Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.
стр. 5076
قائم، ويحتج بأن الهمزة قوية بأنها عين، والعين أقوى من اللام، فما تنكر أن يكون البدل في أيمة لازما أيضا فتقر على حالها وإن زال موجب القلب ياء؛ لأن الفاء مثل العين في القوة، أو هي أقوى منها لبعدها عن اللام.
قيل: إن سيبويه شبه ياء التحقير بألف التكسير، فجرت الياء (في) قويئم مجرى الألف في قوائم، كما أجروا أسيود في التصحيح مجرى أساود، لتشبيههم ياء التحقير بألف التكسير، (فلما كان بين ياء التحقير وألف التكسير هذا الاشتباه أقر سيبويه الهمزة في قويئم مع ما انضم إلى ذلك من قوة العين، وأما الياء في أيمة فليست كذلك، لأنها إنما (عن الكسرة وجبت كما وجبت) ياء ميزان عن الكسرة، فلما زالت الكسرة زالت الياء، وأنت إذا حقرت فقلت: أويمة، فقد أزلت الكسرة فلم يكن في موضعها ما يجري مجراها فتقر الياء، كما شبهت ياء التحقير بألف التكسير)، فأقررت الهمزة، وإنما قبلها في أويمة ضمة، والضمة إنما تجب عنها الواو لا الياء، وأيضا لو جاز لقائل أن يقول: لا أزيل الياء في أيمة إذا زالت الكسرة لجاز لآخر أن يقول: لا أرد الواو في ميزان إذا زالت الكسرة بتحقير أو تكسير، وهذا لا يقوله أحد، وقد ألزم المازني أن يقول في جمع آدم: أيادم فيقر الياء ولا يقلبها، لأنها قد ثبتت ياء في الماضي وهو ايدم، لأن آدم اسم فاعل من ايدم كاحمر فهو أحمر، فكما يقول في جمع فعلل من بعت بياعع، كذلك يلزمه أن يقول في جمع آدم: أيادم وفي التصغير: أييدم، وهذا فاسد باتفاق منا ومنه، فكذلك ما أدى إليه.
стр. 5077
وقول الناظم: (مطلقا جا) أصله: جاء، ولكنه حذف الآخر، إذ من العرب من يقول: جا يجي، ولكنها قليلة.
والموضع الرابع من المواضع المختلف فيها قد أشار إليه الناظم في الجملة في المسألة التي ذكر إثر هذا، وهو قول: (وأوَم ونحوه وجهين في ثانيه أم) هكذا رأيته في النسخ (أوَم) بفتح الهمزة والواو معا على وزن أعم، وعليه استمر الشرح، وإن كان فيه على مذهب الخليل عيب السناد، وهو اختلاف حركة ما قبل الروي المقيد، وليس بعيب عند غيره لشهرة وروده في كلام العرب.
ومعنى (أم) اقصد، أم الشيء يؤمه: أي قصده، ووجهين: مفعول به، أي اقصد في ثاني أوم وجهين، وثاني أوم لفظا الواو، وأصله: أأمم، فثانيه على الأصل الهمزة الثانية، وهذا هو الذي قصد، فيعني أن الهمزة الثانية من هذا البناء ونحوه لك في إبدالها وجهان، والوجهان المذكوران متعينان مما تقدم، لأنه ذكر الإبدال واوا (والإبدال ياء، وجعل لكل واحد منهما موضعا معينا. ثم ذكر هنا وجهين، فدل على أنهما ذلك الوجهان، وهما الإبدال واوا) أو ياء، فيجوز لك أن تقول: أوم، كما ذكر بالواو، ويجوز أن تقول: أيم، بالياء وذلك أن هذا المثال المذكور مبني من أم على زنة (أفعل) فكان الأصل: أأمم، فكرهوا إظهار التضعيف، فنقلت فتحة الميم إلى الهمزة ثم أدغمت في الميم
стр. 5078
الثانية فصار في التقدير: أأمّ، مثل ععم، فوجب إبدال الهمزة واوا أو ياء وكذلك ما كان نحوه فإذا بنيت من أن أو من أز، أو من أل، أو شبه ذلك من المضاعف العين واللام فحكمه ذلك الحكم. فإن شئت قلت: أونّ وأوزّ وأولّ، وإن شئت قلت: أين وأيز وأيل، فهما عند الناظم جائزان، وهما قولان للأخفش والمازني، فالأخفش يلتزم الإبدال واوا، والمازني يلتزم الإبدال ياء، ويتفقان فيما إذا لم يبن من المضاعف، فإذا بنيت أفعل من الأكل أو الأخذ أو الإباق أو نحوها قلت: هذا آكل من هذا وآخذ منه وآبق منه، وكذلك إن بنيت منه مثل إصبع أو أبلم لقلت: إيكل وأوكل، وكذلك الباقي، فلا خلاف بينهم في هذا النحو، وأما ما اختلفوا فيه فوجههأنه لما صار إلى آمم فلك هنا إعلالان لا بد من اجتماعهما، فإذا قدرت إبدال الهمزة أولا صار آمم، وإذا صار كذلك ساوى آدم وشبهه مما ليس بمضاعف، فإن أردت أن تدغم نقلت الحركة إلى الهمزة المبدلة، إذ لا بد من التحريك فيها لأجل الإدغام، فحركت على نحو ما حركت همزة آدم إذا قلت: أوادم وأويدم، لأجل الشبهة بينهما وبين الألف الزائدة في نحو: خالد وقاسم إذا قلت: خوالد وخويلد، وقواسم وقويسم، وإلى هذا العمل يئول قول الأخفش. وإذا قدرت الإدغام بعد نقل الحركة أولا صار أأم، فأبدلت الثانية ياء لأنها أقرب إلى الألف من الواو، ولا أبدلها واوا لذلك وإلى هذا ينظر المازني فيما ذهب إليه. وأيضا يقول المازني: إذا قدرت
стр. 5079
الإبدال أولا فقلت: آمم، لزمك إذا أدغمت ألا تحرك شيئا من حيث صارت الهمزة ألفا، والألف عندكم كالألف الزائدة، فيجب الإدغام من غير تحريك، إذ المد في الألف قائم مقام الحركة فكنت تقول: آمّ، كما تقول: هذه شجة آمة، وهي فاعلة من أممت، فأن لم يقولوا في أفعل: آم، دليل واضح على أنهم لم يقبلوا الألف مع التضعيف (كما قلبوها في غير التضعيف) نحو آدم وآخر، فيقول الأخفش مجيبا عن هذا: إن الألف المبدلة من فاء أفعل ليست ألفا زائدة على الحقيقة، وإنما هي بدل من همزة هي فاءُ أفعل، فلولا أن الهمزة قبلها لظهرت، وليست كذلك ألف خالد، لأنها غير منقلبة عن شيء، وإنما هي زائدة، فلذلك لما بنيت من أممت فاعلة قلت: آمة، ولم تحرك الألف بحركة الميم المدغمة لأنها لا حظ لها في الحركة، ولما كان امتداد الصوت نائبا عن الحركة احتملت أن يقع بعدها الساكن، بخلاف ما إذا بنيت أفعل منك من أممت قلت: هذا آمم من هذا، ثم أدغمت، جاز أن تلقى حركة الميم على الهمزة المبدلة، لأنها بدل من فاء الفعل، ولها أصل في الحركة، فإذا تحركت أبدلت (إبدال) ألف آدم لما قلت: أوادم كما تقدم.
فإن قيل: إنك عاملت ألف آدم معاملة ألف خالد وأجريتها في الحكم عليها وعاملتها معاملة ما لا أصل له في الحركة، ثم إنك انتقلت الآن إلى زعم أن ليست كذلك حين عاملتها معاملة أصلها، فهي إذا ليست كألف خالد، لكنك أثبت ذلك، فهذا تناقض ظاهر، وهذه حجة للمازني.
стр. 5080
فالجواب: أن للأخفش أن يجيب عن هذا بأن ألف آدم ونحوه وإن أشبهت ألف خالد فجرت مجراها في بعض الأشياء، فلا يمكن أن تجري مجراها في جميع الأشياء، ألا ترى أنه لا يمكننا أن نقضي بزيادة ألف آدم كما نقضي بزيادة ألف خالد، (وكما لا يمكننا أن نقضي بانقلاب) (ألف خالد كما نقضي بانقلابها من آدم) (فقد يشبه الشيء الشيء من وجه ويخالفه) من وجه آخر، فيحكم له بالحكمين على وجه يمكن فيه الجمع بينهما كهذه القضية، فلهذا إذا اضطررنا إلى تحريك هذه الفاء بإلقاء حركة المدغم بعدها (عليها) جاز، لأنها في الجملة قابلة للحركة فقدرنا على تحريكها بخلاف ألف آمة -فاعلة من أم- فإنه لا يجوز لعدم قبولها للحركة فاكتفينا بمدها عن الحركة حيث لم يقدر على غير ذلك.
هذه جملة من الاحتجاج للفريقين أكثرها لابن جني، وهي دلائل تتكافأ أو تكاد، فلأجل هذا التكافؤ الذي اعتبره الناظم اطرح نقل الخلاف، وارتضى كل واحد من القياسين واعتبره، إذ لم يترجح (له) واحد منهما على الآخر، وهذه الطريقة جارية على طريقة من يقول (من أهل الأصول): إذا تكافأت
стр. 5081
الدلائل الظنية أعملت، فصا مقتضى كل واحد منهما مخيرا فيه، والمسألة مقررة في الأصول. وهذا الذي ذهب إليه الناظم مذهب من المذاهب المقررة فيها.
ثم قوله: (ونحوه) يحتمل وجهين أحدهما: أن يريد ما كان على صفته من لاتضعيف في العين واللام ووزنه المخصوص الذي هو أفعل ولا زيادة على ذلك، وهي طريقته في نقل الخلاف في التسهيل، إذ قال لما قرر أوجه التسهيل: (خلافا للأخفش في كذا، وللمازني في استصحاب الياء المبدلة منها لكسرة أزالها التصغير أو التكسير، وفي إبدال الياء منها فاء لأفعل)، فقيد ذلك بأفعل وحده دون أفعُل وإفعُل وأفعُل، ونحو ذلك، وهو نقل ابن عصفور عن مذهب المازني، وإياه اتبع المؤلف. ويحتمل أن يريد ما كان على منهاجه وطريقته من كونه مضاعف العين واللام مبنيا مما أوله همزة على مثال المزيد أوله همزة، فيدخل في ذلك بناؤك من أم مثل أبلم فتقول: أيم، أو مثل أصبع فتقول: أيم، أو مثل إصبع فتقول: إيم، أو مثل أحمر فتقول: أيم، أو مثل أصبع فتقول: أيم، أو مثل إصبع فتقول: إيم، وهذا يتعاقبان فيه، وكذلك فيما إذا انكسرت الهمزة المبدلة، فقد يمكن أن يكون المازني مخالفا في هذا كله، وقد قال ابن الضائع في الهمزة الثانية إذا كانت متحركة: إن مذهب المازني قلبها ياء أبدا، أما المكسورة فمن أجل حركتها، وأما المفتوحة فلما تعذرت الألف قلبت ياء؛ لأنها أقرب إلى الألف، وأما المضمومة فلاستثقال الضمة على الواو
стр. 5082
مع غلبة الياء على هذه الهمزة. هذا ما قال، وهو نص فيما ذكرته، ولعل كلام المازني في تصريفه يرشد إلى هذا فتأمله، والمذهب الأول قد يظهر منه أيضا، وعلى كلتا الطريقتين فأفعل الذي أراده يحتمل أن يدخل له فيه ما كان اسما وما كان فعلا، نحو بنائك من أم مثل أكرم، فتقول على طريقة الأخفش: أوم، وعلى طريقة المازني: أيم، وهذا ظاهر وعلى الناظم بعد (ذلك) سؤالان:
أحدهما: أن الهمزتين قد تجتمعان ولا يجب فيهما إبدال، وذلك إذا كانت إحداهما حرف مضارعة والهمزة الثانية متحركة، فتقول: أوم وأئن وأؤم وأؤدي وأؤكد، وما كان نحو ذلك، فيجوز هنا التحقيق والتسهيل (بين بين، وليس الإبدال المحض بواجب بنصه في كتابه التسهيل) حيث استثنى هذا الموضع من وجوب الإبدال، فقال: (فإن تحركتا والأولى لغير المضارعة أبدلت الثانية ياء إن انكسرت) إلى آخره، فإذا كان كذلك كان من الواجب أن يستثنى ذلك هنا، لكنه لم يفعل، فلزمه، فلزمه الدرك.
والثاني: أنه دخل له في هذا الحكم المجعم الهمزتان إذا كانتا عينين نحو: سأل ورأس ورأم، وما أشبهها مما الحكم فيه عدم الإبدال، وذلك أن العين المضاعفة إذا كانت همزة تترك على حالها ولا يجب إبدال أحدهما، بل يبقيان على ما كانتا عليه، بخلاف ما إذا ضعفت اللام فإن الثانية تبدل ياء، فإذا بنيت من قرأ مثل قمطر قلت: قرأي، وهذا بين
стр. 5083
وإذا بنيت منه مثل معد قلت: قرأي، وإن كان الدالان مضاعفين بخلاف ما إذا بنيت فعالا من: سأل أو رأس، فإنك تقول: سآل ورآس، وكذلك إذا بنيت منه مثل قطَّع قلت: سأَّل ورأَّس، وكذلك مضارعه، قال الطرماح:
من كل ذاقنة يعوم زمامها ... عوم الخشاش على الصفا يترأَّد
وكذلك اسم فاعله ومفعوله والأمر منه ما لم يكن تضعيف لام فإنه لا يقر، كذلك قال المازني حين بين حكم اللام في تضعيف الهمزة فيه: (وسألت أبا الحسن -وهو الذي بدأ بهذه المقالة- يعني أنه أول من ادعى أنه تقول: قرأي في أنه معد من قرأ- فقلت له: ما بال الهمزة الأولى إذا كان أصلها السكون لا تكون مثل همزة سأل ورأس؟ فقال: من قبل أن العين لا تجيء أبدا إلا وبعدها مثلها، واللام قد تجيء بعدها لام ليست من لفظها، ألا ترى أن قمطرا وهدملة وسبطرا قد جاءت اللامان مختلفتين، وكذلك جميع الأربعة والخمسة، والعينان لا تكونان كذلك، فلذلك فرقت بينهما. قال المازني: والقول عندي كما قال.
ومعنى كلام الأخفش أنه لما اعتبر اللام فوجدها قد تكرر من غير لفظ اللام ووجد العين لا تكرر إلا من لفظ العين نحو طاء قطَّع ولام سلَّم، ووجد
стр. 5084
اللامين قد تختلفان في نحو هِدَمْلة وبابها، وكان اجتماع الهمزتين في كلمة واحدة مكروها عنده قال في قمطر من قرأت: قرأي، أصله قرأ، فقلبت الثانية ياء، وكان القلب إلى الياء لأنها أغلب على اللام لأنها رابعة، ولولا أنه لا يوجد في كلامهم عينان بلفظين مختلفين لقيل في سأل ونحوه: سأيال ورأياس، أو سأوال ورأواس، بقلب الثانية، ولكن هذا غير موجود في كلامهم، فأقرت العينان بلفظ واحد، وقلبت الثانية من قرأي كما قلبت في جاءٍ ونحوه.
هذا ما قالوه وهو صحيح في النظر. وقد نبه على هذا في التسهيل فقال: (فإن سكنت الأولى أبدلت الثانية ياء إن كانت موضع اللام، وإلا صححت) فكلامه هنا يقتضي أن تبدل في سأل ونحوه الثانية ياء أو واوا، وذلك لا يكون.
والجواب عن الأول أن نقول: إن الناظم قد التزم الإبدال مطلقا على ما يظهر من كلامه، أما إذا كان ما بعدها همزة المضارعة من الهمز ساكنا فلا خلاف في الإبدال نحو: أومن وأوتي، وما
أشبه ذلك. وأما إن كان متحركا فكذلك أيضا لا بد من الإبدال، وقد نص ابن جني على منع إقراره بعد همزة المضارعة، ولم يحك فيه خلافا، قال شيخنا القاضي -رحمه الله تعالى-: وقد يقوي مذهبه التزام الحذف في أكرم وأعلن وما أشبه ذلك، فلولا [؟ فلو] كان اجتماع الهمزتين جائزا لم يحذفوه، فإذًا لا إشكال عليه، ويكون هنا مخالفا لمذهبه في التسهيل، وكم من مسألة فعل فيها هكذا كما مضى بيانه.
стр. 5085
والجواب عن الثاني: أن ما ذكر من سأل ونحوه لا يدخل له تحت ما ذكر حكمه، وذلك أنه إنما تكلم في الساكنة بعد المتحركة، أو في المتحركة بعد المتحركة، ألا تراه قال: (إن يفتح اثر ضم او فتح قلب)، وقال: (وياء إثر كسر ينقلب) ثم قال (ذو الكسر مطلقا) وأراد بالإطلاق بأي حركة تحرك ما قبلها كما تقدم. ثم قال (وأوم ونحوه) حكمه كذا، فلم يتكلم إلا في ساكنة بعد متحركة أو متحركتين، فلم يدخل له غير ذلك إلا حين استثنى كون الهمز أتم لفظا، وهو استثناء من جميع ما ذكر ومن غيره، فدخل له مثل معد ونحوه من قرأ، وبقي سأل ونحوه لم يدخل له في واحد من تلك الأقسام، وإذا كان كذلك ثبت له من مفهوم تلك التقييدات وتلك الأوصاف خروجه عن حكم الإبدال رأسا، وذلك ثلاثة أقسام إذا كانت مختصة بالعين، وهي المفتوحة والمضمومة والمكسورة بعد الساكنة. فقد حصر تحت قاعدته جميع الأقسام الستة عشر، وحكم على كل واحد بما يليق به إلا الساكنة بعد الساكنة فإن ذلك لا يجتمع، ولم ينبه عليه لبيانه، وهذا حسن من التقرير وبديع من الاختصار.
وهذا التفسير إنما هو على أن قوله: (وأوم) ليس بفعل مضارع كما وقع في نسخ من هذه الأرجوزة، والذي شرح عليه ابن الناظم أنه (أوُم) بضم الواو على وزن (أعُمّ)، فإن ثبت كذلك فيريد أن ما كانت الهمزة الأولى فيه للمضارعة ففي همزته الثانية وجهان، أحدهما الإبدال كما
стр. 5086
تقدم، والثاني البقاء على الأصل من التحقيق اعتبارا بتقدير انفصال الأولى، لأنها حرف جاءت لمعنى المضارعة، فليست مع الثانية إلا كالكلمة الأخرى كهمزة الاستفهام ونحوها، فتقول: أؤم وأوُم، ويكون هذا المذهب موافقا لما في التسهيل حيث لم يستثن من وجوب الإبدال ما كانت الهمزة الأولى فيه للمضارعة، وغير موافق للنحويين حيث سووا بين ذلك كما تقدم ذكره.
ومعنى قوله (ونحوه) أي ما كان شبه هذا مما الهمزة فيه للمضارعة، نحو أئِنّ وأئطّ، وكذلك المضارع من ألِلَ السقاء إذا قلت (أئلّ) وما أشبه ذلك يجوز لك فيه الإبدال والبقاء على الأصل ما زعم ابنه من أن بعض العرب يحققون الهمزتين هنا. والضبط الأول -إن ثبت- أولى لصواب منحاه، وعموم الفائدة فيه وموافقته لغيره من النحويين.
وياءً اقلب ألفا كسرا تلا ... أو ياء تصغير، بواوٍ ذا افعلا
في آخر أو قبل تا التأنيث أو ... زيادتي فعلان ذا أيضا رأوا
في مصدر المعتل عينا والفعل ... منه صحيح غالبا نحو الحول
أخذ الناظم ﵀ في الكلام على ما تبدل منه الياء، وهو الثاني من حروف البدل، وذكر هنا من الحروف التي تبدل منها حرفين: الألف
стр. 5087
والواو، وقد ذكر ابن جني أن الياء تبدل من ثمانية عشر حرفا، ولكن القياس من ذلك كله بدلها من الألف ومن الواو ومن الهمزة، فقد ذكر إبدالها من الهمزة فبقي الحرفان، فأما ما عدا ذلك فإن إبدال الياء منه محفوظ، ولا بأس بذكر شيء منه ليتبين به صحة ما قصد الناظم ذكره وما قصد تركه، فتبدل من الهاء في دهديت الحجر، أصله دهدهت، قال أبو النجم:
كأن صوت جرعها المستعجل ... جندلة دهديتها بجندل
وصهصيت بالرجل قلت له: صه صه، ومن السين قول الشاعر:
إذا ما عد أربعة فسالٌ ... فزوجك خامس وأبوك سادي
وقال الآخر:
عمرو وكعب وعبد الله بينهما ... وابناهما خمسة والحارث السادي
стр. 5088
وأبيات أخر، ومن الياء نحو ديباج، أصله دبَّاج، بدليل قولهم: دبابيج، وقال ابن جني: أخبرني أبو علي أن أبا العباس أحمد بن يحيى حكى عنهم: لا وربْيِك لا أفعل، أي لا وربك.
وأنشد سيبويه:
لها أشارير من لحم تتمره ... من الثعالي ووخز من أرانيها
قال: أراد الثعالب والأرانب فلم يمكنه أن يسكن الباء فأبدل منها حرفا يسكن في موضع الجر.
ومن الراء في قولهم: قيراط، أصله قِرَّاط بدليل قولهم: قراريط، وكذلك شيراز، أصله شراز، لقولهم: شراريز. وقالوا: تسريت: اتخذت سرية، والسرية فعلية من السر، لأن صاحبها أبدا يخفيها عن زوجه وصاحبة منزله، أو من السر بمعنى الجماع، لأنها متخذة له دون الخدمة، وباقي ذلك ذكره ابن جني وغيره، هذا ما حكوا من الإبدال غير القياسي.
ولنرجع إلى ما ذكره، فأما الألف فذكر أنها تقلب ياء لسببين:
стр. 5089
أحدهما: وقوع الألف تالية: أي تابعة للكسر، وذلك قوله: (وياء اقلب ألفا كسرا تلا)، فياء: مفعول ثان لاقلب، وألفا: هو المفعول الأول، وكسرا: مفعول بتلا.
وضمير (تلا) للألف، والجملة في موضع الصفة لألف، يعني أن الألف إذا وقع قبلها كسر فإن تلك الألف تقلب ياء لأجل الكسرة التي قبلها، لأن الألف لا تثبت بعد الكسرة لأنها مدة فلا تأتي إلا بعد ما هي مدة له من الحركات، وهي الفتحة، فتقول في مفتاح: مفاتيح، وفي شملال: شماليل، وفي خلخال: خلاخيل، وما أشبه ذلك، وكذلك في التصغير إذا لت: مفيليح، وشميليل، وخليخيل.
والثاني: وقوعها بعد ياء التصغير، وذلك قوله: (أو ياء تصغير) وهو منصوب عطفا على (كسرا) كأنه قال: أو تلا الألف ياء تصغير، يعني أن الألف إذا وقعت بعد الياء المسوقة للتصغير فإنها لا تقر على ما هي عليه وإن لم يقع قبلها كسرة، لأن ياء التصغير إذا وقع بعدها حرف غير حرف الإعراب فلا بد من كسرة لتقوم به بنية فعيعل، والألف لا تقبل الكسرة، فلا بد من قلبها ياء لذلك فقالوا في كتاب: كتيب، وفي حساب: حسيب، وفي عناق عنيق، وفي دخان دخين، وما أشبه ذلك.
والألف هنا لا بد أن تكون زائدة كما تقدم في المثل، فإن كانت أصلية أو منقلب عن أصل فصارت بعد ذلك ياء أو واوا فأصلها هو الذي ثبت فيه ذلك الحكم، فانقاد واختار إذا بني للمفعول فعيل [؟ فقيل]: اختير وانقيد، ليست ياؤه بدلا من الألف، بل هي الياء الأصلية في اختار، والمنقلبة عن الواو في انقاد.
стр. 5090
وأما الواو فقال فيها (بواو ذا افعلا) أراد: وبواو، فحذف العاطف على عادته، وذا: إشارة إلى الحكم المتقدم وهو القلب ياء، وألف (افعلا) مبدلة من نون التأكيد الخفيفة، يعني أن الواو أيضا تبدل ياء في المواضع التي ذكر، لكنه لم يذكر هنا العلة التي لأجلها تنقلب الواو ياء، لأنه أحال على ما تقدم من العلتين، وهما أن تكون تالية للكسر أو لياء التصغير فلا بد أن يجري على هذا الترتيب ما لم ينسخه بغيره.
فمن المواضع التي عينها أن تقع الواو آخرا، وذلك قوله (في آخر) أي في آخر الكلمة، ومعنى كونها آخرا أن يقع عليها الإعراب بحيث لا يكون بعدها غيرها، لا أنه يريد أن تقع لاما للكلمة، لأنه يذكر إثر هذا قسيما له ما فيه تاء التأنيث أو زيادتا فعلان، فدل على أنه يريد الآخر المجرد عن الزوائد بحيث يقع عليه الإعراب، فإذا كانت الواو كذلك انقلبت ياء سواء أكانت زائدة أم أصلية، لا فرق هنا بينهما، بخلاف الألف، إذ لا يمكن ذلك في الألف ويمكن ههنا.
فأما انقلابها لوقوع الكسرة قبلها فنحو رضي، أصله الواو لأنه من الرضوان، ودعي وغزي لأنه من دعوت وغزوت، وكذلك داع وغاز وتال من تلوت، وما أشبه ذلك.
وأما انقلابها لوقوع ياء التصغير قبلها فنحو غَزْو ودلو، فإنك تقول: دُلَيّ، وغُزَيّ، وفي واو: أوي، وشبه ذلك إلا أن هذه الحالة فيها نظر، وهو
стр. 5091
أن قلب الواو ياء لوقوع ياء التصغير قبلها في هذا راجع إلى قاعدة أخرى سيذكرها، وهو اجتماع الواو والياء وسبق إحداهما بالسكون، لا من جهة كونها ياء تصغير، ألا ترى أنها لو لم تكن بياء تصغير لكان الحكم القلب ياء أيضا كقولك: سيد وميت وهين، على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى، فإذًا لا أثر لياء التصغير في هذا، وأيضا ليس هذا مخصوصا بالآخر ولا بما يليه تاء التأنيث أو الألف والنون، بل قد يكون فيما كان من الواوات حشوا كالمثل المذكورة، ولا يقال: إن الأمر وإن كان كذلك فهو مما تشمله القاعدتان ما ذكره هنا وما ذكره هنا، ولا يلقى في هذا محذور. لأنا نقول: قد ظهر أن ياء التصغير هنا لا أثر لها لكون ما عداها من الياءات حكمها هذا الحكم، وأيضا فإن خصصنا ياء التصغير بهذا الحكم أوهم مفهوما لا يصح، وهو أن غير ياء التصغير ليس له هذا الحكم، وأيضا فإن مشى هذا الاعتذار في ثلاثة المواضع المذكورة هنا وهي الآخر وما قبل تاء التأنيث والألف والنون لم يجز له فيما يأتي بعد ذلك، فالحاصل أن الناظم كان الواجب عليه أن يعن لهذه الأحكام السبب الواحد، وهو الكسر، وكذلك فعل في التسهيل إذ قال: (تبدل الألف ياء لوعها [؟ لوقوعها] إثر كسرة أو ياء تصغير)، ثم قال: (وكذلك الواو الواقعة إثر كسرة)، فخص ذلك بالكسرة لأن ياء التصغير إنما تكون سببا في قلب الألف فقط.
стр. 5092
وفي ذكره وقوع الكسرة قبل الواو ما يشير إلى المباشرة، والحكم كذلك، فإن وقع بين الواو والكسرة فاصل لم يجب ذلك الحكم، ولا تنقلب الواو ياء إلا في الشاذ، وذلك إذا حال بينهما حرف ساكن لضعف الساكن أن يكون فاصلا معتدا به، كقولهم: ناقة بِلْي سفر، وبلو سفر، من بلوت، وأرض عِذْي وطعام عذي، وقالوا في جمع عذاة: عذوات.
ومما شذ في الموضع الثاني قولهم: صبية وقنية، وعلية وقدية بمعنى قدوة وحذية من حذوت.
ومما شذ في الموضع الثالث قولهم: صبيان، أصله الواو من الصبوة.
وهذا كله يحفظ ولا يقاس عليه.
ومن المواضع التي عيَّنها أن تقع الواو قبل تاء التأنيث، فهنالك أيضا تؤثر الكسرة فتقول: غازية، وداعية، ومحنية. وكذلك إذا صغرت قرنوة ومعلوة، وقلنسوة -على حذف النون- فإنك تقول: قرينية، ومعيلية، وقليسية، وما أشبه ذلك، وذلك قوله (أو قبل تا التأنيث) وهو
стр. 5093
معطوف على قوله (في آخر) أي افعل هذا في آخر أو في هذا المحل الآخر، وهذا الذي ذكر هو الحكم العام، وقد شذ عن هذه القاعدة ألفاظ مسموعة نحو: مقاتوة، وسواوسة، وأقروة.
ومنها أن تقع الواو قبل زيادتي فعلان، وزيادتا فعلان هما الألف والنون، فكأنه قال: أو قبل الألف والنون الزائدتين.
وقوله: (زيادتي فعلان) مخفوض عطفا على (تا التأنيث)، ويعني أن الواو أيضا تقلب ياء إذا وقعت إثر كسرة قبل الألف والنون المزيدتين، ولا يريد خصوص هذا الوزن بعينه، إذ لا كسرة فيه، ولا الحكم أيضا مختصا بنحوه، فتقول في فَعِلان من الغزو: غزيان، ومن العلو: عليان، ومن القوة أو الحوة: قويان وحويان، وما أشبه ذلك. وفعلوان إذا صغرته فقلت: فعيليان نحو عنيظيان في عنظوان وعنيفيان في عنفوان، وكذلك تقول: العنظيان وأصله الواو، لغة في العنظوان، فليس فعلان في كلام مقصودا، وإنما مراده ما آخره ألف ونون زائدتان، ولذلك قال: زيادتا فعلان، فلم يخص الوزن وإنما خص آخره فقط. لكن الكسر محمول على إطلاقه من كونه ظاهرًا أو
стр. 5094
مقدر الظهور، فقد نصوا على أن المسكن من الكسر تخفيفا حكمه حكم مالو (لم) يسكن، فتقول في فلان من الغزو إذا سكن: غزيان، ومن القوة: قويان، ومن الحوة: حويان، وكذلك ما كان نحوه، وعلى هذا يجري حكم ما تقدم من المواضع، فإذا قلت: غزى، فأسكنت الزاي من غزى بقيت الياء كما كانت، وكذلك رضي، إذا قلت فيه: رضي.
ومن ذلك قول الراجز، أنشده ابن جني:
تهزأ مني أخت آل طيسله ... قالت: أراده آبقا قد دنى له
وهو من الدنو، أصله دنى، فأقر الياء على حالها. وعلى هذا تقول في فعلة من القرو أو الدحو: دحية وغزية، فتقلب للكسرة فإذا سكنت تخفيفا قلت: دحية وغزية، الأمر في هذا كله واحد.
وفي هذه المواضع نظر من وجهين:
أحدهما أنه قيد الواو في بعضها بكونه آخرا، أو قبل تاء التأنيث، أو قبل زيادتي فعلان. وهذا التقييد الذي ذكر مفيد بمفهومه أن الواو إذا وقعت حشوا والكسرة قبلها فليس لها هذا الحكم ولا تبدل فيه الواو، فاستدرك من ذلك الحكم حكم المصدر المعتل عينا، وجمع المعتل العين، وجمع المسكن العين،
стр. 5095
وفعلة جمعا، وفعل جمعا، فاقتضى (أن) ما عدا ذلك على الأصل يجري من غير إبدال. وذلك غير صحيح؛ فإن ثم مواضع يجب فيه إبدال الياء من الواو، فمن ذلك كل واو ساكنة قبلها كسرة فاء كانت أو عينا، فالفاء نحو: ميقات، من الوقت، وميعاد من الوعد، وميزان من الوزن، ورجل ميفاء من الوفاء، وميلاد من الولادة. أصل ذلك كله موقات، وموعاد، وموزان، وموفاء، ومولاد، فاستثقلت الواو إثر الكسرة فقلبت إلى حرف مناسب للكسرة، وذلك الياء. والعين/ نحو ديمة من الدوام، وقيمة من القوام، وحيلة من الحول، وثيرة- مسكن الياء- جمع ثور، قال الأعشى:
فظل يأكل منها وهي راتعة ... صدر النهار يراعى ثيرة رتعا
وكذلك ما أشبهه وهو، كله يجب فيه الإبدال ما لم تكن الواو مضاعفة مدغمة في ضعفها فإن القلب لا يكون إلا شاذا، وذلك نحو اعلواط واجلواذ. وكذلك إن بنيت من القول مثل فعل فإنك تقول: قول وقوال، وذلك لقوتها في المضاعف، فصارت كالمتحركة، والذي شذ من ذلك ديوان، أصله دوان، واجليواذا أصله اجلواذ، فهذا مما فات الناظم الكلام عليه، وهي من المسائل المشهورات الضرورية، مع أن كلامه (وتقييده) يوهم خلاف الحكم فيها.
стр. 5096
والجواب أن يقال: هذه المسألة غير مبنية عليها هنا رأسا، ولعله اكتفى عن ذكرها هنا بذكرها في التصغير إشارة لا تقريرا، فإنه كثيرا ما يتكل على الإشارة في هذه النظم وقد قال في التصغير:
واردد لأصل ثانيا لينا قلب ... فقيمة صير قويمة تصب
وقد تقدم بيانه على الجملة: ففيه أنه أتى بالمثال الذي هو قيمة، وقد حصل فيه القلب لما ذكر هنا من الكسر لكن مع زيادة، وهو سكون ذلك اللين. وإنما تكلم هنا على اللين المحرك، والمحرك أقوى من الساكن فلذلك كان ما عدا الساكن مشروط الإعلام بما يضعف قوته من تطرف، أو إعلال في الأصل، أو غير ذلك، بخلاف الساكن. الذي يؤنس باتكاله على ما تقدم أنه بنى عليه هنا مسألة في هذا الإعلال، وذلك قوله:
وجمع ذي عين أعل أو سكن ... فاحكم بذا الإعلام فيه حيث عن
فإن من البعيد أن يذكر الإعلال الذي من جملته قلب الساكن للكسرة قبله كديمة وقيمة ولا يذكر أصل ذلك الإعلال البتة، فيكون إحالة على مالا يعلم من كتابه، إذ ليس هذا من شأن التعليم، فإذا الإحالة لا تكون إلا على معلوم عنده في هذا النظم، وليس إلا ما تقدم (له) هنالك. وإلا فعله سقط له (من) هنا بيت كان فيه تقرير ذلك الحكم، كما لو قال مثلا بعد قوله:
стр. 5097
وصححوا فعلة وفي فعل
إلى آخره:
كذلك واو سكنت وأفردت ... تقديرا آو لفظا كنحو ايتعدت
لم يبق عليه إشكال، ولا ورد عليه سؤال.
والوجه الثاني: أنه خص هذا الحكم بما تجرد آخره أو لابس تاء التأنيث أو زيادتي فلان، وكذلك فعل في التسهيل. وليس مقصورا على ذلك فقط، بل يجري فيما إذا كانت الواو المكسور ما قبلها قبل ألفي التأنيث، إذ هي عندهم في الزيادة في الآخر تجري مجرى الألف والنون في كثير من المواضع، ولذلك يجعل سيبويه منع الصرف في فعلان للشبه بألفي حمراء. وقد مر لذلك بيان في باب مالا ينصرف، وإذا كان كذلك فاقتصار الناظم على ما ذكر دون أن يذكر ما يجري الألف والنون. قصور وإيهام أن الحكم مخالف، وليس كذلك. فلو بنيت من الغزو مثل قرفصاء لقلت: غزوياء، أو من العدو لقلت: عدوياء، أصلها غزوواء، وعدوواء، فقبلت الواو ياء للكسرة قبلها، والمقوي للقلب في هذه المواضع كلها إنما وقوعها في موضع اللام، ولام الكلمة ضعيفة يسبقها الإعلال، فلذلك لم يؤثر تحريكها تصحيحا كما لو وقعت حشوا،
стр. 5098
كما سيأتي بحول الله تعالى. وهو هنا أعذر منه في التسهيل لبعد ما بين المقصدين في الاقتصار والاستيفاء، فكان أولى به أن يذكر ألفي التأنيث فيما ذكره.
وقد يجاب (عنه) هنا بما هو شأنه من قصد عدم الاستيفاء، والاقتصار على بعض المهمات دون بعض.
ثم قال: "ذا أيضا رأوا، في مصدر المعتل عينا". وهذا أيضا من المواضع التي تقلب فيها الواو ياء للكسرة قبلها، وهو رابع المواضع.
ذا: إشارة إلى الحكم المذكور من قلب الواو ياء للكسرة قبلها؛ إذ العلة هنا لابد منها وإن لم يذكرها اتكالا على تقدمها ذكرا، فيحمل كلامه على اعتبارها، وبذلك تقديره كما تقدم قبيل هذا.
والضمير في "رأوا" راجع إلى العرب، لأن القلب ههنا مسموع ليس من القياس الذي رآه النحويون رأيا قياسا على المسموع كمسألة فعلان المذكورة ونحوها. وقد يمكن رجوعه إلى النحويين اعتبارا بأنهم رأوه قياسا مطردا.
وقوله: "في مصدر المعتل"، (متعلق) برأوا. و "عينا": تمييز منقول من الفاعل، و"المعتل عينا" صفة لموصوف محذوف تقديره: في مصدر الفعل المعتل عينه، يعني أن مصدر الفعل المعتل العين حكمه في قلب الواو فيه ياء للكسرة قبلها حكم ما تقدم. هذا إن كان كما قال مصدر فعل معتل العين، واعتلال العين هنا معناه كون الفعل قد دخله في عينه قلب أو إبدال، ولا يريد ما كان له عين هو حرف من حروف العلة مطلقا وإن لم يقع فيه قلب أو إبدال. بل ما دخله
стр. 5099
الإعلال، وذلك نحو: قام قياما، أصله: قواما، لأنه من قام يقوم، وكذلك: صام صياما، وعاذ عياذا، ولاذ لياذا، وحالت الناقة حيالا، وكذلك تقول: انقاد انقيادا، واختار اختيارا، واقتاد اقتيادا، وما أشبه ذلك. وإنما قلبوا الواو هنا- وإن كانت متحركة- لضعفها من جهة أخرى وهي كونها قد اعتلت في الفعل، إذ قالوا: قام وصام، أصله: قوم وصوم، فأنقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فحملوا المصدر على الفعل معتلا، فلو كانت العين في الفعل غير معتلة لم تعتل في المصدر، وذلك نحو" قاوم قواما، ولا وذ لواذا، وعاوذ عواذا، واعتونوا اعتوانا، واجتوروا اجتوارا، ونحو ذلك، لأن العين في المصدر قوية بالحركة، فلم تعتل لذلك، فإن جاء المصدر مصححا والفعل معتل كان من الشاذ المحفوظ، نحو: نارت المرأة تنور نوارا، ولم يقولوا: نيارا، قال العجاج:
يخلطن بالتأنس النوارا
ثم إن هذا المصدر الذي تقع الكسرة قبل واوه وعين الفعل منه معتلة. على وجهين:
أحدهما: أن يقع بعد واوه الألف نحو: قياما وصياما وسائر ما تقدم مما هو على فعال، فهذا الذي يجري فيه القياس المقتدم.
والثاني: ألا يقع بعد واوه ألف فيكون على فعل، فهذا غير/ داخل في ذلك الحكم عنده وإن كانت عين الفعل منه معتلة وعلة القلب موجودة،
стр. 5100
لأن السماع جاء بخلاف ذلك، فلذلك أخرجه بقوله: "والفعل منه صحيح غالبا"، يعني أن العرب لم تعتبر في هذا النوع تلك العلة المذكورة وإن كانت موجودة، ولابد من اتباعها وإجراء الحكم على ما أجرته (العرب)، والغالب في كلامها تصحيح ما كان على فعل نحو: عاض عوضا، وحال حولا، قال الله تعالى: (لا يبغون عنها حولا)، والإعلال قليل، (ومنه قوله تعالى): ﴿التي جعل الله لكم قيما﴾ - وهي قراءة نافع وابن عامر وقوله: ﴿دينا قيما﴾، هو وصف بالمصدر، وهي قراءة الكوفيين وابن عامر.
وقوله: (نحو الحول)، هو مصدر حال الشيء يحول حولا، بمعنى تحول وزال، ومنه الآية: ﴿لا يبغون عنها حولا﴾.
هذا ما قال الناظم، إلا أن فيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن كلامه هنا مناقض له في التسهيل في دعوى القياس وفي نقل السماع، أما في دعوى القياس فإن اعتماده هنا على التصحيح قياسا، لأنه جعله الغالب في كلام العرب، وعادته البناء على الغالب والقياس عليه، فهو قد ارتضى هنا فيما كان على فعل من المصادر المعتلة (الفعل) ألا يغير ولا تقلب
стр. 5101
واوه: (ياء)، وهو في التسهيل على خلاف ذلك إذ لم يستثن فعلا في القياس، بل أطلق القول فيه بناء على أعمال العله وهو كسر ما قبل الواو في مصدر المعتل العين فقال: "تبدل الياء بعد كسرة من واو هي عين مصدر لفعل معتل العين". ولم يقل: قبل ألف، كما قال ذلك في الجمع وأفرده بذلك دون المصدر، فأحد الموضعين لابد أن يكون دعوى القياس فيه خطأ عنده فضلا (عن) أن يكون خطأ عند غيره؛ إذ لا يصح أن يدعى القياس في فعل وعدم القياس معا إلا أن يكون ذلك في وقتين، وهو رجوع بلا شك.
وأما تناقضه في نقل السماع فإنه زعم هنا أن الغالب في كلام العرب تصحيح فعل والنادر هو الإعلال، وهو صريح في كلامه. وقال في التسهيل: "وقد يصحح ما حقه الإعلال من فعل مصدرا أو جمعا". وهذه إشارة منه إلى السماع المخالف لقياسه المذكور، أتى فيها بقد المفيدة للتقليل في استعماله لها؛ إذ هي عادته إذا أراد تقليل المنقول، فإذا قد صرح هنا بقلة التصحيح، وذلك يقضى بلا بد أنه ليس بأكثر من الإعلال، وكيف يكون أكثر عنده فيترك القياس عليه إلى ما هو أقل منه فيقيس عليه؟ ! هذا ما لا يقبله عقل ولا يرتضيه ذو علم. وقد كان يمكن الجواب عن هذا التناقض لو كان في القياس فقط؛ إذ يكون أحد الرأيين في الكتابين مرجوعا عنه، ولا محذور فيه للمجتهد، ولا أيضا
стр. 5102
للمقلد إذا نقل رأيين متضادين في موضعين، لأنه إنما نقل رأي غيره، وإنما المحذور نقل السماع في موضعين على تضاد، إذ يلزم الكذب في أحد النقلين قطعا، لأنه إخبار عن أمر خارجي لا رأي فيه، فأحد الأمرين لازم، إما الكذب في نقله في التسهيل، وإما في نقله هذا.
والوجه الثاني: أنه وضع العلة على عدم الاطراد ولم يحتط فيها، وذلك أنه جعل العلة كسر ما قبل الواو. واعتلالها في الفعل، فهي عله مركبة من جزئين، ثم بعد ذلك أخبر/ أن ما وجدت فيه تلك العلة فمنه ما هي فيه معملة، ومنه مالا تعمل فيه وإن كانت موجودة، وذلك فعل من المصادر. وهذا في التعليل غير صحيح، لأن حقيقة العلة أن تكون جارية في أفرادها معملة فيما وجدت فيه، وإلا فليست بعلة سواء أزعمت أن علل النحو عقلية أو وضعية، لأنها إما باعثة على الحكم، وهي العقلية، فلا بد أن يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، وإما معرفة له أو علامة عليه فلا بد أن توضح في جميع مجال الحكم وإلا لم تكن معرفة إذا وجدن ولم يوجد الحكم. وقد بينت هذا في الأصول العربية. وعلى كل تقدير فتعليل الناظم غير صحيح إذ العلة المركبة التي ذكر موجودة في حلو وعوض ونحوهما والحكم مختلف، ولا يقال: إن تخلف الحكم هنا لعله لوجود مانع أو لفوات شرط، وإذا كان كذلك لم تكن العلة فاسدة، إذ العلة هي الباعث على الحكم، وقد توجد ولا يوجد الحكم لوجود مانع كما تقول في
стр. 5103
أي: إن سبب البناء فيها موجود وهو تضمنها معنى الحرف، فكان لأصل أن تبنى، لكن منع (من) ذلك مانع، وهو الحمل على النظير والنقيض، على ما أجاب (به) ابن ملكون تلميذه الشلوبين حين سأله عن ذلك، وكما تقول في جيل، تخفيف جيأل: (كان) الأصل أن تقلب الياء ألفا لوجود سبب القلب وهو تحركها وانفتاح ما قبلها، لكن فقد شرط القلب وهو كون الفتحة غير عارضة بل لازمة، فإن اللزوم شرط في إعمال هذه لعلة، ولا يكون هذا كله إفسادا للعلة أصلا، وإنما تكون العلة فاسدة إذا تخلف عنها جزء من أجزائها، فهذه لمسألة التي بصددها يمكن أن تكون العلة فيها صحيحة، ويكون تخلف الحكم عنها لوجود مانع أو فوات شرط فلا تكون فاسدة- لأنا نقول: (إن) هذا ليس من ذلك، وإنما هو مما فات العلة فيه جزء من أجزائها، وذلك أن العلة في قيام وصيام وجود الكسرة قبل الواو، والألف بعدها، وكونها معتلة في الفعل، فهذه هي العلة الكاملة.
فإن قيل: لعل وجود الألف بعدها شرطا لا جزء علة.
فالجواب: أن قانون التمييز بين الشرط وجزء العلة هو الحكم بيننا، والفرق بينهما أن جزء العلة له مناسبة في التأثير وإثبات الحكم، وأما الشرط فلا مناسبة فيه لوجود حكم ولا لعدمه، ونحن إذا نظرنا وجود الألف بعد الواو
стр. 5104
هنا وجدنا فيه مناسبة للتأثير على ما قاله ابن جني، وهو أن الألف أقرب في الشبه بالياء من الواو، والشبه بها اقتضى وجود الياء دون الواو، فقوى الموجب للقلب بهذا الوصف لما فيه من المناسبة المقتضية للتأثير، بخلاف وصف لأصالة لفتحة قوم فإن ذلك ليس بمناسب للقلب ألفا، لأن الاستثقال لفظي، والأصالة والعروض غير راجعين إلى اللفظ، فمسألتنا (من قبيل) ما وجود الألف فيه (لها) تأثير في الحكم، فوجب أن يجعل جزء علة، وقد بين السيرافي معنى ما تقرر من كون الألف لها تأثير ما في الإعلال، وبين وجه ذلك فقال: اعلم أن كون الألف بعد الواو يوجب لها إعلالا ما، فإذا انضم إلى ذلك كسر ما قبل الواو، وأن تكون في مصدر قد اعتل فعله، أو في جمع قد سكنت في واحدة، فيجب/ قبلها ياء، ولذلك لم تعتل في قاوم قواما، قال: ولا تعتل في خوان لأنه واحد، ولا تعتل في كوز وكوزة لأن الألف تشبه الياء، فتصير الواو بعد الكسرة وقبل ما يشبه الياء مع ما ذكر بمنزلة واو معها ياء ساكنة، فقبلت كسيد، قال: وأيضا لما كانت الفتحة قبل الألف ليست خالصة للحرف الذي قبلها، إذ يقل، وهو كما ترى ظاهر في أن الألف جزء علة، وإذ ذاك تكون علته التي ذكر غير صحيحة.
стр. 5105
والجواب عن الاعتراض الأول أن مخالفة كلامه في القياس اختلاف رأي في وقتين، فرأى هنا أن ذلك إنما يكون قياسا فيما بعد واوه ألف دون الآخر، ورأى في التسهيل القياس مطلقا في القسمين، ولا نكير في مثل هذا لاسيما وهو مجتهد مصرح في كتبه بالانتصاب في منصب الاجتهاد، فالاعتراض بهذا ساقط وإنما يلزمه الاعتراض في التسهيل حيث ذهب مذهبا مخالفا لمذهب النحويين، لأنهم يجعلون باب قديم شاذا مسموعا ولا يعلمون فيه القياس. وقد نص الفارسي في الحجة على شذوذ ما اعتل من فعل، وهو ظاهر كلام سيبويه، إذ جعل الحول والعوض نظير باب زوجة وعودة حيث قال: "وإذا قلت: فعلة، فجمعت ما في واحده الواو أثبت الواو، كما قلت: فعل، فأثبت ذلك، وذلك قولك: حول وعوض، لأن الواحد قد ثبتت فيه وليس بعدها ألف فيكون كالسياط، وذلك قولك: كوز وكوزة .. " إلى آخره. فإذا كان كذلك فهو في التسهيل مخالف للإجماع فيما يظهر بخلاف ما ذهب إليه ههنا فإنه لم يجعله قياسا، ذهابا إلى ما ذهب إليه الناس، فإن كان ما ههنا هو آخر رأييه فلله دره فيما رأى! وإن كان الأول فرب مرجوع عنه يكون هو الراجح الصحيح. وأما تناقضه في نقل السماع فلا بد أن ينظر في النقلين وأيهما الصادق فنجعله هو المعتمد، وما عداه خطأ في النقل، ولا شك أن ما نقله هنا
стр. 5106
من كثرة التصحيح وقلة الإعلال هو الصحيح الموافق لما نقل غيره، وما ذكر في التسهيل من قلة التصحيح مشيرا إلى ذلك بقد الصريحة عنده في التعليل غير صحيح.
وقد أجاب شيخنا القاضي- رحمه الله تعالى- عن كلامه في التسهيل من بعد ما أورد عليه الإشكال، وقال: إن النحويين قد نصوا على أن فعلا في المصادر شاذ، وأن حكم القلب فيه شاذ، وكان ما أجاب به أن قال: إن كلام المؤلف صحيح وكلام النحاة صحيح، وذلك أن النحويين يجعلون المصادر على فعل من الشاذ القليل، وهذا صحيح، والمؤلف يدعي أن ما جاء منه معتلا فهو على مقتضى القياس، وهذا أيضا صحيح لا إشكال فيه.
هذا معنى ما أدركته من كلامه الذي سمعته منه عند قراءتنا عليه تصريف التسهيل. ويظهر لي الآن أنه لا يرفع الإشكال الذي أوردته عليه، فإن فعلا وإن كان قليلا في نفسه فالذي يدعي فيه النحويون قياسا هو التصحيح، والمؤلف قد نافقهم في هذا، ثم إن النحويين لا/ يقولون في فعل بكثرة سماعه معتلا، بل يجعلون الاعتلال فيه (أيضا) شاذا، والكثير فيه الذي يجري عليه القياس التصحيح، وإلا فلو كان التصحيح في فعل هو الشاذ (في ذلك)، (الشاذ) لم يمكنهم أن يدعوا فيه (نفسه) القياس، وقد جعل هو التصحيح قليلا، فقد خالفهم في القياس والنقل، ولاشك أن يد الله مع الجماعة.
стр. 5107
وقد يتخرج كلام التسهيل على وجه لا يليق ذكره بهذا الوضع وقد حصل من مجموع هذا أن ما قاله هنا لا غبار فيه.
والجواب عن الثاني: أن كلام الناظم قد يصح على مقتضى ما تقرر في السؤال، وذلك على أن يكون قوله: "والفعل منه صحيح" من تمام التقسيم، لأن قوة كلامه يعطى تقسيم المصدر إلى ما بعد الواو فيه ألف، وإلى ما ليس كذلك، وحكم على ما ليس فيه ألف بالتصحيح، فإذا الألف جزء موجب الإعلال. وقوله: "والفعل منه صحيح"، أي: لأجل المانع، وهو سقوط جزء العلة، فإذا كانت قوة كلامه تعطي اعتبار الألف في هذا الحكم فقد حصل تمام العلة المقررة، والله أعلم.
وجمع ذي عين أعل أو سكن ... فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عن
وصححوا فعلة وفي فعل ... وجهان والإعلال أولى كالحيل
هذان موضعان من المواضع التي تقلب فيها الواو ياء لكسرة قبلها، وهما الخامس والسادس، وهما جمع المفرد الذي أعلت عينه، وجمع المفرد الذي سكنه عينه وإن لم تعتل، وكلاهما لا يكون إلا فيما كان عينه واوا؛ إذ معنى الاعتلال في كلامه التغيير والانقلاب، ولا يعني به كون العين من حروف العلة كما
стр. 5108
تقدم قبل هذا. فيريد أن ما كان من المجموع جمعا لمفرد اعتلت عينه بقلب أو إبدال أو جمعا لمفرد سكنت عينه وتلك العين في الأصل واو، ووقع قبل تلك الواو كسرة حكمه أن تقلب واوه ياء مطلقا. وإطلاقه القول في الإعلال ليشمل جميع وجوهه من البدل ألفا أو ياء أو همزة، فأما جمع المفرد المعتل المعين فنحو: صائم وصيام، وقائم وقيام، ونائم ونيام، أصله: صاوم، وقاوم، وناوم، فكان الأصل في الجمع أن يقال: صوام وقوام ونوام، لكنهم أعلوها بالقلب، كما أعلوا مفردها. فالعلة هنا مجموع (أمرين):
أحدهما: كسر ما قبل الواو في الجمع، فإن للكسرة تأثيرا في الإعلال، لكن الواو إذا كانت متحركة لم تقوا الكسرة (وحدها) عليها، فانضم إليها الأمر الثاني وهو الإعلال في المفرد، إذ الإعلال إضعاف، فقاوم ضعف الإعلال في المفرد قوتها بالحركة فقويت الكسرة معها على الإعلال، ولذلك لا يعل فعال، إذا كان مفردا نحو خوان، لقوة الواو بالحركة، وما اعتل منه فشاذ نحو: لياح وصيار، قال الشاعر:
أقط الظهر خفاق الحشايا ... يضيء الليل كالقمر اللياح
стр. 5109
وهو من لاح يلوح. والصيار لغة في الصوار، قال ابن جني: "يمكن أن يكون لغتين، ويمكن أنه قلب الواو ياء للتخفيف والشبه بالمصدر والجمع، قال: وهذا الوجه/ كأنه أمثل لقولهم في جمعه: أصورة، ولم نسمعهم قالوا: أصيرة، وقال الأعشى:
إذا تقوم يصوغ المسك أصورة ... والنبر الورد من أردانها شمل
ومن ذلك أيضا: دار وديار، وريح ورياح، وناقة ونياق، أنشد أبو زيد للقلاخ:
أبعدكن الله من نياق ... إن لم تنجين من الوثاق
وكذلك: تارة وتير، قال:
تقوم تارات وتمشي تيرا
فهذه كلها معتلة لعين (في) المفرد، فاعتلت في الجمع لذلك، فلو لم تعتل العين في المفرد لم تقلب الواو في الجمع، نحو قولك: راو ورواء، وناو ونواء.
стр. 5110
قال:
إلا يا حمز للشرف النواء ... وهن معقلات بالفناء
وما أشبه ذلك.
وأما جمع المفرد الساكن العين فنحو: روضة ورياض، وحوض وحياض، وثوب وثياب، وسوعط وسياط، وما أشبه ذلك؛ قال المازني: "لما كانت الواو في الواحد ساكنة وجاء الجمع وقبل الواو منه كسرة قلبوها ياء، لأن الجمع أثقل من الواحد، وما يعرض فيه أثقل مما يعرض في الواحد، والواو مع الكسرة تثقل". فعلى هذا (لو كان فعال مفردا غير جمع لصحت الواو كما تقدم، وكذلك) لو كانت الواو في الواحد محركة غير معتلة لم تعتل في الجمع، كما قالوا: راو ورواء، وطويل وطوال. هذا هو القياس والمشهور في هذه اللفظة، وقد جاء (فيه) القلب نادرا، فقالوا: طيال، أنشد المبرد والسيرافي وغيرهما:
تبين لي أن القماءة ذلة ... وأن أشداء الرجال طيالها
قال أبن جني: "شبهه بثياب، وليس مثله". وهذا من النادر الذي لا يقاس عليه.
стр. 5111
وقوله: "فاحكم بذا الإعلال فيه حيث عن". يريد أن هذا الإعلال المذكور محكوم به مطلقا في هذا الجمع حيث وجد وكيف كان، فالضمير في "فيه"راجع إلى الجمع المذكور الموصوف بذلك الوصف، وضمير "عن" الفاعل عائد إما على الجمع أي: حيث كان ذلك الجمع، لا يستثنى من مواضعه شيء، وهو الذي اعتلت عين واحدة أو سكنت ووجدت الكسرة فيه. وإما أن يعود على السبب المذكور الفاعل للإعلال، وهو الكسر قبل الواو المعتلة أو الساكنة في الواحد. ولما كان كلامه يقتضي إطلاق الحكم بالإعلال في موضعين، أحدهما: مسألة زوج وزوجة، والآخر: مسألة قيمة وقيم، وكان ذلك فيهما (غير) صحيح استثناهما بقله: "وصححوا فعلة". إلى آخره. فأما الموضع الأول فإن النحويين قد نصوا على عدم القلب في زوج وزوجة، وعود وعودة، وثور وثورة، (ونحو ذلك)، نص على لذلك فيه سيبويه والمازني وابن جني وغيرهم، وكذلك المؤلف في التسهيل، لأنه شرط في الجمع وجود الألف بعد الواو كحوض وحياض، قال سيبويه: "وإذا قلت: فعلة، فجمعت ما في واحده، والواو أثبت الواو كما قلت فعل فأثبت ذلك، وذلك قولك: حول وعوض، لأن الواحد قد ثبتت فيه". قال: "وليس بعدها ألف فتكون كالسياط". قال: "وذلك قولك كوز وكوزة" ثم مثل، ثم قال: "فهذا قبيل آخر"، قال: "وقد قالوا: ثورة وثيرة، قلبوها حيث كانت بعد
стр. 5112
كسرة، واستثقلوا/ ذلك كما استثقلوا أن تثبت في ديم". قال: "وهذا ليس بمطرد، يعني ثيرة"، وهذا معنى قول الناظم: "وصححوا فعلة"، أي: لم يقلبوا الواو في هذا المثال كما قلبوا في فعال، ويعني في الأمر العام، وأما وثيرة، فقال: (كان) قياسه ثورة، لأن ثورا كزوج، وهو عندهم من الشاذ، أعني في القياس، فأما في الاستعمال فمطرد وكثير كما أن استحوذ وإن كان في القياس شاذا فمطرد في الاستعمال.
وقال أبو العباس: "إنما قالوا: ثيرة، ليفرقوا بين الثور من البقر وبين الثور من الأقط". وقال أيضا: "بنوه على فعلة فانقلبت الواو لسكونها وانكسار ما قبلها، ثم حركت الياء وأقرت بحالها لأن الأصل ههنا السكون.
قال ابن جني: "وأخبرني ابن مقسم، عن ثعلب قال: جمع ثور ثورة، وثيرة، وأثوار، وثيران، . قال: وإذا كان الأمر هكذا فقد جمعوا ثورا من الحيوان ثيرة. وذهب ابن السراج إلى أنه مقصور من فعالة، كأنه في الأصل ثيارة، فوجب القلب كما وجب في سياط، ثم قصرت الكلمة بحذف الألف، فيبقى القلب بحاله. قال ابن جني: "وهذا آخر قول أبي بكر".
стр. 5113
قال: وكأنهم لما قصروا الكلمة بقوا العين مقلوبة ليكون قلبها دلالة على أنها مقصورة، ويكون بينها وبين ما أصله فعلة، غير مقصور فرق نحو زوجه. قال الفارسي: "وقد أومأ سيبويه في باب أسد إلى أنه مقصور من فعول، كأنه قال أسود، ثم حذف الواو، ثم أسكن العين"، ثم تكلم بعد ذلك بأشياء، لا حاجة إلى إيرادها.
والحاصل أن شرط وجود الألف بعد الواو لم يفت الناظم ذكره، لأنه لما استثنى ما ليس فيه ألف عن ذلك الحكم دل على أن الألف مشترطة كما تقدم تأويله قبل هذا.
وأما الموضع الثاني فإنه حكي في فعل وجهين إذ قال: "وفي فعل وجهان"، ولعله يعني بالوجهين ما ذكر غيره من القولين في المسألة، فإن كون قيم ونحوه قياسا هو مذهب سيبويه وأكثر النحويين على خلاف ما إذا كان فعل (مصدرا) كما تقدم، قال سيبويه: "وأما (ما) كان قد قلب في الواحد فإنه لا يثبت في الجمع إذا كان قبله الكسر، لأنهم قد يكرهون الواو بعد الكسرة حتى يقلبوها فيما قد ثبتت في واحده". قال: "فلما كان ذلك من كلامهم ألزموا البدل ما قلب في الواحد، وذلك قولهم: ديمة وديم، وحيلة وحيل" ... ، إلى آخر
стр. 5114
المثل ثم قال: "وهذا أجدر أن يكون إذا كانت بعدها لألف"، قال: "فلما كانت الياء أخف عليهم والعمل من وجه واحد جسروا عليه في الجمع إذ كان في الواحد محولا واستثقلت الواو بعد الكسرة كما تستثقل بعد الياء". وقد خالف بعض الناس في قياس مثل هذا وجعله سماعا، (والأصح ما ذهب إليه غيره، لأن عليه كلام العرب وموافقة الجماعة)، وهو الذي اختاره الناظم إذ قال: "والإعلال (أولى) "، يعني أن القول بالإعلال هو أولى وإن كان قد جاء فيه التصحيح نحو: حاجة وحوج، وحيلة وحول، والأكثر: حيل، حكاهما ابن السكيت. فهذا شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. ومثل الناظم بحيل جمع حيلة، وأصله الواو، لأنه من الحول.
هذا ما حرر الناظم إلا أنه/ يقتضي إطلاقه شيئين:
أحدهما: أن نحو ريان ورواء عنده ليس بقياس.
والثاني: أن نحو كوة وكواء ليس بقياس أيضا.
أما المسألة الأولى فإنه من نحو ريان وطيان بجمع على رياء وطياء، وفي
стр. 5115
قي- للقفر الخالي، لغة في (القواء-: قياء). وهذا مشكل، فإنه مخالف لكلام الناس والكلام والعرب، أما مخالفته لكلام الناس فإن ابن جني والزمخشري وغيرهما على استثناء ما اعتلت لامه من هذا الفصل، وأنك إنما تقول: وطراء في طيان، ورواء في ريان، ولم يحكوا في ذلك خلافا. وأما مخالفته لكلام العرب فإن العرب لا تجمع في كلامها بين إعلالين في كلمة، وهذه الألفاظ وما أشبهها لو قلبت فيها الواو ياء لزم ذلك بلا بد، وقد قال المبرد في تصريفه: لا خلاف في أنه لا تجتمع على الحرف علتان. يعني في القياس، وأيضا المسوع من كلام العرب- على ما نقل قوم- رواء من الماء، جمع ربان، وأصله رويان، فاعتلت عينه لأجل الياء، وجعله المبرد ري، وأصله روى كقي، وعلل الصحة بما تقدم. فهذا الإطلاق من الناظم فيه ما ترى.
وأما المسألة الثانية فإن الناس اشترطوا أيضا فيما كانت واوه في الواحد ظاهرة ما اشترطوا فيما إذا كانت فيه معتلة من صحة اللام، والناظم لم يفعل ذلك، بل أكد انتفاء هذا الشرط في الوجهين معا بقوله: "بذا الإعلال فيه حيث عن". وهذا كله غير صحيح، وقد اشترط في التسهيل الشرطين معا في الساكن العين في المفرد، وهما وقوع الألف بعد الواو في الجمع، وصحة اللام في المفرد، فاقتضى كلامه هنالك أنك تقول في كوة: كواء، ولا تقول: كياء، لئلا
следующие страницы →