Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4831–4870 · переход к 4836.
стр. 4831
والثاني باب ساباط وخاتام فهو يقتضي أيضا كونه منه وهو من
الاستدلال بالنظير والألف على هذا زائدة فإذا ثبت لنا هذا التعارض حصل
الاحتمال حتى يرد الترجيح وقد رجح فيه باب ساباط وإن كان قليلا
فحكم على باب الدوران بأنه لو كان كذلك لكان داراق دوران* وهامان
وهيمان أو هومان ولم تعتل لأن باب فعلان مما عينه واو أو ياء أن يكون
مصححا فلما لم يفعلوا ذلك دل على أنه ليس منه ليسلم بذلك من ترتيب
إعلال على غير سبب وهذا الترجيح هو مقتضى عبارة التسهيل في قوله
«ويتعين اغتفار قلة النظير إن سلم به من ترتيب حكم على غير سبب»
وقد رجح الجمهور فيه باب فعلان وارتكبوا شذوذ الإعلال فيها لأجل الدخول في
الباب الواسع لكثرة باب فعلان وقلة باب فاعال والحمل على الأكثر متعين
وعلى هذا الأخير حمله سيبويه والمازني وابن جني وغيرهما فأنت ترى
تعارض الأصول في هذه المسألة فهو الداعي إلى التوقف والاحتمال وأما ما
لم يدل دليل على زيادة ولا أصالة فال مرية في دعوى الزيادة فيه جملا على
الأكثر نحو الزامج واللهابة ونحوهما إذ لم يتعارض فيه دليلان كما تقدم من الأمثلة
[٣٦٥]
стр. 4832
وقول الناظم «بِغَيْرِ مَيْنِ» معنى المين الكذب والجمع ميون يقال
أكثر الظنون ميون وقد مان الرجل يمين مينا فهو مائن وميون وود فلان
متماين أي متكاذب
فإن قيل هذه العبارة معترضة من وجهين أعني قوله «بِغَيْرِ مَيْنِ»
أحدهما أنها حشو لا فائدة فيها وقد عرفت عادته في هذا النظم في
شحه بالألفاظ وأنه لا يأتي بها في غالب الأمر إلا لفائدة زائدة وهذا مخالف
لذلك
والثاني على تسليم أنه أتى به حشوا ففي معناه من الضعف والوهن ما
فيه فليت شعري هل كذبه أحد فيما نقل أم هل تطرق إلى ذهن الناظر في
هذه المسألة حصول الكذب في طريقها أو توهمه في راو من رواتها حتى يقول
إن ذلك كذلك بغير كذب؟ هذا معنى عن التحصيل بعيد زيادة إلى كونه
غير مفيد ومن الحشو ما يكون فيه فائدة ما أو تحريض ما كقوله فاعلم
أو فافهم أو فكن متبعا ونحو ذلك ولا يقال إن أرباب الأراجيز أبدا
هذا شأنهم وخصوصا بهذه العبارة نفسها كقول القَلَلَوْسِيِّ
فإنّ ههنا اتفاق المذهبين ... على امتناع ذاك فيه غير مين
وقوله في موضع آخر
وههنا تم الجميع دون مين
وكذلك غيره ممن نظم الأراجيز لأنا نقول غير ابن مالك أعذر في
[٣٦٦]
стр. 4833
هذا النوع من ابن مالك لأن ابن مالك نصب نفسه في هذه الصناعة لتحرير
العبارات واختصارها ووضعها على الأساليب الحسنة والمنازع المستقربة
فيشاح في مثل هذا بخلاف غيره ممن لم يلزم إلا الإتيان بالمعنى كيف كان
وعلى أي وجه أمكنت العبارة فيه وعلى غير تحرز من حشو ولا غيره فمثل
هؤلاء لا كلام معهم في هذه الأشياء للمعرفة بمقاصدهم كما أنا إذا نظرنا في
كتب المتقدمين لا نشاقهم في عباراتهم ولا نتّبّع ألفاظهم هذا التتبع فإنا
إن فعلنا ذلك كنا مخطئين في أخذ كلامهم متعسفين في تقصيدهم ما قصدوا**
ما لم يقصدوا** وابن مالك ومن تبع مثل ما تبع معلوم منهم القصد إلى إغماض
المعاني في العبارات وإدراج الكثير منها في اللفظ اليسير وترك اللفظ
لإيهام يكون فيه واختيار ما يعطي أصل المعنى من غير تطويل وما أشبه
هذا فنحن معامل ابن مالك بما نصب له نفسه
فالجواب أنه لم يرد بقوله «بِغَيْرِ مَيْنِ» ما تقدم وإنما أراد كذب
القضية التي أتى بها وذلك أنه أتى بكلية وهي أن الألف إذا كانت مع ثلاثة
أصول فأكثر فهي زائدة بلا بد ولم يستثن من ذلك شيئا والكلية من حيث
هي كلية في هذه الصناعة قد تكذب في بعض جزئياتها فلا تطرد إذ قد تكون
الكلية ذات حكمين لا حكم واحد فتتقيد بقيود يخرج بسببها بعض جزئياتها
كما يذكر في سائر الحروف الزوائد فليس قوله «بِغَيْرِ مَيْنِ» براجع إلى
الراوي أو إلى القائل بل إلى نفس كلية الحكم كما يقال هذه كلية كاذبة
[٣٦٧]
стр. 4834
إذا لم يجر الحكم في جميع جزئياتها ولا شك أن الألف كذلك* لا تجدها
أبدا مع توفر الأصول إلا زائدة بخلاف سائر الزوائد ومعنى هذا أن النون
مثلا إذا وقعت في الكلمة مع توفر الأصول فلا يحكم عليها بالزيادة أصلا بل
تكون في موضع زائدة كوقوعها ساكنة مفكوكة بين حرفين قبلها وحرفين
بعدها وقد تكون أصلية فيما إذا لم تقع متوسطة أو كانت متحركة أو نحو
ذلك على ما سيأتي إن شاء الله فهذا الحكم مقيد فيها وكذلك سائر الحروف
التي تزاد على حسب ما ذكره بعد هذا فلما كان هذا الإطلاق الذي ذكره ي
الألف يوهم كذب الكلية إذ لم يقيدها بقيد أزال ذلك الإيهام بقوله «بِغَيْرِ
مَيْنِ» أي بغير أن تكذب هذه القضية ولا أن يتخلف عنها قسم من
أقسامها
فإن قيل فهذه الكلية قد يختلف عنها أشياء وذلك بقيام الدليل على
التخلف من اشتقاق أو غيره كما يكون ذلك من غير الألف وإن كانت
الأصول متوفرة
فالجواب أن مثال هذا لا يكون مع توفر الأصول تحقيقا وإنما يكون ذلك عند تنازع حرفين الأصالةَ فيكون أقل الأصول غير محقق كما تقدم* في قطوطى وهامان وأبان وأبوابها وأما أن تجد ثلاثة أصول محققة لا إشكال فيها ثم يدعى بعد ذلك في الألف رابعة لتلك الثلاثة الأصالة فهذا لا يوجد فيما أظن وأما باب حاحيت فليس من هذا الباب وإنما هو من باب المضاعف
[٣٦٨]
стр. 4835
الذي يذكره إثر هذا وهو الذي قال فيه قبل «وَاحْكُمْ بِتَأَصِيلِ حُرُوفِ
سِمْسِمِ ... وَنَحْوِهِ» فالكلية صحيحة والحمد لله
* * *
وَالْيَا كَذَا وَالْوَاوُ إِنْ لَمْ يَقَعَا ... كَمَا هُمَا فِي يُؤْيُؤٍ وَوَعْوَعَا
يعني أن الياء والواو حكمهما في الزيادة حكم الألف وقد تقدم أن
الألف غذا صاحبت أكثر من أصلين فهي زائدة بلا بد فكذلك أختاها إذا
صاحبتا أكثر من أصلين فهما زائدتان أيضا لكن بشرط زائد كما ذكر
وقد تقدمت الإشارة إلى علة هذه الدعوى في ثلاثة الأحرف وأن ذلك
لكثرة الزيادة فيها دون غيرها من حروف الزيادة وهو معنى ما أشار إليه
سيبويه وقال الرماني في شرح «الأصول» حين ذكر حروف الزيادة
وإنما كانت هذه الحروف أحق بالزيادة لأنها حروف مد ولين وما يشبهها من
وجه يقتضي اللحاق بها على مراتبه في القوة والضعف فحروف المد واللين أحق
بالزيادة من جميع الحروف لتمكنها وحسنها في المسموع والتأليف وإمكان
الترنم بها فمن أجل اجتماع هذه الأسباب الثلاثة كانت أحق بالزيادة ثم
الهمزة لأنها مواخية لها بالإعلال فحروف العلة الأربعة أحدها الهمزة لأنها
كثيرا ما تنقلب إلى حرف المد واللين نحو راس وبير وبوس وكذلك كل همزة ساكنة فهي في التخفيف على حركة ما قبلها وأما النون فللترنم الذي
[٣٦٩]
стр. 4836
فيها بالغنة كما هو في حروف المد واللين ولحسن النون في المسموع وأما
الميم فتشبه النون بغنة ضعيفة وهي من مخرج الواو أيضا ولقربها في
المخرج واتساعه كاتساع مخرج الواو قال فهذه هي السبعة التي تكثر
في الزيادة وتدخل في الأبنية على مراتبها في القوة وأما الثلاثة الباقية
فضعيفة في الزيادة لأنها مشبهة بالشبيه فالسين لا تزاد إلا في استفعل
فقط لأنها تشبه التاء في قرب المخرج والهمس وأما اللام فتشبه النون لأنها
وإن كانت من حافة اللسان فهي تستطيل إلى طبقة النون فلم تزد إلى في
عبدل وذلك ولام المعرفة وأما الهاء فمشبهة* بالهمزة لأنها من مخرجها
وهي ضعيفة لخفائها في فلم تزد إلى في آخر الكلمة من نحو يا زيداه في
الندبة والسكت في ﴿ماليه﴾ و ﴿اقتده﴾ فحروف المد واللين
جارية على نسق واحد في الزيادة فإذًا يتصور في الواو والياء من المسائل
ما يتصور في الألف من المسائل وهي خمس إحداها أنه إنما أراد الياء والواو الباقيتين على لفظهما كما كان ذلك في الألف فإذا انقلبتا إلى غيرهما قضي على ذلك الغير بما كان يقضي به عليهما لو كانتا باقيتين على أصلهما ولا محذور في هذا
[٣٧٠]
стр. 4837
والثانية أنهما إذا لم تصاحبا أكثر من أصلين فليستا بزائدتين فالياء
نحو ظبي ويسر ودين والواو نحو موت ودلو وشبه ذلك وذلك لئلا
تبقى الكلمة على حرفين وذلك لا يكون
والثالثة أنه لما لم يعين لزيادتهما موضعا كما عين لغيرهما دل على
أنهما زائدتان حيث وقعتا من الكلمة فأما الياء فتزاد أولا وثانية وثالثة
ورابعة وخامسة فأما زيادتها أولا فنحو يرمع ويعملة ويسروع
ويعضيد وفي الفعل يقوم ويقعد وينطلق وأما زيادتها ثانية
فنحو خيفق وصيرف وغيداق وخيتام وقيصوم وعيثوم
وعيطموس وعيضموز وقيتال وضيراب وحيفس والفعل
نحو بيطر وبيقر
[٣٧١]
стр. 4838
وأما زيادتها ثالثة فنحو عثير وحذيم طريم وسرياح وجريال
وكديون وهليون وسعيد وقضيب وللتحقير نحو كليب ورجيل
ودريهم وكذلك وهبيخ وعليب قال ابن جني «ولا نظير له» وفي
الفعل نحو طشيأ وهيأ وهما مما استدركه الزبيدي على سيبويه في
الأبنية
وأما زيادتها رابعة فنحو دهليز وقنديل ومنديل وشمليل وزميل
وسريط وفي الفعل نحو سلقيت وجعبيت
وأما زيادتها خامسة فنحو عنتريس وشفليق وعرطليل وفي
الفعل نحو احنبطيت** واحرنبيت واسرنديت
وأما الواو فتزاد ثانية وثالثة ورابعة وخامسة
فأما زيادتها ثانية فنحو كوثر وجوهر وتوراب وطومار ودواسر
وحوقل وصومع
وأما زيادتها ثالثة فنحو جدول وقسور وحروع* وقرواش
ودرواس وعجوز وعمود وجهور ورهوك
[٣٧٢]
стр. 4839
وأما زيادتها رابعة فنحو كنهور وبلهور وجرموق
وزرنوق وعطود واخروط واعلوط
وأما* زيادتها خامسة فنحو قندأو وسندأو وعنزهو وعضرفوط
ومنجنون وحيزبون وما أشبه ذلك
ولم تزد أولا كما لم تزد الألف أولا بخلاف الياء وذلك أنها لو زيدت أولا
لم تخل من أن تكون مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة فلو زيدت مضمومة
لاطرد فيها الهمز نحو أقتت وأعد في وقتت ووعد أو مكسورة لكان
القلب أيضا جائزا وإن كان قليلا كإشاح وإسادة في وشاح ووسادة أو
مفتوحة فإما في اسم لكانت تنضم في التصغير فيطرد الهمز كأجيه في وجيه
وإما في فعل لكانت تنضم في بناء المفعول فيطرد الهمز أيضا نحو أعد
في وعد فلما كانت زيادتهم إياها أولا تدعو إلى همزها أو زوال لفظها
والإشكال هل في همزة أصلية أو همزة مبدلة من واو رفض ذلك فيها فلم
تزد أولا فإن قيل فكان يجري** مجرى وعد ووزن
[٣٧٣]
стр. 4840
قيل واو وعد ووزن أصل فاحتمل ذلك فيها وليس الزائد كالأصل
هذا تعليل ابن جني وأصله للفارسي ولا شك أن هذه العلة لا تجري**
في الياء فلذلك زيدت أولا وإطلاق الناظم الزيادة في الحرفين مما يقتضي* ما
اقتضاه في الألف من عدم الاختصاص بموضع من الكلمة دون موضع وذلك
في الواو غير صحيح كما تقدم فكان من الأمر المتأكد عليه أن يستثني الأول
للواو إذ كان إطلاقه موهما صحة الزيادة أ, لا إذا توفرت الأصول وليس
كذلك بخلاف الياء فإن زيادتها أولا جائزة
فإن قيل فكذلك في الألف أيضا وهو قد أطلق القول فيها فكان
معترضا
فالجواب أن زيادة الألف أولا ممتنع في نفسه فلم يحتج إلى التنبيه عليه
بخلاف الواو فالسؤال وارد
والمسألة الرابعة أن الياء والواو لا بد في دعوى زيادتهما من تحقق أكثر
من أصلين كالأمثلة المتقدمة فإن الكلمة على ثلاثة أقسام
أحدهما أن يتحقق فيها توفر الأصول دون الياء والواو فلا شك في
دعوى الزيادة كما قال والثاني أن يتحقق عدم توفرها دون الياء والواو فلا شك أيضا
[٣٧٤]
стр. 4841
في الأصالة فمثال هذا في الياء قولهم سيال وبيان ويسار وما أشبه
ذلك من بيوض وبيوت ونحوه لا بد من أصالة الياء في هذه الأشياء
لتحقق زيادة الألف والواو في هذا ومثاله في الواو قولهم واعد ووازن
وواعد ووازن فالألف مقطوع بزيادتها فالواو لا بد من القطع بأصالتها
وكذلك استوصل واستوعد واستوقد ومن ذلك كثير
والثالث أن يحتمل الأمران فلا يقطع بالزيادة حتى يقطع بأصالة ما
هو أكثر من حرفين ومثال ذلك في الياء قولهم مريم ومدين فالياء ههنا
تتنازعها الأصالة والزيادة فالذي يدل فيها على الأصالة تقدم الميم
وكونها في موضع زيادتها إذ الميم كالهمزة كما سيأتي إن شاء الله
وأيضا إذا ادعي زيادتها كانت الميم أصلية فيكون وزن الكلمة فعيل وذلك
غير موجود إلا ضهيد وقد زعم السيرافي أنه موضوع والذي يدل فيها
على الزيادة أنها لو كانت أصلية لكانت الميم زائدة لكنها ليست كذلك إذ لو
كانت زائدة لوجب اعتلال الياء بالقلب ألفا كمنال ومقام لكنها صحت
فدل أن مريم نظير طريم وعثير والياء فيه للإلحاق بجعفر وأيضا
فإن له نظيرا في الكلام وهو ضهيد فإن نفاه السيرافي فقد أثبته غيره فله
[٣٧٥]
стр. 4842
نظير ومثال ذلك في الواو قولهم غوغاء وضوضاء هذه الواو تحتمل أن
تكون أصلية وتحتمل أن تكون زائدة فالذي يدل على الأصالة أنا إذا
ادعينا زيادتها فيكون وزنها فوعالا وهو قليل كتوراب مع الخروج عن باب
القمقام والصلصال إذا ادعينا أصالة الواو على أن تكون مضاعفة وأيضا
تكون الكلمة من باب ددن وهو نادر والذي يدل على زيادتها أنها لو كانت
أصلية لكان وزن الكلمة إم فعلاء وإما فعلال فأما فعلاء فلا يجوز لأن
الهمزة كانت تكون للإلحاق وليس له ما يلحق به لأن المضاعف لا يلحق به
لاعتزامهم كون هذه النبية مختصة بالمضاعف وفعلال - غير مضاعف - لا
يوجد منه إلا الخزعال والقسطال وكلاهما فيه مقال وأما فعلال فلا ينبغي
أن يحمل عليه لأنهم قالوا غوغاء وضوضاء فمنعوا الصرف ولا يمكن أن
تكون الهمزة إلا للتأنيث فهو إذًا إذا لم يصرف ثلاثي والأصل اتحاد المواد
ما أمكن كما ثبت في الأصول فالأصل أن يدعى أنهما على سواء وأن
الهمزة ليست بأصلية بل زائدة كما كانت زائدة في نظيره فإذا ثبت هذا
التعارض في أمثال هذه المسائل بقيت الواو والياء فيها على احتمال الأصالة والزيادة فلا يصح الحكم عليها بالزيادة البتة ما لم تتحقق أصالة ما سواهما وقد تقدم هذا المعنى في الألف ولا فرق بينها وبين الواو والياء في هذا ولا يقال إن ما أوردته من المسائل ليس من باب المحتمل لأن سيبويه وغيره
[٣٧٦]
стр. 4843
قد حكموا عليها وردوها إلى أن الياء والواو فيها أصول وأجابوا عن
احتمال غيرها بما هو منصوص في دواوين العربية المبسوطة وبنى على
ذلك المختصرون قبولا لما أصلوه وتعويلا على ما ارتكبوه من ذلك فما كان
عندهم مخلصا إلى إحدى الجهتين على غير احتمال لا ينبغي أن يورد مورد
الاحتمال بل هذه المسائل من قبيل ما دل الدليل فيه على أن الأصول لم
تتوفر تحقيقا وإذا** ذاك نقول قد حكم مفهوم كلام الناظم هنا على أصالة
الياء والواو فمن أين تورد مورد الاحتمال لأنا نقول إنما النظر في هذه
المسائل من جهة أنفسها لا من جهة ترجيح مرجح وارتضاء مرتض
والذي لها من النظر من جهة أنفسها وما يتعلق بها من أدلة الأصالة والزيادة
أن لها أدلة دلت على أصالتهما وأدلة دلت على زيادتهما وإذا قام الدليل من
الجهتين وكانا معا ظنيين كما في مسألتنا فلا شك أن التعارض حاصل
فيبقى الترجيح بين الأدلة فربما ذهب ذاهب إلى ترجيح إحدى الجهتين لقوة
الدليل عنده أو لغير ذلك من أوجه الترجيح كما ذهب الناس في مريم ومدين
إلى أصالة الميم وأجابوا عن معارضة التصحيح فيهما بأنه قد يأتي في
الأعلام كثيرا كغيره من مخالفة الأصول من تصحيح ما يعل وإعلال
ما يصحح وفك المدغم وغير ذلك من الشذوذات فدعوى التصحيح
في أمثال هذا ليس بمستنكر بخلاف دعوى زيادة الياء فإنه مخالف
[٣٧٧]
стр. 4844
للقاعدة في زيادة الميم أولا وما استجل به من وجود فعيل بضهيد فغايته
أنه محتمل إذ الناس فيه على فرقتين منهم من يثبته من كلام العرب
ومنهم من يدعي فيه الوضع ولا دلالة في محتمل وهذا الترجيح الذي رجح
الناس به في هذه المسألة وسواها لا يرفع أصل الاحتمال لقيام التعارض بعدُ
وبقاء المسألة في معرض الاجتهاد ألا ترى أنه يجوز لمجتهد آخر أن يخالف
الأول لترجيح ظهر له في دليل الجهة الأخرى أو ضعف في دليل هذه
الجهة لا يوازي ضعف دليل الأخرى أو غيره من الأمور التي يرجح بها وقد
وقع الخلاف في مسائل من هذا القبيل وأصل الخلاف الترجيح لأحد الدليلين
على الآخر ولولا الخروج عن المقصود لأوردت في هذا الموضع مسائل من
هذا القبيل توضح لك ما ذكرته وسيأتي منها أشياء في موضعها إن شاء الله
فأما إذا كانت إحدى الجهتين عارية عن الدليل والأخرى ذات دليل صحيح أو
كان دليلها مقطوعا به أو فيحكم المقطوع به والأخرى ذات دليل لا معتبر
به لضعفه فههنا لا يقول أحد بأن المسألة في حيز الاحتمال كما تقد في
مسألة سيال وبيان ** واعد وازن وما أشبه ذلك فإنه لا يشك أحد في أصالة
الواو والياء هناك وإن لم يقم عليه دليلا فضلا عن أن يستدل بالاشتقاق وهذا
واضح وبالله التوفيق
[٣٧٨]
стр. 4845
والمسألة الخامسة أنه أطلق القول في الواو والياء إطلاقا ولم يخص
للزيادة منها ياء من ياء ولا واوا من واو فدل على أنهما يزادان في جميع
أقسامهما إذا بنيت الكلمة عليهما فأما الياء فعلى خمسة أقسام
أحدها أن تزاد للدلالة على معنى كياء التأنيث في تفعلين على القول
بأنها حرف وكياء التصغير وياء الجمع السالم نحو الزيدين والضاربين
والثاني أن تزاد للإلحاق نحو بيطر وجيئل وصيرف وجذيم
فهذا من إلحاق الثلاثي بالرباعي ومثال إلحاق الرباعي بالخماسي قولهم
عيطموس وعيضموز وخيسفوج فهذا ملحق بعضرفوط وفي الفعل بيطر
وبيقر فهو ملحق بدحرج وكذلك طشيأ ورهيأ
والثالث أن يأتي لتكثير الكلمة نحو عريقصان وعبيثران إذ ليس في
الكلام نحو فعلُّلان ونحو فرنيق إذ ليس في الكلام مثل جردحل
وكذلك ما أشبهه
والرابع أن تكون للمد نحو قنديل ومنديل وسرير وبعير ومنه
في الندبة واغلامكيه* ووامن ضربتيه* وما أشبه ذلك
[٣٧٩]
стр. 4846
والخامس أن تلحق عوضا من محذوف زائد أو أصلي في التصغير أو
التكسير نحو سفاريج وسفيريج ومغتلم ومغيليم ومحمر ومحيمير
وكذلك مغاليم ومحامير لو كسر للجمع وفي خفيدد وعفنجج خفاديد
وعفاجيج وكذلك في نحو جحاجحة وجحاجيح وما أشبه ذلك
وأما الواو فزيادتها تنقسم هذه الأقسام إلا الخامس:
فزيادتها لمعنى كواو الجمع المذكر نحو ضاربون وزيدون وعمرون
ونحو ذلك
وزيادتها للإلحاق نحو جدول وجوهر وحوقل وسردل
وزيادتها للتكثير نحو عبوثران وقمحدوة إذ ليس في الأبنية فعلّلان
ولا فعلّلة فتلحق هذان بهما وكذلك ما أشبههما
وزيادتها للمد نحو بهلول وقبول وكلّوب وقربوس وزرجون
ومنجنون ونحو ذلك
هذه جملة ما أحال عليه في هذين الحرفين ولما كانت الألف لا تكون
أصلا بنفسها في متصرفات الكلم لم يحتج إلى زيادة على ما ذكر فيها بخلاف
هذين الحرفين فإنهما يكونان أصلين وزائدين ولهما في الكلمة الرباعية حكم
لا يكون لهما مع غيرها فأخذ يستثنى ذلك فقال
وَالْيَا كَذَا، وَالْوَاوُ إِنْ لَمْ يَقَعَا ... كَمَا هُمَا فِي يُؤْيُؤٍ وَوَعْوَعَا
[٣٨٠]
стр. 4847
يعني أن الحكم التقدم في الواو والياء إنما هو إذا لم يقعا مضاعفين في
بنات الأربعة فإنهما إذا وقعا كذلك لا يكونان زائدين أصلا وإن توفرت
الأصول بخلاف الثلاثي فإن الحكم فيه كذلك وكذلك الرباعي إذا لم يكن
مضاعفا فالثلاثي نحو بيطر وبيقر عثير* وطريم وحوقل وسرول
وجدول ونحو ذلك والرباعي غير المضاعف نحو غرنيق وعريقصان
والخماسي نحو قذعميل وعلطميس ودردبيس وعضرفوط
وقرطبوس وأما الرباعي المضاعف فلا تزاد فيه واو ولا ياء وإنما تكون أبدا
أصلا أو مثل ذلك بمثال من الاسم ومثال من الفعل دلالة على أن ذلك يكون
في الجنسين لا يختص بواحد منهما فالذي للاسم يؤيؤ وهو طائر من
الجوارح يشبه الباشَق وجمعه يآيئ وقد جاء فيه اليآئي* مقلوبا قال
الشاعر أنشده الجوهري
حفظ المهيمن يؤيؤي ورعاه ... ما في اليآئي يؤيؤ شرواه
والذي للفعل وعوع وهو من قولهم وعوع الذئب وعوعة أي
صوت والوعوعة صوته وأيضا فإنه أتى بالمثالين الياء والواو فحصل من
المجموع أن الواو والياء تكونان في الاسم بالتضعيف وتكونان في
الفعل كذلك فمن مثل الاسم في الياء يؤيؤ واليهيهة ومن الأعلام
[٣٨١]
стр. 4848
يليل وهو نادر مع تقدم الياء وأما مع تأخرها فنحو الحيحاء والعيعاء
والحيحاء والعيعاء والهيهاء وهو قليل أيضا وفي الواو قولهم
الوطواط والوسواس والوعواع والوقواق والوكواك والوصوصة
والوسوسة وهو كثير ومع تأخرها ضوضاء وغوغاء والزوزاة والقوقاة
والضوضاة وما أشبه ذلك ومن مثل الفعل في الياء يهيهت بالإبل** إذا
قلت لها ياهٍ ياه وهو نادر مع تقدم الياء ومع تأخرها نحو حاحيت
وعاعيت وهاهيت وزعم الأخفش أنه لم يأت من هذا النحو إلا هذه الأفعال
الثلاثة وفي الواو قولهم ضوضيت وقوقيت وزوزيت ووسوست ووعوع
وولول ووحوح ونحو ذلك
وقد ذكروا في علة الحكم بأصالة الواو والياء في مثل هذا وجهين:
أحدهما أن التضعيف في بنات الأربعة في الحرفين كالتضعيف في
بنات الثلاثة في أحدهما لأن الحرفين المتباينين وهما الياء والهمزة في
يؤيؤ مثلا إذا ضوعف أحدهما صار مع الآخر بمنزلة رد وشد فصار المجموع
مع المجموع بهذه المثابة فكما لا يقال في رد وشد إن أحد المضاعفين فيه
زائد فكذلك هذا الرباعي لا يقال فيه إلا بأصالة الجميع إذ لا فرق بينهما
فإذا الياءان في يؤيؤ أصلان وكذلك الواو في وعوع ويجري الحكم في
[٣٨٢]
стр. 4849
الباب كله على هذا السبيل وإلى هذا النحو أشار سيبويه في التعليل إذ قال
لما تكلم على ضوضيت وصيصية ونحوهما «فإذا ضوعف الحرفان في
الأربعة فهو كالحرفين في الثلاثة»
فإن قلت إن هذا الكلام إنما هو في زيادة التضعيف ومسألتنا خارجة
عنه لأن دعوى الزيادة هنا عند ادعاها** إنما هي من «سألتمونيها» وبينهما
فرق كبير في الأحكام فكيف يستدل بعدم زيادة التضعيف على عدم زيادة
سألتمونيها؟ هذا مشكل
فالجواب أن الحكم هنا في نوعي الزيادة متفق لأن من شرط دعوى
الزيادة توفر أقل الأصول وهذا لا يختص بزيادة «سألتمونيها» دون زيادة
التضعيف ولا بالعكس بل الحكم فيهما واحد لتعلقه بأمر واحد وإذا كان
كذلك صح أن يستدل بهذه القاعدة الكلية على أمر كلي يدخل تحته هذا الجزئي
الذي في أيدينا لأنه إذا كانت دعوى زيادة أحد المضاعفين لا يمكن هنا
فكذلك زيادة ما كان من «سألتمونيها» وعلى هذا الترتيب يلزم ألا يزاد أحد
المضاعفين أيضا بالتضعيف إذ يؤيؤ ووعوع المضاعفان فيهما من حروف «سألتمونيها» وهذا بالقصد الثاني وإلا فقد تكلم الناظم على منع زيادة أحد المضاعفين في مثل هذا
[٣٨٣]
стр. 4850
والوجه الثاني أن هنا ما كان نحو يهية ووحوح وهذا إما أن يكون
وزنهما وَفْعَلا ويَفْعَل والأول معدوم في الأبنية والثاني قليل لا يحمل مثل
هذا عليه وأيضا تكون الكلمة من باب سلس وهو قليل أو يكون وزنهما
فَعْوَلا وفَعْيلا وكلاهما يلزم منه كون الكلمة من باب ببر وددن وهو
نادر فلم يبق إلا أن يكون فَعْلَلا فتكون جميع الحروف أصولا وهو المطلوب
وما كان نحو ضوضيت وحاحيت إما أن يكون وزنهما فعليت كسلقيت
وهذا يلزم منه كون الكلمة من باب سلس وهو قليل وهذا كثير أعني
في الأسماء والأفعال على الجملة ولا يحمل الكثير على الباب القليل
إلا بدليل وأيضا قد قالوا في بعض ذلك ضوضاء وغوغاء بمنزلة زَلزال
وقلقال فينبغي حمل باقي الباب عليه لأن فيه حمل المتماثلات على باب
واحد وأيضا فيه الدخول في أوسع البابين أو يكون وزنهما فوعلت كحوقلت
وهذا أبعد في الجواز إذ يلزم جعل الفاء والعين من باب واحد كددن وببر
وهو نادر وإذا امتنع باب سلس أن يحمل هذا عليه فباب ددن أولى بالامتناع
[٣٨٤]
стр. 4851
وفي قوله «وَالْيَا كَذَا وَالْوَاوُ» إلى آخره إخبار بأن الياء والواو لا
تكونان أصلا في الأربعة كما تقدم وهذا صحيح لكنه قد يأتي أصلا فيها
قليلا وإن لم يكن الاسم مضاعفا وذلك قولهم ورنتل فالنون زائدة
لوجود شرط الزيادة وهو وقوعها ساكنة مفكوكة بين حرفين قبلها وحرفين
بعدها والواو أصلية لأنها لو كانت زائدة لكانت زيادتها أول الكلمة وذلك
غير موجود فلا يصح دعوى زيادتها أول الكلمة
فإن قيل وكذلك أيضا لا تكون أصلا في بنات الأربعة بغير تضعيف
فقد تعارض فيها أصلان فلم حكمت بأصالة الواو دون زيادتها؟
فالجواب أن جعلها أصلا أقوى لأنا قد رأيناها أصلا في بنات
الأربعة على الجملة وذلك مع التضعيف فنحن نجعلها أيضا كذلك مع فقد
التضعيف للضرورة وهذا أسرع من أن تزيدها أولا ولم نرهم زادوها
أولا بوجه من الوجوه وقد جعلوها أصلا في الأربعة في بعض المواضع وهو
التضعيف فجعلها أصلا أولى فتأمله
* * *
وَهَكَذَا هَمْزٌ وَمِيمٌ سَبَقَا ... ثَلَاثَةً تَأْصِيلُهَا تَحَقَّقَا
يعني أن الهمزة والميم يحكم بزيادتهما كما حكم بزيادة الألف والياء
والواو لكن لا مطلقا بل بثلاثة شروط
[٣٨٥]
стр. 4852
أحدها كون الهمزة والميم سابقين للأحرف الثلاثة
والثاني أن يكون بعدهما ثلاثة أحرف أصول
والثالث أن يكون أصالتها محققة لا بالاحتمال
فالأول يدل عليه قوله «سَبَقَا ... ثَلَاثَةً» والألف في «سَبَقَا» ضمير التثنية
عائد على الهمزة والميم والثاني بين من قوله «سَبَقَا ... ثَلَاثَةً تَأْصِيلُهَا
تَحَقَّقَا» والثلاثة هي ثلاثة حروف أصول والثالث مأخوذ من قوله «تَأْصِيلُهَا
تَحَقَّقَا» أي لا بد من كون الأصالة في تلك الحروف الثلاثة قد تحققت
وصحت وثبتت ولا بد من تفصيل أحكام هذه الشروط بالنسبة إلى كل واحد
من الحرفين نبدأ بما بدأ به فنقول:
أما الهمزة فلا بد فيها من تلك الشروط وحينئذ يحكم بزيادتها
فالشرط الأول سبقيّتها فإن لم تكن سابقة فلا يحكم لها بزيادة على مفهوم
كلامه فنحو بلأنٍ وبرائل والشأسم واطمأن وازبأر وتكرفأ وما
أشبه هذا مما الهمزة فيه غير سابقة لا يحكم عليها بالزيادة أصلا إذ لم
تكثر زيادتها هنالك كثرة توجب القضاء بزيادتها مع الجهل بدليل ذلك فيها أو
دليل خلافه وذلك أن الهمزة إذا وقعت أولا قد كثرت زيادتها جدا فيما عرف
اشتقاقه وتصريفه في الأسماء والأفعال فأفعل في الأفعال والصفات كثير
[٣٨٦]
стр. 4853
فذكر سيبويه وغيره أن الهمزة متى ما وقعت أولا وأمكن جعلها زائدة
قضي بذلك حتى يدل دليل على الأصالة كأفكل مثلا يقضى على همزته
بالزيادة وإن لم نعرف له اشتقاقا ولا تصريفا يدل على زيادتها قال لأن
ما عرف اشتقاقه فقضي فيه بزيادة الهمزة لا يحصى كثرة فتحمل همزة أفكل
على الأكثر فإذا لم تكن سابقة فالأكثر أصالتها فيما عرف اشتقاقه
أو تصريفه فليُقضَ بالحمل على الأكثر فيما لم يعرف له اشتقاق ولا تصريف
والشرط الثاني أن يكون بعد الهمزة ثلاثة أحرف أصول فلا بد منه
فإنه إن كان بعدها ما هو أكثر من ثلاثة أصول فلا بد من القضاء بأصالة
الهمزة وذلك كإصطبل فهو كجردحل لأن القاعدة أن بنات الأربعة لا
يزاد فيها من أولها إلا في الأفعال والأسماء الجارية عليها نحو مدحرج
وكإردخل واصطفلينة وإصفعندا وأُصطكمة وأَطربون الروم وكذلك
إبريسم إبراهيم* وإسماعيل همزاتها كلها أصول لو كانت عربيات ولذلك
رد المبرد على سيبويه في تصغيرهما بإسقاط الهمزة بريهيم وسميعيل وقال
القياس أُبيرية وأُسيميع وما قاله من القياس صحيح غير أن قول سيبويه
أصح في التصغير وقد تقدم بيان ذلك في بابه
[٣٨٧]
стр. 4854
والشرط الثالث أن تكون أصالة الأحرف الثلاثة محققة فلو كانت غير
محققة لم يقض بزيادة الهمزة لأنها لو قضي بزيادتها لأمكن بقاء الكلمة على
أقل من ثلاثة أحرف وبيان ذلك أن ثلاثة الأحرف التي بعدها إما أن تكون
مقطوعا بأصالتها وسواء أكان معها زوائد أم لا كأحمر وأصفر
وأبيض وأحمد وإجفيل وإخريط وأترجة وأزمولة وإدرون وإصليت
وإهجيرَى وإجريا وأكرم وأعلم وأطاع وأسطاع وما أشبه ذلك فلا
شك في دعوى زيادة الهمزة وإما أن تكون مقطوعا بزيادة بعضها كأمان
من الأمن وإسار من الأسر وإناء واحدِ الآنية فلا إشكال في أصالتها
وذلك مأخوذ من مفهوم كلامه لأن تأصيل ثلاثة الأحرف هنا ليس بمتحقق
وإما أن تكون محتملة فلا يقطع بأصالة جميعها ولا بخلاف ذلك فمفهوم كلام
الناظم في هذا أيضا أنه لا يحكم بزيادة الهمزة ما لم تبيّن** فيها أمر
فيحكم على الهمزة بمقتضاه ولهذا القسم أمثلة منها أيدَع يقال هل
هو أفعل كأفكل فتكون الهمزة زائدة لأصالة الياء أو فيعل كجيئل
فتكون الهمزة أصلية والياء زائدة كلا الوجهين محتمل لأن كلا واحد منهما
يجذبه إليه باب متسع وكالأوتكى ألفه للتأنيث بلا بد فيبقى النظر
[٣٨٨]
стр. 4855
بين الهمزة المصدرة والواو بعدها هل يحكم بزيادة الهمزة فتكون أفعلى من
باب الأجفلى وعلى هذا حمله القالي أو يحكم بزيادة الواو فيكون
فوعلى من باب الخوزلى وعلى هذا حمله غيره وكذلك أفعى هل يكون
وزنها أفعل فتكون الهمزة زائدة والألف أصلية أو بالعكس فيكون وزنه
فضعلى** وكذلك إبّانُ يحتمل أن يكون إفعال فتكون الهمزة زائدة أو فِعّال
فتكون أصلية وإحدى الباءين زائدة ومن هذا كثير جدا فمثل هذا عند
الناظم لا يحكم على الهمزة فيه بزيادة ما لم تتحقق بعدها أصول ثلاثة
فإن قلت كيف تتحقق في هذه الأشياء الزيادة من الأصالة؟
فالجواب أن تحققها يكن فيما لم تتعارض فيه الأدلة بالدليل
الاشتقاقي أو التصريفي وقد تقدم في القسم المتحقق كأمان وإسار وإزار
وفيما تعارضت فيه الأدلة بالترجيح لأحد الوجهين على الآخر وكذلك في
جميع ما تقدم من المحتملات في باب الألف والواو والياء وهذا بالنسبة إلى
المجتهد لا بالنسبة إلى المسألة في نفسها فإنها أبدا مع التعارض محتملة
وسيأتي ذلك بعدُ بحول الله تعالى
وأما الميم فكالهمزة في الحكم والشروط:
فأما الشرط الأول وهو السبقية فلازم فلو كانت الميم غير سابقة لم يحكم بزيادتها هكذا مطلقا على ما أفهم كلامه كالبسملة والثرملة
[٣٨٩]
стр. 4856
والبرهمة والحرمل والبرطام والخرمل والشمردل والهمرجل والسرمق
والحملاق وما أشبه ذلك فالميم في هذه الأشياء أصلية لا زائدة لكونها
غير أول وإنما كان ذلك لما تقدم في الهمزة لأن الميم كثرت زيادتها أولا فيما
عرف اشتقاقه كأسماء المصادر والأزمنة والأمكنة وأسماء الآلات وأسماء
المفعولين وما أشبه ذلك فكذلك يحكم عليها بالزيادة فيما لم يعرف له
اشتقاق ولا تصريف حملا على الأكثر وأما إذا كانت غير أول فتقلّ
زيادتها جدا فيما عرف له اشتقاق أو تصريف فإذًا لا يحكم بزيادتها إلا بثبت
إذا لم يدل عليها دليل
وأما الشرط الثاني وهو أن يقع بعد الميم ثلاثة حروف أصول فملتزم
أيضا فإن لم يكن بعدها إلا أكثر من ثلاثة فلا بد من الحكم بأصالتها نحو
مرزجوش ومردقوش والعلة في هذا هي العلة في الهمزة من كون الزيادة
لا تلحق أول الرباعي إلا في الأفعال والأسماء الجارية عليها نحو يدحرج
ومدحرج وما أشبه ذلك
وأما الشرط الثالث وهو أن تكون تلك الأحرف الثلاثة قد تحققت
أصالتها وصحت فإنها إن لم تتحقق بل تحققت زيادة بعضها فلا بد من الحكم بأصالة الميم للضرورة لئلا تبقى الكلمة على حرفين وذلك نحو المنون
[٣٩٠]
стр. 4857
ومائس وماحل** ومشقاء ومحاق ومذيق وما أشبه هذا
وكذلك إن لم تتحقق زيادة ولا أصالة في ثلاثة الأحرف فإنه لا يحكم على الميم
بزيادة ما لم يتبين الأمر فيها ولذلك أمثلة منها مجن يحتمل أن تكون
النونان معا أصلين فتكون الميم زائدة ووزن الكلمة مفعل ويدل على ذلك
الاشتقاق من الجُنة وجنه* الشيء وأجنه أي ستره لأن المجن ساتر عن
الأذاة في الحرب وإلى هذا مال الزبيدي ويحتمل أن تكون إحدى النونين
زائدة فتؤصل الميم على هذا ويكون وزن الكلمة فعلا كخدب ويدل على
هذا الاشتقاق من مجن أي صلب وإلى أصالة الميم ذهب سيبويه
ومنها مأجج ومهدد يحتمل أن يكون أحد المضاعفين زائدا فتكون الميم
أصلية ووزن الكلمة فعلل وظهر التضعيف لأجل الإلحاق بجعفر وهذا قول
سيبويه ويحتمل* أن يكون المضاعفان معا أصلين فتكون الميم
[٣٩١]
стр. 4858
زائدة ويكون وزن الكلمة مفعلا ويترجح هذا بأن زيادة الميم أولا أولى من
زيادة ما بعدها من حرف لين أو تضعيف وظهور التضعيف من باب
محبب أجاز هذا السيرافي وإن كان قد قوى قول سيبويه
هذا تفسير كلامه إلا أن عليه اعتراضا من خمسة أوجه
أحدها أنه ذكر شرط السبقية للهمزة والميم لا مطلقا بل بقيد أن
تسبق ثلاثة أصول والتقييد بهذا لا يقتضي السبقية بإطلاق أعني أ، تكون
الميم أو الهمزة سابقة لجميع الحروف وإنما يقتضي سبقيتها للثلاثة
خاصة فأعطى هذا التقييد أن نحو شمردل وهمرجل الميم فيه زائدة لوجود
شرطه من سبقيتها لثلاثة أصول محققة وكذلك في الهمزة إن وجدت ثانية في
اسم خماسي وهذا غير صحيح بل المراد عند النحويين أن تكون الميم سابقة
لجميع الحروف على الإطلاق بحيث لا يتقدمها حرف البتة فكان كلامه على
الظاهر معترضا
والثاني أنه يدخل عليه في هذا العقد ما كان بعد الهمزة أو الميم فيه
أربعة أحرف أصول كإصطبل أصطكمة ومرزجوش لأنه قال «سَبَقَا ...
ثَلَاثَةً» وهذا قد يسبق أربعة وكل ما سبق أربعة فقد سبق ثلاثة من باب
أولى فاقتضى هذا الإطلاق زيادة الميم والهمزة في مثل هذه الأشياء وهو
على خلاف ما تقدم من التفسير وعلى خلاف ما قاله النحويون
[٣٩٢]
стр. 4859
والثالث أن قوله «وَهَكَذَا هَمْزٌ وَمِيمٌ سَبَقَا» يعني مثل ما تقدم في
أنه زائد بلا بد إذ تقدم في الألف قوله
فَأَلِفٌ أَكَثَرَ مِنْ أَصْلَيْنِ ... صَاحَبَ، زَائِدٌ بِغَيْرِ مَيْنِ
فقطع بالزيادة ثم عطف على ذلك الياء والواو وأن حكمهما كذلك ثم
أتى بهذا أيضا محالا به على ما تقدم فاقتضى أن الزيادة في مثل هذا
مقطوع بها وغيره لا يجعل الزيادة مقطوعا بها وإنما يجعلها من باب
الحمل على الأكثر مع إمكان أن تكون أصلية وكلام سيبويه على هذا يدل لا
على القطع بالزيادة قال في أبواب ما ينصرف «واعلم أن هذه الياء والألف
- يعني في نحو أعْصُرَ ويَعْصُرَ - لا تقع واحدة منهما في أول اسم على أربعة
أحرف إلا وهما زائدتان؛ ألا ترى أنه ليس من اسم مثل أفكل يصرف وإن لم
يكن له فعل يتصرف» قال «ومما يدلك على أنها زائدة كثرة دخولها في
بنات الثلاثة» فهذا استدلال منه بما عُرف أنه أفعل بالاشتقاق أو بمنع
الصرف على ما لم يعرف ثم قال «فهذه الياء والألف تكثر زيادتهما في
بنات الثلاثة فهما زائدتان حتى يجيء أمر بين نحو أولقٍ فإن أولقا
إنما الزيادة فيه الواو ويدلك على ذلك قولهم قد أُلِقَ الرجل فهو مألوق» قال
«ولو لم يتبين أمر أولق لكان عندنا أفعل لأن أفعل من هذا الضرب أكثر من
فوعل» فتأمل قوله «فهما زائدتان حتى يجيء أمر بين» وقوله «ولو
لم يتبين» إلى آخره فإنه في غاية الظهور في الحمل على الأكثر لا على
[٣٩٣]
стр. 4860
القطع بل على الإسناد إلى أوسع البابين وإن كان الاحتمال باقيا كما
يرجح أحد المحتملين بوجه من وجوه الترجيح قال ابن الضائع بعدما قرر
شيئا من هذا المعنى «ومما يدل على أن هذه الهمزة كذا أنّ الميم مثلها في
الزيادة أولا من غير فرق وقد قضى سيبويه بأصالة الميم في المرجل
والمراجل بقولهم ممرجل فقضى بأصالتها وبعدها ثلاثة أحرف أصول» **
واعترض على ابن عصفور في جعله هذا النحو مما يقطع فيه بزيادة الهمزة
لأنه قال في الممتع «وإن كان بعدها ثلاثة أحرف مقطوع بأصالتها قطع بأنها
زائدة» قال «لأن كل ما عرف اشتقاقه من ذلك فالهمزة فيه زائدة وما» **
وما اعترض به ظاهر؛ إذ القطع في أمثال هذه الأشياء متعذر لاحتمال أن تكون
الهمزة أصلا بدليل من اشتقاق أو تصريف لم نطلع عليه فكيف يدعى القطع
هنا؟ ! هذا خطأ ممن ادعاه والناظم ممن يدعي ذلك فهو مخطئ
والرابع أن قوله «تَأْصِيلُهَا تَحَقَّقَا» يقتضي أن الحكم بالزيادة لا
يكون إلا فيما تحقق فيه أصالة الحروف وأما ما لم تتحقق فيه فلا يحكم
بزيادة الهمزة ولا الميم وهو ما يعطيه المفهوم وهذا المعنى غير صحيح أيضا
لأنهم قد قالوا إن الهمزة والميم إذا كان بعدها ثلاثة أحرف وبعضها
محتمل للزيادة فهما محكوم عليهما بالزيادة وعلى ما عداهما بالأصالة كأفعى
وإشفى وموسى وغيرها قال ابن الضائع: لأنهم استقرءوا ما
[٣٩٤]
стр. 4861
كان من هذا النوع فوجدوا الهمزة مما عرف اشتقاقه زائدة إلا في ألفاظ شذت
وكذلك في الميم فلذلك قيل بزيادتهما قال سيبويه في أفعى وموسى
«الألف فيهما بمنزلة مرمى» قال «فإذا لم يكن ثبت فهي زائدة وإن لم
تشتق من الحرف شيئا تذهب فيه الزيادة» وكذلك قال في التسهيل
«وتترجح زيادة ما صدر من ياء أو همزة أو ميم على زيادة ما بعده من حرف
لين أو تضعيف» وكلامه هنا يفهِم خلاف هذا المنطوق فكان غير صحيح
والخامس أن الحكم إن كان يطرد له في الأسماء فلا يطرد له في
الأفعال فإن الأفعال لا تزاد في أولها الميم قياسا ولم يكثر في الكلام كثرة
توجب القول بالقياس بل لم يحكه الناس إلا نادرا قال ابن جني «والعم
أن الميم من خواص زيادة الأسماء ولا تزاد في الأفعال إلا شاذا نحو
تمسكن الرجل وتمدرع من المدرعة وتمندل من المنديل وتمنطق من
المنطقة وتمسلم الرجل إذا كان يدعى زيدا أو غيره ثم صار يدعى مسلما
وحكى ابن الأعرابي عن أبي زياد فلان يتمولى علينا فهذا كله تمفعل»
وهذا يعد من زيادة الميم حشوا لا أولا ومن ذلك عده بعضهم وهو صحيح؛
إذ لم يسمع فيه مفعل مجردا من التاء قال ابن جني «وقالوا مرحبك الله
ومسهلك وقالو مخزق الرجل وضعفها ابن كيسان وهذا كله مفعل» قال
«ولا يقاس على هذا إلا أن يشذ الحرف فتضمه إليه» هذا ما حكى قالوا
[٣٩٥]
стр. 4862
وكلام العرب تسكن وتدرع وتندل كذلك وتنطق لم يحك الجوهري غيره
وذكر أن المخرقة مولدة وهي التي قيل منها مخرق ولذلك ضعفها ابن
كيسان وإذا صحت لم يُبن عليها لشذوذها فكيف يطلق القول في زيادة هذا
الميم أولا مع أنها لا تزاد في الأفعال إلا ببيان؟ أما الهمزة فإطلاقه فيها
صحيح لكثرة أفعل في الكلام فقد ظهر أن كلامه في هذه المسألة على غير
تحصيل
والجواب عن ذلك أن يقال:
أما الأول فإن قوة كلامه تعطي السبقية على جميع أصول الكلمة لا على
ثلاثة منها فقط وإذا كان ذلك مفهوما من كلامه وجب الحمل عليه ولم يصح
حمله على غيره
وأما الثاني فإنما أراد نفس الثلاثة التي تخالف الأربعة ولم يرد أن
يقول ثلاثة فأكثر وإنما قصد تعيين الثلاثة بخصوصها حتى كأنه قال سبق
ثلاثة لا أقل ولا أكثر فيخرج عن هذا ما سبق أربعة فأكثر وهذا مفهوم اللفظ
من حيث هو
وأما الثالث فالقطع المذكور هنا إذا سلم إنما هو القطع بالحكم لا
القطع بالزيادة فيهما فرق وبيانه أن القطع بالزيادة كما إذا قال في أفكل
مثلا إنه أفعل على القطع مشكل لإمكان أن يكون له دليل على الأصالة
وأن وزنه فعلل لكنا لم نطلع عليه فلا يتأتى ههنا القطع كما تقدم في
[٣٩٦]
стр. 4863
السؤال وأما القطع بالحكم بالزيادة فلا إشكال فيه لأنا إذا قلنا همزة
أفكل يمكن أن تكون في نفس الأمر زائدة أو أصلية لكن الأكثر في
مثلها الزيادة فنحكم نحن عليها بالأكثر ونقطع بهذا الحكم على غير تردد
حتى يتبين خلافه ولا شك أن الأمر عند النحويين كذلك إذ لم يحكموا في
مثل هذا بالتردد وإنما حكموا بالزيادة ولا يلزم من القطع بالحكم بالزيادة
القطع بالزيادة ونظير هذا قولهم في الفقه حين حدّوه هو العلم بالأحكام
الشرعية إلى آخره مع أن الفقه من باب المظنون لا من باب المعلوم على ما
قالوه ولكن أجابوا بهذا النحو وهو أن العلم راجع إلى نفس الحكم والظن
راجع إلى نفس الاستنباط فكون هذه الصورة مثلا مساوية لأخرى منصوص
عليها مظنون بلا شك وكونك حكمت على هذه بحكم هذه مقطوع به لأنه حكم
الله تعالى في حق المكلف على الجملة وهكذا مسألتنا لمّا غلب على الظن
أن همزة أفكل زائدة قطعنا بالحكم بزيادتها فالحكم هو المقطوع به
ومناط الحكم مظنون فلا تدافع ولا إشكال على قول الناظم بخلاف كلام ابن
عصفور إن لم يُتأول على أنه أراد** القطع بالحكم وهو الظاهر من قصده والله
أعلم وأما الرابع فقد يلتزمه الناظم ويقول بموجبه وذلك أن ما كان نحو أفعى وموسى ونحوهما يتجاذبه أصلان وهما دعوى زيادة الهمزة ودعوى زيادة الألف لأن كل واحد منهما تكثر زيادته في موضعه فلما اجتمعا مع
[٣٩٧]
стр. 4864
حرفين طلب كل واحد منهما الآخر بالأصالة لتثبت زيادته في نفسه فقد
تعارض الأمران فيهما وإذا كان كذلك صارت المسألة كما لو تعارض فيها
دليلان وقد تقدم أنه من قسم المحتمل بلا شك فهذا القسم أيضا من أقسام
المحتمل ويدل على ذلك من كلامه في التسهيل قوله «وتترجح» لأن
الترجيح لا يكون إلا عند التعارض
فإن قلت فإذا كان كذلك فالناظم مطالب بتخليص المسألة إلى طرف
وذلك بترجيح أحد المحتملين على الآخر وإلا كان مهمل الحكم
فالجواب أنه قد التزم تخليصه في آخر هذا النمط بإشارة تعطي
المقصود من ذلك وسيأتي إن شاء الله تعالى
فإن قلت إن قسم المحتمل إذا خرج عن الحكم بالزيادة فإلى أي حكم
ينتسب؟ وما المفهوم من** كلامه فيه؟
فالجواب أن المفهوم فيه عدم الحكم بالزيادة لأنه نقيض الحكم بها
فإن قلت هل عدم الحكم بالزيادة حكم بعدمها أعني بعدم الزيادة
وأن الحرف ليس بزائد أو لا؟
فالجواب أنه ليس بحكم بالزيادة وإلا كان قد حكم بالزيادة على
المحتمل للأصالة فكما لا يحكم بالأصالة عليه كذلك لا يجوز الحكم بالزيادة
لأن الحكم بأحدهما لا يكون إلا بعد تعين إحدى الجهتين ورفع الاحتمال أعني
[٣٩٨]
стр. 4865
الاحتمال المساوي وإنما هو عدم حكم وعدم الحكم ليس بحكم بل هو
سكوت عنه فلا يفهم من كلامه إلا أن المحتمِل لا يقضى عليه بزيادة وهكذا
في جميع ما تقدم من المحتملات
وأما الخامس فظاهر وروده عليه وأنه يلزمه أن يدعي في نحو مَرْطَلَه
بالطين أي لطخه زيادة الميم وكذلك في مَرْجَلَ الذي يجري عليه المُمَرْجَل
في قول العجاج أنشده سيبويه
بشية كشية الممرجل
وسيبويه وغيره قد جعلوا الميم أصلية وكذلك في المراجل الذي اشتق
منه الممرجل وهو ثياب الوشي وأن يقول إن ميم امْذَقَرَّ زائدة
وكذلك ما أشبه هذا
والهمز أراد به الهمزة وكلاهما مستعمل على معنى واحد في
العرف وإن كان الأصل أن يقال إن الهمز جنس الهمزة
والتأصيل مصدر أصّلتُه تأصيلا وكان الأولى أن يقول تأصُّلُها إذ هو بمعنى الأصالة أي تحققت أصالتها وليس المعنى على أن تأصيل الغير لها تحقق بل المعنى تحققت هي في نفسها فقط
[٣٩٩]
стр. 4866
فإن قلت لعله يريد معنى ظاهر اللفظ ويكون التأصيل عبارة عن إقامة
الدليل على أصالتها
فالجواب أن الناظم لا يريد هذا المعنى ههنا لأن التأصيل إنما يكون
بالدليل وذلك إنما يكون في قسم المحتمل للأصالة والزيادة وما احتمل ذلك
لم يتكلم فيه هنا والكلام فيه يأتي وإنما تكلم هنا على الحروف الغنية
عن إقامة الدليل على الأصالة فالظاهر أن التأصيل هنا استعمله بمعنى
التأصل مجازا
فإن قلت لا منجى لك مما فررت منه لأن التأصل مطاوع التأصيل
فهو ملازم له تقول كلفته فتكلف وعلمته فتعلم وحملته الأمر فتحمله
فكذلك يكون التأصل مطاوعا لقولك أصلته فتأصل
فالجواب أن تفعّل كما يكون لمطاوعة فعّل كذلك يكون لغير ذلك فقد
يوافق المجرد كأصُل وتأصّل وعجِب وتعجّب ولبث وتلبّث ونحوها وأيضا
فعّل بعينه قد يكون بمعنى تفعّل كولّى وتولّى وبين الشيء وتبين وفكر في
الأمر وتفكر فيه ويمّمتُ الموضع وتيممته وإذا ثبت هذان الاستعمالان
أمكن جعل التأصيل عليهما أما الأول فيكون التأصيل بمعنى التأصل
الموافق لأصُل وهو موجود في الكلام وأما الثاني فيكونان معا بمعنى واحد
[٤٠٠]
стр. 4867
كأنه قاس على ما جاء منه إن لم يكن سُمع أصّل وتأصّل بمعنى واحد والأمر
في إطلاق هذا اللفظ قريب
* * *
كَذَاكَ هَمْزٌ آخِرٌ بَعْدَ أَلِفْ ... أَكْثَرَ مِنْ حَرْفَيْنِ لَفْظُهَا رَدِفْ
وجدتُ في نسختي - وهي فيما أظن من أصح ما يوجد من هذا النظم -:
«كذاك همزُ آخرٍ» بإضافة الهمز إلى آخر ولو قال كذاك همزٌ آخرٌ فحمل
الآخر صفة عليه لصح المعنى أيضا وكذا وجدته في بعض النسخ فإن
كان على إجرائه صفة فلا إشكال وإن كان على الإضافة فهمز الآخر الذي
ذكر يحتمل وجهين:
أحدهما أن يريد المصدر نفسه كأنه أطلق على الهمزة على معنى
مفعول كما يطلق الخلق ويراد به المخلوق نحو قول الله تعالى ﴿هذا خلق
الله﴾ أي مخلوقه فكذلك يكون التقدير هنا: كذاك مهموز آخر ويريد
الحرف المهموز
والثاني - وهو الأظهر - أن يريد نفس الهمزة كأنه قال كذاك همزة
الآخر أي الهمزة المنسوبة إلى الآخر
إلا أن الوجهين معا فيهما نظر لأن الآخر هو الهمزة بعينها على
مقصده فيكون التقدير كذاك حرف الآخر أو همزة الآخر وهو لا يصح
لأن المعنى كذاك آخر الآخر أو همزة الهمزة
[٤٠١]
стр. 4868
ويجاب عنه بأن الآخر أعم من الهمزة فآخر الكلمة من حيث معقوليته
يصح أن تقع فيه الهمزة وغيرها إذ لم يرد كلمة مخصوصة وإنما أراد
الكلمة الكلية الواقعة على كثيرين فالآخر أيضا كلي كذلك وإذا ثبت هذا
صح أن تضاف الهمزة إليه فيقال همزة الآخر ويكون على هذا من إضافة
الموصوف إلى الصفة نحو قوله تعالى ﴿ولدار الآخرة﴾
وقوله «بعد ألف» في موضع الصفة لهمز أي همز كائن بعد
ألف
وقله «أَكْثَرَ» مفعول برَدِف وهو بمعنى تبع و «لَفْظُهَا» مبتدأ
خبره ردف ومعمول الخبر هنا متقدم على المبتدأ وهي مسألة مختلف في
جوازها وقد تقدم التنبيه على ما جاء في هذا النظم من هذا النوع كقوله:
بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم ميزه حصل
وغير هذا من المواضع والجملة من المبتدأ والخبر في موضع الصفة
لألف والتقدير بعد ألف رادف لفظها أكثر من حرفين. معنى الكلام أن
الهمزة الواقعة آخر الكلمة بعد ألف وقبل تلك الألف أكثر من حرفين
يعني ثلاثة أحرف فأكثر محكوم عليها بالزيادة مطلقا
[٤٠٢]
стр. 4869
وقد ذكر للهمزة المحكوم عليها بهذا الحكم أوصافا لا بد من وجودها
وحينئذ يعمل القياس وهي ثلاثة:
أحدها أن تقع آخر الكلمة بحيث لا يكون بعدها حرف آخر وذلك قوله
«كَذَاكَ هَمْزٌ آخِرٌ» ومثاله قولك حمراء وصفراء وصحراء وبروكاء
وسيراء وقاصعاء وعلباء وحرباء وقوباء وقصباءة وطرفاءة وما
أشبه ذلك فلو لم تكن في آخر الكلمة لم يقض عليها بالزيادة على مفهوم
كلامه وإنما أصل الدعوى فيها الأصالة كاطمأن وازبأر وما أشبه ذلك
والوصف الثاني أن تكون الهمزة بعد ألف كما تقدم من الأمثلة فلو لم
يكن قبلها ألف فمفهوم الكلام الحكم بالأصالة ومثاله قولهم اطلنفأ
واليرنَّأُ وما أشبه ذلك ومن هنا يحكم على همزة غِرْقئٍ* وكِرْفِئَة
وطهلئة بالأصالة وقد ادعى بعضهم فيها الزيادة حكاه الجوهري عن
الفراء وقال ابن جني: «**وذهب أبو إسحاق إلى أن غرقئ البيضة
[٤٠٣]
стр. 4870
همزتُه زائدة ولم أره علل ذلك باشتقاق ولا غيره» قال** «ولست أرى للقضاء
بزيادة هذه الهمزة وجها من طريق القياس وذلك أنها ليست بأول فيقضى
بزيادتها ولا تجد فيها معنى غرق اللهم إلا أن تقول إن الغرقئ
يشتمل على جميع ما تحته من البيضة ويغترقه وهذا فيه عندي بعد ولو
جاز اعتقاد مثله على ضعف لجاز لك أن تعتقد في همز كِرفئة أنها زائدة
وتذهب إلى* أنها في معنى كَرَفَ الحمارُ إذا رفع رأسه لشم البول لأن
السحاب أبدا كما تراه مرتفع وهذا مذهب ضعيف على أن أبا زيد قد حكى
غرقأتِ البيضةُ قال وهذا قاطع» يعني أن غرقأ فَعْلَلَ بلا بد إذ ليس
في الكلام فَعْلَأَ فأنت تراه قطع بأصالة الهمزة وضعف مذهب من ذهب إلى
الزيادة ولا مرية في أن ذلك الاشتقاق في غاية من الضعف وهو جدير
بعدم القبول وقد حكى الجوهري عن الفراء في اشتقاق الغرقئ من غَرِق غير
ما قرره ابن جني والصحيح ما ذهب إليه من الأصالة
والوصف الثالث أن تكون الألف ردفت أكثر من حرفين ويريد أكثر
من أصلين لا بد من ذلك لأن الكلمة تبقى إذ ذاك على حرفين أو حرف
واحد نحو قولك قضاء وبقاء وسقاء ولقاء وعواء وماء وشاء وباء
وتاء وثاء وما أشبه ذلك وذلك أن الألف لا بد أن تكون زائدة كما سيُذكر
[٤٠٤]
следующие страницы →