← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

ولم يذكر هنا فعل الأمر، لأنه كالماضي لا تحذف همزته، بل تقول: أكرم وأخرج وأعرض، قال: أرد من الأمور ما ينبغي ... وما تطيقه وما يستقيم وكان الأصل: أكرم يؤكرم فهو مؤكرم ومؤكرم، لكنهم حذفوا الهمزة من المضارع لما (كان) يؤدى إثباتها إلى اجتماع الهمزتين إذا قلت: أأكرم أنا، فحذفوها لذلك، ثم حملوا سائر الزوائد في أوله على الهمزة، وإن لم يكن معها موجب للحذف، فقالوا: يكرم ونكرم وتكرم، قصدا للمماثلة بين أصناف التصرفات في المضارع، لئلا يختلف الباب، كما فعلوا حين حذفوا الواو من نعد وتعد وأعد حملا على يعد الذي فيه الموجب، وقد تقدم، ولهذا نظائر، ثم حملوا الصفتين على المضارع لجريانهما عليه فقالوا مكرم ومكرم، وما أشبه ذلك. وقد شذ من هذا شيء فجاء على الأصل، قال الراجز: فإنه أهل لإن يؤكرما

стр. 5392

وقالت ليلى الأخيلية: تدلت على حص ظماء كأنها ... كرات غلام في كساء مؤرنب أي: متخذ من جلود الأرانب. وأنشد سيبويه لخطام المجاشعي: وصاليات ككما يؤثفين وهو محتمل أن يكون من ثفيت القدر، فيكون من هذا الشذوذ. وأن يكون من تأنف، كقول النابغة: وإن تأثفك الأعداء بالرفد وهو إذ ذاك على القياس، لأن الناظم قال: "وحذف همز أفعل"، فعين أن هذا الحكم إنما هو في الهمزة الزائدة لا في الأصلية. وإذا قلنا: إن يؤثفين من تأثف فالهمزة أصلية لا زائدة، والأصلية لا تحذف، فتقول في السعة: يؤثفين، كما تقول: يسلقين، لأن وزنه: يفعلين. وقالوا أيضا: هذا أديم مؤرطى، فهو يحتمل الشذوذ بجعله على لغة من يقول: أديم مرطى، إذ الهمزة عند هؤلاء زائدة، من أرطيت الأديم: إذا دبغته بالأرطى. ويحتمل الجريان على القياس بجعله على لغة من قال: أديم مأروط وهي الشهري، لأن الهمزة أصلية،

стр. 5393

فمؤرطى مفعلى كمسلقى، ووزنه على الأولى مؤفعل وعلى هذا لو بنيت مثل وحرج من الأخذ لقلت: أخذذ، فإن رددته إلى المضارع فقياسه على هذا يؤخذذ، بإثبات الهمزة، ولا يجوز: يخذذ- بحذف الهمزة- كما لو كنت قائلا: يكرم، لأن الفعل ملحق بدحرج فالهمزة أصلية في مقابلة الدال من دحرج. فكما تقول: أدحرج، كذلك تقول: أوخذذ، إلا أنك تبدل الهمزة واوا لاجتماع الهمزتين ولا تحذف، فكذلك في سائر التصرفات. إلا أن قول الناظم: "في مضارع وبنيتي متصف"، قاصر عن استيفاء مواضع الحذف، فإن اسم المصدر، واسم الزمان والمكان، حكمها حكم اسم الفاعل والمفعول، ولم يذكر ذلك، فأوهم فيها حكم الإثبات، كما ثبت في الأمر تحقيقا؛ إذ لم يذكره في جملة ما تحذف منه الهمزة فكان من الواجب أن ينبه على ذلك. والجواب: أن ذلك قد دخل له تحت بينتي المتصف، لأن المفعول يطلق ويراد به جميع المفعولات الخمسة: المفعول به، وفيه، وله، والمطلق، فقد تقول: هذا المكان مكرم فيه، وهذا الزمان مخرج فيه، ويقال: ضربك مضروب، . كما يقال: شعرك شاعر. فدخل سائر المفعولات تحت بنية المفعول، لأن كل واحد منها ذو كذا، كما كان المفعول به كذلك. وعبارته هنا تسع هذا التأويل وكذلك عبارته في التسهيل، فإنه لم ينص فيها على المفعول به بخصوصه فيخرج له ما عداه، بل قال: "ومما اطرد حذفه همزة أفعل من مضارعه، واسمى فاعله ومفعوله". فأطلق لفظ المفعول، فدخل له جميع المفعولات على ذلك التفسير.

стр. 5394

وقوله: "استمر"، معناه المراد: اطرد، أي: اطرد هذا الحذف في هذه المواضع المذكورة. ومعناه في اللغة: الذهاب، مر الرجل يمر مرا ومرورا، واستمر، أي: ذهب. كأن هذا الحذف يذهب في أفراد الباب فلا يقف دون شيء منها، وهو معنى الاطراد. ويقال: استمر مريره، أي: استحكم عزمه. وهو من ذلك، لأنه يمر فيما عزم عليه لا يقف ولا ينثني. وقالوا: لتجدن فلانا ألوى بعيد المستمر- بفتح الميم الثانية- أي: إنه قوي في الخصومة لا يسأم المراس. وأنشد أبو عبيدة: وجدتني ألوي بعيد المستمر ... أحمل ما حملت من خير وشر *** ظلت وظلت في ظللت استعملا ... وقرن في اقررن وقرن نقلا استعملا، ألفه للتثنية، أي: استعمل هذان الوجهان، يريد أن ما كان نحو ظللت وعلى صفته حذفت منه عين الكلمة، وكان فيه بعد ذلك وجهان: أحدهما: أن تحذفها بحركتها ولا تنقلها إلى ما قبلها، فتقول في ظللت: ظلت. ومنه قوله تعالى: ﴿فظلتم تفكهون﴾.

стр. 5395

والثاني: ألا تحذفها، ولكن تنقلها إلى الفاء فتغلب على حركتها، لأن الحكم للطارئ، فتقول: ظلت، بكسر الظاء، ومنه قراءة أبي حيوة: (فظلتم تفكهون) وكذلك قرأ عبد الله إلا أنه قرأ: (فظلتم تفكنون)، النون مكان الهاء. وكذلك تقول في مسست: مست ومست. ووجه هذا أن ظلت ومست ونحوهما أصله: ظلل ومسس، فأعلوه بالإدغام فصار: ظل ومس، فأشبه قام وباع، لسكون العين فيهما، فإذا اتصل بالفعل المعتل ما يوجب تسكين لامه حذفوا حرف العلة لالتقاء الساكنين، فقالوا: قمت وبعت، فشبهوا ظل بقام، فلما اتصل به ما سكن آخره لأجله اجتمع ساكنان، فحذفوا اللام الأولى لالتقاء الساكنين، ولم يحذفوا الأخيرة كما لم يحذفوا الثاني في قام. وأيضا الأولى قد كانت اعتلت بالسكون فضعفت، فمان إعلالها بالحذف أولى. وعلى طريقة السيرافي كان الأصل ظللت، فكرهوا اجتماع المثلين ولم يمكنهم الإدغام فيحركوا ما لا يتحرك وهو ما قبل الضمير، فحذفوا الأول ولم يحذفوا الآخر، لأنهم لو حذفوه لاحتاجوا إلى تسكين الأول فيزيدوه تغييرا، فكان حذف الأول أولى. فأما من ترك الفاء على الفتح ولم ينقل إليها فشبهها بلست، لما جاء على غير الأصل تركه على حاله، كما تركت فتحة ليس على حالها لما كانت مخالفة

стр. 5396

للأفعال المعلة في اعتلالها وفي تصرفها. ومن كسر الفاء فنقل حركة العين إليها فشبهها بخفت، فأجراها على قياس الأفعال المتصرفة. واعلم أن تمثيله أحرز شروطا معتبرة، وهي ستة أحدها: كونه فعلا، تحرزا من الاسم، فإنك إن فرضت اسما على فعل لم يقع فيه هذا الإعلال لما سيذكر من العلة. والثاني: كونه مضاعفا، تحرزا من غير المضاعف، فإن هذا الحكم لا يجري فيه لا مطردا ولا شاذا، فلا تقول في خرجت: خجت، ولا في أعرضت: أعضت. ولا نحو ذلك. وأما المعتل العين فحذف عينه عند إسناده إلى الضمير البارز من باب التقاء الساكنين لا من باب الإعلال التصريفي كما سيأتي بحول الله. والثالث: كون المحذوف مكسورا؛ إذ مثل بظللت، وهو كذلك، تحرزا من ضمه أو فتحه، فإن كان مفتوحا قلت: مررت، وفررت، وصببت. ولا تقول: مرت، ولا فرت، ولا: صبت. قال تعالى: ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾، وقال: ﴿قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين﴾، مع أنه قال: (فظلتم تفكهون) وكذلك إذا انضم نحو: لببت وحببت، فلا تقول فيه: لبت ولا لبت، ولا ما كان نحو ذلك. وقد شذ في المفتوح قولهم: ظنت في ظننت.

стр. 5397

والرابع: كونه مبنيا للفاعل، فإن كان مبنيا للمفعول لم يجز فيه ذلك الحكم بمقتضى المفهوم، فتقول: مسست، وظننت (كذا)، ولا تقول: مست، ولا: ظنت، ولا: مست، ولا: ظنت. والخامس: أن يكون الفعل متصلا بما يسكن له آخره من ضمائر الرفع البارزة، ودل على ذلك إتيانه بالضمير، فتقول على هذا: ظلت أنا، وظلنا نحن، وظلت أنت، وظلت أنت، و (كذلك): ظلنا، وظلتم، وظلتن، والهندات ظلن فهذه مواضع ثمانية يستتب فيها هذا الحكم. وحيث فسر ما أراد باتصال الضمير بما يسكن له آخر الفعل دخل له كون النون ضميرا كما تقدم، أو علامة نحو: ظلن الهندات، في لغة: "يتعاقبون فيكم ملائكة". ووجه هذا أنهم حين نقلوا الحركة إلى الفاء فسكنت العين لم تكن لتثبت واللام ساكنة في موضع لا تتحرك فيه البتة، كما أنها لم تكن لتثبت في قمت، بخلاف ما إذا لم يلحقه ضمير ولا ما يسكن الآخر لأجله فإن اللام تتحرك فتثبت العين وإن سكنت. والسادس: أن يكون ماضيا لا أمرا ولا مضارعا، فإنه إن كان كذلك لم يستعمل فيه الحذف استعمالا يعتد بمثله، فإن جاء فهو نادر، ولذلك أخرج الأمر

стр. 5398

بخصوصه فقال: "وقرن في اقررن نقلا"، أي: هو في حيز الموقوف على النقل، ولذلك لما حكى في التسهيل أن بني سليم يحذفون في الماضي قال في غيره: "وربما فعل ذلك بالأمر والمضارع". فالنوعان عنده ليسا على حد واحد في الحكم. وهذا على خلاف ما يظهر من النحويين، إذ هم يأتون ببعضها دليلا على البعض، فلا فرق عندهم بين الماضي في الحذف والمضارع (والأمر)، وهو ظاهر، إلا فما الفرق بينهما؟ وما يلزم في أحدهما لازم في الآخر، وبعيد أن يكون بنو سليم الذين نقل عنهم الحذف خصوه بالماضي وحده ولم يحذفوا في غيره، مع أن العلة التي لأجلها وقع الحذف موجودة في الجميع: فكما تقول: يقمن، فتحذف للساكنين، كذلك تقول: يقرن في يقررن، كما كنت قائلا في الماضي: قمن، وحملت عليه: ظلن. فأتا الآن لا أعرف للتفرقة التي ارتكبها المؤلف وجها إلا ما زعم من الندور، فانظر فيه. ثم في كلامه مسائل: إحداها: أن الجمهور- سيبويه وغيره- يرون أن قولهم: ظلت ومست من باب الشاذ الموقوف على السماع، ويقل جدل أن ترى واحدا يشير في هذا النحو إلى قياس، بل هم في ذلك بين أن ينصوا على شذوذه لسيبويه، كقوله: "وليس هذا النحو إلا شاذا كقوله في موضع آخر: ومن الشاذ قولهم كذا وبين ألا ينصوا على الشذوذ لكن لا يأتون إلا بهذه الألفاظ الثلاثة وهي: أحست، وظلت، ومست. وظاهر هذا أيضا عدم القياس. ونقل ابن الضائع عن

стр. 5399

شيخه الشلوبين أن هذه الألفاظ شاذة لكنها مطردة عنده في أمثالها من الأفعال. قال: وتأخذ ذلك من قول سيبويه فيما شذ من المضاعف: "وذلك قولهم: أحست، يريدون: أحسست، وأحسن، يريدون: أحسسن" قال: "وكذلك تفعل به في كل بناء تبنى اللام من الفعل فيه على السكون ولا تصل إليها الحركة". فزعم أن هذا من كلامه يدل على أنه مطرد. قال ابن الضائع: فقلت له: من كلامه ما يدل عل خلاف ذلك وهو قوله في ذلك الباب: "ولا نعلم شيئا من المضاعف شذ إلا هذه الأحرف". (فقال: إنما يعني إلا هذه الأحرف) وما كان مثلها من المضاعف. قال ابن الضائع: هذا فاسد، لأنه إذا كان كذلك فالمضاعف كله شاذ. قال: وإنما ينبغي أن يحمل كلامه أولا على أحست، أي: كل ما يبنى من هذا على أن اللام لا تصل إليها الحركة يحذف فيقال: أحست، وأحسنا، وأحست، وأحست، (وأحستما)، وكذلك في الأمر، فهذا أظهر. فقوله: "تفعل به" لا يعود الضمير على المضاعف بل على أحست، ولا يتناقض الموضعان. قال: وهو حسن. هذا ما ذكر ابن الضائع من الخلاف في القياس في المسألة، ولا مرية أن مستند الشلوبين فيما ذهب إليه لا يظهر، فإن كلام سيبويه أظهر فيما قاله ابن الضائع، فلا ينبغي أن تجعل هذا مستندا للناظم، وإنما مستنده في الجواز ما نقل في التسهيل من أنها لغة، فهذا أقرب في الاستناد إن ثبت أنها لغة كما زعم، وأنهم يشترطون في الحذف ما اشترطه هنا من كون الفعل ماضا وما أشبه ذلك مما تقدم. والله أعلم. والثانية: أن الناس قد ضموا إلى هذه المسألة ما كان على أفعل، وهو: أحسس، وأحسست. والناظم ليس في كلامه ما يشعر بذلك، وإنما يدل تمثيله

стр. 5400

وكلامه عل الفعل الثلاثي الذي على فعل، فيحتمل أن يكون مثل هذا عنده مما لا يدخله القياس لتخلف شرط كونه ثلاثيا، وهذا لا يمشي على ما نقل في التسهيل حيث لم يشترط هذا الشرط، بل قال: "ويجوز في لغة سليم حذف عين الفعل الماضي (المضاعف) المتصل بتاء الضمير أو نونه". والحكم كذلك عند غيره، فيدخل له أحسست، وأحسسن، فتقول فيه: أحست، وأحسن وأحسنا، وأحست وأحست وأحستما، وأحستم، وأحستن. والعلة في الجميع واحدة، وقد تقدمت، قال أبو زبيد الطائي: سوى أن العتاق من المطايا ... أحسن به فهن إليه شوس وعادة الناظم أن يشير إلى القيود والشروط بالأمثلة اكتفاء (بها) عن التنصيص عليها قصدا/ للاختصار، ولاشك أنها قد تحرزها في بعض المواطن وتتخلف في بعضها، إذ لا يخلو كثير من المثل من زيادة أوصاف لا تكون مقصودة كهذا المثال، فقد ينازع الناظر في عدم قصده إلى اشتراط الثلاثية في هذا الموضع لظهوره في تمثيله بظللت، كما أنه لو مثل بأحسست لظهر أنه قصد الرباعي دون الثلاثي، وهذا أمر لازم في طريقته في الاجتزاء بالتمثل. والثالثة: أن هذا الحذف الذي إنما هو للعين لا لغيرها، ودل على ذلك كلامه، لأنه قال: "ظلت وظلت في ظللت استعملا"؛ إذ الظاهر أن

стр. 5401

اللام كانت ساكنة قبل الحذف فكذلك بقيت بعده، وأيضا فنقل الكسرة إلى الفاء دليل أن المحذوف من المضاعفين هو المكسور، وهو العين، وهذا ظاهر. والرابعة: أن الناظم لم يبين هنا كون الحذف حصل بعد تغيير، وإنما أشعر بمجرد الحذف فقط، فالأولى حمل كلامه على أن الحذف مسلط على الحرف المضاعف، وهو على أصله لم يبدل إلى غيره، وهو الظاهر من كلام سيبويه وغيره. ومن النحويين من يزعم أن العين أبدلت قبل الحذف حرف علة كما فعل بقيراط ودينار، ثم حذفت بعد ذلك، على حد ما حذفت عين قمت وبعت لالتقاء الساكنين. وهذا الثاني ذهب إليه الفارسي (في الحجة) في قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾، على أنه من القرار. والأظهر الحذف من غير إبدال كما أشار إليه الناظم. وقد اعترض على الفارسي هذا المذهب بأنهم قد قالوا: ظلت ومست، بفتح فاء الفعل، من غير نقل الحركة إليها، ولو كان قد دخل في باب بعت لم يكن بد من نقل الحركة فيقال: ظلت، ومست، البتة، من غير إجازة لغيره، كما لم يجز في بعت إلا النقل، لكنهم لم يوجبوا ذلك، فدل على أنه لم يدخل في باب بعت، بل حذف المضاعف ابتداء من غير إبدال. وقد أجيب عن هذا بوجهين، (أحدهما): أن للفارسي أن يقول: (هذا) ليس من باب بعت حقيقة، وإنما هو لاحق به بالتشبيه، وقد تقرر أن المشبه لا يقوى قوة المشبه به؛ ألا ترى أن الإعلال طارئ عليه وليس بأصل فيه، فلا يلزم

стр. 5402

أن يساوي حروف العلة الأصلية في الحكم، فأجازوا فيه ترك النقل على مخالفة حروف العلة الأصلية، ليكون ذلك إشعارا بأنه ليس منها بحكم الأصل. وهذا الجواب ضعيف، فإن حروف العلة وإن كانت بدلا من غيرها محكوم لها بحكم ما أبدلت إليه كتظنيت وقصيت أظفاري ونحوهما؛ إذ لا يقال فيمن هذه سبيله: يحكم لها بحكم حروف العلة في بعض المواضع دون بعض، بل الحكم مطلق فيها كذلك ما لم يظهر المبدل منه لزوال علة الإبدال. والثاني: أن يكون هذا القول مقتصرا به على محل النقل حيث اطرد حكم حروف العلة وجرى على سننها وطريقها، وأما حيث لا نقل فيكون القول في ذلك أن العين حذفت بحالها من غير قلب، ويرتفع الخلاف فيها. وقد يظهر هذا من الفارسي إذ لم يتكلم في "الحجة" إلا في محل النقل، ولم يعرض لما لا نقل فيه. وهذا الجواب/ أقرب من الأول إلا أنه محتاج إلى تحرير هذا النقل، وأن صاحب هذا القول يفصل هذا التفصيل، ومع هذا فإنه على خلاف الظاهر، ودعوى لا دلالة عليها إلا مجرد التأنيس بمجيء تظنيت وأملاه بمعنى تظننت وأمله. وهذا لا ينهض أن يكون مقاوما لما ظهر؛ إذ القاعدة الحمل على الظاهر والوقوف معه حتى يدل دليل على خلافه وإن أمكن فلا ينبغي أن يصار إليه بمجرد الإمكان من غير دليل. والله أعلم.

стр. 5403

والخامسة، وهي مبنية على ما قبلها أن يقال: إذا قلنا بقول الفارسي فالإعلال حاصل- أعني التصريفي- بالإبدال، ثم جاء الحذف بعد ذلك لالتقاء الساكنين، فليس لباب التصريف هنا عمل إلا مجرد الإبدال، وأما الحذف فلا، كما أن حذف العين من قمت لا يعد من هذا الباب ولا يعتد به إعلالا تصريفيا، وإلا فكان يجب أن يذكر في هذا الفصل كل ما كان من الحذف لالتقاء الساكنين، ولم يفعلوا ذلك. وأما إذا قلنا بالقول الآخر، وهو الحذف ابتداء فعلى (هذا) يكون من باب التصريف، ومن أجل ذلك ذكره الناظم هنا، وظهر بذلك اعتماده على مذهب الجمهور. إلا أن لقائل أن يقول: قد تقدم في تعليل هذا الحذف أنه لالتقاء الساكنين، وذلك أن ظل لما صار بالإدغام كقام، إذ كان أصله ظلل، فكرهوا إظهار التضعيف، فسكنوا وأدغموا، فلما لحق الضمير لم يكن بد من تسكين اللام الثانية أيضا، فاجتمع ساكنان، فحذفوا الأول منهما لالتقاء الساكنين. وإذا كان كذلك فليس من هذا الباب، وإنما الحذف من باب آخر، فكيف ذكر هنا، وذلك أن الحذف لالتقاء الساكنين إنما هو عارض لموجب حاضر يزول بزوال موجبه، فهو عندهم كأنه لم يحذف، ولذلك لم يذكروا في باب التصريف الحذف لالتقاء الساكنين، وأفردوه على حدة، فلم يقم- مثلا- أصله: لم يقوم، فحذفت الواو. ولم يذكر ذلك الناظم لأنه ليس من هذا الباب، لأن هذا بصدد أن يزول إذا حركت اللام، فكذلك ظلت بصدد أن تتحرك

стр. 5404

اللام فترجع العين (فتقول): ظلوا يفعلون، وظل زيد يفعل، كما تقول: لم تقومن، ولا تقومن، وتقوم، ونحو ذلك. فليس بينهما في هذا الحكم فرق، فكيف يجعل الناظم هذا الحذف من هذا الباب، ولم يجعله من التقاء الساكنين؟ والجواب: أن الحذف لالتقاء الساكنين لا يكون إلا في حروف العلة أصلية كانت أو زائدة، ولا تجد حرفا صحيحا يحذف لالتقاء الساكنين إلا ما هو شاذ لا معول عليه، والتنوين: وإن حذف للساكنين فليس حذفه بالقوي، بل الشهير والمعروف حذف حرف اللين الأصلي والزائد لأجله، ومع ذلك فلشبهه بحروف اللين ومشاركته لها بالغنة التي في النون حذفت. ولذلك حذفت نون "لم يكن" تشبيها بلم يفز، وما عدا ذلك فلم يثبت فيه هذا. والوجه في ظللت تحريك اللام الأولى عند التقاء الساكنين وردها إلى أصلها من الكسر كما في اللغة المشهورة، لكن من قال: ظلت، استثقل ظهور التضعيف، فأراد الحذف/ فجعل الطريق إليه التشبيه بقام كما تقدم، لا أنه في الحقيقة اجتراء (على الحذف) لالتقاء الساكنين مجردا، إذ كان له مندوحة عنه، وهو التحريك. ولهذا جعل السيرافي الحذف في أحست من أحسست لا من أحس. فاستثقال التضعيف هو الموجب، والتشبيه بقام مرجح وسيبويه وإن اعتمد التشبيه فهو على التضعيف أيضا أشد اعتمادا، ألا ترى أنه

стр. 5405

في آخر الإدغام إنما علل به فقال: "ومن الشاذ قولهم: أحست، ومست، وظلت لما كثر في كلامهم كرهوا التضعيف، وكرهوا تحريك هذا الحرف الذي لا تصل إليه الحركة في فعلت وفعلن الذي هو غير مضاعف، فحذفوا، (كما حذفوا) التاء من قولهم: يستطيع، فقالوا: يسطيع" ... وأتم التعليل إلى آخره، فاعتمد الثقل في التضعيف هنا واقتصر عليه، وأشار إليه في الباب الآخر، وهو باب ما شذ من المضاعف، وأيضا إذا فرضنا أنه (اعتمد) على التشبيه في التعليل فليس من باب التقاء الساكنين، بل من الحذف التصريفي المشبه به، ولا يلزم من كونه مشبها به أن يكون من بابه بلا بد، بل حذفت العين حذفا لما أشبه المضاعف المعتل في باب التقاء الساكنين .. فظهر إذا أن الحذف هنا على طريقة الناظم تصريفي، وتبين وجهه. والسادسة: أن كلام الناظم هنا يحتمل وجهين: أحدهما أن يكون إنما قصد الكلام على هذا اللفظ بخصوصه، من حيث جاء سماعا، فلا يكون قائلا بالقياس في بابه، ويريد بقوله: استعمل، استعمال العرب، إذ لم يقل: ظلت ونحوه، ولاما يعطي معنى تعميم الحكم في أمثاله، كما قال قبيل هذا: "من كوعد"، "وفي كعدة"، فأدخل مع المثال ما أشبهه. والثاني: أن يكون أراده وما كان نحوه، فأتى بالمثال على جهة تمثيل الأصل: ويريد بقوله: استعمل، استعمال النحويين قياسا.

стр. 5406

فإن أراد الأول فهو مساعد لظاهر لفظه وموافق لجمهور النحويين حسب ما تقدم، إلا أنه يشاح من وجهين: أحدهما: أن السماع لم يأت بهذا اللفظ وحده، بل جاء منه ألفاظ أخر كقولهم: ظنت في ظننت، ومست في مسست، وأحست في أحسست، أو حست (في حسست) بل هي لغة ذكرها في التسهيل منقولة عن سليم، فكيف يقتصر على نقل لفظة واحدة، فيوهم اقتصاره عدم السماع في غيرها، وذلك غير صحيح؟ وقد يجاب عن هذا بأنه لم يقصد إلى نقل مجرد السماع فقط، فإن ذلك ليس من شأن النحوي من حيث هو نحوي، لاسيما في مثل هذا المختصر، وإنما قصده نقل ما كثر استعماله من هذا الباب، فذلك قال: "استعملا"، ولم يقل: شذا ولا ندرا، ولا نحو ذلك. ولفظ الاستعمال يعطي كثرة التداول والشياع على الألسنة، وقد جاء في القرآن الكريم كما مر، وترك ما عدا هذه اللفظة لأنه قليل في الاستعمال (إذا اعتبرته. فإن قيل: فما فائدة ذكره وهو موقوف على السماع؟ قيل: قد جرت له عادة بذكر الألفاظ الشهيرة الاستعمال) كما فعل في إذا في باب الوقف، وحذف ألف ما الاستفهامية ونحو ذلك.

стр. 5407

والثاني: أن القائل بالوقف على السماع في هذا وما أشبهه لا يقصره/ على مجرد ما ذكر الناظم من كونه متصلا بضمير الواحد، بل يستعمل عنده متصلا بجميع الضمائر التي يسكن لها آخر الفعل، فيقول: ظلت، وظلت، وظلتما، وظلتم، وظلتن. وكذلك لا يقتصر فيه أيضا على الماضي دون الأمر والمضارع، بل يقول: ظلن- يا هندات- قائمات لوجود العلة الموجبة للإعلال في الجميع: وقد مر هذا في الاشتراط. وإن أراد الوجه الثاني- وهو القياس- فليس ببعيد عن قصده، لأنه قد يمثل فقط ويريد ما كان نحوه، كما قال في باب الضمائر: "في كنته الخلف انتمى. كذاك خلتنيه"، فإنما يعني: في كنته وما أشبهه، كذاك خلتينه وبابه، لكنه على هذا المحمل مخالف لجمهور النحويين كما تقدم، فالأول أظهر من جهة اللفظ، والثاني أظهر من جهة القصد. وعلى هذا الثاني وقع الشرح المتقدم. ثم قال: "وقرن في اقررن وقرن نقلا". (ألف نقلا) ألف تثنية. يعني أن قرن- بكسر القاف- وقرن- بفتحها- نقلا معا، وأراد أنهما معا محذوفان من المضاعف، حذفت العين منهما؛ إذ كان الأصل في قرن: اقررن، كما قال، وذكر أن ذلك نقل لا قياس بخلاف الماضي فإنه فيه قياس كما ذكر. وقد مر ما في هذه التفرقة من النظر.

стр. 5408

وأشار بقرن وقرن إلى ما في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾، قرئ بكسر القاف وفتحها، والفتح لنافع وعاصم، والكسر لمن عداهما. ثم في كلامه هنا إشكال من وجهين: أحدهما: أن ظاهره أن قرن وقرن معا أصلهما اقررن، هذا الذي ذكره، وهو إما أن يكون ضبطه بكسر الراء الأولى- وهكذا ثبت في النسخ- أو بفتحها، أو بالضبطين، أما الضبطان فلا دليل عليها إذ لم ينبه على ذلك، وأما أحدهما فغير صحيح من جهة أن رجوعه لهما معا لا يصح، إذ مقتضاه أنهما معا من فعل واحد، وليس كذلك: أما قرن- بفتح القاف- فن قررت (في) المكان- بالكسر- أقر فيه (بالفتح) فالأصل: اقررن- بفتح الراء الأولى- وهي لغة حكاها البغداديون والكسائي والأخفش وأنكرها المازني إذ لم يحفظها، ثم حذفت العين بعد أن نقلت حركتها إلى القاف وحذفت همزة الوصل لتحرك ما بعدها؛ كما تقول: سل، في تخفيف، اسأل. وقد حمل أيضا على أنه من قررت به عينا أقر، وجرى فيه الإعلال المذكور. لكن ضعف هذا المحمل من جهة المعنى، إذ ليس المراد: لتقر أعينكن في بيوتكن.

стр. 5409

وأما قرن- بالكسر- فأجاز فيها الفارسي وجهين، أحدهما. أن يكون أصله اقررن، من قررت في المكان أقر، وهي اللغة الفاشية، ثم حذفت العين بعد نقل حركتها إلى الفاء كما تقدم، وهذا هو الذي يريده الناظم (بقوله): "وقرن في اقررن"، فقيده بكونه من اقررن، أي: على أنه من هذا لا من الوجه الثاني الذي حمله الفارسي قراءة الكسر، وهو أن يكون قرن أمرا من الوقار، من وقر يقر، وأصله: اوقرن، ثم صار بحذف فائه إلى قرن، فهو إذ ذاك من المسألة الأولى من هذا الفصل، كعدن من الوعد، وزن من الوزن. وعلى هذا الوجه لا يدخل له هنا، فلذلك تحرز بقوله: "في اقررن"، ولهذا/ السبب يتعين ضبط اقررن بكسر الراء، ويكون فيه تنبيه حسن واحتراز مليح، كأنه يقول: وقرن إذا قلنا إنه من اقررن لا إذا جعلناه من الوقار. إلا أنه يلزم من حيث عين اقررن بالكسر أن يكون أيضا معينا للوجه الآخر؛ إذ لم يذكر له غير ذلك، وذلك غير صحيح، لأن قرن- بالفتح- ليس أصله اقررن- بالكسر- وإنما أصله: اقررن بالفتح أيضا كما تقرر. فحصل أن هذا الكلام لا يستقيم تنزيله في الوجهين (على لغتين) كما ذكر الناس، وهو الذي لا يمكن غيره، وإنما يتنزل على واحدة، وذلك لا يصح.

стр. 5410

والوجه الثاني من الإشكال: أنه أثبت في النقل قرن من القرار ولابد، لقوله: "وقرن في اقررن وقرن نقلا"، أي: (إن) قرن من اقررن منقول من كلام العرب. وهذا ليس كذلك، لأن قرن إنما نقل في القرآن، وهو- كما رأيت- محتمل أن يكون أصله: اقررن- كما قال- أو يكون افعلن من الوقار، وأحد الوجهين لم يتعين بعد، فكيف يجعل قرن من القرار منقولا ثابتا، وليس كذلك، لأنه إنما يثبت إذا لم يحتمل غير ما ادعيت فيه، فلا يصح لك أن تقول في هذا إنه من القرار خاصة لا من الوقار؛ إذ لا دليل على ذلك، وإذا لم يدل عليه دليل لم يكن إذا جعلته من القرار بأولى من أن تجعله من الوقار، ولا تثبت اللغة بمثل هذا، ولا اعتماد على الاحتمال المجرد من غير دليل. والجواب عن الأول: أن اقررن لا يرجع إليهما معا بل إلى ما قبله وحده، وإنما أتى به احترازا- كما تقدم- من أن يكون من وقر يقر خاصة؛ إذا لو لم يكن هنالك ذلك الاحتمال لم يحتج إلى الإتيان به؛ إذ معلوم أنه يتكلم فيما حذفت عينه للتضعيف، فليس قوله: "في اقررن" إلا إخراجا للوجه الآخر. وأما قوله: "وقرن" فأطلقه علما بأنه من اقررن، إذ ليس فيه احتمال غير ذلك. وأيضا فحذفه لدلالة نظيره عليه، وتقدير الكلام: وقرن في اقررن وقرن في اقررن. وهذا ممكن، واتكل على أن ذلك مفهوم بأيسر النظر، فلم يحتج إلى التنصيص عليه. والجواب عن الثاني: أنه يمكن أن يكون سمع من ذلك شيئا لا يحتمل إلا الحمل على اقررن لا على غيره، وإنا يكون الاحتمال قائما في الآية دون غيرها، فلعله اطلع على ما يتعين فيه أحد الوجهين، والجمهور لم ينقلوا قرن

стр. 5411

وقرن إلا في الآية. ويحتمل أن يكون حمل الآية على هذا الوجه دون الإمكان الآخر لقيام الدليل عنده على ذلك، (وذلك) أن قراءة الفتح قد ثبت فيها معنى القرار على ما تقرر؛ إذ لا يسوغ حملها على المعنى الآخر الذي هو من قرت عينه، وإذا ثبت ذلك هنالك كان الذي ينبغي في قراءة الكسر الحمل على قراءة الفتح، لأن اتفاق القراءتين وتواردهما على معنى واحد أولى من حملهما على معنيين مختلفين. وهذا دليل يفيد هو وما كان مثله غلبة ظن، وغلبة الظن تكفي في إثبات اللغة، فلهذا حكم بأن قرن من اقررن، وبهذا ينهض جوابا في الموضع، وبالله التوفيق. وهنا انتهى ما قصد ذكره من التصريف، ثم أخذ في ذكر تكملته فقال:

стр. 5412

الإدغام /أول مثلين محركين في ... كلمة آدغم لا كمثل صفف وذلل وكلل ولبب ... ولا كجسس ولا كاخصص أبي ولا كهيلل، وشذ في ألل ... ونحوه فك بنقل فقبل معنى الإدغام في اللغة: الإدخال. يقال: أدغمت اللجام في فم الدابة: إذا ادخلته في فيها، ومنه: أدغم الطعام بمعنى ابتلعه، لأنه إدخال في الحلق، ومنه إدغام الحرف في الحرف، لأنه إدخال الأول في الثاني. قال السيرافي: سيبويه يقول: الإدغام افتعال، والكوفيون يقولون: (الإدغام) إفعال. قال: والأول أحب إلى لقوله: إذا [فزعوا] ادغمن في اللجم قال ابن الضائع: (يعني) لاستعماله. قال: "وقد حكى الزبيدي: أدغمت الفرس اللجام". انتهى، وحكى مثله الجوهري.

стр. 5413

ومعناه في اصطلاح النحويين: أن يلتقي حرفان من جنس واحد، فتسكن الأول منهما وتدغمه في الثاني، أي: تدخله فيه، فيصيرا احرفا واحدا مشددا. وذلك أن النطق بحرفين من جنس واحد مما يثقل على اللسان، لأنه يرتفع بأحد الحرفين، ثم يرتفع ارتفاعا ثانيا بعد استقرار الأول، فيصير في موضع واحد عملان من غير فصل بينهما، فيثقل ذلك على اللسان، ولذلك شبهه الخليل بمشي المقيد، لأنه كأنه يتحرك في موضع واحد. وهذا محسوس، بخلاف ما إذا عمل عملين في موضعين فليس فيه من الثقل ما في هذا. فأرادوا أن يرتفع اللسان بهما معا ارتفاعة واحدة، فلم يمكنهم ذلك إلا بأن يسكنوا الأول منهما، فأسكنوه، ثم أدغموه في الثاني، فصارا حرفا واحدا مشددا، فقالوا في فرر: فر، وفي ظلل: ظل، وفي سرر: سر، وفي أمدد: أمد، وما أشبه ذلك. واعلم أن الإدغام على قسمين: أحدهما: إدغام مثل في مثله، نحو ما تقدم من المثل. والثاني: إدغام مقارب في مقاربه نحو: بعدت، وعدان في عتدان، ونحو ذلك. وهذه القسمة بالنظر إلى الأصل، وإلا فلا إدغام إلا إدغام مثل في مثل. وهذا نظير قولهم: إن البدل ثلاثة أقسام: بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، وبدل بعض من كل، وبدل اشتمال. وبالحقيقة ليس إلا بدل شيء من

стр. 5414

شيء وهما لعين واحدة، فإذا قلت: أكلت الرغيف نصفه، فلا يخلو أن يراد بالرغيف النصف أو غيره، فإن أريد النصف فنصفه البدل بدل شيء من شيء وهما لعين واحدة، ولا يجوز أن يريد به أكثر من النصف، ولا أيضا أقل منه، لأنه يكون نصفه نقضا لذلك وتكذيبا، أو يرجع إلى بدل الغلط، وهو منفي عن الكلام الفصيح كما تقدم. وكذلك بدل الاشتمال، فليس تقسيمهم ذلك إلا بالنظر إلى الوضع الأصلي. فالتقسيم في البأبين صحيح بالنظر إلى الأصل، وأما الآن فلا يدغم المقارب في مقاربه إلا بعد إبداله حرفا من جنس المدغم فيه بلابد./ فأما إدغام المتقاربين فلم يتعرض إليه هنا، وذلك لأن الغالب فيه أن يكون جائزا لا لازما، وإذا كان جائزا فالتكلم بالأصل صحيح، فلم يكن المتكلم بالأصل لاحنا، فليس بمهم في قصده. وأما إدغام المثلين فعلى قسمين: أحدهما: أن يكون الأول منهما ساكنا في الاستعمال. وهذا لم يحتج إلى ذكره للعلم بوجوب الإدغام فيه؛ إذ لا يمكن النطق بهما مع الفك إلا بتكلف كثير. فلا تقول في رد: ردد، لعدم الإمكان فيه. والثاني: أن يكون الأول متحركا، فهو على قسمين: أحدهما: أن يكون المثلان من كلمتين. وهذا القسم لا يجب فيه إدغام، نحو: جعل لك، وهرب بكر، وقاسم مالك. فالنطق به على الأصل صحيح، فلم يكن ذكره من المهم.

стр. 5415

والثاني: أن يكونا من كلمة واحدة. فهذا القسم هو الذي يختلف الحكم فيه، فلا يمتنع الإظهار فيه بإطلاق، (ولا يجوز فيه بإطلاق)، فلأجل ذلك خص هذا القسم بالذكر وحده، لأنه الضروري من سائر الأقسام. وحاصل ذلك أن المثلين في كلمة على ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه الإدغام، وقسم يجب فيه الإظهار، وقسم يجوز فيه الوجهان. والناظم- ﵀ حصل ذلك، فأطلق القول بوجوب الإدغام إلا فيما يستثني، فقال: "أول مثلين محركين في كلمة ادغم"، أول: مفعول بأدغم، أي: أدغم أول مثلين .. إلى آخره. يعني أنه يجب إدغام أول الحرفين في ثانيهما إذا اجتمع فيهما ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون الحرفان مثلين، وذلك قوله: "أول مثلين"، وهو على حذف الموصوف، أي: أول حرفين مثلين، تحرزا من أن يكونا غير مثلين بل متقاربين، فإنه لا يجب فيهما الإدغام نحو: خذتالدا، واجبه حاتما، ونحو ذلك، فتظهر إن شئت ويجوز الإدغام فتقول: ختالدا، واجبحاتما، وما أشبه ذلك. والثاني: أن يكونا محركين معا، المدغم والمدغم فيه، تحرزا من أن يسكن الأول، أو الثاني، أو يسكنا معا، فأما إن سكن الأول فقد تقدم وجوب الإدغام، وأنه مدرك حسا، فلم يحتج إل ذكره وأخرجه، لأنه كالمذكور حكمه، نحو: رد، وشد، وسر، وكذلك: زر رافدا، وكن نائما. وأما إن سكن الثاني فالفك واجب نحو: رددت، ورددن. وسينه عليه بعد هذا. وأما إن سكنا معا فإن المسألة

стр. 5416

تصير من باب التقاء الساكنين، وتخرج عن هذا الباب، فلم يكن ذكره هنا لائقا. والثالث: أن يكون الحرفان في كلمة واحدة، فإن كانا في كلمتين لم يجر فيهما حكم وجوب الإدغام كالمتقاربين بالنسبة إلى الشرط الآخر، فالمفهوم فيهما معا الجواز وهو مفهوم صحيح، لأنك تقول: جعل لك، وجعل لك، وهرب بكر، وهرب بكر، وما أشبه ذلك. والمفهوم في الموضعين جملي، لأنه ليس كل مقارب يدغم في مقاربة، ولا كل متقاربين يجوز إظهارهما، ولا كل مثل يجوز أن يدغم في مثله إذا كانا من كلمتين؛ ألا ترى أن الواو والياء لا يدغمان في مقاربهما، ولا مقاربهما فيهما، (لما فيهما) من المد. وأيضا حروف المد صنف على حدة لا يجوز أن تقلب إلى الحروف الصحاح/، ولا الصحاح إليها، والنون تدغم في حروف "لم يرو" إذا سكنت ولا يجوز الإظهار، وخرجت النون عن الحروف الصحاح فأدغمت في الواو والياء لشبهها بالغنة بحرف اللين. والألف والهمزة لا يجوز في واحدة منهما إدغامها في مثلها، أما الألف فلأن حقيقتها المد، والإدغام رفع اللسان عن الحرفين رفعة واحدة، وذلك لا يتصور مع المد، ألا ترى أنه يزول في نحو مغزو وولى، فلو مددت لم يجز الإدغام. وأما الهمزة فللزوم تخفيف إحداهما عند الاجتماع. فقد ظهر أن الحكم بجواز الإدغام في المسألتين غير مطرد، لكن إذا نظر الباب كله في المسألتين وجد جواز الإدغام هو الأغلب فيهما، فلأجل هذا حملت كلام الناظم القصد إلى حقيقة المفهوم، ولم أحمله على اطراحه، فالأحسن أن يكون حكمهما

стр. 5417

مذكورًا - وإن كان على الجملة- من أن يكون لم يعرج عليهما البتة. وقد يمكن أن يكون المفهوم هنا معطلا في الشروط الثلاثة فلا يستفاد الحكم من كلامه إلا فيما نص عليه دون غيره، وهذا أسلم له من الاعتراض، والأول أجرى على عادته من اعتماد دلالة المفهوم. ولما ذكر هذه القاعدة العامة في الإدغام أخذ يذكر ما ينتفي عنه هذا الحكم المذكور فقال: "لا كمثل صفف" وكذا وكذا، فأتى بمثل على أبنية وأحوال مخصوصة منفيا عنها وجوب الإدغام، يعني أن هذه الأشياء، وما كان على بنائها أو حالها لا تدغم وجوبا وجملة ما أتى به منها عشرة أنواع: أحدها: ما كان من الأسماء خارجا عن وزن الفعل أو الجريان عليه، وذلك ثلاثة أبنية، أحدها: صفف وما كان نحوه، ومراده ما كان على هذا الوزن وهو وزن فعل كصرد، فمثل هذا لا يدغم، فتقول: سرر، ودرر، وحلل، وحمم، وقنن، وجدد، وما أشبه ذلك. ولا يجوز أن تقول: سر، ولا در في درر، وأما در فهو فعل لا فعل. والصفف: جمع صفة، والصفة من الرحل والسرج: التي تضم العرقوتين والبدادين من أعلاهما وأسفلهما. هذا تفسير ابن سيده، والجمع صفف، وهو القياس، ويجمع أيضا على صفاف سماعا. وصفة البنيان أيضا: طرته، والصفة: الظلة كالسقيفة. والثاني: ذلل وما كان نحوه مما هو على وزنه، وهو وزن فعل كطنب، فمثل هذا لا يدغم أيضا نحو: سرر، وجدد، والذلل: جمع ذلول، والذلول: هي الدابة اللينة غير الصعبة، يقال:

стр. 5418

دابة ذلول بينة الذل- بالكسر- من دواب ذلل، ومنه قوله تعالى: ﴿فاسلكي سبل ربك ذللا﴾، أي: سهلة غير صعبة. وأما قولهم: نخلة عميمة، ونخل عم .. وأصله عمم، كسفينة وسفن، لكنهم لم يقولوا: عمم- فإنه ليس إدغامه من عمم، وإنما أدغم من تخفيفه، لأن فعلا في جمع فعيلة يجوز تسكين عينه تخفيفا، وإذا خفف وجب الإدغام لسكون أول المثلين. فإن قيل: فكان ينبغي أن يأتي فيه عمم على الأصل؟ فالجواب: أنه لا ينكر أن تقتصر/ العرب في مثل هذا على أحد الوجهين لما فيه من خفة الإدغام. والثالث: كلل وما كان وزنه أيضا مما هو على فعل كعنب، وذلك: عدد، وقدد، وسلل، ومرر، وعلل، وما كان نحو ذلك، فكله غير مدغم أيضا. والكلل: جمع كلة؛ وهي الستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق. هذا قال الجوهري. والنوع الثاني: (ما كان على وزن فعل كقوله): لبب، وما كان نحوه مما هو على فعل كجبل لا يدغم أيضا، فتقول: سبب، وطلل، وشرر، ومدد، وعدد، وسنن، وما كان نحو ذلك. واللب واللبة: المنحر، وهو موضع القلادة من الصدر، من كل شيء. واللبب أيضا: ما يشد على صدر الدابة أو الناقة يمنع

стр. 5419

الرحل من الاستئخار، ويقال: فلان في لبب رخى: إذا كان في حال واسعة. وقال الأحمر: اللبب: ما استرق من الرمل، لأن معظمه العقنفل، فإذا نقص قيل: كثيب، فإذا نقص قيل: عوكل، فإذا نقص قيل: سقط، فإذا نقص قيل: عداب، فإذا نقص قيل: لبب، قال ذو الرمة: براقة الجيد واللبات واضحة ... كأنها ظبية أفضى بها لبب واعلم أن الأوزان الثلاثية على قسمين، أحدهما: أن تشترك فيها الأسماء والأفعال. والثاني: أن تختص بالأسماء ولا مشاركة للأفعال فيها، وقسم ثالث ليس بمراد هنا، وهو المختص بالأفعال، لأنه مدغم مطلق ما لم يعرض مانع. فاما قسم الاشتراك فقد ظهر- من حيث لم يستثنيها الناظم من الحكم بالإدغام- أنها مدغمة، وهي: فعل، وفعل، وفعل، وفعل. (أما فعل) فقد استثناه، وأما فعل فتقول فيه من اللب: لب، ولا تقول: لبب. وأما فعل فكذلك إذا بنيته من اللب تقول: لب. (و) من هذا قولهم: رجل صب، وهو فعل بدليل قولهم: صببت- يا هذا- تصب صبابة، مثل قنعت قناعة، فكما أن اسم الفاعل من هذا قنع، فكذلك صب فعل. وقالوا: طب وطبيب، فطب فعل، لأن فعلا وفعيلا يكثران بمعنى واحد كفرح وفريح، ومذل ومذيل.

стр. 5420

وقد شذوا فقالوا: رجل ضفف الحال، وقوم ضففو الحال. والوجه أن يقال: ضف الحال وضفو الحال، وهو الأشهر في الاستعمال، وهو فعل بدليل الضفف في المصدر. وحكى ابن جني أيضا عن أبي علي أن أبا زيد حكى عنهم: طعام قضض: إذا كان فيه الحصى. وأما فعل فلو بنيت مثل دئل من اللب لقلت: لب، فتدغم. ولم يسمع فعل، ولا فعل من المضاعف جاء على أصله. وإنما فرقوا بين القبيلين فأدغموا ما وافق الفعل دون الآخر، لأنهم جعلوا إعلال التضعيف الذي هو الإدغام كإعلال حرف اللين عينا، فكما أن ما جاء من الأسماء على مثال الفعل أعل كباب وخاف لأنه كقال وخاف، كذلك فعلوا في التضعيف، وكما لم يعل نحو بيض وعوض ولومة ونحوها مما ليس على وزن الفعل كذلك لم يدغموا ذللا ولا كللا ولا صففا، لأنها ليست/ على مثال الفعل، لأن الإعلال في الأسماء بالحمل على الإعلال في الأفعال، والإعلال فيها أصل، لأن التصريف لها بحكم الأصل. وبقى وجه تصحيح فعل كلبب مع أن وزنه من المشترك، فكان الوجه أن يدغم، لأنهم قد أعلوا بابا ودارا ونحوهما. والذي ذكروا في وجه ذلك أن الفتحة لما خفت عليهم لم يكرهوا ظهور التضعيف، كما كرهوه مع غيرها. وأيضا إذا صححوا نحو القود والخونة والحوكة- وإن كان شاذا- فتصحيح نحو طلل وشرر أولى، لأن الإعلال في حروف العلة ألزم منه في حروف الصحة. هذا ما في الثلاثي

стр. 5421

من الأسماء، وأما الأفعال ثلاثية كانت أو غير ثلاثية فقد دخلت له في حكم الإدغام، وسيأتي ذلك إن شاء الله. والنوع الثالث: ما كان مثل جسس وما أشبهه مما فيه مانع من الإدغام كمانع جسس وهو الإدغام الموجود، فإن الكلمة ذات ثلاثة أمثال، فسبق إدغام الأول في الثاني لأنه ساكن بحق الأصل فصار جسس هكذا، فلو رمت إدغام السين الثانية في الثالثة لوجب زوال إدغام الأول في الثاني، إذ لا يدغم حرفان في ثالث أبدا، فصار إلى نحو مما كان عليه قبل هذا العمل؛ إذ لابد فيه على أي وجه حملته في الإدغام من بقاء مثلين غير مدغمين فلم يكن للعمل فائدة، فكان تركه على حالته الأولى أولى. ومثله: ردد يردد، وخلل يخلل، وهو مردد ومردد، ,مخلل ومخلل، وكذلك ما أشبهه، ولا يمكن إدغام الحرفين معا في الثالث فيصير ردد إلى رد، وجسس إلى جس، لأنه إخلال بالكلمة ووقوع في اللبس إن حذف أحد المدغمين، وإن أبقى التقى ساكنان على غير شرطهما. وذلك كله ممنوع. وقد حكي عن أبي عمرو الإدغام في (مس سقر) و (تم ميقات)، وما أشبهه من المنفصل، فقد يقال: إذا فعل ذلك في المنفصل فالمتصل أقرب، لأن الإدغام (فيه ألزم، إلا أن يجاب بأن الإدغام في المنفصل) ليس على ظاهره، والإلزام المحذور المذكور، وإنما هو على نية الوقف

стр. 5422

على الكلمة الأولى، ويجوز التقاء الساكنين في الوقف لعروضه، ومثل هذا لا يتأتى في المتصل، فلا يصح فيه الإدغام البتة. أو يكون- وهو الأولى- على أن ما حكى من الإدغام إخفاء في الحقيقة لا إدغام، وعلى هذا يجوز في المتصل والمنفصل، ولا يكون داخلا على الناظم على كلا الوجهين. والجسس: جمع جاس أو جاسة، من قولك: جسه بيده، أي: مسه. والنوع الرابع: اخصص أبي، وما كان نحوه، ومراده بهذا المثال أن الثاني من المثلين إذا كان متحركا بحركة عارضة فإنه غير موجب للإدغام، وذلك أنه قدم أن المثلين لابد أن يكونا متحركين، فلابد إذا من تحرك الثاني، لكن إن كانت حركته عارضة لم يعتد بها في حصول الإدغام، بل يعد كأنه باق على أصله من السكون، وإذا كان ساكنا لم يسغ الإدغام، فكذلك إذا كان في تقدير السكون. لكن هذا الذي ذكر من منع الإدغام ليس على إطلاقه، بل لابد من مقدمة تبينه، وذلك أن الفعل/ المضاعف المجزوم وفي معناه الموقوف- وبه مثل الناظم- للعرب فيه لغتان، فلغة بني تميم الإدغام مطلقا، فيحركون الثاني لأنه وإن كان ساكنا فإنه مما يتحرك على الجملة وليس مما تمتنع فيه الحركة. وهذه

стр. 5423

اللغة لم يتعرض إليها الناظم؛ إذ ليس المثال إلا مظهرا فيه التضعيف. واللغة الثانية لأهل الحجاز، وهي الإظهار، ومنه قوله تعالى: ﴿واغضض من صوتك﴾، (وذلك من جهة أن الإدغام يقتضي تسكين الأول من المثلين ونقل حركته إلى ما قبله، وقد كان الثاني منهما ساكنا للجزم أو الوقف، فيؤدي الإدغام إلى التقاء الساكنين على غير شرط اجتماعهما، فلما كان ذلك كذلك امتنعوا من الإدغام) وعلى هذه اللغة جاء تمثيل الناظم، وهذا السكون قد يتحرك بحركة عارضة، وذلك إذا لقيه ساكن بعده من كلمة أخرى فيتحرك نحو اخصص الرجل، واردد (ابن فلان، وقد تنقل إليه حركة همزة تقع بعده فيتحرك نحو: اخصص أبي- وهو مثال الناظم- ولم يردد أبلك، واردد) احمر، وما أشبه ذلك. فيقول القائل هنا: إذا كانوا يمتنعون من الإدغام لأجل سكون الثاني فما هو متحرك فليدغموا. فأخبرك الناظم بأن هذا التحريك غير معتبر لكونه عارضا يزول بزوال الكلمة الثانية فلم يعتدوا به من حيث كان في تقدير الزوال، (و) الأصل السكون، فاعتبروه كما لو كان موجودا. هذا ما أراده الناظم بهذا المثال، لكن لم يبين أن هذا مخصوص بأهل الحجاز، وإنما بين أن هذا التحريك في مثل هذا المثال المقول لا يسوغ الإدغام. وقد ذكر إثر هذا جواز الوجهين في مثل: اخصص ونحوه. ومن الغريب في هذه الحركة العارضة أنها موجبة للإدغام عند بني تميم وإن لم توجد، غير موجبة له عند أهل الحجاز وإن وجدت، وذلك من حيث

стр. 5424

اعتبرها بنو تميم فساغ لهم الإدغام، إذ لو اعتبروا حال الكلمة لم يجز لهم لأجل الساكنين، ولم يعتبرها الحجازيون لعروضها فلم يسغ لهم الإدغام، فهذه حركة طارئة يقدر وجودها فتوجب حكما، وإذا وجدت منعته، لكن بلحظين مختلفين. ولأجل ما تقرر جب أن يضبط قوله: "واخصص أبي" مسهل الهمزة مع نقل حركتها إلى الصاد، إذ لا يصح تنزيل المسألة على غير ذلك، فلا تأتي بالهمزة على أصلها أصلا، وهذا ظاهر. والنوع الخامس: هيلل وما كان مثله مما قصد به قصده، وذلك أن تكون الكلمة التي فيها المثلان قد ألحقت بكلمة أخرى فوجب فيها من أجل ذلك مقابلة (المتحرك) بالمتحرك والساكن بالساكن، على ما هو مقرر في فصل الإلحاق من الكتب المبسوطة، فيجب إذا إن كان المثلان في مقابلة متحركين أن يكونا متحركين، كما أنهما إذا كانا في مقابلة ساكن ومتحرك أن يكونا كذلك، فهيلل فعل ماض بمعنى هلل، إذا قال: لا إله إلا الله، وهو ملحق بدحرج، فقابلت اللامان منه الراء والجيم، فوجب الإظهار، ولو لم يكن ملحقا به لأدغمت، كما قلت: أعد، وأجد، وأسر، إذ لم يقصدوا هنا الإلحاق، إذ لا يلحق بالهمزة وحدها، ولا بالميم أيضا وحدها في الأسماء إلا مع مساعد، فلما قصدوا حافظوا على الوزن فأظهروا التضعيف وإن ثقل عليهم، لأن في إدغامهم مع قصد الإلحاق نقض الغرض، فقالوا: جلبب، وهو ملحق بدحرج كهيلل، وكذلك:

стр. 5425

اسحنكك/ ملحق باحر نجم، ولذلك لا يجوز أبدا أفعل مفكوكا، لأن الهمزة لا يلحق بها كما تقدم. ولذلك لا يفك فعل ونحوه، لأن المثلين فيه أصلان ولا زيادة فيه، ولذلك أيضا ادغم احمر واصفر واقشعر واحمار، غذ ليس لها أصل تلحق به. ولما كان قصده التنبيه على ما فك لأجل الإلحاق لم يقتصر على مثاله المخصوص، لظهور العلة، فدخل له في مقتضاه الأسماء التي حصل فيها الفك للإلحاق نحو: قردد ومهدد ويأجج لإلحاقها بجعفر، وعفنجج وخفيدد لإلحاقهما بسفرجل، وقعدد لإلحاقه ببرثن، وسؤدد وعندد وسردد لإلحاقها بحخدب وجندب على مذهب الأخفش والناظم، أو بعنصل على مذهب سيبويه، وقد تقدم، وكذلك ما أشبه هذا. ومما يبين أن الإظهار لم يكن إلا لهذا المعنى أنك لا تجده إلا على زنة الأصول، وكل ما ورد من ذلك في الفعل فتصريفه على نحو تصريف الملحق به لا يخالفه في جميع تصاريفه، والاسم في ذلك حكمه حكم الفعل، فتقول في الفعل: جلبب يجلبب جلببة فهو مجلبب، كما تقول: دحرج يدحرج دحرجة وهو مدحرج، فتأتي به في المضارع والمصدر وغيرهما على حد ما تأتي (به) في الآخر. وكذلك تقول في قردد: قرادد وقريدد، كما تقول: جعافر وجعيفر، فتجمعه على فعالل كما تجمع الرباعي. وتظهر التضعيف ليكون كالملحق به، ولا تدغم فتقول: قراد، ولا قريد. فهذا كل مما يدل على ذلك القصد.

стр. 5426

فإن قيل: قد زعم سيبويه أن معدا ميمه أصلية، فهو إذا فعلل، فنقلت حركته وأدغم، فلم لم يظهر كقردد؟ فالجواب: أن سيبويه قد زعم أن معدا ليس فعللا في الأصل ثم أدغم، وإنما هو فعل أصل بناء، كما أن خدبا فعل. فإن قيل: ولعل خدبا فعلل في الأصل، ثم أدغم. قيل: قد زعم سيبويه أنه لم يأت في الكام فعلل كقردد. ثم قال: "وشذ في ألل ونحوه فك بنقل"، يعني أن ألل وما كان مثله من الفعل بابه أن يدغم، وما جاء على غير ذلك فشاذ يحفظ ولا يقاس عليه. وهذا المثال من الثلاثي لأنه الذي جاء فيه الإظهار، وألل على فعل، كان أصله أن يقال: (أل): ألل السقاء: إذا تغيرت رائحته، وأللت أسنانه أيضا: فسدت، وأللت الأذن: إذا رقت. ومثل ذلك قولهم: "لححت عينه: إذا التصقت، وصككت الدابة، وضبب البلد: كثرت ضبابه، ومششت الدابة، وقطط شعره". ومن ذلك في الاضطرار قول قعنب بن أم صاحب، أنشده سيبويه:

стр. 5427

مهلاً أعاذل قد جربت من خلقي ... أني أجود لأقوام وإن ضننوا وقد أجاز ابن السراج فك المدغم في الشعر مطلقا نحو: ردد في رد، وما أشبه ذلك. (و) لم أر هذا الشذوذ جاء في فعل ولا فعل، على أن فعل في المضاعف نادر، حكى ابن جني منه لفظين: لببت يا هذا، عن يونس، وشررت في الشر، عن قطرب. ومن الناس من يعد الضرورة قسما مسوغا للفك/، فيعده من أنواع ما خرج عن حكم الإدغام، وهو على طريقة ابن السراج ومن ذهب مذهبه، ويعد ما جاء في الكلام من الشاذ منبهة على الأصل، فيجعلون هذين نوعين، فإذا اعتبرنا ما اعتبروا عددنا ما نبه عليه المؤلف من الشذوذ نوعا سادسا. ولكنه ذكره هنا مختصا بالفعل لأنه به مثل، ولا فرق بين الفعل والاسم في هذا، فقد عدوا الشذوذ في الاسم منه، وأنشدوا عليه لرؤبة، وأنشده سيبويه، ثبت ذلك في الرقية: الحمد لله العلي الأجلل ... أنت مليك الناس ربا فاقبل وأنشد ابن السراج:

стр. 5428

قد علمت ذاك بنات ألببه يريد: بنات أعقل هذا الحي، أي: ألبه، وغير ذلك من الأمور التي مضت وسيأتي جملة منها إن شاء الله. ويشمل كلام الناظم في الشطوط القسمين، وما جاء منبهة على الأصل، وهو الآتي في النثر، وما جاء في الشعر ضرورة، لأنه شاذ كله عما ثبت في القياس. وقوله: "بنقل" في موضع الصفة لفك، (أو) في موضع الحال منه أي: ملتبس بنقل، أو حالة كونه ملتبسا بنقل. وأراد بذلك أنه موقوف على النقل لا أنه قياس. فإن قلت: قوله "بنقل" حشو، لأن قوله: "وشذ" مجزئ عنه، إذ عادته أنه حيث يقول: وشذ، فمعناه أنه موقوف على السماع. وأيضا فقوله: "فقبل" حشو أيضا؛ إذ معلوم أن ما كان بابه النقل مقبول على ما هو عليه إلا أنه لا يقاس عليه، وليس من عادته الإتيان من الكلام بما لا فائدة فيه. والجواب: أنه يمكن أن يكون قصد بهذا اللفظ تنكيتا على مسألة وذلك أن الشاذ في الاصطلاح على ثلاثة أقسام: شاذ في القياس دون الاستعمال، وشاذ في الاستعمال دون القياس، وشاذ فيهما معا. فأما الشاذ في القياس دون الاستعمال فمثله ابن جني بقولهم: أخوص الرمث، واستصوبت الأمر، واستحوذ، وأغيلت المرأة، ونحو ذلك؛ إذ هو كثير في السماع مطرد

стр. 5429

فيه، وأما في القياس فخارج عنه، إذ القياس الإعلال. وأما الشاذ في الاستعمال دون القياس فمثله بالماضي من يذر ويدع، واسم الفاعل من أبقل المكان، إذ المستعمل باقل، ومبقل شاذ، وكذلك ودع شاذ في الاستعمال. وأما الشاذ فيهما فمثله بتتميم مفعول مما عينه واو نحو: ثوب مصوون، ومسك مدووف، وفرس مقوود، ورجل معوود. فأما الأول فمتبع فيه العرب مطلقا، وكذلك الثالث. وأما الثاني فهي متبعة فيه في المنطوق به خاصة دون ما سكت عنه، فلك أن تقول (أنت): وزن ووعد لو لم تسمعهما. ولا تمتنع منها، ولا من غيرهما قياسا على ما تركته العرب. وإذا كان كذلك فقد يكون الناظم أراد هنا أنه شذ في الاستعمال لا في القياس، لأن المستعمل منه شيء يسير والقياس قابل له. وبيان ذلك أنا نظرنا ما سمع من ذلك فوجدنا ذلك الاستعمال فيه إنما هو فعل- بكسر العين- دون فعل وفعل، ثم إنا وجدنا غالب ما استعمل منه في فعل إنما هو فيما كان من باب الخلق والعيوب/، ألا ترى إلى قولهم: لححت عينه: إذا التصقت بالرمص، وهو عيب فيها، وقالوا: صككت الدابة: إذا قرع أحد عرقوبيها الآخر وضاقا، وذلك عيب أيضا. وضبب البعير: إذا وجعه فرسنه، وألل السقاء: إذا تغيرت ريحه، وأللت الأذن: إذا رقت، وذلك أيضا راجع إلى الخلق والعيوب. وقالوا: مششت الدابة مششا، وهو شيء يشخص في وظيفها حتى يكون له حجم وليس له صلابة العظم الصحيح، وهو عيب ظاهر، وقطط شعره قططا، وهو أشد الجعودة، وهو من الخلق والعيوب أيضا. وهذا غاية ما ٍرأيت من هذا القبيل منقولا، وجميعه- كما

стр. 5430

ترى- راجع إلى باب الخلق والعيوب، ولم أجد ما هو بعيد الدخول فيه إلا قولهم: ضبب البلد: إذا كثرت ضبابه، ولا يبعد أن يعد مثل هذا كالعيب للأرض. وإذا كان كذلك فقد تقدم لنا أن ما كان من الخلق والألوان على فعل مما عينه معتلة فإنه يصحح ولا يعل نحو: عور، وحول، وهيف، وعين، وخوص، وخيف، حملا له على مرادفه الذي هو افعل، فكذلك كان القياس في المضاعف لأنهم مما يجرون المضاعف مجرى المعتل، فيصححون حيث يصح المعتل، ويدغمون حيث يعتل. هذا هو الغالب كما هو مقرر عندهم، فحيث وجد شيء من المضاعف على فعل وهو من باب الخلق والألوان فك، لكنهم لم يفعلوا ذلك بل أدغموا ما كان كذلك ولم يظهروه إلا قليلا، فقالوا: غم الرجل يغم غما: إذا كثر شعر وجهه وقفاه. وغم الفرس غمما: كثر شعر ناصيته. وجمت الشاة. جمما: لم يكن لها قرون. وجش الصوت يجش جششا: صارت فيه كالبحة. ولست أسنانه كسسا: تقدمت السفلى العليا. وسكت الأذن تسك سككا: صغر قوفها وضاق صماخها. وشق الفرس شققا: إذا مال في جريه إلى جانب، وشلت يمينه تشل شللا: بطلت، وشج يشج شججا: إذا بقى في جبهته أثر الشجة. وصم يصم صمما: إذا ذهب سمعه. وضز يضز ضززا: إذا لحق حنكه الأعلى بالأسفل. ولص الرجل لصصا: إذا اجتمعت منكباه حتى يكادا يضربان أذنيه. وكذلك إذا تقاربت أضراسه. ورح الحافر والقدم رححا: إذا انبسطا، وهو في الحافر محمود إلا أن ينبسط جدا فمذموم. ودن البعير دننا: إذا قرب صدره من الأرض فهو أدن، وهو من أعظم العيوب. ومن هذا كثير. فأنت ترى
следующие страницы →