← Тараджим

Тараджим · id 20578

بهجة الناظرين إلى تراجم المتأخرين من الشافعية البارعين

الرضي الغزي

Полный текст (251 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولي قضاء الخليل ومات بها في ربيع الآخر سنة خمس وثمان مائة -رحمه الله تعالى وعفا عنا وعنه بكرمه آمين. * * * الشيخ سعد الدين الآمدي سعيد (١) بن. . . .، الشيخ العالم المفنن سعد الدين الآمدي ثم الطرابلسي. اشتغل على جماعة من علماء عصره ومهر في العلوم، ثم توطّن آخراً بطرابلس فأقام بها يشتغل ويفتي. وكان فاضلًا في الأصول ويحل الحاوي الصغير وانتفع عليه جماعة من الفضلاء وقصده الناس واشتهر وصار عين البلد. توفي في أحد الجمادين سنة اثنين وثمان مائة عفا الله تعالى عنه آمين. * * * الشيخ سالم النّاعوري سالم (٢) بن علوي الناعوري الحسباني الشيخ الفقيه الفاضل. قدم دمشق بعد ما قرأ القرآن بالقدس سنة أربع وخمسين في حياة السبكي واشتغل بالعلم وقرأ الألفية والتنبيه وأكب على الاشتغال ودأب فيه ليلًا ونهاراً.

стр. 177

وتفقه على الشيخ علاء الدين ابن حجي ولازمه مدة طويلة، والنحو على السكسيكي وسعيد المالكي ثم توجه إلى القاهرة وقرأ على الشيخ بهاء الدين ابن عقيل وقرأ الفقه على البلقيني، وقدم معه الشام لما ولي القضاء سنة تسع وستين فولّاه قضاء. . . . ثم لم يزل يتنقل في الأعمال بالبلاد الشامية والديار المصرية إلى أن استقر أمره على قضاء بيت جن من دمشق فكان يتوجه إليها ويقيم مدة ثم يأتي دمشق. وكان فقيهاً بالمدارس ولا يزال يشكو الفقر، وكان شكلًا حسناً إلا أنه أخحل العين. . . . إلا أن في فهمه وقفة مع أنه دائم المطالعة. توفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثمان وثمان مائة ببيت جن عن سبعين سنة. * * *

стр. 178

* حرف الشين * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حرف الصاد الشيخ شرف الدين صديق (١) بن علي بن صديق الأنطاكي ثم الدمشقي ثم المصري الشافعي. قدم من بلاده فنزل بالشامية البرانية سنة ست وستين وسبع مائة واشتغل بالعلم الشريف وتنزّل بالمدارس وسمع مع صاحبه الشيخ صدر الدين الياسوفي الشافعي من ابن رافع ومن جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري وغيره. قال الشيخ شهاب الدين ابن حجي: وكان على طريقة حسنة وديانة وصيانة واستمر ذلك إلى حين وفاته ولم يتزوج. وانتقل إلى الديار المصرية وتنزّل بالخانقاه البيبرسية ولم يزل بها إلى أن مات وكان يتردد إلى دمشق بسبب وقف الخانقاه المذكورة. توفي يوم الخميس ثاني عشرين رمضان سنة تسع وثمان مائة بالطاعون في عشر السبعين ظناً -رحمه الله تعالى.

стр. 179

الشيخ صدقة الترمنتي صدقة (١) بن محمد بن حسن الترمنتي المصري الشافعي. أخذ عن القاضي بهاء الدين ابن أبي البقا السُّبكي وغيره. واشتغل كثيراً وفضل وسمع بدمشق وبالقاهرة كثيراً. توفي بالقاهرة في سنة تسع وثمان مائة أيضاً -رحمه الله تعالى. * * * * حرف الضاد * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 180

حرف الطاء الشيخ زين الدين ابن الصلف طلحة (١) بن محمد بن خليل بن محمد الدمشقي المشهور بابن الصلف الشيخ الفاضل المحدث الفرضي زين الدين أخو رئيس المؤذنين فخر الدين عثمان. اشتغل على جماعة في الحديث منهم الحافظ جمال الدين البعلي الشهير بابن الشرايحي وقرأ في الفرائض على جماعة من الفضلاء وحضر في دروس الفقه عند بعض المشايخ وقرأ البخاري في الجامع غير مرة وفضل وحصل به نفع للناس. وكان مطرح التكلُّف سليم الصدر دمث الأخلاق له محاسن كثيرة. توفي إلى رحمة الله تعالى في سنة نيف وثلاثين وثمان مائة ودفن بتربتهم بمسجد النارنج جوار مصلى العيدين. وقرأ أخوه بعده في البخاري بالجامع بعد أن كان منشداً تحت كرسيه. * * *

стр. 181

* حرف الظاء * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . حرف العين الحافظ جمال الدين ابن الشرايحي عبد الله (١) بن إبراهيم بن خليل بن عبد الله بن محمود بن يوسف بن تمام البعلي الأصل ثم الدمشقي، الإمام الحافظ الثقة الشيخ جمال الدين المعروف بابن الشرايحي حافظ البلاد الشامية في عصره -ترجمه بذلك حافظ الديار المصرية بل حافظ الدنيا في زمنه الشيخ زين الدين ابن العراقي- مولده سنة ثمان وأربعين وسبع مائة ببلده بعلبك، ونزل دمشق واستوطنها إلى أن مات. وأخذ عن الحافظ عماد الدين ابن بردس البعلي وأدرك الأئمة وأخذ عنهم، ومهر في هذا الفن واشتهر صيته به وتقدم وتخرّج عليه جماعة منهم الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي المتقدم في المحمدين. وقرأ عليه الفضلاء في الحديث وعلومه وناهيك بشيء واحد يكفيه له ترجمة وهو قراءة شيخ الإسلام الوالد عليه صحيح البخاري بنفسه الكريمة وهو إذ ذاك شيخ الناس قاطبة.

стр. 182

وكان ضعيف النظر قريب من العَمَى، وله يد بيضاء في الفرائض ويشارك في العربية والفقه وكان حسن الخلق سليم الصدر، له أوراد من العبادة من صلاة وصيام وأدعية صحيح العقيدة خيّراً ديّناً متواضعاً لين الجانب. سمعت عليه سيرة النبي ﷺ لابن فارس اللغوي مختصرة وقطعة من الترمذي بقراءة تلميذه محدث العصر شمس الدين بن ناصر الدين وذلك في رجب سنة سبع عشرة وثمان مائة. توفي إلى رحمة الله تعالى في ذي القعدة سنة تسع عشرة وثمان مائة بتقديم التاء وقبر بمقبرة الشيخ رسلان بباب توما وشهد جنازته الجم الغفير -رحمه الله تعالى. * * * القاضي جمال الدين ابن الزهري -وفيها ترجمة والده - عبد الله (١) بن أحمد بن صالح بن أحمد بن خطّاب الزهري الدمشقي القاضي جمال الدين ابن الإمام العلامة قاضي القضاة شهاب الدين أبي العباس الزهري مولده سنة تسع وستين وسبع مائة في جمادى الآخرة بعد أخيه القاضي تاج الدين الآتي ترجمته بسنتين. قرأ التمييز للقاضي فخر الدين البارزي وعرضه في سنة ثلاث وثمانين وفي تلك السنة عرضه أخوه المذكور أيضاً وانتهيا في الشامية البرانية في جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين. ودرّس المذكور بالقليجية في شوال سنة سبع وثمانين وأذن له والده

стр. 183

ولأخيه بالإفتاء مع جماعة من الفقهاء في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين. ثم ولي جمال الدين هذا إفتاء دار العدل من القاضي تقي الدين الظاهري ونزل له والده قبل موته عن تدريس الشامية البرّانية شريكاً لأخيه القاضي تاج الدين وناب المذكور في الحكم سنة وسبع أشهر لجماعة منهم القاضي علاء الدين ابن أبي البقا وأصيل الدين والأخنائي. قال الشيخ شهاب الدين ابن حجي: وكان شاباً له همة عالية وسعي وإقدام ولم يزل في علو في الدنيا إلى أن مات في المحرم سنة إحدى وثمان مائة عن ثلاث وثلاثين سنة ودفن مع أبيه بمقابر الصوفية. * ووالده: الشيخ (١) الإِمام شيخ الشافعية في زمنه هو ورفيقه الشيخ شرف الدين الشريشي مولده في سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة. وتفقَّه على الأئمة الأعلام كالفخر المصري والسُّبكي وولده تاج الدين والشيخ شمس الدين الغزِّي وشمس الدين ابن قاضي شهبة. ودرّس وأفتى وناب في الحكم عن القاضي تاج الدين السُّبكي فمن بعده هو ورفيقه المذكور وتخرّج عليهما أئمة لا يحصون. وفي أواخر عمره تقلد القضاء من الأمير منطاش مدة يسيرة ثم عزل وعجب الناس منه لما في المسألة من الخلاف وجرى لولده القاضي تاج الدين نظيره في ذلك أيام الأمير نوروز الحافظي بعد الفتنة كما سيأتي في ترجمته فانحط المذكور بسبب ذلك. كان له حظ من عبادة وصوم وصلاة واعتكاف وتهجد. مات في سنة خمس وتسعين وسبع مائة، وفيها مات رفيقه الشيخ

стр. 184

العلامة شرف الدين الشُّريشي. . . . . رحمهما الله . * * * الشيخ جمال الدين الفرخاوي عبد الله (١) بن عبد الله الفرخاوي الدمشقي الشيخ العالم المحدث النحوي الفقيه جمال الدين. عني بالفقه والعربية والحديث، ودرّس وأفاد، وكان أخذ النحو عن العنّابي فمهر فيه وكان يعتني بصحيح مسلم ويكتب منه نسخاً. انتفع عليه جماعة منهم الخال تقي الدين وغيره، وكان له حلقة بجامع دمشق، وكان معظماً عند القاضي برهان الدين ابن جماعة وغيره من الرؤساء. وفَرْخَا: بالفاء والخاء المعجمتين بينهما راء ساكنة -قرية من عمل نابلس. انتقل في الفتنة فسكن بلده ثم مات في عمل الرملة سنة تسع عشرة وثمان مائة رحمه الله تعالى -كذا ذكره ابن حجر في معجمه. * * * العلامة جمال الدين الطيماني عبد الله (٢) بن محمد بن طيمان الإِمام العلامة البارع المفنن جمال الدين

стр. 185

صدر المدرسين بقية المتقنين الناسكين الجامع بين المعقول والمنقول والمتبحر في علمي الفروع والأصول المصري ثم الدمشقي مولده قبيل السبعين وسبع مائة. وقرأ الحاوي الصغير وأخذ عن الشيخ ومن في طبقته ولازمه مدة، والأصول والنحو عن الشيخ عز الدين ابن جماعة. وقدم دمشق مرات ثم إنه توطن بها وأقام باعثاً العلم من الإشغال والإفتاء والتصنيف ودرس بالركنية والعذراوية والظاهرية والشامية الجوانية وولي خدمة الشميصاطية. قال صاحبه الشيخ تقي الدين ابن قاضي شهبة: وشرع في جمع أشياء لم تكمل واختصر شرح المنهاج للشيخ شرف الدين الغزِّي ومختصر من كلام الأذرعي وشيئاً على المنهاج لم يشتهر لغلاقة لفظه واختصاره. وقال الشيخ شهاب الدين ابن حجي: اشتغل وفضل وبرع وقدم علينا طالباً فاضلًا ولازم التحصيل والشغل للطلبة، وكان يفتي ويتصرف وأخذ عني وكان تركيّ الأصل والشكل ولا يتكلم إلا معرباً وعمامته صغيرة وللناس فيه عقيدة. انتهى. وقال غيره: ولما قدم في المرة الأخيرة ظهرت فضائله وعلومه وأقر له مشايخ البلد. حضر مرة عند الشيخ شرف الدين الغزّي فشرع يستحضر كلام المهمّات مرة بعد أخرى، فقال له الشيخ: أنت تحفظ المهمّات؟ البارحة كنت أطالع في هذه المواضع وأنت تحفظ أكثر مني، وكان يدرّس دروساً حسنة مشحونة بفوائد الشيخ ومباحثه. قُتِلَ بمنزله بالتعديل في الفتنة التي بين الناصر فرج بن برقوق وغرمائه في صفر سنة خمس عشر وثمان مائة عن نحو سبع وأربعين سنة ودفن بمقابر الحمرية بالقرب من قبر عاتكة إلى جانب الشيخ الزّاهد علي بن أيوب -رحمهما الله . * * *

стр. 186

عبد الله بن عنين عبد الله بن (١) عنين الدمشقي أحد الفضلاء البارعين من طلبة والدي. اشتغل ومهر وبرع، مات شابًا في طاعون سنة تسع عشرة وثمان مائة رحمه الله تعالى. * * * قاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدين ابن الشيخ عبد الرحمن (٢) بن عمر بن رسلان بن نصير بن صالح بن شهاب بن عبد الخالق بن عبد الحق البلقيني الكناني المصري الإمام العلامة قاضي القضاة شيخ الإسلام جلال الدّين أبو الفضل ابن الشيخ، مولده في سنة ثلاث وستين وسبعمائة بالقاهرة. وحفظ بها القرآن العظيم وعدة محفوظات واشتغل على أبيه وغيره من مشايخ العصر وأدرك جده لأمه الشيخ الإمام بهاء الدين بن عقيل وروى عنه. وبلغني أنه حضر هو وأخوه عند الشيخ جمال الدين الأسنوي بإشارة أبيهما، ودخل دمشق هو وأخوه مع أبيهما لمّا ولي القضاء بها سنة تسع وستين.

стр. 187

وفي تلك السنة توفي جده الشيخ بهاء الدين المذكور فاستجاز له حينئذ الشيخ شهاب الدين ابن حجي شيوخ ذلك الوقت. ولما رجع والده إلى القاهرة صرف همته إليه حتى مهر في مدة يسيرة وتقدم واشتهر بالفضل وقوة الحفظ. ثم لما مات أخوه القاضي بدر الدين سنة إحدى وتسعين كما تقدم في ترجمته استقر مكانه في قضاء العسكر ودخل مع أبيه أيضاً دمشق في سنة ثلاث وتسعين والعلماء إذ ذاك بالشام كثيرون فظهر فضله وعلا صيته، وكان والده يعظّمه وُيصغي إلى أبحاثه ويصوّب ما يقول، ثم دخل دمشق معه ثالثاً في سنة ست وتسعين وهي آخر قَدَمات والده. واستمر على الطلب والاجتهاد والإفتاء والتدريس وشغل الطلبة، ثم ولي قضاء الديار المصرية بعد تحقق موت القاضي صدر الدين المناوي في سنة أربع وثمان مائة قبل وفاة والده بسنة وكُسر ثم عُزل ثم أُعيد مراراً إلى أن تعصّب له جمال الدين الاُستادار الحلبي المشهور في الدولة الناصرية فرحل عنه القاضي شمس الدين الأخنائي إلى الشام فاستمر من سنة ثمان وثمان مائة إلى أن صرف في وقعة الناصر بدمشق سنة خمس عشرة ثم أُعيد عن قريب واستمر في الدولة المؤيدية لكن صرف بعد ذلك بالقاضي شمس الدين الهروي ثم أُعيد قبل سنة وذلك في سنة اثنين وعشرين. قال بعضهم: وقد جلس في بعض المهمات التي قدم فيها مع الناصر بالجامع الأموي وقرئ عليه البخاري وكان يتكلم على مواضع منه. وكان فصيحاً بليغاً ذكياً سريع الإدراك، وكان قد نقص عما كان عليه قبل ولاية القضاء، قال مرة: نسيت من العلم بسبب القضاء والأسفار العارضة بسببه ما لو حفظه شخص لصار عالماً كبيراً. انتهى. قال صاحبه شيخنا الحافظ ابن حجر -أمتع الله ببقائه- كان له بالقاهرة صيت لذكائه وعظمة والده في النفوس، وكان من عجائب الدنيا في سرعة الفهم وجودة الحفظ وكان من محاسن القاهرة ويكتب على الفتوى كتابة

стр. 188

حسنة بسرعة، وكان سليم الباطن حسن الشكالة لا يعرف الخبث والمكر كوالده -رحمهما الله تعالى. انتهى. قلت: وصنف كتباً كثيرة منها الإبهام على البخاري في أسماء رجاله المبهمين وقد حضرته يقرأ عليه، وجمع فوائد على الروضة وعلى المنهاج وهي المسماة بالنكت وبعضهم يسميها بتصحيح المنهاج، وجمع كتاباً في مناقب والده وغير ذلك وقد حضرته مرات. وكان كثير المحبة للوالد والمكاتبة له وينزل عنده أيام قدومه دمشق في الدولة المؤيّدية، وقد صلى خلفي لما صلّيت بالقرآن في سنة عشرين وثمان مائة من أوله إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ (١) من قبل نصف الأنبياء متوالياً. ثم رحل تلك السنة رابع عشر شهر رمضان مع المؤيد إلى البلاد الشمالية ثم قدم إلى دمشق بعد ذلك في سنة أربع وعشرين صحبة ابن المؤيد شيخ. وعَرضت عليه تلك السنة المنهاج والمحرر في أحاديث الأحكام لابن عبد الهادي بمنزله بصالحية (٢) دمشق وكتب لي بهما إجازة عظيمة بخطه رحمه الله تعالى وذلك بعد موت الوالد كما علمتَه في ترجمته، وأضفناه في تلك السنة بمنزلنا ببيت الآلهة ظاهر دمشق. وكان سهل الانقياد حسن الخَلْقِ والخُلُقِ كثير الاستحضار له حرمة وعظمة في النفوس. ثم رد تلك السنة في أواخر رمضان صحبة الظاهر طَطَرْ فحصل له مرض في الطريق وضاقت أخلاقه فلما قدم القاهرة لم يقم إلا قليلاً وتوفي يوم الأربعاء عاشر شوال سنة أربع وعشرين وثمان مائة عن إحدى وستين

стр. 189

سنة، ودفن على والده وأخيه بدر الدين بمدرستهم المعروفة بِحارة بهاء الدين داخل باب الفتوح وكان يوماً مشهوداً -رحمه الله تعالى- آمين. * * * العلامة زين الدين الفارسكوري عبد الرحمن (١) بن علي بن خلف الفارسكوري المصري العلامة المفنن زين الدين أبو المعالي مولده سنة خمس وخمسين وسبع مائة. وأخذ الفقه عن الشيخين الأسنوي والشيخ وغيرهما من مشايخ عصره. قال شيخنا الحافظ ابن حجر: أجاد الخط ومهر في الفنون وطلب الحديث بنفسه فقرأ الكثير وكتب بخطه وسمع ودرّس وأفتى وصنّف. فمن مصنفاته شرحه على شرح العمدة لابن دقيق العيد في أربع مجلدات أجاد فيه، وكان له حظ وافر من العبادة، وكان له مروءة ويسعى في قضاء حوائج من يقصده ولا سيما أهل الحجاز. وولي تدريس المنصورية ونظر الظاهرية وتدريسها في سنة ثلاث وثمان مائة فباشر ذلك أحسن مباشرة وعمرت الظاهرية في أيامه. وقد جاور بمكة عاماً ومات بالقاهرة في رجب سنة ثمان وثمان مائة. * * *

стр. 190

الشيخ زين الدين ابن لاجين عبد الرحمن (١) بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن لاجين الرشيدي العلامة زين الدين بن شمس الدين بن العلامة برهان الدين الموقت ولد سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. وانتفع على جماعة وسمع بدمشق من جماعة وحدّث وكان عنده علم بالميقات، وولي رئاسة المؤذنين وكان يخطب بجامع أمير حسن ظاهر القاهرة. قال الحافظ شهاب الدين ابن حجر: وكان بارعاً في الحساب والفرائض والميقات وشرح الجعبرية والأشنهية والياسمينية في الجبر والمقابلة وله مجاميع حسنة. توفي بالقاهرة سنة ثلاث وثمان مائة في جمادى الأولى ﵀ . * * * الشيخ أبو هريرة ابن النقاش واعظ القاهرة عبد الرحمن (٢) بن محمد بن علي بن عبد الواحد بن يوسف بن عبد الرحيم الدّكالي الأصل المصري الشيخ العالم الصالح الواعظ زين الدين أبو هريرة ابن الشيخ الصالح الواعظ العالم أبي أمامة الشهير بابن النقاش

стр. 191

قاصّ القاهرة وابن قاصّها، مولده في ذي الحجة سنة سبع وأربعين وسبع مائة. وسمع من جماعة، قال شيخنا الحافظ ابن حجر: حفظ المنهاج ودرّس بعد وفاة أبيه في جهاته واشتهر بالديانة والأمانة وصدق اللهجة وجودة الرأي والصدع بالحق والصرامة. ثم ولي الخطابة بجامع ابن طولون فكان يصرّح في خطبته بذم الظلمة وينكر ما يشاهده أو يسمع به من الوقائع وجرت له في ذلك خطوب مع التّرك والقبط وهو مع ذلك معظم عندهم. وكان مقتصداً في ملبسه متفضلًا على المساكين ممن ينسب إلى السنة كثير الإقامة في منزله مقبلًا على شأنه عارفاً بأمر دينه ودنياه، يكتسب غالباً من الزراعة ومن كري العقار وَيبَرُّ أصحابه ويقوم بحقوقهم مع محبة الحديث وأهله وكثرة الحج والمجاورة وكان بيني وبينه مودة. مات في ذي الحجة سنة تسع عشرة وثمان مائة ودفن عند باب القرافة على قارعة الطريق بوصية منه ليترحّم عليه من يمرّ به ثم بنيت له هناك مصطبة وجعل على قبره صندوق خشب ودفن بجنبه جماعة -رحمه الله تعالى. انتهى كلام شيخنا. وقال غيرة: هو الإمام العالم الأوحد البارع الواعظ المشهور بالقاهرة الصادع بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو من الطبقة الأولى من أصحاب الشيخ ومن الأئمة الأعلام الخائفين من الله تعالى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر لا يشك أحد في خيره ودينه. وعرض عليه القضاء بالديار المصرية غير مرة فامتنع، وكان من الأعلام لكن غلب عليه الوعظ فحصل للعامة به النفع. وكان رحمه الله تعالى في مواعظه يحطّ على الظلمة وغيرهم من المفسدين من أهل الشوكة، ولم يل شيئاً من المناصب كالقضاء غير ما تقدم.

стр. 192

أدرك الشيخ جمال الدين الأسنوي ومن في طبقته وأخذ عنهم، وانتفع على المذكور جماعة سيّما العامة. وتأخر بعد الشيخ مدة وكان يعظمه ويحترمه ويثني على فضله ودينه -رحمه الله تعالى وإيانا بكرمه، وقد قدّمنا تاريخ وفاته. وأنشد بعضهم على لسان حاله: بقارعة الطريق جعلت قبري ... لأحظى بالترحم من صديقي فيا مولى الموالي أنت أولى ... برحمة من يموت على الطريق * * * الشيخ زين الدين الملكاوي عبد الرحمن (١) بن موسى بن راشد بن طرخان الملكاوي الشافعي القاضي ابن أخي القاضي شهاب الدين، هو الفقيه الفاضل زين الدين. حفظ المنهاج واشتغل وفضل في الفقه وكان يعرف الفرائض وهو رجل جيد لا بأس به، واعتراه بآخرة تغير في عقله، وكان في بعض الأحيان يزيد عليه وكان مع ذلك ضابطاً. توفي يوم الجمعة تاسع عشرين المحرم سنة إحدى وثمان مائة وصلى عليه عقيب صلاة الجمعة بالجامع الأموي، وكان في عشر الخمسين -رحمه الله تعالى. قلت: هذا المذكور لم يكن في هذا البيت -أعني الملكاويين- أشعري الاعتقاد سواه -فرحمه الله تعالى وعفا عنا وعنه آمين. * * *

стр. 193

الشيخ زين الدين الكردي الواعظ عبد الرحمن (١) بن يوسف بن. . . .، الكردي الأصل الدمشقي الشيخ العالم المحدث الواعظ زين الدين أبو الفرج، واعظ الشام في عصره والمتقدم في ذلك على أهل مصره. اشتغل المذكور بدمشق وقرأ التنبيه وحضر عند بعض مشايخ العصر وتفقه مدة يسيرة ولم يتبحر في الفقه ولا في غيره من العلوم. ثم اشتغل بالوعظ وحصل له القبول التام من العامة ما لم يحصل لغيره من طبقته وتميز في ذلك، وكان رجلًا صالحاً كثير التلاوة للقرآن حسن الشكالة منور الشيبة لين الجانب يحتمل الأذى من الفقهاء وكان يحصل له منهم الأذى لا سيّما لما يتكلم في العلوم أو يفتي بعض العوام في بعض الأوقات فيحصل منه غلطات فاحشة لا تخفى على الطلبة فضلًا على المشايخ من أهل العلم، وقد منع غير مرة من الإفتاء، وبالجملة فكان من أهل العلم في الجملة وشيخ فنّه في وقته. وعظ الناس بدمشق قريب أربعين سنة، وكان صحيح الاعتقاد أشعري العقيدة بخلاف والده جمال الدين يوسف وستأتي ترجمته في باب الياء. وتوفي إلى رحمة الله تعالى في أحد الجمادين سنة تسع عشرة وثمان مائة، وكانت جنازته مشهودة، ورؤيت له منامات صالحة بعد وفاته. ولما حضرته الوفاة توضأ وصلى وشرع يتلو إلى خروج روحه وأخبرني شخص من خواصه أنه قسّم تركته قبل موته وأعطى كل ذي حق حقه وفصّل كفنه بيده ولم يزل يتلو ويذكر الله إلى أن خرجت روحه بمنزله بمساطب الصوف بمحلة مسجد القصب خارج دمشق ودفن بمقبرة باب توما

стр. 194

على حافة الطريق المسماة اليوم بمقبرة الشيخ رسلان الإمام الرباني المولى الكبير معاصر سيدي عبد القادر الكيلاني -رضي الله تعالى عنهما- ونفعنا ببركتهما -رحمه الله تعالى وعفا عنا وعنه بمنه وكرمه آمين. * * * الشيخ زين الدين بن الجلال العراقي عبد الرحمن (١) بن الجلال العراقي الشافعي الإمام العلامة زين الدين. أحد المهرة في المعقولات، وكان فقيهاً يحفظ الحاوي الصغير ويفهمه على وجهه عالماً بالقراآت السبع ديّناً خيّراً سخيّاً. قدم دمشق فاعترف بعلمه وفضله شيخنا الإمام علاء الدين بن البخاري وأكرمه وأخذ عنه جماعة من الفضلاء منهم صاحبنا العلامة شهاب الدين أَحْمد الكوراني وكان يثني على فضله، ثم زار القدس والخليل وكان شريف النفس فضائله جمة. توفي إلى رحمة الله تعالى بعد الأربعين وثمان مائة عفا الله تعالى عنه آمين. * * * الحافظ الكبير زين الدين العراقي عبد الرحيم (٢) بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم الشيخ

стр. 195

الإِمام العلامة حافظ الإسلام بقية الأعلام زين الدين أبو الفضل العراقي الأصل الكردي ثم المصري نزيل القاهرة، ولد في جمادى الأولى سنة خمس وعشرين وسبع مائة. وقرأ القرآن ثم حفظ التنبيه وعدة كتب واشتغل بالفقه والقراآت وبقية الفنون ولازم الشيوخ في ذلك ومهر وسمع في غضون طلبه العلم من الشيخ جمال الدين ابن شاهد الجيش وعبد الرحمن بن عبد الهادي وعلاء الدين التركماني والشهاب أحمد بن أبي الفرج البابا وابن سمعون وغيرهم. وولع بتخريج أحاديث الإحياء ووافق الزيلعي في تخريجه أحاديث الكشاف وأحاديث الهداية فكانا يتعاونان. وكان مفرط الذكاء فأشار عليه القاضي عز الدين ابن جماعة بطلب الحديث لما رآه مكباً على تحصيله وعرّفه الطريق في ذلك فطلبه على وجهه من بعد الخمسين وسبع مائة. ولو كان طلبه قبل ذلك لأدرك الإسناد العالي فإنه كان يمكنه السماع من ابن المصري خاتمة أصحاب ابن الجميزي وابن رواج بالإجازة ومن جمع من أصحاب النجيب فأكثر عنه ثم رحل إلى دمشق فأدرك ابن الخباز -هو محمد بن إسماعيل- خاتمة أصحاب ابن عبد الدائم والمرداوي -هو أحمد بن. . . .- خاتمة أصحاب الكرماني وأخذ عنهم وعن غيرهم. ثم أكثر الترحال إلى الشام والحجاز وهمّ بالتوجه إلى بغداد ثم فتر عزمه وسمع بحلب وحماة وحمص وبعلبك وطرابلس وإسكندرية، وأراد التوجه إلى تونس فلم يتفق له ذلك. ثم أقبل على التصنيف فنظم علوم الحديث لابن الصلاح المسماة اليوم بالألفية ثم شرحه وعمل نكتاً على ابن الصلاح وشرع في تكملة شرح الترمذي تذييلًا على ابن سيد الناس كمّل نحو عشر مجلدات إلى دون ثلثي

стр. 196

الجامع، واختصر تخريج أحاديث الأحياء في مجلدة وله نظم غريب القرآن ونظم منهاج البيضاوي وتخريج أحاديثه، واستدرك على المهمات لشيخه الأسنوي كتاباً سماه مهمات المهمات وعلى وفيات الأعيان ذيلًا على ذيل الحسين بن أيبك. وعقد مجلس الإملاء في كل ثلاثاء غالباً أكثر من أربع مائة مجلس من حفظه، كثير الفائدة. وولي قضاء المدينة الشريفة سنة ثمان وثمانين فأقام بها نحو ثلاث سنين. قال تلميذه الحافظ ابن حجر: وصار المنظور إليه في هذا الفن وخرّج أربعين. . . . متباينة البلدان ولكن لم يكملها رأيتها بخطه وقد زادت على الثلاثين. ووصفه بحافظ العصر شيخه الشيخ جمال الدين الأسنوي الآتي ترجمته عقبها في طبقاته في ترجمة ابن سيد الناس وفي المهمات أيضاً. ووصفه بالمهارة في الفن شيخه الشيخ صلاح الدين العلائي، ومن قبله الشيخ تقي الدين السّبكي. وأخذ عنه فقهاء العصر كأبي المعالي ابن عشائر الحلبي ومات قبله بدهر. وقرأت عليه كثيراً ولازمته طويلًا وكان لا يترك قيام الليل وإذا صلى الصبح ذكر الله في مجلسه حتى تطلع الشمس ويصلي الضحى ولم أرَ في مشايخي أحسن صلاة منه -انتهى كلام شيخنا الحافظ ابن حجر. وقال الشيخ العلامة شيخ الشام في عصره ومحدثه ومؤرخه شهاب الدين ابن حجي السعدي المتقدم ترجمته في الأحمدين في حق المذكور: الإِمام الحافظ شيخ المحدثين، كان محدث الديار المصرية، انتهت إليه بها معرفة علم الحديث، كتب وجمع وصنف. وولي مشيخة الحديث بعدة مواضع ودرّس بالفاضلية وغيرها، ورأيت خطه على فتوى في هذه السنة.

стр. 197

وكان حسن الوجه والشيبة، مات بعد خروجه من الحمام في شعبان سنة ست وثمان مائة وله إحدى وثمانون سنة وثلاثة أشهر -رحمه الله تعالى-. قلت: وترجمة الحافظ المذكور استيعابها يطول لا سيما في مختصرنا هذا وشهرته تغني عن الإطناب في أمره وتصانيفه ناطقة بفضله وهو شيخ الجماعة والأئمة الذين كانوا في عصره ولعل غالبهم تلامذته في الفن، وقد أدركنا غالب أعيان تلامذته وأخذنا عنهم بحمد الله وهو ولد شيخنا الإمام وليّ الدين المتقدم في الأحمدين ولنقتصر منها على ما ذكرناه. وقد أحببت أن أترجم سميّه وشيخه إمام المذهب وشيخه في عصره جمال الدين عبد الرحيم الأسنائي، وقد أفرد له تلميذه الحافظ المذكور ترجمة حسنة وقفت عليها وهي عندي فلنذكر مقاصدها ونضيف إلى ذلك ما تيسر من كلام غيره مع ما اطلعت عليه من ترجمته إن شاء الله تعالى فلا تمل من طولها فإنها بديعة تشتمل على فوائد ومحاسن جليلة فنقول وبالله التوفيق. * * * شيخ الشافعية جمال الدين الأسنوي -تغمده الله برحمته - هو الإمام العلم شيخ الإسلام وأُستاذ المتأخرين الأعلام وإمام عصره في الفنون مُرتّب المذهب ومنقّحه ومتقنه ومهذبه جمال الأئمة مفتي الأمة أبو الحسن عبد الرحيم الأسنوي القرشي الشافعي. وقد ساق نسبه صاحب الترجمة الحافظ المذكور إلى معد بن عدنان من ولد إسماعيل جد النبي ﷺ فقال:

стр. 198

هو عبد الرحيم (١) بن الحسن بن علي بن عمر بن علي بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن سليمان بن الحسن بن الحسين بن عمر بن الحكم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي الأموي الإسنوي الشافعي أبو محمد جمال الدين. سُمّي ولقب بذلك باسم عمه جمال الدين عبد الرحيم بن علي، وكان توفي قبل مولد صاحب الترجمة بيسير فلما ولد سمّوه باسمه ولقبوه بلقبه. قلت: وقد أشار هو -أعني الشيخ جمال الدين- إلى ذلك في طبقاته في آخر ترجمة والده من أوائل الكتاب المذكور، وكان مولده ﵀ بِأَسنا (٢) من صعيد مصر الأعلى في أواخر سنة أربع وسبعمائة ونشأ بها وحفظ القرآن والتنبيه وتوفي أبوه سنة ثمان عشرة وسبع مائة. قلت: وقد ذكر هو ذلك في طبقاته في ترجمة أبيه -أعني مولده ووفاة والده. ثم قدم إلى مصر سنة إحدى وعشرين وسبع مائة ونزل بدار الحديث الكاملية بالقاهرة وتفقه بها على الشيخ قطب الدين محمد بن عبد الصمد بن عبد القادر السنباطي والشيخ جمال الدين أحمد بن محمد بن سليمان الوجيزي. قلت: لقب بذلك لكونه كان يحفظ الوجيز للغزالي كما نبّه على ذلك

стр. 199

صاحب الترجمة في طبقاته في ترجمة المذكور من أواخر الكتاب في حرف الواو فاعلم ذلك. وتفقه أيضاً على علاء الدين علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي شارح الحاوي والشيخ مجد الدين الزنكلوني والشيخ تقي الدين السبكي، وأخذ الأصلين عن الشيخ علاء الدين القونوي المذكور وعن الشيخ بدر الدين محمد بن أسعد التستري وأخذ النحو عن الشيخ أبي الحسن الأنصاري والد تلميذه الشيخ سراج الدين ابن الملقن الآتي ذكره إن شاء الله في هذا الباب والشيخ أثير الدين أبي حيان وسمع الحديث من أبي النون يونس بن إبراهيم بن عبد القوي العسقلاني وأبي علي بن الأثير وأبي الفضل بن الصابوني وأبي الحسن بن النقيب وأبي محمد بن عبد العزيز بن عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب والعلاّمة شمس الدين القمّاح والعلامة الفقيه كمال الدين الأسواني في آخرين. وبرع في الفقه وأصوله وجمل النحو وفصوله حتى صار في الفقه أوحد زمانه وفي الأصول فارس ميدانه وفي النحو ترجمان لسانه، سلك من طريق العلوم أفسح المسالك وأدرك في تحقيق المفهوم أنقح المدارك، جرّد الهمة لما درس في معاهد التدريس وجدد في الأمة ما أسس من قواعد محمد بن إدريس، طار اسمه في الأقطار فعلًا وسار علمه في الأمصار فحلاً وصار حكمه في الأعصار مثلًا، فإن ذكر في النسب فهو في دوحة عليائه وأن ذكر في الأدب فهو حامل لوائه، وأن ذكر التصون والعفاف فهو ذو جريجه، وإن ذكر الفقه فهو ابن سريجه، وإن ذكر الأصول فهو أصيله وأثيله، وإن ذكر النحو والعروض فهو خليله، وإن ذكر التاريخ فهو إنسان عيونه، وإن ذكر الحديث فهو لسان متونه، وإن ذكر التوحّد في تأويل التنزيل فهو سعيد بن جبير، وإن ذكر التفرّد فهو أبو السليل ضريب بن نفير، وإن ذكر التفوه بالحكم فهو قس بن ساعدة، وإن ذكر التوجه في الظلم فما ريحانة العابدة، وإن ذكر بذل الفضل فهو عديُّهُ وحاتمه، وإن ذكر قول العدل فهو وليّه وحاكمه، وإن ذكرت السباق فهو صهيبها وبلالها، وإن ذكرت مكارم الأخلاق فهو صيّبُها وطلاَلها.

стр. 200

كان بحراً لا تدركه الدَّلاء وحبراً لا يضجره الإملاء وسراً لا يغيره الابتلاء، إن جلس مع أهل الدنيا فهو سيدهم وإن حضر مع أصاغر طلبته فهو أحدهم، لا يستأثر عليهم بمأكل ولا مشرب وليس له عن طالبيه مفر ولا مهرب، لا يطوي عن أحد منهم بشراً ولا يلوي عنقه عن السائل كبراً ولا يأوي إلى حب التعاظم فخراً ولا ينوي لأحد من أهل الدين عذراً. سما عن سمات الغدر فهو بريّه ... فليس له فيما رأيت شبيه فما ناطق في الكون إلا بعلمه ... وإحسانه في الخافقين يفوه انتصب للإقراء والتدريس والإفادة من سنة سبع وعشرين وسبع مائة وهلمّ جرا إلى قبل وفاته بيومين فتفقه عليه وتخرّج به جماعة من الأئمة الفضلاء منهم أولاد شيخه الشيخ علاء الدين القونوي الثلاثة محب الدين محمود والشيخ بدر الدين الحسن والشيخ صدر الدين عبد الكريم والشيخ جمال الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الرحيم بن الأسيوطي والشيخ علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحيم الأقفهسي والشيخ برهان الدين إبراهيم بن موسى بن أيوب الأبناسي والشيخ سراج الدين عمر بن الشيخ أبي الحسن علي بن أحمد الأنصاري والشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد بن إبراهيم بن القمّاح والشيخ زين الدّين أبو بكر بن الحسين بن عمر المراغي والشيخ صدر الدين سليمان بن إبراهيم الأمسيطي في آخرين لا يحصون كثرة. وسمع عليه الحديث جماعة من الأئمة منهم الشيخ شمس الدين أبو العباس محمد بن أحمد بن موسى بن سند اللّخمي والشيخ جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب البغدادي والشيخ شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد العرياني والشيخ صدر الدين سليمان بن يوسف بن مفلح الياسوفي والشيخ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي. قال الحافظ زين الدين العراقي -صاحب الترجمة الأولى-: وحضرت آخراً من مسموعاته، سمعها ابني أبو زرعة أحمد وقرأت عليه أيضاً من مصنفاته التمهيد والكوكب، وكان بعض الكتابين بقراءة الشيخ جمال الدين

стр. 201

ابن الأميوطي وسمع الكتابين المذكورين ابني أبو زرعة وصاحبنا الشيخ نور الدين الهيثمي المذكور، وقرأت عليه قطعة صالحة من المهمات سمعها ابني أبو زرعة والهيثمي أيضاً. انتهى. قلت: ومن طلبته الذين لم يذكرهم الحافظ زين الدّين العراقي جماعة آخرين أذكر منهم من حضرني الآن ذكره فمنهم الشيخ بدر الدين الزركشي الإمام المشهور صاحب المصنّفات، وهو الذي كفل شرحه على المنهاج والشيخ نور الدين الأدمي والبرسهسي والشيخ كمال الدين الدميري والطنبدي والشيخ برهان الدين البيجوري والشيخ مجد الدين البرماوي والشيخ زين الدين الفارسكوري والشيخ محب الدين الخصوصي والشيخ شهاب الدين القمني شيخ زين الدين القمني والبكري الكبير وغيرهم، وطلبته الأعيان يزيد على المائة. وأما من حضره أو قرأ عليه وهو صغير فكثير لا يحضرني، منهم ولد الشيخ زين الدين شيخنا الإمام ولي الدين، وكذلك الشيخ سراج الدين البلقيني كما تقدم بإشارة أبيهما في آخرين. وكان الشيخ زين الدين لم يذكر إلَّا الأعيان من الطبقة الأولى من تلامذته الذين هم من أضرابه وأخبرني بعض الفقهاء من المصرين المطلعين أن تلامذته تشتمل على سبع طبقات. قال شيخنا الإمام ولي الدين ولد الحافظ زين الدين المذكور في وفياته: اشتغل بالعلوم فمهر في الفنون واشتهر صيته وطبق الأرض ذكره حتى صار أكثر علماء الديار المصرية من طلبته. انتهى. ذكر مصنفاته: قال الشيخ زين الدين: صنف كتباً مفيدة نفع الله بها الناس فمن أجلّها كتاب المهمّات في ثمان مجلدات في الكلام على مواضع من شرح الرافعي الكبير والروضة، ومنها كتاب جواهر البحرين في تناقض الحبرين مجلد، ومنها الهداية إلى أوهام الكفاية لابن الرفعة مجلدان أو مجلد ضخم، ومنها شرح منهاج البيضاوي مجلد، ومنها التصحيح والتنقيح يتعلقان بالتنبيه، ومنها زوائد المحصول والأحكام وأصول ابن الحاجب على

стр. 202

منهاج البيضاوي جزء لطيف، ومنها كتاب التمهيد فيما يبنى من المسائل الفقهية على القواعد الأصولية، ومنها كتاب الكوكب الدرّي فيما يبنى من المسائل الفقهية على القواعد العربية، ومنها كتاب الألغاز، ومنها كتاب أحكام الخناثى، ومنها شرح عروض ابن الحاجب، ومنها كتاب الطبقات, ومنها كتاب الأشباه والنظائر، ومنها كتاب الجمع والفرق، وهذان الأخيران مات عنهما قبل تبييضهما -ولكن يبيضان إن شاء الله تعالى- ومن التصانيف التي لم يكملها شرح المنهاج للنووي كتب فيه من أوله إلى الإجارة، وشرح التنبيه كتب منه نحو مجلد، ومختصر الشرح الصغير للرافعي كتب منه قطعة، وكتاب البحر المحيط كتب فيه مجلداً، وشرح الألفية لابن مالك -رأيت بخطه منه أربعة كراريس- مبيضة، وشرح التسهيل لابن مالك كتب منه قطعة وله ثلاث مجاميع أحدها المجموع الكبير في مجلد ضخم والآخران في قطع ربع البلدي. وحجّ إلى بيت الله الحرام مرتين، مرة في الموسمي سنة سبع وثلاثين وسبع مائة ومرة مع الرّكب الرّجبي في سنة تسع وأربعين وسبعمائة. وتصدّر للإقراء بالمدرسة المالكية ودرّس بالمدرسة الأقبغاوية والفارسية وتدريس التفسير بجامع ابن طولون وأعاد بالمدرسة الناصرية وتدريس المصالح بالمدرسة المنصورية وولي تدريس المدرسة الفاضلية ولم يتناول شيئاً من معلوم التدريس مدة ولايته وهي ثماني سنين بل عمّر أوقافها حتى صارت أجرتها ضعفي ما كانت عليه، ولم يحضر بها الدرس وكان يتورع عنها لكونها شُرط في مدرّسها الورع. وسأل بها مرة بحضوري الشيخ شهاب الدين ابن النقيب أن ينزل له عنها وكان المانع من الشيخ شهاب الدين، ثم أراد النزول عنها في آخر عمره للشيخ عماد الدين إسماعيل بن إبراهيم بن جماعة، وقال هو أورع مني فلم يتفق ذلك. وولي وكالة بيت المال ونظر الكسوة وولي الحسبة بالقاهرة كالمكره على ذلك ورأيته بعد أن لبس لها وهو يبكي بسبب ذلك وبلغني أن الملك

стр. 203

الناصر حسن قال بعد أن ألزمه بها: خوّفته فخاف، وأقام فيها مدة ثم صُرف عنها مختاراً لذلك ثم استعفى من وكالة بيت المال مدة وهو ممتنع من الحضور في دار العدل باختياره لذلك فأعفي منها والحمد لله. وأقبل على نشر العلم والورع في إتمام مؤلفاته إلى أن كمل منها ما يسره الله تعالى مما تقدم ذكره. وكان له إحسان كثير للطلبة وبر خفي لا يعلم به إلا الله تعالى ومن هو على يديه. وكان لا يحب أن يأكل وحده بل يدعو من وجده، وكان كثيراً ما يهيئ عنده من الأطعمة لمن يأتيه من الطلبة والواردين ويدعوهم واحداً واحداً. وكان يحب الخلوة والانفراد عن الناس إلا في وقت إفادة العلم في تصدّر أو درس أو مقابلة، وجمع إخوانه على ما يسرهم في الله فجزاه الله عنا خير الجزاء. ثم حكي عنه أخباراً ببعض المغيبات وذكر أنه شاهده منه، ثم قال: والله يطلع من يشاء على ما يشاء، وهذا يسير بالنسبة إلى صالحي العوام فضلاً عن صالحي العلماء فقد كان من أهل بيت مشهور بذلك. ثم ذكر ترجمة والده وقد ذكرها هو في طبقاته فلتراجع منها، ثم ذكر أبواباً فيما جاء في فضل قريش والأمر بالتعلم منهم والأخذ عنهم، ثم ذكر شيئاً من مروياته ومن اختياراته في المذهب وغالبها في مصنفاته فلا حاجة إلى الإطالة بذكرها. ولا بأس بذكر شيء من نظمه، قال الشيخ زين الدين: أنشدنا الإمام العلامة جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن رحمه الله تعالى لنفسه من لفظه يمدح الشرح الكبير للرافعي: يا من سما نفساً إلى نيل العلا ... ونحى إلى العلم العزيز الرافع قلد سميّ المصطفى ونسيبه ... والزم مطالعة العزيز الرافعي

стр. 204

وأنشدنا أيضاً من لفظه لنفسه وكتب بها إلى بعض الدولة حين سافر إلى الصعيد مع الأمير: أقول للركب إذ أّمُّوا بوجههم ... ظَهْرَ الصَّعيد رضىّ للواحد الأحد لا ترفعوا المسح قبل الظهر واجتهدوا ... إذ تصعدون ولا تلووا على أحد ومن شعره أيضاً فيما قرئ عليه وأنا أسمع ونقلته من خطه يمدح معهده و. . . . ويذكر سلفه وأباه: أيا قاصداً أعلى الصعيد وأسناها ... أقصر عناك واقصد حب أسناها ديار بها أغصان عمري أورقت ... وأشجار مسك للعلوم غرسناها بطيب هواً واصطفاء مشارب ... وتدريب أباءٍ فلا عشت أنساها فيا أيها الحادي برقة لفظها ... إلى لطف معناها وبهجة مغناها رويدك من عبد الرحيم تحية ... لأجداث صرعى بالسداد عرفناها عرفنا بها للخير كل محجة ... وبالجانب الغربي قدماً دفناها حوت ورعاً علماً حياءً وعفّةً ... رعى الله هاتيك النفوس وحياها إذا هجع النّوام قاموا وأعملوا ... لرب البرايا ألسناً وشفاها يخرّون للأذان يبكون خشية ... فناهيك منها أعيناً وجباها إلى الدوحة العليا قريشٌ تناسبوا ... نسيبهم خير الخلائق طاها ومن اختياراته الحسنة في المذهب أنه كان يختار للمنفرد الجمع بين الشفع والوتر بتسليمة واحدة إذا أوتر بثلاث وهو اختيار الروياني والذي عليه الرافعي والنووي وغيرهما أن الفصل أفضل. ومنها أنه كان يختار استحباب القنوت في جميع السنة وهو الذي اختاره النووي في التحقيق والمشهور المذكور خلافه. ومنها أن غرس الشجر في المسجد حرامٌ والذي جزم به النووي في الروضة من زياداته أنه مكروه فقط وقد وافقه في التحريم القاضي حسين في تعليقه وتلميذه البغوي في فتاويه.

стр. 205

ومنها أنه اختار أن الردة تبطل العمل مطلقاً يقول أبي حنيفة وحكاه عن نص الشافعي في الأم وهو خلاف ما جزم به الشيخان. ومنها أنه اختار كراهة الطواف راكباً بغير عذر وهو خلاف ما نقله الرافعي عن الأصحاب أنه لا يكره. وله اختيارات كثيرة معروفة فليقتصر على ذلك. ثم قال الشيخ زين الدين العراقي -ذِكْرُ مرضه ووفاته: وكان ابتداء ذلك أنه حصل له يوم الثلاثاء سادس جمادى الأولى سنة اثنين وسبعين وسبع مائة هواء في حلقه فانقطع عن الدرس جمعة ثم عوفي منه يوم الثلاثاء ثالث عشر الشهر المذكور وحضر الدرس بجامع ابن طولون في يوم الأربعاء رابع عشر وانتهى في الدرس إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) وقال: هاهنا نقف. قال الحافظ زين الدين: وأخبرني من حضر معه الدرس المذكور أنه قام من الدرس وهو يكرر هذه الآية الكريمة ويمسح عينيه من الدموع إلى أن ركب وهو يكررها ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. ثم حضر يوم الخميس الدرس بالأقبغائية وقال للطلبة في الدرس: أن الغزالي ذكر في الإحياء أن المستحب أن لا يعاد المريض إلا بعد ثلاثة أيام فلا تشوشوا علي ولا تعودوني إلا بعد ثلاثة أيام، ورجع إلى منزله. ثم ركب بقية النهار في عقيقة لبعض فقهاء المالكية، ورأيته يومئذ في وقت العصر حين رجع من الركوب وهو طيب. ثم جئت إليه يوم الجمعة قبل الصلاة فذُكر لي أنه شرب دواء فدخلت إليه منزله وهو متكئ فقال لي: أنا طيب وإنما شربت دواء بسبب البلغم. قال الشيخ زين الدين: وهو آخر ما رأيته حياً، ثم انقطع عن الركوب للدرس يوم السبت فقط، وبلغني أنه كتب ذلك اليوم في بعض تصانيفه.

стр. 206

ثم خرج ليلة الأحد من منزله إلى المدرسة بعد صلاة العشاء الآخرة وجلس يتحدث مع الجماعة ساعة ثم دخل منزله. ثم خرج بعد رقدة وحده فمشى حول الفسقية ثم استقبل القبلة ودعا طويلًا. ثم دعا بعض طلبته فتوكأ عليه إلى أن دخل منزله. ثم قال: ادع لي الجارية تحضر لي ثياباً نظيفة أغيّر علي ثيابي واتكأ على ساعده، فلما نزلوا له بالثياب وجدوه قد قضى إلى رحمة الله تعالى في ليلة الأحد من عشر الشهر المذكور. ودفن من الغد بتربته التي أنشأها خارج باب النصر وتقدم في الصلاة مولانا قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء، وصُلي عليه بجامع الحاكم لكثرة الناس، ثم صُلي عليه عند تربة ابن جوشن، ثم صُلي عليه عند تربته. قال الشيخ زين الدين: وحضرت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ولم أرَ في عمري جنازة أكثر بكاءً منها ولا أكثر جمعاً إلا ما كان في جنازة الشيخ حسين الجاكي فإني حضرتها وأنا صغير، وكذلك جنازة سيدي الشيخ عبد الله المنوفي لم أرَ أكثر جمعاً منها، إلا أن الناس كانوا خرجوا اتفاقاً ليدعوا الله. . . . ويرغبوا إليه لدفع الوباء، ونودي فيهم لذلك فخرجوا إلى الصحراء، وَكَأَنَّ اجتماعهم في الحقيقة للصلاة على الشيخ عبد الله المنوفي -رحمه الله تعالى. وقد روي عن الإمام أحمد بن حنبل -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: بيننا وبينهم الجنائز يريد بذلك والله أعلم اجتماع الخلق واجتماع ألسنتهم على الثناء الحسن الجميل. ثم قال الحافظ: وكان شيخنا -رحمه الله تعالى- يعني الأسنوي صاحب الترجمة -وقد ظهر عليه قبل موته بيسير استشعار الموت واقترابه. وكان على ما حكي لي، قد رأى عمر بن الخطاب ﵁ قبل موته بيسير، حكى لي بعض أصحابه -وهو الذي كان ينسخ تصانيفه

стр. 207

وهو القاضي نور الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن الخلّال الأسنائي قال: دخلت للشيخ فأعطاني كراريس لأنسخها، وكان في الكراريس ورقة فرفعها هو من الورق فأردت أن آخذها لأنظرها فقال: هذه مما تتعلق بك فألححت عليه أسأله, فقال لي: رأيت في النوم كأني جالس في مكان وكأني أشغل وأنا أتكلم فقال لي رجل جالس إلى جانبي: اشتقنا إليك يا فلان، فسألت جليسي من هذا؟ فقال لي: هذا عمر بن الخطاب ﵁ في منام له ذكره فكأنه بسبب ذلك استشعر الموت وقرب أجله والله تعالى أعلم. قال تلميذه العلامة سراج الدين ابن الملقن في طبقاته: هو شيخ الشافعية ومفتيهم ومصنفهم ومدرسهم ذو الفنون، ومات فجأة ليلة الأحد ثامن عشر جمادى الأولى سنة اثنين وسبعين وسبع مائة، وكانت جنازته مشهورة، وتقضّى بالحسينية بالجامع الطولوني وحكم بالقاهرة، وتولى وكالة بيت المال وحسبة القاهرة ومن شعره ما أنشدنيه بعض طلبته -أقول للركب- الأبيات المتقدمة. انتهى. ذكر ما رثي به من الشعر: قال الحافظ زين الدين: وقد رثاه جماعة من الأئمة من أصدقائه وطلبته فمما رثاه به جامع هذه الترجمة عبد الرحيم بن الحسين: تنكّرت الدّنيا فلست أَخَالُها ... لفقدكم إلا تداني زوالها وأيامنا اسودّت وكانت بقربكم ... ليالي الوفا بيضاً بريقاً صقالها فلله أوقات تقضّت بقربكم ... وروضات أنس مورقات ظلالها غدا الدّهر وهو الدّهر ما زال مؤلماً ... فغيّر معناها وزال أمالها أراه بصيراً بالأحبة يبتغي ... خياراً ويبقي في الديار رذالها يعز على نفسي وعيني أن ترى ... مجالس علم ليس فيها جمالها فمن بعده للمعضلات يحلها ... إذا أغلقت فهماً وأعيا سؤالها أباً كان للطلاب لطفاً ورأفةً ... وأوصاف برٍ ليس يلفَى مثالها

стр. 208

لقد أيتم الطلاب حتى لقد غدوا ... كطعن عوان مات عنها رجالها وقد درست يوم استقلوا بنعشه ... دروس غزار الفضل فصل مقالها بكاه سماء الجو يوم مماته ... كذا الأرض حتى سهلها وجبالها ويبكيه أهل الدين إنْسٌ وجنة ... وأولادها في مهدها وعيالها أَطُلابه موتوا جوىّ بعده فما ... بقاء علوم غاب عنها هلالها أُصبنا به وقت الكمال وإنما ... خسوف بدور إذ يكون إكمالها أأبكي جمال الدين عبد الرحيم من ... فقيد بنفس للنعيم مآلها أعزي جميع المسلمين به فهم ... بنوا علمه شيخانها واكتهالها لقد كان مأوىً للغريب وملجأً ... لذي عثرة حتى تراه يُقالها وينفق في ذات الإله فما درت ... بما أنفقت يمناه يوما شمالها عزوبٌ عن الدنيا عكوف على التقى ... أَلوفُ فعالٍ لا يبيد فعالها شغولٌ بما يعنيه عن غيره ولا ... يُدَهُرِهُهُ قيل النفوس وقالها صحيح اعتقاد ولم يكن متفلسفاً ... ولا شأنه إرجاؤها واعتزالها له نفس حرٍ لا تذلّ لمطمع ... سمت عن سماء الفرقدين خصالها فلم يبتذل نفساً لذلٍ وإنما ... لخدمة بذل العلم كان ابتذالها وكم في قريش عالم متقدمٌ ... وآخرها عبد الرحيم كمالها لئن فجعتنا الحادثات بشخصه ... فآثاره فينا يدوم اتصالها تصانيفه تُتلى وأصحابه لها ... مجالس يردي الملحدين جدالها قال الشيخ زين الدين: ومن ذلك مما رثي به ما أنشدنيه الشيخ الإمام العلامة جمال النحاة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصايغ لنفسه من لفظه: أتيتَ يا موتُ بخطبٍ عظيم ... وجئت بالأمر الممر الجسيم الجاهل الناقص أَبقيته ... ورحت بالفاضل عبد الرحيم وهذا آخر ترجمة شيخ الإِسلام جمال الدين الأسنوي -تغمده الله

стр. 209

تعالى برحمته وأسكنه فسيح جنته -آمين. * * * القاضي تاج الدين ابن الزُّهري ﵀ - عبد الوهاب (١) بن أحمد بن صالح بن أحمد بن خطّاب الإِمام العلامة قاضي القضاة تاج الدين مفتي المسلمين صدر المدرسين أبو نصر بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الشافعية القاضي شهاب الدين بن. . . . العباس الزهريّ البقاعي الأصل ثم الدمشقي، مولده سنة سبع وستين وسبع مائة بتقديم السين. وحفظ التمييز للبارزي وغيره، وأخذ عن والده والشيخ نجم الدين ابن الجابي والشيخ شرف الدين الشُّريشي وغيرهم من مشايخ عصره هو وأخوه القاضي جمال الدّين المتقدم. ونشأ على طريقة حسنة وملازمة لطلبة العلم، وانتهى في الشامية البرّانية في جمادى الآخرة سنة خمس وثمانين هو وأخوه وجماعة منهم الشيخ شهاب الدين ابن نشوان المتقدم وشمس الدين ابن زهرة. وحضر قراءة أصول ابن الحاجب على والده وفرغ منه في جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين، وفي هذا الشهر أذن له والده في الإفتاء ولأخيه وجماعة من طلبته. ودرس في العادلية الصغرى والشامية الكبرى في حياة والده، وناب عنه في القضاء تلك المدّة اليسيرة ثم ناب عن القضاة بعده مدة طويلة، ثم

стр. 210

استقل في أيام الأمير نوروز الحافظي المتغلب على مملكة الشام مدة يسيرة كوالده في قضية منطاش المتغلب على الشام أيضاً في سنة إحدى وتسعين. ونزل له والده عن نصف تدريس الشامية البرانية ولأخيه جمال الدين عن النصف الآخر فباشرا ذلك، ثم توفي أخوه في أول سنة إحدى وثمان مائة كما تقدم في ترجمته فاستقل بها وبالقليجية وقضاء العسكر وإفتاء دار العدل وغير ذلك، واستمر على ذلك بعد الفتنة معظّماً مكرماً. وتصدى للإفتاء بجامع دمشق بشباك المشهد العثماني المسمى بشباك ملك الأمراء نائب دمشق. وكان شكلًا حسناً بهياً عاقلاً ديّناً خيّراً ويكتب على الفتوى الكتابة الحسنة وغالب كتابته على الفتوى من مختصر الروضة للأصفوني -كان هذا الكتاب في الغالب عنده يراجع النقل فيه بسلاسة عبارته وحسنها مع الاختصار. وعنده حظ من عبادة وأوراد وصلاة بالليل وحشمة وأدب، ولسانه طاهر لا يتكلم في الغالب إلا بخير، الناس سالمون من لسانه ويده. وقد عرضت عليه المنهاج والمحرّر في أحاديث الأحكام فكتب لي بخطّه إجازتين عظيمتين هما عندي، وقد نقلت بعض كلامه فيهما في ترجمة شيخ الإِسلام الوالد كما تقدم. وكان يحبني ولي منه منزلة كبرى، وقد أجلسني عن يمينه بالشامية الكبرى بجانب العيد شيخنا العلامة محيي الدين المصري وأنا في ثنتي عشرة سنة أو فوقها بيسير. وأفتى في إجازته لي أنّي أستحق ويضاف إليَّ من جميع الجهات ما كان يستحقه شيخ الإِسلام الوالد تبعاً لما أفتى به واختاره الإِمام تقي الدين السبكي والمسألة معروفة ليس هذا موضعها، وبالجملة فكان القاضي تاج الدين من بقايا الناس وأعيانهم. توفي إلى -رحمة الله تعالى- يوم الجمعة قبل الزوال الثالث والعشرين

стр. 211

من ربيع أول سنة أربع وعشرين وثمان مائة وقبر على والده وأخيه بالصوفية خارج باب النصر، وكان يوماً مشهوداً حمله نائب البلد الأمير جقمق وغيره من الأعيان، وشهده الجم الغفير، ورؤيت له منامات حسنة -عفا الله تعالى عنا وعنه وعن جميع المسلمين. * * * الشيخ زين الدين الكفيري وأخوه صدر الدين عمر بن (١) عبد الله بن عمر بن داود الشيخ الفقيه زين الدين بن الشيخ جمال الدين الكفيري الدمشقي. كان فقيهاً فاضلًا في الفقه موصوفاً باستحضار الروضة، وأذن له بالفتوى جماعة من مشايخ عصره. ودرس وأفتى وتصدر بالجامع الأموي وأعاد بالأتابكية، وعرض عليه نيابة القضاء فامتنع. وكان يرجع إلى دين وعنده قوة نفس صحيح الاعتقاد أشعري العقيدة لا تأخذه في الله لومة لائم، شديداً على المجسمة والمبتدعة، وكان الحنابلة منه في ضيق. قتل في أواخر ربيع الآخر أو أوائل جمادى الأولى على يد التتار بقرية بيت أيما على باب دمشق وكان خرج إليها في الفتنة التمرية سنة ثلاث وثمان مائة -رحمه الله تعالى.

стр. 212

* وأما أخوه (١): فهو القاضي صدر الدين عبد الرحمن الكفيري. ناب في الحكم عن جماعة منهم القاضي علاء الدين بن أبي البقاء وغيره. قال بعضهم: وكان قليل البضاعة في العلم غاوي المناصب والرفعة، كثير التهور جسوراً على المناصب، وولي وكالة بيت المال وامتحن مع المالكي التادلي وعزله مستخلفه لأجله. ومات في سنة إحدى وثمان مائة قبل أخيه بسنتين -رحمهما الله . * * * الفقيه عمر الحمصي عمر (٢). . . بن. . . .، المعروف بالحمصي ثم الدمشقي الشيخ زين الدين أبو حفص المناديلي، كان فقيهاً بارعاً فاضلاً في الفقه موصوفاً بكثرة الاستحضار. قال الشيخ شهاب الدين ابن حجّي: كان فاضلاً له مطالعة كثيرة في الروضة ويستحضر كثيراً منها, وله أنوال حرير وكان يُدَوْلِبُهَا على يده، ويرجع إلى دين، توفي في شوال عقيب الفتنة التمرية سنة ثلاث وثمان مائة. انتهى. وقال غيره: الإِمام العالم الفاضل الأوحد الفقيه زين الدين عمر الحمصي ثم الدمشقي ويعرف بابن الفُقَيّر، تصغيرُ فَقير-.

стр. 213

قدم دمشق من بلده قبل الفتنة بمدة طويلة فتخرج بها على الأئمة الأعلام كابن الجابي والزهري والشريشي وغيرهم من علماء عصره. وسكن بالبادَرَّائِيّة مدة وكان من وجوه فقهائها وتخرج عليه بها جماعة من الطلبة، وذلك في أيام مشايخه. قلت: وهو من رفقاء شيخنا العلامة شمس الدين الكفيري المتقدم في المحمدين ورأيته يثني عليه وعلى استحضاره، وقد حصل له نصيب وافر من العذاب في الفتنة التمرية، أرجو أن يكون زيادة في خيره وثوابه إن شاء الله ﵀ وعفا عنه. * * * قاضي القضاة نجم الدين ابن حجّي عمر (١) بن حجّي بن موسى بن أحمد بن سعد بن غُشَيْم بن غزوان بن علي بن شرف بن تركي قاضي المسلمين بالشام وخطيبها سنين، نجم الدين أبو حفص وأبو الفتوح بن الشيخ العلامة فقيه الشام في زمنه علاء الدين بن حجي الحسباني السعدي الدمشقي، مولده سنة سبع بتقديم السين وستين وسبع مائة. قرأ القرآن العظيم وصلّى ثم حفظ التنبيه في ثمانية أشهر وحفظ غيره من المختصرات وأسمعه أخوه الشيخ العلامة شيخ الشام في زمنه شهاب الدين المتقدم في الأحمدين في جماعة من مشايخه وغيرهم، واستجاز له، ثم سمع هو بنفسه من خلق بمصر والشام والحجاز وغيرها، وأخذ العلم عن أخيه المذكور وعن بقية المشايخ الموجودين في ذلك الوقت

стр. 214

منهم الزُّهْرِي والشّريشي وابن الجابي وشرف الدين الغزي، وانتفع بالوالد وغيره من طبقة أخيه. ورحل إلى القاهرة سنة تسع وثمانين وهي أول رحلاته إليها، وأخذ عن الشيخ وابن الملقن والعراقي والزركشي والدميري وغيرهم من علمائها، وأجازه الشيخ سراج الدين ابن الملقن الآتي ترجمته على الأثر بالتدريس. وكتب بخطه من مصنفات الشيخ وابن الملقن وغيرهما، ثم لازم بدمشق الشيخ شرف الدين محمود الأنطاكي إمام النّحو في زمنه مدة طويلة وانتفع به في العربية. وحجّ مرات وولي إفتاء دار العدل في ذي الحجة سنة اثنين وتسعين ثم تولّى مشيخة خانقاه عمر شاه بالقنوات خارج باب الجابية من دمشق. ثم حصلت له محنة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين. ونزل له أخوه عن إعادة الأمينية في سنة ثمان وتسعين وحجّ سنة تسع وتسعين وجاور بمكة. وبعد الفتنة ولي القضاء بحماة مرتين، ثم ولي قضاء طرابلس أيضاً مرتين ثم ولي القضاء بدمشق في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمان مائة ثم انفصل بعد شهرين، ثم ولي القضاء بعد ذلك ست مرات من قبل الناصر فرج والمؤيد شيخ والأشرف برسباي، ومدة مباشرته إحدى عشرة سنة وكسراً وذلك في مدة إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر. وأُضيف إليه مع القضاء الخطابة ومشيخة الشيوخ ونظر الحرمين والأسرى والمارستان وتداريس أخر كالعادلية والغزالية ودرس بالشاميتين والظاهرية والركنية وغير ذلك. وعظم قدره واشتهر ذكره وصار له عظمة في النفوس وحرمة زائدة وكلمة نافذة، ثم وقع بينه وبين جماعة من معاصريه من النيّاب والقضاة وغيرهم فتن وشرور، وحصل له عن وأُوذي فصبر وأظهر من الشجاعة وثبات الجنان والإقدام على الأمور ما يعجز مثله عن ذلك والله ينصره ويرفع

стр. 215

كلمته على من يعاديه، وحصل له من الجاه في زمنه ما لم يحصل لغيره من أقرانه بل ولا من مشايخه مع كثرة أضداده ومعانديه ومحنه. ثم ولي كتابة السر بالقاهرة في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين فباشرها تسعة أشهر ونيفاً على وجه جميل وحرمة زائدة وعدم الاكتراث بمباشري القاهرة، وعظم عند الأشرف، حتى بلغني عنه أنه إذا وقعت حكومة شرعية عنده بعد نزول القضاة الأربع وطلب أهلها الشرع فيقول لهم الأشرف: هذا الشرع، ويشير إلى القاضي نجم الدين. ثم عمل عليه ووقع بينه وبين جانبك الدودار فعزل منها فأخرج على وجه غير مرضي إلى غزّة وغُرّم مالاً كثيراً ودخل دمشق وخرج للقائه أعيانها من القضاة وغيرهم وهو في عقب ذلك الحال. وتفرّغ في هذه البطالة فدرّس في المدارس المتقدم ذكرها وتصدى للإفتاء والكتابة وجمع الفوائد وعظم في النفوس وكان جيد التصرف في العلوم جيد الذهن حاد القريحة ذكياً فصيحاً يُلقي الدروس بتأنّي وتؤدة حتى قال الشيخ جمال الدين الطيماني أنه كان يدرّس أحسن من أخيه. وقد شاهدت تدريسه فكان حسناً مرتباً مفيداً إلى الغاية، وكان مع عظمته حسن الملتقى للناس محباً للفقراء معتقداً لهم، محسناً للغرباء القادمين عليه كثير المساعدة لأهل العلم والإحسان إليهم والتودد لهم، قامعاً للظلمة والمبتدعة لا يهاب أحداً منهم ولا يبالي بهم والله يؤيده وينصره. وحصل للفقهاء به عمر ورفعة ومحاسنه كثيرة جمّة وعليه مآخذ الله يسامحه بها ويسامحنا. ثم قتل بمنزله بالنيرب (١) ليلة الاثنين ثاني القعدة سنة ثلاثين وثمان مائة عن ثلاث وستين سنة ودفن بالصوفية إلى جانب أخيه الشيخ شهاب الدين -رحمهما الله تعالى. انتهى ملخصاً من كلام بعض المؤرخين.
следующие страницы →