← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5041–5080 · переход к 5046.

стр. 5041

أحدهما: أنه قد حكي عنهم: غفر الله خطائِئَه، بوزن خطاععه، وحكى أبو زيد: دريئة ودرائئ، بوزن دراعع، وخطيئة وخطائئ، فنطقوا كما ترى بالهمزتين، كما ذهب إليه غير الخليل، ولو كان على ما قاله لم يكن ثم همزة ثانية البتة. والثاني: وهو إلزام سيبويه لمن قال بالقلب أن هذا التغيير إنما ثبت في هذا النحو للهمزة العارضة في الجمع (كما تقدم)، بخلاف الهمزة الموجودة في المفرد فإنها لا تغير بل تبقى على حالها، فيقال في جمع جائية جواءٍ لا جوايا، وقد صارت الهمزة على قول الخليل هي الثابتة في المفرد وليست بعارضة في جمع، فكان الواجب أن يقال في خطايا: خطاءٍ وفي رزايا: رزاءٍ، كما يقال: جواء وسواء في جمع جائية وسائية. وقد أجاب الفارسي عن هذا الأخير إذ سأله ابن جني عنه فقال: (إن) اللام لما قدمت فجعلت في موضع الهمزة العارضة أشبهتها، فجرى عليها حكمها، فغيرت كما تغير العارضة في الجمع، كما تقول في جمع قوس: قسي، وأصله قووس، ولكنهم أخروا العين إلى موضع اللام، فكان يجب أن تصحح لأنها عين الفعل، فيقال: قُسُوٌّ، ولكنهم لما أخروها إلى موضع اللام أعلت كما تُقل [تعل] اللام، فجرى قسي مجرى عتي، وكذلك الأمر هنا، وهذا الاعتذار من

стр. 5042

الفارسي (قد يصح) أن يكون توجيها لمسموع لا إثبات لقياس، فالظاهر ما ذهب إليه الناظم والجماعة. وأما قلب الهمزة واو [واوا] ففيما آخره واو قبلها ألف، وذلك قوله: (وفي مثل هراوة جعل واوا)، يعني أنه يستثنى مما تقدم ما كان آخره كآخر هراوة فتجعل الهمزة العارضة في جمعه واوا لا ياء، ولا شك أن هراوة فيه وصفان، وهما: كون الواو صحيحة لم تعتل، وكونها بعد ألف، فكذلك يشترط فيما فيه هذا الحكم لأنه اشترط المماثلة لهراوة، فأما كون الواو صحيحة فلا بد منه تحرزا من نحو مطية ومطايا، فإن أصلها مطيوة فعيلة من مطا يمطو، فكان الأولى مثلا (أن يقال) مطاوَى، من أجل القصد الذي قصدوا في هراوَى، لكنهم لما كانوا قد أعلوه في الواحد بقلبه ياءً وإدغامِ الياء في الياء عاملوه معاملة ما أصله الياء، فقالوا: مطايا. فإذا ما جاء على خلاف هذا فمحفوظ نحو: شهية وشهاوى، وكان الأصل شهايا، لأنه كمطية، لكنهم اعتبروا الأصل فيها ولم يعتبروا إعلالها. وقد حكى ابن جني أيضا: مطية ومطاوى. ويحتمل أن يكون شهاوى جمع شهوى، فيكون على القياس. قال المازني: (فإن قال قائل: شهاوى جمع شهوى، فقد قال قولا يجوز)، وقواه ابن جني بقول العجاج:

стр. 5043

فهي شهاوَى وهو شهواني وقال: معنى شهواني (شهوان)، وهو مذكر شهوى. وأما وقوعها بعد ألف فتحرز من نحو عدوة، فلا يقال فيه على هذا عداوى، وكذلك ما أشبهه؛ لأن الألف لم تقع قبل الواو الصحيحة. وقد اعتبر هذا الشرط في التسهيل أيضا فقال: (مجعولة واوا إن سلمت في الواحد بعد ألف)، وهذا الشرط لم يشترطه غيره، وإنما اشترطوا صحة الواو في الواحد خاصة، فيقال (على) هذا القول في فعول من شأوت: شآوى، وعداوى في عدوة، وقد حكى سيبويه: فلوة وفلاوى. وكأن إنما اشترط هذا (الشرط) لأنه محل السماع الفاشي، ومحل نصوص الأئمة، فاقتصر عليه. وكلام سيبويه محتمل للقياس فيه ولعدم ذلك، ألا تراه بعد ما قرر القياس في إداوة ونحوه قال: (وقالوا: فلوة وفلاوى، لأن الواحد فيه واو، فأبدلوه في الجمع واوا) فيمكن أن يريد أن هذا لاحق في القياس بذلك، ويحتمل أن يكون توجيهه توجيه سماع، ولعل الناظم نحا هذا النحو؛ لأن العادة لسيبويه إذا قال بعد تقرير القياس: وقالوا: كذا، أنه لا يقيسه. فإذا اجتمع الشرطان صح جريان الحكم المذكور من إبدال الهمزة واوا نحو: هراوة وهراوى، وهو ما مثل به. والهراوة: العصا الضخمة، ومن مثله: إداوة وأداوى، وغباوة وغباوى، وشقاوة وشقاوى، وعلاوة وعلاوى.

стр. 5044

وقد ظهر من هذا أنه لم يرتض مذهب الأخفش في إبدال ياء نحو هدية واوا، فإنه يقول في هدية: هداوى، وفي رمية: رماوى، وكذلك ما أشبه ذلك مما لام ياء، والقياس القلب إلى الياء كما تقدم. وما اختاره الأخفش مخالف للسماع، وما جاء من هداوى في جمع هدية وأشاوى في جمع أشياء فشاذ لا يقاس عليه. وإنما أبدلت هنا واوا ولم تجر مجرى ما تقدم؛ لأنه لما ظهرت الواو في الواحد أرادوا أن يظهروا في التكسير ما كان في الواحد، فلم يمكنهم أن يظهروا الواو بنفهسا، لأن الواو التي في أداوى بدل من الهمزة التي هي بدل من ألف إداوة، فأبدلوا من الهمزة التي عرضت في الجمع واوا؛ لأن ذلك موضع تثبت في مثله الواو. قال ابن جني: وإنما فعلوا ذلك لأن اللام إذا كانت واوا رابعة فصاعدا فقد كثر قلبهم إياها إلى الياء نحو أغزيت واستغزيت ومغزيان وملهيان، وغازية ومحنية، فأظهروا الواو هنا من أداوى ونحوها ليعملوا [ليعلموا] أن الواو في إداوة وإن كانت رابعة فإنها كانت صحيحة غير منقلبة وإذا كانوا قد راعوا الزائد في الجمع نحو ياء خطيئة حتى قالوا: خطايا، فهم بمراعاة الأصل أجدر. ثم قال الناظم: (وهمزا أول الواوين رد) .. إلى آخره، هذا موضع خامس من المواضع التي يبدل فيها حرف العلة همزة. رُد -هنا- بمعنى صَيِّر أو

стр. 5045

أبدل، ولا أتحقق الآن هذا لغة، فانظر فيه. والرد ههنا يتعدى إلى مفعولين أولهما قوله: أول الواوين، والثاني قوله: همزا. و (في بدء) متعلق باسم فاعل محذوف حال من أول الواوين، أي: رد أول الواوين كائنا في بدء كذا همزا، ويريد أن الواوين المجتمعين في بدء الكلمة يجب أيضا إبدال السابقة منهما همزة إلا ما استثنى. هذا معنى كلامه في الجملة، إلا أن التفصيل يقتضي النظر في مواضع: أحدهما: أنه قال: (أول الواوين) فجعل الحكم متعلقا بالواوين المجتمعتين خاصة، وقصرُ ذلك يؤذن باختصاص الحكم بذلك دون ما يتصور من اجتماع حرفي العلة، وذلك لا يخلو من أوجه ثلاثة: أحدها: أن يكونا معا واوين، كما قال، ولا إشكال في تعلق الحكم بهما كما سيذكر إثر هذا. والثاني: أن يكونا معا ياءين كما لو بنيت مثل صيقل من اليسر فقلت: ييسر، أو من اليقظة فقلت: ييقظ، أو من يئس مثل يعسوب فقلت: ييئوس، (ومن ذلك في كلام العرب يَيْن، فكل ما كان على هذا النحو) لا تبدل منه الياء السابقة همزة. والثالث: أن يكون أحدهما واوا والآخر ياء نحو: ويح، وويس، وويل، ويوم ويُوح، ومثل يعسوب من وعد إذا قلت: يوعود، أو فعيل منه

стр. 5046

إذا قلت: ويعد، فمثل هذا لا تبدل فيه أول المعتلين همزة، وإنما يكون ذلك في الواوين نحو ما إذا بنيت مثل كوكب أو كوثر من وعد ووزن فتقول: أوعد وأوزن، وأصله ووعد ووزن، وكذلك إذا جمعت وافد فقلت: أوافد، ومثله قول الشاعر وهو عدي بن ربيعة، أو أخوه مهلهل: ضربت صدرها إلي وقالت ... يا عديا لقد وقتك الأواقي فالأواقي جمع واقية، فكذلك إذا جمعت وافية وواعدة وواعية قلت: أوافٍ، وأواعد، وأواعٍ، وكذلك لو صغرت وأدا أو وأيا فقلت: وؤيد ووؤي، ثم سهلت الهمزة فأبدلتها واوا لوجب أن تقول: أويد وتقول في تصغير واو: أُوَيّ. ووجه هذا الإبدال في الواوين مجموع أمرين: أحدهما: أن التضعيف في أول الكلمة عزيز قليل، وإنما جاء منه أحرف معلومة نحو: ددن، وكوكب، وأكثر ما يجيء بالفصل بين الحرفين نحو: ديدن، وديدبون، ودودرى، فلما قل التضعيف بالحروف الصحاح في أول الكلمة امتنع في الواو لثقلها. والثاني: أنهم لما كانوا يجيزون البدل في وجوه ونحوه، وهي واو مفردة، لأجل أنها بالضمة كالواوين كانوا خلقاء أن يلزموا الإبدال إذا وجد الواوان،

стр. 5047

لأن واوين أثقل من واو وضمة. وأصل التعليلين لسيبويه، فالأول يشعر بعدم القلب في الواوين المتوسطيتين، والثاني يشعر بعدم القلب همزة في ييسر نحو بيطر من اليسر، وذلك لأن الياء إذا انضمت لم يجز قلبها همزة لخفتها، ولأن الضمة معها كواو قبلها (ياء)، والياء تشبه الألف، فصارت مثل عاود وطاول. وأيضا الياء أخف من الواو، ولذلك تقلب إلى الياء أكثر من العكس، كما إذا اجتمعتا وسبقت إحداهما بالسكون. وإذا كان الأمر كذلك، فإذا اجتمع ياءان لم نجد لقلب الأولى موجبا إذ كانت الياء مفردة لا موجب لها، وكذلك إذا اجتمعتا، ألا ترى أنهم لم يحذفوا الياء الثانية في نحو ييسر وييبس لما كانت خفيفة وحذفوا الواو في يعد لثقلها في نفسها، وأما إذا اجتمعت الواو والياء فلا نجد للقلب موجبا، إذ كانت الواو مع الياء في يوم ونحوه كالياء مع الضمة، ولا أثر لها، والياء مع الواو في ويح ونحوه كالواو المفتوحة ولا أثر لها أيضا. وما (جاء) من نحو: أناة في وناة، وأجم في وجم، وأحد في وحد، شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. وإنما قلبت همزة ولم تقلب ياء ولا ألفا؛ لأن الألف ساكنة لا يبتدأ بها، والياء في اجتماعها مع الواو ثقل، فهربوا إلى حرف جلد يقرب من حروف العلة في المخرج ويجري مجراها في القلب والإبدال، وهو الهمزة.

стр. 5048

الموضع الثاني: أنه شرط في هذا الإبدال أن تكون الواوان في بدء الكلمة لا في وسطها ولا في آخرها، فإنهما إن كانتا في غير الأول لم يسُغْ إجراء ذلك الحكم، مثاله: احووى، افعلَّ من الحوة، فلا يجوز أن تقول: احأوى، ولا احوأى، لفقد التصدير؛ لأن الاعتلال للأطراف أقرب منه إلى الوسط، وأيضا فإن تضعيف الأوساط كثير في كلامهم، فلم ينكر وقوعه في حروف العلة، قال سيبويه: وإذا قلت: افعللت -يعني من ذي الواوين- قلت: احوويت، تثبتان حيث صارتا وسطا، كما أن التضعيف وسطا أقوى نحو: اقتتلتا، فيكون على الأصل. وإذا كان طرفا اعتل، قال: فلما اعتل المضاعف من غير المعتل في الطرف كانوا للواوين تاركين، إذ كانت تعتل وحدها. ولما قوي التضعيف من غير المعتل وسطا جعلوا الواوين وسطا بمنزلته، فأجري احوويت على اقتتلت). قال السيرافي: جاز اجتماع واوين في احووى لما ذكر من قوة التضعيف من غير المعتل وسطا نحو: اقتتل، ولا يقال: ردد، فعُلم أن للتضعيف (في) وسط الكلمة مزية وقوة، فلذلك اجتمع الواوان حشوا وإن لم يجوزا في الطرف. الموضع الثالث: أنه لم ينص في الواوين على الاجتماع، ولكن هو مأخوذ من قوة كلامه، ألا تراه قال: (في بدء غير شبه ووفي الأشد)، فمثل بالواوين

стр. 5049

المجتمعتين، فدل (ذلك) على (أن) الاجتماع والملاصقة شرط فيما قرر من الحكم، فلو كانتا مفترقتين بفاصل فصل بينهما اقتضى ذلك أنه لا تبدل الأولى همزة، كالوسواس والوطواط، ونحو: واوٍ، وكما لو بنيت من واوٍ على فاعَلَ، على قول من جعله مما اجتمع فيه ثلاثة أمثال، فإنك تقول: واوَى، فلا تبدل الواو الأولى همزة إلا إن سمع على قول من قال في وناة: أناة، وأيضا لم ينص على اجتماعهما على صورتها، وإنما يؤخذ له ذلك من إشارة التمثيل بووفي، فيؤخذ له أيضا اشتراط بقائهما على صورتها، فأما الأولى فقد تبدل تاء فيكون ذلك عوضا من إبدال الهمزة منها نحو قولهم: تولج، أصله على مذهب الخليل وسيبويه: وولج، من الولوج، فأبدلوا التاء مكان الواو، لمكان اجتماعهما. وأما الثانية فقد تدغم فيما بعدها من ياء فلا يلزم إبدال الأولى همزة، قال سيبويه: (ومن (قال): رُيَّة -يعني إذا خفف رؤية- قال في فُعل من وأيت، فيمن ترك الهمز: وُيّ، ويدع الواو على حالها، لأنه لم يلتق واوان إلا في قول من قال: أُعِد). ويريد أن الواو وإن كانت منوية الظهور فإنها غير موجودة في اللفظ، فلم يقع ثقل باجتماع واوين، فصارت الواو الأولى كالواو في وُعد، أنت بالخيار فيها.

стр. 5050

فالحاصل الآن من كلامه أنه يجب إبدال الواو الأولى من الواوين بثلاثة شروط، أحدها: أن تكونا في أول الكلمة، والثاني: ألا يفصل بينهما فاصل، والثالث: أن تبقى صورتهما على حالها، فالأول مأخوذ من نصه، والثاني والثالث مأخوذان من تمثيله. الموضع الرابع: استثناء ما استثنى من هذه القاعدة، وذلك أنه لو تركها على إطلاقها لدخل له فيها وجوب الإبدال (في) نحو: ووري، وووفي، وووعد، وما أشبه ذلك مما الواو الثانية فيه مدة مجردة غير أصلية، فأخرج ذلك بقوله: (في بدء غير شبه ووفي الأشد) يعني أن ذلك الحكم إنما هو فيما سوى ووفي وما أشبهه، فما عدا ووفي فهو الذي استقر له ذلك، وأما ووفي فليس كذلك، بل تقول: ووفي، وووري، وووعد، وووفي [وووقي]، وما أشبه ذلك من غير أن يجب إبدال الأولى همزة. وإنما قال: شبه كذا، ولمي قل: في غير ووفي الأشد، لئلا يفهم منه أن هذا اللفظ بعينه هو المستثنى وحده، وأنه شاذ خارج عن القياس، فأدخل شبه ليدل على أن ما كان مثله في الاشتمال على الأوصاف التي اتصف بها فعدم الإبدال قياس فيه أيضا، ولم يدخل (ووفي) في هذا الحكم بنصه بل بالمعنى، لأنه إنما قال: في [غير] شبه ووفي الأشد، فدخل له المشبه ولم يدخل له المشبه به بذلك النص. نعم دخل له بمعنى الكلام، لأنه إذا علق الحكم بالمشبه لأجل الشبه فتعلقه بنفس المشبه به أولى وهذا ظاهر.

стр. 5051

والأوصاف التي اجتمعت في ووفي ثلاثة: أحدها: أن تكون الواو الثانية مدة، وذلك أن يكون ما قبلها من جنسها، فإن انفتح ما قبلها لم تخرج عن الحكم الأول، كالأمثلة التي تقدمت. والثاني: أن تكون زائدة كالتي في ووفي، فإن وزنه فُوعِل، فإن كانت أصلية رجعت إلى الحكم الأول، نحو: أُولى، تأنيث أول، إذ وزنها فُعْلى (لأن أول أفعل) وكما إذا بنيت فعلا من الوأي، فإنك تقول: وُؤْي، فإذا خففت الهمزة بالإبدال واوا قلت: أُويٌ، وكذلك تقول: رجل وءود للبنات، ثم تجمعه على وُؤُد كصبر، فإذا أسكنته تخفيفا ثم سهلت قلت: أُود. وقد وقع الخلاف في هذا الشرط، وأصله مسألة سيبويه، قال: (وسألت الخليل -رحمه الله تعالى- عن فُعْل من وأيت، فقال: وُؤْي، كما ترى، فسألته عنها فيمن خفف الهمزة فقال: أُوي، كما ترى، قال: فأبدل من الواو همزة وقال: لا بد من الهمزة لأنه لا يلتقي واوان في أول الحرف)، ومعنى هذا أن الهمزة لما خففت صارت صورتها صورة الواو، وذلك موجب للاستثقال باجتماع الواوين، وإذا كان كذلك وجب قلبُ الأولى همزة اعتبارا بظاهر اللفظ.

стр. 5052

وعلى هذا يجري كلام الناظم في إشارته إلى اشتراط وجود الواوين في اللفظ، ولم يشر إلى استثناء ما أصله الهمز، وقد أنكر المازني والمبرد قول الخليل هذا، أما المازني فلأجل (أن) الثانية في نية الهمزة، لأن البدل عارض، فإذًا لا واوين في التحصيل، فليس إبدال الهمزة بواجب، وشبه هذا بووري في أنه يجوز أن تبدل الأولى همزة لا لاجتماع واوين ولكن لانضمام الأولى. وأما المبرد فأنكره من جهة أن الذين يخففون همزة وُؤي لا يجوزون أن يفروا من همزة ساكنة ويجتلبوا متحركة لهم عنها مندوحة، وقالوا أيضا: إنه متناقض؛ لأنك إذا قلت: وُوي، فإن راعيت اللفظ فيجب أن تهمز وتدغم فتقول: أُيّ، وإن راعيت الهمز بعد التخفيف لم يجب الهمز ولا الإدغام، وقد اعتُذر عن ذلك، ولكن الإشكال ظاهر الورود، فكان رأي الناظم أولى. والشرط الثالث: أن تكون المدة عارضة غير لازمة، كما في ووفي، فإنه فعل مبني للمفعول من وافى، فالواو عارضة في هذا الفعل، فلو كانت المدة لازمة لزم الإبدال كما مر. وخالف في ذلك المازني أيضا فقال في مسألة الخليل المتقدمة: لو لم يكن أصلها الهمز -يعني الواو الثانية (في وُوي) - لم يلزم الإبدال، لأن الثانية مدة مثل ووري، إذا أردت فُوعِل من واريت قال الفارسي رادا على المازني: لو لم يكن أصلها الهمز للزم إبدال التي هي فاء همزة وإن

стр. 5053

كانت الثانية مدة، ألا ترى أن أولى قلبت الفاء منها همزة وإن كانت الواو التي بعدها مدة، قال: (وإنما لمن [لم] تقلب من ووري ونحوه لأنها غير لازمة ألا ترى أنك تقول: وارى، كما لم تدغم في نحو سُوير وبويع لأنها غير لازمة، ولو كانت لازمة لأدغمت وإن كانت مدة، كما أدغمت في مغزو، وفي عتو، وإن كانت مدة، فكما تدغم إذا كانت مدة لازمة كذلك يلزم أن تبدل أيضا إذا كانت المدة لازمة، فوُويٌ ليس مثل ووري، لما ذكرنا)، هذا ما قال الفارسي وهو ظاهر كما ترى. ومن مثل هذا الأصل ما إذا بنيت من الوعد مثل طومار فإنك تقول: أُوعاد، لا غير، ومن الوزن: أوزان. ثم إنه يبقى في كلام الناظم سؤالات: أحدها: أنه تضمن أن الواوين إذا اجتمعتا من غير فاصل وجب إبدال الأولى، وعدم الفصل إنما أشار إليه إشارة مجملة، فيمكن أن يريد عدم الفصل عن الإطلاق، ويمكن أن يريد الفصل الظاهر لا المقدر فيكون الفصل المقدر معتبرا كالظاهر على الأول وغير معتبر على الثاني، فعلى أي الوجهين (تحمله) فإنه (ينبني (على) مسألة، وهي) ما لو بنيت من وأيت مثل اغدودن فإنك تقول: إيأوأى، فإن خففت الهمزة الثانية ألقيت حركتها على الواو الساكنة قبلها وحذفتها، فقلت: ايأوى، وإن خففت الأولى وتركت الهمزة الثانية على حالها من التحقيق فالأصل أن تقول: وَوْأ، لأنك ألقيت حركة الهمزة الأولى على الواو التي صارت ياء لكسرة

стр. 5054

همزة الوصل، وحذفت ألف الوصل لما تحرك ما بعدها فرجعت واوا إلى أصلها، فإذا رجعت واوا التقى واوان، وكذلك إن خففت الهمزتين معا فقلت: ووى، اجتمع واوان، فإن اعتبرت اللفظ وجدت واوين متصلتين يحصل بمثلهما الاستثقال الحاصل بفوعل من الوعد إذا قلت: ووعد، فلا بد من الإبدال، وإن اعتبرت الأصل وجدت الواوين منفصلتين، فالعلة لم تستحكم وإن كانت موجودة في ظاهر الأمر كما لم تستحكم علة قلب الياء والواو ألفا حين قلت في: جيأل: جَيَل، وفي موئل: موِل، فقلت: ووأى، لأجل ذلك، فعلى التقدير ليس في كلام الناظم بيان. والسؤال الثاني: أنه يقتضي أن فُوعل الذي هو وزن ووفي إذا لم يكن أصله فاعل يجب إبدال الواو همزة، لأن من أوصاف ووفي أنه مبني للمفعول من وافى، فإذا بنيت من وعد مثل حوقل وبيطر قلت: أوعد وويعد، فإن بنيتهما للمفعول اقتضى كلامه أنك إنما تقول: أوعد فيهما لا غير، لأنه ليس أصلهما فاعل، بل أصلهما فوعل وفيعل، لكن هذا الحكم خلاف المنصوص من كلامهم، بل نص ابن جني في هذا على جواز ووعد فيهما؛ لأنهما يجريان مجرى فعل من فاعل من وعدت إذا قلت: ووعد، كما جرى حوقل وبوطر مجرى قوول وسوير، لأنهما محمولان على فاعل لانضمام ما قبل الواو وسكونها. قال: (فإذا اجتمعت الواوان هكذا لم يجب قلب الأولى منهما لأن الثانية مدة، فجرت مجرى ألف واعد، فكما لم يجز همزها في واعد كذلك لم يجب همزها في ووعد، لكن

стр. 5055

إن شئت همزتها لانضمامها)، وقد نص سيبويه وغيره على أن ياء فيعل وواو فوعل يجريان في بناء المفعول مجرى المدة التي أصلها فاعل، فتقول: قوول وبويع، ولا تدغم، كما لا تدغم قوول من قاول ولا بويع من بايع. وكذلك الأمر في تفوعل من تفاعل (وتفيعل). ولا خلاف في هذه الجملة، فإذا كانوا يعاملون الواو هنا معاملة المنقلبة عن الألف كان (من) مقتضى هذا أن يقال: ووعد من أوعد الذي أصله ووعد، ومن ويعد، فالناظم على (التقدير) مخالف لهذا كله، وكذلك خالف ما يقتضي كلامه في التسهيل، إذ هو على ما ذكره ابن جني. والسؤال الثالث: أن ما استثني من (ووفي الأشد) وأشباهه يعطي كلامه فيه جواز الإبدال، وذلك أن ووفي ونحوه مستثنى مما يجب فيه الإبدال، فهو قد قال: إن هذا الوجوب مطرد إلا في هذا ونحوه، فاقتضى أن الإبدال فيه غير لازم، وهذا معنى كونه جائزا، وإذا كان كذلك خالف ما قاله غيره من أن الإبدال في ووري ووفي ووعد، ونحو ذلك غير جائز. قال ابن خروف: وأما ووري وأشباهه فلا يجوز فيها إلا ترك الهمز بحملها على فاعل، ولذلك لم تدغم في مثل سوير، هذا هو النظر في الطرف الخاص بمسألته الحاضرة. والجواب عن الأول بصحة كل واحد من الاحتمالين، أما الاحتمال الأول فظاهر (في) القياس من حيث لم تستحكم علة وجوب القلب، وهو

стр. 5056

اجتماع الواوين، كما لم تستحكم علة وجوب الإدغام في نحو: رُويا وتووي (بالتخفيف) و (هو) ظاهر (و) أيضا هو قول الفارسي، ومذهب المؤلف في التسهيل إذ قال: (فإن عرض اتصالهما -يعني الواوين- بحذف همزة فاصلة فوجهان)، فلم يحتم -كما ترى- الحكم بالإبدال، بل حكم الاعتبارين: اعتبار الأصل، واعتبار اللفظ، ولنا أن نقول أيضا: إنه إنما اعتبر الفصل الظاهر، وأما الفصل المقدر فلم يعتبره، بل يجري عنده مجرى ما لا فصل فيه البتة. ولا يضرنا في ذلك مخالفة (من خالف إذا لم تكن مخالفة) إجماع، أما التسهيل فكثيرا ما يخالفه كما رأيت فيما تقدم شرحه، وأما الفارسي فإنما هو رأي رآه بعد ما ذكر المازني أن الحكم فيه وجوب الإبدال كالذي لا فصل فيه، هذا ظاهر كلامه، ألا تراه قال حين أتى ببناء اغدودن من وأيت: وإن خففت الأولى وتركت الهمزة الثانية قلت: أوأى، قال: وكان الأصل ووأى، لأنك ألقيت حركة الهمزة التي هي العين الأولى على الفاء، وكانت واوا في الأصل، فانقلبت ياء للكسرة همزة الوصل، فحذفت ألف الوصل لما تحرك ما بعدها. قال: (فلما رجعت واوا بعدها الواو الزائدة همزت موضع الفاء لئلا يجتمع واوان في أول الكلمة)، قال: (فإن خففتهما جميعا قلت: أوى). هذا ما قال، فظاهره الوجوب وأن الواوين هنا مثلهما في أواصل. وشرحه ابن جني على ما هو عليه ثم قال: وقد أجاز أبو علي أن يقال: ووى، وأن يقال: ووأى،

стр. 5057

ولا تقلب الواو همزة. قال: لأن نية الهمزة فاصلة بين الواوين، لأن الأصل اوأوأى، كما تقدم، فترك الهمزة ههنا نظير تصحيح الواو في تخفيف رؤيا وتؤوي، إذا قلت: رويا وتووي، فلم تقلب الواو وإن كانت ساكنة قبل الياء لأن نية الهمزة تمنع من القلب كما تمنع لو كان حاضرا ملفوظا به. فالحاصل أن المسألة مختلف فيها، ومذهب الفارسي الذي اتبعه في التسهيل له وجه من القياس حسن، ولكن ما قاله المازني أيضا له وجه، ونظيره رأي الخليل في فُعْل من وأيت إذا خففت فقلت: أُوي، ألا ترى أنه اعتبر اللفظ الذي به حصل الاستثقال فأوجب همز الواو الأولى وإن كانت الثانية أصلها الهمز لما كانت الصورة ذات واوين في التحصيل الظاهر، فكذلك يقول الناظم هنا: إن الحاصل في أيدينا وفي نطقنا واوان في أول كلمة، فحصل بهما من الاستثقال ما حصل في أواصل، فكما يجب هنالك الإبدال همزة فكذلك ههنا، غير أنه يقدح له فيه عدم ارتضائه مذهب الخليل، فتأمله. والجواب عن الثاني: أنه يدخل له فُوعِل من فيعل وفوعل بقوله: (شبه ووفي الأشد) لأن الواو هنا شبيهة بواو فوعل من فاعل في الزيادة والعُروض، وبالتشبيه بها عوملت معاملتها على ما مر في التعليل، فلذلك كله يشمله كلام الناظم، فلا إشكال فيه. وعن الثالث: أنا نلتزم ما أفهم كلامه من جواز الإبدال، فإن ظاهر كلام الناس ذلك المقتضى، إذ هم يطلقون القول في الواو المضمومة

стр. 5058

ولا يستثنون شيئا مما قال، وإنما يستثنون أمورا أخر ليس هذا منها، فاتبعهم الناظم في هذا الإطلاق، وكذلك فعل في التسهيل، وأيضا فإن ابن جني قد نص على جواز الإبدال فيه بعينه، قال: (وهمز الواو في ووري في غير القرآن جائز)، ثم ذكر أن ذلك لانضمام الواو (لا) لاجتماع الواوين. ومثل هذا أيضا لابن السراج في الأصول. فإذا ما قاله ابن خروف ينظر في صحته. وووفي معناه: بُلِغ، ويقال: وافى فلان أي أتى. وهنا تم ما قصد ذكره مما تبدل منه الهمزة. وقد نقصه من أحكام هذا الفصل حكم الواو المضمومة والمكسورة إذا وقعتا أول الكلمة في إبدالهما همزة، وعذره ظاهر في كونه لم يقصد لذكر جميع أحكام الأبواب، فلا بد أن ينقصه من كل باب أشياء إلا في القليل. وقد يقال: لعله ترك ذلك مع قصد الاختصار، لأن إبدال الواو المضمومة همزة لا يلزم بل هو جائز، فإذا تركت الواو على حالها فلا عليك منها، ولا تُعد بذلك لاحنا، وذلك نحو: وجوه ووقتت ونحوهما. بل من الواو المضمومة ما يلزم فيه عدم الإبدال، وذلك في خمسة مواضع، هي: أن تكون الضمة عارضة، نحو: لتروُنَّ أو مُشَذَّة نحو التسوُّر أو متصفة بموجب الإبدال المتقدم نحو أُولى، أو زائدة للإلحاق كالتجهوُر، أو في نحو: وُوفي، على مذهب ابن خروف المتقدم. هذا في المضمومة، وأما المكسورة فكذلك أيضا هي في حكم الجواز إذا وقعت

стр. 5059

بين ألف وياء مشددة، وكذلك إذا وقعت مصدرة فالأول نحو فعاليل من الرمي إذا قلت: رمايي، والثاني نحو وشاح. وعلى أنهم قد اختلفوا في اطراد ذلك أو وقفه على السماع، فظاهر المازني في تصريفه اطراد ذلك، ونقل الفارسي في الإغفال عن أبي عمر عدم اطراده، وهو يظهر من سيبويه، فإذا كان غير مطرد فلا حاجة إلى التنبيه عليه، وقد زعم في التسهيل أنه مطرد على لغة، وكأنهه فهم ذلك من كلام المازني في التصريف لأنه قال فيه: (واعلم أن الواو إذا كانت أولا وكانت مكسورة فمن العرب من يبدل مكانها الهمزة ويكون ذلك مطردا، وفي كلام سيبويه أيضا إشعار ما بهذا، وهو قول: (ولكن ناسا كثيرا يجرون الواو إذا كانت مكسورة مجرى المضمومة، فيهمزون الواو المكسورة إذا كانت أولا). ولكن التحقيق أن ذلك ليس بلغة ثابتة، وقد سأل ابن جني شيخه عن ذلك، فنفى أن تكون لغة، بدليل إجماعهم على موشح بغير همز، وبالجملة فإن كانتا لغتين لم يحتج إلى التنبيه عليهما، إذ لا إبدال وإن كان إبدالا فالذي عليه الحذاق كالفارسي وغيره وحمّلوه كلام سيبويه عدم الاطراد (وعلى القبول بالاطراد) فهو غير لازم، فالباني على الأصل من عدم الإبدال مصيب، والله أعلم.

стр. 5060

ثم أخذ يذكر ما تبدل إليه الهمزة فقال: ومدا ابدل ثاني الهمزين من ... كلمة ان يسكن كآثر وائتمن إن يفتح اثر ضم او فتح قلب ... واوا وياء إثر كسر ينقلب ذو الكسر مطلقا كذا وما يضم ... واوا أصر ما لم يكن لفظا أتم فذاك ياء مطلقا جا وأؤم ... ونحوه وجهين في ثانيه أم فتكلم -على إبدال إحدى الهمزتين المجتمعتين في كلمة، ولم يتكلم في الهمزة المفردة، بل ترك ذكرها البتة، والناس يذكرون (في) باب الهمز الفصلين معا، والعذر للناظم في تركه ذلك أمران: أحدهما ما تقدم مثله من أن إبدال الهمزة المفردة جائز لا لازم، وإذا كان جائزا فالبقاء على الأصل لا لحن فيه، فلم يعتن به من حيث لا ينبني على تركه فساد ولا خطأ، وتكلم على ما كان الإبدال فيه لازما وذلك مع اجتماع الهمزتين، ولذلك قيد الكلام فيهما بكونهما في كلمة؛ لأن ما في كلمتين لا يلقى في تركه على أصله محذور. والثاني: أن الناظم إنما بنى هنا في الكلام على الإبدال المحض الذي تصير فيه الهمزة إلى حقيقة أخرى، وهي الواو أو الياء، كسائر ما أبدل من

стр. 5061

الحروف التي تقدم ذكرها، أو يأتي بيانها، وأما الهمزة المفردة فليس فيها إبدال في الغالب، وإنما تسهيلها بين بين كالإمالة في بابها، فلم تخرج الهمزة فيه عن حقيقتها، ولذلك تبقى المتحركة بعد التسهيل على زنتها قبله إذا وقعت في شعر، ولذلك جعل النحويون كسيبويه وغيره لتسهيل الهمزة بابا على حدته خارجا عن التصريف. وإذا تقرر هذا فالهمزتان إذا اجتمعتا في كلمة لم تخل من ستة عشر وجها، فالأولى لا تخلو من أربعة أوجه، أن تكون مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة أو ساكنة، وكذلك الثانية لا تخلو من أربعة الأوجه، فإذا أخذت وجها من إحداهما مع كل وجه من الأخرى قام من ذلك اثنا عشر، فإذا فتحت الأولى مثلا كانت الثانية معها على الفتح أو الضم أو الكسر أو السكون، وكذلك إذا ضممتها كانت الثانية معها على أربعة الأوجه، وكذلك إذا كسرتها أو سكنتها، والناظم أخذ يتكلم على هذه الأوجه بقول جُمْلي، لكنه قدم قبل التفصيل فوائد عامة لما تكلم فيه: إحداها: أن هذا الإبدال إنما يقع في ثاني الهمزتين لا في المبدوء بها، وذلك قوله: (ومدا ابدل ثاني الهمزين) فعين للإعلال الهمزة الثانية، وهذا صحيح، وإنما التزموا إبدال الثانية ولا بد لأن الاستثقال فيها يقع وليس في النطق بالأولى من حيث هي مع ما قبلها استثقال، فكان الإبدال حيث يقع الاستثقال أولى، وذلك في الثانية، وبهذا يُحتج للخليل في اختيار تخفيف الثانية من الهمزتين من كلمتين إذ يقول: الأصل أن يكون

стр. 5062

التغيير في موضع التعذر أو الاستثقال، وليس ذلك إلا في الثانية دون الأولى. والثانية: كونه مختصا بالكلمة الواحدة إذا اجتمعتا فيها، فإنه إذا كان كذلك وجب الإبدال على ما ذكره، فإن كانا من كلمتين نحو: قرأ آية، وجاء أهل فلان، وخيأ أبي، ويحبأ أيوب، واقرأ آية، و (هؤلاء إن كنتم)، وما أشبه ذلك، لم يلزم الإبدال، إذ يجوز التخفيف بين بين على الجملة، والتحقيق وذلك أنهما في الكلمة الواحدة لازما الالتقاء بخلاف ما إذا كانتا من كلمتين، لأنك إذا قلت (جاء) ليس بلازم أن تأتي بعد (جاء) بما أوله همزة، وكذلك إذا استفهمت بالألف ليس بلازم أن يأتي بعدها همزة، ففرقوا بين الالتقاء اللازم وغير اللازم، فكان استثقال المتلازمين أشد من غير المتلازمين إلى هذا النحو من التعليل أشار سيبويه. ومعنى كونهما من كلمة أن يكون معا في أصل بنيتهما أو ما يجري ذلك المجرى، فآدم وآخر أصلهما أأدم وأأخر، ووزنهما أفعل، فهما من أصل البنية، وكذلك: جاءٍ وناءٍ أصلهما جائئ ونائئ، قال الشاعر: فإنك لا تدري متى الموت جائئ ... إليك، ولا ما يحدث الله في غد

стр. 5063

وكذلك: أئمة جمع إمام، وما أشبه ذلك، وايت، (و: اوتمر)، و: ايتمن، ونحو ذلك مما أوله همزة الوصل، مما جرى الاجتماع فيه كالكلمة الواحدة، لأن همزة الوصل هي من وجه كالمعدودة من أصل البنية، ومن جهة أخرى معدودة في المنفصلات عنها، ولكنهم عاملوها معاملة المتصل فقالوا: اوتمن، فأبدلوا الثانية واوا، و: ايت، فأبدلوها ياء، وأما ما كان من نحو: (أأنتم)، و (أأشفقتم) ونحوهما، فالهمزة ليست بمعدودة في حروف ما بعدها، وإنما هي كلمة على حدتها على حرف واحد، فليست بداخلة تحت حكم وجوب الإبدال، بل حكمها حكم: جاء أبي، ونحوه. والثالثة: أن هذا الإبدال محض لا تخفيف بين بين، لقوله: (ومدا ابدل)، وقوله: (قلب واوا، وياء إثر كسر ينقلب)، وقوله: (واوا أصر)، وغير ذلك مما يدل من كلامه على عدم إبقاء رسم الهمزة، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن الهمزة المخففة عندهم تتنزل منزلة المحققة، فليس التخفيف بمخرج عن استثقال اجتماع الهمزتين ما لم يكن إبدالا وقلبا محضا، على حد إبدالهم الهمزة الواحدة في قول حسان بن ثابت، رحمه الله تعالى: سالت هذيل رسول الله فاحشة ... ضلت هذيل بما سالت ولم تصب

стр. 5064

وقول زيد بن عمرو بن نفيل، أنشده هو والذي قبله سيبويه: سالتاني الطلاق أن رأتاني ... قل مالي، قد جئتماني بنكر فهذا إبدال محض لا تسهيل فيه، وإلا انكسر البيت، فكذلك الإبدال في ثاني الهمزتين. وهذا الحكم الذي قرر من لزوم الإبدال هو مذهب النحويين البصريين، فلم يخرج عن طريقتهم. وأما الكوفيون فيذهبون إلى صحة التحقيق فيهما معا، وبه قرأ كثير منهم، وقد جعل ابن مالك في التسهيل ذلك لغة، فقال: (وتحقيق غير الساكنة مع الاتصال لغة)، ولكن الظاهر من السماع ندور هذا بحيث لا يعتد به في القياس المستمر، مثل ما حكى أبو زيد وأبو الحسن من قولهم: غفر الله خطائئه، وحكى أبو زيد وغيره: دريئة ودرائئ، قال ابن جني: ورينا عن قطرب: لفيئة ولفائئ، وأنشدوا: فإنك لا تدري متى الموت جائئ ... إليك ولا ما يحدث الله في غد والصواب في هذا كله أن يقاس على ما اشتهر ويوقف على السماع خلافه.

стр. 5065

وقد تحصَّل من هذا صحة ما بنى عليه الناظم هنا، وبالله التوفيق. والرابعة: أن أمثلته وقوة كلامه قد أشعرت أن شرط هذا الحكم في الهمزتين ألا يقع بينهما فاصل كما في آثر، اوتمن، وأوُم. ولا شك أن الأمر كذلك، فإنهما إن فصل بينهما بفاصل زال الاستثقال المهروب منه، وأمكن النطق بهما على حالهما من التحقيق بالتسهيل أيضا، فصارا كأنهما في كلمتين مفترقتين، وذلك نحو: آءة، لشجرة معروفة، قال زهير بن أبي سلمى: أصك، مصلم الأذنين أجنا ... له بالسي تنُّوم وآءُ وكذلك: (أنبئاء) جمع نبيء، وهي قراءة نافع، وكذلك: نُبآء، قال عباس بن مرداس السلمي: يا خاتم النبآء إنك مرسل ... بالخير، كل هدى السبيل هداكا وكذلك: امرأة سوآء، أي قبيحة، وعلى هذا يكون قولهم: ذوائب -في جمع ذؤابة، أصله: ذآئب - شاذا، لكن الفصل قد يكون ظاهرا كالأمثلة المذكورة، وقد يكون مقدرا كما تقول: وأدتها فأنا أئدها وأدا، وقع في (بعض) نسخ الكتاب هذا المثال بتحقيق الهمزة الثانية، في المضارع

стр. 5066

فأجاز ابن خروف فيه وجهين: التحقيق اعتبارا بالأصل، إذ أصله: أوئدها، لكن حذفت الواو لما سيذكر إن شاء الله، والحذف عارض فكأن الفصل ثابت، فلم يستثقل اجتماع الهمزتين والتسهيل اعتدادا بعارض الاجتماع في اللفظ. وهذا نظير مسألة بناء اغدودن من وأيت إذا سهلت فقلت: وَوَى، هل يعتد بالعارض فيقال: أوى، لا غير، أو لا يعتد به فيقال: ووى. ثم نرجع إلى كلامه في التفصيل فقوله: (ومدا ابدل ثاني الهمزتين [الهمزين] من كلمة ان يسكن) يعني أن ثاني الهمزتين الذي عليه يرد الإبدال على قسمين: أحدهما أن يكون ساكنا. والثاني: أن يكون متحركا. فإن كان ساكنا أبدلته مدا، والمد أحد حروف العلة الثلاثة إذا كان ما قبلها من جنسها، وإنما يقال لها حروف مد لأنها ناشئة عن صوت الحركة المتقدمة، فالمفتوح ما قبلها تبدل ألفا نحو ما مثل به من قوله: آثر، وهو أمر (من) آثره بكذا يؤثره به: إذا فضله به على غيره. وكذلك: آثرت فلانا على نفسي، من المأثرة بمعنى المكرمة، لأنك جعلت له بذلك مكرمة تؤثر عنه، أي: تنقل عنه، وأصله أأثر، فأبدل الثانية ألفا. ومثله: آدم، لأنه من الأدمة، وآخر وآمن، وآتى كذا، أي أعطاه، والمضموم ما قبلها تبدل واوا نحو ما مثل به من اوتمن، أصله: اؤتمن، أي جعل أمينا، فهو من الأمانة ضد الخيانة، يقال: أمنته على كذا وائتمنته عليه بمعنى، ومثله: أوتي، وأومر (بكذا

стр. 5067

وأوثر) (فلان) بكذا والمكسور ما قبلها تبدل ياء، ولم يأت عليها بمثال، ومثاله: ايتمن يازيد فلانا، و: ايتني أكرمك، و: ايب من كذا، من أبى يأبى، و: ايتمر، وما أشبه ذلك. هذا كلفه مبدل مدة من جنس (حركة ما قبلها). والثاني من القسمين أن يكون الهمز متحركا، فقسمه الناظم ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون مفتوحا، والثاني أن يكون مكسورا، والثالث أن يكون مضموما. فأما القسم الأول، وهو أن يكون مفتوحا، فهو الذي بدأ به وجعل إبداله على وجهين، أحدهما الإبدال واوا، وذلك بعد الضم أو الفتح، لأنه قال: (إن يفتح اثر ضم او فتح قلب واوا). ضمير (يفتح) عائد على ثاني الهمزين، يعني أنه يقلب واوا بعد الضمة والفتحة، فأما بعد الضمة فنحو: أويدم -في تصغير آدم- وأويخر -في تصغير آخر- وأويمة- في تصغير أئمة. وكبنائك من أم مثل أصبع - كجخدب- فتقول: أُوَم، أصله أأمم، فنقلت حركة الميم إلى الهمزة الساكنة طلبا للإدغام، ثم أبدلت فقيل: أوم، وأما بعد الفتحة فنحو أوادم -جمع آدم- وأواخر- وكذلك ما أشبهه. وأما كونها واوا بعد الضمة فظاهر، لطلب الضمة ما يجانسها ولثقل الياء إن وقعت بعدها لو قلت: أييدم، ولتعذر الألف هنالك بعد الضمة، ولذلك قالوا في

стр. 5068

تصغير فاعل كقائم: قويئم، وفي ضارب: ضويرب. وأما كونها واوا بعد الفتحة فلأنهم جعلوا هذه الألف المبدلة من الهمزة كالألف الزائدة، لأنها لم يبق لها من أصلها أثر (ولا رسم)، فصارت كألف خالدة وضاربة، فكما تقلب الألف واوا إذا قلت: خوالد وضوارب، فكذلك تقلبها هنا إذا قلت: أوادم وأواخر، في آدم وآخر، إذا جعلتهما اسما كأحمد وأفكل. وكذلك يقال في المضموم ما قبلها. وقوله: (قلب) وقال بعد: (إثر كسر ينقلب) إشعار بأن الإبدال محض كما تقدم. (والوجه) الثاني: إبدالها ياء، وذلك إذا وقعت بعد الكسرة لقوله: (وياء إثر كسر ينقلب) يعني أن الهمز ينقلب ياء إذا وقع بعد كسرة، (نحو) بنائك إفعل كإصبع من أم، تقول: إيم، وأصله: إأمم، فوجب نقل الحركة من الميم إلى الهمزة، ثم أدغمت الميم في الميم. وإنما انقلبت ياء لأن الياء مجانسة للكسرة، بخلاف الواو فإنها غير مجانسة، والألف لا تقع هنا البتة فوجب الإبدال ياء. وأما القسم الثاني -وهو أن يكون ثاني الهمزين مكسورا- فإن فيه وجها واحدا ذكره، وهو الإبدال ياء، وذلك قوله: (ذو الكسر مطلقا كذا)، وذا إشارة إلى أقرب مذكور وهو المفتوح المكسور ما قبله، فاقتضى من الإبدال ما اقتضاه، وهو الإبدال ياء.

стр. 5069

وقوله (مطلقا) تنبيه على أن الحكم هكذا، كان ما قبله مفتوحا أو مكسورا أو مضموما. وإنما تبين معنى الإطلاق مما تقدم من التقييد، إذ قسَّم المفتوح إلى ما قبله مضموم أو مفتوح، وإلى ما قبله مكسور، ولم يطلق الحكم فيه إطلاقا، فدل ذلك على أن الإطلاق هنا بالنسبة إلى ذلك التقييد، فالمفتوح ما قبله نحو: أيمة، والمكسور ما قبله كما إذا بنيت من أم مثل إثمد فإنك تقول: إيِمّ، والمضموم ما قبله كما إذا بنيت من أم مثل أُصبِع فإنك تقول: أُيِم، ووجه الياء هنا أن الأصل أن يكون تسهيل الهمزة إلى مناسب حركتها، كما في تخفيف الهمزة المفردة، ولا يخرج عن ذلك إلا لسبب داع إليه كالمفتوحة بعد الضمة أو الكسرة، (إذ لا يمكن هنالك إلا الإبدال، لتعذر وقوع الألف بعد الضمة والكسرة)، وكذلك إذا انفتح ما قبلها، عاملوها معاملة الألف الزائدة فقلبوها إلى ما يقلبون إليه الزائد. وأما إذا لم يكن ثم سبب مخرج عن ذلك الأصل فلا معدل عنه. وأما القسم الثالث، وهو أن يكون الهمز مضموما فحكمه الإبدال واوا، وذلك قوله: (وما يضم واوا أصر)، و (ما) موصولة، وهي في موضع نصب بأصِرْ على المفعول الأول (له)، لأن أصر متعد إلى اثنين، وثانيهما (قوله)

стр. 5070

(واوًا) وأصر بمعنى صير، أي اجعله واوا، يعني أن الهمز الثاني من الهمزين إذا كان مضموما يبدل واوا من جنس حركته. وقوله: (واوا أصر) وأطلق القول يريد سواء أكان ما قبلها مفتوحا أو مكسورا أو مضموما، فالمفتوح ما قبلها كما إذا بنيت مثل أصبُع من أم فتقول: أوُم، والمكسور ما قبلها كما إذا بنيت (من أم مثل إصبُع فتقول: إِوُمّ، والمضموم ما قبلها كما إذا بنيت منه) مثل أبلُم فتقول: أوُم. وهذا على ما تقدم من اعتبار التسهيل بحركة الهمز المسهل. ثم استثنى من كلية هذه الأقسام ما إذا كان ثاني الهمزين (في موضع اللام فقال: ما لم يكن لفظا أتم، فذاك ياء مطلقا جا)، والضمير في (يكن) عائد على ثاني الهمزين) المذكور. و (لفظا) مفعول بأتم، قدم عليه. و (أتم) فعل ماض فاعله ضمير ثاني الهمزين، يعني أن ما تقدم من اعتبار الهمز بحركته أو بحركة ما قبله في تسهيله إنما هو غير الهمز الواقع متمما للكلمة، أي: في موضع لامها، فإنه إن كان كذلك فإنه يبدل ياء مطلقا، ومعنى الإطلاق أنه كذلك كان مفتوحا أو مكسورا أو مضموما، وكذلك ما قبله بأي حركة تحرك، فالياء هي المحكوم بها في الإبدال مطلقا. ومثال ذلك: جاءٍ وشاءٍ، أصله على مذهب سيبويه: جائئ وشائئ، فأبدلت الثانية ياء، وكما (إذا) بنيت من قرأ مثل جعفر لقلت: قرأى، أصله: قرأأ، فأبدلت الثانية ياء، ثم جرى عليها حكم

стр. 5071

التصريف فانقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وكذلك مثال برثن (منه) تقول: قرءٍ، أصله: قرءؤ، فأبدلت الثانية ياء فصار قرؤيٌ، ثم كسرت الهمزة لأجل الياء فقيل: قرئيٌ، ثم فعل به ما فعل بقاض وشجٍ فقيل: قرءٍ ومثل ذلك بناؤك من قرأ مثل قمطر تقول فيه: قرأيٌ، وكذلك مثل معد قرأيٌ أيضا، وإنما كان القلب هنا إلى الياء البتة لأن موضعها موضع الياء؛ لأن حروف العلة إذا وقعت رابعة فصاعدا كانت ياء ولا بد، إما بالأصل وإما بالقلب، ألا ترى أنك تقول: غزوت، فإذا قلت: أغزيت كانت ياء، وكذلك مغزيان، وما أشبه ذلك. ولو بنيت من قرأ أو من غزا مثل دحرجت لقلت: قرأيت وغزويت، وهذا ظاهر فيما إذا كانت حروف العلة في موضع تعتل فيه، فأما إن سكن ما قبلها كقرأي لم يجز (ذلك) فيها، إذ حرف العلة إذا سكن ما قبله وكان آخرا جرى مجرى الصحيح نحو: دلوٍ وظبي، وكذلك قندأو وسندأو وعنزهو، ونحو ذلك. لكن قد اختصت اللام إذا كانت بدلا من همزة بهذا الحكم لأنها أخف من الواو، وهي أغلب على اللامات من الواو. والناظم ذكر هذه الجملة ولم يحك في شيء منها خلافا، وما ذهب إليه هو مذهب أكثر النحويين، وقد وقع الخلاف فيها في أربعة مواضع:

стр. 5072

أحدها: الهمز المكسور إذا وقع بعد ضمة، مثل أصبِع من أم، خالف فيه الأخف (فيقول على مذهبه أوِم. والثاني: الهمز المضموم إذا وقع بعد كسرة مثل إصبع من أم، خالف فيه الأخفش) أيضا فيقول: إيُم. فأما المسألة الأولى فإن للأخفش أن يحتج على صحة مذهبه فيها بأن الهمزة المضمومة إذا أبدلت بعدها المكسورة ياء فذلك مخالف للقياس، فإن الياء بعد الضمة مستثقل، لأنه جمع بين متنافرين، بخلاف ما إذا أبدلتها واوا فإنك وفقت بينها وبين ما قبلها فهو أخف من حيث التجانس، وإذا كان كذلك كان أتم في القياس. وأيضا فإن ياء مكسورة بعد ضمة لا يوجد له نظير في الكلام فكان غير سائغ أن يبدل إلى ما يؤدي لعدم النظير. وهذا قد يعارض بمثله، فإن القياس أن تبدل الهمزة إلى مجانس حركتها لا إلى مجانس حركة ما قبلها، ما لم يكن ثم مانع من ذلك، وليس ههنا مانع، فوجب أن يتبع فيه القياس. وأما الاستثقال فالقولان مشتركان فيه، وأيضا فإن واوا مكسورة بعد ضمة غير موجود أيضا في كلامهم، فوجب الإبدال إلى ما يؤدي لعدم النظير. فإن أجاب عن هذه المعارضة بأمر لزمه مثله في الطرف الآخر. وأما المسألة الثانية فقد يحتج للأخفش (فيها) أيضا بنحو مما تقدم، وهو محتج له به في الهمز المفرد، وهو أنه إنما لم يجز أن تقلب الثانية واوا إثر كسرة لأن ذلك لا نظير له؛ إذ ليس في الكلام واو مضمومة قبلها كسرة، وإذا

стр. 5073

كان كذلك كان الأولى أن تقلب إلى ما له نظير في الكلام نحو بِيوت وشِيوخ، على لغة الكسر. وأيضا قد قلبت المتحركة إلى مجانس حركة ما قبلها في نحو أوم وإيم، إذ جعلوا الأولى واوا للضمة والثانية ياء للكسرة، ولم يعتبروا حركتها في نفسها، فكذلك تقول هنا بإيجاب القلب إلى مجانس حركة ما قبلها، وهذه الحجة أيضا جارية في القسم الأول. وللآخرين أن يجيبوا عن الأول بأن عدم النظير هنا غير معتبر؛ لأن محل الضمة هنا أصله السكون، والضمة منقولة له من الميم الأولى في إوُم، وإذا كان كذلك لم يعتد بذلك العارض، كما لا يعتد أيضا بعارض الضم بعد الكسر في بِيوت، لأن الكسر عارض لأجل الياء، والأصل ضم ياء بيوت وشين شيوخ، وهذا أيضا جار في جواب ما تقدم. وأما الثاني فإن الهمزة المفتوحة هناك أصلها السكون، والساكنة تبدل على حركة ما قبلها، وأيضا فإن مجانس حركتها هنا الألف، والألف لا يمكن أن تقع بعد كسرة ولا ضمة، ولذلك لم يجز تخفيف جُؤن ومئر ونحوهما بين الهمزة والألف، لأن الهمزة بين بين تشبه الألف، فاجتنبوا ذلك إلى إبدالها ياء أو واوا إبدالا محضا، بخلاف نحو إوم فإن مجانس الحركة هنا وهو الواو يمكن وقوعه بعد الكسرة، كما أن مجانس الكسرة فيما تقدم وهو الياء يمكن وقوعه بعد الضمة. ولذلك (أجاز) غيرُ الأخفش

стр. 5074

تخفيف (يستهزئون) بين بين، إذ يمكن النطق به كذلك. والموضع الثالث (من) مواضع الخلاف أن المازني يرى (أن) الهمزة التي قلبت ياء للكسرة التي فيها إذا أزال التصغير أو التكسير تلك الكسرة فإن الياء تبقى على حالها ولا ترجع إلى الواو اعتبارا بما صارت إليه أولا. ومذهب (الناس) غيره - وأصله لأبي الحسن - ما تقدم من اعتبار كل حالة بنفسها، فالتكسير والتصغير يقلب فيهما ثاني الهمزين واوا، فتقول في تصغير أيمة: أويمة، كما تقول في آدم: أويدم، وتقول في تكسيره: أوام، كما تقول: أوادم، في آدم. والمازني يقول: أييمة وأيام، لأنها كانت قبل التصغير والتكسير ياء، وحجة المازني أن الياء قد ثبتت ياء بدلا من الهمزة فسبيلها أن تجري مجرى الياء التي لا حظ لها في الهمز، وهو ألف خالد، فوجب أن يقال: أييمة وأيام، لأن الياء في أييمة تجري مجرى التي لم تنقلب، كما جرت ألف آدم مجرى ألف خالد؛ إذ حقيقة البدل هنا تقتضي تناسي الأصل، إلا أن هذه الهمزة إذا لم يلزمها تحريك فبنيت من الأدمة مثل أبلم قلت: أودُم، ومثل إصبع قلت: إيدم، ومثل أفكل قلت: آدم، فاجعلها ألفا إذا انفتح ما قبلها وياء ساكنة إذا انكسر ما قبلها، وواوا ساكنة إذا انضم ما قبلها، فإذا احتجت إلى تحريكها في تكسير أو تصغير جعلت كل واحدة منهن على لفظها الذي قد بنيت عليه، فاترك الياء ياء، والواو واوا، واقلب الألف واوا، كما فعلت ذلك العرب في تصغير آدم

стр. 5075

وتكسيره. قال: فهذا هو القياس عندي. قال ابن جني: وهذا القول ليس بمرضي من أبي عثمان؛ لأن الياء في أيمة إنما انقلبت عن الهمزة لانكسارها، فإذا زالت الكسرة زالت الياء التي وجبت عنها، كما أن الياء في ميزان لما وجب انقلابها عن الواو لانكسار ما قبلها زالت عند زوال الكسرة في قولهم: موازين وموزين، فإن قال: إن الياء في ميزان إذا فارقت هذا الموضع رجعت إلى الواو كموازين ومويزين بخلاف ألف آدم فإنها لا ترجع إلى الهمزة وإن زالت عن هذا الموضع، وإنما يقال: أوادم وأويدم، فما تنكر أن يكون البدل في أيمة أقوى منه في ميزان فلا تزول الياء وإن زالت الكسرة، قيل: هذا غير وارد؛ إذ لو جمعت آدم على فُعل أو فعلان لقلت: أدم وأدمان فرجعت الهمزة لزوال الأولى، كما رجعت الواو في موازين لما زالت الكسرة، وإنما لم ترد فاء الفعل في أوادم وأويدم إلى الهمزة لأنه كان يلزم ما منه هربوا وهو اجتماع همزتين لو قالواك أآدم، وأأيدم، فالعلة الموجبة للإبدال في الواحد موجودة في الجمع والتحقير، وميزان ليس كذلك، لأنك إذا جمعت أو حقرت زال موجب انقلاب الواو ياء، وهو انكسار ما قبلها، فقد وضح الفرق بينهما. فإن قيل: إذا كان القياس عند سيبويه في تحقير مثل قائم أن تقول: قويئم، بإقرار الهمزة مع زوال موجب قلبها همزة، وهو الألف في

стр. 5076

قائم، ويحتج بأن الهمزة قوية بأنها عين، والعين أقوى من اللام، فما تنكر أن يكون البدل في أيمة لازما أيضا فتقر على حالها وإن زال موجب القلب ياء؛ لأن الفاء مثل العين في القوة، أو هي أقوى منها لبعدها عن اللام. قيل: إن سيبويه شبه ياء التحقير بألف التكسير، فجرت الياء (في) قويئم مجرى الألف في قوائم، كما أجروا أسيود في التصحيح مجرى أساود، لتشبيههم ياء التحقير بألف التكسير، (فلما كان بين ياء التحقير وألف التكسير هذا الاشتباه أقر سيبويه الهمزة في قويئم مع ما انضم إلى ذلك من قوة العين، وأما الياء في أيمة فليست كذلك، لأنها إنما (عن الكسرة وجبت كما وجبت) ياء ميزان عن الكسرة، فلما زالت الكسرة زالت الياء، وأنت إذا حقرت فقلت: أويمة، فقد أزلت الكسرة فلم يكن في موضعها ما يجري مجراها فتقر الياء، كما شبهت ياء التحقير بألف التكسير)، فأقررت الهمزة، وإنما قبلها في أويمة ضمة، والضمة إنما تجب عنها الواو لا الياء، وأيضا لو جاز لقائل أن يقول: لا أزيل الياء في أيمة إذا زالت الكسرة لجاز لآخر أن يقول: لا أرد الواو في ميزان إذا زالت الكسرة بتحقير أو تكسير، وهذا لا يقوله أحد، وقد ألزم المازني أن يقول في جمع آدم: أيادم فيقر الياء ولا يقلبها، لأنها قد ثبتت ياء في الماضي وهو ايدم، لأن آدم اسم فاعل من ايدم كاحمر فهو أحمر، فكما يقول في جمع فعلل من بعت بياعع، كذلك يلزمه أن يقول في جمع آدم: أيادم وفي التصغير: أييدم، وهذا فاسد باتفاق منا ومنه، فكذلك ما أدى إليه.

стр. 5077

وقول الناظم: (مطلقا جا) أصله: جاء، ولكنه حذف الآخر، إذ من العرب من يقول: جا يجي، ولكنها قليلة. والموضع الرابع من المواضع المختلف فيها قد أشار إليه الناظم في الجملة في المسألة التي ذكر إثر هذا، وهو قول: (وأوَم ونحوه وجهين في ثانيه أم) هكذا رأيته في النسخ (أوَم) بفتح الهمزة والواو معا على وزن أعم، وعليه استمر الشرح، وإن كان فيه على مذهب الخليل عيب السناد، وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المقيد، وليس بعيب عند غيره لشهرة وروده في كلام العرب. ومعنى (أم) اقصد، أم الشيء يؤمه: أي قصده، ووجهين: مفعول به، أي اقصد في ثاني أوم وجهين، وثاني أوم لفظا الواو، وأصله: أأمم، فثانيه على الأصل الهمزة الثانية، وهذا هو الذي قصد، فيعني أن الهمزة الثانية من هذا البناء ونحوه لك في إبدالها وجهان، والوجهان المذكوران متعينان مما تقدم، لأنه ذكر الإبدال واوا (والإبدال ياء، وجعل لكل واحد منهما موضعا معينا. ثم ذكر هنا وجهين، فدل على أنهما ذلك الوجهان، وهما الإبدال واوا) أو ياء، فيجوز لك أن تقول: أوم، كما ذكر بالواو، ويجوز أن تقول: أيم، بالياء وذلك أن هذا المثال المذكور مبني من أم على زنة (أفعل) فكان الأصل: أأمم، فكرهوا إظهار التضعيف، فنقلت فتحة الميم إلى الهمزة ثم أدغمت في الميم

стр. 5078

الثانية فصار في التقدير: أأمّ، مثل ععم، فوجب إبدال الهمزة واوا أو ياء وكذلك ما كان نحوه فإذا بنيت من أن أو من أز، أو من أل، أو شبه ذلك من المضاعف العين واللام فحكمه ذلك الحكم. فإن شئت قلت: أونّ وأوزّ وأولّ، وإن شئت قلت: أين وأيز وأيل، فهما عند الناظم جائزان، وهما قولان للأخفش والمازني، فالأخفش يلتزم الإبدال واوا، والمازني يلتزم الإبدال ياء، ويتفقان فيما إذا لم يبن من المضاعف، فإذا بنيت أفعل من الأكل أو الأخذ أو الإباق أو نحوها قلت: هذا آكل من هذا وآخذ منه وآبق منه، وكذلك إن بنيت منه مثل إصبع أو أبلم لقلت: إيكل وأوكل، وكذلك الباقي، فلا خلاف بينهم في هذا النحو، وأما ما اختلفوا فيه فوجههأنه لما صار إلى آمم فلك هنا إعلالان لا بد من اجتماعهما، فإذا قدرت إبدال الهمزة أولا صار آمم، وإذا صار كذلك ساوى آدم وشبهه مما ليس بمضاعف، فإن أردت أن تدغم نقلت الحركة إلى الهمزة المبدلة، إذ لا بد من التحريك فيها لأجل الإدغام، فحركت على نحو ما حركت همزة آدم إذا قلت: أوادم وأويدم، لأجل الشبهة بينهما وبين الألف الزائدة في نحو: خالد وقاسم إذا قلت: خوالد وخويلد، وقواسم وقويسم، وإلى هذا العمل يئول قول الأخفش. وإذا قدرت الإدغام بعد نقل الحركة أولا صار أأم، فأبدلت الثانية ياء لأنها أقرب إلى الألف من الواو، ولا أبدلها واوا لذلك وإلى هذا ينظر المازني فيما ذهب إليه. وأيضا يقول المازني: إذا قدرت

стр. 5079

الإبدال أولا فقلت: آمم، لزمك إذا أدغمت ألا تحرك شيئا من حيث صارت الهمزة ألفا، والألف عندكم كالألف الزائدة، فيجب الإدغام من غير تحريك، إذ المد في الألف قائم مقام الحركة فكنت تقول: آمّ، كما تقول: هذه شجة آمة، وهي فاعلة من أممت، فأن لم يقولوا في أفعل: آم، دليل واضح على أنهم لم يقبلوا الألف مع التضعيف (كما قلبوها في غير التضعيف) نحو آدم وآخر، فيقول الأخفش مجيبا عن هذا: إن الألف المبدلة من فاء أفعل ليست ألفا زائدة على الحقيقة، وإنما هي بدل من همزة هي فاءُ أفعل، فلولا أن الهمزة قبلها لظهرت، وليست كذلك ألف خالد، لأنها غير منقلبة عن شيء، وإنما هي زائدة، فلذلك لما بنيت من أممت فاعلة قلت: آمة، ولم تحرك الألف بحركة الميم المدغمة لأنها لا حظ لها في الحركة، ولما كان امتداد الصوت نائبا عن الحركة احتملت أن يقع بعدها الساكن، بخلاف ما إذا بنيت أفعل منك من أممت قلت: هذا آمم من هذا، ثم أدغمت، جاز أن تلقى حركة الميم على الهمزة المبدلة، لأنها بدل من فاء الفعل، ولها أصل في الحركة، فإذا تحركت أبدلت (إبدال) ألف آدم لما قلت: أوادم كما تقدم. فإن قيل: إنك عاملت ألف آدم معاملة ألف خالد وأجريتها في الحكم عليها وعاملتها معاملة ما لا أصل له في الحركة، ثم إنك انتقلت الآن إلى زعم أن ليست كذلك حين عاملتها معاملة أصلها، فهي إذا ليست كألف خالد، لكنك أثبت ذلك، فهذا تناقض ظاهر، وهذه حجة للمازني.

стр. 5080

فالجواب: أن للأخفش أن يجيب عن هذا بأن ألف آدم ونحوه وإن أشبهت ألف خالد فجرت مجراها في بعض الأشياء، فلا يمكن أن تجري مجراها في جميع الأشياء، ألا ترى أنه لا يمكننا أن نقضي بزيادة ألف آدم كما نقضي بزيادة ألف خالد، (وكما لا يمكننا أن نقضي بانقلاب) (ألف خالد كما نقضي بانقلابها من آدم) (فقد يشبه الشيء الشيء من وجه ويخالفه) من وجه آخر، فيحكم له بالحكمين على وجه يمكن فيه الجمع بينهما كهذه القضية، فلهذا إذا اضطررنا إلى تحريك هذه الفاء بإلقاء حركة المدغم بعدها (عليها) جاز، لأنها في الجملة قابلة للحركة فقدرنا على تحريكها بخلاف ألف آمة -فاعلة من أم- فإنه لا يجوز لعدم قبولها للحركة فاكتفينا بمدها عن الحركة حيث لم يقدر على غير ذلك. هذه جملة من الاحتجاج للفريقين أكثرها لابن جني، وهي دلائل تتكافأ أو تكاد، فلأجل هذا التكافؤ الذي اعتبره الناظم اطرح نقل الخلاف، وارتضى كل واحد من القياسين واعتبره، إذ لم يترجح (له) واحد منهما على الآخر، وهذه الطريقة جارية على طريقة من يقول (من أهل الأصول): إذا تكافأت
следующие страницы →