Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.
стр. 5251
النظم، فكونه أتى ببعض المسائل تبرعا منه لا يلزمه أن يأتي بسائر الأشياء ولا بما هو أمثل إذا تقاربا في القلة؛ إذ باب التسمية إنما هو بمنزلة أبواب الامتحان في التصريف.
ثم ذكر موضعا رابعا مما اجتمعت (فيه شروط القلب)، ثم منع من ذلك مانع فقال:
وعين ما آخره قد زيد ما ... يخص الاسم واجب أن تسلما
آخره: منصوب على الظرف متعلق بزيد. و"ما"- في قوله: "ما يخص الاسم"- مرفوع زيد، و"ما" فيه واقعة على الزيادة اللاحقة للاسم، والجملة صلة ما، وعائدها الضمير في يحص. و"ما" الأولى واقعة على الاسم المتكلم في عينه، دل على أنه اسم قوله: "آخره قد زيد ما يخص الاسم"؛ إذ لا يمكن أن يزاد ما يخص الاسم في الفعل، وإنما يحلق ما هو مختص به. وعائدها الهاء في "آخره"، و"ما" الثانية وما تعلق بها في صلة ما الأولى. و"واجب" خبر "عين" أولا.
ويعني أن ما كان من الأسماء الم عتلة العين قد لحقه في آخره زيادة تختص بالاسم ولا تكون في الفعل أصلا يجب أن تسلم عينه ولا تعتل بالقلب المذكور وإن وجد موجبه. وإنما قال: "ما آخره قد زيد" لبيان أن خواص الاسم إذا لحقته من أوله فلا أثر لها في التصحيح، فالألف واللام إذا لحقت من
стр. 5252
أول الاسم- وكان مما يعتل- اعتل، أو مما يصح كقولك: مال والمال، ونار والنار، وساق والساق، وأشباه ذلك. وإنما هو مختص بما يلحق الآخر، وذلك أن المقصود في هذا أن يكون الاسم على بناء لا يكون عليه الفعل، فإنه إذا كان على بناء يكون عليه الفعل، أي: يشاكل بناء الفعل، وجب إعلاله، فمال ونار ودار على بناء يشاكل بناء الفعل فيعتل باعتلاله، والألف واللام غير معتبرة لأن الاسم غير مبني عليها، وكذلك ما يلحق الآخر مما ليس في الكلمة جزءا منها، فيخرج عن هذا لحاق الإضافة والتنوين لأنها منفصلان عنه، بخلاف نحو ألف التأنيث والألف والنون فإن الكلمة مبنية عليها، فلحاقها للاسم يخرجه عن مشاكلة الفعل فلا يعتل كاعتلال الفعل. وهذا كله بيان لقول الناظم على الجملة: "وعين ما آخره قد زيد ما يخص الاسم"؛ إذ لم يخص زيادة من زيادة فظاهره يقتضي كل زيادة في آخر الاسم متصلة بالنية أو منفصلة عنها، وذلك غير مستقيم، وإنما يريد ما كان جزءا من الكلمة. والذي يخص الاسم مما هذه سبيله ثلاث علامات، إحداها: الألف والنون. والثانية ألف التأنيث المقصورة. والثالثة: ألف الممدودة. فأما الألف النون فقولك: الجولان والدوران والحيدان والهيمان، فإن الألف والنون هنا قد أخرجنا دورا وجولا وحيدا عن شبه الفعل فلم يعتل، لأن القاعدة أن الاسم هنا إنما يعتل عند
стр. 5253
مشاكلته للفعل؛ ألا ترى أن الاسم إذا خالفت بنيته بنية الفعل صح كقولك: الحول والعوض ونحوهما، فكذلك إذا خالفه بزيادة زيدت فيه، ولا يقال: إن رميا وغزوا قد شابهه الهيمان والدوران، فكان حقه أن يعل. لأن ألف الاثنين كلمة أخرى ليست من حقيقة الفعل في شيء؛ ألا ترى أنها فاعل الفعل، والفاعل جزء الجملة لا جزء الفعل، وإنما الفعل رمى وغزا، فافترق من الدوران ونحوه، فقد خرج الدوران والهيمان عن مشابهة الصنفين من الفعل المجرد عن العلامة واللاحق له العلامة، وما جاء على خلاف هذا الحكم فنادر محفوظ نحو: ماهان وحاذان وداران. قال ابن جني: "جعلوا الألف والنون فيها بمنزلة هاء التأنيث في دارة وقارة ولابة، فكما اعتلت هذه الأسماء ونحوها ولم يمنع من القلب هاء التأنيث كذلك قلبت في ماهان وداران ونحوهما". قال: فإن قيل: من أين أشبهت الألف والنون وهاء التأنيث؟ فأجاب بأنها أشبهتها من وجوه، منها المساواة في الترخيم نحو: ياطح، ويامرو، في مروان. ومنها/ أنك تحقر الصدر من الاسم الذي هما فيه نحو زعيفران وطليحة قال: فمن هذا وغيره جرت مجراها. وقد تقدم ما في هذه الأسماء من احتمال فاعال.
стр. 5254
وأما ألف التأنيث المقصورة فنحو حيدى وصورى، وكما إذا بنيت فعلى من البيع أو الكيل قلت: بيعي وكيلي، وما أشبه ذلك، ووجه ذلك نحو ما تقدم لأن ألف التأنيث لا تلحق الفعل أبدا، فخرج بها الاسم عن مشاكلة الفعل كالدوران، ولم يعتدوا بما "فيه" من صورة الفعل المسند للاثنين نحو قاما وباعا فيعل كإعلاله، لما تقدم في الألف والنون، وفرق ثان هنا- ويجري في الأول- وهو أن ألف قاما ونحوه طرأت بعد أن لم تكن، فالمشاكلة إن فرضناها عارضة بعروض لحاقها، والأصل المباينة والمخالفة بين صورى وقوم أصل قام، فيستصحب الأصل، والعوارض في القياس غير معتد بها. وهذا هو الذي اعتبر من ذهب إلى ما ذهب إليه الناظم في ظاهر كلامه.
وذهب الأخفش- وتبعه المؤلف في التسهيل، وهو الناقل لمذهب أبي الحسن- (إلى) أن هذه الألف غير مخرجة للاسم عن شبه الفعل، لأن صورة صورى صورة قوما الفعل، فكما يعتل الفعل هنا فتقول: قاما، فكذلك يعتل الاسم هنا لحصول المشاكلة، فما جاء من صورى وحيدى فيجعله شاذا، فإذا بنى من البيع (أو) القول أو الكيل أو الصوم مثل حيدى قال: باعى، وقالى، وكالى، وصاما، فأعل كما اعتل قاما، وصاما، وباعا، ونحوه. والأقوى ما اعتمدته الجماعة.
وينظر ههنا ما الذي يحمله كلام الناظم من هذين المذهبين، فإنه محتمل أن يريد بالذي يخص الاسم ما يخرج به عن مشاكلة الفعل لفظا فقط، فيكون
стр. 5255
(مذهبه) مذهب أبي الحسن؛ فإن ألف التأنيث لا يخرج بها الاسم عن المشاكلة، اللفظية؛ إذ الألف في آخر الاسم كالألف في آخر الفعل، فقد حصل ما يوجب الإعلال دون ما ينفيه. ويحتمل أن يري ما يخص الاسم في نفسه بحيث يكون غير لاحق للفعل، وإن كان في الفعل ما هو على صورته، وهذا أظهر في كلامه لأنه قال: قد زيد آخره ما يخص الاسم فلم يعتبر مجرد المشاكلة فإنها تحصل في الجملة لا في الآخر بخصوصه.، وإنما اعتبر كون اللاحق خاصا بالاسم، ولا مرية أن اللاحق آخر الاسم هو ألف التأنيث، وألف التأنيث لا تلحق الفعل أبدا، فلم تحصل إذا المشاكلة على هذا التقدير. وهذا هو مذهب الجماعة، وقد تقدم ترجيحه.
وأما الألف الممدودة فيظهر- وإن لم أعرفه منصوصا- أن حكمها أيضا حكم الألف والنون، لا أقول حكم الألف المقصورة، لأن شبه الألف والنون بألفي التأنيث مقرر معلوم، وكثيرا ما يشبه سيبويه أحدهما بالآخر، حتى إنهم قالوا في صنعاء: صنعاني، وفي بهراء: بهراني، فأبدلوا من الهمزة النون، ومثل هذا لا يحتاج إلى شاهد، وهي من اللواحق المختصة بالاسم التي يبنى عليها من آخره، ومثاله ما إذا/ بنيت قرماء من القول فقلت: قوماء، أو من البيع فقلت: بيعاء، وأشباه ذلك الحكم التصحيح، لأن الاسم قد خرج بذلك من شبه الفعل البتة، ولا
стр. 5256
يكون في هذا خلاف، كما لم يكن في الألف والنون إذا لحقت خلاف في التصحيح.
فإن قيل: فهل تكون هاء التأنيث من هذا القبيل، فيدخل تحت كلام الناظم؟
فالجواب: أن لان لأن هاء التأنيث كالمنفصلة؛ ألا ترى أنها- وإن وقع الإعراب عليها- معدودة كالجزء الثاني من المركبين، فلذلك قلت: تارة، ودارة، وقارة. (وعادة) وعالة، ونحو ذلك، وأيضا فليست التاء على الجملة مما يختص بالاسم؛ ألا ترى أنها تلحق الفعل أيضا فتقول: قامت وصامت.
فإن قيل: هذه غير تلك، لأن هذه في آخر الاسم تبدل هاء، بخلاف التي في الفعل.
قيل: هذا لا يضر في الشبه، فإنهما قد اجتمعا في اللفظ والدلالة أيضا على التأنيث، وإلى هذا فإنها تصير هاء إذا سميت بالفعل الماضي الذي اتصلت (به) وكان خاليا من الضمير، فتقول في "ضربت" مسمى به: ضربه، كما تقول: شجره". فهذا كله مما يقوى أن الهاء ليست كغيرها مما تقدم.
فإن قيل: فزيادتا التثنية وجمعي التصحيح هل لها في هذا الحكم أم لا؟ فإن الذي يظهر أن العلامتين هنا مختصتان بالاسم؛ إذ لا تلحقان الفعل البتة، لأن الفعل لا يثنى ولا يجمع، وإذا كان كذلك فقد دخلتا له في قوله: "قد زيد
стр. 5257
آخره ما يخص الاسم، فاقتضى أن كل اسم ذي عين فيها موجب للإعلال المتقدم تصح عينه إذا لحقته علامتا التثنية أو الجمع. لكن هذا غير صحيح، لأنك إنما تقول في دار: داران ودارين، وفي رجل مال أو خاف: رجلان مالان وخافان، ورجال مالون وخافون. فإذا عبارته غير سليمة عن الاعتراض، هذا إلى ما فيها من الإجمال المتقدم ذكره.
فالجواب: أن الإجمال في كلامه قد فرغ منه، وإنما الكلام في هذا الإيراد وهو غير لزم على كلامه من وجهين:
أحدهما: أن علامتي التثنية والجمع السالم ليس الاسم بمبني عليهما، وإنما هما (كهاء التأنيث) غير معدودتين في (حروف الكلمة وإن عوملتا معاملة الجزء منه؛ ألا ترى أنهما تلحقان الاسم بعد كمال) بنيته، وبعد أن كان خاليا منهما، فإنك تتكلم بالمفرد وتستعمله على حياله، فإذا أردت تثنية أو جمعه ألحقت العلامتين، فقد صار الاسم قبل اللحاق ثابتا له حكمه الذي يقتضيه التصريف. بخلاف الألف والنون وغيرهما مما تقدم، فإن الاسم قد بني عليهما فلا وجود له إلا بهما، فكان ذلك معتبرا في امتناع الإعلال.
والثاني: أن الناظم قد قدم حكم التثنية والجمع وما يتغير لأجلهما وما لا يتغير، تحصل ذلك من منطوق لفظه ومفهومه، على ما تقدم شرحه، فإذا كان قد قرر فيه ما يلحقه من التغيير ولم يذكر من هذا المعنى شيئا، دل على أنه بعد
стр. 5258
لحاق العلامتين كما كان قبل لحاقهما، فليستا بداخلتين له ههنا؛ إذ تقدم له حكمها.
ووجه ثالث، وهو أن علامتي/ التثنية والجمع قد يدعي فيهما أنهما غير مختصين بالاسم، وذلك أن الاسم كما تلحقه علامة الاثنين والجميع، كذلك الفعل تلحقه علامة الاثنين والجميع، فداران مثل قاما، ومالون مثل قاموا، فكل واحد قد لحقه ألف الاثنين وواو الجماعة، فأين الاختصاص؟
فإن قيل: الفرق بينهما ظاهر؛ فإن ألف قاما وواو قاموا ضميران اسمان وألف مالان وواو مالون علامتان حرفان لا اسمان، وإذا وضح الفرق بينهما كان ما ذهبت إليه من هذا كمذهب أبي الحسن في معاملة ألف صورى معاملة ألف قاما، وأنت قد نفيته عن أن يكون مذهبا للناظم، وأيضا فإن الاسم يزيد على الفعل بالنون، وتنقلب ألفه ياء بخلاف الفعل.
فالجواب: أن ما تقرر من الفراق ليس بفرق في الحقيقة، إلا نحوا مما بين تاء قامت وتاء قائمة؛ لأن كل واحدة من الألفين علامة على الاثنين، كما أن كل واحدة من التاءين علامة على التأنيث، ودليل تمكن هذا أنك إذا جردت الألفين عن الاسمية على قول من قال: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، ثم سميت بالفعل، صارت الألف كألف المثنى، والواو
стр. 5259
كواو المجموع من كل وجه، وألحقت النون فقلت: قامان وقامون، كما قلت: مالان ومالون. وهذا واضح في كونهما- أعني الألفين- في الاسم والفعل متقاربين ومعناهما واحدا.
وهنا تم للناظم مراده من هذا المسألة، وتبينت بجميع أطرافها والحد لله.
وقد ظهر أن ما صحح على غير ما تقدم من الوجوه فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه، نحو: الخونة والحوكة، وروح جمع رائح وغيب، وحول، وهيؤ، وعفوة. قال ابن جني: "لم يأت في مثل بائع: بيعة، ولا في مثل سائر: سيرة كما جاء الخونة والحوكة، وعلته قرب الألف من الياء وبعدها من الواو، فكان تصحيح نحو الخونة أسهل عليهم من تصحيح نحو البيعة، لأن الياء لما قربت من الألف أسرع الانقلاب إليها؛ ألا تراهم يقولون: استافوا، فيعلونه، وإن كان بمعنى تسايفوا، فلم يقولوا: استيفوا، لما فيه من جفاء ترك قلب الياء ألفا في موضع قويت فيه داعية القلب".
стр. 5260
وقبل با آقلب ميما النون إذا ... كان مسكنا، كمن بث انبذا
هذا هو الميم من حروف البدل المتقدمة، ولم يذكر في بدلها من غيرها إلا وجها واحدا في حرف واحد، وهو النون، وذلك (أن) الميم تبدل من أربعة أحرف، وهو الواو واللام والباء والنون. فأما إبدالها من الواو أو اللام أو الباء فشاذ نادر، فلذلك ترك ذكره، وذلك قولهم: فم. فأصول الكلمة الفاء والواو والهاء، لقولهم: أفواه، وفويه، وفاه بكذا، قال:
فلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به أبدا مقيم
وقال ابن جني: يروى أن النمر بن تولب قال: سمعت رسول الله- ﷺ قال: "ليس من امبر امصيام في امسفر". يريد: ليس من البر الصيام في السفر، فأبدل لام/ المعرفة ميما، قال: ويقال: إن النمر بن تولب لم يرو عن النبي- ﷺ غير هذا
стр. 5261
الحديث، إلا أنه شاذ لا يسوغ القياس عليه". وروى الفارسي بإسناده إلى يعقوب: يقال: رأيته من كثب ومن كثم"، أي: من قرب. فوجه البدل أنه يقال: أكث بلك الأمر، أي: قرب. ولم يقولوا: أكثم. ومنه أيضا قول الشاعر، أنشده ابن جني:
فبادرت شربها عجلى مثابرة ... حتى استقت، دون محنى جيدها، نغما
قال ابن الأعرابي: أراد نغبا. قال ابن جني: وهو عندي كما قال.
وأما إبدالها من النون- وهو الذي أخذ الناظم في ذكره- فإن إبدالها (منها) على قسمين:
أحدهما: ما كان موقوفا على السماع لقلته، ومنه قول رؤبة:
يا هال، ذات المنطق التمتام ... وكف المخضب البنام
أراد: البنان، فأبدل النون ميما حرصا على موافقة الروي. وقال ابن جني: قرأت على أبي علي بإسناده إلى يعقوب قال: (قال) الأحمر: يقال:
стр. 5262
طانه الله على الخير، وطامه: أي جبله، وهو يطينه، وأنشد:
ألا تلك نفس طين فيها حياؤها
قال ابن جني: "والقول فيه أن الميم في طامه بدل من النون في طانه، لأنا لم نسمع لطام تصرفا في غير هذا الموضع". ومن هذا وشبهه تحرز الناظم بقوله: "إذا كان مسكنا"؛ لأنه إذا كان النون متحركا لم يقس فيه البدل.
والقسم الثاني: ما كان من هذا البدل قياسا، وهو الذي أخذ في ذكره فقال: "وقبل بااقلب ميما النون"، يعني أنك تقلب النون ميما قياسا بشرطين:
أحدهما: أن تكون قبل باء، وهي أخت الميم في المخرج؛ فإنها إذا كانت كذلك قلبت، فإن وقعت قبل (غير) الباء لم تقلب ميما على مقتضى مفهوم كلامه. ويريد: لم تقلب القلب في غير إدغام، وهو الذي أراد هنا، فإنها تقلب ميما في الإدغام لا من هذا الباب؛ إذ الكلام هنا في الإبدال لغير إدغام، وأما الإبدال لأجل الإدغام فيكون إذا وقع بعدها (الميم) نحو: من ماء، وعن ماجد، وزيد ماجد، " تقول فيها: مماء، وعماجد، وزيد ماجد، وامحى، وهمرش-، في أحد الوجهين- ما لم يقع (بالإدغام).
стр. 5263
ليس نحو: زنماء، وقنواء، والدنيا. والميم أحد الأحرف الخمسة التي تدغم فيها النون، وهي هجاء "لم يرو"، والإدغام فيها مع بقاء الغنة ومع ذهابها، غير أن النون مع الميم لا تحتاج إلى غنة، لأن صوت الميم كصوتها فاستغنى بالغنة التي فيها، قال سيبويه: "حتى إنك تسمع النون كالميم والميم كالنون، حتى تتبين". وهذا ليس من بابه، فلذلك خص الإبدال هنا مع الباء.
والشرط الثاني: أن تكون النون ساكنة لا متحركة، وذلك قوله: "إذا كان مسكنا"، وضمير "كان" عائد على النون على اعتبار التذكير، تحرزا من أن يكون متحركا، فإنه إذا كان متحركا لم يبدل ميما وإن وقع قبل الباء نحو: عنب/ ونساء شنب، وشنب، وقد نبت الزرع، وما أشبه ذلك،
стр. 5264
فإن سكنت وجب القلب ميما نحو: عمبر في عنبر، وشمباء، في شنباء، وممبك في من بك، وأمبت الله الزرع، في أنبت، وممبر، في منبر، وما أشبه ذلك.
قالوا: وإنما قلبت هنا حين سكنت قبل الباء لأن الباء أخت الميم، وقد أدغمت النون في الميم في نحو: من معك؟ ومن محمد، فلما كانت النون تدغم مع الميم التي هي اخت الباء أرادوا إعلالها أيضا مع الباء إذ قد أدغموا في آختها الميم، ولما كانت الميم التي هي أقرب إلى الياء من النون لم تدغم في الباء نحو: أقم بكرا، لا تقول أقبكرا، ولا في قم بالله، قبالله، كان النون التي هي من الباء أبعد منها من الميم أجدر بألا يجوز إدغامها في الباء، فلما لم يتواصلوا إلى إدغام النون في الباء أعلوها دون إعلال الإدغام، فقربوها من الباء، وقلبوها إلى لفظ أقرب الحروف من الباء وهو الميم، فقالوا: عمبر، قال السيرافي: "ابتداء صوت النون من الخيشوم، ولها حالان: حال ابتداء وحال انتهاء، وبالانتهاء ينفرد مخرجها، فإذا ابتدأت إخراجها وحركتها كانت من الفم لا غير، وكذلك إذا وقفت عليها ساكنة هي من الفم، وإذا وصلتها بما تخفى معه تفردت بالخيشوم، وصوت الخيشوم مشترك بين النون والميم في المبدأ، وإنما يتغير في المقطع، فاعتماد المتكلم على إخراج الباء يمنع من استمرار الصوت بغنة الخيشوم، واحتاج المتكلم إلى أحد أمرين في المقطع، إما أن يجعله من مخرج النون من الفم، وذلك ممكن وفيه مشقة، وإما أن يجعله من موضع
стр. 5265
الميم- وهو مخرج الباء- وهو أسهل، قال: ولا تدغم النون في الباء لبعد مخرجيهما إن كانت من الفم أو من الخيشوم، مع أنها لا توافقها في الغنة- قال: فإن قيل: فهل يجوز أن تجعل الباء ميما وتدغم، كما يجوز في: أقم بالبصرة (أقم البصرة)؟ قيل: لا، لما يقع من اللبس، ألا تراهم قد بينوا في قنية وزنمة وأخرجوا من الفم لئلا يدغموا فتلتبس بالتضعيف".
ومثل الناظم بمثالين: من بث، وانبذ. ومعنى الكلام من بث أسرارك فانبذه ولا تصحبه وإياك وإياه. ونبه بالمثالين على أن الحكم مستمر في النون مع الباء، كانت منفصلة عنها كمن بث، أو متصلة بكلمتها نحو: انبذ ويقال: نبذت الشيء أنبذه- بالكسر-: إذا ألقيته من يدك، ونبذته كذلك، شدد للكثرة.
стр. 5266
فصل
لساكن صح انقل التحريك من ... ذي لين آت عين فعل كأبن
ما لم يكن فعل تعجب ولا ... كابيض أو أهوى بلام عللا
هذا الفصل يذكر فيه ما اعتلت عينه من الأسماء والأفعال وقبله ساكن؛ إذ قرع فرغ من الكلام على ما قبله متحرك، وابتدأ بذكر الأفعال، ويعني أن الفعل إذا كانت عينه ذات لين، أي: حرف/ لين، وقبل ذلك اللين ساكن، فإنك تنقل حركة حرف اللين إلى ذلك الساكن. وذو اللين هو الحرف الواقع علينا، وقال: "عين فعل"، لأنه إذا وقع عين اسم فسيذكره بعد هذا. وذو اللين الذي أراد هو الياء والواو، وأما الألف فلا تكون (هنا)؛ إذا لا تقع أصلا في كلمة متصرفة ولا تتحرك إن كانت (زائدة). ومثال هذا في الماضي: أجاد، وأبان، وأقال، وأخاف، واستراب، واستعاد. وأصل ذلك: أجود، وأبين، واستريب، واستعود، بدليل رجوعهم إلى ذلك في بعض المواضع في ضرورة أو غيرها، كقوله، أنشده سيبويه:
стр. 5267
صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
وقولهم: استنوق الجمل، و (استحوذ عليهم الشيطان)، لكنهم أرادوا إعلال هذه الأمثلة إذ كانت معتلة (في الثلاثي) ليجرى الفعل في تصرفاته كلها على وجه واحد، فنقلوا حركة الواو والياء إلى الساكن الذي قبلهما، فصار أجود، وأبين، واستريب، واستعود، فقلبوهما ألفا لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما في اللفظ، فصار: أجاد، وأبان، واستراب، واستعاد، كما ترى، قالوا: ولولا اعتلاهما في الثلاثي لما وجب إعلالهما (الآن)، لأن الياء والواو إذا سكن ما قبلهما جريا مجرى الصحيح. وأما المضارع فنحو مضارع ما تقدم: يجيد، ويبين، وبستريب، ويستعيد. والعلة واحدة، فنقلوا حركة الواو والياء إلى السكان قبلهما فصار: يجود، ويبين، ويستريبن ويستعود، فقلبوا الواو الساكنة ياء لكسر ما قبلها، فقالوا: يجيد، ويستعيد. وهكذا مضارع الثلاثي نحو: يقوم ويبين، أصلهما: يقوم، ويبين، ففعلوا كما تقدم، فصار هكذا، لكن هذا محمول على ماضيه نفسه، لأنه ثلاثي جار عليه. وأما الأمر فكالمضارع إلا أن لام الفعل إذا كان ساكنا حذف حرف العلة لالتقاء الساكنين، ومن هذا ما مثل به الناظم وهو: أبن، أصله: أبين، من أبان يبين بمعنى بين. غير أن الناظم اشترط في ثبوت هذا الحكم أربعة شروط:
стр. 5268
أحدها: أن يكون الساكن الذي قبل حرف العلة صحيحا، فلذلك قال: "لساكن صح"، أي: انقل تحريك ذي اللين لحرف ساكن صحيح، تحرزا من الحرف المعتل فإنه إن كان الحرف معتلا إما واوا أو ياء أو ألفا بقيت الحركة في محلها ولم تنقل، فالألف كقولك في أفعل من آم يئيم: آيم، ومن آل، لأنه لما اعتلت الفاء وهي همزة قلبت ألفا (وصحت العين)، وقد سمع من كلام العرب: آيدته، في أفعلته من الأيد، وأيدته فعلته، قال ابن جني: "وآيدته قليلة مكروهة، لأنك إن صححت فهو ثقيل، وإن أعللت جمعت بين إعلالين، فعدل عن أفعلته إلى فعلته في غالب الأمر". وكذلك تقول: قاول يقاول، وبايع يبايع، فههنا لا يصح النقل أيضا؛ إذ الألف لا تقبل الحركة. والواو والياء كقولك في فعل من آم وآل: أيم وأول، ولا تقول: أيام، ولا: أوال. وكقولك: بويع وسوير. وقول وبيع إذا بنيت منها/ على فعل أو فوعل، أو فيعل فقلت: قيل، وما أشبه ذلك.
وكان وجه ما فعلوا من هذا أنه لم يمكنهم غيره، لأن الألف إن كانت مبدلة من همزة فنقلت (إليها) وذلك لا يكون إلا مع إبدالها واوا أو ياء لزمك الجمع بين إعلالين، إعلال العين، كما قال ابن جني في آيدته، وإن كانت الألف زائدة لم يصح تحريكها، وإن قلبت وحركت
стр. 5269
لزمك إفساد (البناء). وأما الواو والياء فإن كانتا تضعيف عين لم يصح النقل؛ إذ العين لا تختلف، وقد مر بيان هذا، ولذلك جمعوا بين الهمزتين في سأل ونحوه، فلو قلت في فعل من آل: أوال، لزم اختلاف العين.
وإن كانا زائدتين للإلحاق لزم مخالفة الملحق للملحق به، فكان التصحيح أولى.
فإن قيل: هل يدخل له في غير الصحيح الهمزة فتكون عنده في حكم المعتل الذي لا ينقل إليه أم لا تدخل فتكون عنده في حكم الصحيح الذي ينقل إليه؟ وعلى كل تقدير يلزم إشكال، أما إن قلنا: إنها داخلة في حكم المعتل فيقتضي أن الهمزة لا ينقل إليها ما لا ينقل إلى الحروف المعتلة، فنقول: يؤود من آودن ويؤول من آول، وما أشبه ذلك، وهذا موافق لما ذكره في التسهيل حيث استثنى الهمزة فقال: "إن لم يكن حرف لين أو همزة"، فإن الهمزة (عنده) لا ينقل إليها، وإنما تقول: (آود) يؤود، (ويؤيد) من الأيد، وكذلك اسم الفاعل منهما، والمصدر، واسم المفعول، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وعلى هذا جرى ابن جني، وأنشد على ذل قول الشاعر:
стр. 5270
ينبى تجاليدي وأقتادها ... ناو كرأس الفدن المؤيد
وقول طرفة بن العبد:
يقول وقد تر الوظيف وساقها ... ألست ترى أن قد أتيت بمؤيذ
فقد أتي في الأول بمفعل من الأيد مصححا، وفي الثاني بمفعل منها- وهي الداهية- مصححا كذلك، واسم الفاعل والمفعول في حم الفعل إذا صح أحدهما صح الآخر، وإذا اعتل اعتل، فالشاهد على أحدهما شاهد على الآخر. لكن هذا الحكم على الإطلاق غير صحيح؛ إذ يجب إعلال مضارع الثلاثي المعل وما تصرف منه نحو: آل يئول، وآب يئوب مآلا ومآبا، وآد يئود، وآم يئيم، وآن يئين، وما أشبه ذلك، والأصل: يأود ويأيم، فنقلت حركة الياء والواو إلى الهمزة على قاعدة الساكن الصحيح، فجرى في وجوب الإعلال على الماضي، وعلى هذا يكون قولهم: الحرب مأيمة، شاذا، كمقودة ومثوبة وكذلك أيضا الحكم في حرف اللين الواقع قبل العين من الثلاثي، لو بنيت فعل من الويح (والويل) لقلت: واحد يويح، ووال يويل، لكن العرب قد رفضت في الاستعمال (أفعال) الويح والويس والويل والويب، لأن يويح الذي يوجبه
стр. 5271
القياس في المضارع أثقل من "يوعد" لو أخرجوه عن أصله. وهذا الاعتراض لازم أيضا في كتاب التسهيل، ولا محيص له عنه هناك، فكذلك يكون هنا على هذا التقدير.
وإن قلنا: إن الساكن إذا كان همزة لا تدخل في الحكم المعتل، بل ي من الحروف/ الصحاح في هذا الحكم فتقول في يؤيد: يئيد، وفي يؤول: يئيل، كما تقول آم يئيم، وآد يئود- كان مخالفا لما قال الناس في غير الثلاثي، ابن جني ومن قال بقوله، ومنهم المؤلف في التسهيل. فعلى كل تقدير يلزم التفصيل وأن يقال بالفرق بين الثلاثي وغيره، فتكون الهمزة في الثلاثي حكمها حكم الحرف الصحيح، وفي غيرها حكمها حكم حرف العلة، وحينئذ يلزم على كلام الناظم الإشكال كما لزمه ذلك في التسهيل.
فالجواب أن ظاهر الإطلاق في الحروف الصحاح أنها ما عدا الألف والواو والياء فالهمزة على هذا التقدير من جملة الحروف الصحاح، وإذا كانت كذلك فقد صح النقل إليها، فإنما تقول: آد يئود، وآب يئوب.
وكذلك تقول في غير الثلاثي نحو: استآد يستئيد، وقد جاء في السماع،
قال الجعدي:
ثلاثة أهلين أفنيتهم ... وكان الإله هو المستآسا
ولو صحح لقال: هو المستأوس. وهذا صحيح لا إشكال فيه، وأما
стр. 5272
ما قاله ابن جني فأصله للفارسي وهو مختص بما فاؤه تلى همزة كآيدته، روى ابن مجاهد، عن أبي عمرو أنه قرأ: (وآيدناه) على أفعلناه، والذي كثر فيه: أيدت. قال الفارسي. إنما كثر فيه أيدتك: فعلتك، لما يعرض في آيدتك من تصحيح العين مخافة توالي إعلالين.
وأنشد:
كرأس الفدن المؤيد
قال ابن جني: معناه: لو جاء آيدتك على ما يجب في مثله من إعلال عين أفعلت؛ إذ كانت حرف علة كأقمت، لتوالي فيه إعلالان، لأن الأصل: أأيدت، كما أن أصل آمن: أأمن، فانقلبت الهمزة الثانية ألفا لاجتماع همزتين في كلمة واحدة الأولى منهما مفتوحة والثانية ساكنة، فهي كآمن وآدم، وكان يجب أيضا أن تلقى حركة العين على الفاء وتحذف العين، فكان يجب على هذا أن تقلب الفاء واوا، لأنها (قد) تحركت وانفتح ما قبلها، ولا بد من بدلها لوقوع الهمزة الأولى قبلها كما قلت في تكسير آدم: أوادم، فكان يلزم على هذا أن يقال: أودته، كأقمته وأردته، فتحذف العين كما ترى، وتقلب الألف التي هي (في) الأصل همزة واوا، فتعتل الفاء والعين جميعا، وإذا أدى القياس إلى
стр. 5273
هذا رفض، وكثر فيه فعلت: أيدت، ليؤمن ذنك الإعلالان. قال: فلما استعمل شيء منه جاء قليلا شاذا- أعني آيدت- قال: وإذا كانوا أخرجوا عين أفعلت وهو حرف علة على الصحة نحو قوله:
صددت فأطولت الصدود
وقولهم: أغيلت المرأة، وأغيمت السماء، ونحو ذلك، ولو خرج على منهاج إعلال مثله لم يخف فيه توالي إعلالين، كان خروج آيدت على الصحة لما كان يعقب إعلال عينه من اجتماع إعلالها مع إعلال الفاء قبلها- أولى وأجدر.
هذا ما قاله في تفسير كلام الفارسي، وهو ظاهر في خروج أفعلت مما فاؤه همزة عن قاعدة النقل إلى التصحيح، ومؤذن بأن ماعدا ذلك (مما) لا يلزم فيه إعلالان باق على تلك القاعدة وإن كانت الفاء همزة، فبحق ما قال بعض الشيوخ/ في قول المؤلف في التسهيل: "ولا همزة": إنه ناقص، وإن تمام العبارة: "لا همزة تلي همزة"، فيكون باب الاستئواد من الخارج عن القاعدة ومن الموقوف على السماع، وإذا كان كذلك لم يبق على الناظم اعتراض إلا فيما فاؤه همزة تلي همزة.
стр. 5274
الشرط الثاني: ألا يكون الفعل المعتل العين فعل تعجب، وذلك قوله: "ما لم يكن فعل تعجب"، يريد أن هذا الحكم من الإعلال إنما يستمر في غير فعل التعجب، فأما فعل التعجب فلا يعتل، وإنما حكمه التصحيح عل مقتضى هذا المفهوم، فتقول: أقوم بزيد! وما أقومه! وأبين به! وما أبينه! ولا تقل: أقم بزيد، ولا ما أقامه.
ووجه ذلك الحمل على أفعل التي للتفضيل؛ إذ أفعل فيما أفعله موازن له لفظا وموافق له معنى، فاتبع الفعل الاسم فيما هو أصل في الاسم وهو التصحيح. وقد يحمل الأصل على الفرع فيما هو أصل في الفرع فرع في الأصل، كما أجرى اسم الفاعل مجرى المضارع في العمل، وأجرى المضارع مجرى اسم الفاعل في الإعراب، وكما أجرى الحسن على الضارب الرجل في النصب، وأجرى الضارب الرجل على الحسن الوجه في الجر. ثم جمل أفعل المتعجب به على أخيه فقيل: أبين بالحق! وأنور به! كما قيل: ما أبينه وأنوره! هذا معنى ما علل به ابن جني وغيره، وأصله لسيبويه، قال: "ويتم في قولك: ما أقوله وأبيعه! لأن معناه معنى أفعل منك وأفعل الناس، لأنك تفضل على من لم يجاوز أن لزمه قائل وبائع، كما فضلت الأول على غيره وعلى الناس، وهو بعد نحو الاسم لا يتصرف تصرفه ولا يقوى قوته، فأرادوا أن يفرقوا بين هذا وبين الفعل المتصرف نحو أقام وأقال". قال: "وكذلك أفعل به، لأن معناه معنى ما أفعله
(وذلك قوله) أقول به وأبيع به".
стр. 5275
الشرط الثالث: ألا يكون مضاعف اللام، وذلك قوله: "ولا كابيض"، فإنه إذا كان كذلك لم تنقل حركة العين إلى ما قبله، فتقول: ابيض واسود، وابيضضت واسوددت، وكذلك: احول واعول وما أشبهه مما يجئ على افعل. ووجه هذا التصحيح أنهم لو أسكنوا الباء والواو ونقلت حركتها قبلهما لوجب أن تنحذف همزة الوصل فيصير: ساد وباض، فيجتمع ساكنان، فينتقل إلى سد وبض.
فإن قيل: لا تسقط في راد وحاد.
فالجواب (أن). في ساد ثلاثة تغييرات بخلاف راد، لأن أصله الأول: اسودد، فألقينا حركة الواو على السين، فسقطت همزة الوصل، فهذا تغير. وانقلبت أيضا الواو ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها في اللفظ، فهذا تغيير ثان. وسكنت الدال فأدغمت فهذه تغييرات كثيرة مجحفة بالكلمة، فامتنعوا مما يؤدي إليها. وأيضا لو فعلوا ذلك لالتبس بفاعل، وهذا كله مانع، فوجب التصحيح. هذا معنى تعليل السيرافي، وعلل ابن جني بنحو منه. ولما ذكر لنا/ شيخنا القاضي- ﵀ التعليل الذي ذكر السيرافي من أنه يؤدي إلى التقاء الساكنين والحذف قال له بعض أصحابنا: إن حذف الألف لا يلزم، لأن شروط التقاء الساكنين متوفرة فيه. فقال له: على كل حال، فالإدغام والتقاء الساكنين على الكلمة كثير، مع أن من شرط التقاء الساكنين أن تكون الألف
стр. 5276
زائدة، وههنا ليست كذلك لأن أصلها الياء في ابيض، فلم تتوفر الشروط، وهذا حسن.
الشرط (الرابع) ألا تكون اللام معتلة أيضا، وذلك قوله: "أو أهوى بلام عللا"، يريد أن هذا الحكم لا يثبت إذا كانت اللام معتلة أيضا كأهوى، (فإن أهوى) أفعل، فالأصل أن تقول: أهاي، كما تقول: أقام، لكن منع من ذلك إعلال اللام، فإنما تأتي به على الأصل فتقول: أهوى يهوي، ويهوى، (ويهوي): وأوى يأوي، وآوى يؤوي، واستهوى يستهوي، وما أشبه ذلك. ووجه هذا ما تقدم من أنه إذا استحق الإعلال حرفان فإنم الذي يصحح هوة الأول، وأنه لو اعتل الأول لزم منه إما إعلال الثاني، وذلك لا يجوز، وإما تصحيحه فيقتضى ظهور الضمة في الياء على ما تقدم بسطه، وذلك (أيضا) لا يجوز، فامتنعوا مما يؤدي إلى ذلك.
فإذا اجتمعت هذه الشروط فحينئذ يستتب الإعلال كما تقدم تمثيله، وما خرج عن هذا الحكم فشاذ نحو قوله: أنشده سيبويه:
صددت فأطولت الصدود وقلما ... وصال على طول الصدود يدوم
وقالوا: استحوذ عليه، وأغيلت المرأة، واستروح، واتصوب، واستجود واستفيل، وأجودت، وأديبت، وأغيمت، وفي حكم هذه الأشياء ما جرى
стр. 5277
مجراها من مصدر كالإغيال، والإجواد، والاستجواد، وما جرى من الصفات نحو: هي مغيلة، والولد مغيل، قال امرؤ القيس:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضعا ... فأهليتها عن ذي تمام مغيل
وكذلك ما أشبهه.
هذا ولا يقاس هذا كله عند الناظم، وقد وقع الخلاف هنا في موضعين:
أحدهما: أن أبا زيد قاس على ما سمع من هذا مطلقا في الأفعال والمصادرات والصفات وغيرها، كان الثلاثي المعل مستعملا أولا.
والثاني: أنه اختار في التسهيل القياس فيما لم يكن له ثلاثي معل، والسماع فيما كان له ثلاثي، فنحو: استنوق الجمل، واستفيل الجمل، واستنيست الشاة، قياس عنده، فيجوز أن تقول: استطود فلان، صار كالطود، واستحوت الضفدع، صار حوتا، وما أشبه ذلك، بخلاف استحوذ ونحوه فإنه سماع، لأن له ثلاثيا، وهو حاذ يحوذ. ووجه هذا الاختيار أن إعلال الزائد من الأفعال إنما بالحمل على الثلاثي؛ إذ هو الأصل، فوافقته فروعه وجرت المصادر بعد في الإعلال على أفعالها، فإذا أهمل الثلاثي لم يكن للزائد في الإعلال أصل تحمل عليه، فبقي على الأصل
стр. 5278
وهو التصحيح/. وغير المؤلف يرى شذوذ التصحيح أيضا في هذا القسم، لكنه أسهل من باب استحوذ، لوجود حاذ يحوذ، وإذا كان التصحيح في مثل مدين ومكوزة ومريم- من الأعلام التي لا مناسبة بينهما وبين الفعل إلا الموافقة في عدد الحروف (والحركات) والسكنات شاذا غير مقيس بموافقة المؤلف على ذلك، فأحرى الفعل نفسه وما تصرف منه. والمؤلف في هذا الاختيار محجوج بموافقته على شذوذ باب مدين. وأما ابن جني فنص على أن هذا من الشاذ، وأنك لو قلت مثل استفعل من الطود أو الحوت أو الخوط لقلت: استطاد، واستحات واستخاط، فيعله على القياس، ونص على أن مثل استيفل في الشذوذ أسهل من مثل استحوذ، ولم يحك في شذوذ البابين خلافا.
وأما مذهب أبي زيد فمخالف للجماعة أيضا، وهذا وإن كثر فهو مما اطرد في الاستعمال لا في القياس، والقاعدة أن المطرد في الاستعمال الشاذ في القياس يؤقف ما استعمل منه على محله، وما سواه يحمل على القياس، ذكر ذلك ابن جني في الخصائص وغيرها، وهي عندي قاعدة أصولية. فالظاهر ما ذهب إليه الناظم هنا.
وإنما قال: "بلام عللا"، وكان يجزيه أن يقول: "أو أهوى"؛ إذ المثال مشعر بإعلال اللام، لأنه لا يتعين به مطلوبه؛ ألا ترى أنه مثال على
стр. 5279
أفعل، فلعل متوهما يظن أن هذا مختص بما هو على وزنه دون غيره فيفهم منه فهما غير صحيح، فحرر ما أتى بالمثال لأجله فقال: "بلام عللا"، أي: إن إعلال اللام هو المانع من إعلال العين، فيدخل بمقتضى هذا التعليل: استفعل يستفعل، وأفعل يفعل، وما أشبههما، وكذلك: يفعل ويفعل، من ذوات الواو والياء.
واعلم أن الناظم- ﵀ قد نقصه من هذه المسألة أمران لا بد منهما وبذكرهما تتم وتطرد وتنعكس في حزئياتها:
أحدهما: اشتراط شرط خامس، وهو ألا يكون الفعل الذي قبل عينه ساكن من فعل الذي بمعنى افعل ولا مصرفا منه، فإنه إذا كذلك صح ولم يعتل.
وكلامه يقتضي أنه يعتل، وذلك غير صحيح، فإنك تقول: عور زيد (يعور)، واعور يا زيد، وحول يحول، وصيد يصيد، ولو بنيت أفعل يفعل من هذا لقلت: أعو الله عينه، وأصيد الله بعيره. وكذلك لو بنيت من هذا استفعل لقلت: استعور، واستحول، واستصيد. أو افتعل لقلت: اصطيدا، واعتور.
ويجري المضارع من هذه كلها على الماضي (في) التصحيح، لأن المضارع الثلاثي منها جار على الماضي، والمزيد جار على المجرد في التصحيح والإعلال على القاعدة.
стр. 5280
وإذا كان كذلك وجب أن يكون المزيد هنا صحيحا لامعلا. وأما الذي من الافتعال بمعنى التفاعل فليس من هذا الفصل، (وإنما هو من الفصل) قبل هذا. وقد نبه على هذا الشرط في كتاب التسهيل فقال لما قرر المسألة: "إن كانت الواو والياء عين فعل لا لتعجب، ولا موافق فعل الذي بمعنى افعل، ولا مصرف منهما ... " إلى/ آخره، فأخرج عن الفصل ما يجب إخراجه عنه، ولم يفعل ذلك هنا، فكان كلامه فيه معترضا.
ولا يقال: إن هذا الحكم قد تقدم له الإشارة إليه قبل إذ قال:
وصح عين فعل وفعلا ... ذا أفعل .......
لأنا نقول: إنما تقدم له ذلك في الماضي خاصة، ألا تراه قال: وصح عين كذا وكذا، فقيده بما تحركت فيه العين وانفتح ما قبلها، وإذا كان كذلك لم يكن فيه دلالة على ما سكن ما قبله.
والثاني: أنه أتى ببعض أحكام المسألة ولم ينته بها إلى غايتها، بل وقف دون ذلك؛ ألا تراه لم يذكر إلا نقل الحركة فقط، وليس هذا بكاف ولا مخلص، لأنك إذا نقلت حركة العين إلى الفاء فقلت مثلا في أقوم: أقوم، بقيت الواو ساكنة بعد النقل، فلا يدري الناظر بعد ذلك ما يكون الحكم، هل تبقى كذلك فتستعمل على تلك الحال أم لا؟ بل الظاهر والأسبق إلى الوهم أنها تبقى كذلك؛ إذ يقول القائل: لو كان بعد هذا
стр. 5281
عمل آخر لم يتركه، وكذلك إذا قال في يقوم: يقوم، فبقيت الواو ساكنة لم يدر ما يفعل بعد ذلك؟ فقد صار الحكم الضروري في هذه المواضع من قلب الواو (ألفا حتى يصير أقام، وقلب الواو) ياء حتى يصير يقيم، وما كان نحو ذلك محالا به على غير معلوم، وهذا قادح في التعليم، ولقد أتم في التسهيل المسألة إذ قال بعد تقرير ما قرر هنا: "وأبدل من العين مجانس الحركة إن لم يجانسها". يعني أن العين إن جانس الحركة المنقولة إلى الفاء بقيت على حالها وإن لم تجانس قلبت العين إلى الحرف المجانس، فأما المجانس فهو أن يكون العين واوا وحركتها ضمة، أو ياء وحركتها كسرة، مثال ذلك: يبيع، أصله يبيع، فقلت الحركة إلى الياء فصار ببيع، فجانست الياء الكسرة فلم تحتج إلى عمل. وكذلك معيشة ومبيعة إذا بنيت مفعلة من العيش والبيع، ومقولة ومعونة إذا بنيت مفعلة من القول والعون؛ إذا كان الأصل مقولة، فنقلت الضمة إلى القاف، فجانستها الواو فاستقرت على حالها. وأما غير المجانس فهو أن تكون حركة العين فتحة مطلقا، أو تكون ضمة وهي ياء، أو كسرة وهي واو، مثال ذلك: يقام ويباع، أصله: يقوم ويبيع، فنقلت الفتحة إلى الساكن قبلها فبقى يقوم ويبيع. وهذا لا يقال، فأبدلت الواو والياء ألفا، وهي المجانسة للفتحة، وكذلك يقيم ويستقيم، وكما إذا بنيت مفعلة من البيع أو من العيش، على ما ذهب هو إليه من مذهب أبي الحسن فقلت: مبوعة ومعوشة، أما
стр. 5282
على مذهب سيبويه فهو يحتاج إلى استثناء الياء المجاورة للطرف بعد الضمة، فإن الضمة ترد كسرة، كما تقدم في تقرير المذهبين فالحاصل أن الناظم لم يخلص هذه المسألة ولا حررها.
فأما السؤال الأول فلم يحضرني الآن عنه جواب سوى أنه لما كان في معنى افعل، وهو قد نص على أن الحكم لا يدخله اقتضى أيضا أنه لا يدخل ما هو في معناه، لأن حقيقة الأمر في تسليم/ حول توهم أنه على احول، وإذا كان كذلك فلابد من تسليمه تسليم افعل، وقد يمكن أن يجاب عن الثاني بأنه إنما ترك باقي العمل إحالة على ما مضى له قبل هذا. أما الواو مع الكسرة والياء مع الضمة فقد تقدم له أنهما إذا سكنا وقبلهما من غير جنسهما فإنهما يقلبان إلى الحرف المجانس للحركة المعينة. أما نحو مفعلة من العيش إذا صار إلى معيشة فقد دخل له في مسألة موقن من حيث وجدنا ياء ساكنة قبلها ضمة، وأما نحو مفعلة من القول فلأنه لما صار إلى مقولة دخل له تحت كلامه المنبه عليه فيما قبل، فليس تركه لما ترك ترك بإهمال له، وأما الياء والواو مع الفتحة فإن الفتحة إذا نقلت عنهما إلى الساكن صارت صورته صورة ما تقدم حكمه، لأند قد قدم أن كل واو أو ياء بتحريك أصل وقبلهما فتحة وجب قلبها ألفا، وقد وجدنا هذا كذلك، لأن الواو والياء تحركتا في الأصل وانفتح ما قبلهما
стр. 5283
لفظاً، فاقتضى الانقلاب ألفا، فوجب أن تقول في مفعلة من القول أو البيع: مقالة ومباعة.
فإن قيل: هذا التنزيل غير مستقيم، لأنه إنما قدم أن تكون الواو أو الياء متحركة لا ساكنة؛ ألا تراه قال: "بتحريك"، فاشترط التحريك، وهذا غير متحرك قطعا، ويلزمك على هذا أن تدخل في هذا القانون كل واو أو ياء ما قبلهما مفتوح متحرك أو سكن، فيكون ياجل وياتعد وبابه من جملة المقيس، وهذا كل لا ينهض.
فالجواب: أن التنزيل مستقيم والسؤال غير وارد، أما أولا فلأن الناظم إنما قال: "بتحريك أصل"، يريد أنه لابد أن يكون ذلك التحريك بحق الأصل، ولم يشترط أنه موجود بلا بد، بل قال: بتحريك صفته كذا، كأنه قال: يشترط أن يكون متحركا في الأصل، فإذا لا يلزم أن يكون متحركا في الحال، بل قد يكون كذل وقد لا يكون، ولا شك أن عين يقام حين صار إلى يقوم متحركة في الأصل، وأيضا يصدق عليها أن العين هنا متحركة في الأصل؛ وقد تقدم في مسألة "سيد" أن الساكن الذي في حكم المتحرك متحرك لا ساكن، فكذلك قلت: قوى، في تخفيف قوى، ولم تدغم، وتقدم أنه لا يدخل على الناظم إدغامه لأنه متحرك، فكذلك نقول هنا: إن الواو متحركة وإن عرض الآن سكونها. ولهذا يقول النحويون في مثل هذا: تحركت الواو في الأصل وانفتح ما قبلها
стр. 5284
في اللفظ، فقلبت ألفا. فيردون الحكم إلى المسألة الأولى، فلفظه إذا هنالك يقبل هذا العمل.
أما ثانيا فلأن انقلاب الألف عن الياء والواو إذا تحركا وانفتح ما قبلهما لا يكون إلا بعد حذف حركتهما، لأنهما لا ينقلبان إلى حرف ساكن وهما متحركان، فحقيقة الترتيب في هذا العمل أن تقول: أصل قام قوم، تحركت الواو وانفتح ما قبلهما، فحذفت لتوالي الحركات ولثقل الحركات على حروف العلى على الجملة/ فسكنت، وكان الأصل أن تنقل حركتها إلى الفاء ولا تحذف رأسا، كما فعلوا ذلك في المضارع، لكنهم خافوا الالتباس بفعل المفعول لو قالوا: قوم، فتركوا ذلك حيث يلتبس على الجملة وذلك في الثلاثي ونقلوا حيث لا يتلبس وذلك إذا أسند إلى ضمير المتكلم نحو قلت، وفي باع: بعت. وهذا المعنى مبسوط في موضعه، ثم انقلبت الواو (والياء) ألفا لتحركهما في الأصل وانفتاح ما قبلهما في اللفظ. فالحاصل أن لابد من إسكان حرف العلة قبل الانقلاب، للعلة المذكورة، أو لأن الانقلاب فيها لا يصح إلا بعد حذفها؛ لأن ما انقلبت إليه غير قابل للحركة. وهذا الترتيب الذي ذكرته هو الذي يقوله النحويون، سيبويه وغيره، قال السيرافي في نحو قام وباع: "يقلب ثانيه
стр. 5285
ألفًا لتحركه وانفتاح ما قبله، لأنهم استثقلوا ذلك مع كثرتها في كلامهم، مع أنها لو سلما في الماضي للزمهما في المستقبل (ما يثقل) من الكسرة أو الضم في يقول أو يبيع، مع أن الفعل ثقيل كثير الدور في الكلام؛ ألا ترى أن الواو المضمومة تقلب همزة، فسكونهما في المستقبل وألقوا حركتهما على ما قبلهما". قال: "وقلبوها في الماضي بعد تسكينها، دلالة على أنها قد كانت متحركة (قال: ) وأيضا لو تركت ساكنة لأشبهت بيع وقول المصدرين". فأنت تراه قد قرر أن التسكين هو السابق، وكأنه بالحمل على المستقبل؛ إذ سكنوا فيه، ثم علل وجه الانقلاب ألفا بعد التسكين، وأن ذل لوجهين، الدلالة على أن الأصل متحرك، وخوف الالتباس، وأن ذلك لوجهين، الدلالة على أن الأصل متحرك، وخوف الالتباس. وهكذا يقول غيره، وإذا كان كذلك فلابد من التسكين. ثم إن "مقام" ونحوه على هذا الترتيب حذوك النعل بالنعل. فالمسألتان إذا من باب واحد، غير أن هؤلاء المتأخرين (لا) يذكرون في ترتيب الإعلال مرتبة التسكين في نحو (قام) ويذكرونها في (يقام) ونحوه، فيشكل على من لم يتمرن فيما قال سيبويه والأئمة بعده من وجه
стр. 5286
الإعلال، وجعل البابين- أعني باب قام وباب يقام- في وجه الإعلال على حد سواء. في سواء. فإذا تقرر هذا فقول الناظم هنالك: "بتحريك أصل"، لابد من جملة (على أن مراده التحريك) في الأصل، حملا له على ما قاله غيره من الأئمة المقتدي بهم في هذا الشأن، وإذا ذاك تصير مسألة يقام ويستدام من ذلك الباب، وإذا كان كذلك فنعما فعل في عدم ذكره لباقي الحكم، لأنه كان يكون تكرارا من غير فائدة زائدة، وقد مضى فيما تقدم الإشارة إلى تعليل الإعلال في المسألتين، مسألة قام ومسألة يقام ويقوم ويقيم، ولكن بسط ذلك على أقرب ما يكون أن الأصل الإعلال للماضي نحو قام وباع أصله قوم وبيع، ثم نقل إلى قوم وبيع، بدليل أنهم إذا أسندوهما إلى ضمير الرفع قالوا: قمت وبعت، فنقلوا حركة العين إلى الفاء، ولو كان باقيا على أصله لقالوا: قلت: (و) بعت- بفتح الفاء- لكنهم لم يفعلوا ذلك فدل على أنهم نقلوه/، والأصل فعل، إذ لو كان (الأصل) فعل لم يتعد البتة.
فإن قيل: ولعل الضمة والكسرة إنما أتى بهما ليفرق بين ذوات الواو وذوات الياء كما قال ابن الطراوة.
قيل: لا يمكن؛ إذ لو كان كذلك لقالوا في خفت: خفت، بالضم، ليفرقوا بينه وبين هبت، فأن لم يفعلوا ذلك دليل على أنهما ليستا للفرق.
стр. 5287
فإن قيل: لم لم ينقلوا (أيضا) في المزيد نحو: انقاد؟ \
قيل: لان انفعل أو افتعل لا نظير له، بخلاف فعل، فمن هنا قالوا: انقدت، فتركوا القاف مفتوحة، لأنهم نقلوا إليها حركة العين، وهي غير محولة- فإن قيل: فما فائدة النقل من فعل إلى فعل؟
فإن المازني أجانب بأنهم أرادوا أن يغيروا حركة الفاء، ولو جعلوها محولة من فعلت لكانت الفاء إذا ألقى عليها حركة العين كهيئتها (لو) لم تحول عليها. قال: "قال: "وكانت فعلت أولى لأن الضمة من الواو" قال: "وقصة بعت في التحويل من فعلت إلى فعلت كقصة قلت من فعلت إلى فعلت". قال: "وكانت فعلت أولى لأن الكسرة من الياء".
فإن قيل: لم عزموا على تغيير حركة الفاء إذا انقلوا إليها الحركة؟
قيل: ليدل على تصرف الفعل وليفارق ما ليس بمتصرف كليس إذا قلت: لست، قاله ابن جنى.
فإذا الحاصل أن قام وباع أصله الثاني قوم وبيع: "وقد استقرأه ابن جنى من كلام المازني، وهو ظاهر فيه، قال: "وسألت أبا على عن هذا فقال:
стр. 5288
نعم، ينقلون فعل كما ينقلون فعلت". يعني النقل من فعل إلى فعل، لا نقل الحركة. ثم اعتذروا عن عدم نقل حركة العين إلى الفاء وهو لم يسند إلى الضمير، بأنهم لو نقلوها إليها لانضمت في قام وانكسرت في باع وبعدها العين ساكنة، فكان يلزم أن يقول: قد قوم زيد، وقد بيع زيد الطعام، إذا كان البائع زيد، وكذلك كان يلزمه أن يقول في طال طول، وفي خاف خيف، فكرهوا أن يلتبس فعل الفاعل بفعل المفعول، قال المازني: "وبعد العرب لا يبالي الالتباس فيقول: قد كيد زيد يفعل، وما زيد زيد يفعل .. ، يريدون كاد وزال"، قال: "وأخبرني الأصمعي أنه سمع من ينشد:
وكيد ضباع القف يأكلن جثني ... وكيد خراش يوم ذلك ييتم
وأما طال فأصله طول، فلم يحتج إلى نقل حركة العين؛ إذا هي مضمومة، فإذا أسند إلى الضمير نقلت فقيل: طلت. وكذلك هاب وخاف أصلهما: هيب وخوف، فإذا أسندا قيل: خفت وهبت. ثم إنهم فعلوا ذلك في المزيد أيضا نحو: انقاد واختار، بانين على حكم النقل المذكور. وكذلك قالوا في أقوم: أقوم، ثم أقام.
فالحاصل أن نقل حركة العين إلى الفاء في الماضي متقررة إلا حيث يقع به اللبس فيترك.
стр. 5289
فإن قيل: فعلا لم ينقلوا في كلت طعامي، لأجل اللبس بكلت المبني للمفعول؟
فقال المازني: "إنهم مما يلزمون الإشمام فرقا". قال: "ويفعل هذا من العرب من يقول: /بيع الطعام، ولا يشم حين أمن الالتباس، فيوافق غيره ممن يشم مطلقا إذا خافوا الالتباس".
وكل ذلك من الانقلاب ألفا ليس إلا لتحرك العين في الأصل وانفتاح ما قبلها في الحال، وعلته ما ذكر السيرافي، ثم حملوا المضارع من ذلك كله على الماضي، فاعلوا المضارع بإسكان عينه ونقل حركتها إلى الفاء، كما فعلوا في الماضي لمجرد الموافقة قال ابن جني: ولولا إعلال الماضي لم يجب إعلال المضارع؛ ألا ترى أن أصل يقول ويبيع يقول ويبيع، وأصل يخاف ويهاب: يخوف ويهيب، وأصل يطول: يطول، وهذه الصيغ لا توجب إعلاله لجريان الواو والياء إذا سكن ما قبلهما مجرى الصحيح ... فإنما أعلوه إتباعا للماضي لئلا يكون أحدهما صحيحاً
стр. 5290
والآخر معتلا، فنقلوا الضمة والكسرة إلى ما قبلهما وأسكنوهما فصار يقول ويبيع ويطول". قال: "فأما يخاف ويهاب فأصلهما يخوف ويهيب، فنقلوا الحركات إلى الفاء فصار يخوف ويهيب، ثم قلبوا الواو والياء ألفين لتحركهما (في الأصل) وانفتاح ما قبلهما الآن، ولأنهما اعتلتا ضرورة في هاب وخاف"، قال: "هذا هو الذي عليه حذاق أهل التصريف". قال: "فأما من ذهب إلى أن يقول ويبيع ونحوهما إنما استثقلت الحركة في الواو والياء فيهما فنقلتا إلى ما قبلهما فسكنتا- فغير معبوء بقوله، لأنهما إذا سكن ما قبلهما جرتا مجرى الصحيح". قال: "وحدثني بعض أصحابنا أن أبا عمر الجرمي- ﵀ دخل بغداد، وكان بعض كبار الكوفيين يغشاه ويكثر عليه المسائل، وهو يجيبه، فقال له بعض أصحابه: إن هذا الرجل قد ألح عليك بكثرة المسائل، فلم لا تسأله؟ فلما جاءه قال له: يا أبا فلان، ما الأصل في قم؟ فقال له: أقوم. فقال له: فما الذي عملوا به؟ فقال له: استثقلوا الضمة على الواو فأسكنوها. فقال (له): أخطأت؛ لأن القاف قبلها ساكنة. فلم يعد إليه الرجل بعدها".
هذه نبذة يجتزأ بها في التعليل، وتبسط جهة الدعوى، وتبين صحة كلام الناظم، وأن ذلك الاعتراض عنه ساقط، وبالله التوفيق.
следующие страницы →