شمس الدين الغماري في العربية، والشيخ أبو عبد الله بن عرفة في فقه المالكية وفي سائر العلوم بالمغرب، والشيخ مجد الدين الشيرازي في اللغة.
قلت: وينبغي ذكر آخر وهو الشيخ عز الدين بن جماعة في العلوم العقلية -والله أعلم.
ومن تصانيف الشيخ مجد الدين القاموس الكتاب المحيط في اللغة، بالغ في اختصاره وتحريره وميز ما زاده على الصحاح بالحمرة وهو شيء كثير جداً لعله لو جرّد كان قدر الصحاح إلا أنه محذوف الشواهد، وشرع في شرح مطول على البخاري ملأه بغرائب المنقولات ونوادر اللغات، وشوارق الأسرار في شرح مشارق الأنوار، وصنف للأشرف كتاباً سماه الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد في أربعة أسفار. . . . وصنف لولده الناصر كتاباً سماه الوصول إلى الأحاديث الزائدة على جامع الأصول وغير ذلك -رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ شمس الدين ابن زهره الحبراضي
محمد بن (١) يحيى بن عبد الله الحبراضي ثم الدمشقي ثم الطرابلسي الشيخ العالم الفقيه شمس الدين المشهور بابن زهره، مولده بعد الستين وسبع مائة.
اشتغل بدمشق على جماعة من المشايخ منهم الشيخ شرف الدين الغزّي وغيره، وكتب في الشامية البرّانية قبيل التسعين حسناً، قال لي شيخنا الإمام محيي الدين المصري أنه كتب أحسن من رفقته الذين كتبوا إذ ذاك وهم جماعة من الفضلاء منهم القاضي تاج الدين الزهري.
стр. 107
ثم حضر بالجامع الأموي بباب مشهد الزيالع فقرأ عليه جماعة قبيل الفتنة التمرية منهم القاضي شيخ الشام تقي الدين بن قاضي شهبة وجماعة طبقته، فلما كانت الفتنة وتشتت الناس خرج المذكور إلى طرابلس الشام فتوطنها ودرّس بها وأفاد جماعة من الطلبة وخطب بجامعها الكبير ووعظ واشتهر بها وصار عالم البلد.
وقدم علينا بدمشق مراراً للحج وحصل بيننا مذاكرة كثيرة وأذعن أنه ممن أخذ عن الوالد ورجحه على كثير من شيوخه ولم يزل على ما هو بصدده إلى أن توفي في جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وثمان مائة رحمه الله تعالى بكرمه.
* وقد ختمنا به المحمدين ختم الله لنا بالحسنى آمين.
* * *
стр. 108
الأحمدون
الشيخ شهاب (١) الدين ابن الحسباني
أحمد بن خليفة بن إسماعيل بن خليفة بن عبد العال الحسباني الأصل ثم الدمشقي الإمام العلامة قاضي القضاة شهاب الدين أبو العباس بن العلامة فقيه الشام في زمانه عماد الدين ابن الحسباني، مولده في سنة تسع وأربعين وسبع مائة أو في التي قبلها بدمشق.
اشتغل على والده وغيره من مشايخ عصره وقرأ على العتابي في العربية وبرع فيها وفي الحديث، وكان يقرأ قراءة حسنة، ودخل إلى القاهرة وسمع بها وبدمشق من جماعة، وحصّل الأجزاء وضبط الأسماء واعتنى بتحرير المشتبه منها وكتب بخطه أشياء مفيدة، وكان يحضر عند والده في حلقة الفقه وفهمه جيد صحيح.
ودرّس بالأمينية والإقبالية وغيرهما وخطب بجامع التوبة وقد قدمنا في ترجمة ابن الجزري تنازعه هو وإياه فيها ثم استمرت بيد الحسباني.
وأفتى وحكم نيابة مدة ثم استقلالًا وشارك في الخطابة ومشيخة
стр. 109
الشيوخ، وآذاه القاضي برهان الدين ابن جماعة كثيراً، وامتحن من جهة الدولة مرات وكاد يهلك.
وكان له همة عليا وكرم وإحسان للطلبة وغيرهم، وتخرّج عليه جماعة وقرأ عليه القاضي ناصر الدين البارزي في القلعة السيرة النبوية.
وبالجملة: فكان من أعيان العلماء، والناس يرونه بالمنزلة العليا لكونه ابن شيخ المذهب، وكان الشيخ لما يقدم دمشق ينزل عنده بالإقبالية، وكان من وجوه الفقهاء، وبعضهم يكرهه لوجاهته عليهم وبتقدمه على الأعيان منهم، كالشيخ شهاب الدين ابن حجي وغيره، وهو أهل لذلك وكان مقداماً في الأمور.
مات في ربيع الآخر سنة خمس عشر وثمان مائة ودفن بسفح قاسيون.
قلت: كذا أرّخه شيخنا الشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة في تاريخه وطبقاته، وأظنه وهم وإنما توفي في أوائل سنة ست عشرة قبل صاحبه الشيخ شهاب الدين ابن حجي بيوم أو يومين رحمهما الله تعالى.
* ووالده الشيخ (١) الإمام عماد الدين، فقيه الشام في زمنه أبو الفدا، مولده تقريباً سنة ثمان عشرة وسبع مائة.
وأخذ بالقدس عن الشيخ تقي الدين القلقشندي ولازمه حتى فضل، وقدم دمشق سنة ثمان وثلاثين وتنزل بالشامية البرانية وأنهاه مدرسها الشيخ شمس الدين النقيب تلميذ النووي، وانتهى معه الشيخ جلال الدين حجّي في تلك السنة، ولم يزل في عزٍّ وازدياد واشتهر بالفضيلة ولازم الشيخ محيي الدين المصري شيخ شيخه حتى أذن له بالإفتاء.
ودرس وأفتى وأفاد وقُصد بالفتاوى من البلاد وناب في الحكم عن أبي البقاء والشيخ لما ولِّي قضاء الشام في سنة تسع وستين تلك المدة.
стр. 110
وكان ممن قام على القاضي تاج الدين السبكي وأخذ منه تدريس الأمينية ثم استعادها السبكي منه، وخطب بجامع التوبة.
قال تلميذه الشيخ شهاب الدين ابن حجّي: كان المذكور أحد أئمة المذهب والمشار إليهم بجودة النظر وصحة الفهم وفقه النفس والذكاء وحسن المناظرة والبحث والعبادة، وكانت له مشاركة في غير الفقه ونفسه قوية في العلم. انتهى.
وقال غيره: إنه أخذ عن الأردبيلي، وأنه شرع في تكملة شرح المهذب، وقد شرح المنهاج في عشرة أجزاء وفيه نقول كثيرة وأبحاث نفيسة، ولم يشتهر لأن ولده الشيخ شهاب الدين صاحب الترجمة لم يمكن أحداً من كتابته فاحترق في الفتنة التمرية.
قال بعضهم: ورأيت منه مجلدة بخط الشيخ شهاب الدين الأذرعي، وكان كتب منه لنفسه نسخة ونقل غالب ما فيه من النقول والبحوث إلى القوت.
توفي الشيخ عماد الدين في ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبع مائة، ودفن بباب الصغير قِبْلِي جامع جراح -رحمه الله تعالى.
* * *
الشيخ شهاب الدين ابن العماد الأقفهسي
أحمد بن (١) العماد بن محمد الشيخ الإمام العلامة البارع المفنّن
стр. 111
شهاب الدين أبو العباس الشهير بابن العماد الأقفهسي -نسبة إلى أقفهس (١) - من أعمال الديار المصرية، ولد قبل الخمسين والسبع مائة.
واشتغل في الفقه والعربية وغير ذلك ومهر في الفنون وأخذ عن مشايخ عصره كالشيخ جمال الدين الأسنوي ومن في طبقته.
ودرّس بعدة مدارس بالقاهرة، وأفتى وانتفع به كثيرون، وصنف التصانيف النافعة فمنها نظم حوادث الهجرة وشرحه وأحكام الحيوان والمساجد وكفاية العقاد ونظمه كثير.
قال الحافظ ابن حجر: سمعت منه وممن أخذ عنه أيضاً صاحبنا العلامة شمس الدين ابن المصري روى لنا عنه.
وتوفي سنة ثمان وثمان مائة قاله ابن حجر.
والأقفهسي بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الفاء وسكون الهاء.
الشيخ شهاب الدين ابن حجّي
-رحمه الله تعالى -شيخ الشافعية -
أحمد بن (٢) حجّي بن موسى بن أحمد بن سعد بن غشيم بن غزوان بن علي بن مشرف بن تركي الإمام العلامة الحافظ المحقق شيخ الشافعية بالشام ومؤرخه أبو العباس أحمد بن الإمام العلامة فقيه الشام علاء الدين أبي محمد حجي السعدي الحسباني ثم الدمشقي، مولده في المحرم سنة إحدى وخمسين وسبع مائة.
стр. 112
وحفظ التنبيه وغيره وأجاز له خلق من بلاد شتى وقرأ بنفسه الكثير وكتب الأجزاء وكتب أسماء مشايخه مجرداً في بعض مجاميعه على حروف المعجم.
أخذ الفقه عن والده والعماد الحسباني وشمس الدين ابن قاضي شهبة وقاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء السُّبكي وغيرهم واستفاد من مشايخ العصر منهم الأذرعي وابن قاضي الزبداني وابن خطيب يبرود والشيخ شمس الدين الغزّي والقاضي تاج الدين السّبكي وشمس الدين ابن الموصلي.
وتخرّج في علوم الحديث بالحافظين ابن كثير وابن رافع وأخذ النحو عن العتابي ودرس وأفتى وأعاد وناب في الحكم وصنّف وكتب بخطه الحسن ما لا يحصى.
فمن ذلك شرح قطعة على المحرر في الحديث لابن عبد الهادي حافلة ورد على المبهمات والألغاز له، وجمع فوائد في علوم متعددة في كراريس سماها جمع المفترق وكتاباً سماه الدّارس في أخبار المدارس يذكر فيه ترجمة الواقف وما شرطه وتراجم من درّس بالمدرسة إلى آخر وقته وهو كتاب نفيس يدل على اطلاع كثير، وكتب ذيلًا على تاريخ شيخه ابن كثير.
وقد ولي في آخر عمره الخطابة ومشيخة الشيوخ وانتهت إليه بعد الفتنة المشيخة في البلاد الشامية ويكتب على الفتوى كتابة حسنة حساً ومعنى يُضرب المثل بجودة ذهنه وحسن أبحاثه.
وكان حسن الشكل ديّناً خيراً له أوراد من صلاة وصيام وعنده أدب كثير وحشمة وحسن معاشرة.
توفي في المحرم سنة ست عشرة وثمان مائة وقُبر عند والده بالصوفية على الطريق وقبره مشهور -رحمه الله تعالى- وهو بقرب الشيخٍ تقي الدين بن الصّلاح ﵁ وحضره الجم الغفير وكان يوماً مشهوداً.
стр. 113
شهاب الدين بن كيكلدي
أحمد بن (١) خليل بن كيكلدي الشيخ المسند المحدث الأصيل الفاضل شهاب الدين أبو الخير. بن الإمام العلامة الحافظ صلاح الدين أبي سعيد العلائي، مولده سنة ثلاث أو أربع وعشرين وسبع مائة.
وبكر به أبوه فأسمعه من الحجَّار فأكثر، ومن ابن أبي التائب والحافظين المزي والذهبي وغيرهما وجمع له في جزء الأنصاري سبعين شيخاً ومرة أخرى ستين شيخاً أو أكثر وأسمعه الكثير من شيوخ دمشق، ثم رحل به إلى القاهرة فأسمعه من شيوخها، وأخذ النحو عن أبي حيان وغيره من العلماء.
قال الحافظ ابن حجر: وكان حسن الخط جيد الفهم ولم يكن بالماهر في العلم إلا أنه صارت الرحلة إليه بالقدس الشريف فأسمع الكثير، وظهر له في آخر عمره سماع السنن لابن ماجة بعلو كثير إلا اليسير منه، رحلت إليه لسماعه فبلغني وفاته وأنا بالرملة (٢) فعرجت إلى دمشق.
وكانت وفاته في ربيع الآخر سنة اثنين وثمان مائة.
قلت: وفي هذه السنة كانت رحلة شيخنا الحافظ ابن حجر المذكور إلى الشام طالباً للأخذ عن علمائها قبيل الفتنة التمرية وصحبته صاحبنا الحافظ تقي الدين الفاسي المالكي قاضي مكة -رحمه الله تعالى-.
* وأما والده (٣): فهو الإمام العلامة الحافظ المحقق المدقق الأصولي
стр. 114
المفنن في سائر العلوم، عالم بيت المقدس في زمنه.
وقد ذكره الحافظ الذهبي في المعجم المختص فقال: خليل بن كيكلدي الإمام الحافظ المفتي صلاح الدين أبو سعيد العلائي الدمشقي الشافعي، ولد سنة أربع وتسعين وست مائة.
وحفظ كتباً وطلب وقرأ وأفاد وانتقى ونظر في الرجال والعلل وتقدم في هذا الشأن مع صحة الذهن وسرعة الفهم.
سمع من ابن مشرف وست الوزراء والقاضي أبي بكر الدشتي والرضي الطبري وطبقتهم، أسند عن دمرداش والشهاب محمود وباقي درسه عن جماعة. انتهى كلام الذهبي.
وذكره الشيخ جمال الدين الأسنوي في طبقاته فقال: صلاح الدين خليل بن كيكلدي المعروف بالعلائي منسوباً إلى بعض الأمراء، كان المذكور حافظ زمانه إماماً في الفقه والأصول وغيرهما ذكياً نظَّاراً فصيحاً كريماً ذا رئاسة وحشمة، ولد بدمشق سنة أربع وتسعين وستمائة واشتغل بها على ابن الزملكاني وغيره.
قلت: ومراده بغيره الشيخ برهان الدين الفزاري.
وصنف في الحديث تصانيف نافعة وفي النظائر الفقهية كتاباً كبيراً نفيساً.
قلت: وهو المشهور بالقواعد وهو كتاب نفيس جليل يدل على فضل كبير واطلاع كثير وما أطالعه إلا وأزداد فيه محبة، وكان شيخنا العلامة محيي الدين المصري يوصينا به وبمطالعته ويقول: أنه ما صنف مثله ويذكر ذلك عن الأئمة والله أعلم.
стр. 115
ودرّس بالمدرسة الصلاحية بالقدس الشريف وانقطع فيها للاشتغال والتدريس والتصنيف إلى أن توفي ﵀ سنة ستين وسبع مائة. انتهى كلام الأسنوي.
وقال غيره: خليل بن كيكلدي بن عبد الله الإمام البارع المحقق بقية الحفاظ صلاح الدين أبو سعيد العلائي الدمشقي ثم المقدسي، ولد بدمشق سنة أربع وتسعين وستمائة.
وسمع الكثير ورحل وأخذ الفقه عن الشيخين برهان الدين الفزاري وكمال الدين الزملكاني وتخرج به وعلق عنه الكثير وأجازه بالإفتاء، وجدّ واجتهد حتى فاق أهل عصره في الحفظ والإتقان.
ودرّس بدمشق بالأسدية وبحلقة صاحب حمص ثم انتقل إلى القدس مدرساً بالصلاحية سنة إحدى وثلاثين، فأقام بالقدس مدة طويلة يدرّس ويفتي ويحدث ويصنف إلى آخر عمره.
قال الحسيني في معجمه وذيله: كان إماماً فى الفقه والنحو والأصول مفنناً في علوم الحديث ومعرفة الرجال، علاّمة في معرفة المتون والأسانيد، بقية الحفاظ، ومصنفاته تنبي عن إمامته في كل فن، درّس وأفتى وناظر ولم يخلف بعده مثله.
توفي بالقدس الشريف في المحرم سنة إحدى وستين وسبع مائة، ودفن بمقبرة باب الرحمة إلى جانب سور المسجد.
ومن تصانيفه القواعد المشهورة وهو كتاب نفيس مشتمل على علمي الأصول والفروع، والوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ مجلد، عقلة الطالب في ذكر إيراد الصفات والمناقب مجلد لطيف، وجمع الأحاديث الواردة في زيارة قبر النبي ﷺ -كتبه لشيخه برهان الدين في قضية ابن تيمية، المراسيل والكلام على حديث ذي اليدين مجلد، منحة الرائض بعلوم آيات الفرائض مجلد، وكتاباً في المدلّسين، وكتاباً سماه تنقيح المفهوم في صيغ العموم، وشرع في أحكام كبرى عمل منها قطعة نفيسة وغير ذلك. انتهى. رحمه الله تعالى ورضي عنه بمنّه وكرمه- آمين.
стр. 116
الشيخ العلامة شهاب الدين الملكاوي
أحمد بن (١) راشد بن طرخان الشيخ الإمام العلامة أقضى القضاة شهاب الدين مفتي المسلمين، أحد أعيان الشافعية المعتبرين المفتين المتقنين أبو العباس الملكاوي الدمشقي.
قال الشيخ الإمام العلامة شيخ الشافعية في عصره شهاب الدين الزهري -وهو أكبر منه- في حقه: أخذ العلوم على وجهها من الفقه والحديث والأصول والنحو وكان ملازماً للاشتغال والإشغال وتخرّج عليه جماعة من الفضلاء، وناب في القضاء غير مرة ودرس في الدماغية والشامية الجوانية، وكان مقصوداً بالفتاوى من سائر الأقطار، وكان يكتب كتابة مليحة حساً ومعنى، وخطه جيد.
قال بعضهم: وكان في ذهنه وقفة، وعبارته ليست كقلمه، وكان يرجع إلى دين ويلازم صلاة الجماعة، وكان يميل إلى ابن تيمية ويعتقد رجحان كثير من مسائله وفي أخلاقه حدة وعنده نفرة عن الناس.
وقد انفصل من وقعة تمرلنك وهو متألم مع ضعف بدنه وحصل له محن، ومات في رمضان سنة ثلاث وثمان مائة وهو في عشر السبعين ظناً -رحمه الله تعالى- وعفا عنه بمنّه -آمين.
* * *
الشيخ شهاب الدين الحلبي
أحمد بن (٢) عبد الله بن. . . . الشيخ العالم الفاضل البارع الفقيه
стр. 117
شهاب الدين أبو العباس الحلبي ثم الدمشقي.
اشتغل في العلوم وفضل في الفقه وشارك في غيره.
قال بعضهم: وكان من خيار الفقهاء ولي قضاء كرك نوح (١) ﵊ من البقاع والخطابة بها مدة، وولاه القاضي سري الدين قضاء القدس الشريف، وناب في آخر عمره في خطابة الجامع الأموي، ودرس بالبادرائية نيابة، وكان من الفضلاء البارعين.
توفي في ذي الحجة سنة خمس وثمان مائة، ودفن بمقابر الحمرية إلى جانب الشيخ علي بن أيوب الصوفي كهلًا -رحمهما الله تعالى-.
* * *
شيخ الإسلام الوالد -رحمه الله تعالى-
-شهاب الدين الغزي- نفعنا الله به
أحمد بن عبد الله (٢) بن بدر بن مفرّج بن بدر بن عثمان بن جابر بن ثعلب بن ضوء بن شديد بن عامر أبو نعيم العامري الغزّي ثم الدمشقي ثم المكي القرشي، الإمام العلامة العلم الحجة الحافظ القدوة المحقق المدقق الفقيه الأصولي النحوي المتكلم النظّار المفتي في العلوم، شيخ الإسلام مفتي الفرق، آخر المجتهدين الأعلام عالم البلاد الشامية بالاتفاق، بل عالم
стр. 118
الدنيا على الإطلاق، الجامع بين المعقول والمنقول والمتبحر في علمي الفروع والأصول، إمام زمانه وفارس ميدانه.
قال فيه صاحبه ابن شيخه العلامة قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر بن الزهري في عرضي عليه المنهاج بدمشق في أوائل سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة: هو شيخ الشام وعالمه ومفتيه، ومن انتهت إليه مشيخة المذهب ولم يدرِ الطالب بعده أين يذهب، شهاب الدين حجة الإسلام علامة الأنام.
وقال فيه العلامة محب الدين بن الإمام جمال الدين بن ظهيره المكي قاضي مكة وعالمها وابن عالمها في عرضي عليه أيضاً بعد ترجمتي: سيدنا وشيخنا الإمام العلامة أوحد العلماء العاملين وعمدة المحققين وبقية المفننين المتقنين الجامع بين المعقول والمنقول والمتبحر في علمي الفروع والأصول.
وقال فيه إمام وقته وعلامة مذهبه بل علَّامة زمانه عالم المملكة الرومية في عصره بالاتفاق شمس الدين محمد بن حمزة بن محمد بن محمد الشهير بالفناري الرومي الحنفي في ترجمته في عرضي عليه أيضاً في أوائل سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة بدمشق وكان المذكور قدم في السنة الخارجة حاجّاً وهذه عبارته بعد الخطبة: أبو عبد الله رضي الدين محمد بن سيدنا العلامة الفهّامة حجة العلماء بقية السلف مفتي الفرق شيخ الإسلام بقية الكرام شهاب الدين أبي العباس أحمد بن العبد الصالح جمال الدين بن بدر العامري الغزي الشافعي.
وقال في ترجمته في عرضي عليه المنهاج أيضاً بمكة المشرفة بعد فوت الوالد بأيام يسيرة، الإمام العلامة فقيه مكة ونحويها في عصره عبد الواحد المرشدي وكان بينه وبين الوالد ما يكون بين الأقران وأمور في المباحث وهذه عبارته: سيدنا وشيخنا الإمام العالم العلامة حجة العلماء قدوة البلغاء شرف الزّهاد بقية السلف مفتي الفرق وحيد عصره وفريد دهره وواسطة عقد الفضائل والمبرز في علومه على الأواخر والأوائل، شيخ الإسلام بقية السلف العظام، الفائق النظراء والأمثال، المتصف من المحاسن بما يضرب به الأمثال، أبي العباس أحمد بن شهاب الدين بن الشيخ الصالح
стр. 119
المرحوم عبد الله جمال الدين بن بدر العامري الغزّي الشافعي حول الله روحه في أعلا عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وكان قبيل موت الوالد بمدة وأظنه في شهر رمضان، حصل بينه وبينه مناقشة عظيمة في البحث بالمسجد الحرام، والفضل ما شهدت به الأعداء.
ولله در القائل وهو الأديب الفاضل زين الدين شعبان الأثاري المصري وتقدمت ترجمته في هذا الديوان في قصيدة له دالية تعرض في آخرها لذكر شيخ الإسلام فقال:
وفي كل علم أنت سيد أهله ... لذاك حلا للطالبين التردد
وكتب له صاحبه العلامة جمال الدين الطيماني -وكان إماماً في علوم كثيرة وستأتي ترجمته في ورقة: - وقفت عليها وهي عندي بخط المذكور، السلام التام والتحية والإكرام على سيدنا وشيخنا شيخ الإسلام ومفتي الأنام الإمام العالم العلامة بركة الوقت الشيخ شهاب الدين الغزي العامري، جمع الله بيننا وبينه بدار السلام -وكان بينهما ما يكون بين الأقران- سيما في المباحث كما هو معلوم عند أهل الشام ولو شرعت أعد من ترجمه بشيخ الإسلام وبغيرها من التراجم العظيمة لطال الكتاب ولخرجنا عن موضوعه، وإنما المقصود الإشارة إلى الأئمة الأعلام الذين ترجموه بذلك وبعضهم مثله أو يقاربه أو من أقرانه.
ولد الشيخ -رحمه الله تعالى- ببلدة غزة من الأعمال المقدّسة سنة ستين وسبع مائة وقال الشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة في طبقاته: أنه ولد في ربيع الأول منها وقال: أن الشيخ أخبره بذلك.
وقرأ القرآن العظيم والتنبيه والعمدة ومختصر ابن الحاجب الأصلي والحاوي الصغير والألفية لابن مالك.
واشتغل في صباه ببلده على العلامة علاء الدين بن خلف بن كامل الغزي أخي صاحب الميدان الشيخ شمس الدين وهذا المذكور أسنّ منه،
стр. 120
وأخوه المذكور وإن كان أشهر منه فقد قرأ عليه أولًا وبرع عليه في مدة قليلة، ثم رحل إلى القدس الشريف فأخذ عن علمائها ومنهم الشيخ تقي الدين إسماعيل القلقشندي وكان المذكور عين العلماء ببيت المقدس إذ ذاك وقرأ عليه الأصول والفقه وأتقنه في قريب السنة، ثم رحل إلى دمشق وهو عالم قد ناهز الإفتاء قبيل الثمانين.
وقال الشيخ تقي الدين بن قاضي شهبة:
وكانت رحلته في سنة تسع وسبعين -بتقديم التاء في الأولى فقطنها وأنشد لسان الحال:
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر
وأخذ عن الأئمة الأعلام إذ ذاك كالشيخ شهاب الدين الزهري وشرف الدين الشريشي ونجم الدين ابن الجابي وهؤلاء الثلاثة هم مشايخ الشافعية إذ ذاك بالشام. وأطبق على الاشتغال بقلب وإقبال وطالع غالب كتب المذهب المشهورة كالروضة وأصلها وابن الرفعة وغير ذلك وبلغني أن كلًا من هذه الكتب مرّ عليه مرات حتى تميّز على الأقران.
وانتهى في الشامية البرانية سنة ثلاث وثمانين وسبع مائة، ولم تكن له فقاهة بها إذ ذاك، بل كتب على أربعين مسألة على العادة ما بهر به المشايخ وأذن له مشايخه المذكورون بالإفتاء.
ثم حجّ إلى بيت الله الحرام ورفيقه العلامة برهان الدين الباذلي الصنهاجى عالم المالكية ومفتيهم، وجاور بمكة سنة سبع وثمانين وحصّل فيها علماً كثيراً ثم رجع إلى الشام وقد صبّ الله عليه العلم صباً.
وتصدى للإشغال والإفتاء وشيوخه متوافرون وانتفع عليه جماعة من الفضلاء حتى تركوا المشايخ ولازموه، وبلغني عن بعض شيوخه أنه كان يرسلهم إليه ويغبطهم به ويحضهم على ملازمته.
ودرّس بالعذراوية والناصرية لمّا ولّي إعادتهما قبل الفتنة باعوام وحضره الأعلام من مشايخه وغيرهم، ودرس بالشامية الجوانية والأتابكية بالصالحية والكلاّسة.
стр. 121
وتصدى للتصنيف وكتب بخطه الكثير، ومن مصنفاته المكملة المجموع الذي وسمه بمختصر المهمات في خمسة أسفار، وشرح الحاوي الصغير في خمسة أسفار بدأ في تصنيفه من البيوع إلى آخر الفقه، ثم شرع في مجاورته الأخيرة التي توفي فيها في تكملته فوصل إلى أثناء التيمم -وقد شرعت في تكملته، ومنسكه الكبير في مجلد كبير جمع فيه فأوعى، وشرح مختصر جمع الجوامع للسبكي وهو بديع، والجواب الرّاسي لمسألة الفاسي وهو مصنف بديع مبتكر لم يسبق إليه، وله على مختصر ابن الحاجب شرح بديع بسيط احترق في الفتنة وكذلك على التنبيه لخص منه تعليقه الشيخ برهان الدين بن الفركاح.
وأما التي لم تكمل وعاجلته فيها المنية فمنها القطعة الكبيرة الحافلة في أسماء رجال البخاري بيّن فيها أموراً عجيبة وقعت للحفاظ المتأخرين كالمزّي والذهبي فمن بعدهم، وكلامه فيها شاهد معدّل له بالمرتبة العليا في علم الحديث وكان قد تعلق به آخراً.
والقطعة الحافلة على المنهاج للنووي كتب منه مجلدين إلى كتاب الصلاة وبُيضت، وقطعة على منهاج البيضاوي، وقطعة على ألفية ابن مالك، وشرح عمدة الأحكام وصل فيه إلى أثناء الصداق -وقد كمّلته بحمد الله ببركته فصار شرحاً بديعاً لم ينسج على منواله.
وأما فتاويه وتعاليقه فهي كثيرة لا تحصى. . . . إن شاء الله، وصنف في كل شيء حتى في التعبير والتاريخ، وغالب هذه المصنفات المذكورة بعد الفتنة مع اشتغاله بالقضاء والدروس العامة، وسؤال الطلبة في الأسبوع أربعة أيام وهذه كرامة من الله له فإنه. . . . دون العشرين كما ستعرفه في وفاته.
وباشر إفتاء دار العدل نحو أربعين سنة لم يكن لأحد من القضاة وغيرهم إذا حضر معه كلام وإنما يمتثل الكل ما يقول، وكان أعطي من الله تعالى المهابة والقبول التام عند الخاص والعام وتخرّج عليه فضلاء عصره حتى صاروا أئمة المذهب وقضاة الإسلام، وحملت إليه الفتاوى من أقطار الأرض ذات الطول والعرض.
стр. 122
سمعته -رحمه الله تعالى- يقول وأعي منه ذلك: قيل لا تموت حتى تسمع الناس بأذنيك يقولون: لا نرضى إلا بفتيا أحمد الغزّي.
وتبلغ ثلاثاً وستين سنة كعمر النبي ﷺ .
وكان ﵀ كثير الأوجاع سيما بعد الفتنة التمرية من مرض الربو وغيره، وكان سبب ذلك ما أصابه في الفتنة من المغل كسقي الكلس مذاباً في الماء وغير ذلك خلا العقوبة فإن الله تعالى كفاه إياها وغيرها مما لا طاقة له به.
فكان كلما ضعف يقول ما قرب الأجل حتى دخل في السن المذكور وسمع هذه المقالة بلفظها من جماعة من المستفتين وهو في جامع بني أمية فبهان إشغاله بزاوية الإمام الغزالي ﵁ فوضع يده على لحيته الكريمة وقال: قرب الأجل، ولم يمكن بعد ذلك إلا ستة أو دونها، وهذه القضية مشهورة عند أصحابه مستفيضة بينهم وسمعتها أنا منه.
رجعنا إلى ما نحن بصدده من إكمال ترجمته مختصرة حسبما يليق بهذا المختصر.
ثم إنه حج إلى بيت الله الحرام بعد الفتنة في سنة ثمان وثمان مائة وجاور في السنة الدّاخلة وهي سنة تسع مجرّداً كالمجاورة المتقدمة في سنة ثمان وثمانين وتصدى فيها لأشغال الطلبة بالمسجد الحرام في الأصول.
وكان ذلك بإشارة العلامة الحافظ عالم الحجاز القاضي جمال الدين ابن ظهيرة ﵀ وقد أشرنا إلى ذلك في ترجمة المذكور في المحمّدين كما تقدم -فقُرئ عليه مختصر ابن الحاجب والمنهاج للبيضاوي وجمع الجوامع للقاضي تاج الدين السّبكي.
وسأله بعض الفضلاء ممن حضر عليه ذلك أو قرأه أن يكتب له شرحاً على جمع الجوامع فشرع في كتابة شرحه الذي ذكرناه وهو شرح بديع، وأخذ من شرح الزركشي عليه وأشار إلى أوهامه.
وكتب بخطه تلك السنّة من مصنفات الشيخ العلامة الولي الجليل أبي
стр. 123
السماحة جمال الدين بن عبد الله بن أسعد اليافعي -رحمه الله تعالى- وكان ذلك بإشارة الشيخ الصالح الكبير أبي الصفا خليل الأذرعي ثم الدمشقي أحد الصلحاء الكبار الأخيار من أعيان أصحاب الشيخ الزاهد الكبير العالم أبي بكر الموصلي.
وهذا الشيخ كان الوالد حين وجوده قبل الفتنة يلازمه وبشّره بأمور، قال لي بعض أولاده: إنّ من جملة ما بشر به الوالد أنه قال له ما تموت حتى تجمع بين علم الظاهر والباطن، فكان الوالد والله كذلك فلقد كان له الحظ الوافر في علم القوم ومحبّتهم وله منهم القبول التام.
واجتمع في تلك السنة بمكة جماعة من الأولياء منهم سيدي الشيخ إبراهيم الحنبلي وغيره وطلب منه ومن غيره من السادات الدعاء له بأن الله يرزقه ولداً ذكراً عالماً صالحاً فبشّر بذلك، حتى قال له الوليّ المذكور في تلك السنة: انذر إن جاءك ولد ذكر تسميه محمداً، قال: نعم، قال الوالد فقلت له: يا سيدي قد عرّضت لي بحصول ذلك فأشتهي أن تصرح لي بالالتزام، قال الوالد: فاحمرّت عيناه وقال: التزمت لك على الله ولداً ذكراً وإن لم يأتك ولد ذكر فالعنّي، قال الوالد: فتيقنت ذلك وأفهمني حصوله الأخ في الله الشيخ نجم الدين المرجاني وقال: حصل الولد إن شاء الله، فقال الوالد: لعل الولد خلق بعد فإني لما سافرت من دمشق واقعت أهلي عقب الظهر فيكون الله قد أطلعه على صورته -كما وقفت على ذلك كله بخطه في مجموع له- ثم سافر من مكة إلى الطائف من أعمال مكة وزار فيها قبر سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ وتوسل به في حصول ذلك أيضاً وطلبني هناك من الله تعالى، وقد ولدت أنا عقيب هذه المجاورة في ليلة الثلاثاء سادس عشر من رمضان المعظم وذلك سنة إحدى عشرة وثمان مائة ولم يأته عقيب هذه المجاورة غيري، فأسأل الله تعالى خاتمة الخير في عافية لي ولإخواني ولمن قرأت عليه أو انتفع علي ولجميع المسلمين آمين بجاه سيدنا محمد ﷺ وإخوانه من النبيين والمرسلين.
ثم إنه رجع من تلك المجاورة إلى دمشق ولازم الإشغال والتصنيف
стр. 124
والإفتاء ونفع الناس ورحلت إليه الفضلاء من أقصى البلدان وسارت بفتاويه ومصنفاته الركبان، وطار اسمه فملأ الآفاق حتى قال شيخنا العلامة القدوة الإمام علاء الدين البخاري ﵀: بلغني ذكر والدك فيما وراء النهر من أقصى معاملة العجم واشتهر هناك فضله، وناهيك بهذا المقام، وكان يطالع في بعض حواشيه على مختصر ابن الحاجب ويقول: هذا كلام الراسخين في العلم.
وأما ديانته وأمانته في ولايته وغيرها وقيامه في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم فالكلام فيه عيّ لأنه مستفيض معلوم عند الموافق والمخالف.
وعرض عليه قضاء الشافعية بالشام مرات من مشافهة الأمير نوروز الحافظي والمؤيد شيخ فامتنع، فقالوا له: من يصلح مع وجودك وأنت عالم الشام؟ فقال: ابن شيخنا القاضي تاج الدين ابن الزهري، فامتثلوا ما قاله وولوا المذكور، بعد أن عين للمنصب غيره ممن لا يصلح، ولقد حلف بالله سبحانه أنه ما ارتكب فاحشة قط ولم تصدر منه بحضرة أقرانه وتلاميذه.
وكان -رحمه الله تعالى- مواظباً على وظائف العبادات من الأوراد الواردة في السنة صباحاً ومساءاً، وكذلك على تلاوة القرآن لا سيما عن ظهر القلب وعلى صلاة النوافل، كثير الاستعانة بالله تعالى والتضرع إليه والتوسل بسيد الأولين والآخرين في كل مقام لا جرم كلما وقع في كربة فرّج الله عنه قريباً ولقد عمل على أذاه جماعة وكفاه الله إياهم.
وأما صفته -رحمه الله تعالى- فكان حسن الشكالة مليح القامة أزهر اللون نحيل الجسم متماسك القوة والحيل، بشوشاً متواضعاً مع الحرمة الوافرة، له على طرف خده الأيسر شامة حسنة، مهيب النظر منور الشيبة، ذا رأي وعقل متين وشجاعة تامة مقداماً في المهمات، كثير المروءة والسخى، يتقضى حوائج الناس بنفسه سواء كان بينه وبينه صحبة ومعرفة أم لا، لا سيما الغريب والضعيف، يقول الحق على نفسه وجماعته ليس عنده مداهنة ولا خداع ولا غل، قال شعبان العالم الشاعر:
وإن جئت في الحاجات يوماً لبابه ... يقوم ويسعى في رضاك ويجهد
стр. 125
له إحسان إلى طلبة العلم وأهل الخير وعنده موافاة لأصحابه وغيرهم، وكان في آخر عمره في يومي السبت والثلاثاء يعزم الطلبة والفقراء ويطبخ لهم الألوان المفتخرة، وينبسط مع الفقراء الصالحين ويخدمهم بنفسه، كثير الاتضاع معهم، شديد النفس والارتفاع على أهل الدولة والأغنياء.
ولم يزل على ما ذكرناه من أنواع الخيرات يحاسب نفسه على الفترات لا يصرف أوقاته إلا في العلم وسائر أنواع الطاعات مقيماً على تربية الطلبة ولهم به جمال إلى أن حسدهم الزمان وشتت شملهم ونعق بهم غراب التفريق فبدد جمعهم، وأراد الله له الخير والفلاح حيث قضى له بمجاورته في أفضل البقاع فعزم على الحج إلى بيته الحرام مع أولاده في هذه الكرة الثالثة التي قضى الله بأنها خاتمة، وكنت معه عقيب صلاتي بالقرآن وأخذي في المنهاج.
فخرجنا في أوائل شوال سنة إحدى وعشرين وثمان مائة، وكانت وقفة الجمعة وحجّ فيها خلق كثير من سائر الآفاق، فلما وصلنا إلى مكة وقضينا مناسكنا عزم على المجاورة بسعادته، وفرح به المكيون وانتصب هناك للإفادة ونفع الناس، وحضره بقية العلماء من شيوخ مكة من المذاهب الأربعة وقرئ عليه. . . . لصغري واشتغالي على الفقيه بالمنهاج لأدركها وحضرت عليه بعضها.
إلى أن أتت الأشهر الثلاثة فتنكرت طباعه وبدت أوجاعه وكانت متنوعة.
وكان إذا حصل له خفة ما يخرج إلى التنعيم وأنا معه فنأتي بالعمرة، فعل ذلك في رجب وشعبان مرات.
ثم إنه اشتد الأمر وفي رمضان بعد أن صام منه أياماً وهو مع ذلك طيب الخاطر راض بما قدره الله إلى أن أتاه أجله وانقضت أيامه ودوله.
فرحل إلى رحمة الله تعالى وهو يتلو القرآن ويشير إلى الجماعة الحاضرين عند احتضاره بالسلام -كالشيخ العلامة نجم الدين المرجاني وغيره- والتوديع وهو مستقبل الكعبة على اليمين، كان أولًا مستلقياً على
стр. 126
قفاه كغالب هيئة المحتضرين فأشار في تلك الحالة باستدارة السرير ووضع جنبه على ما ذكرناه وذلك عند أذان الظهر يوم الخميس سادس شوال سنة اثنين وعشرين وثمان مائة.
فضج الناس بالنحيب والبكاء وعزى المسلمون بعضهم بعضاً وخرج أهل مكة المشرفة بأجمعهم من القاطنين والغرباء، ولا أعلم من تأخر إلا من هو عاجز عن الحركة.
وغسّله العبد الصالح المشهور بالولاية شمس الدين محمد المرشدي أخو الشيخ العلامة نجم الدين المرجاني وصُلِّي عليه بالملتزم بين الباب والركن الأسود بعد صلاة الإمام الشافعي العصر بمقام إبراهيم.
وحمله على الرؤوس القضاة والعلماء ومنهم تلميذه العلامة قاضي القضاة محب الدين ابن ظهيرة الشافعي، وأظنه استمر مع بقية رفقته إلى المقبرة.
فدفن بالمعلاة بتربة النورين عن يمينك وأنت داخل بثنية كذا بعد العصر، وكان يوماً مشهوداً وتردد الناس إلى قبره الأيام الثلاثة.
ورثاه جماعة بمراث بديعة، وسمع من قبره تلاوة يس، ولقد أخبرني هناك جماعة من الصالحين ممن بات على قبره أن جماعة أتوا إلى قبره عليهم العباء، فصلوا عليه جماعة ومنفردين ثم يذهبون كالبرق لا يدري الرائي كيف يذهبون قبيل المغرب أو بعده بعد ذهاب الناس يوم الدفن.
ورؤيت له منامات كثيرة عظيمة، ولقد رآه صاحبه الشيخ نجم الدين المرجاني المتقدم في أوائل المحمدين وهو أحد الأئمة بمكة في المنام بعد موته بسنة ليلة عرفة وعليه ثياب بيض على هيئة المحرمين، فقال له على الفور: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾ (١).
وهذا المنام له بقية وسبب، وهو أنه لما مات الوالد ورجعنا إلى الشام
стр. 127
طمع فينا أهل الدولة من العتاة والقضاة المفسدين، وكنت صغيراً في سن العاشرة أو فوقها بيسير فأخرجوا وظائفي المنزول لي عنها منه ﵀ وحصل علينا نكد عظيم حتى بعنا ثيابه بعد وصيته بأنها تكون لي ألبسها حين أكبر وجرت أمور لا نطيل ذكرها، فكتبنا صوزة ما جرى في كتاب طويل وأرسلناه إلى المرجاني وكنا نكاتبه ويكاتبنا إلى أن مات ﵀ وسألناه قراءة الكتاب على قبر الوالد ففعل ذلك وأتانا جوابه بذلك وهو كتاب طويل يقول فيه بعد افتتاحه:
وحصل لفراق سيدي شيخ الإسلام ما حصل ولا حول ولا قوة إلا بالله ثلاثاً، ثم قال: ولما وصل كتابكم، امتثلت مرسومكم وقرأت الكتاب على قبره الشريف وحصل لي في تلك الحالة -حالة القراءة- هيبة عظيمة حتى خيل لي أنه فتح لي طاقة من قبره وهو يسمعني.
ثم نمت فرأيته في تلك الليلة وكانت ليلة عرفة فقلت له: يا سيدي وقفت على الكتاب الواصل من الشام؟ فأجابني بقوله: ﴿يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ الآية -يرددها ثلاثاً.
ثم قلت له: يا سيدي ابنك قرأ المحرر ومختصر ابن الحاجب، وعدّد له محفوظاتي التي قرأتها بعده، ولم يذكر له المنهاج لأني قرأته في حياته، وجرى عليه كيت وكيت فقال في جوابه: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ (١) الآية التي في الحج.
وقد جرى ذلك في السنة الداخلة وهي سنة أربع وعشرين، حصل لنا النصر من قبل الله والكتاب طويل فيه أمور، وهو عندنا بخط الشيخ نجم الدين -رحمه الله تعالى-.
ولو شرعت أُعدد ما وقع له ﵀ من الكرامات قبل موته وبعده لطال الفصل ولخرجنا عما نحن فيه، وترجمته تحتمل مجلداً إذا استقصيت.
стр. 128
وبالجملة: فكان تغمده الله برحمته أعجوبة زمانه وأوحد أقرانه ووليّ وقته وفارس ميدانه، لو رآه الشافعي لتبجح به ولسره، وقد رآه واجتمعا في رحمة الله تعالى إن شاء الله تعالى، فجمع الله سبحانه بيني وبينه في دار كرامته مع سائر أوليائه ومحبيه وهو حسبنا ونعم الوكيل.
* * *
ولي الدين أبو زرعة العراقي
أحمد بن (١) عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، شيخنا الإمام العلامة الحافظ الفقيه المصنّف، قاضي القضاة بقية الأعلام المفتين المتقنين، وليّ الدين أبو زرعة بن الإمام الحافظ الكبير أبي الفضل العراقي الأصل المصري، ومولده بها في ثالث ذي الحجة سنة اثنين وستين وسبع مائة، كذا قاله صاحبه ابن حجر في معجمه.
وبكر به والده فأحضره على المشايخ الأعلام من صغره كالشيخ جمال الدين الأسنوي وابن النقيب والمنفلوطي وغيرهم، وأسمعه من المسندين مثل أبي الحرم القلانسي خاتمة المسندين وابن نباتة أديب العصر، واستجاز له من أبي الحسن الفرضي، ثم رحل به إلى الشام سنة خمس وستين فأحضره في الثالثة على جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري، ثم رجع به فأسمعه بالقاهرة من جماعة من المسندين.
ثم طلب بنفسه وهو شاب وفقرأ الكثير ودرس على المشايخ وكتب
стр. 129
الطباق بخطه، ثم رحل إلى الشام بعد الثمانين صحبة صهره الحافظ نور الدين الهيثمي فسمع الكثير، ثم رجع وهو مع ذلك ملازم للاشتغال بالفقه والعربية والفنون حتى مهر واشتهر، ولازم الشيخ وغيره من علماء عصره، وصار من أعيان جماعة الشيخ وحفظ وكتب عنه الكثير.
قال ابن حجر: نشأ صَيِّناً دَيِّناً خَيّراً مع جمال الصورة وطيب النغمة والتودد إلى الناس وناب في الحكم، ودرس في عدة أماكن ثم استقر في جهات والده بعد وفاته، وعقد مجلساً للإملاء واشتهر صيته، وصنف التصانيف وخرج التخاريج وولي مشيخة الحاكمية.
ثم ولي منصب القضاء بعد القاضي جلال الدين ابن الشيخ، وباشر سنة وربع سنة مباشرة حسنة بعفةٍ ونزاهة وصلابة، إلى أن تعصب عليه بعض أهل الدولة فصرف فشق ذلك عليه جداً وانحرف مزاجه، وكان يصرح بأنه لو صرف بغير من صرف به لما شق عليه، لكنه صرف ببعض تلاميذه، وهو القاضي علم الدين صالح ابن الشيخ ومات مسلولًا مبطوناً في يوم الجمعة الثامن والعشرين من شعبان، كذا أرخه شيخنا الحافظ سنة ست وعشرين وثمان مائة، وله ثلاث وستون سنة وثمانية أشهر.
ومن تصانيفه تحرير الفتاوى وهي النكت في الكتب الثلاثة التنبيه والمنهاج والحاوي وجمع حواشي الشيخ على الروضة وشرح بهجة الحاوي لابن الوردي في مجلدين وهو نفيس، وشرح جمع الجوامع للسبكي في مجلد، وله وفيات ابتدأ فيها من سنة مولده، وله في الحديث مصنفات كثيرة نافعة ومحاسنه كثيرة.
وانتفع عليه كثيرون من الفضلاء، كان في آخر عمره على ما بلغني من جماعة من أصحابه يُقرأ عليه مصنفاته فقط.
وعرضت عليه المنهاج بمكة في ذي الحجة سنة اثنين وعشرين، وكان قدم بها حاجاً، وكان شكلًا حسناً عليه المهابة وعنده سكينة ووقار منوَّر الشيبة، وكتب بخطه إجازة حسنة وأثنى فيها على الوالد ﵀ كثيراً، وقال لي: كان في عزمي الاجتماع به فلم يتيسر وزار تربته، وأجاز لي جميع مصنفاته ومروياته وأجاز لي المنهاج عن القاضي عز الدين ابن جماعة
стр. 130
عن والده بدر الدين عن مصنفه، ولم يذكر الشيخ شهاب الدين ابن حجر في مشايخه القاضي عز الدين.
* * *
الشيخ شهاب الدين الطنتدائي
-شارح جامع المختصرات -
أحمد بن (١) عبد الرحمن بن عوض بن عبد الله الطنتدائي المصري الشافعي العلامة المفنن شهاب الدين مولده سنة إحدى وخمسين وسبع مائة.
واشتغل وهو كبير فحفظ الحاوي الصغير وعدة كتب، ثم دخل القاهرة فعرضها على القاضي برهان الدين ابن جماعة في ولايته الأولى ثم رجع إلى بلده وأكب على العلم وحفظ كثيراً ثم دخل القاهرة وتوطنها.
ولازم الأبناسي والبلقيني والعراقي وابن الملقن وغيرهم، وبرع في الفنون وتولى إعادة الحديث بقبة بيبرس وتدريس المنكوتمرية، وكتب شرحاً على جامع المختصرات للنسائي في ثمانية أجزاء.
ومات في شوال سنة اثنين وثلاثين وثمان مائة.
أخذ عنه جماعة من النبهاء.
* * *
شهاب الدين الحسيني
أحمد بن (٢) علي بن خلف الحسيني المصري لأنه نزل بالحسينية
стр. 131
المحلة المعروفة بظاهر القاهرة، هو العلامة شهاب الدين، قال صاحبه الآتي ذكره بعده الحافظ ابن حجر: عُني المذكور بالفقه ولازم الشيخ وأخذ عنه.
ورأيت من فتاويه كثيراً ومهر في فنون من الفقه والأدب.
وسمع معنا وقبلنا. من مشايخنا وغيرهم.
ورُتب قارئاً للبخاري بالقلعة بعد موت العرياني، سمعت من نظمه كثيراً.
مات في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وثمان مائة -رحمه الله تعالى-.
* * *
شيخنا الإمام حافظ العصر ابن حجر
أحمد بن (١) علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن حجر أبو العباس وأبو الفضل العسقلاني الأصل المصري الشهير بابن حجر شيخنا الإمام العلامة الحافظ الأستاذ قاضي القضاة شهاب الدين بقية الأعلام شيخ المحدثين بالديار المصرية ومؤرخها وصاحب المصنفات التي سارت بها الركبان، مولده كما أخبرني به وكتبه لي بخطه في ثالث عشر من شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة بالقاهرة.
وأول ما سمع الحديث بمكة المشرفة في سنة خمس وثمانين فأدرك جماعة كثيرة من أصحاب ابن الشحنة ووزيرة وبقية المسندين، وأجاز له جماعة كثيرة.
стр. 132
ورحل في طلب العلم بنفسه وهو شاب وكتب الطباق والأجزاء بخطه ومهر في الحديث وتخرّج على حافظ العصر وبقية الأعلام أبي الفضل العراقي ومهر عليه وقرأ عليه الكثير من مصنفاته وغيرها، وتميز في الفن وشيخه موجود واشتهر صيته، وجلس إلى جانب شيخه في حال إملائه.
وقرأ في الفقه على الشيخ وأذن له فيه بالتدريس والإفتاء وكذلك على بقية المشايخ بالقاهرة مثل ابن الملقن والشيخ برهان الدين الأبناسي والشيخ شمس الدين ابن القطان وغيرهم من مشايخ عصره.
ومهر في الفنون لكن غلب عليه فن الحديث فانتهت إليه معرفة هذا الشأن وصار إمام زمانه فيه بعد وفاة شيخه وتصدّى لنفع الناس ودرّس وأفتى وولي المناصب الكبار والتداريس بعدة أماكن في القاهرة.
وتصدى للتصنيف فصنف الكثير ولم يصنف أحد في زمانه مثله ولا قريباً منه، بلغني من جماعة من أصحابه أنها تزيد على المائة ومن مشاهيرها لسان الميزان وتخريج أحاديث الرافعي ومقدمة البخاري وتغليق التعليق الذي فيه، وأجلّها كما كتبه لي بخطه في إذنه لي بالإفتاء في أواخر سنة ست وثلاثين صحبة الأشرف لما توجه إلى آمد (١) شرحه المشهور على البخاري المسمى بفتح الباري، وقد انتهى فيه إلى الدعوات في تلك السنة في عشر مجلدات، وبلغني أنه الآن كمل أو شارف الكمال في نحو العشرين مجلداً وأنه لم يصنف مثله ولا على منواله وأنه يشهد له بالمرتبة العليا في الفنون، وله ديوان شعر وهو إمام الأدباء في زمنه، وقد تقدم لك من شعره مرثية الشيخ وهي في غاية الجودة والفصاحة شاهدة له بما ذكرناه.
ولي نيابة الحكم عن القاضي جلال الدين ثم استقل به من مدة في
стр. 133
عدة مرات في أيام الأشرف، وأظنّها بهذه المرة أربع مرات.
ورحل إلى الشام طالباً للعلم في سنة اثنين وثمان مائة، فأخذ عن المشايخ الموجودين إذ ذاك، ثم رجع إلى بلده وحج مرات، ورحلت إليه الطلبة من الآفاق.
وله كتاب في الوفيات ومعجم كبير لمشايخه وخرّج لنفسه ولغيره، وكتاب في مناقب الشيخ.
وبالجملة: فهو إمام زمانه وحافظ وقته وأوانه وعنده من الذكاء والفطنة وصفاء القريحة ما تحير فيه الأبصار، أبقاه الله تعالى للمسلمين عموماً ولمحبيه وطلبته خصوصاً.
ثم توفي إلى رحمة الله تعالى بالقاهرة بمنزله داخل باب الشعرية جوار المنكورية في ليلة السبت ثامن عشرين الحجة الحرام سنة اثنتين وخمسين وثمان مائة، وكان يوماً مشهوداً ودفن بالقرافة، قريباً من الشافعي ﵁.
* * *
الخيوطي
أحمد بن (١) محمد بن الفقيه علي الخيوطي المقرئ.
اشتغل بالعلم وعني القراآت وجوَّدها وتلا بالسبع على جماعة، وأخذ النحو عن الغماري المالكي، وسمع الحديث على برهان الدين الشامي وغيره.
مات في سادس عشرين شوالى سنة سبع وثمان مائة.
* * *
стр. 134
شهاب الدين السلاوي
أحمد بن (١) محمد بن أحمد بن عمر بن رضوان السلاوي الدمشقي، ولد سنة بضع وثلاثين وسبع مائة.
وسمع الحديث على المشايخ، وأخذ عن الشيخين ابن كثير وابن رافع وبعض أصحاب ابن البخاري، واشتغل في الفقه على علاء الدين ابن حجي، وقرأ الحديث بنفسه على المشايخ بصوت جيد.
وولي قضاء بعلبك (٢) سنة ثمانين، ثم ولي قضاء المدينة الشريفة وعزل به الحافظ زين الدين العراقي، ثم القدس وصفد (٣) وغيرها.
وكان فقيراً ذا عيال وكان يكدح في طلب الرزق إلى أن مات.
قال ابن حجي: سمعت الصحيح بقراءته سنة خمس وثمانين بمكة، ثم قدم علينا القاهرة سنة ست وثمانين وأهدى لي، وكان بيننا مودة، لكن كان شيخنا نور الدين الهيثمي ينسبه إلى المجازفة في النقل، وكان يدّعي أنه سمع من محمد بن عمر السلاوي صاحب ابن عبد الدائم.
مات في التاسع والعشرين من المحرم سنة ثلاث عشرة وثمان مائة بدمشق، وكان أسنُّ من بقي بها من الشافعية -انتهى-.
* * *
стр. 135
الشيخ شهاب الدين اين الناصح
المصري ﵀ -
أحمد بن (١) محمد بن محمد بن عبد الله الشيخ الإمام العالم الصالح المحدث الفاضل شهاب الدين أبو العباس المصري المعروف بابن الناصح.
سمع من الميدومي وغيره، وذكر أنه سمع من ابن عبد الهادي صحيح مسلم لما قدم مصر وحدث به بمكة، وحدث بها بسنن أبي داود وبجامع الترمذي سماعاً عن الميدومي عن نور الدين الهمذاني، سمع ذلك كله عليه بمكة صاحبنا الحافظ تقيّ الدين الفاسي.
قال ابن حجر: وكان مشهورا بالصَّلاح.
قال شيخنا الحافظ ابن حجر: وحدث باليسير وانقطع بزاويته بالقرافة وللناس فيه اعتقاد زائد وتردد إليه، وكان حسن السمت كثير البشر والتودد والمروءة.
مات بالقاهرة في رمضان سنة أربع وثمان مائة -رحمه الله تعالى- بكرمه آمين.
* * *
بدر الدين الطُّنْبُذي
أحمد بن (٢) محمد الطنبذي الشيخ الإمام العلامة بدر الدين، أحد مشاهير الشافعية الأعلام بالقاهرة.
стр. 136
قال ابن حجر: اشتغل كثيراً ولازم أبا البقاء والبلقيني وغيرهما.
وأفتى ودرّس ووعظ ومهر في العربية والتفسير والأصول وشارك في الفقه.
وكان ذكياً فصيح العبارة كثير المحبة للَّهو -سامحه الله تعالى-.
سمع على القلانسي وناصر الدين الفارقي في معجم الطبراني الصغير.
سمعت عليه قليلًا من البخاري بالمحمودية واستفدت من فوائده، وأول ما رأيته في سنة ست وثمانين.
مات في سنة سبع وثمان مائة بتقديم السين -انتهى.
قلت: أما قوله عنه وشارك في الفقه فهذا كلام من لا يعرف الفقه، فالشيخ بدر الدين من فقهاء المصريين الأعلام، وتخرّج عليه جماعة من الأئمة منهم شيخنا الإمام محيي الدين المصري وغيره، وأخبرني أنه لم يكن بالقاهرة نظيره في تقرير المذهب واستحضاره، غير أنه متساهل في دينه -عفا الله تعالى عنا وعنه بكرمه- آمين.
* * *
الشيخ شهاب الدين ابن المحمّرة
أحمد بن (١) محمد بن صلاح بن محمد بن عثمان الأموي المصري المعروف بابن المحمّرة الإمام العلامة قاضي القضاة شهاب الدين بقية الأعلام البارعين والحفاظ المتفننين، صدر المدرسين أبو العباس، مولده في صفر سنة سبع وستين وسبع مائة.
стр. 137
واشتغل بالعلوم ومهر في الفنون وسمع الحديث في سنة خمس وثمانين مع رفيقه الحافظ ابن حجر -كذلك أخبرني به- وكتب الطباق والأجزاء بخطه الحسن وقرأ في علوم الحديث على العراقي وكتاب المنهاج وكان يستحضره إلى آخر وقت وتفقه على مشايخ عصره كالشيخ وابن الملقن والمجد البرماوي وغيرهم من الأئمة المعتبرين.
وناب في الحكم للقاضي جلال الدين فمن بعده، ثم حجّ وجاور بمكة في سنة أحد وعشرين وثمان مائة، ورجع إلى بلده ودرس بالشيخونية وغيرها بحضرة الأعلام وولي مشيخة الشيوخ بخانقاه سعيد السعداء.
وأقبل على الأشغال وانتفع عليه جماعة وأفتى وعلَّق الكثير، ولم يصنف فيما بلغني غير أني سمعت أنه لما ولي الصلاحية في آخر عمره كما سيأتي علق كراريس على الروضة وكان يدرّس منها.
ثم ولي قضاء الشام في جمادى الآخرة سنة اثنين وثلاثين فباشرها مباشرة حسنة مدة ثلاث سنين وثلاثة أشهر إلا أياماً يسيرة.
واشتهر صيته بالشام ولم يكن بالمشهور ولا بالمشكور بين علماء القاهرة، ودرّس بالغزالية الدروس الحسنة المرتّبة بالكشاف في مدة ولايته لم يتم تفسير الفاتحة، وبغيرها من وظائف القضاء، ودرس بدار الحديث الأشرفية دروساً جليلة في فن الحديث.
وكان فاضلًا في الفقه والحديث والنحو حسن المشاركة في غيرها وله معرفة تامة بصنعة القضاء، وأشغل الطلبة بدمشق في الفقه والحديث.
وحضرت غالب دروسه في الفقه وكان محققاً متقناً مبيناً ضابطاً لما يقوله ويرويه وأذن بالإفتاء بعد وقوفه على شيء من كلامي وكان لي منه منزلة عظيمة ومحبة كثيرة.
وكان مواظباً على وظائف العبادات من الأوراد في الصباح والمساء وعلى صلاة النوافل كالضحى يصليها ثمان ركعات دائماً وغيرها من الصلوات المستحبة ومحاسنه كثيرة.
стр. 138
وخطب بجامع دمشق خطباً عظيمة جليلة لائقة بالزمان ويورد في أثنائها أحاديث مناسبة للوقت بأداء حسن وعليه سكينة ووقار ولين جانب منور الشيبة حسن الشكالة.
ولم يزل على هذه الأوصاف الحميدة إلى أن عُزل من القضاء في شعبان من سنة خمس وثلاثين فرجع إلى بلده، وكان حصل له ألم كثير من العزل لأنه من غير موجب فرجع إلى بلده وزار القدس والخليل في طريقه، وكان بعض وظائفه بالقاهرة طمع فيها من استنابه فرجعت إليه بكلفة.
وتم ببلده مقيماً على حاله من الإشغال والإفتاء ونفع الناس وصار شيخ الشافعية بالقاهرة بعد شيخنا البرماوي وطبقته.
فعرض عليه قضاء الشام ببذل شيء يسير فامتنع وصمّم وقال لهم كما بلغنا: لو طلبتم مني في مقابلته. . . من. . . . ما توليت، جزاه الله عن دينه خيراً، فعمل عليه بعض الدولة على إخراجه فولَّاه الأشرف تدريس الصلاحية بالقدس الشريف بعد مراجعته والتصميم على عدم قبولها فلم يقدر.
وكان ذلك من الحيز الذي سبق له في الأزل من الدفن في الأرض المقدسة فقبلها بعد مراجعة كثيرة، وقدم القدس في المحرم سنة تسع وثلاثين وباشرها على ما يليق به، وفرح به المقادسة، ودرّس بالصلاحية، وأشغل الناس ولم يبق معه لأحد في القدس كلمة، وأخرج نائب القدس الأمير حسن. . . لما تعد -وكان ظالماً غاشماً.
وتم على ذلك إلى أن أتاه أجله فمرض أياماً يسيرة، وتوفي إلى رحمة الله تعالى يوم الأحد سابع عشر ربيع الآخر سنة أربعين وثمان مائة، وحضره الجم الغفير وحزن عليه الناس وعامة أهل البلد متأسفين عليه إلى الآن -رحمه الله تعالى وإيانا بكرمه.
* * *
стр. 139
الشيخ العلامة شهاب الدين ابن الهائم
أحمد بن (١) محمد بن عثمان بن علي المصري ثم المقدسي الشهير بابن الهائم الإمام العلامة المفنّن في العلوم الشرعية وشيخ الشافعية بالقدس شهاب الدين أبو العباس، مولده سنة ثلاث وخمسين وسبع مائة.
واشتغل بالقاهرة وتعين في العلوم ومهر في الفرائض والحساب وصار فيها إماماً. ولمَّا وَلِيَ الشيخ زين الدين القمني تدريس الصلاحية حضر إلى القدس واستناب الشيخ شهاب الدين في التدريس ثم استقل بالصلاحية في آخر عمره ثم أشرك معه بآخره الأمير نوروز الحافظي الشيخ العلامة شمس الدين الهروي العجمي المتقدم ذكره في المحمدين.
وأصيب الشيخ شهاب الدين ﵀ قبيل موته بولد فاضل، كان نادرة الوقت فصبر واحتسب.
وتخرّج عليه جماعة بالقدس هم اليوم علماء بيت المقدس.
وكان له ﵀ محاسن كثيرة وعنده ديانة متينة، فجمع على علمه وفضله ودينه، انتهت إليه مشيخة العلم ببيت المقدس في زمنه هو ورفيقه الشيخ شمس الدين القلقشندي المتقدم في المحمدين، وكان آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، له وقع في النفوس ولكلامه عظمة في القلوب.
توفي إلى رحمة الله تعالى- في رجب سنة خمس عشرة وثمان مائة -رحمه الله تعالى.
стр. 140
الشيخ العلامة شهاب الدين ابن نشوان
أحمد بن (١) محمد بن نشوان بن محمد بن نشوان بن محمد بن أحمد أبو العباس الحواري ثم الدمشقي الإمام العالم العلَّامة أقضى القضاة شهاب الدين مفتي المسلمين رحلة الطالبين، مولده في سنة سبع وخمسين وسبع مائة بتقديم السين.
قدم إلى دمشق وتفقه على الشيخ شهاب الدين الزُّهري ولزمه وعلى غيره من مشايخ العصر وبرع وانتهى في الشامية البرّانية سنة خمس وثمانين وظهر فضله وأذن له شيخه الزهري بالإفتاء في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين ونزل له الشيخ شهاب الدين ابن حجي عن إعادة الشامية البرانية سنة اثنين وثمان مائة وباشرها إلى حين موته، وجلس للإشغال بالجامع وانتفع به الطلبة وقصد بالفتاوى، وكان يكتب عليها كتابة حسنة ودرس في آخر عمره بالعذراوية وكان عاقلًا ذكياً يتكلم في العلم بتَوءُدَة وسُكون وعنده إنصاف وله محاضرة حسنة.
قلت: وكان من أخصّ الناس بصحبة الوالد ورفيقه في الطلب بل أخصّهم ولكل واحد من صاحبه المحبة والصدق والملازمة، وكان هو كثير التردد إلى الوالد وبينهما اتحاد كثير معروف عند أهل الشام، وكانا عضدا ولد شيخهما القاضي تاج الدين -رحمهم الله تعالى- وقد تقدم في ترجمة الوالد أنه كان سبب توليته لقضاء الشام.
ولما قدم الشيخ شهاب الدين ابن نشوان ولزم الزّهري أمره بإقراء ولديه تاج الدين وجمال الدين وبحث على أبيهما وحضر غالب دروسه، ولم
стр. 141
يكن له محفوظ لكن له تصرُّف وذكاء فمهر وساد ودرّس وأفتى وتصدّى لإقراء الطلبة، وصار من أعيان الشافعية بل من مشايخهم بعد الفتنة.
واشتهر صيته وباشر الإِشغال بقلب وإقبال وقُصد بالفتاوى من الأقطار وكان مشهوراً حسن التقرير له في الأصول يد طُولى أخذه عن شيخه بالسماع والملازمة كما تقدم، وقرأ عليه أيضاً، وناب في الحكم عن القاضي شمس الدين الأخنائي فمن بعده، وكان مع ممارسته للدمشقين يغلب عليه لغة بلده وفي عبارته القاف بالكاف كعادة الحوارنة، وكان يقول الشعر فمنه:
واخجلتي وفضيحتي في موقف ... صعب المسالك والخلائق تعرض
وتوقعي لمهدِدٍ لي قائِل ... أصحيفة سودا وشعرك أبيض
ومنه أيضاً:
قوم أنابوا إلى الدنيا وزينتها ... وعمّروا رغبة فيها أماكنهم
ودمرتهم فلم تبق لهم مهجعا ... فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم
ومنه ما أنشده لنفسه في حال ضعفه لأنه مكث مدة بمرض الاستسقاء:
يا رب قد تعب العُوّاد بي ورجوا ... من سترك الواسع المسبول عافيتي
وإنني أرتجي ما قد رجوه فإن ... وافا وإلا فَجُد لي عند خاتمتي
واستمر به ذلك الضعف إلى أن توفي في جمادى الأولى سنة تسع عشرة وثمان مائة، ودفن بمقبرة الصوفية عند شيخه الزهري، ولم يحج وخلف تركة جيدة -رحمه الله تعالى-.
واجتمعت به مرات، وكان يمزح معي وأنا صغير ويغريه على ذلك الوالد -رحمهما الله تعالى-.
* * *
стр. 142
قاضي القضاة محب الدين ابن ظهيرة
أحمد بن (١) محمد بن عبد الله بن ظهيرة -وقد تقدم بقية نسبه في ترجمة أبيه، العلامة البارع قاضي القضاة محب الدين أبو العباس المكي بن الشيخ الإمام جمال الدين المتقدم في المحمدين.
اشتغل على والده ولزم الوالد في مجاورته سنة تسع وبرع في تلك السنة عليه وأجازه بالإفتاء هو والقاضي جلال الدين ابن الشيخ وبرع ومهر في الفنون ودرس وأفتى، ولما مات والده ولي قضاء الشافعية مكانه إلى حين وفاته.
وقد رأيته بمكة وعرضت عليه المنهاج وكان من العلماء البارعين العاملين، وعنده وسوسة في الطهارة والصلاة حسن الشكالة، ودرس في أماكن كثيرة بمكة وصار بعد والده عالم الحجاز ومفتيه وشيخ تلك النواحي.
وفارقناه وهو حي تلك السنة التي مات فيها الوالد فبلغنا وفاته في سنة سبع وعشرين وثمان مائة، عاش بعد والده عشر سنين ﵀ مات عن أربعين سنة ظناً أو جاوزها بيسير.
* * *
شهاب الدين الوجيزي
اْحمد بن (٢) محمد بن. . . الشيخ العالم الفاضل شهاب الدين الوجيزي الشافعي الناسخ ولد سنة اثنين وأربعين وسبع مائة بالمحلة (٣).
стр. 143
ثم قدم القاهرة فحفظ الوجيز للغزالي فعرف به.
وأخذ عن علماء عصره وكتب الكثير، وكان عارفاً بالحساب.
مات في جمادى الأولى سنة تسع عشرة وثمان مائة بتقديم التاء، قاله ابن حجر -رحمهما الله تعالى.
* * *
الشيخ شهاب الدين ابن رسلان
أحمد بن (١) حسين بن حسن بن علي بن أرسلان الفلسطيني الرملي ثم القدسي الشافعي صاحبنا الشيخ الإمام العالم العامل، مولده سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة بالرملة وسمع الحديث من ابن العلائي وتفقه على الشيخ شمس الدين القلقشندي وغيره من علماء بيت المقدس، القدوة البركة أبو العباس بقية السلف الصالحين.
اشتغل على جماعة من علماء عصره وشارك في الفنون وكتب الكثير نظماً ونثراً في علوم شتى وله تعليق على جمع الجوامع في مجلدة أوقفني عليه لما رحلت إلى بيت المقدس في أثناء سنة ثمان وثلاثين وثمان مائة وأمرني بإقراء طلبته بالمسجد الأقصى فامتثلت أمره لعلمي بصلاحه وخيره وحسن قصده.
وبالجملة: فهو من بقية الصالحين والعلماء العاملين.
ثم توطّن بيت المقدس بعد الثلاثين وثمان مائة وسكن بالختنية قبلة الأقصى وانتفع به جماعته، ولم يخلُف بعده مثله.
стр. 144
تمرّض أياماً في هذه السنة ثم. . . . ثم انتكس فأتاه أجله في النصف الثاني من شعبان المكرم سنة أربع وأربعين وثمان مائة وقد جاوز السبعين عاماً ظناً -رحمه الله تعالى- وإيانا بكرمه آمين، ودفن بمقبرة ماملا غربي القدس الشريف خارج البلد، وزرت قبره في رحلتي الثانية في ذي الحجة سنة ست وأربعين وثمان مائة.
وكتب شرحاً على سنن أبي داود وشرحاً على البخاري وشيئاً على منهاج النووي وأخذ عن الشيخ الصالح محمد القادري الصالحي الدمشقي وتلمذ له.
وبالجملة: وكان من أنسب صلحاء زمانه -رحمه الله تعالى وإيانا بكرمه.
* * *
قاضي القضاة شهاب الدين الباعوني
أحمد بن (١) ناصر بن خليفة بن فرج بن عبد الله بن يحيى القاضي شهاب الدين أبو العباس أحمد الباعوني قاضي القضاة بالشام، وأحد أدباء زمانه وشعرائهم.
ولي قضاء الشام مرتين الأولى من قبل الظاهر برقوق الجركسي في سنة ثلاث وتسعين وسار فيها سيرة حسنة من العفاف وإقامة شعار المنصب والتصميم في الأمور وأهان فيها من أعيان الدولة.
стр. 145
وكانت سيرته قريبة من سيرة القاضي برهان الدين ابن جماعة، وذلك لأن السلطان انتدبه لذلك، ثم نُقمت عليه بعض الأمور وتغير خاطر السلطان عليه فعزله فتم إلى أن مات الظاهر وولي بعده ولده الناصر فرج وكان صغيراً، فلما استقل بأمره بعد الفتنة طلب المذكور وولّاه فلم يتفق له الأمر كما كان أولًا من العظمة بل تنازل جداً، وولي فيها جماعة من الفقهاء بلغني أنهم عشرة وعزل قريباً فاستمر إلى أن توفي في سنة ست عشرة وثمان مائة عن ثلاث وستين سنة.
وكان باشر مناصب غير القضاء منها خطابة المسجد الأقصى مدّة، وكان خطيباً بليغاً له يد طولى في النّثر والنّظم، حسن الإنشاء ظاهر التدين كثير البكاء والله أعلم بالسرائر.
وكتب الكثير بخطه، وقرأ المنهاج ودرس فيه في مدارس القضاء وله مشاركة في العلوم لطيفة.
وسمع الحديث من جماعة من المسندين، وأدرك الأئمة كالعماد ابن الحسباني وابن كثير والشمسين ابن خطيب يبرود وابن قاضي شهبة، وقرأ النحو على العلامة أبي العباس العنابي تلميذ أبي حيان إمام العربية في زمنه.
وتولى الخطابة بالجامع الأموي ومشيخة الشيوخ بالشميصاطية وانفرد بهما مدة، ثم أضيف إليه القضاء، وعيّن مرة لقضاء مصر فلم يتفق ذلك -رحمه الله تعالى- آمين.
برهان الدين ابن علوان
إبراهيم بن (١) أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن. . . . بن سعيد بن علوان البعلبكي الأصل ثم الدمشقي، نزيل القاهرة، الفقيه الشافعي المقرئ المجود مسند الديار المصرية أبو إسحاق وأبو الفدا برهان الدين