← Тараджим

Тараджим · id 20578

بهجة الناظرين إلى تراجم المتأخرين من الشافعية البارعين

الرضي الغزي

Полный текст (251 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من ربيع أول سنة أربع وعشرين وثمان مائة وقبر على والده وأخيه بالصوفية خارج باب النصر، وكان يوماً مشهوداً حمله نائب البلد الأمير جقمق وغيره من الأعيان، وشهده الجم الغفير، ورؤيت له منامات حسنة -عفا الله تعالى عنا وعنه وعن جميع المسلمين. * * * الشيخ زين الدين الكفيري وأخوه صدر الدين عمر بن (١) عبد الله بن عمر بن داود الشيخ الفقيه زين الدين بن الشيخ جمال الدين الكفيري الدمشقي. كان فقيهاً فاضلًا في الفقه موصوفاً باستحضار الروضة، وأذن له بالفتوى جماعة من مشايخ عصره. ودرس وأفتى وتصدر بالجامع الأموي وأعاد بالأتابكية، وعرض عليه نيابة القضاء فامتنع. وكان يرجع إلى دين وعنده قوة نفس صحيح الاعتقاد أشعري العقيدة لا تأخذه في الله لومة لائم، شديداً على المجسمة والمبتدعة، وكان الحنابلة منه في ضيق. قتل في أواخر ربيع الآخر أو أوائل جمادى الأولى على يد التتار بقرية بيت أيما على باب دمشق وكان خرج إليها في الفتنة التمرية سنة ثلاث وثمان مائة -رحمه الله تعالى.

стр. 212

* وأما أخوه (١): فهو القاضي صدر الدين عبد الرحمن الكفيري. ناب في الحكم عن جماعة منهم القاضي علاء الدين بن أبي البقاء وغيره. قال بعضهم: وكان قليل البضاعة في العلم غاوي المناصب والرفعة، كثير التهور جسوراً على المناصب، وولي وكالة بيت المال وامتحن مع المالكي التادلي وعزله مستخلفه لأجله. ومات في سنة إحدى وثمان مائة قبل أخيه بسنتين -رحمهما الله . * * * الفقيه عمر الحمصي عمر (٢). . . بن. . . .، المعروف بالحمصي ثم الدمشقي الشيخ زين الدين أبو حفص المناديلي، كان فقيهاً بارعاً فاضلاً في الفقه موصوفاً بكثرة الاستحضار. قال الشيخ شهاب الدين ابن حجّي: كان فاضلاً له مطالعة كثيرة في الروضة ويستحضر كثيراً منها, وله أنوال حرير وكان يُدَوْلِبُهَا على يده، ويرجع إلى دين، توفي في شوال عقيب الفتنة التمرية سنة ثلاث وثمان مائة. انتهى. وقال غيره: الإِمام العالم الفاضل الأوحد الفقيه زين الدين عمر الحمصي ثم الدمشقي ويعرف بابن الفُقَيّر، تصغيرُ فَقير-.

стр. 213

قدم دمشق من بلده قبل الفتنة بمدة طويلة فتخرج بها على الأئمة الأعلام كابن الجابي والزهري والشريشي وغيرهم من علماء عصره. وسكن بالبادَرَّائِيّة مدة وكان من وجوه فقهائها وتخرج عليه بها جماعة من الطلبة، وذلك في أيام مشايخه. قلت: وهو من رفقاء شيخنا العلامة شمس الدين الكفيري المتقدم في المحمدين ورأيته يثني عليه وعلى استحضاره، وقد حصل له نصيب وافر من العذاب في الفتنة التمرية، أرجو أن يكون زيادة في خيره وثوابه إن شاء الله ﵀ وعفا عنه. * * * قاضي القضاة نجم الدين ابن حجّي عمر (١) بن حجّي بن موسى بن أحمد بن سعد بن غُشَيْم بن غزوان بن علي بن شرف بن تركي قاضي المسلمين بالشام وخطيبها سنين، نجم الدين أبو حفص وأبو الفتوح بن الشيخ العلامة فقيه الشام في زمنه علاء الدين بن حجي الحسباني السعدي الدمشقي، مولده سنة سبع بتقديم السين وستين وسبع مائة. قرأ القرآن العظيم وصلّى ثم حفظ التنبيه في ثمانية أشهر وحفظ غيره من المختصرات وأسمعه أخوه الشيخ العلامة شيخ الشام في زمنه شهاب الدين المتقدم في الأحمدين في جماعة من مشايخه وغيرهم، واستجاز له، ثم سمع هو بنفسه من خلق بمصر والشام والحجاز وغيرها، وأخذ العلم عن أخيه المذكور وعن بقية المشايخ الموجودين في ذلك الوقت

стр. 214

منهم الزُّهْرِي والشّريشي وابن الجابي وشرف الدين الغزي، وانتفع بالوالد وغيره من طبقة أخيه. ورحل إلى القاهرة سنة تسع وثمانين وهي أول رحلاته إليها، وأخذ عن الشيخ وابن الملقن والعراقي والزركشي والدميري وغيرهم من علمائها، وأجازه الشيخ سراج الدين ابن الملقن الآتي ترجمته على الأثر بالتدريس. وكتب بخطه من مصنفات الشيخ وابن الملقن وغيرهما، ثم لازم بدمشق الشيخ شرف الدين محمود الأنطاكي إمام النّحو في زمنه مدة طويلة وانتفع به في العربية. وحجّ مرات وولي إفتاء دار العدل في ذي الحجة سنة اثنين وتسعين ثم تولّى مشيخة خانقاه عمر شاه بالقنوات خارج باب الجابية من دمشق. ثم حصلت له محنة في شهر رمضان سنة خمس وتسعين. ونزل له أخوه عن إعادة الأمينية في سنة ثمان وتسعين وحجّ سنة تسع وتسعين وجاور بمكة. وبعد الفتنة ولي القضاء بحماة مرتين، ثم ولي قضاء طرابلس أيضاً مرتين ثم ولي القضاء بدمشق في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمان مائة ثم انفصل بعد شهرين، ثم ولي القضاء بعد ذلك ست مرات من قبل الناصر فرج والمؤيد شيخ والأشرف برسباي، ومدة مباشرته إحدى عشرة سنة وكسراً وذلك في مدة إحدى وعشرين سنة وسبعة أشهر. وأُضيف إليه مع القضاء الخطابة ومشيخة الشيوخ ونظر الحرمين والأسرى والمارستان وتداريس أخر كالعادلية والغزالية ودرس بالشاميتين والظاهرية والركنية وغير ذلك. وعظم قدره واشتهر ذكره وصار له عظمة في النفوس وحرمة زائدة وكلمة نافذة، ثم وقع بينه وبين جماعة من معاصريه من النيّاب والقضاة وغيرهم فتن وشرور، وحصل له عن وأُوذي فصبر وأظهر من الشجاعة وثبات الجنان والإقدام على الأمور ما يعجز مثله عن ذلك والله ينصره ويرفع

стр. 215

كلمته على من يعاديه، وحصل له من الجاه في زمنه ما لم يحصل لغيره من أقرانه بل ولا من مشايخه مع كثرة أضداده ومعانديه ومحنه. ثم ولي كتابة السر بالقاهرة في جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين فباشرها تسعة أشهر ونيفاً على وجه جميل وحرمة زائدة وعدم الاكتراث بمباشري القاهرة، وعظم عند الأشرف، حتى بلغني عنه أنه إذا وقعت حكومة شرعية عنده بعد نزول القضاة الأربع وطلب أهلها الشرع فيقول لهم الأشرف: هذا الشرع، ويشير إلى القاضي نجم الدين. ثم عمل عليه ووقع بينه وبين جانبك الدودار فعزل منها فأخرج على وجه غير مرضي إلى غزّة وغُرّم مالاً كثيراً ودخل دمشق وخرج للقائه أعيانها من القضاة وغيرهم وهو في عقب ذلك الحال. وتفرّغ في هذه البطالة فدرّس في المدارس المتقدم ذكرها وتصدى للإفتاء والكتابة وجمع الفوائد وعظم في النفوس وكان جيد التصرف في العلوم جيد الذهن حاد القريحة ذكياً فصيحاً يُلقي الدروس بتأنّي وتؤدة حتى قال الشيخ جمال الدين الطيماني أنه كان يدرّس أحسن من أخيه. وقد شاهدت تدريسه فكان حسناً مرتباً مفيداً إلى الغاية، وكان مع عظمته حسن الملتقى للناس محباً للفقراء معتقداً لهم، محسناً للغرباء القادمين عليه كثير المساعدة لأهل العلم والإحسان إليهم والتودد لهم، قامعاً للظلمة والمبتدعة لا يهاب أحداً منهم ولا يبالي بهم والله يؤيده وينصره. وحصل للفقهاء به عمر ورفعة ومحاسنه كثيرة جمّة وعليه مآخذ الله يسامحه بها ويسامحنا. ثم قتل بمنزله بالنيرب (١) ليلة الاثنين ثاني القعدة سنة ثلاثين وثمان مائة عن ثلاث وستين سنة ودفن بالصوفية إلى جانب أخيه الشيخ شهاب الدين -رحمهما الله تعالى. انتهى ملخصاً من كلام بعض المؤرخين.

стр. 216

وقلت في مسودة هذا الكتاب: هو أبو حفص عمر بن حجي الحسباني الأصل ثم الدمشقي الإِمام العالم قاضي القضاة نجم الدين لسان المتكلمين أوحد البارعين خطيب المسلمين وقاضيهم بالشام مدة سنين، له الحرمة الوافرة والكلمة المسموعة النافذة، وله ابتهال إلى الله تعالى واعتقاد لأهل الخير، ويحضر وقت الفقراء والمشايخ الصالحين، وله الدروس الحسنة والخطب المستحسنة. أخذ عن جماعة قبل الفتنة منهم أخوه الشيخ شهاب الدين وقرأ النحو على الشيخ شرف الدين الأنطاكي الحنفي. وبرع ودرّس وأفتى وولي القضاء بحماة ثم بطرابلس ثم بدمشق مرات أول ولايته في سنة إحدى عشرة وثمان مائة، كذا سمعته من لفظه خلاف ما تقدم وذلك في حياة أخيه وأقرانه من الأئمة كالوالد وابن نشوان وغيرهما ونابا له ثم عزل ثم أعيد ثم استمر مدة ثم عزل بابن زيد البعلي مرتين في مدة يسيرة واستمر من أول سنة سبع عشرة إلى أثناء سنة سبع وعشرين مدة عشر سنين لم تتخلل فيها إلا تولية القاضي جمال الدين زيد البعلبكي مرتين الأولى في سنة تسع عشرة فكانت مدة أربعة أشهر والثانية في شعبان سنة ست وعشرين فاستمر أربعين يوماً. . . . التّوليتين، وناب له في ولايته جماعة من الأئمة منهم الوالد وابن نشوان كما تقدم والشيخ برهان الدين خطيب عذرى وشيخانا العلّامتان الشمسيان البرماوي والكفيري واللوبياني ومحيي الدين المصري والرمثاوي وغيرهم. ودرّس بمدارس القضاء ثم بالشامية الكبرى بعد موت مدرّسها القاضي تاج الدين الزهري المتقدم قريباً، وكان يوماً مشهوداً حضره نائب الشام إذ ذاك جقمق الزيدي وغيره من أرباب الدولة. ودرس أيضاً بالشامية الجوانية والغزالية والظاهرية والعادلية والركنية وغيرها. وكانت دروسه حسنة بفصاحة وتؤدة وعبارة بليغة وأداء حسن وحضره

стр. 217

العلماء وغالب نوابه المتقدمون ومن العلماء ابن سلَّام الآتي ذكره في هذا الباب. وتمّ على ذلك إلى أن رحل إلى القاهرة في أثناء سنة سبع وعشرين بتقديم السين فولي كتابة السر بها وولي الشريف شهاب الدين نقيب الأشراف الدمشقي قضاء الشام في رجب من السنة فثقل على الجماعة بالقاهرة، وتمكن عند الأشرف برسباي، وكانت عنده عجلة وحدّة في أخلاقه يرديه غالباً إلى الضرر به وبغيره فعامل رفاقه المباشرين بالعنف وعدم الاكتراث بهم ومواجهتهم بالكلام الخشن فتحيّلوا عليه وأخرجوه منها بطالًا إلى الشام والشريف بها وذلك في أثناء سنة ثمان وعشرين فباشر وظائفه ولزم الأشغال والاشتغال والمطالعة والإفتاء فآذاه الشريف وبلَّغه الكلام السيء ومنع نوابه من الاجتماع به ومن الجلوس عنده في دروسه وهم أعيان الفقهاء بدمشق، حتى كان يقف بسوق الخيل يوم الأحد والأربعاء وهما يوما المدارس لينظر من يحضر معه في الشامية البرانية فيؤذيهم سيما نوابه. فرحل القاضي نجم الدين إلى القاهرة بعد أن كتب محضراً بدمشق استكتب فيه جماعة من العلماء ومنهم النواب وهم الشيخ شمس الدين الكفيري وتقي الدين اللوبياني وغيرهما خلا شيخنا العلامة محيي الدين المصري فإنه لم يكتب. ومن مضمون المحضر أن الشريف لا يجوز توليته للأحكام الشرعية لجهله وارتكابه المحرمات وغير ذلك. فولي القاضي نجم الدين قضاء دمشق في أول سنة ثلاثين وهي آخر توليته على وجه جميل ولطف السؤال له من السلطان وغيره من أعيان المباشرين. فقدمها في صفر من السنة وعزل الشريف وطلب إلى القاهرة في آخر السنة التي قبلها مهاناً وأخذ منه الأشرف مالًا كثيراً، فباشر القاضي نجم الدين قضاء دمشق في هذه المدة على القالب الجائر.

стр. 218

الشيخ سراج الدين ابن الملقّن عمر (١) بن علي بن أحمد بن محمد الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ المصنف سراج الدين بقية العلماء صدر المدرسين أبو حفص عمر بن أبي الحسن الأنصاري الأندلسي الأصل المصري المعروف بابن الملقن. كان أبوه نحوياً معروفاً بالتقدم في ذلك، ومات وولده صغير فرباه زوج أمه الملقن فعرف به، ولد سنة ثلاث وعشرين وسبع مائة. وحفظ القرآن واشتغل بالعلم وأخذ عن مشايخ عصره ولزم منهم الشيخ جمال الدين الأسنوي وبرع عليه وصار من أعيان أصحابه وصنّف في حياته، ورأى الزنكلوني واجتمع بالشيخ تقي الدين السّبكي وابن عدلان وابن سيد الناس اليعمري وسمع من البدر الفارقي وأبي نعيم الأسعردي والنجيب وغيرهم. وصنف قديماً في حياة مشايخه واشتهر شرح المنهاج الكبير المسمى بالعمدة له. وسمعه عليه جماعة من أقرانه وكتبه بعضهم واشتهر صيته، وصنف التصانيف الكبيرة النافعة في الفنون. قال بعضهم: ووقف الأذرعي على شرحه للمنهاج واستفاد منه ونقل منه في مواضع وقد مات الأذرعي قبله بدهر. ودرّس وأفتى واشتهرت تصانيفه في حياته ونقلت إلى البلاد ونفع الله بها.

стр. 219

وناب في الحكم ثم سعى فيه استقلالاً، وجرى له في ذلك كائنة وخلّصه منها الشيخ جزاه الله خيراً مع ما بينهما من التنافس وكان بينهما ما يكون بين الأقران وما كان ينصفه في المباحث. قال شيخنا الحافظ ابن حجر: وتخرّج في الحديث بزين الدين الرَّحَبِي وعلاء الدين مغلطاي وكتب عنهما الكثير وأكثر من تحصيل الأجزاء وسماع الكتب الكبار وعني بالفقه فأخذ عن شيوخ عصره ومهر في الفنون. وكان في أول أمره ذكياً فطناً، رأيت خطوط ذلك العصر في طباق السماع توصفه بالحفظ ونحوه من الصفات العلية، ولكن لما رأيناه لم يكن بالاستحضار ولا في التصرف بذاك، وكأنه لما طال عمره استروح وغلبت عليه الكتابة فوقف ذهنه. واعتنى بالتصنيف فشرح كثيراً من الكتب المشهورة كالمنهاج والتنبيه والحاوي، فله على كل واحد عدة تصانيف يشرح الكتاب شرحاً كبيراً ووسطاً وصغيراً ويفرد لغاته وأدلته وتصحيحه ونحو ذلك. ومن محاسن تصانيفه شرح الحاوي ورأيت منه نسخة كتبت عنه في حدود سنة خمسين، وشرح البخاري في عشرين مجلد وعمله في نصفه الأول أكثر من عمله في نصفه الآخر ويذكر أن بينهما مدة عشرين سنة، ثم شرح زوائد مسلم ثم زوائد أبي داود ثم زوائد الترمذي والنسائي وابن ماجه -كذا رأيته بخطه ولكن لم يوجد بعده لأن كتبه احترقت قبل موته بقليل، راح فيها من الكتب النفيسة الموقوفة وغير الموقوفة شيء كثير جداً. وجمع في الفقه كتاباً سماه الكافي أكثر فيه من النقول الغريبة واشتهر اسمه وطار صيته ورعب الناس في تصانيفه لكثرة فوائدها وبسطها وجودة ترتيبها، وكانت كتابته أنبل من استحضاره، فلما قدم الشام فاتحوه في كثير من مشكلات تصانيفه فلم يكن له بذلك شعور ولا أجاب عن شيء منه، فقالوا في حقه ناسخ كثير الغلط. وقد تغير قبل موته فحجبه ولده إلى أن مات. انتهى.

стр. 220

وقال الشيخ شهاب الدين ابن حجّي: صنّف في أيام شيخنا الأسنوي قديماً شرح المنهاج ثم صنّف تخريج أحاديث الرافعي. وَرَدَ علينا دمشق في سنة سبعين وسبع مائة طالباً لسماع الحديث فاعتنى به القاضي تاج الدين السبكي لما ورد عليه وكتب له على مؤلفه وأرسله إلى شيخنا الحافظ ابن كثير فكتب له أيضاً، وإنما استعان بكتاب ابن جماعة، ثم كتب بعد ذلك كتباً عديدة. توفي في ربيع الأول سنة أربع وثمان مائة عن إحدى وثمانين سنة رحمه الله تعالى. ومن مصنفاته غير ما تقدم الخلاصة في تلخيص تخريجه للرافعي ثم اختصره في تصنيف لطيف سماه المنتقى وتخريج أحاديث المهذب والوسيط وشرح العمدة سماه الأعلام بفوائد عمدة الأحكام وهو من أحسن مصنفاته وطبقات المحدثين والفقهاء وتاريخ دولة الترك وشرح منهاج الأصول وغير ذلك. وقال عنه شيخنا الحافظ ابن حجر: من المصريين، هو الشيخ الإمام العلامة الأوحد الحافظ ذو الفنون أبو حفص عمر بن أبي الحسن الأندلسي الأصل المصري الشافعي الشهير بابن الملقِّن. صاحب التصانيف الكثيرة المباركة النافعة، وهو أحد الرؤساء الذين ختم بهم هذا القرن الثامن -وقد تقدم ذكرهم في آخر المحمدين- في ترجمة الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب القاموس -وهو منهم. فمن مشاهير مصنفاته الشروح المشهور على التنبيه والمنهاج والحاوي والبخاري والمنهاج للبيضاوي وتخريج أحاديث الرافعي سماه البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير في ست مجلدات ثم اختصره وسماه الخلاصة ثم اختصره وسماه المنتقى كما تقدم قريباً -وصنف من قديم في أيام مشايخه. ودرس وأفتى وانتفع به كثيرون من الأئمة منهم شيخنا العلامة شمس الدين البرماوي ومحيي الدين المصري والشيخ ولي الدين العراقي

стр. 221

وابن أبي البقا جلال الدين وابن الصلاح قاضي الشام وشيخنا الحافظ قاضي القضاة ابن حجر والقاضي نجم الدين ابن حجي أجازهُ بالتدريس كما تقدم في ترجمتهما وخلق كثير من المصريين والشاميين، ورحل إليه الناس من البلاد للأخذ عنه ولكتابة تصانيفه. وكان يناهز الشيخ بالقاهرة وهو من أقرانه وأخذ عن الأسنوي ومن في طبقته ورأى الزنكلوني، واجتمع بالشيخ تقي الدين السبكي ورحل إلى الشام فأخذ عن حفّاظها الذهبي وابن كثير والصلاح العلائي، وانتفع على العلامة قاضي القضاة بهاء الدين أبي البقاء السبكي وأجيز بالفتيا والتدريس، ويحكى عنه أنه اجتمع بالخضر ﵇، وقد أخبرني شخص من علماء المصريين وهو من طلبته عنه مشافهة بذلك. ثم ذكر مولده كما تقدم قبل مولد الشيخ بسنة ومات قبله بسنة وكسر فكلٌ منهما استوفى من صاحبه، وكذلك وقع للحافظ العراقي فإنه ولد بعد الشيخ بسنة وعاش بعده بسنة. وحصل للشيخ سراج الدين ابن الملقن صاحب الترجمة اختلاط في عقله قبل موته بيسير فحجبه ولده الشيخ نور الدين عن الناس -أخبرني من أثق به من المصريين أن سببه احتراق كتبه. وكان حسن الشّكالة منوّر الشيبة حسن اللباس له وقع وعظمة في النفوس. وبالجملة: فهو ممن نفع الله به وبتصانيفه وبارك له وللمسلمين فيها، ووقفت له في هذه السنة على كتاب جليل في علوم الحديث، وآخر مختصر في الأصلين أصل الفقه والدين وهما بديعان، وقع لي بهما نسخة من تركة الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين ﵀ وعفا عنه وعنا وعن سائر المسلمين. انتهى. * * *

стр. 222

الشيخ فخر الدين البرماوي عثمان بن (١) إبراهيم بن أحمد العلامة فخر الدين أبو عمرو البرماوي المصري، ولد سنة بضع وستين وسبع مائة. واشتغل بالفقه والحديث والعربية حتى مهر فيها, ولازم الشيخ فخر الدين إمام جامع الأزهر في القراآت حتى فضل فيها، واستقر بعد شيخه المذكور بالظاهرية الجديدة وتولى مشيخة الإقراء أيضاً بالشيخونية وسمع الكثير واستملى بعقد مجالس من أمالي العراقي، وناب في الحكم عن القاضي جلال الدين ابن الشيخ، وباشر قراءة البخاري عليه بالقلعة، وانتفع عليه جماعة، وكان من أعيان أصحاب الشيخ وولده. وهو بلدي شيخنا العلامة شمس الدين البرماوي وكذلك الشيخ مجد الدين إسماعيل المتقدم في الهمزة وهم البرماويون الثلاثة كالبياجرة وهم ثلاثة أيضاً وتقدم ذكرهم في ترجمة فاضلهم وفقيههم الشيخ برهان الدين البيجوري رحمهم الله تعالى. مات المذكور فجأة -أعني الشيخ فخر الدين البرماوي في شعبان سنة ست عشرة وثمان مائة، خرج من الحمام فمات رحمه الله تعالى. وسمعت رفيقه قاضي الشام ابن الصلاح الأموي يثني عليه كثيراً ويصفه بالفضل المتين وبالدين، وهو أول بيته وفاة وأصغرهم سناً. وآخرهم وفاة أسنهم الشيخ مجد الدين فإنه عاش إلى بعد الثلاثين كما تقدم في ترجمته وهو شيخهما وشيخ غالب الجماعة من الطبقة الثانية من أصحاب الشيخ، لكن تخمّل بما نسب إليه كما تقدم في ترجمته والله أعلم.

стр. 223

الإمام نور الدين الهيثمي علي بن (١) أبي بكر بن سليمان الهيثمي المقرئ الإِمام الحافظ الثقة نور الدين أبو الحسن مولده كما وقفت عليه بخطه في سنة خمس وثلاثين وسبع مائة، وهو رفيق الإمام الحافظ الكبير بقية الأعلام وصاحب التصانيف زين الدين العراقي المتقدم وصهره وخادمه. سمع على الميدومي وجماعة من مشايخ رفيقه المذكور، وبرع في الفن وصنف فيه كثيراً وكان من البارعين، وأخذ عن الأسنوي وسمع عليه الحديث، وقد عدّه رفيقه من الأئمة الآخذين عن الأسنوي في ترجمة الأسنوي -كما تقدم. وكان كثير الأدب والخدمة لرفيقه الحافظ زين الدين ويسميه سيدي ويصب عليه ماء الوضوء ويخدمه بنفسه، حتى أن بعض الطلبة ممن يقرأ على الشيخ زين الدين وعلى المذكور يريد يتولى الخدمة عن الشيخ نور الدين فيمنعه الشيخ زين الدين. وقد وقفت على بعض تصانيفه وهي تُنبئ عن فضله وتميزه في الفن. وكان يقال الأشياخ الثلاثة -يعني الشيخ نور الدين والحافظ زين الدين وولده شيخنا الإمام ولي الدين، وتأخر بعد صاحبه بمدة. وهذه الترجمة تحتاج إلى بيان بيانها كما قال صاحبه ابن حجر: أنه علي بن أبي بكر بن سليمان بن عمر بن صالح الشيخ الإمام الحافظ نور الدين الهيثمي أبو الحسن.

стр. 224

صحب الشيخ زين الدين العراقي وكان أصغر من الشيخ بعشر سنين وكان أكثر مسموعاته بقراءة الشيخ، وربما قرأ بنفسه بإذن الشيخ له في ذلك. وتخرّج برفيقه المذكور ولازمه ملازمة شديدة حتى خلطه بنفسه وزوجه بابنته ولم يكن أحدهما يؤثر على الآخر أحداً. وقد هذّبه الشيخ حتى صنّف تصانيف مفيدة منها ترتيب الثّقات لابن حبان والزوائد على الكتب الستة في معجم الطبراني الكبير والمعجمين الأوسط والأصغر وفي مسند الدّارمي وأبي يعلى وأحمد بن حنبل، كل من هذه الخمسة على حدة بأسانيده ثم جمع الكل بلا أسانيد في كتاب وتكلم على علم كل حديث بحسب اجتهاده، وكان أكثر اعتماده في ذلك على تهذيب الكمال والميزان للذهبي ثم على ثقات ابن حبان، قل أن يتجاوز ذلك. وكان شيخاً ساكناً خيراً ديّناً هيّناً ليّناً سليم الفطرة كثير الاحتمال للأذى محباً في الحديث وأهله. مات في تاسع عشرين رمضان سنة سبع وثمان مائة وله إحدى وسبعون سنة وأشهر رحمه الله تعالى. * * * الإمام نور الدين السلمي علي بن (١) أحمد بن محمد بن سلامة بن عطوف بن يعلى السلمي المكي الشيخ الفقيه البارع الصالح المعمّر العدل الفاضل نور الدّين أبو

стр. 225

الحسن أحد فقهاء مكة وعلمائها ومفتيها. اشتغل على جماعة من الأئمة منهم الشيخ شهاب الدين الأذرعي صاحب القُوت والغُنية، وقد روي لي عنه في عرضي عليه المنهاج بمكة سنة اثنين وعشرين وسأذكر عبارته. وكان فقيه الحجاز في زمنه بعد ابن ظهيرة وكان يرفع على ولده العلامة محب الدين، وهو الذي سجل عليه وصية شيخ الإسلام الوالد وهي عندي بخطه. وكان كثير الملازمة لدروس الوالد بمكة وقال فيه في عرضي عليه وهذه عبارته في الإجازة "سيدنا وشيخنا الإمام الأوحد الحجة الحافظ العلامة شيخ الإسلام صفوة الأنام شهاب الدّين أبي العبّاس أحمد بن الشيخ الإمام الصالح عبد الله بن بدر الغزّي. ثم قال عني في آخرها وأخبرته أني أروي الكتاب -يعني به المنهاج- عن جماعة من شيوخ المذهب من أجلهم علاّمة المذهب وطِرازه المُذْهب شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حمدان بن أحمد الأذرعي بحق روايته عن الإمام الحافظ أبي الحجاج يوسف بن الزّكي عبد الرحمن بن يوسف القضاعي عن المؤلف وبروايتي له أيضاً عن الإمام الحافظ بهاء الدين عبد الله بن خليل المكّي إلى آخره. وكان للمذكور بستان بمكّة يزرع فيه الخضروات، وكان يهدي للوالد منه في كل جمعة وله محاسن كثيرة. وعمّر إلى قريب التسعين، وقال بعضهم أنّه قارب المائة، توفي رحمه الله تعالى في سنة سبع وعشرين وثمان مائة بمكة، وكانت جنازته مشهودة. * * *

стр. 226

نور الدّين الأزرق علي بن (١) أحمد اليماني المعروف بالأزرق من أهل أبيات حسين. قال شيخنا الحافظ ابن حجر: كان كثير العناية بالفقه مشهوراً بالذّكاء. جمع كتاباً كبيراً وانتفع به أهل تلك البلاد. مات في سنة تسع وثمان مائة -رحمه الله تعالى. * * * الإمام نور الدين الآدمي علي بن (٢) أحمد بن أبي بكر الآدمي الشيخ الإمام العالم الصالح نور الدين. قال شيخنا ابن حجر: سمع على أبي الحرم القلانسي وتفقه على الشيخ ولي الدين الملّوي وتأدب بآدابه وأقام مدة بريف مصر يشغل الناس ثم قدم القاهرة في حدود التسعين، فسكن بجوار جامع عمرو بن العاص ﵁ ثم نزل بشاطئ النيل في زاوية محمد المراغي وسمع معنا على الصلاح الزفتاوي، ثم تحوّل إلى زاوية الشيخ داود بمصر فأقام بها مدة يشغل الناس بمنزله ويعطيهم بجامع عمرو بن العاص، ثم تحول إلى القاهرة على طريقته في التقشف والسلوك والنفع للمسلمين بنفسه وعلمه. قرأت عليه في الفقه والعربية لما كان بمصر وانتفعت ببركته، وكان

стр. 227

إماماً في التفسير وآداب الصوفية حسن المعتقد، سمعت عليه من صحيح البخاري بسماعه على القلانسي بسنده وسمعت معه الصحيح على الزفتاوي. مات في شعبان سنة ثلاث عشرة وثمان مائة عن نحو سبعين سنة، ورأيت بخط الفقيه عبد الملك بن محمد المصري أنه مات في خامس شعبان، وأنه أعطي الولاية ﵁ ونفعنا به، آمين. * * * الإمام نور الدين ابن الزيّات علي بن (١) سالم المصري نور الدين ويعرف بابن الزيات، صاحبنا الشيخ الإمام العلامة قاضي صفد، أحد المهرة الفضلاء والنجباء. تفقه على جماعة منهم شيخنا الإمام شمس الدين البرماوي والحافظ ابن حجر ولازمه وناب عنه، ثم ولي في آخر عمره قضاء صفد بواسطة المذكور. توفي بصفد يوم الأربعاء ثامن عشر ذي الحجة سنة اثنين وخمسين وثمان مائة قبل شيخه ابن حجر بعشرة أيام -رحمه الله تعالى، آمين. * * * الشيخ العلامة نور الدين الأبياري النّحوي علي بن (٢) سيف بن علي الأبياري المصري ثم الدمشقي الشيخ الإمام

стр. 228

العلّامة نور الدين أبو الحسن حجّة العرب شيخ النّحاة في زمنه وأكثرهم استحضاراً. اشتغل ببلده على مشايخ الفن الكبار، وفي العربية على جماعة من أصحاب أبي حيان منهم العلامة شهاب الدين العنّابي وبرع عليه وأتقن الفن، وكان واسع الدائرة فيه كثير الاستحضار حافظاً لشواهد العرب يستحضر كثيراً من التاريخ, حسن المحاضرة وله مشاركة في الفقه وغيره وكتابة التنبيه وكان يستحضره ويقرر فيه وجلس للإشغال بالجامع قبل الفتنة وبعدها وتخرّج عليه جماعة من الفضلاء من مذهبه وغيرهم. وكان ملازماً للعلم ونشره، سكن بالأندلسية مكان شيخه العنابي مدّة طويلة فلما اتفقت الوقعة التمرية هاجر إلى بلده بالقاهرة وحصل له عزٌ ورفعةٌ، وكان الشيح يعظّمه ويثني عليه وعلى علومه وينوّه باسمه وكذلك غيره من الأئمّة. ثم قدم دمشق في سنة ست وثمان مائة ونزل بخانقاه خاتون جوار جامع تنكز خارج باب النصر مدة وتردد إليه الطلبة للاشتغال فلم يمكث إلا يسيراً. وتوفي إلى رحمة الله تعالى في سنة ثلاث عشرة وثمان مائة في ذي الحجة منها، ووهم من أرخه سنة أربع عشرة. قال شيخنا ابن حجر في معجمه: أخذ عن أبي العباس النحوي العنابي وغيره ومهر في العربية واللغة وأيام الناس مع الخط الحسن. شغل النّاس بدمشق فأفاد وأجاد ثم ارتحل إلى القاهرة في الكائنة العظمى فأقام بها مدة وحصّل كتباً ثم رجع إلى دمشق. ولما كان بالقاهرة نزل بالخانقاه البيبرسيّة وعظمه ناظرها الأمير تمراز النائب، ولاّه مشيختها عقب موت الشريف النسّابة فعارضه جمال الدين الأستادار وانتزعها لأخيه ثم ولي المدرسة المجاورة للشافعي -رضي الله تعالى عنه- بعد موت جلال الدّين أبي البقاء فانتزعها منه أيضاً لأخيه وعوّضه الشيخونية فحضره مجلساً واحداً وحدث بسنن أبي داود عنه. . . . .

стр. 229

القاضي نور الدين ابن الملقن علي بن (١) عمر بن علي بن أحمد بن محمد الفاضل البارع العالم المفتي المدرّس أقضى القضاة نور الدين أبو الحسن بن الشيخ الإمام سراج الدّين بن الملقن الأنصاري الأندلسيّ الأصل المصريّ صاحب المصنفات المتقدم ترجمته قريباً. اشتغل المذكور على والده وعلى غيره من مشايخ العصر وبرع وناب في الحكم عن القاضي بدر الدّين أبي البقاء والمناوي وغيرهما، ودرس وأفتى وحجب والده لما تغير عقله قبيل وفاته -كما تقدم. وكان من أعيان نواب الحكم بالقاهرة، وأذن له والده بالإفتاء وكذلك الشيخ فيما أظن ولديه فضيلة وحشمة وذكاء وولي إفتاء دار العدل في أول سنة اثنين وثمان مائة في حياة والده وتميز على أقرانه واشتهر صيته في حياة أبيه. وتوفي إلى رحمة الله تعالى في يوم الاثنين سلخ شعبان سنة سبع وثمان مائة بمدينة بلبيس وحمل ميتاً فدفن عند أبيه بحوش الصوفية خارج باب النصر. وأعقب ولده القاضي جلال الدين اليوم من أعيان نواب الحكم بالقاهرة، ولديه فضيلة وعنده حشمة وذكاء ومولده في شوال سنة ثمان وستين وسبعمائة. قال بعض المؤرخين من المصريّين: وكان قد برع في الفقه ودرس بعد أبيه في عدة مواضع وناب في الحكم مدة أعوام حتى فخم ذكره وتعين لقضاء قضاة الشافعية وكثر ماله رحمه الله تعالى وإيانا بكرمه.

стр. 230

وخلف ولده القاضي جلال الدين أحد الأعيان اليوم من نواب الحكم، اجتمعت به عام أوّل في رحلتي للديار المصرية. انتهى. رحمه الله تعالى بكرمه، آمين. الشيخ علاء الدين بن سَلامَّ علي بن (١) عبد الله بن عقد بن الحسين بن علي بن إسحاق بن سلاّم بن عبد الوهاب بن الحسن بن سلاّم بالتشديد فيهما، الشيخ الإمام العلاّمة المفنّن المحرّر علاء الدين مفتي المسلمين مفيد الطالبين بقية السلف الصّالحين أبو الحسن جمال الدّين بن كمال الدين بن العالم شرف الدّين بن العلاّمة كمال الدّين بن سلاَّم الدّمشقي، ولد سنة خمس أو ست وخمسين وسبع مائة. وحفظ القرآن ثم التنبيه والألفية ومختصر ابن الحاجب، واشتغل في الفقه على الشيخين شمس الدين بن قاضي شهبة وعلاء الدين بن حجي والد الشيخ شهاب الدين والقاضي نجم الدين وتلك الطبقة، وفي النّحو والأصول على مشايخ عصره، ورحل إلى القاهرة لإكمال قراءة المختصرة على القاضي شمس الدّين بن الرّكراكي المالكيّ. وقال عنه الشيخ علاء الدين بن سلَّام كما نقله عنه القاضي تقي الدين بن قاضي شهبة: أنه كان يعرف المختصر أحسن من الذي صنفه ولازم الاشتغال حتى فضل ومهر واشتهر بالفضل وهو صغير. قال: كنت أبحث في الشامية البرانية في حلقة ابن خطيب يبرود، وكان يحضر الدرس فلا يترك شيئاً يمرّ به حتى يعترضه وينتشر البحث بين الفقهاء بسبب ذلك.

стр. 231

قال بعضهم: وبعد وفاة الشيخ شهاب الدين ابن حجي نزل له القاضي نجم الدين عن تدريس الظّاهرية البرّانية، ولما توفي الشيخ شهاب الدين ابن نشوان ساعده القاضي نجم الدين على القاضي تاج الدين الزهري حتى نزل له عن تدريس العذراوية، ولما ولي القاضي نجم الدين الشامية البرّانية بعد وفاة مدرسها القاضي تاج الدين، نزل له عن نصف تدريس الركنية ولابن خطيب عذرا عن الآخر، فتوفي الشيخ برهان الدّين الخطيب عاجلًا فأُضيف إليه النّصف الآخر. وكان المذكور فاضلًا في الفقه يستحضر كثيراً من كلام الرافعي ويحفظ عليه إشكالات وأسئلة حسنة ويعرف المختصر معرفة جيدة والألفيّة معرفة تامّة ويحفظ كثيراً من تواريخ المتأخرين وله يدٌ طولى في النّظم والنّثر. وكان منجمعاً عن الناس ولا يكتب على الفتاوى إلا قليلًا وبحثه أحسن من تقريره، وكان كثير التلاوة حسن الصّلاة مقتصداً في ملبسه وغيره، شريف النّفس مليح المحاضرة، ولم يكن فيه ما يعاب به إلا أنه كان يطلق لسانه في النّاس ويأتي في ذلك بعبارات غريبة. توفي في عشرين الحجّة الحرام سنة تسع وعشرين وثمان مائة في منصرفه من الحج قافلّا بوادي بني سالم وحمل إلى المدينة الشريفة فدفن بالبقيع رحمه الله تعالى وعفا عنه بمنّه وكرمه. * * * شيخنا الشيخ علاء الدّين ابن الصَّيْرَفِيّ علي بن (١) عثمان بن عمر بن صالح الدمشقي المشهور بابن الصّيرفي،

стр. 232

نسبة إلى أبيه الشيخ عثمان كان صيرفياً قبل الفتنة بمحلة الفسقار داخل باب الجابية من دمشق. هو شيخنا الإمام العلامة الحافظ الواعظ المفسر النحوي الأصولي المتكلم القدوة علاء الدين أبو الحسن مفتي المسلمين رحلة الطالبين بركة المسلمين، مولده كما أخبرني به سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة تقريباً. حفظ القرآن العظيم ثم التنبيه وغيره من المحفوظات واشتغل على مشايخ عصره ولازم والدي وأتقن عليه الأصول والفروع وقرأ في الفقه على بلديه الفقيه شرف الدين وحضر عند غيرهما وجُلُّ اشتغاله على والدي كما تقدم. وتميَّز على أقرانه ومهر في الفنون وحفظ الجمع بين الصحيحين قبل الفتنة، وعرضه على مشايخ العصر، أخبرني بذلك شيخنا العلامة شمس الدّين الكفيري وغيره. وصار في الحفظ واحد عصره ووعظ الناس سنين متطاولة من الفتنة وهلم جراً، وانتفع عليه الخاصّ والعام. ووصفه بالحفظ والمهارة مشايخه الأعلام منهم الوالد وابن نشوان، وبلغني عن الشيخ شهاب الدّين ابن حجّي كما نقله لي عنه الشّيخ علاء الدين ابن السلماني المتقدم ترجمته أنه قال: إذا كان عندي ابن الصّيرفي كان البخاريّ ومسلم عندي. وناهيك بذلك في ذلك الوقت وغالب ظني في هذا الزمان أنه يأتي على غالب الروضة وأصلها، وأما صحيح البخاري فقد ضبطت عليه منه مجلدة على الغائب في وعظه حال قراءتي عليه من نحو خمسة عشر سنة، وبلغني أنه اليوم يستظهره برمته. ولما كنت أقرأ عليه في الأصول والفروع كان يأتي على الأصفهاني بحروفه والقوت للأذرعي. وبالجملة: فهو أعجوبة زمانه في الحفظ ونادرة عصره وأوانه. ورحل إلى القاهرة فحضر الشيخ وكان يصفه بالفضل من ذلك الزمان وهو في سن الشّباب، وأخذ عن العراقي وبحث عليه غالب منظومته

стр. 233

وشرحها المشهور، وأجازه الشيخ بالإفتاء والتدريس، وكذلك الوالد وابن حجي كما بلغني. ودرّس بالجامع الأموي بالغزّالية مكان شيخنا الكفيري ثم ترك ذلك ودرس بالشامية البرّانية بعد شيخنا العلامة محيي الدين المصري الدروس الحسنة، وكان يأتي على الروضة سرداً يسرد في الدرس الواحد في القضاء قريب نصف كرّاس ويتكلم عليه ضعفي ذلك. وهو مطّرح التكلف يشتري حوائجه بنفسه مع كثرة طلبته وأتباعه، وما رأيت له نظيراً في محاسنه وعلومه الجمّة والله تعالى يبقيه للمسلمين ويحسن لنا وله العاقبة بكرمه، آمين. ثم ألحق المترجم أن المذكور توفي إلى رحمة الله تعالى في ليلة الاثنين الحادي والعشرين من رمضان سنة أربع وأربعين وثمان مائة ودفن ضحيتّها بباب الصّغير تجاه باب المصلّى الشرقي -رحمه الله تعالى. * * * ابن خطيب الناصرية علي بن (١) محمّد بن سعد بن محمّد بن عثمان بن إسماعيل بن خطيب جبرين قرية بحلب، الطّائي الحلبي المولد والمنشأ، الشهير بابن خطيب الناصرية -مَدرسة بحلب، الإمام العلامة الأوحد البارع قاضي القضاة علاء الدين أبو الحسن بقية العلماء المفننين رحلة الطالبين عالم بلاد الشمال ومؤرخها ومفتيها، مولده ببلده حلب -كما كتبه بخطه في مسودة هذا الكتاب حين طالع فيه لما قدم علينا حاجّاً عام أول سنة أربعين وثمان مائة- في سنة أربع وسبعين وسبع مائة.

стр. 234

وتخرّج ببلده على مشايخ عصره وهم جماعة منهم قاضي حلب إذ ذاك الشيخ شرف الدين الأنصاري الآتي ترجمته في باب الميم والشيخ علاء الدين الصّلخدي الآتي ترجمته على الأثر والشيخ جمال الدين ابن خطيب المنصورية الآتي ترجمته في باب الياء، وأذن له في الفتوى. ورحل إلى الشام ومصر غير مرة واجتمع فيهما بخلق من الأعلام منهم الوالد وطبقته، وأخذ عن الشيخ وعرض عليه المنهاج في آخر رحلته مع الظاهر وذلك في سنة ست وتسعين وأجازه الحفاظ. وسمع من ابن عشائر محدث حلب والأذرعي وشيخنا الشيخ شمس الدّين الجزري وشيخنا العلامة الحافظ ولي الدين وأكثر عنه في تاريخه ويدلّسه كثيراً. واستفاد من القاضي جلال الدين ابن الشيخ وقرأ في الفقه على الشيخ برهان الدين البيجوري فقيه القاهرة المتقدم في باب الهمزة. وسمع الكثير وتخرّج في الحديث بحافظ بلده برهان الدين ابن القوف في باب الهمزة وروى عنه الكثير في حياته ويدلسه أَيضاً. وقرأ في النحو على قاضي حلب القاضي عز الدين الحاضري الحنفي ثم رافقه سنين في القضاء بها وفي مشايخه كثرة فلا نطول بإيرادهم. ودرّس وأفتى وناظر وولي القضاء بطرابلس ثم بحلب حتى سنة اثنتي عشرة وثمان مائة وهلمّ جراً، لكن انفصل منها بالقاضي ناصر الدين بن البارزي، ثم أُعيد واستمر وعرض عليه قضاء الشّام في أيام الأشرف فلم يؤثره على بلده. وحجّ في سنة ستّ عشرة واجتمع فيها بمكة بالحافظ الفقيه عالم الحجاز وحاكمه جمال الدين ابن ظهيرة، ثم حجّ في سنة ستّ وعشرين واجتمع فيها بابنه العلامة محبّ الدّين وذكرهما في تاريخه، ثم حجّ عام أول في سنة أربعين واجتمعت به وذاكرته في أنواع العلوم فوجدته كما وُصف وأبلغ وله المشاركة في علوم كثيرة.

стр. 235

ووقف على تكملتي لشرح شيخ الإسلام الوالد على عمدة الأحكام من قبيل الصّداق إلى آخره، وكتب عليها ووقف على بعض هذا الديوان أيضاً، وعلى تكملتي لشرح الوالد أيضاً على الحاوي، وأذن لي بالإفتاء، وهو آخر من أذن لي- وأول من أذن لي بالإفتاء سميَّه المتقدم قبله شيخنا الإمام العلاّمة علاء الدين في سنة أربع وثلاثين وتبعه الأئمة الأعلام كالقاضي شهاب الدين الأموي وحافظ الإسلام وبقية الأعلام قاضي القضاة بالممالك الإسلامية ابن حجر، وشيخنا العلامة شيخ الشّافعية وآخر طبقته محيي الدّين المصري الآتي ترجمته في باب الياء إن شاء الله تعالى، والعلّامة قاضي المذهب ومفتيه وشيخ الشافعية قاضي القضاة تقي الدّين ابن قاضي شهبة وابتدأنا بعليّ وختمنا بعليّ وهو تفاؤل حسن، فرحم الله من مضى وختم بخير في عافية لمن بقي. وله الدر المنتخب في تكملة تاريخ حلب، أجاد فيه وأفاد وأحسن وطالعت منه المجلّد الأخير وهو في ثلاث مجلّدات في رجوعه من الحجاز مدّة إقامته بدمشق. عزل من حلب في أوائل دولة الظاهر جقمق فطلب إلى القاهرة فدخلها في أحد الربيعين سنة ثلاث وأربعين وثمان مائة وأقام فيها مدة واجتمعنا هناك مرات في القلعة في قراءة الحديث في شعبان مع قضاة القاهرة وعلمائها وزادت المودّة بيننا وطال عليه الأمر، ثم سَعَى في عوده إلى قضاء بلده جماعة فولاّه السلطان في شعبان فلما خلع عليه رحل بعد مدة يسيرة قبل خروجي من القاهرة ولم يتمالك من شدة الفرح بِعَوْدِهِ إلى منصبه فوصل إلى بلده في أواخر رمضان وكان له عنها نحو ثمانية أشهر فلم تطل المدة ولم يتهنّا فتعلّل أيّاماً ثم بلغنا وفاته في العشر الأوسط من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وثمان مائة وله سبعون سنة رحمه الله تعالى وعفا عنا وعنه، ولم يخلف بعده هنالك مثله، جمع الله بيننا وبينه في دار كرامته آمين. * * *

стр. 236

الشيخ علاء الدين الصَّلَخْدِي علي بن (١) محمد بن يحيى الشيخ العلامة علاء الدين أبو الحسن الصَّلَخْدِي ثم الحلبي نزيل حلب. تفقّه وسمع الحديث على الحافظ الكبير أبي الحجّاج المزّي وغيره ثم توطّن حلب وكان يبحث مع الشيخ شهاب الدين الأذرعي كثيراً ويلازم منزله ولا يكتب على الفتوى إلا نادراً، ودرس آخراً بجامع تغري بردي. ومات في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمان مائة. قلت: وتخرّج به جماعة من الفضلاء بحلب منهم القاضي علاء الدين المتقدم قريباً، وذكره في تاريخه وأثنى عليه، وذكره في جملة مشايخه -رحمه الله تعالى. * * * * حرف الغين * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * حرف الفاء * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * حرف القاف * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * حرف الكاف * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * حرف اللام * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 237

حرف الميم الشيخ ماهر المصري هو الشيخ ماهر بن (١) عبد الله بن نجم بن عوض بن نصر بن نصّار المصري الشافعي الشيخ الإمام العلامة فقيه بيت المقدس العالم العامل الورع المتقي الصالح زين الدين، مولده بهلبة من تركة لوالدته من ضواحي القاهرة في أوائل سنة تسع وسبعين بالسين ثم بالباء الموحدة وسبعمائة. وقدم إلى القاهرة في سنة ثمان وتسعين فنزل عند الشيخ برهان الدين الأبناسي في زاويته وأكبّ على الاشتغال عنده ثلاث سنين إلى أن مات الأبناسي. وقدم إلى القدس في رجب من سنة اثنين وثمان مائة، وقد حضر دروس الأعيان بحلقتي وابن الملقن، وسمع على البرهان الشامي والعراقي وجماعة من أصحاب ابن الشحنة ووزيره، فلما قدم بيت المقدس لزم الشيخ شهاب الدين ابن الهائم فاصطفاه وصار يقبل ويشتغل عليه ليلاً ونهاراً حتى صار عين المشايخ المشار إليهم بالعلم والصلاح ببيت المقدس. وقد أجازه بالإفتاء خلق كثير ولم يكتب بخطه على فتوى تورعاً، لم يرَ مثله في التحقيق وكأنما دوّن الفقه بين عينيه، يحل كتب المذهب بلا

стр. 238

مخالفة لا سيما الحاوي وبه صار فقيه المذهب فإنه يستحضره إلى أن مات على الغالب وجميع محفوظاته. وقد غلب عليه الفقه والحساب، غير أنه كان يعترف للعلّامة عماد الدين بن شرف في الحساب والفرائض ويقول: ما في المصريين مثله. أخبرني الشيخ بهاء الدين بن عيينة المقدسي قال: أخبرني البهاء بن النعيمي عنه أنه قال: كان -يعني ابن الهائم- يقول: الشيخ عماد الدين ما في المصريين مثله. ثم إنه انقطع للعبادة والتزم العزلة وكان شديد الورع قانعاً زاهداً ألف الخشونة والتقشف، ومع ذلك كان يبر أصحابه ويحسن ملتقاهم ويتلطف بهم ويودّهم مع المحافظة على الوقت. وقد انعقدت له في الفتوى هيبة وفي القلوب دولة، وكان الشيخ العلاّمة العارف بالله تعالى الشيخ شهاب الدين أرسلان يعظمه ويوقّره، ويعتقد به شيخنا العلامة شمس الدين البلاطنسي ذلك. توفي إلى رحمة الله تعالى يوم الأربعاء نهار ثلاثين من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثمان مائة وقد لحقت ترجمته أيضاً بعد وفاة الوالد في حرف الميم الموافق لاسمه، وقدّمه على غيره لكونه أفضل من في الكتاب من المترجمين الذين قدمهم الوالد -رحمه الله تعالى. * * * الشيخ نور الدّين ابن خطيب الدَّهْشَة محمود بن (١) أحمد بن محمد الحموي المشهور بابن خطيب الدَّهْشَة

стр. 239

الشيخ الإِمام العلامة المصنف القاضي نور الدين مفتي المسلمين وعالمهم بحماة وآخر العلماء بها. اشتغل ببلده على جماعة ورحل في العلم وسمع الحديث، وأسمع ودرّس وأفتى وصنَّف الكثير، فمن تصانيفه مختصر القوت للأذرعي في أجزاء ومختصر المطالع وغير ذلك. وولي قضاء بلده من قبل المؤيد شيخ فباشره مباشرة حسنة وانفرد مدة بمشيخة حماة بعد رفيقه الشيخ جمال الدين ابن خطيب المنصورية. وبلغني أنه كان كثير الاستحضار لكنه كثير التغفل، قليل التصرف والضبط لما يقوله ويدونه، أخذ عنه جماعة. وتوفي ببلده يوم الخميس سابع عشر شوال سنة أربع وثلاثين وثمان مائة وقد ناهز الثمانين ﵀ . * * * موسى الحلبي موسى بن (١) محمّد بن محمد بن جمعة بن أبي بكر العلامة قاضي القضاة شرف الدّين أبو البركات الأنصاري الحلبي. مولده في ذي الحجة ثمان وأربعين وسبع مائة. نشأ في حجر عمّه الشيخ العلامة الورع شهاب الدين أبي العباس الأنصاري خطيب حلب الشهير بابن الحنبلي.

стр. 240

وتفقّه على الشيخ العلامة الشيخ شهاب الدين الأذرعي، ثم رحل إلى القاهرة فاشتغل بها، وقرأ على الأئمة بها كالشيخ والأسنوي والمنفلوطي الشافعيّين وعلى غيرهم، وسمع الحديث بحلب والقاهرة وغيرهما، ثم رجع إلى حلب وقد حصّل طرفاً صالحاً من كل علم. وأشغل الناس بحلب وانتفع به كثيرون منهم قاضيها اليوم القاضي علاء الدين وذكره في تاريخه وأثنى عليه، ثم قال: وولي نصف تدريس المدرسة الأسدية بحلب لم يستقلّ بها جميعها ودرّس بها، ثم ولي تدريس المدرسة العصرونية بحلب. ثم ولي قضاء الشافعية بحلب من قبل الظاهر برقوق من غير أن يبذل عليها شيئاً. قال القاضي علاء الدين: وسار فيها سيرة حسنة، ثم ولي الخطابة بجامع حلب عوضاً عن وليّ الدّين أحمد بن الخطيب -ناصر الدّين بن عشائر بحكم وفاته، وباشرها ثم عزل عن القضاء، ثم وليه ثلاث مرات واستمر إلى أن جاء التتار إلى حلب فاعتقل بالقلعة هو وجماعة من أعيان الحلبيّين إلى أن رجع تمرلنك إلى بلاده فأطلقه في أثناء شعبان سنة ثلاث وثمان مائة. وكان حصل له توعك فتوجه إلى أريحا (١) من العربيات فتوف بها في ثامن رمضان من السنة يوم الجمعة ونقل إلى حلب. وحدّث بحلب وصنف قطعة على شرح الغاية القصوى، يحب الأخيار ويكره الأشرار. انتهى كلام القاضي علاء الدين. * * *

стр. 241

موسى البعلي موسى بن (١) عقد بن نصر الشيخ العلاّمة القاضي شرف الدين أبو الفتح البعلي المعروف بابن السُّقيف، مولده سنة اثنين وخمسين وسبع مائة. أخذ الفقه والحديث ببلده بعلبك عن الخطيب جلال الدين والعماد ابن بردس، وقدم دمشق وأخذ عن المشايخ الثلاثة الزهري والشّريشي والقرشي، ورجع إلى بلده. وتصدّى للإفتاء والاشتغال من سنة إحدى وثمانين، وقرأ عليه جماعة وتميز وكان له ورد بالليل لا يخلّ به في حضر ولا سفر، وينكر المنكر. وولي قضاء بلده مراراً فباشره على وجه حسن. قال بعضهم: وكان أفقه من في بلده، مع مشاركة في الأصول والنّحو والفرائض، وكان يلازم الاشتغال ويحبّ طلبة العلم ويبرّهم، وكان سليم الباطن. توفي ببلده في جمادى الآخرة سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة رحمه الله تعالى. * * * * حرف النون * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 242

حرف الهاء همّام الخوارزمي همّام بن (١) أحمد الخوارزمي الشيخ العلامة همّام الدين الشافعي. قال شيخنا ابن حجر: قدم القاهرة بعد القرن وقطنها وكان قد أخذ عن المشايخ القدماء ببلاد العجم. ومهر في تدريس الحاوي والكشاف حتى قيل إنه لم يكن في عصره من يدرسهما مثله، مع لكنة في لسانه، لكنه حسن الاعتقاد متحرّر في النقل مشارك في عدّة علوم من المعقولات، وبدرت منه هفوة في المجلس المعقود للقاضي شمس الدين الهروي ثم تنصّل منها واستغفر، والله يعفو عنه. ولي مشيخة الخانقاه الجمّالية لما فتحت سنة إحدى عشرة، ومات بها سنة تسع عشرة وثمان مائة، وسمعت أنه جاوز الثمانين. حضرت درسه وسمعت من فوائده كثيراً. انتهى كلام ابن حجر. * * * * حرف الواو * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 243

حرف الياء شيخنا الشيخ محيي الدين المصري يحيى بن (١) يحيى بن أحمد بن حسن القبابي المصري ثم الدمشقي شيخنا الإمام العلامة أقضى القضاة محيي الدين أبو زكريا شيخ الشافعية، في آخر رفقته ومفتيهم ومفننهم في العلوم الكثيرة ومدرسّهم ومحققهم، ولد في أول سنة إحدى وستين وسبع مائة ومات أبوه وهو صغير فقعد في مكتب الأيتام بمدرسة السلطان حسن المشهورة بالقاهرة فقرأ بها القرآن العظيم، ثم اشتغل بالعلوم على مشايخ عصره منهم الشيخ وابن الملقن والأبناسي ولزمه الملازمة الكثيرة وكان كثير التعظيم له. وأخذ الحديث عن العراقي والأصول عن الشيخ عز الدّين ابن جماعة والنحو عن الشيخ محب الدّين ابن هشام. وتميّز وفضل وحفظ الحاوي الصّغير بعد التنبيه ومختصر ابن الحاجب والألفية وغير ذلك من المحفوظات، وكان يعرف الحاوي معرفة جيدة، وأذن له الشيخ بالإفتاء وكذلك غيره من مشايخه. ثم قدم دمشق في سنة خمس وثمانين فاشتغل على مشايخها الأعلام

стр. 244

كالزهري وابن الشريشي والقرشي وأثنوا عليه حتى قال الشيخ شهاب الدين الزهري: ما قدم علينا من مصر مثله. وكان مشهوراً حين قدومه إذ ذاك، يحفظ الروضة وقرأ نصف المختصر لابن الحاجب على الزهري وأذن له بالإفتاء، وكذلك بقية مشايخ الشافعية بدمشق -كما ذكر ذلك في إذنه لي بالإفتاء في أول سنة ست وثلاثين وثمان مائة- قال: وكان أذن لي قبل رحلتي بالقاهرة في سنة ثلاث وثمانين ولي ثلاث وعشرين سنة. وسكن بدمشق حال الطلب بالقيمرية مع جماعة من الفضلاء منهم الشيخ شهاب الدين ابن نشوان وعُدّ من طبقته، وصحب والدي وكان يثني عليه، وكان كثير الملازمة والتردد لوالدي. وجلس للإشغال بالجامع وقرأ عليه جماعة من الفضلاء ثم ترك ذلك واشتغل بعمل المواعيد فاجتمع عليه خلق كثير لفصاحته وحسن أدائه وتفقه به جماعة من العامة -لكن ضيّع نفسه مدة طويلة بذلك. ودرّس بدمشق بالدولعية استقلالًا والشاميتين والعذراوية والرّكنية نيابة، وأعاد بالظّاهرية والشّامية الكبرى وتصدّر بالمسرورية مدة ثم أخذت منه. وناب في الحكم عن الأخنائي والقاضي نجم الدين ابن حجي فمن بعدهما من القضاة وكان عارفاً بصنعة القضاء فاضلًا في كل شيء، وقرأ البخاري للأمير نوروز الحافظي مرتين. وكان فصيحاً ذكيّاً جيّد الذّهن سليم الصّدر سهل الانقياد مطّرح التكلف، قليل الشّر حسن الظّاهر والباطن، وله في المجالس العامّة الكلام النافع بحيث إن غالب من حضره من مذهبه وغيره من أقرانه يمتثلون قوله ويتبعونه لحسن أدائه ومعرفته، وكان ثقة ضابطاً لما يقوله ويرويه. ثم إنّه في أواخر عمره بعد موت أقرانه دخل إلى جامع دمشق فدرّس الطّلبة وأقرأ المنهاج والتنبيه والحاوي كل منهم قسمه في سنة.

стр. 245

وحضرت عنده إذ ذاك وقرأت عليه في المنهاج وذلك في سنة اثنين وثلاثين، ثم حضرت عليه في بقيّة الكتب. وكان حسن التّقرير والأداء بحيث البليد يفهمها بقوله ويرجع إلى العلم، وحضر عنده غالب الفضلاء، ولما فرغ من ذلك أذن لي ولجماعة بالإفتاء. وكان ضعيف البصر يطالع له بعض أصحابه ثم تزايد به حتى أضرّ قبيل وفاته. ولما عمّر الأمير محمد بن منجك المسجد المشهور بمسجد القصب حضر فيه الشيخ محيي الدين ودرّس فيه من التفسير في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ الآية. وحضر عنده قاضي الشام يومئذ العلامة شهاب الدين الأموي وغيره من فضلاء دمشق، وكان درساً حافلًا حضرته معه ووقع لي مع كل منهما بحث، ولما حضرت بعد ذلك بجامع دمشق وأشغلت الطلبة فرح بذلك، وكان يحضُّ جماعته وولده ومن يقرأ عليه على القراءة عليَّ وملازمتي. وحضر عندي هو والشيخ تقي الدين اللوبياني في الكلاسة لما درّست بها في ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، وحضرا بعد ذلك أيضاً. وانقطع بمنزله مقتصراً على تدريس الشامية الكبرى والجامع النّاصري الذي تقدم ذكره وهو الجامع الذي أنشأه الأمير ناصر الدين محمّد بن منجك بمسجد القصب وجاء في غاية الحسن وهو في محله لكثرة جماعة ذلك المكان، وكان المسجد أولًا في غاية ما يكون من الضيق ويحصل للناس بالجمعة فيه شدّة، فأنشأه جامعاً كبيراً حسناً -تقتل الله منه ذلك. وتمّ الشيخ على ما ذكرناه ويباشر الحكم بالعادلية إلى آخر وقت ولم يحمد في ذلك. وكان كثير التلاوة للقرآن عن ظهر القلب يقرأه قراءة تجويد بأداء حسن ويقرئ في الجامع المذكور يوم الاثنين والخميس لبعض الطلبة إلى أن ضعف بالقولنج وتغير مزاجه وعوفي منه ثم نقض عليه وانقطع بسببه أياماً

стр. 246

وكثر العُوَّاد له وضاقت أخلاقه وهو طيب الخاطر عقله حاضر. وعُدْتُهُ مرتين وهو يدعو لي ثم تزايد به الحال إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم السبت وقت العصر ثامن عشر صفر سنة أربعين وثمان مائة وله ثمانون سنة، ودفن يوم الأحد ضحوة النهار. واتفق في تلك الليلة وفاة صاحبنا الفاضل شمس الدين محمد المكيسي كما تقدم في ترجمته، ودفنا في وقت واحد بباب الصغير بقرب سيدي بلال -رحمهما الله . وقباب بالقاف والباء الموحدة بعد ألف ثم جاء موحدة أخرى، من قرى أشموم الرمان من الوجه البحري من الديار المصرية، وكان والده خطيب القرية المذكورة. وقد رثاه جماعة بعد وفاته فممّا رثاه به بعض الفضلاء هذه الأبيات: لقد مادت الأرضون إذ قيل قد مضى ... أبو زكريا خُلقه الفضل أجمع كأنّ نهاراً غاب فيه ضياؤه ... ظلام علينا دجنه ليس يقشع فلله ما نلقى أسىً من فراقه ... فقد كادت الأكباد منه تصدع لقد كان يحيى سيداً متناولاً ... من المجد حظاً فيه للناس مرتع وما زال حتى ساورته منية ... سواء لديها الباز. . . والأبقع وما أحدٌ إلا ويسقى بكأسه ... وتحضنه سوداء وحش بلقع لعمري ما للمرء في الموت حيلةٌ ... ولا لقضاء حمه الله مدفع ولما عصانا صبرنا حين بينه ... وعادت شؤون العين سلًا تهمع صبرنا احتساباً ثم قلنا تأسياً ... على لوعةٍ إنا إلى الله نرجع سقى الله قبراً ضم يحيى سحائباً ... من الجود فيه الجود والعفو ممرع ولا زال في روض من اللطف ناضر ... يقر به عين وتلتذ مسمع وجار له في شفاعة أحمد ... نَبِيُّ الهدى فهو الشفيع المشفع عليه صلاة الله ما هبت الصبا ... وما زال نور النجم في الأفق يلمع * * *

стр. 247

يوسف النابلسي يوسف (١) بن أحمد بن غانم القاضي الفاضل جمال الدين بن القاضي شهاب الدين النابلسي. كان قاضياً بها مدة طويلة ثم ولي قضاء صفد، ثم ولي خطابة بيت المقدس في ربيع الآخر سنة إحدى وثمان مائة. ثم سعى عليه قاضي الرملة ابن السائح بمال كبير فوليها في أول هذه السنة مع جهله -كما قال الشيخ شهاب الدين ابن حجي. فورد هذا دمشق متمرضاً من غبنه ومات بها في جمادى الأولى سنة اثنين وثمان مائة، ودفن بباب الصغير بمقبرة الأشراف، وهو سبط الشيخ العلامة تقي الدين القلقشندي رحمهما الله تعالى. * * * يوسف الأنبابي يوسف (٢) بن إسماعيل بن يوسف الأنبابي المصري الشيخ العالم الصّالح جمال الدين. قال شيخنا الحافظ ابن حجر: كان يذكر له نسباً إلى سعد بن عبادة الأنصاري ﵁.

стр. 248

وكان أبوه ممن يعتقده المصريون، وبني له زاوية بأنبابة في البرّ الغربي بالجيزة. ونشأ ولده هذا محبّاً في العلم فسمع من شيوخنا ومهر في العربيّة ولازم شيخنا العراقي وكان يعظّمه ثم انقطع بزاوية أبيه يشغل الناس بالعلم ويكرم الواردين، واشتهر أمره، وصار للترك فيه اعتقاد، وحجّ مراراً. مات في شوال سنة ثلاث وعشرين وثمان مائة ودفن بزاوية أبيه وخلّف مالًا طائلًا -رحمه الله تعالى. * * * ابن خطيب المنصورية يوسف (١) بن الحسن بن مسعود الحموي الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو المحاسن المشهور بابن خطيب المنصورية شيخ البلاد الشمالية في عصره وعالم تلك النواحي ومفتيها، مولده سنة ثمان وثلاثين وسبع مائة. واشتغل بالعلم ومهر في الفنون وصار شيخ الشافعية بتلك الناحية وفاق على أقرانه، وكان في العربية له يد طولى، شرح الألفية وصنّف شرح الإلمام وغير ذلك. وانتصب للإشغال فانتفع عليه جماعة من الفضلاء، رَحَلَتْ إليه الطلبةُ من البلاد، وأذن لجماعة من الفضلاء بالإفتاء منهم القاضي ناصر الدين البارزي والقاضي علاء الدين الحلبي، وقد ذكره في تاريخه وأثنى عليه.

стр. 249

وكان خيراً ساكناً متواضعاً على طريقة السلف، وتوفي بحماة في شوال سنة تسع بتقديم التاء وثمان مائة، ولم يخلف هناك مثله -رحمه الله تعالى. * * * يوسف التّبريزي يوسف (١) بن الحسين بن محمود السرّائي الأصل التبريزي العلامة جمال الدين الحلواني، ولد سنة ثلاثين وسبع مائة. وتفقه ببلاده وقرأ على الشيخ جلال الدين الفريدسي والشيخ بهاء الدين الخونجي والقاضي عضد الدين، ومهر في الفنون ثم رحل إلى الشيخ شمس الدين الكرماني فأخذ عنه شرحه المشهور على البخاري. قال شيخنا الحافظ ابن حجر وتفنَّن في العلوم ومهر ودرّس وشرح منهاج البيضاوي. ثم تحوّل من تبريز (٢) لما أخربها أتباع طقمر خان إلى ماردين فأقام بها مدة، ثم عاد إلى تبريز فأكرمه صاحبها حينئذٍ. وكتب أيضاً على الكشّاف حواشي مفيدة وشرح الأربعين النّوويّة. وكان زاهداً عابداً معرضاً عن أمور الدنيا مقبلاً على العلم وحجّ وجاور بالمدينة النّبوية سنة، وكان لا يكترث بما يتعرض له من عوارض الدنيا بل لا يزال منشرحاً، وتحول آخراً من تبريز لما أكثر الظلم بها فسكن

стр. 250

جزيرة ابن عمر إلى أن مات بها، وذلك في سنة أربع وثمان مائة -رحمه الله تعالى. وخلّف ولدين فاضلين أحدهما بدر الدّين علي كان من الفضلاء، وحجّ سنة تسع وعشرين وثمان مائة، وسكن حصن كيفا (١)، والثاني جمال الدين محمّد حجّ سنة ثلاث وثلاثين وثمان مائة، وقدم القاهرة سنة أربع وثلاثين، وهو عاقل ساكن مشارك في عدّة فنون. انتهى كلام شيخنا ابن حجر -رحمه الله تعالى. * * *
следующие страницы →