Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.
стр. 5356
في نظمه بهذه القاعدة، فلم يحتج إلى تقريرها، وكان قوله: "ذو اللين" أخصر من أن يقول الواو والياء حكمهما كذا. وهذا ظاهر.
والجواب عن الرابع أن يقال: لعله لم يحفظ اتهل، فأتى بمثال على أصله من الهمزبين به النوع الذي شذ فيه الإبدال كأنه قال: وشذ الإبدال فيما كان فاؤه همزة نحو كذا. فإنما مثل في الحقيقة نوع ما شذ فيه الإبدال، فالمثال على هذا التقدير مطابق.
وقد تقرر له هنا أن التاء تبدل من حرفين في الحقيقة، من الواو والياء، وترك إبدالها من غير ذلك لشذوذه، فقد أبدلت من خمسة أحرف سوى ما أشار إليه من إبدالها من الهمزة، فهي في الحقيقة مبدلة من ستة أحرف:
أحدها: السين، فقالوا: ست، وأصله: سدس، بدليل أسداس، وسديس، والتسديس. ولكنهم قلبوا السين الثانية تاء لتقرب من الدال التي قبلها وهي مع ذلك حرف مهموس، كما أن السين مهموسة، فصار التقدير "سدت"، فلما اجتمعت الدال والتاء وتقاربا في المخرج أبدلوا الدال تاء لاجتماعهما في الهمس، ثم أدغمت التاء في التاء، فصار: "ست". ومن ذلك ما أنشده أحمد بن يحيى:
يا قاتل الله بني السعلاة ... عمرو بن يربوع شرار النات
غير أعفاء ولا أكيات ...
стр. 5357
أراد: الناس، وأكياس، فأبدلوا السين تاء لاتفاقهما في الهمس والزيادة وتقارب المخرج.
والثاني: الصاد، قال بعضهم في لص: لصت، وفي جمعه: لصوت أنشد ابن جنى:
/فتركن نهدا عيلا أبناؤها ... وبنى كنانة كاللصوت المرد
والثالث بالطاء، قالوا في فسطاط، فستاط، قال ابن جنى: "التاء فيه بدل من الطاء لقولهم في جمعه فساطيط، ولم يقولوا: فساتيط". فالتاء إذا بدل من الطاء لا محالة.
والرابع: الدال، قالوا: ناقة تربوت، وأصلها: دربوت، وهي فعلوت من الدربة، أي: هي مذللة، فالتاء بدل من الدال.
والخامس: الياء، قال رجل من بني عوف بن سعد:
صفقة ذي ذعالت شمل ...
стр. 5358
وهو يريد الذعالب. وهذه كلها شواذ.
ثم أخذ يذكر حكم الحرف وهو الطاء، والثالث وهو الدال فقال:
طاتا افتعال رد إثر مطبق ... في ادان وازدد وادكرد الأبقى
طا: منصوب على المفعول الثاني لرد، والأول قوله: تا افتعال. وتعدى رد لاثنين لأن معناه معنى صير في هذا الموضع. وإثر مطبق: ظرف ويعني أن التاء تبدل طاء إذا اجتمع لها شرطان:
أحدهما: أن تكون التاء هي التاء الزائدة في بناء الافتعال، يريد: وما تصرف منه. وهذا الشرط يشتمل على شرطين، الأول: أن تكون التاء مع الحرف المطبق في كلمة واحدة، وذلك بان يكون المطبق فاء الافتعال لتقع بعده التاء، فلو كانا في كلمتين لبقي كل واحد منهما على أصله، قال المازني: "وإن كانت التاء منفصلة لم يفعل ذلك نحو: قبض تلك، وغلظ تلك" يريد لا تقول قبض طلك، ولا غلظ طلك، كما تقول: اضطرب واظطهر، لأن للمنفصل نحوا ليس للمتصل، إذا المنفصل غير لازم فلم يعتبر؛ إذا لا يلزم أن يجئ بعد الضاد أو الظاء فيه تاء، لأنك تقول: قبض خالدا، وغلظ هذا، وما أشبه ذلك. والثاني: أن تكون التاء تاء الافتعال لا غيرها، فإنها إن كانت غيرها لم تقلب التاء طاء وإن وقعت إثر مطبق، فتقول: فحصت برجلي، وخبطت ونهضت، ولفظت. فلا
стр. 5359
تقلب التاء طاء. هذا هو الأعرف، لأن التاء في الحقيقة من كلمة أخرى وإن كانت متصلة بالكلمة وفي عداد الجزء منها، لكنها ليست كالمتصل الأصلي. وإلى معنى الاتصال يرجع هذا أيضا، ولأجل ذلك أتى الناظم بمثال الافتعال؛ إذ لا يتأتى أن تأتى التاء في الغالب إثر مطبق إلا فيه، فلذلك خص به هذا الحكم، وقد قالوا: فحصط، وخبط ونهضط، وهي لغة قليلة لبعض العرب، قال سيبويه: "وقد شبه بعض العرب ممن ترتضى عربيته هذه الحروف الأربعة: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء في فعلت، بهن في افتعل، لأنه يبنى الفعل على التاء ويغير الفعل فتسكن اللام كما تسكن الفاء في افتعل، ولم يترك الفعل على حاله في الإظهار، فضارعت عندهم افتعل، وذلك قولهم: فحصط برجلي، وحصط عنه، وخبطه، وحفظه .. " قال: "وسمعناهم ينشدون هذا البيت، (وهو) لعلقمة بن عبدة:
وفي كل حى خبط بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب
/ووجه ذلك ما ذكره سيبويه من اتصال الفاعل بالفعل وجعله معه كالجزء حتى غير له آخره بالتسكين لئلا تتوالى أربع متحركات نحو: ضربت وخرجت، ولم يفعلوا ذلك في ضمير المنصوب نحو: ضربنا، إذ ليس الضمير هنالك مع الفعل كالجزء فلم يعتبر معه توالى الحركات فلما كان كذلك شبهوا التاء بما هي فيه من نفس البنية، وذلك افتعل، فأبدلوا
стр. 5360
التاء كما أبدلوها في افتعل، لكن هذه لغة قليلة وقياسها ضعيف، من حيث عوما المنفصل معاملة المتصل، فلذلك لم يبن عليها الناظم واشترط الاتصال المحض، قال سيبويه: "وأعرف اللغتين وأجود ألا تقلبها طاء، لأن هذه التاء علامة الإضمار، وإنما تجئ لمعنى، وليست تلزم هذه التاء الفعل، ألا ترى أنك إذا أضمرت غائبا قلت: فعل، فلم تكن فيه تاء، وليست في الإظهار. فإنما تصرف فعل على هذه المعاني، وليست تثبت على حال واحد، وهي في افتعل لم تدخل على أنها تخرج منه لمعنى ثم تعود لآخر، ولكنه بناء دخلته زيادة لا تفارقه، وتاء الإضمار بمنزلة المنفصل".
والشرط الثاني: أن تكون التاء إثر مطبق، وهو على حذف الموصوف، أي: إثر حرف مطبق، والمطبق: ذو الإطباق، وهو من الحروف أربعة: الصاد والضاد، والطاء والظاء ومعنى الإطباق: أنك إذا وضعت لسانك في مواضع هذه الحروف انطبق لسانك من مواضعهن إلى ما حاذى الحنك الأعلى من اللسان ترفعه إلى الحنك، فإذا وضعت لسانك فالصوت محصور فيما بين اللسان والحنك إلى موضع الحروف. وما عدا هذه الحروف فإنما يحضر الصوت إذا وضعت لسانك في مواضعهن. قال سيبويه: "فهذه الأربعة لها موضعان من اللسان". (و) يعني أن الطاء لها موضع الدال وموضع آخر
стр. 5361
هو المفسر بالإطباق، وهو فضل صوت الطاء على الدال، ولذلك قال سيبويه: "ولولا الإطباق لصارت الطائف دالا: والصاد سينا، والظاء ذالا، ولخرجت الضاد من الكلام، لأنه ليس من موضعها غيرها وما عدا هذه الأربعة هي المنفتحة.
فإذا تقرر هذا فنقول: إذا كانت التاء قد وقعت إثر حرف مطبق لزم ذلك الحكم من الإبدال، فإن لم يكن قبلها حرف مطبق لم تبدل طاء نحو: اقترب، واغترب، واعتزل، واختصهم، ونحوه. ومثال ما اجتمع فيه الشرطان قولك في الصاد: اصطبر واصطرف. وفي الضاد: اضطرب، واضطجر. وفي الطاء: اطلع واطبع. وفي الظاء: اظعن، واظطلم. وينشد بيت زهير، أنشد بعضه سيبويه:
هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا ويظلم أحيانا فيظطلم
هكذا بالإبدال دون إدغام.
والمضارع من هذا والأمر، واسم الفاعل و (اسم) المفعول وغيرها، على حكم واحد، فقد أطلق لفظ الافتعال الذي هو الأصل للجميع، وهو المصدر.
стр. 5362
ووجه ما فعلوا من/ هذا أن قصدهم بذلك التقريب بين الحروف التي فيها تقارب وتباعد من جهتين، وذلك أن التاء تقارب حروف الإطباق في المخرج، ولذلك أدغمت التاء في جميعها نحو: (هدمت صوامع)، وضربت ضربة، وجاءت طالبة، وضربت ظالمة. وهي تباعدها في أنها الا إطباق فيهان مع أن الصاد والضاد لا يدغمان فيها، فكرهوا ذلك التباعد مع امتناع الإدغام في البعض بإطلاق، وامتناعه هنا في الثاني. وذلك أنهم كرهوا أن يذهبوا بالإطباق هنا لأنهما في كلمة واحدة مع أن التاء زائدة لو قالوا: متلع في مطلع، الذي أصله: مطتلع، فكرهوا أن يغلب الزائد في ذلك الأصلي، ولذلك أجازوا (في) مثترد قلب الثاني للأول، وكرهوا أيضا إبقاء الإطباق فيلزموا الإطباق حرفا ليس أصله ذلك. وليس حكم ما هو من كلمتين كذلك، لأنه عارض قليل، فأرادوا أن يقلبوا التاء حرفا من مخرجها موافقا لها في الشدة موافقا لتلك في الإطباق، وهو الطاء، فقالوا: مصطبر من الصبر، ومضطرب من الضرب، ومظطلم من الظلم ومطلب من الطلب، فلزم الإدغام في هذا الأخير لاجتماع المثلين والأول منهما ساكن.
فإن قيل: ولعل القلب هنا للإدغام لا لمقاربة الحرفين.
فالجواب: أنه لو كان كذلك لجاز متلب كما جاز مترد في مثترد، هذا مع أنه لذا لزم قلب التاء طاء من أجل هذه الحروف التي ليست من
стр. 5363
مخرجها لتقارب ما بينها للمباعدة التي بينهما في الإطباق، فأن تقلب مع الطاء طاء أحرى بذلك وأقرب.
فإن قيل: ظاهر كلام الناظم أن الإبدال طاء هنا لازم، على عادته في إطلاق مثل هذه العبارة، يريد بها الوجوب، لأنه قال: "طاتا افتعال رد" فيظهر أنه حكم واحد يمتنع خلافه. وليس كذلك؛ إذ يجوز في التاء مع هذه الحروف الإبدال الذي عين وإبدال آخر:
فأما مع الصاد فتبدلها صادا فتقول ي مصطبر: مصبر، قال سيبويه: "وحدثنا هارون أن بعضهم قرأ: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا﴾. أراد أن يصطلحا. وهي قراءة عاصم الجحدري، ولا يجوز هنا أن يبدل الصاد طاء فتقول: مطبر، لان الصاد لا تدعم فيما ليس من مخرجها لما فيها من امتداد الصوت الصفيري.
وأما مع الضاد فيجوز أن تبدلها ضادا فتقول في مضطجع: مضجع، كما يجوز هنا أن تبدل الضاد طاء فتقول مطجع. وجاز هنا مطجع وإن لم يجز في مصطبر مطبر، لأن الضاد ليست في السمع كالصاد من جهة أن الصغير الذي في الصاد أكثر في السمع من استطالة الضاد.
وأما مع الظاء فيجوز إبدالها ظاء فتقول في مضطلم: مظلم، كما قالوا: مصبر، وكما جاز أيضا أن تبدل الظاء طاء فتقول: مطلم وينشد بن بيت زهير:
ويظلم أحياناً فيطلم ...
стр. 5364
بقلب الظاء طاء، وعليه أنشده سيبويه. ويروى فيظلم، بقلب التاء ظاء.
وأما مع الطاء فليس إلا وجه واحد.
فترك الناظم هذا كله مع جوازه وشهرته، وقد ذكر ذلك في التسهيل فحصل المسألة تحصيلا حسنا. هذا وجه من النظر/ في كلامه.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن هذه الوجوه المذكورة لا تعد في رتبة ما ذكر، وإنما هي قليلة فلم يذكرها لذلك.
والثاني- وهو المعتمد في الجواب-: أن هذه الإبدال إنما هو ثان عما ذكره، فالتاء تبدل طاء على ما تقدم ثم تبدل بعد ذلك. وأيضا أذا أبدلت بعد ذلك فللإدغام لا لمجرد البدل خاصة. ولذلك إذا قرر النحويون مثل ما قرر الناظم قالوا: فمن أراد الإدغام للقرب في المخرج والاتفاق في الإطباق لا قبل ذلك؛ إذ التاء- إذا كانت على أصلها- بعيدة من حروف الإطباق فلم تكن لتدغم فيها إدغام المقارب مع التباعد، ولذلك لا تدغم فيهما الصاد والضاد كما تقدم. وإذا كان كذلك لم يكن بد من تقديم إبدال الطاء، ثم بعد ذلك يتقارب الحرفان، فمن شاء الإدغام أدغم، فيقلب الأول للثاني، أو بالعكس، ولأجل هذا قال في التسهيل بعدما قرر الإبدال المذكور: "وتدغم في
стр. 5365
بدلها"- يعني في بدل التاء- الظاء والذال والضاد". ويريد أنك تقول: اطلم، واطجع وادكر. على أنه قد قال: "وقد تجعل- يعني التاء- مثل ما قبلها من ظاء أو ذال أو ضاد أو حرف صغير". وليس الكلام هنا في التسهيل، وإنما أتيت بكلامه تأنيسا بما قاله غيره.
ثم قال: "في ادان وازدد وادكر دالا بقى". الضمير في "بقى" عائد إلى التاء المتقدم الذكر، وهو التاء في الافتعال، فيعنى أن التاء المذكورة تبدل دالا في نحو هذه الأمثلة التي هي: ادان، وازدد، وادكر. وهذه الأمثلة أشارت إلى أن موجب الإبدال فيها تقدم الدال والزاي أو الذال على تاء الافتعال، لأن ادان افتعل من الدين:
أصله: ادتان، وازدد: افتعل من الزيادة، أصله: ازتد. وادكر: افتعل من الذكر، أصله: اذتكر. وقد حصل من هذا الكلام اشتراط شرطين:
أحدهما: أن تقع التاء بعد أحد ثلاثة أحرف، وهي: الدال، والزاي، والذال. فإن وقعت بعد غيرها لم تنقلب دالا، فلا تقول في استلم: اسدلم، ولا في اثترد: اتدرد ولا اظطلم: اظدلم، ولا ما أشبه ذلك، وإن كانت السين
стр. 5366
مع الزاي من مخرج واحد والثاء والظاء مع الذال كذلك. وقد أبدلت بعد الجيم لكن قليلا فلذلك لم يذكرها مع الثلاثة كقولهم: اجدمعوا في اجتمعوا. واجدز في اجتز، من جززت، أنشد الكسائي، ونسبه الجوهري ليزيد بن الطثرية، ويقال: بل هو لمضرس:
فقلت لصاحبي: لا تحبسانا ... بنزع أصوله، واجدز شيحا
والثاني: أن تكون التاء تاء الافتعال. ويلزم من ذلك أن تكون التاء متصلة بالزاي أو الدال من كلمة واحدة، فإن كانتا من كلمتين لم يجز ذلك، فلا تقول في أحرز تالدا: أحرز دالدا. ولا في انبذ تالدا: انبذ دالدا. ولا ما أشبه ذلك وعلى ذلك أيضا لا تقول في حززت: حززد، ولا في حددت: حدد، ولا في نبذت: نبد. وإن لم تكن تاء افتعل لم تبدل أيضا إلا أن يشذ من ذلك شيء نحو: دولج في تولج فإذا توفر الشرطان/ قلت: ادان، من الدين، افتعل منه وازداد، كذا، وادكر، كذا: ادعى من الدعوى، وادرى، من الدراية، قال:
وماذا يدرى الشعراء مني ... وقد جاوزت حد الأربعين؟ !
стр. 5367
وفي القرآن الكريم: ﴿وادكر بعد أمة﴾، وفيه: ﴿فهل من مدكر﴾. وفيه: ﴿وازدادوا تسعا﴾. وهو كثير.
ثم في ادكر في هذه المثل فائدة زائدة على ما تقدم من الاشتراط، وهي أنه أتى بالذال مدغمة في الذال، وذلك أن الأصل كان أن يؤتى بها غير مدغمة فيها فيقول واذدكر، لأن الإدغام ليس من شأنه في هذه المسألة كما لم يذكره في اطلم، واصبر، واطجع. وهم قد أجازوا اذدكر، فكيف يأتى به مدغما؟ قال ابن جنى: قال لي أبو علي: وأجاز بعضهم: اذدكر، لأن تاء افتعل لا يلزم أن يجيء قبلها ذال أبدل، فأشبهت اقتتلوا في البيان. يقول: كما أظهروا اقتتلوا مع تحرك التاءين، لأنه لا يلزم أن يكونن بعد تاء افتعل تاء أخرى نحو: احتلم واغتلم كذلك حال اذدكر، فقلبوا التاء دالا للتقريب، ولم يدغموا، لأنه لا يلزم أن يكون قبل التاء ذال نحو: استلم وابتسم". وحكى المازني:
стр. 5368
"اذدكر فهو مذدكر"، قال أبو حكاك:
والهرم تذريه اذدراء عجبا ...
فإذا كان هكذا فكان من حقه أن يقول: واذدكر. لكن قصد الناظم أن يذكر ما هو الأشهر في الكلام والمعتد في اللغات، ولا شك أن (ما) مثل به من الإدغام هو الوجه الأفصح، وهي لغة القرآن، وقد نص النحويون على أنها الأولى، وإذا كان أشهر من غيره مع حصول المقصود من الإبدال دالا كما تقدم كان اقتصاره على ما اقتصر عليه على ما ينبغي، ووجه ما عملوا من هذا أن الزاي لما كانت حرفا مجهورا (و) كانت التاء مهموسة، والدال أخت التاء في المخرج وأخت الزاي في الجهر، قربوا بعض الصوت من بعض، فأبدلوا من التاء أشبه الحروف من موضعها بالزاي، وهي الدال، فقالوا: ازدجر وكذلك الذال في اذتكر مجهروة، والتاء مهموسة، فأبدلوا التاء دالا لأنها أختها وأخت الذال في الجهر، فقالوا: اذدكر، ثم أبدلوا للإدغام فقالوا: ادكر.
وأما ادان فقد يقال: إن الإبدال فيه للإدغام فكيف يدخله في هذا الباب ويجاب عنه بما تقدم في مطلب من أنه لو كان الإبدال للإدغام لقالوا: اتان في ادان، وقد حصل أن الدال إنما تبدل من التاء خاصة.
وههنا انتهى ما قصد ذكره من الإبدال القياسي، وماتبعه من غير القياسي.
стр. 5369
ثم شرع في الكلام على الإعلال بالحذف فقال:
فصل
فا أمر او مضارع من كوعد ... احذف، وفي كعدة ذاك اطرد
فا أمر أصله: فاء أمر، لكنه حذف إحدى الهمزتين كراهية اجتماعهما وإن كانتا من كلمتين، والمحذوفة هي الثانية في القياس عند طائفة، لأنها التي وقع بها الثقل، والأولى عند طائفة، وهو مثل قراءة أبي عمرو: (جا أمرنا)، و (جا أشراطها).
وفا: منصوب باحذف. وقوله: "من كوعد"، الكاف فيه اسم لدخول حرف/ الجر عليها وهو من، فصار مثل قوله، أنشد: سيبويه:
وصاليات ككما يؤثفين ...
واعلم أن الإعلال بالحذف قليل، ولذلك لا تجده مطردا. إلا في مواضع قليلة، وإنما الغالب وقفه على السماع، إذ لم يكثر كثرة يسوغ
стр. 5370
فيها القياس، وأكثر ما تجده في اللام نحو: أخ، وأب، ويد، ودم، وشاة، وشفة، وأمة ويقل في الفاء نحو: رقة، وعدة، وزنة، وجهة. وأقل من ذلك الحذف في العين نحو سه، وشاك، ولاث، وهار، أصله: سته، وشائك، ولائث، وهائر، وكذلك: مذ، أصله: منذ. وأكثر الحروف حذفا حروف اللين الثلاثة، والهمزة، والهاء، والحرف المتصل بمثله. فالألف نحو: علام تفعل؟ والياء نحو: أصاب الناس جهد، ولو تر ما الصبيان؟ والواو نحو عدة وزنة، والهمزة نحو: ترى، ويرى، وأكرم، وبراء في براء، والهاء نحو: شفة، وشاة واست، والحرف المتصل بمثله نحو: ظلت في ظللت، وأحست في أحسست.
ولما كان (هذا) الحذف على قسمين، حذف قياسي، (وحذف غير قياسي)، وكان غير القياسي موقوفا على النقل، إنما يتلقى من أهل اللغة، وإنما يتكلم عليه النحوى من حيث التوجيه أو بالعرض، والقياسي هو الذي يعنيه الكلام، تعرض الناظم للكلام على القياسي منه وترك غيره، إلا ما كان له كثرة ما وشهرة، وربنا قيل في مثله بالقياس. وجملة المواضع القياسية في الحذف على ما ذكره هو في التسهيل وغيره حذف فاء المضارع والأمر من نحو ود، وحذفها من المصدر الذي على فعله منه أيضا. وحذف همزة أفعل من المضارع والجاري عليه. وهذه ثلاثة مواضع نص هنا عليها، ورابع تكلم عليه في هذا النظم في باب الوقف، وهو حذف ألف ما الاستفهامية. وهذا في الحقيقة سماع، لكنه مضبوط بقانون مختص به. وزاد في التسهيل حذف عين فيعلولة،
стр. 5371
وزاد غيره حذف عين فيعلان وفيعل، وجعله في التسهيل محفوظا. فإذا إنما ترك مما ذكره في التسهيل فيعلولة خاصة، وهو قليل الاستعمال ليس من جلائل المهمات في العربية ذكره، فتركه، وكان أولى منه فيعل لكثرته ودورانه على السنة لو كان عنده قياسا. أما ما يجرى مجرى المقيس فظلت وقرن، وسيذكرهما الناظم
ولنرجع إلى لفظه، فقوله: "فا أمر أو مضارع" .. إلى آخره، يعني ان الفعل المضارع وفعل الأمر إذا كانا من الأفعال التي ماضيها من نحو: وعد، حذفت فيهما الفاء وجوبا، وذلك نحو: يعد وعد، ويزن وزن، ويرد ورد، لأنها من وعد ووزن وورد. وكذلك: يسم وسم. أصلها: يوعد واوعد، ويوزن واوزن، وكذلك سائرها، لكن حذفت الواو في الأصل مع الياء التي للمضارعة استثقالا لوقوعها في فعل بين ياء مفتوحة وكسرة إذا قلت: يوعد. أما وقوعها في الفعل فهو ثقيل والاسم أخف منه، ووقوعها بين الياء والكسرة لتجانسهما ومنافرة الواو لهما/ والياء مفتوحة، والفتحة من الألف، والألف قريبة من الياء، ولذلك رجعت الواو إلى الياء إذا وقعت بعد الألف في مصدر الفعل المعل نحو: حالت حيالا، وقامت قياما، وصحت في مثل العوض والحول، كما تقدم قبل ذلك، فصارت هذه الأشياء مظنة للاستثقال عند بقاء الواو، فحذفت، وهذه هي العلة. ثم حمل المضارع ذو الهمزة أو النون أو التاء على ذي الياء وإن لم يكن هناك ياء مفتوحة، لأنهم لو قالوا: أنت توعد، وهو يعد، لاختلف المضارع، فكان
стр. 5372
يكون تارة بواو، وتارة دونها، فحافظوا على المجانسة في الفعل ليجرى على أسلوب واحد في أنواع مصرفاته. ومثله حذف همزة يكرم وأكرم الآتى إثر هذا. ثم حمل الأمر على المضارع في هذا الحكم لأنه يجرى عليه في غالب أحكامه لكن هذا الحكم لا يكون إلا بوجود الأوصاف التي نبه عليها بالمثال حيث قال: "من كوعد" فإذا كان المضارع والأمر من الماضي الذي على هذا الوصف ثبت الحكم وإلا فلا يثبت، وجملة الأوصاف التي اشتمل عليها هذا الفعل أربعة:
أحدها: أن يكون ثلاثيا لا رباعيا ولا ما فوق ذلك، فإنه إن كان رباعيا أو فوق ذلك ثبتت الواو، فإذا كان الماضي على أفعل نحو: أوعد، قلت في المضارع: يوعد، وفي أورث: يورث. وكذلك الأمر تقول: أوعد وأورث، ونحو ذلك، فلا تحذف البتة، ووجه ذلك وجهان:
أحدهما: أن يوعد أصله: يؤوعد مثل يؤكرم، فلما حذفوا الهمزة للعلة التي تذكر بعد إن شاء الله- تعالى- أرادوا ألا يجمعوا على الكلمة حذف الفاء وحذف الهمزة الأولى، بخلاف يعد فإنه لم يحذف منه شيء، فجاز الحذف منه.
والثاني: أن مضارع ما زاد على الثلاثة على طريق (واحد) لا يتغير، وليس كذلك مضارع فعل، لأن بابه أن يجيء على يفعل وعلى يفعل وعلى يفعل مع حرف الحلق، فلما لم يلتزم فيه يفعل كان هذا تغييرا حاملا على تغيير آخر، وقد كثر في كلامهم (وجود) التغيير حيث تغيير آخر غيره، كحذفهم ياء فعيلة وفعيلة في النسب باطراد للزوم حذف الهاء، فإذا كانت الكلمة بغير هاء لم تحذف إلا شذوذا وليس بينهما في الثقل زيادة. قال ابن الضائع: ولهذا صار
стр. 5373
النحويون يقولون: التغيير يأنس بالتغيير قال: وهو صحيح بالنظر إلى هذا المعنى، ولهذا لم يغير عند سيبويه يوضؤ، لأنهم كرهوا حذفه، لأنه يجئ على طريقة واحدة لا تتغير، ولم يغيروه إلى يفعل لأنه لا يكون مضارعا له كما يكون لفعل. وعلى اعتبار هذا الشرط لو بنيت من الوعد مثل دحرج فقلت وعدد، ثم بنيت المضارع منه لقلت: يوعدد، وفي وزنن: يوزنن. ولا تقول: يعدد، ولا: يزنن- وإن وقعت الواو بين ياء وكسرة- لأمرين، أحدهما: ضم الياء وقد تقدم أن الفتحة لها تأثير ما في الحذف. والثاني: أنك لو حذفت لزال الغرض/ المطلوب من الإلحاق؛ إذ صارت الواو في مقابلة الدال من يدحرج، فلم يكونوا ليخلوا بما قصدوا من الإلحاق. وهذا كما قاله ابن جنى في بناء مثل دحرج من الأخذ إذ تقول في المضارع: يؤخذذ، ولا تحذف الهمزة كما تحذفها في يؤكرم فتقول: يكرم.
والثاني: أن تكون فاؤه واوا كما تقدم تمثيله، تحرزا من أن تكون همزة أو ياءا. أما إن كانت همزة فلا تحذفها وإن وقعت بين ياء وكسرة أو لم تقع كذلك، فتقول في مضارع أخذ: يأخذ، وفي مضارع أبق: يأبق. ولا تقول: يخذ، ولا: يبق وكذلك الأمر، فتقول في الأمر من أبق: ايبق، ومن الأمن: ايمن، ومن أفل يأفل: اوفل يا بدر. وكذلك ما أشبهه. إلا أنه شذ من هذا ثلاثة من أفعال الأمر، وهي: خذ، وكل،
стр. 5374
ومر، (مع أن المضارع لم تحذف منه، وإنما تقول: يأخذ، ويأكل، ويأمر، فكان الأصل فيها: اؤخذ واؤكل واؤمر) فالتزموا حذف الهمزة التي هي فاء، وسقطت ألف الوصل حين وليها المتحرك. إذا بدأت بها أو وصلتها بغير الواو والفاء، فإن وصلتها بهما فل في مر وجهان: الأثبات، فتقول: وأمر، فأمر- وهو أجود- ولك أن تقول: فمر ومر. وأما خذ وكل فإنما تتركها على حالها من الحذف وهذا شاذ لا يقاس عليه غيره، قال في التسهيل: إلا في الشعر لمكان الضرورة. كقوله:
فإن نحن لم ننهض لكم فنبيركم ... فتونا فقودونا إذا بالخزائم
وأما إن كانت الفاء ياء فكذلك أيضا لا تحذفها وإن وقعت بين ياء وكسرة، نحو: يعر ييعر. (يسر ييسر، وينع يينع. وذلك لأن الياء أخف عليهم من الواو لقربها من الألف، والواو ليست كذلك، لأنها تحتاج في إخراجها إلى تحريك شفتيك قال سيبويه: فجرى ذلك مجرى تحريم بعض جسدك، والياء مخرجها من وسط الفم والعمل فيها أخفى، وقد جاء فيها الحذف شاذا، حكى سيبويه شذوذا: يئس يئس كيعد، وبها شبهها سيبويه.
стр. 5375
والثالث: أن يكون (المضارع) على يفعل- بكسر العين- لأنه إذا كان كذلك تمكن العلة المذكورة، من وقوع الواو بين ياء وكسرة. فلو كان المضارع على يفعل أصلا غير محول لم تحذف. فتقول في مضارع وجل: يوجل. وفي مضارع وحل: يوحل، ولا تحذف. وكذلك إن كان (علي) يفعل- بضم العين- نحو: وضئ يوضؤ، ووقح يوقح؛ قال ابن جني: "سألت أبا علي وقت القراءة عليه فقلت: هلا حذفت الواو من يوطؤ ويوضؤ لوقوعها بين ياء وضمة، على أن الضمة أثقل من الكسرة؟ فقال: إنما جاء هذا تاما ولم تحذف واوه لان باب فعل لا يأتى مضارعه إلا على بناء واحد وهو يفعل، نحو: ظرف يظرف، وشرف يشرف. وما كان على فعل فإن مضارعه يختلف نحو: ضرب يضرب، وقتل يقتل، وسأل يسأل، فلما كان مضارعا مضارع فعل يختلف جاز فيه حذف الواو: نحو: يعد، ولما كان مضارع فعل لا يجئ إلا على يفعل لم تحذف واوه لئلا يختلف". قال: "وقد لوح أبو عثمان إلى هذا المعنى بقوله: فهذا يجرى مجرى ظرف/، أي: لا يختلف كما لا يختلف ظرف يظرف (ووطؤ، يوطؤ) وشرف يشرف، ولكنه لم يخلصه تخليص أبي علي"، قال: "ولمثل هذه المواضع يحتاج مع الكتب إلى الأستاذين". انتهى كلام ابن جني.
стр. 5376
"ولمثل هذه المواضع يحتاج مع الكتب إلى الأستاذين". انتهى كلام ابن جنى
وزعم ابن عصفور أنه (إنما) لم يحذف يوضؤ ويوطؤ لأن الواو بين ياء وضمة أخف. قال ابن الضائع: وليس كذلك، بل يوضؤ أثقل من يوعد، لو قيل. قال وإنما سببه ما تقدم، وبه علل سيبويه. يعني ما ذكرته عن ابن جنى والفارسي. وقد شذ من هذا قولهم: يجد، في مضارع وجد، فحذفوا فاءه مع كونه على بفعل، (وهي) لغة عامرية، وعليها جاء قول لبيد العامري:
لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة ... تدع الصوادي لا يجدن غليلا
وكأنهم حملوا هذه اللغة على اللغة الفصحى في الحذف. قال الفارسي في التذكرة: لم يجز أن تصح الواو في يجد كما صحت في يوضؤ، لأن الضم لا يلزم لقولهم: يجد، فإذا كانوا لم يصححوا الواو في يطأ ويسع كما صححوها في يوجل، لأن الفتحة مجتلبة من أجل حرف الحلق، وإن كانوا لم يستعملوا الكسر كما استعملوا الكسر من يعد، فألا يصح من يجد مع استعمالهم نجد أجدر وأولى.
стр. 5377
ثم أن هذا الكسر في المضارع تارة (يكون) ملفوظا به، وتارة يكون مقدرا، فا لملفوظ به نحو ما تقدم، والمقدر هو الذي يكون في الأصل كذلك، إلا أنه فتح لعارض اقتضى ذلك، كقولك: بطأ ويسع أصله يوطئ ويوسع، فوقع الإعلال بحذف الواو، ثم فتح لأجل حرف الحلق فقيل: بطأ ويسع، ودليل ذلك أنه لو كان على يفعل في الأصل لم تحذف منه الواو، بل كنت تقول: يوطأ ويوسع، كما قلت: يوجل ويوحل.
فإن قيل: إن الماضي منه على فعل، وليس قياسه إلا يفعل فكيف يكون الأصل هنا يفعل؟
فالجواب: أن الخليل جعل هذا مما جاء من المعل على فعل يفعل نحو: ومق يمق، ووثق يثق، وورم يرم، وورث يرث، ووله يله، ووفق يفق، ووحر يحر، ووغر يغر ويوغر- ويوحر أيضا- ووغم يغم ويوغم. فهذا مما يؤنس بمجئ فعل على يفعل، لكنه حرف الحلق إذا جاء لاما تفتح له العين، هذا إذا كان الماضي منه فعل، فإن كان فعل فلا إشكال نحو: وضع يضع، ووقع يقع، وودع يدع وأما يذر فمن هذا أيضا لكن حمل على يدع الذي في معناه؛ إذ ليس لفتح عينه علة سوى ذلك، لان لامه ليست بحرف حلقى. وكذلك عينه، كما كان لنحو قرأ يقرأ وذهب يذهب.
стр. 5378
والذي يدخل هذا النوع تحت إشارة الناظم أنه أتى بوعد، ولا شك أن مضارعه على يفعل، فكذلك إذا قيل لك: ما وزن يضع/ مضارع وضع؟ فإنك تقول: يفعل لأنك إما أن تجيبه على الأصل أو على اللفظ، واللفظ ليس بمراد لأنه يعل، والأصل يفعل بالكسر، فلابد أن تجيبه على الأصل فقد دخل في معنى مضارع وعد.
والرابع: أن يكون مبنيا للفاعل كوعد، تحرزا من المبنى للمفعول فإنه لا تحذف واوه بل تقول: يوعد ويوزن ويوسم، وذلك لفقد العلة التي لأجلها حذفت في موضع الحذف، وهي وقوع الواو بين ياء وكسرة. قال ابن جنى: "وفيه علة أخرى، وهى أن مضارع فعل لا يكون إلا علي يفعل، فجرى ذلك مجرى شرف في لزوم مضارعة وزنا واحدا، فصحت في يوعد كما صحت في يوطؤ لئلا يختلف الباب". قل "هو منتزع من قول أبي على في يوطؤ ويوضؤ".
فإن قيل: قد زعم النحاة أن فعل المفعول ثان عن فعل الفاعل ومغير منه، ولذلك جرى على حكمه في مثل سوير وقوول دون إعلال ولا إدغام كما إذا قلت: ساير وبايع، وقد تقدم في نحو يطأ ويسع ويقع ويدع أن الحركة المنتقل إليها عن الأصل لا تراعي، وأن المراعى هو الحركة الأصيلة، فلهذا وجب الحذف، فكان الواجب على قياس هذا كله أن تحذف واو نحو يوعد، لأن الأصل يعد، وهذا التغيير طارئ عارض.
стр. 5379
فالجواب: أن كل مضارع من ثلاثي هو فعل مفعول فإنما يكون على يفعل أبدا لا ينكسر، ولما كان منه ما لا يصح أن يجرى فيه هذا الإعلال لخلوه في الأصل عن موجبه، وذلك مضارع فعل وفعل كيوحل ويوجل، ويوضؤ ويوقح، تقول: هذا مكان يوحل فيه ويوقح فيه، وكان البناء واحدا في الجميع، كرهوا اختلافه بالصحة في بعض (و) الإعلال في بعض، فحملوه محملا واحدا، وطردوا فيه حكم الصحة حملا لما فيه موجب الإعلال علي ما فقد فيه، وآثروا مع ذلك التصحيح على الإعلال لأنه الأصل، قاله ابن عصفور، وهو متنزع من تعليل ابن جنى وراجع إلى معناه. وقد شذ من هذا يذر ويدع في يوذر ويودع، قال الفرزدق:
وعض زمان- يا ابن مروان- لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مجلف
يروى بضم ياء يدع، وكان الأصل أن يقال: يودع، من ودع (بمعنى ترك) ووجهه الحمل على فعل الفاعل، كأنه اعتبر أنه أصله وأن بناء المفعول عارض، فأبقى، الإعلال بعد التغيير على حاله قبله.
وثم شرط خامس مأخوذ من تخصيصه هذا الحكم بالفعل؛ إذ مفهوم قوله: "فا أمر أو مضارع" أن فاء غيرهما غير محذوف وإن وقعت الواو فيه كوقوعها في يعد. وهذا صحيح، فإنك لو بنيت مثل يقطين من وعد لقلت: يوعيد،
стр. 5380
أو من وزن لقلت: يوزين، أو من ورد لقلت: يوريد. وكذلك ما أشبه ذلك، فالواو فيها واقعة بين ياء وكسرة كما كانت في يعد كذلك، لكنها لما وقعت في الاسم الذي هو أخف من الفعل ثبتت ولم تحذف، وقد تقدم قبل هذا الأشعار بان كونها في الفعل جزء علة، وأيضا فإن التصريف بالحذف وغيره أمكن في الفعل منه في الاسم، فساغ فيه مالا يسوغ في غيره. وإذا ثبتت مع الياء والكسرة كان ثبوتها مع غيرها من الحروف/ الأخر أجدر، وهي الهمزة والنون والتاء، فالهمزة كما إذا بنيت مثل أصبح من الوعد بإنك تقول: أوعد، ومن الوزن: أوزن، أو مثل نرجس فإنك تقول: نوعد ونوزن. وكذلك التوصية والتودية والتوسعة. وهذا ظاهر.
ثم يبقى على الناظم توهم شرط سادس ظاهر من تمثيله، مع أنه غير مراده، وذلك كون الماضي على فعل، بفتح العين، فإنه يوهم أنه يتحرز به من مضارع فعل إن كان على يفعل، فيكون نحو: وثق يثق، شاذا وعلى غير قياس. وليس بصحيح، بل كان ما كان على يفعل- كان ماضيه فعل أو فعل- فالحذف له لارم قياسا، ولا خلاف في هذا أعلمه. وأخذ هذا الشرط أظهر من أخذ كون المضارع على يفعل، لأن هذا بالنص لقوله: "كوعد" وذلك باللزوم، إذا كان مضارع وعد يعد، فهذا من التمثيل الموقع في الإشكال.
ويجاب عنه بأن قصده إلى الأمر والمضارع يدخل له نحو: وثق يثق، وذلك أن المضارع من وعد على يفعل، فقد دخل له ما كان مضارعه من الأفعال على هذا الوزن. وأما كونه على فعل فيدل على إهماله من
стр. 5381
كلامه كون المضارع على يفعل؛ فإن فعل المفتوح العين غير مخصوص بيفعل، بل مضارعه يأتي على يفعل وعلى يفعل، فلو كان كون الماضي (على) فعل مشترطا لكان مناقضا لاشتراط كون مضارعه على يفعل. وأيضا لا معنى لاستراط كون الماضي على فعل إذا كان المقصود المضارع والأمر المحمول عليه، فإذا قد ظهر من كلامه سقوط اعتبار هذا المعنى.
ثم قال: "وفي كعدة ذاك اطرد". ذاك: إشارة إلى حذف الفاء، والحذف لم يذكره نصا، وإنما ذكر الفعل المفهوم منه الحذف وهو قوله: احذف". فأشار إلى مدلول عليه كما يعاد الضمير عل مدلول عليه بغيره، كقوله تعالى: ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾. ومنه قوله:
إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف
وكان "كعدة" اسم أيضا كقوله: "من كوعد"، ويريد أن عدة الذي هو مصدر وعد المذكور وما كان مثله وعلى وزانه يجرى فيه من الحذف المذكور ما جري في فعله.
وقد اشتمل هذا العقد على التنبيه على أوصاف عدة الذي يلزمه ذلك الحكم، وذلك وصفان:
أحدهما: كونه مصدرا، لأن عدة مصدر وعد يعد عدة، فكل ما كان مصدرا مثله فهو مثله في الحذف كقوله: وعد عدة، ووزن زنة، ووسم سمه،
стр. 5382
وومق مقة، ووثق ثقة، ووصل صلة، وما أشبه ذلك، كأنهم استثقلوا وعدة ووزنة، فألزموها الحذف. وأيضا إذا كانوا يستثقلون الواو بين ياء وكسرة في الفعل والواو ساكنة، كانوا للواو عند كسرها نفسها أشد استثقالا، فحولوا كسرتها على ما بعدها وألزموها الحذف، لأنهم إن أثبتوها بعد أن سلبوها حركتها احتاجوا إلى ألف الوصل، من حيث كانت ساكنة معرضة للابتداء بها، ولا يبتدأ بساكن. ولو جاءوا بألف الوصل- وهي مكسورة- لزمهم قلب الواء ياء لأحل الكسرة قبلها، فكانوا يقولون ايعدا أو ايعدة، فتجتمع كسرتان بينهما ياء ساكنة، فكان يجتمع ما يستثقلون، فحذفوا لذلك. وأيضا لما كان المصدر قد يعتل لاعتلال/ فعله، كما تقدم في الإقامة والاستقامة، وقيام وصيام، أعل هذا أيضا لاعتلال فعله.
فالجواب عندهم: أن مصادر الثلاثي لما (لم) تلزم طريقة واحدة كمصادر ما زاد على ثلاثة لم يلتزم فيه الإعلال (لاعتلال) فعله، لكنه (إذا) اقترن به ثقل ما وأمكن فيه إعلال لا يلبس أعلوه، كما فعلو في
стр. 5383
القيام ونحوه. وكذلك فعلوا في عدة لما كسروا الواو، وهي مستثقلة كما تقدم، أعلوا بإلقاء حركتها على الساكن بعدها وحذفوها، كما حذفوها في الفعل، فقالوا: عدة وزنه، وصار بقاء الكسرة دليلا عليها. فإن لم يكن مصدرا لم يحذف هذا الحذف، وذلك نحو: وجهة من نحو قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾، وهي بمعنى الجهة. وحمله المازني على أنه اسم المكان المتوجه إليه، وعلى ذلك حمله الفارسي في التذكرة والإيضاح، قال في الإيضاح: "ومن جعلها التوجه كان شاذا كشذوذ القصوى والقود ونحو ذلك". قال: "وهذا في المصدر أبعد لإجرائهم إياه مجرى الفعل، والفعل لم يصح في هذا النحو" يعني فكذلك ينبغي ألا يصح المصدر. ومذهب سيبويه- فيما يظهر منه- أنه من المصادر، وأنه جاء شاذا. وعلى هذا أيضا إن جاء الحذف في غير المصدر فشاذ أو مؤول بأنه مصدر في الأصل، وذلك نحو: "الرقة للورق، واللدة على مذهب المؤلف في التسهيل، وذكر غيره أنه مصدر وصف به" والظاهر عدم ذلك بدليل جمعه على لدون، والمصدر الموصوف به بابه ألا يجمع.
والوصف الثاني: كون ذلك المصدر على فعلة- بكسر الفاء ولزوم التاء- كما تقدم من الأمثلة. وقد اشتمل هذا الوزن على ثلاثة أمور:
أحدها: كسر الفاء، تحرزا من أن تكون مفتوحة أو مضمومة، فإن كانت مفتوحة لم يحذف شيء كقولك: وعد وعدا، ووزن وزنا، ووجد وجدا، ووفد وفدا،
стр. 5384
ونحو ذلك. وكذلك إن كانت مضمومة نحو: وجد وجدا، من قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾. وقد تقدمت الإشارة إلى اختصاص هذا الحكم بالكسر دون غيره، من استثقالهم الكسر في الواو مع الإعلال في الفعل، وأيضا لما كان للكسر تأثير في الإعلال في الفعل دون الضم أرادوا أن يكون ذلك في المصدر- أيضا- (و) علل سيبويه بأنه إنما فعلوا ذلك بها مكسورة كما يفعل بها في الفعل وبعدها الكسرة، قال: "فبذلك شبهت". فعلى هذا ما جاء من صلة في صلة أصله وصلة، لكنهم أعلوا كما أعلوا في المكسور الفاء، فحمل على اللغة الفاشية. وكذلك ما جاء من نحو: قحة في قحة، وضعة، في ضعة، فإعلالهم الفاء بالحذف ونقل الحركة مع أنه غير مكسور العين شاذ لا يقاس عليه، وهذا على ما ذهب إليه غير المبرد في هذين المصدرين من (أن) الأصل فيهما فعل- بفتح العين- فأعلا، من باب حمل بعض اللغات على بعض، كما قالوا: يجد في يجد، وصلة في/ صلة. وكذلك قولهم: سعة وجعة ونحو ذلك إنما أعل بالحمل على المكسور.
والثاني: لحاق التاء عوضا من ذلك الحذف كما في عدة الممثل به على رأي الجمهور، خلافا لما رآه الفارسي من كونها غير عوض، بدليل
стр. 5385
أنها لو كانت عوضا لم تثبت مع المعوض منه في وجهة. وجوابه به ظاهر وذلك لازم فيه كما هو لازم في عدة، فلا يجوز أن يقال: وعد عدا، ولا وزن زنا، كما لا يجوز أن تقول في زنادقة زنادق دون ياء- إلا في الضرورة، لأن الهاء عوض من الياء في زناديق، فحيث لزم الحذف لزم التعويض من غير إشكال نعم، لو دعت ضرورة إلى حذف التاء كما قال الشاعر، أنشده الفراء:
إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا
قال سيبويه: "وأما فعلة- إذا كانت مصدرا- فإنهم يحذفون الواو منها كما يحذفونها من فعلها، لأن الكسر يستثقل في الواو". ومضى في التعليل ثم لم تكن الهاء فلا حذف، لأنه ليس عوض". ثم قال بعد ذلك: إن الحذف إنما ثبت في المصدر إذ كان على فعلة، لأنه على عدد يفعل وعلى وزنه، لأن كل واحد منهما أربعة أحرف وثانيهما ساكن، فلما أعلوا ألقوا حركة الواو على ما بعدها، إذ لم يكن قلبها شيء وصارت بمنزلة الهمزة إذا خففت وقبلها ساكن.
والثالث: كون المصدر بزنة الفعل، بمعنى مقابلة المتحرك بالمتحرك، والساكن بالساكن. وهو الذي علل به سيبويه، فلذلك أتى الناظم بما هو على فعلة مما ثانية ساكن وهو على أربعة بالتاء تحرزا من أن يكون الثاني متحركا، أو يكون المصدر مزيدا فيه، فإنه إن تحرك ثانيه كما لو أتى على فعلة لم يعل،
стр. 5386
فتقول فيه من الوعد: وعدة، وإن زيد فيه فكذلك أيضا نحو: الوراثة والوفادة (والولادة)، وما أشبه ذلك، فهذا كله مما اعتبره الناظم في هذا الوصف، وهو ظاهر كما رأيت.
ثم في هذا الكلام نظر من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تمثيله بعدة مشكل، لأن عدة مصدر قد حذفت فاؤه، وهو إنما يتكلم في موضع الحذف والاشتراط فيه، فكأنه يقول: "و" فيما كان من المصادر محذوف الفاء اطرد الحذف. وهذا لا حقيقة له، لأنك إذا قلت له: كل ما هو محذوف منه فاحذف منه كان كلاما غير محصل، وأمرا بتحصيل الحاصل. وأيضا فهذا الكلام يصدق على ما كان حذفه بالسماع لا يقاس، فلو ألقيت مكان عدة مثلا رقة لكان الأطراد صادقا، لأن المعنى: كل ما سمع فيه الحذف فالحذف فيه مطرد، (و) لاشك أنه كذلك ولو لو يوجد منه إلا اللفظان أو الثلاثة. فهذه العبارة (غير محصلة)، وكلامه في التسهيل أحسن من هذا حيث قال: "وحمل على ذي الياء أخواته والأمر، والمصدر الكائن على فعل محرك العين بحركة الفاء معوضا منها هاء التأنيث".
والثاني: أن الإشارة بذاك إلى الحذف المتقدم الذكر والحذف المتقدم إنما هو حذف/ فاء المضارع والأمر الموصوفين، فإذا نزلت العبارة على معناها جاء منه أن حذف فاء المضارع والأمر اطرد في المصدر. وهذا خلف، إذ الحذف المخصوص بشيء لا يكون في غيره، ولم
стр. 5387
يتقدم له حذف فاء مطلق فتعاد الإشارة إليه، وإنما قال: "فا آمر أو مضارع من كوعد احذف"، فالحذف مضاف إلى فاء الفعلين لا إلى فاء مطلقة. نعم، لو عادت إلى فاء مطلقة لكان الكلام مستقيما، إلا أنه لم يفعل ذلك.
والثالث: أن هذا الإطلاق لم يقيد بقيد، فدل على دخول ما كان من هذه المصادر معتل اللام نحو: شية ودية، فاقتضى أنك تقول: وقى قية، ووهى هية، وونى نية، ووعى عية، ووحي حية، وما أشبه ذلك. وهذا مما ينظر فيه؛ إذ السماع في مثل هذا قليل يلحق بالمحفوظ.
والجواب عن الأول: أن هذه العبارة مفهومة المعنى وإن تجوز فيها، وإنما أراد أن ما كان على فعل فإنه تحذف فاؤه وتلزمه الهاء عوضا، فتقول في وعدة: عدة، فأتى بالمثال تنبيها على غاية العمل فيه، ولم يرد أن ما كان بهذه الغاية فحكمه كذا. فاتكل على فهم المراد من اللفظ. ومثل هذا الكلام مما يجري على ألسنة النحويين كثيرا وإن كان المعنى غير مطابق لحقيقة تنزيل اللفظ، وقد قال المازني في نحو من هذا في المسألة نفسها: "واعلم أن المصدر إذا كان على فعلة فالهاء لازمه". قال ابن جني: "لو قال مكان هذا: واعلم أن المصدر إذا كان على ثلاثة أحرف وفاؤه مكسورة وعينه ساكنه فالهاء لازمة له، لكان أحسن في العبارة". قال: "ولكنه تسامح في اللفظ، وهو من عادة أهل علم العربية، ولهم أشياء كثيرة تحمل على المسامحة، ولكنهم يفعلون هذا لأن أغراضهم مفهومة". قال: "ونظير هذا الذي قاله أبو عثمان في التجوز (قولهم): وكل اسم على فعلول فهو مضموم الأول. ونحن نعلم أنه لا يكون على فعلول إلا وأوله مضموم، لأنا قد لفظنا بالضمة في أول فعلول، والعبارة
стр. 5388
المستقيمة في هذا الموضع أن يقال: كل اسم على خمسة أحرف وعينه ساكنة، ولامه مضمومة، وبعدها واو، وبعد الواو لام، أخرى- ففاؤه مضمومة. وهذا المعنى يريدون، ولكنهم يحتصرون". هذا ما قال، وهو مثل ما ذكره الناظم في المسألة حين قصد الاختصار، وكان وجه العبارة ما ذكره في التسهيل، فإذا هذه الطريقة ليست ببدع في النحويين فدخل بهذا الاختصار في سوادهم.
والجواب عن الثاني من وجهين:
أحدهما: أن الإشارة لا تقول إنها للحذف المذكور أولا أو ما دل عليه، بل هي إشارة لما في عدة من العمل، كأنه قال: وفي نحو عدة اطرد هذا العمل الذي تراه، وهو حذف الفاء المكسورة ونقل حركتها إلى ما بعدها، وهو العين، وتعويض الهاء آخرا منها: وترك التنبيه على أصل عدة اتكالا على الشيخ، أو على فها لشادي الفطن؛ إذ هو بالنسبة إلى فهمه قريب.
والثاني: إذا سلمنا أن الإشارة إلى الحذف المفهوم من "أحذف"، فلا يلزم ما قيل، لأن الكلام محمول على معناه، وتقديره/: احذف الفاء في الفعل المضارع والأمر، وهو في المصدر أيضا مطرد. فإنما أضيفت الفاء إلى المضارع والأمر من حيث كونهما محلا للفاء لا من حيث التخصيص المنحتم عليها. ولذلك أظهر ما قصد في المصدر حيث قال: وفي عدة،
стр. 5389
فأتى بفي، أي: احذف في هذا وفي هذا، وهذا ظاهر أيضا، ولكن الوجه الأول أولى، لأن فيه تنبيها على التعويض في الهاء، وهذا الوجه الثاني لا يدل على ذلك، فكان ينقصه التنبيه على معنى متأكد.
والجواب عن الثالث: أن عدم استثنائه المعتل اللام موافق لغيره، إذ لم يستثنه غيره، مع أنهم قد قالوا: وداه دية، ووشى الثوب شية. فكذلك نقول في كل مصدر منه أتى على فعل ولا نبالي.
وحذف همز أفعل استمر في ... مضارع وبنيتي متصف
يعني أن حذف همزة أفعل مطرد إذا بني منه الفعل المضارع والبناءان اللذان للوصف، وهما: مفعل للفاعل، ومفعل للمفعول. وأطلق عليهما لفظ المتصف لأن كل واحد منهما متصف بمعنى ما اشتق منه، مثال ذلك: أكرم، وأخرج، وأعرض، تقول في المضارع منهما: يكرم ويكرم، ويخرج ويخرج، ويعرض ويعرض عنه. فالمضارع شامل لما بني للفاعل أو المفعول. وتقول في وصف الفاعل منهما: مكرم ومخرج (ومعرض. وفي وصف المفعول: مكرم ومخرج) ومعرض عنه. وإنما قال: "وبنيتي متصف"، فثنى ولم يقل: وبنية متصف، وكان للقائل أن يقول: إنه يجزئه ذلك، لأن الفاعل متصف بأنه فعل، والمفعول متصف بأنه فعل به- رفعا للإشكال العارض في ذلك، فإنه لو قال: وبنية متصف، لكان ظاهرا في اسم الفاعل خاصة لأنك إذا أطلقت لفظ
стр. 5390
المتصف فهو حقيقة فيمن قام به الوصف، فمكرم يقال فيه: متصف بالإكرام، ولا يقال في مكرم: إنه متصف بالإكرام إلا مجازا، وهو لا يفهم إلا بقرينة، شأن (سائر) المجازات. فلما كان قصده أن يشمل الأمرين معا لم يكن بد من التنبيه على ذلك، فنبه عليه بالتثنية، فلما قال ذلك علم أنه يريد مع اسم الفاعل آمرا أخر، وذلك لا يكون إلا اسم المفعول، إذ يطلق على مكرم: إنه متصف بالإكرام، بمعنى أنه ذو إكرام، أي: محل الإكرام. ومن هذه الجهة ساغ أن تبنى له صيغة المفعول من المصدر، وقد دعاهم تخيل هذا المعنى وهذه الملابسة إلى أن بنوا له بنية الفاعل نحو: عيشة راضية، ونهاره صائم، وليله قائم، أي: مصوم فيه (ومقوم فيه). هذا معناه، لكنهم راعوا فيه مجرد النسبة والإضافة، إذ كان في التقدير ذا كذا. فإذا معنى قوله: "متصف"، أي: ذي وصف، ليشمل الأمرين معا. ولا يخلو مع هذا من مجاز في العبارة، لأن إطلاق المتصف وذي الوصف حقيقة إنما يكون في الفاعل، وهو في المفعول مجاز، فهو من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
стр. 5391
ولم يذكر هنا فعل الأمر، لأنه كالماضي لا تحذف همزته، بل تقول: أكرم وأخرج وأعرض، قال:
أرد من الأمور ما ينبغي ... وما تطيقه وما يستقيم
وكان الأصل: أكرم يؤكرم فهو مؤكرم ومؤكرم، لكنهم حذفوا الهمزة من المضارع لما (كان) يؤدى إثباتها إلى اجتماع الهمزتين إذا قلت: أأكرم أنا، فحذفوها لذلك، ثم حملوا سائر الزوائد في أوله على الهمزة، وإن لم يكن معها موجب للحذف، فقالوا: يكرم ونكرم وتكرم، قصدا للمماثلة بين أصناف التصرفات في المضارع، لئلا يختلف الباب، كما فعلوا حين حذفوا الواو من نعد وتعد وأعد حملا على يعد الذي فيه الموجب، وقد تقدم، ولهذا نظائر، ثم حملوا الصفتين على المضارع لجريانهما عليه فقالوا مكرم ومكرم، وما أشبه ذلك. وقد شذ من هذا شيء فجاء على الأصل، قال الراجز:
فإنه أهل لإن يؤكرما
стр. 5392
وقالت ليلى الأخيلية:
تدلت على حص ظماء كأنها ... كرات غلام في كساء مؤرنب
أي: متخذ من جلود الأرانب. وأنشد سيبويه لخطام المجاشعي:
وصاليات ككما يؤثفين
وهو محتمل أن يكون من ثفيت القدر، فيكون من هذا الشذوذ. وأن يكون من تأنف، كقول النابغة:
وإن تأثفك الأعداء بالرفد
وهو إذ ذاك على القياس، لأن الناظم قال: "وحذف همز أفعل"، فعين أن هذا الحكم إنما هو في الهمزة الزائدة لا في الأصلية. وإذا قلنا: إن يؤثفين من تأثف فالهمزة أصلية لا زائدة، والأصلية لا تحذف، فتقول في السعة: يؤثفين، كما تقول: يسلقين، لأن وزنه: يفعلين. وقالوا أيضا: هذا أديم مؤرطى، فهو يحتمل الشذوذ بجعله على لغة من يقول: أديم مرطى، إذ الهمزة عند هؤلاء زائدة، من أرطيت الأديم: إذا دبغته بالأرطى. ويحتمل الجريان على القياس بجعله على لغة من قال: أديم مأروط وهي الشهري، لأن الهمزة أصلية،
стр. 5393
فمؤرطى مفعلى كمسلقى، ووزنه على الأولى مؤفعل وعلى هذا لو بنيت مثل وحرج من الأخذ لقلت: أخذذ، فإن رددته إلى المضارع فقياسه على هذا يؤخذذ، بإثبات الهمزة، ولا يجوز: يخذذ- بحذف الهمزة- كما لو كنت قائلا: يكرم، لأن الفعل ملحق بدحرج فالهمزة أصلية في مقابلة الدال من دحرج. فكما تقول: أدحرج، كذلك تقول: أوخذذ، إلا أنك تبدل الهمزة واوا لاجتماع الهمزتين ولا تحذف، فكذلك في سائر التصرفات.
إلا أن قول الناظم: "في مضارع وبنيتي متصف"، قاصر عن استيفاء مواضع الحذف، فإن اسم المصدر، واسم الزمان والمكان، حكمها حكم اسم الفاعل والمفعول، ولم يذكر ذلك، فأوهم فيها حكم الإثبات، كما ثبت في الأمر تحقيقا؛ إذ لم يذكره في جملة ما تحذف منه الهمزة فكان من الواجب أن ينبه على ذلك.
والجواب: أن ذلك قد دخل له تحت بينتي المتصف، لأن المفعول يطلق ويراد به جميع المفعولات الخمسة: المفعول به، وفيه، وله، والمطلق، فقد تقول: هذا المكان مكرم فيه، وهذا الزمان مخرج فيه، ويقال: ضربك مضروب، . كما يقال: شعرك شاعر. فدخل سائر المفعولات تحت بنية المفعول، لأن كل واحد منها ذو كذا، كما كان المفعول به كذلك. وعبارته هنا تسع هذا التأويل وكذلك عبارته في التسهيل، فإنه لم ينص فيها على المفعول به بخصوصه فيخرج له ما عداه، بل قال: "ومما اطرد حذفه همزة أفعل من مضارعه، واسمى فاعله ومفعوله". فأطلق لفظ المفعول، فدخل له جميع المفعولات على ذلك التفسير.
стр. 5394
وقوله: "استمر"، معناه المراد: اطرد، أي: اطرد هذا الحذف في هذه المواضع المذكورة. ومعناه في اللغة: الذهاب، مر الرجل يمر مرا ومرورا، واستمر، أي: ذهب. كأن هذا الحذف يذهب في أفراد الباب فلا يقف دون شيء منها، وهو معنى الاطراد. ويقال: استمر مريره، أي: استحكم عزمه. وهو من ذلك، لأنه يمر فيما عزم عليه لا يقف ولا ينثني. وقالوا: لتجدن فلانا ألوى بعيد المستمر- بفتح الميم الثانية- أي: إنه قوي في الخصومة لا يسأم المراس. وأنشد أبو عبيدة:
وجدتني ألوي بعيد المستمر ... أحمل ما حملت من خير وشر
***
ظلت وظلت في ظللت استعملا ... وقرن في اقررن وقرن نقلا
استعملا، ألفه للتثنية، أي: استعمل هذان الوجهان، يريد أن ما كان نحو ظللت وعلى صفته حذفت منه عين الكلمة، وكان فيه بعد ذلك وجهان:
أحدهما: أن تحذفها بحركتها ولا تنقلها إلى ما قبلها، فتقول في ظللت: ظلت. ومنه قوله تعالى: ﴿فظلتم تفكهون﴾.
стр. 5395
والثاني: ألا تحذفها، ولكن تنقلها إلى الفاء فتغلب على حركتها، لأن الحكم للطارئ، فتقول: ظلت، بكسر الظاء، ومنه قراءة أبي حيوة: (فظلتم تفكهون) وكذلك قرأ عبد الله إلا أنه قرأ: (فظلتم تفكنون)، النون مكان الهاء.
وكذلك تقول في مسست: مست ومست.
ووجه هذا أن ظلت ومست ونحوهما أصله: ظلل ومسس، فأعلوه بالإدغام فصار: ظل ومس، فأشبه قام وباع، لسكون العين فيهما، فإذا اتصل بالفعل المعتل ما يوجب تسكين لامه حذفوا حرف العلة لالتقاء الساكنين، فقالوا: قمت وبعت، فشبهوا ظل بقام، فلما اتصل به ما سكن آخره لأجله اجتمع ساكنان، فحذفوا اللام الأولى لالتقاء الساكنين، ولم يحذفوا الأخيرة كما لم يحذفوا الثاني في قام. وأيضا الأولى قد كانت اعتلت بالسكون فضعفت، فمان إعلالها بالحذف أولى.
وعلى طريقة السيرافي كان الأصل ظللت، فكرهوا اجتماع المثلين ولم يمكنهم الإدغام فيحركوا ما لا يتحرك وهو ما قبل الضمير، فحذفوا الأول ولم يحذفوا الآخر، لأنهم لو حذفوه لاحتاجوا إلى تسكين الأول فيزيدوه تغييرا، فكان حذف الأول أولى.
فأما من ترك الفاء على الفتح ولم ينقل إليها فشبهها بلست، لما جاء على غير الأصل تركه على حاله، كما تركت فتحة ليس على حالها لما كانت مخالفة
следующие страницы →