار هذا
стр. 1893
الاستعمال نحوًا من أنحاء اللام، فعده الناظم.
فإن قيل: أما في باب التعجب فقد نص في غير هذا الكتاب على أن المتعدي بنفسه يتعدى فيه باللام، فالظاهر ما تقدم فيه. وأما لام الاستغاثة: فيمكن أن يقول به، ولم ينص فيه على مخالفٍة. وأما ما عدا ذلك فقد نص في التسهيل على زيادتها، وأنها ليست للتعدية؛ إذ قال: "وتزاد مع مفعول ذي الواحد قياسًا في نحو: ﴿للرويا تعبرون﴾، ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾. وإذا كانت عنده زائدة بطل كونها للتعدية عنده، ولم يصح ذلك التفسير المتقدم.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أنه يمكن أن يكون هنا رأي خلاف ما رآه هنا؛ لوجٍه ظهر له، ودليٍل عن له. وهذا من عادته، فقد يرى هنا ما يرى في التسهيل خلافه، وقد مضى من هذا مواضع، وستأتي أخر يقع التنبيه عليها إن شاء الله لله تعالى.
والثاني: أن القول/ هنا بالزيادة على خلاف الدليل من وجهين:
أحدهما: أنه خروج عن أصل وضع الحروف، وذلك لا يصلح إلا إذا اضطر إليه، ولم يوجد عنه مندوحة، وقد وجدت بما ظهر له هنا.
والآخر: أن العلة في زيادتها عنده في هذا الموضع ضعف العامل عند تقدم المعمول على العامل، أو كونه فرعًا عن مباشرة العامل فيه بنفسه، وهذه العلة
стр. 1894
أولى في الاعتلال لقصد التعدي باللام منها لقصد الزيادة؛ إذ لا يناسب ضعف العامل زيادة اللام من حيث هي زيادة ويناسب الإتيان بها للتعدية، فإن أراد بالزيادة هذا المعنى فصحيح، ويرجع الخلاف في اللفظ، وسماها زائدة بمعنى أن العامل مما يصل بنفسه على الجملة، فعدي بحرف، ولا مشاحة في الألفاظ، وقد أطلق لفظ الزيادة على اللام هنا شيخنا الأستاذ - رحمة الله عليه، ثم قال: ويمكن أن يقال: إنها في هذه المواضع غير زائدٍة، ولكنها لتعدية ما ضعف عن التعدي إما بالتأخر، وإما بكون عمله غير أصيٍل، كما قالوا في لام المستغاث ونحوها، فكأنه ﵀ أجاز الإطلاقين باعتبارين، والذي يصح دعوى الزيادة فيه ما كان نحو: ﴿ردف لكم﴾؛ لأنه لا وجه لدخول اللام المعدية هنا؛ لعدم الموجب إلا أن يقال ما يقال في نحو: نصحت لك، وكلت لك على القول بأنهما أصلان في نحو: جئتك، وجئت إليك، فيمكن - وقد أشار إليه ابن أبي الربيع، فلا زيادة إذًا في نحو: ﴿ردف لكم﴾.
فإن قيل: كيف حملت القول بالزيادة وعدمها على أنه خلال في لفٍظ، والخلاف موجود نقلًا، فمنهم من قال: إنها توجد زائدة، ومنهم من قال: لا تكون زائدًة البتة، والقائل الأول هو المبرد، واستدل بقوله: ﴿للرؤيا تعبرون﴾. وبقوله: ﴿ردف لكم﴾. ورد عليه بأن (ردف لكم) مضمن معنى الوصول، فلذلك تعدى باللام وأن (للرؤيا تعبرون) قد ضعف العامل فيه عن الطلب، فقوي. فهذا كله نزاع معنوي لا لفظي.
стр. 1895
فالجواب: أن تحقيق الخلاف راجع إلى ما تقدم، فإن أراد القائل بالزيادة أنها لم تأت لقصٍد آخر أصلًا، فقوله غير صحيح؛ إذ لو كانت اللام في نحو: ﴿للرؤيا تعبرون﴾. كما قال، وقد كثر ذلك فيها مع التقدم لكانوا خلقاء أن يزيدوها مع التأخير كثيرًا حتى يصير قياسًا، لكن ذلك باطل، فما أدى إليه كذلك، فلما اختصت بالتقديم، أو بكون العامل فرعًا، دل على أن الزيادة لقصٍد، وهو معنى كونها غير زائدة.
ثم دلنا الدليل أن التقديم يضعف به العامل عن طلب المعمول بدليل أنك تقول: زيد ضربت، فلا يتسلط (ضربت) على (زيد)، ولا تقول: ضربت زيد البتة، وما ذاك إلا أن التقديم يضعف العامل عن العمل في ذلك المقدم، فذلك بعينه هو السبب في دخول اللام كثيرًا، وأن اللام لتقوية الفعل على الوصول إلى ذلك المتقدم، وهو معنى التعدية.
وأما كون اللام للتعليل، وهو معنى السببية، / أي أن المجرور بها على
للحكم المذكور قبلها أو بعدها، فمثاله: جئت لكرمك، وأتيتك لنيل فضلك، وكلمتك لنصحك، ومنه: كل لامٍ دخلت على المفعول له. ومنه بالتأويل قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس﴾ الآية.
وقد جعل الزمخشري من ذلك ما كان نحو قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه﴾. وقوله: ﴿وقالت أخراهم لأولاهم﴾. ﴿ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يوتيهم الله خيرًل﴾. وما أشبهه من القول المحكي
стр. 1896
على الغيبة. ومنه قول أبي الأسود الدؤلي:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدًا وبغيًا: إنه لذميم
وعلامة هذه اللام أن يصح تقدير (من أجل) أو (بسبب) في موضعها.
و(قفي) في كلام الناظم فعل مبني للمفعول من: قفوت أثره، أي اتبعته، والضمير فيه اللام.
وقوله (في تعديٍة) متعلق به، والتقدير: وقفي اللام في التعدية والتعليل، أي اتبع واعتمد يعني أن ذلك ثابت في اللام من كلام العرب.
وأما الزائدة: فهي التي نبه عليها بقوله: (وزيد)، والضمير اللام، وكل حرف من حروف المعجم يجوز تذكيره وتأنيثه، فمن التذكير قول الراجز:
* وكافًا وميمين وسينًا طاسما *
ومن الثابت قول الآخر أنشدهما معًا سيبويه:
* كما بينت كاف تلوح وميمها *
стр. 1897
ويعني أن العرب زادت اللام لغير معنى من تلك المعاني، بل جعلت دخوله كخروجه وأكثر زيادته بالسماع. فمن ذلك الآية الكريمة: ﴿قل عسى أن يكون ردف لكم﴾. وقد تقدم. ومثل ذلك قول ملحة الجرمي:
عملس أسفاٍر إذا استقبلت له ... سموم كحر النار لم يتثلم
أراد استقبلته.
ومن ذلك أيضًا قول النابغة:
قالت بنو عامٍر خالوا بني أسٍد ... يا بوس للحرب ضرارًا لأقوام
وقول سعد بن مالك بن قيس بن ضبيعة جد طرفة:
يا بوس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا
أراد: يا بوس الحرب، ثم أقحمت اللام بين المضاف والمضاف إليه. وهذا مختص بالشعر، وكذلك قول الآخر، وهو أضعف:
стр. 1898
فلا والله لا يلفى لما بي ... ولا للما بهم أبدًا دواء
أي: ولا لما بهم، فزاد اللام ضرورة، وتزاد قياسًا على مذهب الجمهور بين المضاف والمضاف إليه في باب (لا)، نحو: لا أبا لك، ولا يدي لك بهذا الأمر.
وأنشد سيبويه:
أهدموا بيتك لا أبا لكل ... وزعموا أنك لا أخا لكا
فأنا أمشي الدالي حوالكا
إلا أن ابن مالك لم يرتض هذا المذهب في الشرح، ولم يتكلم في هذا النظم على هذه اللام فيظهر أنه موافق للشرح أو مخالف.
ثم قال: (والظرفية استبن بيا)، الظرفية مفعول بـ (استبن)، ومعنى استبان: عرف، يقال: استبان الشيء بمعنى ظهر، واستبنته أنا: عرفته، فهو يتعدى ولا
стр. 1899
يتعدى، فأتي الناظم بالمتعدي، فالمعنى: أعرف الظرفية بسبب الباء أو أعرف الظرفية في الباء وفي، فتكون الباء في (ببا) سببية أو ظرفية، ويريد أن هذين الحرفين يأتيان لمعنى الظرفية، فيكون ما جر بهما ظرفًا للفعل الواقع قبلهما أو بعدهما.
فأما الباء: فمعنى الظرفية لها هو ثاني معنى تأتي له؛ لأنه قدم لها معنى البدلية / وسيذكر باقي معانيها التي قصد ذكرها، ومثال الظرفية فيها قولك:
زيد بالبصرة، وأقمت بمكة، وفي القرآن الكريم: ﴿وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا﴾. ﴿وما كنت بجانب الطور إذ نادينا﴾. ﴿إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى﴾. ﴿ولقد نصركم الله ببدٍر وأنتم أذلة﴾. ﴿إلا آل لوٍط نجيناهم بسحر﴾. ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل﴾. وعلامة كونها للظرفية صحة وقوع (في) موقعها، وهي علامة أكثرية ينكسر أطرادها، بقولهم: علمت به، وظننت به، وهي عندهم للظرفية، ولا تقع موقعها (في).
وأما (في): فالظرفية فيها ظاهرة أيضًا، كقولك: زيد في الدار، والمال في الكيس. ومنه قوله تعالى: ﴿واذكروا الله في أياٍم معدوداٍت﴾. ﴿ويذكروا
стр. 1900
اسم الله في أياٍم معلومات﴾. ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾. ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾. إلا أن الظرفية فيهما قد تكون حقيقية، وذلك كما في الأمثلة، وقد تكون مجازية، كما في قولك: فلان ينظر في العلم. وفي القرآن: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾. ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾. ﴿لقد كان في قصصهم عبرة الأولي الألباب﴾. وفي الباء نحو: علمت به، وظننت به بمعنى جعلته موضع علمي أو ظني.
ثم قال: (وقد يبينان السببا) ضمير (يبينان) عائد على الباء وفي، يعني أنهما قد يأتيان لمعنى السببية، فيبينان معناها بمعنى أن المجرور بهما يكون سببًا لما ذكر قبلهما أو بعدهما. فأما الباء فقولك: أكرمتك بإكرامك زيدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾. وقوله: ﴿فبظلٍم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيباٍت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا﴾. ﴿فبما رحمٍة من الله لنت لهم﴾. وقال الشاعر:
ولكن الرزية فقد شخص ... يموت بموته بشرٌ كثيرٌ
стр. 1901
وهذا معنى ثالث ذكره للباء؛ إذ قدم معنى البدلية والظرفية. وأما (في) فلم يقدمها لها معنى إلا الظرفية، وهذا معنى ثاٍن لها، ومثالها في السببية: عذلتك في حب فلان، وأحببتك في لومه. ومنه في القرآن: ﴿لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ ﴿قالت فذلكم الذي لمتنبي فيه﴾. وفي الحديث: "عذبت امرأة في هرٍة ربطتها". فمعنى (في) هنا السببية؛ ولذلك يصح في موضعها (بسبب). ومن ذلك قول الشاعر:
فليت رجالًا فيك قد نذروا دمي ... وهموا بقتلي يا بثين لقولي
وهنا مسألتان:
إحداهما: أن السببية التي ذكر هنا بمعنى التعليل كما تقدم في الأمثلة.
وقد أطلق في التسهيل عليها لفظ التعليل، أعني على (في)، وأطلق على الباء التي يسميها النحويون باء الاستعانة باء السببية، نحو: كتبت بالقلم، وقطعت بالسكين، وضربته بالسوط. واعتذر عن إيثار هذا الإطلاق الذي اصطلح عليه
стр. 1902
من أجل الأفعال المنسوبة إلى الله عز/ وجل، فإن استعمال السببية فيها يجوز، واستعمال الاستعانة فيها لا يجوز، نحو قوله تعالى: ﴿فأخرج به من الثمرات رزقًا لكم﴾. ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات﴾. ﴿فأخرجنا به نبات كل شيء﴾. وهذا الإطلاق لم يرده الناظم هنا، ولا أراد بالسببية إلا معنى التعليل؛ لأنه شرك مع الباء (في)، و (في) لا تأتي للاستعانة أصلاً، وتأتي للتعليل كما تبين.
وأيضًا فسيذكر للباء معنى الاستعانة على إثر هذا، فهو هنا فيما يظهر لبادي الرأي موافق لإطلاق النحويين ومفارق لنظره في استحداث ذلك الاصطلاح.
وسيأتي توجيه الموضع بما يمكن بحول الله.
والثانية: أن قوله: (وقد يبينان السبب) يقتضي أن هذا المعنى فيهما قليل. وهذا مسلم في (في) إن سلم ما قال فيها، فإن كونها لمعنى السببية قليل. أما إن قيل بنفي هذا المعنى فواضح. وأما الباء فالسببية فيها معنى شهير كثير لا يوصف بالقلة، فإتيانه بقد المعطية لمعنى التقليل غير محرر، والله أعلم. ثم أخذ في تكميل معاني الباء فقال:
بالبا استعن وعد عوض ألصق ... ومثل مع ومن وعن بها انطق
فذكر لها في هذين البيتين سبعة معاٍن، فجميع ما ذكر للباء عشرة معانٍ:
الأول: الاستعانة، وهو قوله: (بالبا استعن) أي اجعلها في الكلام لمعنى الاستعانة، وهي في محصول الأمر الباء الداخلة على الآلات، نحو: كتبت بالقلم، فالقلم آلة يحصل بها للكاتب الكتب، وكذلك: ضربت بالسوط،
стр. 1903
وقطعت بالسكين. ومنه في القرآن: ﴿الذي علم بالقلم﴾. ﴿ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾. واعلم أنه حيث أثبت معنى الاستعانة للباء هنا يلزمه أحد أمرين:
إما أن يطلق القول بذلك بالنسبة إلى ما جاء للعباد، وما جاء لله ، فيلزم من ذلك أن يطلق على الله لفظ الاستعانة، وأنه مستعين، كما أن العبد مستعين، وذلك لا يجوز كما قال في الشرح، فإن الله هو المستعان، وليس بالمستعين.
وإما أن يقال: إن الباء للسببية بالنسبة إلى الله تعالى في نحو: ﴿فأخرجنا به من كل الثمرات﴾ فيلزم مثل ذلك فيما كان راجعًا إلى العباد، ويرتفع معنى الاستعانة عن الباء جملة؛ فلا يكون إتيانه به هنا صحيحًا على هذا التقدير، فعلى كلا التقديرين يلزم المحذور.
والجواب عن ذلك من ثلاثة أوجٍه:
أحدها: أن القرآن إنما نزل بلسان العرب على حسب ما يخاطب به بعضهم بعضًا وعلى ما يتعارفون بينهم، ومن جملة ما تعارفوا أن وضعوا الباء تدل على أن ما دخلت عليه آلة للفعل، وهي التي سماها النحاة المتأخرون باء الاستعانة، فإذا جاء في القرآن من خطاب الله للعباد ما هو على ذلك التقرير، فلا نكر فيه بناء على أن كتاب الله أنزل على قانون كلام العباد، كما أنه لا نكر في دخول أداة الترجي في خطاب الله تعالى للعباد في نحو: ﴿لعلة يتذكر أو يخشى﴾. وقوله:
стр. 1904
﴿عسى الله أن يتوب عليهم﴾. / بناء على جريانه على قانون كلام العباد، فباء الآلات التي تسمى في الاصطلاح باء الاستعانة كلعل وعسى اللتين تسميان حرفي ترج، والترجي والاستعانة على الله محال.
فإذا قيل: لا يقول ابن مالك لأن لعل وعسى للترجي في الآيتين، بل للتعليل. قيل: فقد قال: إن لعل في قوله: ﴿لعلك باخع نفسك﴾. إنها للإشفاق، ونسبة الإشفاق إلى الله كنسبة الترجي إليه في أن ذلك عليه مستحيل.
فإن قيل: فإن في ذلك الإطلاق إبهامًا فيجتنب.
قيل: فكذلك في إطلاق لفظ الترجي والإشفاق، فكما يسوغ أن تقول في (لعل) مثلًا أنها للترجي أو للإشفاق بإطلاٍق، مع تنزه الله عن الاتصاف بهما، فكذلك تقول في الباء إنها للاستعانة إذا دخلت على الآلات بإطلاق مع تنزه الله عن الاستعانة.
والثاني: أن معنى الاستعانة لا يلزم فيه أن يكون المستعين مفتقرًا إلى الآلة المستعان بها ولا بد، بل معنى ذلك إيقاع الفعل بآلةٍ، وقد يكون الفاعل غنيًا عن الآلة، وقد يكون مفتقرًا إليها، فلا يكون معنى الاستعانة مفهومًا من هذا الاصطلاح، ولا فرق بين قولك: باء الاستعانة وبين قولك: الباء الداخلة على الآلات، أو الدالة على أن المجرور بها آلة، أو نحو ذلك، فالخلاف إذًا في لفٍظ ليس تحته معنى يخالف فيه.
فإن قيل: كيف يصح أن ينسب إلى الله تعالى الفعل بآلة.
стр. 1905
قيل: يصح على الوجه الذي ينسب إليه الفعل بسبٍب.
فإن قيل: إن الآلة تقتضي الاحتياج إليها.
قيل: فيلزم أن يكون السبب مقتضيًا للاحتياج إليه.
فإن قلت في السبب: إن الله مسببه، فكذلك الآلة الله مصيرها آلة، فهو خالق الآلة وما صنع بها، وخالق السبب والمسبب عنه.
فإن قلت: الآلة تقتضي أن لها فعلًا لا يكون دونها.
قيل: فكذلك السبب، [لأنه] من حيث وضع سببًا، إنما وجد المسبب بوساطته حتى إذا [لم يوجد السبب] لم يوجد المسبب، فقد صار المحذور المتوهم في الآلة لازمًا في السبب، فإن لزم في القول بباء الآلة أمر لزم مثله في القول بباء السبب، فلزم ابن مالك ما فر منه.
فإن قيل: فالمراد إذًا من باء السبب وباء الاستعانة معنى واحد، وإذا كان كذلك فما أطلقه المؤلف على الباءين من المعنى الواحد لا محذور فيه، إذ لم يلزم فيهما محذور في كلام الله تعالى.
قيل: إطلاقه على باء الاستعانة أنها باء السبب خطأ؛ بل معقول السببية غير معقول الاستعانة، فجعل إحداهما هي الأخرى مخالف للوضع والمعقول، فإن السبب علة معقول وجد الفعل لأجلها، وليس كذلك الآلة؛ ولذلك تقول: أكرمتك بإكرامك إياي، فيعقل منه أن إكرامه لك علة في إكرامك له لا آلة؛ لأن الإكرام لا يتوهم فيه أنه آلة. وتقول: كتبت
стр. 1906
بالقلم، فيعقل منه أن القلم آلة لا علة؛ إذ لا يتوهم أن كتبك وقع بسبب القلم، وكذلك تفهم من قوله تعالى: ﴿الذي علم بالقلم﴾. أن/ القلم آلة التعليم، ولا يفهم أنه سبب التعليم. وهذا ظاهر.
والثالث: أنا إن سلمنا أن ما وقع من ذلك في كلام الله تعالى يجب حمله على أن الباء معناها السبب، فلا يجب ذلك في كلام العباد، بل نقول: إن قولك: كتبت بالقلم، وضربت بالسوط، وسائر ما تدخل الباء فيه على الآلات في كلام العباد تحمل الباء فيه على ظاهرها من الاستعانة؛ لظهور ذلك المعنى فيها.
ويحصل بهذه الطريقة الجمع بين كلامه هنا وتحرزه في الشرح، ويؤيد ذلك أن ما ذكره من الأمثلة في القرآن يظهر فيه معنى التعليل لصحة تقدير الباء بقولك (بسبب) أو (لأجل)، فتقول: فأخرجنا بسببه من كل الثمرات، وذلك صحيح بخلاف قولك: كتبت بالقلم كما تقدم.
والثاني من معاني الباء التعدية، وذلك قوله: (وعدى) أي: عد بها بمعنى أجعلها لذلك المعنى، ومعنى التعدية أن تدخل في الكلام على معمول الفعل، فيصير في المعنى كالمعدى بالهمزة، وذلك قولك: ذهبت به، بمعنى أذهبته، وخرجت به بمعنى أخرجته، وقعدت به، بمعنى أقعدته. ومنه في القرآن الكريم: ﴿ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم﴾. بمعنى: لأذهب سمعهم وأبصارهم؛ إذ لا يصح توهم المعنى الآخر؛ إذ فيه نسبة الذهاب إلى
стр. 1907
الله، وهو محال، وكذلك قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾. معناه: أذهب الله نورهم. ومنه قول امرئ القيس:
كميت يزل اللبلد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل
فالمعنى كما أزلت الصفواء المتنزل، وإلا فالصفواء لا تزل.
وقال قيس بن الخطيم:
ديار التي كادت ونحن على منى ... تحل بنا لولا نجاء الركائب
فالمعنى تحلنا. ومن كلامهم: تكلم فلان فما سقط بحرف، وما أسقط حرفًا، على معنى واحد، وأنكر المبرد أن تقع الباء للتعدية، وحمل ما جاء مما ظاهره ذلك على أنها للمصاحبة، وما تقدم من الأمثلة لا يسوغ له هذا التأويل في
стр. 1908
جميعها، فإنه إن ساغ له في الآية الأولى أن يقول إن المعنى: ولو شاء الله لذهب البرق بسمعهم، فيعيد الضمير على البرق - لم يسغ له في قوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، ولا في البيتين، ولا في المثال الآخر، فالأصح ما ذهب إليه الناظم من إثبات هذا المعنى للباء، وهو مذهب الجمهور.
والثالث: من معاني الباء التعويض وذلك قوله: (عوض)، والمراد: وعوض، فحذف العاطف على عادته، وكذلك في (الصق) يعني أنها تجيء أيضًا لمعنى التعويض، يريد أن يقع ما جر بها عوضًا مما بعدها أو قبلها أو معوضًا منه، ويشمل هذا الموضع موضعين مما ذكره في التسهيل، وهما معنى البدل، والمقابلة، كقولهم: اشتريت الفرس بألٍف، وقابلت الإحسان بضعٍف. وفي القرآن: ﴿أولائك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾. ﴿أولائك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة﴾. ويقال: بعته ناجزًا بناجٍز، والسمن منوان بدرهٍم. وقال الشاعر، وهو من أبيات الحماسة:
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شدوا الإغارة فرسانًا وركبانا
ومنه أيضًا/ قول الله تعالى: ﴿اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير﴾.
стр. 1909
وقال معن بن أوس:
وكنت إذا ما صاحب رام ظنه ... وبدل سوءًا بالذي كان يفعل
قلبت له ظهر المجن ولم أدم ... على ذاك إلا ريثما أتحول
وقال عبد الله بن الحارث يذكر نفي قريٍش له، ولمن أسلم من بلادهم:
وبدلت شبلًا شبل كل ضعيفٍة ... بذي فخٍر مأوى الضعاف الأرامل
وفي الحماسة قول الآخر:
أبدلها الله بلوٍن لونين ... سواد وجٍه وبياض عينين
وقال عدي بن زيد:
وبدل الفيج بالزرافة والـ ... أيام خون جم عجائبها
والرابع: من معاني الباء الإلصاق، وذلك قوله: (ألصق) يريد أن الباء تقع أيضًا للإلصاق، ومعنى الإلصاق: أن تأتي لمعنى وصل الشيء بالشيء حقيقة أو
стр. 1910
مجازًا، كقولك: مررت بزيٍد، ومسحت برأسي، وضربته بيدي، وما أشبه ذلك، وهي عند المؤلف: ما وقع في نحو: وصلت كذا بكذا. وخلطت كذا بكذا. وهو عند غيره على أعم من هذا، فإنها الأصل عندهم في معاني الباء، وما عدا ذلك من معانيها إلى معنى الإلصاق يرجع في الغالب، قال سيبويه: "وباء الجر إنما هي للإلصاق والاختلاط وذلك قولك: خرجت بزيد، ودخلت به وضربته بالسوط، ألصقت ضربك إياه بالسوط".
قال: "فما اتسع من هذا في الكلام، فهذا أصله" وما قاله صحيح، ولذلك قال الجزولي: "الباء للإلصاق، ويدخلها معنى الاستعانة، ومعنى الظرف، ومعنى المصاحبة".
قال الشلوبين - لما ذكر معانيها - ومعناها إنما هو الإلصاق، وما سوى ذلك من المعاني المذكورة، فليس بخارج عنه، أي أنه مناسب له. ولم يعول ابن مالك على هذا الأصل؛ بل عد لها ما كان أصلًا أو فرعًا بناء على أنها في أصل وضعها لذلك، حملًا على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره، وقد تقدم لهذا نظائر في كلامه.
والخامس: أن تأتي مرادفة في المعنى لـ (مع)، وذلك قوله: (ومثل مع ومن وعن بها انطق) مثل: منصوب بانطق، أي انطق بها مثل كذا، يريد أنها تقع مواقع هذه الأدوات على معانيها، فتنطبق بالباء في الموضع الذي تنطق فيه بمع،
стр. 1911
وكذلك ما ذكر معها، فأما كونها تقع بمعنى (مع) فهي التي تسمى باء المصاحبة، وهي التي يصلح في موضعها (مع)، ويغني عنها وعن مجرورها الحال، وذلك قولك: "المرء بأصغريه". أي مع أصغريه، ومصاحب لهما، وذهبت بزيد، أي مع زيٍد، وخرجت بثيابي، أي معها، ومصاحب لها.
وفي القرآن الكريم: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم﴾ أي مع الحق.
وقال تعالى: ﴿قيل يا نوح اهبط بسلاٍم منا وبركاٍت عليك﴾. أي مع سلام. وكذلك قوله: ﴿تنبت بالدهن﴾. وسمى هذه الباء في التسهيل باء المصاحبة.
وأما كونها تقع بمعنى (من)، وهو السادس من معانيها، فمثاله قول الله تعالى: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾. تقديره: يشرب منها، وعلى هذا حمل ابن قتيبة قوله تعالى: ﴿فإن لم يستجيبوا لكم فأعلموا أنما أنزل/ بعلم الله﴾.
أي: من علم الله. وقال أبو ذؤيب الهذلي.
стр. 1912
شربت بماء البحر ثم تصعدت ... متى لجٍج خضٍر لهن نئيح
وقال عنترة العبسي:
شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم
وقال عمر بن أبي ربيعة:
فلثمت فاها آخذًا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج
ولم يعين الناظم أي تصريف (من) تقع الباء موقعه، فيوهم أحد أمرين كلاهما محذور.
أحدهما: أن تكون واقعة موقع (من) في جميع تصاريفها، فيوتى بها لابتداء الغاية، وللتبعيض، ولبيان الجنس، ولغير ذلك من معاني (من).
والثاني: أن تقع موقعها في معنى واحٍد من تلك المعاني، وهو لم يبينه، فربما يسبق أنها تقع موقع التي لابتداء الغاية، أو لبيان الجنس، وذلك غير صحيح؛ لأنها إنما تقع موقع التبعيضية خاصة، كما تبين في التمثيل. وقد نص على ذلك في التسهيل إذ قال: "ومن التبعيضية"، فكان الواجب أن يقيد هنا كذلك. ويمكن أن يعتذر عنه بأنه أحال على ما وقع في كلام العرب من ذلك؛
стр. 1913
إذ لا توجد إلا بمعنى (من) التبعيضية، فلم يضطر إلى الاحتراز من غيرها. وليس هذا الاعتذار بجيٍد؛ لأنه لم يتكلم في المسموع، وإنما تكلم في القياس؛ ولذلك قال: (بها انطق) أمرًا لمن أراد أن يتكلم بها كذلك قياسًا، فالظاهر أن كلامه غير مخلص.
وهنا مسألة وهو أنه إذا ثبت وقوع الباء بمعنى (من) التبعيضية، وأنها مرادفتها ثبت أن الباء تقع للتبعيض عند الناظم، فيقرب مذهب الشافعية في دعوى أن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين﴾ للتبعيض، كما لو قال: وامسحوا من رءوسكم، كما أن قوله: ﴿عينًا يشرب بها عباد الله﴾ بمعنى: يشرب منها.
فإن قلت: من أين يتعين في الآية أن الباء هي التي بمعنى (من)، ولعلها بمعنى آخر كالإلصاق أو الاستعانة، ونحوهما، أو زائدة؟
قيل: هي عندهم متعينة إذا دخلت على مفعول يتعدى إليه الفعل بنفسه، فإنك تقول: مسحت رأسي، ومسحت برأسي، فإذا لم تدخل اقتضى مسح جميعه، وإذا دخلت اقتضى مسح البعض.
قال الرازي: نحن نعلم بالضرورة الفرق بين أن تقول: مسحت يدي بالمنديل والحائط، وبين أن تقول: مسحت المنديل والحائط، في أن الأول يفيد التبعيض، والثاني يفيد الشمول، وقد اعترض على هذا بأمرين:
стр. 1914
أحدهما: إمكان كونها زائدًة، لأن معنى الزيادة ممكن؛ إذ يقال: مسحت رأسي، ومسحت برأسي على معنى واحد.
والثاني: أن ابن جني ذكر أن كون الباء للتبعيض شيء لا يعرفه أهل اللغة.
وأمر ثالث: وهو إمكان أن تكون للإلصاق كأنه إلصاق المسح بالرأس. وقد قيل بهذا، كما أنه قد قيل بالزيادة.
وأجيب عن الأول: أن الزيادة على خلاف الأصل، فلا يقال بها ما وجد عنها مندوحة، وقد وجدناها بأن تكون للتبعيض.
وعن الثاني: بأن قول ابن جني شهادة على النفي، وقول من أثبت التبعيض شهادة على الإثبات، وشهادة الإثبات مقدمة حسب ما تقرر في علمه.
وعن/ الثالث: أن كونها للإلصاق لا ينافي كونها للتبعيض؛ لأن معنى الإلصاق هو الأصل فيها، ثم يدخل عليه ما سواه من المعاني حسب ما بينه الحذاق.
وأيضًا إذا ثبت التبعيض بها في المثل المتقدمة، لم يصح نفيه عن الآية، وقد رد بوجه رابع حكاه عياض في "ترتيب المدارك" عن محمد بن عبد الحكم قال: قلت للشافعي: لأي شيء أخذتم أنه إذا مسح الإنسان بعض رأسه وترك بعضه أنه يجزئه؟
قال: من سبب الباء الزائدة. قال الله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ ولم يقل رءوسكم.
قال قلت: فأي شي ترى في التيمم إذا مسح الإنسان بعض وجهه
стр. 1915
وترك بعضًا؟
قال: لا يجزئه. قلت: لم؟ وقد قال الله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾. قال: فسكت. انتهى. وهذا إلزام للشافعي حسن غير أن الرازي قد اعتذر عنه بأنه الأصل أيضًا في آية التيمم، التبعيض، فكان الواجب القول به لولا معارضة ما دل على وجوب مسح جميع الوجه من السنة أو الإجماع، فقوي على هذا مذهب الشافعية بعض القوة. وهذا شيء عرض، والمقصود أن هذا الموضع من كلام ابن مالك يعضد ما ذهب إليه الشافعية من إثبات معنى التبعيض على الجملة.
وأما كون الباء بمعنى (عن) وواقعة موقعها فأكثر ما يكون مع السؤال إذا قلت: سألت به، فإنه في معنى سألت عنه. ومنه قوله تعالى: ﴿فاسأل به خبيرًا﴾ أي: عنه. ومنه قول علقمة بن عبدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
وقال ابن أحمر، واسمه عمرو:
تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عنه أم لم تعارا
стр. 1916
وقال الأخطل:
دع المغمر لا تسأل بمصرعه ... وسل بمصقلة الكبرى ما فعلا
وقال مالك بن حريم، أو خريم أو خزيم الهمداني:
ولا يسأل الضيف الغريب إذا شتا ... بما زجرت قدري له حين ودعا
وقد تقع موقع (عن) في غير السؤال. ومنه في القرآن: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام﴾. قال في الشرح: أي عن الغمام. وكذلك قال في قوله تعالى: ﴿يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم﴾: "أي وعن أيمانهم". ويقوي ذلك الآية الأخرى: ﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم
стр. 1917
وعن شمائلهم﴾. فإن الباء هنا أعطت من المعنى ما أعطته (عن) هنالك.
فإن قيل: فإن الباء على قسمين: زائدة، وغير زائدٍة، ومواضع الزائدة كثيرة قياسية، وغير قياسية، فلم لم يذكر قسم الزائدة هنا، كما ذكر قسم (من) الزائدة، واللام الزائدة، وغيرهما.
فالجواب: أنه قد تقدم له ذلك في باب ما ولا وإن المشبهات بليس، فذكر هنالك المواضع القياسية وما لحق بها، والذي لم يذكره من ذلك إنما هو نادر أو شاذ، نحو قوله : ﴿تنبت بالدهن﴾ على قراءة ابن كثير. وقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ على احتماٍل. وفي قراءة أبي جعفر: ﴿يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار﴾.
ومن ذلك في الشعر قول قيس بن زهير:
/ ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
стр. 1918
وقول الآخر:
فكفى بنا فضلًا على من غيرنا ... حب النبي محمٍد إيانا
إلى أشياء من هذا القبيل لا يقاس عليها، وقد زيدت أيضًا قياسًا في أفعل به في التعجب، وقد وقعت الإشارة إليه في بابه فلم يحتج إلى ذكر شيء من ذلك هنا.
ثم أعلم أن هنا نظرًا من وجهين:
أحدهما: أن هذه المواضع التي توضع فيها الحروف بعضها مكان بعض ظاهر مستنكر؛ وذلك أنه قد تقرر في الحروف أنها لا تتصرف وتلزم مواضعها التي وضعت فيها، وكون الحرف يخرج عن أصل معناه فيضمن معنى حرف آخر حتى يوضع في موضعه تصرف ظاهر، فالواجب فيما كان ظاهره هذا ألا يرسل القول فيه إرسالًا، وألا يقال بظاهره إلا إذا دعت إليه ضرورة، ولم يوجد عنه ملتحد. وأما إذا لم تضم إليه ضرورة فلا ينبغي أن يحمل على ظاهره حتى يعطى من التأمل حقه، ومن القياس ما يسوغه، وقد وجدنا هذه المواضع التي استشهد بها محتملة لخلاف ما قال الناظم، ومن وافقه هو. وإثبات معنى لكلمٍة ما بالمحتمل لا يسوغ؛ لأنه تقول على كتاب الله، وكلام العرب، وذلك أن هذا الاتساع بوضع الكلم بعضها مكان بعض أولى أن ينسب إلى الأفعال التي لها التصرف بحق الأصل بحيث يصير الفعل إلى معنى فعل آخر، فيبقى الحرف على وضعه الأصلي، فإن الحمل على المعنى في الأفعال سنن واضح، وأمر
стр. 1919
مستعمل كثيرًا جدًا، مناسب في القياس، فإذا ساغ ذلك في الأفعال فلا يصح أن ينسب إلى الحروف، ولابن جني في "الخصائص" فصل بين فيه هذا المعنى وأظهر وجه الصنعة فيه فقال ما معناه: إن الفعل إذا كان في معنى فعٍل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف جر، والثاني: بحرف جر آخر، فإن العرب قد تتسع فتوقع أحد الحرفين موقع الآخر مجازًا وإيذانًا بأن هذا الفعل في معنى ذلك الآخر، كما صححوا عور وحول إيذانًا بأنهما بمعنى أعور وأحول، واجتوروا إشعارًا بأنه بمعنى تجاوروا، وكان جاءوا بمصادر بعض الأفعال على غير ما يقتضيه القياس حملًا لذلك الفعل على فعٍل هو في معناه كقوله:
* فإن شئتم تعاودنا عوادًا *
وكان القياس تعاودًا، فجاء به على عاود؛ إذ كان تعاود راجعًا إلى معنى عاود، وكذلك قول القطامي:
* وليس بأن تتبعه إتباعا *
والقياس تتبعًا، ولكن لما كان تتبع يؤول إلى معنى اتبع حمله عليه، وكذلك وجدناهم يحملون الشيء على الشيء إذا كان بينهما علقة لفظية أو معنوية، فاللفظية كحملهم تعد، ونعد، وأعد على يعد في حذف الواو، وتكرم،
стр. 1920
ونكرم، ويكرم على أكرم في حذف الهمزة.
وأما المعنوية: فكقول أبي كبيٍر الهذلي:
ما إن يمس الأرض إلا منكب ... منه وحرف الساق طي المحمل
لأن قوله: (ما إن يمس الأرض إلا منكب منه وحرف الساق) يفيد أنه طاٍو، فأنابه لذلك مناب الفعل لو ذكره، فصار كقوله: طوى (طي المحمل).
ولهذا نظائر كثيرة في كلامهم، فكذلك حملوا بعض هذه/ الحروف على بعض لتساوي المعاني وتداخلها، أعني معاني الأفعال التي تعلقت الحروف بها.
ثم ذكر من هذا الباب أمثلة كثيرة رد فيها الحروف إلى أصول معانيها بكون أفعالها في معنى أفعاٍل أخر، وكان هذا عنده أولى من إثبات معنى لحرٍف لم يثبت فيه من استقراء صحيح. وهذا الأصل جاٍر فيما تقدم من الأمثلة في وقوع الباء موقع مع، أو عن، أو من.
أما قولهم: "المرء بأصغريه". فمعنى الإلصاق فيه ظاهر؛ لأن المعنى موجود أو كائن بهما، فقد ألصق وجوده بهما، كما كان معنى مررت بزيٍد: ألصقت مروري بزيد، وكذلك قولهم: ذهبت بزيد، أي ألصقت ذهابي به، وخرجت بثيابي، على معنى ملتبسًا بها، فالمجرور في موضع الحال، ولو نطق بذلك كان الإلصاق فيها ظاهرًا. وأما قول الله تعالى: ﴿قد جاءكم الرسول بالحق﴾
стр. 1921
فالمجرور في موضع نصٍب على الحال؛ إذ هو حال من الفاعل وحدة، ولو كان من الفاعل والمفعول معًا لصح تعلقه بالفعل الظاهر، فلا يكون في موضع الحال بناء على ما تقرر قبل في باب الحال، وإذا كان كذلك كان التقدير: آتيًا أو ملتبسًا بالحق، فتخرج الباء إلى معنى الإلصاق والاختلاط، وكذلك الباء في قوله: ﴿اهبط بسلاٍم منا﴾. و ﴿تنبت بالدهن. وسائر ما جاء في الباب من ذلك. وعلى هذا النحو أو ما يرجع إليه يتخرج كونها بمعنى (من) أو (عن) من غير استحداث معنى لم يتقرر بعد؛ فإذًا ما ارتكب الناظم غير مخلص.
والثاني من النظرين: أن ظاهر هذا الكلام أن وضع الباء موضع هذه الحروف مقول أو معمول به قياسًا؛ لقوله: (ومثل مع ومن وعن بها انطق) أي ضعها في وضع هذه الحروف، واستعملها فيها من غير قيد، وهذا غير صحيٍح. ألا ترى أنك لا تقول: جعلت يزيٍد رفيقًا، بمعنى جعلت معه رفيقًا، ولا: وضعت درهمي بالدراهم، تريد مع الدراهم، ولا: سيرت زيدًا بالبريد، تريد مع البريد، ولا: زيد بعمرو، تريد مع عمرو، وتقول: الله معك، كما قال الله تعالى: ﴿والله معكم﴾. ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾، ولا يصح أن تقول: الله بك.
فإن قيل: إنما منع هذا للإبهام.
قيل: إن سلم فالوجه الآخر مانع أيضًا. وهو الشامل لها، وذلك أن هذه المواضع التي استشهد بها المؤلف على تلك المعاني، وإن كان فيها كثرة لم تبلغ مبلغ أن يقاس عليها غيرها، وكذلك جميع ما يذكره من هذا اللفظ لا يبلغ مبلغ القياس، فلا يقال منه إلا ما سمع، بخلاف المعاني الأصلية التي أثبتها
стр. 1922
الأئمة - سيبويه، وغيره - فإن القياس جاٍر فيها، وما ذكر في الباء بمعنى (مع) مقول في التي بمعنى (عن) و (من)؛ إذ لا يقال: أعرضت بفلان، تريد: أعرضت عنه، ولا: نبت به، بمعنى: نبت عنه، ولا: رضيت به، بمعنى: / رضيت عنه، وكذلك لا تقول: أكلت بالرغيف، تريد: من الرغيف، ولا: أنفقت بالدراهم، تريد: من الدراهم، وهذا كله واضح، فما أطلق فيه من القياس غير مستقيم، أو يلتزم القول بقياس هذه الأمثلة، وهو غير صحيٍح.
والجواب عن الأول: أن هذا الموضع مختلف فيه بين النحويين، فأجازه قوم أكثرهم الكوفيون، ومنع منه قوم أكثرهم البصريون والخلاف راجع إلى تحقيق أصٍل، وذلك أن أهل البلدين متفقون على أنه موقوف على السماع؛ إذ المجيزون لا يجيزونه في كل موضع، والمانعون إنما سوغوا التأويل فيما سمع، وهم لا يجيزون مثل ذلك على ذلك التأويل، وأيضًا الحمل على المعنى لا يقاس في كل موضع، ولم يعدوا هذا الموضع مما يقاس.
وإذا ثبت هذا، وكان ما ورد من وقوع الحروف في مواضع أخر لم يكثر كثرة يعتد بها في القياس رده المانعون إلى أصل آخر لاحتماله، ولم يعتبر المجيزون ذلك الاحتمال أخذًا بالظاهر، وعملًا بالظن في أن تلك الحروف قد أدت تلك المعاني، كما أدت معانيها المتفق عليها، فكأن الباء مثلًا مرادفة لمع في معنى (مع) ولمن وعن في معناهما في الاستعمال، إلا أنهم لم يبلغوا الأصل الذي اعتبره المانعون جملة؛ بل جعلوا الحرف منسوبًا إلى الحرف، فقالوا: الباء تأتي بمعنى (من) مثلًا، ولم يقولوا: إن الباء ومن تأتيان للتبعيض؛ إعلامًا - والله أعلم - بأن معنى التبعيض في
стр. 1923
الباء دخيل غير أصيٍل، ويشهد لذلك عدم كثرته، وقصوره عن بلوغ ما يقاس عليه حتى إنه لو فرض كثيرًا شهيرًا لما نسبوه إلى الحرف، بل نسبوا الحرفين معًا إلى المعنى، كما قال المؤلف في إلى واللام إنهما معًا لانتهاء الغاية، ولم يقل إن (وإلى) لانتهاء الغاية، واللام بمعنى إلى، كما قال هنا: إن الباء بمعنى مع، وكذا؛ إيذانًا بأصالة اللام عنده في ذلك، وعدم أصالة الباء فيه.
وعلى هذا المهيع يجري سائر ما ذكروا من ذلك، فاعتبروا الحال الظاهرة، فأثبتوا من المعاني ما شهدت لهم به، ولم يهملوا الأصالة والفرعية، فبينوها بإشارة لطيفة يهتدي إليها الذكي.
فهذا هو الذي اعتمد عليه الناظم، وقد بان وجهه، وزال بعده، ولم يبق فيه إلا أن يقال: إن هذا التصرف غير لائق بالحروف، وهم قد نسبوها إليها؛ إذ قد عوض بعضها من بعض، ولم يجعلوا ذلك منسوبًا إلى الأفعال، فيقال: لا ينكر في الحروف تعويض بعضها من بعض، فقد عوضوا همزة القطع، وهمزة الاستفهام من حرف القسم في اسم الله فقالوا: الله لأفعلن، والله؟ وعوضوا الواو من رب في قولهم:
* وبلدٍة ليس بها أنيس *
وعوضوا لم ولن من ما. فقال الأعشي:
* أجدك لم تغتمض ليلة *
стр. 1924
أراد: ما تغتمض؛ لأن (لم تغتمض) في موضع الحال، و (لم) لنفي الماضي، فالمناسبة لنفي الحال (ما) الموضوعة لذلك. وقال الآخر:
* أجلدك لن ترى بثعيلباتٍ *
أراد: ما ترى؛ لأن (لن) لا تنفي الحال، فهي إذًا في موضع (ما) النافية للحال، هذا كله من وقوع حرف المعنى عوض حرف المعنى على الجملة، وقد عوضوا الحرف من الاسم والفعل/ والجمل، والكلام في ذلك يطول، وكله تصرف في الحرف؛ لأنه إذا عوض من شيء فقد وقع التصرف فيه، كما أنه إذا عوض منه حرف مثله فذلك أيضًا تصرف فيه، لكن مثل هذا لا يعد تصرفًا يوازن تصرف الأفعال.
وإذا أردت الاطلاع على وقوع الحرف موضع غيره، فطالع كتاب "التعاقب" لابن جني، ففيه شفاء الغليل، وإذا كان كذلك حصل الأنس بوقوع بعض حروف الجر موقع بعٍض لوجود النظائر.
والجواب عن الثاني: أن الناظم يمكن أن يكون قصد تخصيص بعض المواضع الممكن فيها القياس لا جميع المواضع، وذلك أن وقوع الباء في موضع أحد هذه الأحرف على ضريين:
أحدهما: ما لا يصح فيه القياس، وذلك ما لا يرتبط إلى قياٍس مخصوص، ولا موضٍع معلوٍم من المواضع التي تقع فيها تلك الأحرف، فهذا لا يصح أن تجري فيه الباء مجراهن؛ إذ يلزم أن تساويهن في الاستعمال، وقد فرضناها فرعًا
стр. 1925
عنهن، والفرع لا يقوي قوة الأصل حسب ما تقرر في الأصول العربية. ومن هنالك امتنعت المسائل المعترض بها، فلا بد إذًا أن يكون الفرع قاصرًا وهو الباء عن أصله الذي هو هذه الأحرف في الاستعمال، فلا يستعمل إلا في بعض المواضع التي تصلح فيها هذه الأحرف، كما قصر اسم الفاعل أن يقع في العمل في جميع مواقع الفعل، والصفة المشبهة أن تقع في جميع مواقع اسم الفاعل، وما الحجازية أن تعمل عمل ليس بإطلاٍق، وكذلك جميع النظائر.
فإذًا إن صح في الباء أن تقع قياسًا في بعض مواضع هذه الأحرف، صح كلامه وإلا فحينئذ يلزمه السؤال، وترد عليه الشناعة، وقد وجدنا فيها مواضع يصح القياس فيها، أما في وقوعها موقع (مع) فبين؛ لأنه فسر المواضع بباء المصاحبة، وباء المصاحبة قد أتى بها القياس في جملة أنواع الباء.
فإذا قلت: جاء زيد بثيابه، وخرج بأخيه، وأتى بالحق، وما أشبه ذلك مما في معناه مما يعطى المصاحبة كان صحيحًا، ولم يشكل قياسه بخلاف:
جعلت بزيد رفيقًا، ونحوه فإنهما لا تفهم من المصاحبة ما تفهم الباء في: جاء زيد بثيابه.
وأما في وقوعها موقع (من) فحيث كان الفعل في معنى الشرب ونحوه، كما مر في الأمثلة بخلاف ما إذا تعدى بها ذلك الموضع كالمثل المعترض بها.
وأما في وقوعها موقع (عن) فحيث وجد معنى السؤال كالأمثلة المذكورة ونحوها بخلاف ما اعترض به.
стр. 1926
وإن وجد لها موضع آخر مثل هذا لم يلزم في القياس محظور، ولم يتأت فيه نزاع؛ لأن ذلك في الحقيقة راجع إلى استعمال موضع السماع على نحٍو مما سمع لا التزام عين ما سمع.
وهذا ظاهر لا خفاء به، وإذا ثبت هذا انكسرت سورة الاعتراض، وظهر وجه هذا الأغراض، وبالله التوفيق.
ثم قال الناظم:
على للاستعلا ومعنى في وعن ... بعن تجاوزا عني من قد فطن
وقد تجي موضع (بعٍد) وعلى ... كما على موضع عن قد جعلا
أما (على) فذكر لها ثلاثة معان هنا، وبين بعد هذا أن على وعن يقعان اسمين: أحدها: أن تكون للاستعلاء، وذلك قوله: (على للاستعلا) بمعنى أن ما يقع مجرورًا بها مستعلى عليه، إما حسا، كقولك: صعدت على الحائط، وجلست على الحصير، وصليت على الأرض. وفي القرآن: ﴿كل من عليها فاٍن﴾ ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾، وهو كثير.
وإما معنى كقولهم: عظم علي الأمر، وضاقت علي الأرض، وسهل علي الأمر، وصعب علي.
стр. 1927
قال سيبويه: "وأما: مررت على فلاٍن، فجرى هذا كالمثل، وعلينا أمير كقولك: وعليه مال؛ وهذا لأنه شيء قد اعتلاه" قال: "وتقول: عليه مال، وهذا كالمثل، كما يثبت الشيء على المكان كذلك يثبت هذا عليه". وفي القرآن ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾. ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة﴾ " ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾. وأنشد سيبويه للنمر بن تولب.
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر
والثاني من معاني (على) أن تقع موقع (في) الظرفية، وذلك قوله: (ومعنى في) وهو معطوف على الاستعلاء، أي: ولمعنى (في)، وذلك قولك: كان هذا على عهد فلان، تقديره في عهد فلان. وفي القرآن: ﴿واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان﴾. ﴿ودخل المدينة على حين غفلٍة من أهلها﴾. ﴿يبين لكم على فترٍة من الرسل﴾. وأنشد سيبويه:
стр. 1928
يمرون بالدهنا خفافًا عيابهم ... ويخرجن من دارين بجر الحقائب
على حين ألهى الناس جل أمورهم ... فندلًا زريق المال ندل الثعالب
والثالث: أن يكون بمعنى (عن) أي: تسد مسدها في معنى المجاوزة الذي يذكره، ومثال ذلك: بعد علي المكان، وتعذر عليه الأمر، وأبطأ عليه، وخفي علي مكانك. ومنه أيضًا قول القحيف العقيلي:
إذا رضيت علي بنو قشيٍر ... لعمر الله أعجبني رضاها
فـ (على) في هذه المواضع بمعنى (عن) لصحة وقوعها موقعها، فتقول: بعد عنه، وتعذر عنه، وأبطأ عنه، وخفي عنه، ورضيت عني بنو قشير، وأنشد سيبويه:
أرمي عليها وهي فرع أجمع ... وهي ثلاث أذرٍع وإصبع
التقدير: أرمي عنها، لقولهم: رميت عن القوس.
وقال ذو الإصبع العدواني:
لم تعقلا جفوة علي ولم ... أوذ صديقًا ولم أنل طمعا
стр. 1929
يريد عني.
وقال دوسر بن غسان اليربوعي:
إذا ما أمرؤ ولى علي بوده ... وأدبر لما يصدر بإدباره ودي
أي: ولى عني.
فإن قيل: فأين جريان القياس في وقوع (على) موقع (في) و (عن)؟
فالجواب: إن القياس جاٍر في بعض ما تقدم في التمثيل:
أما في وقوعها موقع (في) فحيث يكون الموضع تاريٍخ وتعيين وقت، فيؤتى بالزمان كقوله: ﴿على حين غفلة﴾. أو بمصدر يقدر معه الزمان كقوله: على عهد فلاٍن، إذ المعنى: على حين عهد فلان، وعلى/ وقت كذا، فلا يمنع هنا القياس.
وأما في وقوعها موقع (عن) فقد قال في الشرح: واستعمالها للمجاوزة كوقوعها بعد: بعد، وخفي، وتعذر، واستحال" وأشباه ذلك من: أبطأ، وأحال، وولى نحوها، فهذه المواضع قد يسوغ قياسها. والله أعلم.
ثم قال: (بعن تجاوزًا عنى من قد فطن) ... إلى آخره. أتى لعن أيضًا بثلاثة معاٍن:
أحدها: وهو الأصل: أن تكون للمجاوزة، بمعنى أن مجرورها مجاوز أو مجاوز، نحو قولك: صددت عن زيٍد، وأعرضت عنه، ووليت عنه،
стр. 1930
فالمعنى: جاوزته بهذه الأشياء، وكذلك أضربت عنه، وانحرفت عنه، وعدلت عنه ورحلت عنه، وغفلت عنه، وسهوت عنه. قال سيبويه: "وأما (عن) فلما عدا الشيء، وذلك قولك: أطعمه عن رجوٍع، جعل الجوع منصرفًا تاركًا له قد جاوزه. وقال: سقاه عن العيمة، وكساه عن العري، جعلهما قد تراخيا عنه، ورميت عن القوس؛ لأنه بها قذف سهمه عنها وعداها".
قال: "وتقول: جلس عن يمينه، فجعله متراخيًا عن بدنه وجعله في المكان الذي بحيال يمينه. وتقول: أضربت عنه، وأعرضت عنه، وإنما تريد أنه تراخى عنه وجاوزه إلى غيره". قال: "وتقول: أخذت عنه حديثًا، أي عدا منه إلى حديث" انتهى كلام سيبويه، وإنما أتيت به شرحًا لمعنى المجاوزة، وبسطًا له، وردا للمواضع المختلفة في (عن) إلى هذا المعنى (الأصيل، وكان الناظم إلى هذا المعنى أشار، أي أن التجاوز في (عن) هو المعنى) المعني المقصود المطرد، و (من قد فطن) يمكن أن يريد به العرب، يعني أن التجاوز هو الذي وضعت العرب له هذا اللفظ.
والفطنة كالفهم، فطنت للشيء بمعنى فهمته، وفي التعبير بـ (من قد فطن) هنا عن العرب بعد ما، ويمكن أن يريد بذلك النحويين: سيبويه،
следующие страницы →