Полный текст (5 477 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
جملة اسمية، وذلك لا يقدح في إطلاق جواز الوجهين، فكم من موضع في الكلام يكون الوجهان المختلفان فيه في اللفظ على قصدين مختلفين، بل هذا عند أهل البيان لازم، بخلاف ما إذا كان المضارع غير مجرد، فإنه لا بد من الفاء ولا يجري فيه وجه سوى ذلك، فلحاق الفاء فيه عند ذلك حتم.
والحاصل أيضا من الماضي غير المقرون بقد في اللفظ كما ذكر في المضارع، لأنه إذا كان يجوز فيه أن يؤتى بالفاء وأن لا يؤتى بها، لكن على قصدين، فقد جاز الوجهان، فالفاء غير لازمة.
ولا يقال: إن الماضي مع الفاء مقرون ب (قد) تقديرا، فهو كاللفظ بها معه، فلم يصح أن يكون في الماضي المجرد وجهان لأنا نقول: هو مجرد لفظا، فالوجهان جائزان، وأيضا فلحاق الفاء مع قطع النظر عن تقدير (قد) إنما يكون على إضمار المبتدأ كما تقدم من كلام ابن خروف، فلا اعتبار بتقديرها. فكأنها لم تقدر إذا كان الحكم في الإتيان بالفاء وغيرها وهو تقدير المبتدأ. فإذا ثبت هذا كان الفعل الماضي والمضارع المذكوران يجوز فيهما الوجهان على الجملة فكلام الناظم صحيح وقوله: "واقرن بفا" أراد: بفاء، بالمد، لكن قصر ضرورة، فصار مثل ما حكى من قولهم: شربت ما يا فتى. وفي هذا النظم منه مواضع كثيرة.
وقوله: "لو جعل" جملة شرطية في موضع الصفة ل"جوابا" أي جوابا هذه صفته، و"انجعل: فعل مطاوع ل (جعل) تقول: جعلت الشيء في موضع كذا فانجعل، وذلك قياس في (فعل) المقصود به العلاج، نحو: قسمته فانقسم، وفصلته فانفصل، وصرفته فانصرف، وما أشبه ذلك. ثم قال.
стр. 3537
وتخلف الفاء إذا المفاجاة .... كإن تجد إذا لنا مكافأة
يعني أن (إذا) التي للمفاجأة، وهي التي في قولك: خرجت فإذا زيد قائم، تقوم مقام الفاء، فتقع في موضعها خلفا منها، كما في المثال المذكور، وهو إن تجد إذا لنا مكافأة ومثله: إن يقم زيدا إذا هو ماثل بين يديك. ومنه قوله تعالى/: ﴿وغن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون﴾ ومنه أيضا: ﴿وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا﴾.
قال الفراء: العرب تجعل (إذا) تكفي من (فعلت، وفعلوا) لو قال مكانها: (مكروا) لكان صوابا.
وإنما وقعت (إذا) المفاجأة بدلا من الفاء لشبهها بها، في أن كل واحدة لا تقع مبتدأة ك "غنما" وغيرها من حروف الابتداء، بل لا بد أن تقع مبنية على كلام، وأيضا (إذا) في الآية واقعة موقع الفعل، كأنه قال: قنطوا، كما أن الفاء في الجواب واقعة موقع الفعل، فلما اشتبها في هذا التصرف وقعت (إذا) موقع الفاء لذلك، ليس ذلك لكونها في معناها، لأن الفاء تدخل على (إذا) فتقول: خرجت فإذا زيد قائم.
وفي كلامه في (إذا) نظر من وجهين:
стр. 3538
أحدهما: أنه يقتضي أن (إذا) تخلف الفاء حيثما وقعت، فكل موضع تقع فيه الفاء يصح أن تقع فيه (إذا) فإذن يقتضي أن تقول في نحو قولك: إن تقم فعسى أن تأتني، إن تقم إذا عسى أن تأتيني، وفي (إن تقم فقد قام عمرو): إن تقم إذا قد قام عمرو، وما أشبه ذلك من المواضع التي تدخل فيها الفاء.
وليس كذلك، بل (إذا) إنما تدخل على الجملة الاسمية خاصة، ولا تدخل على كل الجملة الاسمية، بل على غير الطلبية، فلا تقول: إن تأتني إذا هل أنا مكرمك؟ كما تقول: إن تأتني فأنا مكرمك، وإنما تقول: إن تأتني إذا أنا مكرمك، كما في الآية: ﴾ إذا هم يقنطون﴾ وكما في مثاله "إذا لنا مكافأة" وأما غير ذلك فلا، لأنها مختصة بالجملة الاسمية، ألا ترى أنه لا يجوز بعدها نصب الاسم على إضمار فعل من باب "الاشتغال" بل يلزم الرفع على الابتداء، نحو: خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، وهو مذهب الناظم في (إذا) كما مر تقريره في بابه، فإطلاق هذا الكلام مشكل كما ترى.
والثاني: انه نص في "التسهيل" على أن (إذا) لا تقع في موضع الفاء إلا إذا كانت جوابا ل (إن) خاصة، فقال: وقد تنوب بعد (إن) (إذا) المفاجأة عن الفاء في الجملة الاسمية غير الطلبية. فقيد النيابة بأن تكون بعد (إن) وبأن يكون ما بعدها جملة اسمية غير طلبية، وهو ما ذكر قبل هذا. وعلى هذا المعنى شرح ابنه هذا الموضع في "التكملة".
وإذا استقرأت كلام العرب فقلما تجده إلا على ما قال، وهذا النظم
стр. 3539
يقتضي أن تقع بعد (من) و (ما) و (متى) وغيرها من الأدوات فتقول/: من يكرمني إذا أنا أكرمه، ومتى تأتني إذا أنا أحسن إليك، وما أشبه ذلك، وهذا غير مقول كما ذكر.
والجواب: أن تمثيله قيد فيما ذكر، إذ لم يأت (إذا) جوابا إلا بعد (إن) ومع الجملة الاسمية غير الطلبية، ذلك قوله: "كإن تجد إذا لنا مكافأة" فإنه قال: "وتخلف الفاء المفاجأة" فيما كان نحو هذا المثال، ومن عادته إفادة التقييد بالمثل، وقد مر من هذا شيء كثير.
و"الفاء" في قوله "وتخلف الفاء" مفعول ب"تخلف" و"إذا المفاجأة" هو الفاعل، يقال: خلف فلان فلانا، إذا جاء بعده، وخلفه إذا كان خليفة بعده، ومنه قوله تعالى: ﴾ اخلفني في قومي﴾. والمكافأة: المجازاة، يقال: كافأته على ما كان منه مكافأة، وكفاء: جازيته على فعله.
والفعل من بعد الجزا إن يقترن ... بالفا أو الواو بتثليث قمن.
ذكر الناظم- ﵀ في آخر هذا الباب مسائل تتعلق بأصل الباب، فذكر منها مسألتين يشترك في النظر فيهما باب النواصب والجوازم، وذلك فيما إذا عطف على الفعل الشرطي، أو على الفعل الجزائي.
وابتدأ بذكر العطف على فعل الجزاء فقال: "والفعل من بعد الجزا إن يقترن" إلى آخره.
стр. 3540
يريد أن الجزاء إذا عطف عليه فعل بأحد حرفين، وهما الواو والفاء، فإن ذلك الفعل يجوز فيه ثلاثة أوجه، وهو التثليث الذي ذكر] أنه [مستحق لها، وهو معنى قوله: "قمن" أي جدير وخليق بها، وإنما قال ذلك لكونها عنده جارية على القياس، صحيحة التنزيل على حسب ما يذكر بحول الله.
وذكر الجزاء مطلقا، وهو أعم من أن يكون بالفعل أو بغيره، ولم يقيده بالفعل الذي يظهر فيه الجزم، أو يكون في تقدير الظهور وهو المضارع والماضي، لأن الحكم واحد فيما إذا كان كذلك، أو كان جملة اسمية أو غير ذلك، فتقول إذا كان فعلا: إن تكرمني أكرمك وأحسن إليك، بالجزم، وأحسن إليك، بالرفع، وأحسن إليك، بالنصب.
وكذلك الماضي تقول: إن أتيتني أحسنت إليك وأكرمك، وأكرمك، وأكرمك.
وكذلك إذا كان الجزاء غير الفعل المتقدم نحو: إن تزرني فأنا محسن إليك وأكرمك، بالجزم، وأكرمك، بالرفع، وأكرمك بالنصب.
وشرط الناظم في هذا الجواز أن يكون العطف بأحد هذين الحرفين، وهما الفاء والواو.
فمثال الفاء قوله تعالى: ﴾ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله/فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ قرئت هذه الآية بالثلاث الحركات في "يغفر" و"يعذب" فقراءة الجزم لمن عدا. نافعا
стр. 3541
وابن عامر. وقراءة الرفع لهما، وقراءة النصب في غير السبع، حكاها سيبويه، وهي مروية عن ابن عباس وأبي حيوة والأعرج.
ومثال الواو قوله تعالى: ﴾ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر "ونكفر" بالرفع مع النون، وكذلك ابن عامر وحفص إلا أنهما قرأ بالياء، وقرأ الباقون بالنون والجزم، وروى عن الأعمش أنه قرأ بالنصب مع النون.
وقال تعالى: ﴾ من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون﴾ قرأ أبو عمرو وعاصم بالرفع مع الياء، وقرأ حمزة والكسائي بالياء وجزم الراء، والباقون برفع الراء مع النون، وأنشد سيبويه في النصب للأعشى:
стр. 3542
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرا ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا.
وقد حمل على هذا قول عنترة:
متى ما تلقنى فردين ترجف ... روانف أليتيك وتستطارا.
فإن كان العطف بغير الواو فمقتضى كلام الناظم أن ثلاثة الأوجه لا تجوز في المعطوف، وكذلك الحكم عند سيبويه والبصريين أن الفعل إذا عطف ب (ثم) أو غيرها، فالتثليث غير جائز، بل إنما يجوز عندهم في ذلك وجهان:
أحدهما: التشريك في الجزم، فتقول: إن تأتني آتك ثم أحسن إليك. والآخر الرفع فتقول: وأحسن إليك.
ومن الأول قوله تعالى: ﴾ وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾.
стр. 3543
ومن الثاني: قوله تعالى: ﴾ وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾.
وذلك أن الرفع والجزم أمرهما ظاهر، ولذلك جازا في غير الواو والفاء، فالجزم على التشريك إما في اللفظ إن كان الجزم ظاهرا، وإما في الموضع إن لم يكن كذلك، والرفع على الاستئناف.
وأما النصب فعلى منزع (ما تأتينا فتحدثنا) كأن قولك: إن تكرمني أكرمك وأحسن إليك، أو فأحسن إليك، أردت به: إن تكرمني يكن مني إكرام لك؛ وإحسان، أو فإحسان، ولا يجوز إظهار (أن) ها هنا كما تقدم.
وإنما اختص هذان الحرفان بهذا الحكم للوجه الذي اختصا لأجله بدخولهما في الأجوبة الثمانية، لما/ في الفاء من معنى السببية، ولما في الواو معنى المعية، وكل واحد من هذين المعنيين يقتضي الاتصال بما قبل، بخلاف غيرهما من الحروف فإنها ليست كذلك قال سيبويه: واعلم أن (ثم) لا ينصب بها كما ينصب بالواو والفاء، ولم يجعلوها مما يضمر بعده (أن) وليس يدخلها من المعاني ما يدخل في الفاء، وليس معناها الواو، ولكنها تشرك ويبتدأ بها.
وإذا كان الأمر ما قرره لم يكن النصب بعد (ثم) أو غيرها إلا من باب قوله.
стр. 3544
*وألحق بالحجاز فأستريحا*
وقد جعلوا النصب مع الفاء والواو ضعيفا، لأنه عطف على الجزاء وهو واجب، والنصب إنما بابه غير الواجب، لكنه في الجزاء قوي من حيث كان الجزاء ليس بواجب الوقوع إلا بعد وقوع الأول، فلما كان كذلك ضارع مالا يوجب الفعل كالاستفهام، فنصبوا لذلك.
وقد تقرر أن هذا في الفاء والواو ولمعنى فيهما] فلا يلحق بهما [غيرهما، لأنه إما للتشريك، ولا إشكال، وإما للاستئناف، ومعنى النصب خارج عن هذين.
وقوله: "إن يقترن" أتى به مضارعا على الوجه الأقل، لأن الجواب محذوف لدليل قوله: "والفعل من بعد الجزاء بتثليث قمن".
ونظيره من كل وجه بيت الكتاب:
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب.
ويقال: هو قمن لكذا، وقمن به، أي حقيق وجدير.
ثم أخذ يذكر العطف بالواو والفاء على فعل الشرط فقال:
وجزم أو نصب لفعل إثر فا ... أو واو ان بالجملتين اكتنفا
يعني أن الفعل إذا وقع بين جملتي الشرط والجزاء فصارتا تكتنفانه، أي تحيطان به، وكان ذلك الفعل إثر واوا أو فاء- فجائز فيه وجهان:
стр. 3545
أحدهما: الجزم، وذلك على التشريك في العامل، نحو قولك: إن تأتني فتنزل عندي أكرمك، أو: ونزل عندي.
والوجه الآخر: النصب، وذلك على ما تقدم من تقدير المصدر معطوفا عليه هذا الفعل بإضمار (أن) كقولك: إن تأتني فتنزل عندي أكرمك، أو: وتنزل عندي.
والتقدير: إن يكن منك إتيان فنزول أكرمك، أو مع نزول.
والنصب هنا أمثل شيئا منه في المسألة الأولى، لأن العطف هنا على فعل الشرط، وفعل الشرط غير واجب، فكان قريبا من الاستفهام والأمر والنهي، ونحوهما.
ومن مثل الوجه/ الثاني ما أنشده سيبويه من قول ابن زهير:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة .. فيثبتها في مستوى الأرض يزلق.
والنصب في هذه المسألة أيضا ضعيف، لأن النصب في قولك: إن تأتني فتحدثني أكرمك، معناه معنى الجزم، إذ كان قولك: (إن يكن منك إتيان فحديث أكرمك) في معنى قولك: إن تأتني فتحدثني أكرمك، فكرهوا أن يتخطوا به من بابه إلى باب آخر من غير زيادة معنى.
وأما البيت فالنصب فيه جيد، لأنه إثر النفي حسن كما تقدم، سواء كان بعد شرط أولا.
ومنع الناظم الرفع في هذا الفعل، لأنه أجاز الجزم والنصب بعد ما أجاز في المسألة الأولى الأوجه الثلاثة، فدل على أن الثالث غير جائز،
стр. 3546
فلا يجوز على هذا أن تقول: إن تأتني فتحدثني أكرمك، ولا: وتحدثني، بالرفع، لأن "فتحدثني" موضوع موضع (محدثا) كما كان كذلك لم يأت بحرف العطف.
ولو قلت: إن تأتني ومحدثا أو فمحدثا- كان الكلام فاسدا لأنه ليس في الكلام منصوب يعطف عليه. وأما ضمير "تأتني" فلا يصح العطف عليه، وإذا كان كذلك لم يكن للرفع وجه. هذا معنى تعليل سيبويه.
وقد أجاز ابن خروف الرفع مع الواو خاصة على الحال، كأنه قال: إن تأتني وأنت تسألني، ولا يقدر الفعل مع الواو إلا بالجملة، فلا يقدر "وسائلا" كما يقدر:
نجوت وأرهنهم مالكا.
بالجملة، أي: وأنا أرهنهم.
والناظم لم يرتض هذا، بل وقف مع سيبويه والجماعة، لكن قد مضى له في باب "الحال" جواز وقوع المضارع المثبت حالا مع الواو، على إضمار المبتدأ، ومخالفة من ذهب إلى المنع في المسألة، فما باله منع ذلك هنا؟ فكان الأولى به أن يجيز الرفع مع الواو، لأن ما ألزم سيبويه هنا من وقوع الحال مع الواو قد أجاب عنه بأنه على تقدير الجملة، كما قاله ابن خروف، واستدل عليه بالسماع، فهو لازم له، فاقتصاره مع الواو على الوجهين غير سديد، أما مع الفاء
стр. 3547
فلا سبيل إليه، فكان من حقه أن يجمع بين كلاميه.
وقيد جواز الوجهين في المسألة بشرطين ذكرهما: وأحد الشرطين: أن يكون العطف بالفاء أو الواو كما مر، فدل أن ذلك عنده مختص بهما، ولا يجوز في غيرهما، وهو رد لما أجازه الكوفيون فيما نقل عنهم في (ثم) من النصب، كما أجازه الجميع في الواو/والفاء، فيقولون: إن تأتني ثم تحدثني أكرمتك، بنصب "تحدثني" ومن حجتهم في هذه قراءة من قرأ: ﴾ ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله﴾ بنصب "يدركه" وهي قراءة قتادة ونبيح والجراح. وقد قرئ بالرفع، وهي لطلحة بن سليمان وإبراهيم النخعي. والجزم قراءة الجماعة.
وهذه القراءة لم يثبت البصريون بها حكما، لندورها وكونها في القياس كقوله:
* وألحق بالحجاز فأستريحا*
لكنها امثل قليلا، لأن الشرط ليس بواجب في نفسه، وقد تقدم وجه اختصاص الواو والفاء بهذا الحكم دون غيرهما، فالأولى عدم القياس في غيرهما.
والشرط الثاني: أن يكون الفعل مكتنفا بجملتي الشرط والجزاء، وذلك قوله": "إن بالجملتين اكتنفا" يعني أنه لا بد من أن تكون جملة
стр. 3548
الشرط وجملة الجزاء قد أحاطتا به، فصار بينهما، وقد تقدم تمثيل ذلك.
واكتنفا" في كلامه من قولهم: اكتنف القوم، إذا اتخذوا كنيفا لإبلهم، والكنيف: حظيرة من شجر تجعل للإبل، أي إن اتخذ بالجملتين كنيفا. ولا يكون من: اكتنف القوم زيدا، أي أحاطوا به، لأنه أتى بالفعل مستندا إلى ضمير الفعل، وليس هو المحيط بالجملتين، بل هما المحيطان به، فإنما يريد أنه اتخذ بهما كنيفا، أي ما يجري مجراه.
فإن قلت: ما الذي احترز بقوله: "عن بالجملتين اكتنفا" وهو إنما يريد أن يكون ذلك الفعل تابعا لجملة الشرط، سواء أكانت الجملتان تكتنفانه أم لا، فيظهر أن وصف الاكتناف غير محتاج إليه ..
فالجواب: أن هذا الكلام أحرز به أمرين:
أحدهما: ما تقدم من كونه تابعا لجملة الشرط لا لجملة الجواب، إذ تقدم الحكم في ذلك. والآخر: أنه قصد أن يكون الفعل المعطوف بالواو أو الفاء زائدا على فعل الجواب إن كان فعلا، لأنه إن لم يكن زائدا على ذلك فهو الجواب بعينه، وذلك يتصور في المعطوف بالفاء، وإذا كان هو الجواب بعينه فلا يجوز فيه هذان الوجهان أصلا، بل يلزم فيه بعد الفاء الرفع، كقولك: إن تأتني فأحدثك، وذلك أن الشرط في الأصل جملة مبناها على فعل وفاعل. والجواب جملة أخرى بائنة من الأولى، مبناها على مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل، ربط إحداهما بالأخرى جرف (إن) أو غيره من أخواته، ولا حاجة إلى الفاء إذا كان الجواب فعلا، وجئ بها لما احتيج إلى الجواب بالابتداء والخبر، ثم جعل مكان المبتدأ الفعل فارتفع، وليس الجواب الفاء إذا كان مرفوعا مثل ما انتصب/ بين المجزومين،
стр. 3549
لأن ما انتصب بين المجزومين مصدر معطوف على مصدر فعل الشرط.
ولو قلت: إن يكن إتيان فحديث، وسكت، فليس ذلك بمعطوف على مصدر فعل الشرط، بل هو مرفوع على تقدير مبتدأ بعد الفاء، تقديره: فأمري حديث، أو نحو هذا.
هذا تعليل السيرافي، وهو معنى ما في الكتاب من قول سيبويه: وإنما منعه أن يكون مثل ما انتصب بين المجزومين أن هذا منقطع من الأول- يعني قولك: فأحدثك- ألا ترى أنك إذا قلت: إن يكن إتيان فحديث أحدثك، فالحديث متصل بالأول، شريك له، وإذا قلت: إن يكن إتيان فحديث، ثم سكت، وجعلته جوابا لم يشرك الأول، وكان موتفعا بالابتداء. فعلى هذا بنى الناظم.
وقد تقرر من هذا أن كلا الوجهين لا يجوز في جملة الجواب، فلا يجوز الجزم، لأنه مقرون بالفاء، وليس بمعطوف، ولا يجوز النصب، لأنك لم تقصده، فلا بد من الرفع، فلهذا شرط الناظم شرط "الاكتناف" وظهر منه أن ما أجازه ابن طاهر (من النص مع الفاء لم يرتضه، وإنما أجازه ابن طاهر) في الشعر حملا على المعنى؛ لأنك إذا قلت: إن تأتني فأحدثك ف"أحدثك" هنا يتقدر بالمصدر كالجواب، وهو أيضا واقع، فوقع الشرط مثله، فجعل كالمنقطع لذلك، ولا يلتفت فيه إلى تقدير الاتصال إذا مثلته بالمصدر، لأنه تمثيل لا ينطق به، ويكون معنى الكلام: إن يكن إتيان يكن حديث، لأنك لو أزلت الفاء لجزمت،
стр. 3550
فروعي ذلك.
وأجاز ذلك ابن خروف، وعلى هذا التأويل الذي بسطه عن شيخه، وهو ضعيف جدا، ولذلك لم يجزه إلا في الشعر.
الشرط يغني عن جواب قد علم ... والعكس قد يأتي إن المعنى فيهم.
هذا الفصل يذكر فيه ما يعرض من الحذف للجملة الجوابية، أو للجملة الشرطية، وذلك أنه قد تقرر قبل في مواضع أن الحذف إنما يكون إذا علم المحذوف، وكانت عليه دلالة تعرف به، وأما إذا لم يكن ثم دليل فلا سبيل إلى الحذف.
والحذف ها هنا على ثلاثة أوجه:
حذف جملة الجواب، وهو الأكثر، وحذف جملة الشرط، وهو دون ذلك، وحذفها معا، وهذا الثالث نادر، ولذلك لم يعرج عليه الناظم، ومنه قول النمر بن تولب:
فإن المنية من يخشها ... فسوف/ تصادفه أينما.
أي: أينما يذهب تصادفه، وكذلك قول الآخر:
стр. 3551
قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيرا معدما قالت وإن
أي وإن كان كذلك فأنا أتمناه وأرضاه، تعني البعل
وابتدأ الناظم بذكر حذف الجواب فقال: " واشرط يعني عن جواب قد علم".
يعني أن جملة الشرط يغني ذكرها عن ذكر جملة الجزاء، فتحذف جملة الجزاء لعلم المخاطب بالمحذوف، ولا يعني بإغناء الشرط عن الجواب كون الشرط هو الدال بنفسه فقط، بل المقصود أنه يذكر دونه فيستقل الكلام، اتكالا على ما عند المخاطب من العلم.
والعلم الحاصل عند المخاطب قد يكون لتقدم ذكر معنى الجواب بعينه، ويكون لتقدم ما يدل عليه وليس به، وقد يكون لغير ذلك.
فمن الأول قولك: أكرمك إن أكرمتني، وآتيك إن أتيتني.
فالجواب المحذوف هنا هو عين ما تقدم، والتقدير: إن أكرمتني أكرمك، وإن أتيتني آتك، ولكن حذف لدلالة الأول عليه، وهذا مذهب البصريين، وقد تقدم ذلك، وتنبيه الناظم عليه، ومنه قوله:
*إنك إن يصرع أخوك تصرع*
وقوله:
*والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب*
стр. 3552
وهو كثير.
ومن الثاني قوله تعالى: ﴾ قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾ فليس المعنى: إن كنت تقيا فإني أعوذ بالرحمن منك، وإنما المعنى: إن كنت تقيا فلا تقربني، (وقولك: فلا تقربني) دلت عليه الاستعاذة، لأن الاستعاذة هي طلب العوذ والبعد من كل ضار.
ومنه أيضا قوله تعالى: ﴾ إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا﴾ الآية هو محذوف الجواب، تقديره: إن كنتم آمنتم فاقبلوا ما أمرتم به، لأن قوله: ﴾ واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ حكم ألزمه المكلف، فدل على طلب القبول.
وكذلك يجري الحكم في جواب (لو) لأنها شرط، ومنه قوله تعالى: ﴾ ولو أن قرأنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾ الآية، أي لكان هذا القرآن.
ومنه قول امرئ القيس:
فلو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
стр. 3553
أي لكان ذلك أهون، او نحو ذلك، ومنه ما يذكره إثر هذا في اجتماع الشرط والقسم.
ويعترض على الناظم هنا بأنه أطلق القول في فعل الشرط مع حذف الجواب والحق إذا كان محذوفا أن يكون فعل الشرط ماضيا، كما مضى في الأمثلة المتقدمة من نحو ذلك: أكرمك إن أكرمتني/ ولا يجوز: أكرمك إن تكرمني إلا في الشعر، وذلك لأن العرب تكره أن يظهر الجزم في الشرط، ثم لا ينجزم الجواب في اللفظ. وقد مر ذلك، ومن هناك قل أن يأتي الجواب مرفوعا والشرط مجزوم، وكثر رفعه إذا كان فعل الشرط ماضيا كما تقدم، فكان من حق الناظم أن يبين هذا، ويقيد كلامه، فإنه يقتضي أن الجواب يحذف إذا علم مطلقا، سواء كان فعل الشرط ماضيا أو مضارعا، وهذا لا يصح، ولا أجد الآن له جوابا، إلا أنه لم يتعرض لذكر ذلك.
ثم ذكر حذف جملة الشرط فقال: "والعكس قد يأتي إن المعنى فهم".
يعني أن الشرط قد يحذف أيضا، ويبقى الجواب مذكورا، لكن إن كان المعنى مفهوما، أي معنى المحذوف وهو الشرط.
وكرر ذكر شرط "العلم" تأكيدا، وتذكيرا بان هذا لا يكون إلا عند المعرفة بالمحذوف كائنا ما كان، ولأمر آخر يذكر إثر هذا بحول الله.
وتحقيق "العكس" أن معنى ما تقدم أن الجواب يحذف دون الشرط، فإذا حولت هذه القضية قلت: إن الشرط يحذف دون الجواب، وقلل الحذف هنا بقد في قوله: "قد يأتي" يريد أنه ليس حذفه بكثير، كما كان
стр. 3554
كثيًرا في الجواب.
ومثاله أن تقول: افعل كذا وإلا ضربتك تقديره: وإلا تفعل ضربتك.
ومنه قوله ﵇: "إما لا فأعني على نفسك بكثرة السجود".
التقدير: إن كنت لا تفعل غير هذا، أو لا تقول غير هذا فأعني، وفي حديث الغامدية قوله ﵇: "إما لا فاذهبي حتى تلدي" الحديث. وكذا تقول العرب: إما لا فافعل كذا، أي أن كنت لا تفعل غير هذا فافعل كذا. ومن ذلك قول الشاعر:
فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام.
وقال الآخر:
стр. 3555
فإما أن تكون أخي بحق ... فأعرف منك غثى من سميني.
وإلا فاطرحني واتخذني ... عدوا أتقيك وتتقيني.
وقال الآخر:
أقيموا بني النعمان عنا صدوركم ... وإلا تقيموا صاغرين الرءوسا.
وعلى الناظم هنا إشكال، وهو أنه أطلق القول بالحذف، ولم يقيده، وحذف جملة الشرط لا يجوز على ما ذكر في "التسهيل" إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون الجازم (إن) دون غيرها من الأدوات، ومنه ما تقدم من الأمثلة، فإن كان غير (إن) فلا يجوز، لا يقال: من يأتني أكرمه ومن لا فلا أكرمه، وكذا لا يقال: متى تمدح زيدا يعطك، ومتى لا فلا يعطك، ونحو ذلك، لأن السماع/ غنما جاء في (إن) وحدها، وهو فيها قليل، كما أشار إليه فلا يتعدى.
والثاني: أن يقع بعد (إن) لا النافية كما تقدم تمثيله، فإن لم يقع بعدها (لا) فلا يجوز الحذف، فلا تقول: إن جئتني فانا آتيك وإن فلا آتيك، أو تقول: إن أحسنت إلي أكرمتك وإن فلا أكرمك، تريد: وإن أبغضتني فلا آتيك، وإن أسأت إلي فلا أكرمك، ومثل هذا لا تقوله العرب.
стр. 3556
وكلام الناظم ينتظم بإطلاقه هذا كله، ولأجل ذلك قال في "التسهيل" ويحذف الجواب كثيرا لقرينة، وكذا الشرط المتلو ب (لا) تالية (إن).
والجواب عن الشرط الأول أنه يمكن أن يكون لم يراع شرط وجود (إن) بل يجوز عنده قياسا أن يقال: من يأتني أكرمه، ومن لا فلا أكرمه، وكذا في سائر الأدوات، ولا مانع من هذا في القياس، وإن كان السماع إنما ورد ب (إن) فليس في ذلك ما ينفي القياس في غيرها، وعلى أن ابن الأنباري قد حكى في كتاب "الإنصاف" له عن العرب: من سلم عليك فسلم عليه، ومن لا فلا تعبأ به. وهذا نص في الجواز.
وعن الثاني أن وجود (لا) مع الأداة قد أعطاه قوة كلامه لأنه اشترط فهم المعنى بقوله: "إن المعنى فهم" وذلك أن (لا) إذا جاءت مع (إن) يظهر أنها نفي لما تقدم إثباته، وإذا كانت كذلك فقد لزم العلم بما نفت، وذلك هو الواقع بعدها بلا بد، فقد صارت (لا) هي الدالة على المحذوف من هذه الجهة، وبها يفهم معنى الفعل المحذوف.
أما إذا لم يؤت بلا، كما إذا قلت: إن أحسنت إلي أكرمتك، وإن فلا أكرمك، فلا يفهم معنى المحذوف، لاحتمال أن يكون المعنى: وإن لم يحسن إلي، أو يكون: وإن أسأت إلي، أو غير ذلك، وإذا لم يفهم معناه لم يجز حذفه، فلهذا كرر قلوه: "إن المعنى فهم" مع أنه تقدم له ذلك المعنى بقوله: "قد علم" وكثيرا ما تجد في كلامه ما ظاهره الحشو أو التكرار، وهو منظو على فائدة أو فوائد.
وأيضا لا يمتنع ذلك دون (لا) إذا فهم المعنى، مثل أن يقال لك: أتكرم
стр. 3557
زيدًا وإن أساء إليك؟ فتقول: أكرمه وإن، وقد جاء نحو هذا عن العرب، ولكن في الشعر كقوله:
قالت بنات العم يا سلمى وإن ... كان فقيرا معدما قالت وإن.
ولكن مثل هذا قليل، وإنما يكثر مع (لا) ثم قال:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم.
وإن تواليا وقبل ذو خبر ... فالشرط رجع مطلقا بلا حذر.
/ وربما رجح بعد قسم ... شرط بلا ذي خبر مقدم.
هذه المسألة جزء مما قبلها، لكنها اجتمعت مع ما يجوز حذف جوابه، وهو القسم، فأخذ يتكلم فيما يحذف جوابه منهما لدلالة جواب الآخر عليه.
وأراد بهذا الكلام أن القسم والشرط إذا اجتمعا في كلام واحد فإن جواب المتأخر منهما يحذف مطلقا، استغناء عنه بجواب المتقدم، فإن تقدم الشرط استغنى بجوابه عن جواب القسم، وإن تقدم القسم استغنى بجوابه عن جواب الشرط، في الأمر العام، وربما كان الأمر بالعكس وإن تقدم القسم.
стр. 3558
هذا إذا لم يتقدم ذو خبر، فإنه إن تقدم استغنى بجواب الشرط مطلقا، سواء تقدم عل القسم أم تأخر عنه، هذا جملة ما أراد ذكره.
والحاصل منها قسمان: قسم يستغني فيه بجواب الشرط مطلقا، وقسم يستغني فيه بجواب ما تقدم، ولا بد من بسطها فتقول:
أما قوله: "واحذف" فإن مقتضاه وجوب الحذف، إذ لو أراد الجواز لقال: وجوز الحذف، أو واحذف إن شئت، وقد صرح بهذا المراد بقوله: "فهو ملتزم" وضمير "فهو" عائد على "الحذف" المفهوم من "احذف" كقوله تعالى: ﴾ وإن تشكروا يرضه لكم﴾ أي فالحذف ملتزم، ولزوم الحذف صحيح، إذ لا يجوز أن يظهرا معا كما سيأتي، فلا تقول: لئن قام زيد لأكرمنه أكرمه، أو بالعكس.
وتضمن هذا الكلام معنى آخر، وهو أنه لا يكون ذلك إلا إذا كان جوابهما معا أمرا واحدا، فإنه كان كذلك استغنى بجواب أحدهما عن الآخر للعلم بما حذف، فلو لم يتحدا في المعنى لم يجز حذف واحد منهما، إذ لا يبقى دليل على ما حذف.
وقد تبين هذا في قوله: "والشرط يغني عن جواب قد علم" فشرط العلم.
وهذه المسألة داخلة تحت ذلك الشرط، ولأجل هذا صح أن يجتمع الشرط والقسم في كلام واحد، وهو قوله: "لدي اجتماع شرط وقسم" يعني اجتماعهما في كلام واحد، ولا يجتمعان كذلك إلا إذا كان بينهما جامع، وذلك إذا كان الجواب هو المقسم عليه، نحو: والله لئن قام زيد لأكرمته، ونحو ذلك، وعلى هذا ف"التأخير" في كلامه المراد به إذا تصدر الشرط والقسم معا قبل مجئ جواب واحد منهما، لا أنه يريد: إذا تصدر واحد مع جوابه، ثم تأخر الآخر مع
стр. 3559
جوابه/ لأنهما إذ ذاك غير مجتمعين، وقد قال: "لدي اجتماع كذا".
فإذا تقرر هذا فالذي ذكر في هذه المسألة قسمان":
أحدهما: أن يجتمعا من غير أن يتقدم عليهما ذو خبر، فالحكم ها هنا كما قال، أن يحذف جواب الآخر منهما لدلالة جواب الأول عليه، فتقول إذا تقدم الشرط: إن جائني زيد والله أكرمه، ولا تقول: لأكرمنه.
وتقول إذا تقدم القسم: والله لئن أتيتني لأكرمنك، ولا يجوز أكرمك، إلا نادرا كما سيأتي. ومن ذلك قوله تعالى: ﴾ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن﴾ الآية. ومنه قول كثير.
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها ... وأمكنني منها إذا لا أقيلها
أنشد سيبويه وقال الآخر:
لئن نائبات الدهر يوما أدلن لي ... على أم عمرو دولة لا أقيلها
стр. 3560
وهو كثير.
ووجه هذا أن الشرط إذا تقدم، مثلا، فالاعتماد في الكلام إنما هو عليه، والقسم جئ به بعد ذلك للتوكيد، فصار كالملغي إذ لم يعتن به فيقدم، فصار الجواب إذن لما اعتمد هو الشرط فاستحق الجزم، صار على حكم ما لو لم يكن قسم.
وكذلك إذا عكست الأمر فقدمت القسم صار هو المعتنى به المقدم، فاستحق الجواب، فلم يصح الجزم، ودخل الشرط بعد ذلك من حيث كان جواب القسم معلقا عليه، كما دخل الظرف في قولك والله لأضربنك يوم الجمعة، حيث كان الجواب معلقا عليه، ومطلب الوقوع فيه، وهذا ظاهر.
والقسم الثاني: أن يجتمع الشرط والقسم مع تقدم ذي خبر، وهو قوله: (وإن تواليا وقبل ذو خبر).
أي إن تولي الشرط والقسم وقبلهما ذو خبر، فالحكم كذا، وذو الخبر هنا المبتدأ، يريد أنه تقدم عليها المبتدأ، فإن الراجح إذ ذاك الشرط، فهو الذي يؤتى له بالجواب، ويبقى القسم دون جواب استغناء بجواب الشرط، وأراد بقوله: (مطلقا) أي سواء أكان المتقدم الشرط أم القسم، فالمعتبر معتبر بتقديم القسم، بل الحكم للشرط دون حذر.
ويعني بقوله: بلا حذر) أنه لا مانع يلقي في ذلك، كما كان يلقى إذا لم، يتقدم ذو خبر، فتقول هنا: أنا أن تأتني والله أكرمك، وأنا والله إن تأتني آتك، فيستوي الأمران.
وعلل المؤلف ترجيح الشرط في إغناء جوابه هنا مطلقا/ بأن تقدير سقوطه مخل بالجملة التي هو منها، وتقدير سقوط القسم غير مخل، لأنه
стр. 3561
مسوق لمجرد التوكيد، والاستغناء عن التوكيد سائغ، ففضل الشرط بلزوم الاستغناء بجوابه مطلقا إذا تقدم عليه وعلى القسم ذو خبر. هذا ما قاله في هذه المسألة.
ثم قال: (وربما رجح بعد قسم شرط) إلى آخره.
يعني أنه قد يجئ نادرا ترجيح الشرط على القسم وإن تقدم القسم، فيأتي الجواب للشرط، ويستغني به عن جواب القسم، وذلك مع عدم تقدم ذي خبر، وهو قولك (بلاذي خبر مقدم) لأنه إذا كان ذو الخبر موجودا مقدما فقد تقدم أنه مطلقا فيقال والله إن قام زيد أكرمه، وبابه الشعر، ولذلك قال: "وربما" قآتي بأداة التقليل. ومنه ما أنشده الفراء من قول الشاعر:
حلفت له إن تدلج الليل لا يزل ... أمامك بيت من بيوتي سائر.
وأنشد أيضا:
стр. 3562
لئن كان ما حدثته اليوم صادقا ... اصم في نهار القيظ للشمس باديا
وقال ذو الرمه:
لئت كانت الدنيا على كما أرى ... تباريح من مي فللموت أروح
ومن أبيات الحماسه:
لئن كنت لا أرمي وترمي كنانتي ... تصب جانحات النبل كشحي ومنكبي
وفيه كثرة ما، ولذلك قال: (وربما) ولم يقل وشذ.
وفي هذا الفصل نظر من وجهين:
أحدهما: أن ترجيح المتقدم من الشرط والقسم ليس مطلقا، بل ذلك عند المؤلف ما لم يكن الشرط امتناعيا، وهو الشرط بلو أو لولا فإنه إذا كان بأحدهما فالحكم للشرط وحده، تقدم على القسم أو القسم عليه، ولذلك قال في "التسهيل" وإذا توالى قسم وأداة شرط غير امتناعي: وذكر في "الشرح":
стр. 3563
أنه تحرز من "لو" "ولولا" فإنك تقول: لو قام زيد والله لقام عمرو، وكذلك في (لولا) وإذا كان كذلك دخل على الناظم في نظمه أن يقال في الشرط الامتناعي: والله لو قام زيد لاكر منه، وذلك لا يقال.
والجواب عن هذا أنه إنما تكلم في هذا الباب في الشرط غير الامتناعي، لأنه أفرد للامتناعي فصلا يذكر إثر هذا، فالظاهر أنه لم يتعرض له.
والثاني: أنه ذكر فيها إذا سبق ذو الخبر وجها واحدا، وهو ترجيح الشرط خاصة وهذا مما ينازع فيه، لا يخلو أن يستند غي ذلك إلى قياس أو سماع.
أما القياس فعلى خلاف ما قال، بل مقتضاه أن يكون الشرط والقسم معا، بعد ذي الخبر، إما على حدهما قبل دخوله، فيقال: أنا إن أتيتني والله آتك، أو يقال أنا والله إن أتيتني لآتينك. وبيان تسويغ هذا قياسيا أن الجملة إذا وقعت خبرا للمبتدأ فهي على حكم الاستقلال، كما لو لم تكن خبرا، إلا ما يلزم من إعاده الضمير، ألا ترى أنها تقع شرطية واستفهامية وغير ذلك، ولا يكون مؤثرا فيها.
وإما أن يكون التقدير غير مراعي فيهما على الإطلاق لما نسخ بالنسبة إليهما معا فيجوز الوجهان مطلقا بعد ذي الخبر، كان المتقدم الشرط أو القسم، وعلى هذا يدل كلام سيبويه في "مسألة": أنا والله إن تأتني لا آتك، إذ حسن الجزم في (لا آتك) على أن يكون الشرط
стр. 3564
وجوابه خبر "أنا" والقسم ملغي.
وأجاز ابن خروف أن يرفع على جواب القسم وجوابه خبر "أنا" والشرط ملغي، وهو كلام صحيح متمكن في القياس وما ذكره المؤلف من الاعتلال لترجيح الشرط فضعيف، فإن سقوط الشرط إذا كان مخلا فكذلك يخل سقوط القسم بحسب القصد، فإن قصد التوكيد بنا في حذف المؤكد، كما أن سقوط الشرط ينافي قصد التقييد به.
وأيضا فهو لازم له بعينه إذا لم يتقدم ذو خبر، وإلا فما الفارق بين تقدير سقوطه بعد ذي الخبر وسقوطه دونه، لا فرق بينهما في القياس أصلا.
وأيضا فالترجيح بتقدير السقوط ضعيف من جهة أخرى، وهي أن تقدير السقوط جملة إذا سلمنا أنه مخل في الشرط دون القسم لا يؤثر فيما نحن بسبيله، لأن سقوط أحد الجوابين إنما هو للدلالة عليه، فكأنه موجود لفظا، فلا يعود حذف جواب الشرط عليه بنقص ولا أخلال، فالظاهر خلاف ما قال.
وأما السماع فليس له ما يدل على لزوم ما التزم ويمكن أن يقال في الجواب: إنه تعلق بكلام الإمام سيبويه في "المسألة" وهو قوله: وتقول: أنا والله إن تأتني لا آتك، لأن هذا الكلام مبني على "أنا" ألا ترى أنه حسن أن تقول: أنا والله إن تأتني آتك، فالقسم هنا لغو، فإذا بدأت بالقسم لم يجز إلا أن يكون عليه.
فهذا الكلام بظاهره يعطي أن القسم مع تقدم ذي الخبر لغو، وأن المعتبر هو الشرط وعليه أخذ السيرافي كلام سيبويه، فلا اعتراض عليه بهذا المعنى
стр. 3565
(فصل لو)
لو حرف شرط في مضى ويقل ... إيلاؤها مستقبلا لكن قبل.
وهي في الاختصاص بالفعل كإن ... لكن لو أن بها قد تقترن.
وإن مضارع تلاها صرفا ... إلى المضي نحو لويفي كفى.
ذكر في هذا الفصل وما بعده بعض أدوات تتعلق بباب الشرط، وبعض أدوات لا تتعلق به.
أما ما يتعلق بباب الشروط ف (لو) وهي التي ابتدأ بها، و (أما) و (لولا) و (لوما) لأنهما في معنى الشرط مثل (لو) وقد يقعان تحضيضا. وذكرها في هذا الموضع واضح التناسب.
وأما ملا تعلق بباب الشرط فحروف التحضيض. لكن ذكرها هنا لوجهين:
أحدهما: أنه لما ذكر ما يشترك في البابين، وهو (لولا) و (لوما) فإنهما يقعان في باب الشرط وفي باب التحضيض أدرج ذكر سائر أدوات التحضيض بالانجرار، لمشاركه (لولا) و (لوما) في ذلك.
والآخر: أن أدوات التحضيض لم يكن لها باب تختص به، فذكرها في آخر هذا الباب فصلا على حده، إذ لا بد من ذكرها، وشركها مع أدوات مثلها
стр. 3566
مطلقا من غير اعتبار معنى.
ولنرجع إلى كلامه فنقول تقع (لو) على وجهين في الكلام:
أحدهما: ان تكون مصدريه كأن، وأن، وكي، ومنه قوله تعالى: "ودوا لو تدهن فيدهنون".
وقوله "يود أحدهم لو يعمر ألف سنة".
ولم يتعرض الناظم في هذا النظم على ذكر أحكام الموصولات الحرفية أصلا، وذكر أحكامها من حيث هي موصولات، بل إنما ذكرها من حيث تعلقها بأبواب أخر، كالعمل ونحوه، فلذلك سكت عن ذكر هذا الوجه.
والثاني: أن تكون شرطيه، وهي التي تعرض لها الآن فقال: (لو حرف شرط) ومعنى كونها حرف شرط أنها تقتضي جملتين: الأولى منهما مستلزم للثانية فالأولى شرط، والثانية جواب ذلك الشرط.
فإذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو، فأنت قد أتيت ب (لو) لتجعل قيام زيد يلزم من وجوده قيام عمرو. فالجملة الأولى كجملة الشرط في (إن) والثانية كجملة الجواب، من حيث كانت كل واحده من الجملتين الأوليين سببا في كل واحده من الأخريين.
لكن الأحكام مختلفة، فمن الاختلاف بينهما أن (لو) إنما تكون حرف شرط في المضي لا في الاستقبال / ولذلك قال الناظم: "حرف شرط في مضي" أي إنها مخالفة لأدوات الشرط في ذلك، فإنك إذا قلت:
стр. 3567
لو قام زيد لقام عمرو فالمراد أن قيام زيد لو كان واقعا فيما مضى لكان قيام عمرو، فالمراد أن قيام زيد لو كان واقعا فيما مضى لكان قيام عمر، واقعا أيضا لوقوعه فيما مضى، بخلاف ما إذا قلت: إن قام زيد قام عمرو، فإن معناه إن يكن من زيد قيام فيما يستقبل يكن من عمرو قيام أيضا بسببه.
وقد تضمن قوله: "في مضي" أت الفعل الواقع بعدها، جوابا أو شرطا، إنما يكون ماضيا صيغة، كما يكون ماضيا معنى، وقد اشعر بهذا أيضا قوله: "ويقل: إيلاؤها مستقبلا".
ومن ذلك قوله تعالى: "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا" وقوله: "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه". وهو كثير. وهذا هو الباب الأغلب في الاستعمال.
ثم قال: "ويقل إيلاؤها مستقبلا" يعني أن الباب فيها أن الفعل لا يقع بعدها إلا ماضيا، لكنه قد يقع بعدها المستقبل قليلا، وأراد بالمستقبل هنا المستقبل الزمان، سواء كان ماضيا أو مضارعا، فيجوز عنده أن يقال: لو قام زيد لقام عمرو، بمعنى لو يقوم زيد فينا يستقبل لقام عمرو. ومن ذلك قوله تعالى: ﴾ فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾. ولذلك يقدر بعض الناس (لو) بإن) كأنه قال: وإن افتدى به لم يقبل منه. وقال تعالى: ﴾ وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم﴾.
стр. 3568
وقال الشاعر:
ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... على ودوني جندل وصفائح.
لسلمت تسليم البشاشة أوزقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح.
فالمعنى في الآية: وليخش الذين إن تركوا، وكذلك البيت. وهذا قليل في الكلام، ولكنه مقبول كما قال الناظم: "لكن قبل" وإشارته بقوله: "قبل" إلى أن السماع به ثابت لا يقبل التأويل إلا بتكلف، والحمل على الظاهر هو الواجب حتى يدل دليل على خلافه، فالشواهد المتقدمة لا مدفع فيها.
وهو تنكيت على من يجعل (لو) مختصة بالمضي أبدا، وأنها لا يقع بعدها المستقبل، ويتأول ما جاء من ذلك رادا على من ذهب إلى الجواز، وهم طائفة من النحويين، ومنهم الفراء على ما حكاه عنه الزمخشري في "المفصل"، والظاهر ما قاله الناظم، وإليه ذهب في "التسهيل" أيضا.
ولما كان ما جاء من الشواهد على ذلك مقبولا دل على كونه قياسا، وإن كان وقوع الماضي بعد (لو) هو الأكثر.
стр. 3569
ثم قال: "وهي في الاختصاص/ بالفعل كإن" إلى آخره.
يعني أن (لو) حكمها في وقوع الفعل بعدها حكم (إن) يقع الفعل بعدها لزوما، فكذلك (لو) فكما لا يجوز أن تقول: إن زيد قائم أكرمتك، كذلك لا تقول: لو زيد قائم لقام عمرو، بل لا بد من ولاية الفعل، إلا ما شذ نحو قول عدي بن زيد:
لو يغير الماء خلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري.
لكن لا تلزم ولاية الفعل ل (لو) في اللفظ، كما لا يلزم ذلك في (إن) فكما تقول: إن زيد قام أكرمته، فكذلك تقول: لو زيد قام لأكرمته، قال الله تعالى: ﴾ قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي﴾ الآية، فهو على تقدير فعل يفسره قوله "تملكون" أي لو تملكون خزائن رحمة ربي، كما كنت فاعلا ذلك، بنحو قولك﴾ إن امرؤ هلك﴾ الآية وقوله: ﴾ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾ الآية.
стр. 3570
ومن ذلك في (لو) قول بعض العرب: "لو ذات سوار لطمتني" وكذلك تقول: ألا ماء ولو باردا، على تقدير (كان) كما تقول: إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فهي في هذه الأحكام مثل (إن) فلذلك أحال في اختصاصها بالفعل على (إن) إلا أن (لو) تختص عنده بحكم زائد على (إن) وذلك صحة وقوع (أن) المفتوحة الهمزة المشددة بعدها، وذلك قوله مستدركا ذلك الحكم: "لكن لو بها قد تقترن".
أراد: لكن (لو) قد تقترن بها (أن) ف (أن) مبتدأ خبره ما بعده، والجملة خبر "لكن".
يعني: قد تأتي بعدها تليها، بخلاف (إن) فإن ذلك لا يكون فيها، وذلك قولك: لو أن زيدا جاءني لأكرمته، ولو أنه كلمني لأحسنت إليه، ومنه قوله تعالى: ﴾ ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به﴾. الآية.
﴾ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة﴾، ﴾ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا﴾، الآية، وهو كثير.
ووقعت "قد" هنا في قوله: "قد تقترن" في غير موضعها، لأنها تستعمل للتقليل، وليس وقوع (أن) بعد (لو) بقليل، بل هو كثير، فكان حقه ألا يأتي بها
стр. 3571
وفي قوله: "لكن لو أن بها قد تقترن" إشارة إلى أنها في وقوع (أن) بعدها على غير حكمها لو لم تقع بعدها، لأنها قبل وقوع (أن) بعدها مختصة بالفعل كما قال، فلو كانت إذا وقعت (أن) بعدها على ذلك الحكم بحيث يقدر لها فعل يعمل فيها يكون واليا ل (لو) في التقدير، لم يحتج إلى هذا الاستدراك، فلا بد أن يكون الحكم عنده مخالفا، وما ذاك إلا أن (أن) وما بعدها في تقدير اسم مبتدأ محذوف الخبر] وإن كان لا يتكلم به [كأنك إذا قلت: (لو أنك قائم) لو قيامك موجود، فصارت ك (لولا) في وقع المبتدأ/ بعدها محذوف الخبر، وإن كان لا يتكلم به، وب (لولا) شبهها سيبويه. وهذا الذي ذهب إليه الناظم هنا من أن (أن) وما بعدها في تقدير مبتدأ هو مذهب سيبويه والجمهور.
وذهب المبرد إلى اطراد وقوع الفعل بعدها، فجعل (أن) وما بعدها في موضع اسم مرفوع على الفاعلية بفعل مضمر، كما كان ذلك حين وقع بعدها الاسم في نحو قوله تعالى: ﴾ قل لو أنتم تملكون﴾. الآية.
ورأى أن اطراد الحمل على الفعل بعد (لو) أولى من الاختلاف.
وقال ابن خروف: والأولى أن يكون على إضمار (كان) الشأنية، وتكون جملة الابتداء أو الخبر مفسرة، قال: ويجوز أن تكون الجملة
стр. 3572
الاسمية وقعت موقع الفعلية.
وذهب أبو الحسن في "المسائل الصغير" إلى أن (أن) بعد (لو) زائدة، وكرر الاسم للتوكيد، كما كرر في قولهم: ضربت القوم بعضهم، وأعمل (أن) وإن ككانت زائدة، كما أعملت الحروف الزائدة، واحتج له الفارسي في "التذكرة".
وما ذهب إليه الناظم هو الأظهر، لأن الإضمار على خلاف الأصل، وقد يكون الشيء في موضع على حال، فيخالف به في آخر عن تلك الحال إلى حال أخرى، كما نصبوا (غدوة) مع (لدن) فقالوا:
لدن غدوة حتى دنت لغروب.
ولا ينصبون بعد (لدن) إلا (غدوة) وكما قالوا: اذهب بذي تسلم، فأضافوا إلى الفعل والمراد الاسم، لكنهم لا يستعملون مع (ذي) إلا الفعل، ولهذا نظائر، ف (أن) بعد (لو) من هذا القبيل.
وأيضا فإن (أن) مشبهة بالفعل، ولذلك عملت عمله، وهو الرفع والنصب، وحملت في ذلك على (لولا) لأنها أختها من جهة المعنى.
стр. 3573
وأيضا فالحمل على الظاهر، وإن أمكن أن يكون المراد غيره أصل من أصول العربية، وهو معتمد عند الناظم، وسيبويه يقول به مواضع، ألا ترى كيف جعل (سيدا) من ذوات الياء، مع إمكان جعله من ذوات الواو بالاشتقاق من قولهم: ساد يسود، ولكنه آثر الظاهر، وكذلك دعوى الزيادة على خلاف الظاهر.
وفي إطلاق الناظم القول في المسألة إشكال ما، وذلك أن غيره يشترط في وقوع (أن) بعد (لو) أن يكون خبرها فعلا، وذلك ليكون عوضا من ظهور الفعل بعد (لو) وعلى هذا كلام العرب كقوله تعالى: ﴾ ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا﴾ الآية. وقال: ﴾ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ الآية.﴾ ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة﴾ /﴾ ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة﴾ الآية. وهو من الكثرة بحيث لا يحصى، فلا بد من اشتراطه، إذ لا يجوز أن يقال: لو أن زيدا حاضري لأكرمته. وإطلاق النظم يقتضي الجواز، لأنه لم يقيد (أن) بأن يكون خبرها فعلا.
والجواب: أن ذلك غير مشترط، وإنما اشترطه السيرافي.
قال ابن الضائع: وجرى منه على غلط، يعني من السيرافي، وتبعه عليه الزمخشري في"المفصل" ورده ابن الضائع وابن مالك بأن وقوع خبر (أن) غير فعل شائع في كلام العرب، كقوله تعالى: ﴾ ولو أنما في
стр. 3574
الأرض من شجرة أقلام﴾ الآية. ومنه قول الشاعر:
لو أن حيا مدرك النجاح ... أدركه ملاعب الرماح.
وقال الآخر:
ولو أن ما أبقيت مني معلق ... بعود ثمام ما تأود عودها.
أنشدهما المؤلف على ما حكاه عنه ابنه في "التكملة" وأنشد أيضا غير هذين، وأنشد النحويون للفرزدق:
стр. 3575
على حالة لو أن في القوم حاتما ... على جوده لضن بالماء حاتم.
والظاهر أن ذلك لا يلزم، بل يقع خبر (أن) فعلا واسما، وإن كان وقوع الفعل أكثر.
ثم قال: "وإن مضارع تلاها صرفا إلى المضي" يعني أن المضارع إذا تلاها، أي وقع بعدها، فإنه ينصرف بوقوعه بعدها إلى المضي، فيصير في ذلك مثل (لم) و (لما) و (ربما) فتقول: لو يقوم زيد لأكرمته، ومنه قوله تعالى: ﴾ ولو ترى إذ وقفوا على النار﴾ الآية.﴾ ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾.﴾ ولو ترى إذ وقفوا على ربهم﴾﴾ لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون﴾﴾ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾.
فالمضارع في هذه الآيات وأشباهها مصروف إلى الماضي، وكذلك في قول الشاعر.
следующие страницы →