الشك في المشروط ضرورة. والشك في الطهارة يُوجِب الشك في الصلاة الواقعةِ سبَبًا مُبْرئا، فإن اعتبرنا هذه الصلاة سببا مُبْرِئًا فقد اعتبرنا المشكوك فيه ولم نصَيّره كالمُحَقَّق العدَم، وان اعتبرنا الحدَث المشكوك فيه كما قال مالك فنحن - ايضا - لم نُصَير المشكوك فيه كالعَدَم المحقق، (١٢٩) فلابُدَّ من مخالفة هذه القاعدة في هذا الفرع، ويترجَّحُ ما قاله مالك، من حيث إن الطهارة من باب الوسائل، والصلاة من باب المقاصد، والغاء الوسائل أولَى من الغاء المقاصد، فيقع زيادة اعتناء بالمقاصد.
فاذا تقررتْ هذه القاعدة، فنقول:
لو كان عدمُ المانع شرطا لاجتمعَ النقيضان فيما إذا شككنا في طريان المانع.
بيانه أن القاعدة، أن الشك في أحد النَّقِيضَيْن يوجب الشك في النقيض الآخر بالضرورة. فمن شك في وجود زيْدٍ في الدار فقد شك في عدمه في الدار ضرورة. فإذا شككنا في وجود المانع فقد شككنا في عدمه بالضرورة، وعدمه شرط عند هذا القائل، فنكون قد شكَكْنا في الشرط أيضا، واذا اجتمع الشك في الشرط والمانع اقتضى شكُّنا في الشرط الذي هو عدم المانع أن لا نرتب الحكم، واقتضى شكُّنا في المانع أن نرتب الحكم، بناء على ما تقدم، فنرتب الحكم ولا نرتيه، وذلك جمعٌ بين النقِيضيْنِ. وإنما جاء هذا المحالُ من اعتقادنا أن عدم المانع شرط، فَيَجبُ أن نعتقد (١٣٠) أنه ليس بشرط، واذا كان ليس بشرطٍ، ظَهَرَ الفرق، وهو المقصَود من القاعدة.
قلتُ: ذَكَر شهاب الدين فرقا وَهو: الفرق السَّابع والتِّسْعونَ (٩٧) بين قاعدة الشك في طَرَيَان الأحداث بعد الطهارة وبيْن قاعدة الشك في طريانِ غيره
стр. 107
من الاسباب، وجُلَّ ما في هذه الفرق بهذا التقربر (١٣١) الذي قررته في هذه القاعدة. ونزيد عليه هنا، أن نقول:
فإذا كان الشك مُلْغَى ولابد، فظاهِرٌ أنه إذا شك في الطهارة بعد الحدَث ففيهِ إلغاء المشكوك فيه، وأما إن شك هل طلق ثلاثا أو لَا، فوجُوبُ الثلاث عليهِ، لِأن الرجعة، شرْطُها العِصمة، ونحن نشك في بقائِها، فالشك - ايضا - مُلْغىً، ومن شكَ هل طلق أو لا فلا شيء عليه، لأن الشكّ ملغىً.
وأمّا إذا شك في عَيْنِ اليمين فيَلزمه الجميع، لأنَّا نَشك إذا اقتصر على بعضها في السبب المبرئ، فلعله غيرُما وقع، فيجب استيعابها حتى يُعْلَمَ السبب المبْرئ كما قلنا في الصلاة إذا شك في طرَيان الحدَث، واذا شك هل سَهَا أو لا، فلا شيء عليه، لأن الشك مُلْغىً، وان شك هل صلى ثلاثا أم لا سجد، لأن الشمك نَصَبَه الشارع سببًا للسجود. وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع.
القاعدة الثانية عَشْرَة (١٣٢)
في الفرق بين توالى اجزاء المشروطات مع الشرط، وبين توالي المسَّببَات مع الاسباب.
стр. 108
المقصود منها تقرير الفَرق بين تَوَالي أجزاء المشروطات مع الشرط وبيْن توالي المسببات مع الأسباب.
فالمسببات تتعدَّدُ لتعدُّدِ الأسباب، وتختلف بالتقديم والتأخير، والمشروطات مع الشرط لا ترتيب فيها، وإنما نَظِيرُ المشروطات بشرط واحدِ، المسبِّباتُ لِسبب واحدٍ.
ومثال ذلك أن تقول: إن دخلتِ الدار، فأنتِ طالق، وأنتِ عليّ كظهر أمي لَزَمه الطلاق، وإذا رَدّها لزِمته كفارة الظِهار، إذْ لا ترتيبَ بين أجْزاءِ المشروط إذا تَعَلَّقَ جميعُ ذلك على شرط واحد.
وإذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا، وأنتِ علي كظهر أمي، لزمَه الطلاق وَلم يَلزَمه الظِهار، لأنهُ لمّا قال: أنتِ طالق ثلاثا، كان ذلك سببا للتحريم، فاستقلَّ ذلك بالتحريم، ولمّا قال: وأنتِ عليّ كظهر أمي جاء سببا للظهار بعْده، لم يلزمه فيهِ كفارةٌ، لأنه صادق حينئذٍ لا كاذب، من حيثُ إنها محرَّمة.
قلت: وبِبيَان هذِهِ القاعدة يَتَبَيَّنُ الفرق بيْنَ ما إذا قال لِامراته: أنت طالق ثلاثا، وأنت عَلَيَّ كظهر أمي، أنه لا ظهار عليه، وبيْنَ ما إذا قال: أنت عَلَيّ كظهر أمي، وأنت طالقٌ ثلاثا، أنه يلزمه الظهار، فإن المسبب يَتَرتَّبُ عنْ سببه، فهُوَ لمّا قال أولًا، أنتِ طالقٌ ثلاثا لم يصادِفِ الظهارُ محلا، فإذا قال في المسألة الأخرى: أنتِ علي كظهر أمي صادفَ الظهار محَلا، فَلَزِمَ، وجاء الطلاقُ بعدَه أيضا فَلزمَ، واللهُ أعْلَمُ.
القاعدة الثالثة عشرة (١٣٣)
نقرر فيها الفرق بين الترتيب بالأدوات اللفظية، وبين الترتيب بالحقيقة الزمانية فنقولُ أولًا.
стр. 109
الترتيبُ في الزمان مُدْرَكٌ بالعقل لا بالوضع، والترتيبُ بالأدوات أمْرٌ وضعي.
وبيان ذلك أن أَجْزاءَ الزمان سَيَّالة، مترتبة بذاتها عَقْلا، مستَحيلة الاجتماع. واذا كانت كذلك فالأقوالُ الموجُودةُ فيها كذلك، والافعال الموجودة فيها كذلكَ مترتية ضرورَةً بِتَرْتيبِ زمانها الذي وقعت فيه، وذلك الترتيبُ المذكور ليس بالوضع، وإنما هو أمرٌ عقلي.
وأما الترتيب بالأدواتِ اللفظية فَهُوَ بإلفاءِ وثُمَّ، وحتّضى، والسِّين، وسوف، ولَا، ولن، ولمْ، وما، وليس، ونحْوِها، وذلك نحوُ قام زيد فعَمْرُو، وقام زيد ثمّ عمْرٌو، وقام القومُ حتى عمرٌو.
قال شهاب الدين ﵀: وذلك في حتى من حيث إنها غاية، فإذا قلت: سِرْتُ حتى مطلِع الفجر اقتضى أن آخِر سَيْرك طلوعُ الفجر، وأنّ هذا الأخير من السير كان مسبوقا بسير قبله، وَلماَ كان هذا هكذا فكذلك إذا قلت: قام القوم حتى عَمرٌو.
قلت: وهذا الذي قاله شهاب الدين ﵀، خلاف ما عند النحوبين. فهي - عند النحوبين - معنَاها كَمَعْنى الوَاوِ، إلا أنها تزيد علها أن ما بعدها لا يكون الَّا جُزْءًا مِمَّا قبلها، وهو ظاهر في قولك: قام الناسُ حتى الأمِيرُ، أنها غير دالة على تَاخير قيام الأمير. وما في مثال السَّيْرِ لم يكن ذلك التاخيرُ من حيث حتى، ولكن مِن حيث إن أجزاء الزمان مترتبة، بخلاف القوم لا تَرْتيبَ فيهمِ من حيث العقل ولا من حيث الوضع، وحَتَّى جعَلَتْ عَمْرًا من حيث قيامُهُ غايَةً، بمعنى اشتدَّ القيامُ في حقهم وتأكَّدَ حتى إن من تأكيده علهم أن الكبيرَ فيهم - وهو الأمير - قَامَ، واللهُ أعْلَمُ.
قال شهاب الدين ﵀:
واذا قلت: سيقوم زيد، وسوف يقوم عَمْرٌو، فالترتيب هنا من حيث إن التنفيس بسوف أقوى منه بالسين.
стр. 110
قلت: وفي هذا - أيضا - نظر، فَيمْكِنُ أن يقال بصحتِهِ، ويكونَ نوعًا مما ذكره ابو القاسم جار الله الزمخشى ﵀ عن عربي سأله عن اسم شقذف، ثم سأله عن اسم أكبر منه فقال له: الشقنذاف. قال: فَعَلِمتُ أن العَرَب اسْتَحْكَمَ في لسانها أن المعْنى الذي هو أبلَغُ تَضَعُ له لفظًا بِنِسْبتِه، وقال هذا في الرّحمانِ الرحيم (١٣٤)، والله أعلم.
قال شهاب الدين ﵀:
واذا قلت: لم يقمْ زيد، ولا يقومُ عَمْرو، وَمَا يقوم بَكْر، أحَدُها عدمُ قيامه فيما مضى، والثالث في الحال، والثاني في الاستقبال (١٣٥)، وما كان في الوضع (١٣٦)
стр. 111
قد يتبدل بحسب اللغات، ومَا كانَ بالعقل لا يتَبَدل، وقال: إذا تبيَّن هذا فأنا أذكر هنا ثلاث مسائل (من حيث هاتين القاعدتين) (١٣٧).
المسألة الأولى:
قال مالك ﵀: إذا قال لغير الدخول بها: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنت طالق، لزمه الطلاق الثلاث.
وقال الشافعى: لا يَلْزَمُه إلا طلقة واحدة، وهو الحقُّ. واتفقا على أنه - إذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالقٌ، فأنت طالقِ، ثم أنت طالق، لا يلزمُهُ إلا واحدة. وقالَ أيضا: وفي العطفِ بالواو اشكال فتوقَّف، ولم يتوقف الشافعى (١٣٨) وهو الحق، وهذا بين من حيث إن الترتيب الزماني حاصل وان لم يكن الترتيب الوضعى، فلا فرق بين وجوده وعدمه، إذ لمَّا قال: أنتِ طالق، فأنت طالق، فما جاء قوله: انت طالق الثاني، الا بعد بَيْنُونَتِها، فلا يَلْحَقُه طلاق آخر، كما إذا كان (١٣٩) بأداة الترتيب.
وقول الأصحاب في الجواب عن هذا: إنه طلَّق بالأول ثلاثا، ثم فسَّرَهَ بعد ذلك، لا يصح، لأن الكلام ما وقع إلا فيما كان لَا نية فيه، فَلَوْ نَوى لا نعقَد
стр. 112
الاتفاق بين الإمامين على لزوم ما نواه. وقولُ بعضهم هو محمول على قوله أنت طالق ثلاثًا، باطِل أيضا، لفرق عظيم مأخوذ من قاعدة كلية، وهو أن كل لفظ لا يستقل بنفسه - اذالَحِقَ لفظًا مستقِلا بنفسه - صيَّر المستقِلّ بنفسِهِ غير مستقل بنفسه.
ولهذه القاعدة مثالات:
الشرط، والغاية، والاستثناء، والصفة، وظرف الزمان، وظرف المكان، والمجرور والمفعول من أجله، والحالُ، والبدَل، والتمييز. ولا شكُّ أن قول القائل ثلاثا، بعد قوله: انت طالق، صيَّرَ قوله: "أنت طالق" غير مُسْتقل بنفسه، لانضمام التمييز اليه، فهو مُباين "لقوله (١٤٠) انت طالق أنت طالق، أنت طالق.
قال شهاب الدين: ينبغي - لو قضى قاض بهذا الحكم - أن ينقض هذا الحكم.
المسألة الثانية:
جاء أن خطيبا قال عند رسول الله ﷺ : من يطِع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوَى، فقال ﷺ : بِيسَ خطيبُ القوم أنتَ.
استدل بهذا الحديث من يقول: الواو للترتيب، ولا دليلَ فيه، لأنه ﷺ أمَرَه بأن يُرتب بالحقيقة الزمانيةِ، بأن ينطق بلفظِ الله أوَّلًا، ثم يذكر الرسول ﵇ ثانيا، فيحْصُل الترتيبُ بالتقديم الدال على الاهتمام والتعظيم، وقد فات بِسَبب جَمْعِهِما في الضَّمير، فلذلك ذَمّه، لَا لأنه لمْ ينطق بالواو.
قلت: ويمكن أن يقال: المَذَمة، ما هى إلا من حيثُ إن الفخامة مطلوبة في هذا الموضع، ومن أجْلِها صَلُح إيقَاعُ الظاهِرِ مَوْقِع المضمَر، فلهذا ذمّهُ، لا لِغير ذلك، فليس فيه تعَرض لترتيب، لا من حيث الحقيقة الزمانيةُ ولا مِنْ حيْثُ الأداةُ، والله أعلمُ.
стр. 113
المسألة الثالثة:
استدل من يقول بأن الواو للترتيب، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١٤١)، من حيث، قولُ رسول الله ﷺ : إبْدأو بما بدأ الله به لمّا سألوه عن ذلك.
قلت: بل للخصم أن يعكس عليه ويقول: بلْ الحديث يدل على أنها ليست للترتيب، وذلك من حيث سؤالهم عن المبدوء به ما هو؟ ولو أفادت الترتيبَ ما سألوا ذلك السؤال. (١٤٢)
القاعدة الرابعة عشرة (١٤٣)
في تقرير قبول الشرطِ والتعليق على الشرط، فأقول:
الحقائق في الشريعة اربعة أقسام:
ما يقبل الشرط والتعليق، كالطلاق والعتاق ونحوهما، فإنه يجوز أن يَقول: إن دخلت الدار فأنت طالق، وأنت حر، (١٤٤) فهذا تعليق، ويجوز أن يقول: أنت طالق وعليكِ ألف، أو أنت حر وعليك ألْف، فهذا ينْفُذ إذا اتفقا عليه.
القسم الثاني: ما لا يقْبلهما، كالايمان بالله تعالى، فلا يجوزُ أسلَمْتُ على أن أشرب الخمر، ولا يصح - أيضا ان دخلتُ الدار فأنا كافِرٌ، أو أنا مسلم إذا قال ذلك كافرٌ ذِمي (١٤٥).
стр. 114
القسم الثالث: ما يقبل الشرط دون التعليق، كالبيع والإجارة ونحوهما، فإنه يصح: بعتك على أن تاتِيَني بالرهن، أو الكفِيلُ بالثمن، ولا يصح التعليق كأن يقول: إن قدِم زيد فقد بعتك، بِسَبب أن انتقال المِلْكِ يعتمد الرضى، والرضَى إنما يكون مع الجزْم، ولا جزمَ مع التعليق.
القسنم الرابع: ما يقبل التعليق دون الشرط، كالصلاة، والصوم، فإنه يصح أن يقال: ان قدم فلان فعليّ صيامُ شهر، ولا يصح: أدْخُلُ قي الصلاة على ألَّا أسجُدَ، أو ما أشبه ذلك.
القاعدة الحامسة عشر (١٤٦)
إعلَمْ أن التعليق على أربعة اقسام:
أ- تعليق عامّ على عامّ، نحو: كلما دخلت الدار فأنت طالق، علَّق الطلْقَات على جميع الدخلات، على وجه التفريق بأفراد الطلْقات على أفراد الدخول لا على وجْه اجْتِماعِ أفرَادِ الطلاق لكل فرد من أفراد الدخول، فلا جَرَمَ لزِمَ (١٤٧) بكل دخلة، طلْقةٌ.
٢ - وتعليق مُطلَقٍ على مطلق، نحو إن دخلت الدار فإنت طالق، وإذا دخلت الدار فانت طالق، فاذا وُجِد مُطْلقَ الدخول وُجد مطلق الطلاق وانحلَّت يمينُهُ.
٣ - تعليقُ مطلَق على عامّ، نحوُ، متى، وإن، وحيث، فهذه من صيغ العموم وفي الزمان والمكانج فالقائل: حيث كنت فأنت طالق، ومتى جئت فأنت طالق، كأنه قال: إنت طالق في حميع الازمنة، أو في حميع البقاع طلقةً واحدة.
стр. 115
٤) تعليق عام على مُطلَقٍ، ومعناهُ التزام جميع الطلاق في زمن فرْدٍ كقوله: انت طالق طلْقاتٍ لا نهاية لها ان دخلت الدار. فهذه اربعةُ اقسام بحسب التعليق.
لخست: ولْنذكر ها هنا مسألة (١٤٨) ذكرها شهاب الدين فقال:
نَصَّ الأصحابُ عَلَى أن الطلاق يتكرر في قوله: كلُّ امرأة أتزوجهَا فهى طالق، أن الطلاق يتكرر بتكرر النساء من تلك الدار (١٤٩)، وأن القائل: كل امرأة أتزوجها فهى عليَّ كظهْر أمى، أن الكفارة لا تتكرر عليه، وأنه بزواج امرأة واحدة، تنحل يمينه، مع تصريحه بالعموم في الصورتين، فقال:
الجوابُ، أن الطلاق حكم يَثْبُتُ لأفراد العموم، وأما الظهار فالكفارة فيه للنطق بالكلام الزُّورِ، عقولة لقائله، فإذا قال: كلّ امرأة أتزوجها هي علي كظهر أمى فقد كذب كذْبةً واحدة، فَتَجبُ (١٥٠) عليه كفارة واحدة. ولا نَظَرَ إلى العموم، الذي هو متعَلَّق القول الكذب، كما لو قال: والله ان كُلَّ شيء جمادٌ، فإنه كذْبَةٌ واحدة متعلقة بعموم، او قال: والله، ما في الدار أحد من إخْوتك،
стр. 116
وَوُجد الجميعُ فيها فإنه يلزمه كفارة واحدة، نظرًا لاتحاد اليمين والحِنْث، فكذلك ها هنا.
وذكر الفقهاء أنه من قال: كلما تزوجت امرأة فهي علي كظهر أمّي أن الكفارة تتكرر عليه بتكرر الزواج، وكذلك أيَّتُكُنّ كَكُلَّما، ومن دخل منكن الدار، فهي علي كظهر أمي، الكفارة تتكرر في هذا كله.
وقال شهاب الدين: والقول بتكرار الكفارة في هذا على خلاف القياس، والقاعدة تقتضى أن لا تتكرر عليه الكفارة، وما وُجِّهَ به هذا التكرارُ تَكَلُّفٌ بَيِّنٌ، واللهُ أعلَمُ.
стр. 117
القواعد الأصولية
ولنبدأ بالمتعلق منها بالأمر والنهى وما يتعلق بذلك.
ومَبْلغها سبع وعشرون (*):
القاعدة الأولى: (١) نقرر فيها ما معنى خطاب التكليف وما معنى خطاب الوضع، ونقرر الفرق بينهما، فنقول:
خطاب التكليف يطلقه الأصوليون على الخطاب المتعلق به حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب، والحظر، والندْب، والكراهة، والإباحة، وكانَ أصله ألَّا يقال إلا على ما فيه كلفة، وذلك الحرام والواجب، ولكنه اُطْلِقَ على ما ذكرناه اصطلاحًا.
وخطاب الوضع هو الخطاب بِنَصْب الأسباب ونصْب الشروط ونصْب المَوانع ونصْبِ التقادير الشرعية.
стр. 118
ثم انه يُشتَرط في خطاب التكليف علْمُ المكلَّف وقدْرتُه على ذلك الفعلِ، وكونُهُ من كسبه، بِخلاف خطاب الوضع لا يشترط فيه ذلك، غيرَ أنه استثنى الشارع في خطاب الوضع قاعدتين يشترط فيهما العلم والقدرة (٢):
القاعدة الأولى: أسباب العقوبات وهي الجنايات (٣).
فالقصاص يشترط فيه العلم والقدرة والقصد. فلا قصاص في قتل الخطأ، ولاحد على المكرَه على الزنى، ولا على من وطئ أجنبية يظن أنها زوجته، (٤) ولا على شارب خمر يعتقدهُ خَلًّا، فمِثلُ هذه الأسباب يُشترَط فيها العلمُ والقدرة والإرادة، واستثناء هذه القاعدة رحمة من الشارع، ولطفٌ منه (٥)، لأن الغالب على نظر الله قلبُ العبد. (٦)
القاعدة الثانية المستثناة: قاعدة أسباب انتقال الأملاك، كالبيع والهبة والصدقة وغير ذلك مما ينتقل به المِلْكُ، هذا كقوله ﷺ "لا يحل مال امرئ
стр. 119
مسلم إلا عَن طيب نفسه" (٧) ولا يحصل الرضى إلا مع الشعور والإرادة والمُكْنَةِ من التصرف. (٨)
إذا تقرر هذا، فأزيد ذلك (٩) بيانا بذكر ثلاث مسائل: (١٠)
المسألة الأولى:
إعْلَم أن خطاب الوضع قد يجتمع مع خطاب التكليف، وقد ينفرد كل واحد منهما بنفسه.
أمّا اجتماعهما فكالزنى فإنه حرامٌ، فهو خطابُ تكليفٍ، وهو سَبب الحَدِّ، وهو من هذا الوجه خطابُ وضْعٍ؛ وهذا كثير في الشريعة الاسلامية. وانفرادُ خطاب الوضع كالزوال وطلوع الهلال، ودَوران الحولِ ونحوها. وخطاب التكليف بدون خطاب الوضع كأداء الواجباتِ واجتناب المحرّمات.
стр. 120
ولا نقول (١١) في مثل هذه: إنها أسباب أيضا من حيث إنها سبب لبراءة الذمة، لأن برآة الذمة ليس من فعل المكلف، ونحن ما نسمى السبب إلا ما كان كذلك.
المسألة الثانية
الصَبيُّ إذا أفْسَدَ مالًا على غيره وَجَب على وليه جَبْرُ ذلك من مال الصبي، فالإتلاف سببُ الضمان، وهو من خطاب الوضع، فإذا بلغ الصبيُّ، ولم تكن القيمة أخذَتْ من مالِهِ وجبَ عليه إخراجُها من ماله بعد بلوغه، فقد تقدم السبب وتأخر أثره إلى بعد البلوغ، ومقتضى هذا أن ينعقد بيعُهُ ونكاحهُ وطلاقه، فإنها أسبابٌ من باب خطاب الوضع الذى لا يُشترط فيه التكليفُ فَينعقدُ من الصبي العالِم، الراضى بانتِقَال ملكه، لأجْل ما تقدم في القاعدتين، والرضَى من الاُسباب، ويتأخر الحكم إلى بعد البلوغ، فيُقضَى (١٢) حينئذ بالتحريم أو غيره كما تأخر ايجاب الضمان إلى بعد البلوغ، قياسا على الضمان. (١٣)
قال شهاب الدين ﵀:
ولَمْ أرَ أحدًا قالَ بِه، ثم قال:
والجوابُ، الفرقُ بين الضمانِ وهذهِ الامور من وجهين:
الوجْهُ الأول: أن هذه الأمور يشترطُ فيها الرضَى وإن كانت من باب خطاب الوضع كما قررناه في القاعدتين. والرضى من الصبي معدومٌ شرعًا، والمعدومُ
стр. 121
شرعا كالمعدوم حِسًّا، إذ الشارع لمّا علِم عدَمَ معرفته بمصلحته لم يَعتبرْ رضاه رضىً، وغير الراضى لا يلزمه شئ مِمَّا ذكر، وقاعدة الإِتلاف لا أثر فيها للرضى الْبَتَّةَ.
الوجه الثاني: أن أثر الطلاق التحريم، وأثر البيع الإلزامُ، والصبيّ ليس أهلًا للتكليف بالتحريم والإلزامِ.
فإن قيل: تتأخرُ هذه الاحكام كما تأخر الإلزامُ دَفعْ القيمة (١٤)، قيل: الفرق أن تأخُّرَ المسبَّبَاتِ في أسبابها خلاف الأصل. وخولف هذا الأصل في الإتلاف، لضرورة حق الْآدَمى، مخافة أن يذهب مالُه مَجَّانا، ولا ضرورةَ تدعو لتقديم الطلاق وتأخير التحريم. (١٥).
المسألة الثالثة:
الطهارة، وسَتْر العورة، واستقبال القِبلة في الصلاة، الفتاوى متطابقة على أنها واجبة، مع أن المكلف لو توضأ قبل الوقت، واستتر، واستقبل الكعبة، ثم جاء الوقتُ وهو على تلك الصورة وصلى من غير أن يجدد فعلًا البتَّة (١٦) في هذه الثلاثة، أجزأته صلاته إجماعا، وفعْلُه قبل الوقت لا يوصَف بالوجوب (١٧)، فإن
стр. 122
الوجوب لهذه متأخر عن وجوب الصلاة، والصلاة متأخرة عن زوال الشمس مثلا، فَقَبْلَ سبَبِ الوجوب لا وجوبَ
فإن قلنا: لا وجوبَ، قَامَ مَعَنا اشكال آخرُ وهو: فكَيْفَ أجزأ ما ليس بواجِب عما هو اجب، والقاعدة المقررة خلاف هذا، ولَمَّا توجه الإشكال اضْطَرَبَتْ أجْوِبة الفقهاء.
فقال القاضى: أبو بكر ابن العربي: "الوضوءُ واجبٌ وجوبًا مُوَسَّعا قبل الوقت وفي الوقت" (١٨). وهذا لا يصح، لأن ما ترتب حكمُه على سببٍ لا يتقدم سَبَبَه، وهو مرتب على ما رتب على الزوال أو غيره من الاسباب للصلوات، فالوضوء وسيلة للصلاة التى هي مقصُودة، ووجوبُ الوسائل تَبَع لِوجوبِ المَقَاصِد.
وقال غيْرُهُ: تَقَعُ غيرَ واجبةٍ وأجزَأتْ عن الواجب إجماعا، فهى مستثناة بالإجماع، وهذا لا يصح، لأن المجمع عليه الإجزاء، وأما أنها مستثناة بالإجماع فلا.
وقال آخَرُ: دوام ذلك فِعْل له، فَيَجبُ عليه الدوام على ذلك الحال عند دخول الوقتِ وقد فَعَلَهُ، وهذا - ايضًا - غيرُ مرضي، فإنَّا لا نقول: دوام تلك الحالة فِعْل لها، لأنه قد يدوم وهو غير شاعِر بها، وشرطُ الفعلِ المعتبَرِ في السّنِّة شعورُ فاعِله بِهِ.
وقال شهاب الدين: الجوابُ الصحيحْ عندي، أن نَقُولَ: هذه الاشياء قد
стр. 123
تكون من خطاب الوضع وقد تكون من خطاب التكليف (١٩)، فإن كان لم يفعل شيئا من ذلك حتى دخل الوقتُ فَفِعْلُهُ لَها امتثالٌ لخطاب التكليف، ، وإن كان قد فَعلها قبل دخول الوقت فهي من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف. غايةُ ما فيه أن يقال: يجبُ الوضوءُ في حالةٍ دون حالة، وهذا لا مُنْكر فيه، فإن شأن الشريعة تخصِيص الوجوبِ ببعض الحالاتِ وَبَعْضِ الأزمنة وبَعْضِ الأشخاص (٢٠).
القاعدة الثانية (٢١):
نقرر فيها فرض العين وفرضَ الكفاية، ليتحقق الفرق بينهما بذلك فنقول: الأفعال قسمان: منها ما تَتَكرر مصلحته بتكرره، ومنها ما لا تتكرر مصلحته بتكرره. فالقسم الأول شرعَهُ صاحبُ الشرعٍ على الأعيان تكريرا للمصلحته بتكرر ذلك الفعل. والثاني جعله على الكفاية، نفيًا للعبث في الأفعال، وهذا كإنقاذ غريق إذا بادر لإنقاذه أحد، فنزول غيره بعد ذلك لا مصلحة فيه، والأمرُ به من باب العبَث.
стр. 124
فإذا تقرر هذا فاعلَمْ أن الكفايةَ والأعيان يُتصَوّران في الواجباتِ وفي المندوبات، كصلاة الظهر، والصلاة على الجنازة، وكالأذان والوِتر.
ولْنَذْكُر هنا مسائل:
المسألة الأولى:
يكفي في سقوط المامور به على الكفاية ظنُّ الفعل لا وقوعُه تحقيقا، حتى لو غَلَبَ على ظن كل طائفة ذلك سقطَ عن الجميع (٢٢).
سؤال: إذا كان الوجوب متَقررًا على الجميع فكيف سقط عمن لم يَفعَلْ، بفعلِ غيره، والعبادةُ البدنية، القاعدة فيها أنه لا يُجْزِئ فيها فِعْلُ أحدٍ عن أحد، فكيف وقعت التسويةُ بين من فَعَلَ ومَنْ لم يفعل؟
جوابه أن سبب السقوط ليس فِعْلَ أحد، بل سَبَبُه انَّهُ ما في فعله - حينئذ - حكمة (٢٣).
قلت: سببُ السبب سببٌ، وفعْلُ الغير سببٌ لئلَّا يبْقَى في فعله حكمة فهو سبب.
والحق أن القاعدة ليسَتْ بحق على الاطلاق.، وسياتي الكلام عليها في موضِعها.
стр. 125
قال شهاب الدين ﵀:
وأما التسويةُ فما هي الا من حيث السقوط عنهما معا، وأما من حيث الثوابُ فلا، من فعل فله الثوابُ دون من لم يفعل.
المسألة الثانية:
نقل صاحب الطراز (٢٤) أنَّ اللاحِقَ بالمجاهدين بعد أن كان سقط الفرض عنهُ يقع فعلُهُ فَرْضًا بَعْدَ ما لم يكن واجبا عليه (٢٥)، وعلل ذلك بأن مصلحة الوجوب لم تحصل بعدُ، وما وقعت الا بفعل الجميع، فوجبَ أن يكون فعل الجميع واجبا، لأن الوجوب يتبع المصالح.
قلت: فَيَلْزَمُ على هذا ألَّا يسقط فرض الكفاية عنْ أحدٍ إلا بعد وقوع ذلك الفرض، ولذا كان الامر هكذا فقد سقط السؤال حيث قلت: وقع فعْلُه فرضا بعد مَا لم يكن واجبا.
قال شهاب الدين ﵀:
سؤال: هذه المسألةُ نَقْضٌ كبيرٌ على حد الواجب، فإما أن تصح الحدود المذكورة للواجب، المفيدةُ أنَّه لا سبيل إلى تركه ويبطُل هذا الذىْ قَلتم هنا، وإما أن يَصح فتبطل الحدود. (٢٦)
стр. 126
والجواب أن نقول: الوجُوبُ في هذه الصورة مشروط بالاتصال والاجتماع مع الفاعلين، ولاشك أنه ان تُرك مع الاجتماع أثِم، والتركُ مع الاجتماع لا يُتصور إلا إذا تركَ (٢٧) الجميعُ، والعقاب - حينئذ - يتحقق. والقاعدة أن الوجوبَ المشروط بشروط ينتفي عند انتفاء الشرط الذي له، فإن كان منفردا عنهم كان شرط الوجوب مفقودا فذهب الوجوب، ولا عجبَ أن يكون الوجوب مشروطا بشرط الاتصال، ومفقودا عند الانفصال.
المسألة الثالثة
قال ﵀، : مُقتضى (٢٨) ما قررتم من ضابط فرض الكفاية وَفَرض. العَين ألَّا تكُونَ صلاة الجنازة فرض كفاية، فإن مصلحتها المغفرة للميت، ولم تحصل بتحقيق (٢٩)، فالجواب أنا لا نطلب حصولها بتحقيق، بل المطلوب حصولُ ظن المغفرة وهو حاصل. (٣٠)
القاعدة الثالثة (٣١)
نريد أن نقرر فيها الفرق بين قولنا: الأمر. المطْلَق، وبيْنَ قولنَا:
مُطْلَقُ الأمرِ، وكذا مالَه من نظائر، كقولنا: البيعُ المطلَق، ومطلَقُ البِيْع، فقال ﵀:
стр. 127
هما مختلفان، وبهذا يصْدُقُ قَولنا: مطلَق البيع حلالٌ إجماعا، ويصدق - أيضا -: البيع المطلق لم يثبت فيه الحلّ بالاجماع ثم قرر هذه المخالفة بأن قال:
إذَا قلتَ: البيع المطلق فقد أدخلت الالف واللام على البيع، وذلك سببٌ لشمول جمبع أفراد البيع، بحيثُ لم يَبْقَ بَيْعٌ إلا دخل فيه، ثم وصفنَاه بعْد ذلك بالِإطلاق بمعنى أنه لم يقيد يُوجبُ تخصيصه من شرط أو صفةٍ أَو غير ذلك من اللواحِقِ (٣٢).
وأما إذا قلنا: مطلق البيع فقد أثرنا بقولنا: "مطلَقُ البيع" إلى القدْر المشترك بين جميع البَيَاعَاتِ، وهو مسمى البيْع الذى يصدُق بفردٍ من أفراده، ثم أضيفَ هذا المطلَقُ - المشار اليه إلى البيع، ليتميزَ عَنْ مُطلَقِ الحَيَوانِ (٣٣) وغير ذلك.
القاعدة الرابعة (٣٤):
نقرر فيها الفرق بين خطاب غير المعين والخطاب الغير المعيّن فنقول:
أما من حيث مقتضى الألفاظ فظاهرٌ أن المراد بخطاب غير المعَيَّنِ أن يكون المكلف الذي توجَّه الخطابُ نحوَه غيرَ معيَّن، والخطاب الغير المعين، المراد به الخطاب بالشئ الذي وقع التكليف به هو المبهم، وفيه عدم التعيين. وما أردنا تَبْيِينَ هذا كما أردنا الفرق بين الامر الطلق ومطلق الامر، وانما أردنا أن نبين الفرق
стр. 128
بينهما من حيث إن أحدهما موجود في الشريعة، والآخَرُ ليس بموجود، والذى ليس بموجود هو خطاب غير المعَيَّن، (٣٥) لأنه ليس من الحكمة، لأنه إذا كان مبهَمًا لا ينبعث أحد من المكلفين إلى الامتثال، فتضيع الصلحة لذلك، فلم يات به الشارع، وفرضُ الكفاية يُتوهم أنه كذلك، وليس كذلك، بل الخطاب توجه نحو الجميع، غير أنه إذا فعله البعض سقط عن البعض الآخر، وقد مضى بيان ذلك، وبهذا نجيبُ عن قوله تعالى: "ولْيَشْهَدْ عذابهُمَا طائفة من المؤمنين" (٣٦).
стр. 129
وأما الخطاب الغير المعيَّنِ فكثير في الشريعة وموافق للحكمة، (٣٧) لأن المصلحة تحصل معه، وهذا كالامر بإخراج شَاةٍ معينة، فالمصلحة حاصلة مع عدم التعْيين، وصُرِف التعيين إلى المكلَّف.
وهنا مسألة: قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٣٨)، فهذا خطاب بشئ غيرِ معيّن، وقد قلنا: إنه لا يجوز.
ولكنه هنا سؤالان على الآية (٣٩):
السؤال الأول: ما ضابط هذا الظن؟ ، فإنَّ غيْر المعيَّن إذا وقع التكليف به في الشرع، تارة يُعَينه الشارع بعد ذلك، وتارة يُعَلق بالجميع الوجَوبَ، فهذا من أي القسمين هو؟
والجواب أن نقول: لنا أن نقضى بتحريم الجميع حتى يدُلَّ الدليل على خروج البعض من هذا التحريم. والجواب الثاني أن نقول: المحرّمُ من الظن المشار اليه - هنا - ما دلّ الدليل على تحريمه، ومالا فلا. (٤٠)
السؤال الثاني: هو: كيف صح النهى عن الظن، وهذا أمر يهْجُم على النفس عند حضور أسبابه، لا قدرة على دفعه، فنقول:
стр. 130
إذا وقع مثل هذا فالمراد به توجُّه الخطاب لثمرته او لسببه، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٤١) فإن الرأفة - أيضا - أمر يهجم على القلب، فيتَعيَّن الحمل على الثمرة، وهى تَنقيصُ الحَدِّ" (٤٢).
ومثال ما هو غير مقدور ويُحمَل على سببه قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. (٤٣) يتعَيَّن ها هنا الحمل على سَبب المغفرة، وهو الطاعة، فيكون من مجاز التعبير بالمسبّب عن السبب، والأول من مجاز التعبير بالسبب عن السبب. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٤٤)، إذ الموت لا يُنهى عنه، فتعَيَّن حملُه على سبَبٍ يقتضي حصول الموت على حالة الاسلام، وهو تقديم الاسلام قبل ذلك والتصميم عليه، وهذا كثير في كلام العرب.
القاعدة الخامسة:
في تقرير أنه ما ليس بواجب لا يُجْرِئُ عن الواجب . (٤٥)
بيان ذلك من حيث إن حقيقة الواجب تخالف حقيقة ما ليس بواجب.
فالآتي بإحدى الحقيقتين مكان الاخرى كمن لم ياتِ بشئ أصْلًا. ولهذا نقول: إن صلاة ركعة الوتر لا تجزى عن ركعة من صلاة الصبح، وألْفُ دينار، صدقَةً، لا تجزى عن شاة وجبتْ عليه، وأمثال هذا، وكل ما جآء على هذا الحساب فقد جاء على الأصل، وما جاء على غير هذا فهو على غيْر الاصل.
ووقع في الذهب سبعُ مسائل يجرى قولٌ ممَّا قيل فيها على خلاف الأصْل.
стр. 131
١) الأولى: إذا توضَّأ مجدِّدًا، ثم ذكرَ أنَّهُ كان مُحْدِثًا، هلْ يُجْزئه أم لا؟ قولان، والصحيح في المذهَب عدمُ الإجْزاءِ.
٢) وإذا اغتسلَ لجمعته ناسِيًا لجنابته، كذلك قولان. والمذهب عدم الإجْزاءِ.
٣) وإذا نسِي لَمعة من الغَسْلة الأولى من وضوئه، وكان غسَلَهَا بنية الفرض، هل يجزئه إذا غسَل الثانية بنية السُّنة؟ قولان. والمذهبُ عدَمُ الإجزاءِ.
٤) الرابعة: إذا سلم من اثنتين ساهيًا، ثم قام يصلِي ركعتين بنية النفْل، هل يجزئانِه عن ركعتي الفرض؟ قولان.
٥) الخامسة: إذا ظن أنه سلم من فَرْضه، فَصَلَّى بقية صلاته بنية النافلة، هل يجزئه أو لا؟ قولانِ.
٦) السادسة: إذا سها عن سجدة من الركعة الأولى وقام في خامسة، ساهيا، هل يجزئه عن الركعة التي نَسِي منها السجدة؟ قولان.
السابعة: إذا نَسِي طواف الافاضة وقد طافَ طواف الوداع، وراح إلى بلده أجزأهُ طواف الوداع عن طواف الافاضة. هذا هو الذى رأيت وقع في هذا القاعدة. (٤٦)
стр. 132
قلت: وقد فرض بعض الفقهاء في تمييز الفرق بين المُشْتَبهات مسألةً وقال: لِمَ لا تُصَلَّى الفريضةُ بتيَمم النافِلة كما جازتْ نيابَةُ النفل عن الفرض في
стр. 133
الحج؟ وذكر المسألة الآخِرة من المسائل السبع، فأجَابَ بما مقتضاه أن الأمر في الحج على غير الأصل، وكان ذلك للمشقة التى في إعادة فرض الحج وهو طواف الإفاضة، والمشقة مفقودة في الصلاة.
стр. 134
قال شهاب الدين ﵀:
وأما العبد والمسافر والمرأة ويُصَلون الجمعة فليست صلاتهم من هذا القبيل، أعني أن يقال فيها: أجزأ غير الواجب عن الواجب، بل الواجبُ عليهم إحدى الصلاتيْن: إما الظهر وإمّا الجمعةُ، والواجبُ القدْرُ المشترك بين الصلاتين (٤٧)، فإذا صَلَّوْا الجمعةَ فقد أتوْا بإحدى الصلاتيْن، وذلك الواجب عليهم، وتعيَّن ذلك المشترك في أحد نوعيه، كمسألة خِصال الكفارة، فهذا عنده من بَابِ تعيين الواجب، والمسائل المذكورة قيل هذا من باب إجزاء ما ليس بواجب عما هو واجب.
قلت: قول شهاب الدين ﵀ ليس خلاف مَا نصَّ عليه الفقهاء. نصّ أبو عمرو ابن الحاجب في كتابه في الفقه في باب القصر أن المرأة والعبد ينتقلان، لأنه يقال: المراد بالانتقال المذكورِ انتقاله من الإبهام إلى التعْيين.
ويمكن أن يقال: إنه خلافه، والراد ينتقل من فرْضيةِ الظهر إلى الجمعة، وليْسَتْ من باب تعْيين الواجب على هذا، ولكنه ليس فيها إجزاء ما ليس بواجبٍ عن الواجب، على كل قول، والله أعلم.
قال شهاب الدين ﵀: ويتمهَّد الفرق بين إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب وبين تعيين الواجب بأربَع مسائِل:
стр. 135
المسألة الأولى: العبد لا يؤم في الجمعة، لأن المذهب أن المفترِض لا يأتَمُّ بالمتَنَفِّل، وقيل: يَؤُمُّ، لأنه إذا حضرَهَا صار من أهْلِها وَوَجَبَتْ بالشروع عليه فصار مفترِضا، فما ائَتَمّ المفترض إلا بمفترض فقيل: إن تكبيرة الإحرام للجمعة لا تجب عليه فقد وقع ائتمام المفترِض بالمتنفِّل، فأجابوا عن هذا بأن تكبيرة الإحرام، لها عمومٌ وخصوص. فمِن حيث عمومها هى واجبة على العبد، ومن حيث إنها للجمعة لا تجب، وباعتبار العموم ائَتَمَّ المفترض بالمفترِض.
وقال شهاب الدين ﵀:
هذا الذي قالوه، من أن العبدَ عليه تكبيرة الإحرام، وهي أعمُّ من أن تكون بِظُهْرٍ وبجمعةٍ، فإذا صلَّى الجمعة فقد خصصها، وذلك الخصوصُ غيرُ واجب عليه، والعموم هُو واجب عليه، ومن تلك الجهة صحَّ الائتمام، يلزمهم في جميع أركان الصلاة من ركوع أو سجودٍ أن يُعتبَر فيها هذا المعنى، فيكون العبْدُ قد أتَى بخصوص، وذلك غير واجِب عليه ومن حيث إن السجودَ سجود أتَى بما يجب عليه والجزء الخُصُوص، والعمومُ واجب عليه، فقد ائتم المفترِض بالمتنفِل.
قلت: لا يلزم الفقهاء هذا، فإنهم قالوا: بالشروع وجبت، فقد انتقَل للجُمعة وصار مساويًا فيها للحر، من حيث الخصوصُ والعموم.
نعم، إنه يقال: لم يكن في تكبيرة الإحرام مساويا للعُموم فيقال: جاز ذلك، بناءً على أن الواجب في النية أن ينويَ الفريضهّ المطلَقة أو ينوى الفَريضَة المعَيَّنة بالركعات، وفي المذهب خلاف، وهذا جاء على الفريضة المطْلقة، والصلاة واحدةٌ في نفسها، أعْنى الظهر، والجمةُ ليست كالظهر والعصر، والله أعلم. (٤٨)
стр. 136
قلت: وهذه المسألة تؤْذِن بخلاف ما قاله، من أن الثلاثة الواجب عليهم شئ (وهم المسافر، والعبد، والمرأة) لهم التعيين، بل ظاهر هذا أن هذه المسألة على هذا القول من باب إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب بحسب قولهم انها وجبتْ بالشروع، اذْ هذا تصريح بأنها كانت غير واجبة، ثم لما شرعوا وجبت، لقوله تعالى: "ولا تبطلوا أعمالكم "، (٤٩) كما في النوافل كلها، تجب بالشروع، والله أعلم.
المسألة الثانية:
المسافر في رمضان يجب عليه أحد الشهرين: إما شهر الأداء، واما شهر القضاء، فإذا اختار صَوْمَ رمضانَ فهو فاعل لخصوص غير واجب، وهو كونُه رمضانَ، وعمومٍ واجب وهو كَونهُ أحَدَ الشهرْين، فأجزأ عنه من جهة أنه أحدُ الشهرين، لا مِن جهة كونِهِ رمضان. (٥٠)
وكذلك إذا اختار شهر القضاء، فخصوصه ليس واجبا عليه، غير أنه متعين عليه خصوص القضاء لتعذر غيره، لا أنه واجب بخصوصه، ؛ يتعيَّنُ آخر وقتِ الصلاة لتعذر ما قبله، وتعيَّنَ غيرُه لأنهُ واجبٌ بطريق الأصالة، وليس قضاء المفَرط هكذا، بل قضاؤه واجب بخصوصه وعمومه (٥١).
стр. 137
قلت: هذا التفريق لا ينبغي، من حيث إنه لا يقال: قضاء المفَرط باعتبار الحال قبل التفريط، وإنما يقال بعد وقوع التفريط وفواتِ صوم شهر رمضان. واذا كان كذلك فالقضاء واجب بخصوصه وعمومه، وكذا المسافر إنْ اعتبرناه بعد خروج رمضان، قضاؤُهُ واجبٌ بعمومه وخصوصه، فلو اعتبرنا المسافر قبل فوات رمضان فحينئذ يكون له القضاء والأداء، ويكون ما قاله لم يجب عليه خصوص واحد، ولكنه وجب عليه أحد الشهرين، واللهُ أعلم. (٥٢)
المسألة الثالثة:
المريض إذا كان يقدر على الصوم لكن مع مشقة عظيمة لا يَخْشَى معها على نفسه ولا عضوٍ من أعضائه، فهذا سقطَ عنه الخطاب بخصوضِ رمضان، ويبقَى كالمسافر مُخاطَبًا بأحدِ الشهرين، فإن خَشي على ما ذُكِر حَرُمَ عليه الصومُ، فإن أقْدَمَ على الصوم مع ذلك فلا يمكن أن يقال: إنَّه غَيَّر (٥٣) الواجبَ كما يقال للمسافر، ولكن يقال: هل يجزئ عنه؟ قال الغزالي (٥٤) ﵀: يحتمل عدم الإجزاء، لأن المحرم لا يجزئ عن الواجب، ويحتمل الِإجزاء كالصلاة في الدار المغصوبة، فانه متقرب بترك شهوتيْ فمه وفرجه، جانٍ على نفسه، كما أن المصلي متقربٌ، وجَانٍ على صاحِب الدار. (٥٥)
стр. 138
المسألة الرابعة:
قال مالك: إذا صلى الصبيُّ في الزوال ثم بلغ في القامة وجبَ عليه أن يصَلِىَ مرَّةً أخْرَى، لأنَّ الوُجُوبَ تَرَتَّب عليه حينَئذٍ، وما كان صلَّاة ليس بواجب، وغيْر الواجِب لا يجزئ عن الواجب. وقال الشافعي: لا يعيد، لأن الصلاة قد وقعَتْ بعد سببها، ولم يخاطَبْ أحد بصلاتين لِسبب واحد.
القاعدة السادسة (٥٦)
نقرر فيها أنه أشياء جاءتْ في الشريعة، يُتَوَهّمُ أنها ناقِضَةٌ علينا القاعدةَ الخامسةَ، وهي أن ما ليس بواجب لا يجزئ عن الواجب
فمن ذلك أن الزكاة إذا عجلت قبل الحول، إما بالشهر ونحوِه عندنا، وإما في أول الحول عند الشافعي، فهو قول بإجزاء ما ليس بواجب عن الواجب، فإن دَوَرَانَ الحَوْل شرط في الوجوب وهو لم يقع، والمشروطُ لا يتقدم شرطَه، فنقولِ:
الفرق أن هذا جاز من حيثُ إنه إن لم تكن الزكاة واجبةً في الحالِ فهِى واجبةٌ في المآلِ، والمُخرِجُ إنما قصَدَ بالِإخراج الوجُوبَ. بخلاف صدقة التطوع عن الواجب، إنما قَصَدَ التطوعَ، فلم يُجْزِ فيها وفي أمثالِها مَا ليس بواجب عن الواجب، وهنا أجزأ، لأن لذلك الشئ اعتبارا أنه واجبٌ، وذلك في المآلِ، وإن لم يكنَ واجبًا في الحالِ، والذي قَبْلَه ليس بواجب في الحال ولا في المآل، ولذلك قلنا: لا يُجْزِئ، والله أعلم.
ولْنَذْكُرْ مسألتين (٥٧):
стр. 139
المسألة الأولى: قال جماعة من الحنَفِيَّةِ: يتعلق الوجوب في الواجب الموَسَّع بآخِرِ الوقت، والمعجَّل قبْلَ ذلك نفْلٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الفرض، فقال لهم الأصحابُ: لَوْ صَحَّ ذلك لَصحَّ أن يصلى قبل الزوال ويُجْرِئ عنه، فيكون نفْلًا سَد مَسَدَّ الفرض، وهو خلاف الإجماع، فكذلك بعد الزوال، لا نحصار الوجوب عندكم في آخر القامة فيكونُ إيقاعها في الوقتين على السواء، إذْ لم تجب فيهما وإنما وجبت في آخره. فإن قالت الحنفية: جاز بعد الزوال من حيث إنه لم يقصد بصلاته - حينئذ - التطوع، وانما قصد الواجب في المآلِ، قيل لهم: ويقصِدُ قبل الزوال الواجبَ في المآل لا التطوعَ، ولم يقل أحد بجواز ذلك.
فأجاب شهاب الدين ﵀ عن الحنفية بأن قال: من شرط إجزاء ما ليس بواجب في الحال وهو واجب في المآل - عن الواجب، أن يكون سببه قد تقدم، وتأخَّر الوجوب لشرط أو غيره كما الأمر في الزكاة، فإنه وُجدَ سبب وجوب الزكاة، وذلك النصابُ، وتأخر الشرطُ وذلك الحَوْل فجاز، كَذلكْ هنا وُجِدَ سببُ الوجوب وهو الزوال، وقَبْلَ الزوال ما وُجِدَ السببُ، فوقع الفرق، فصح إجزاءُ ما قالوه، ولم يَلْزَمْهُمْ القولُ بإجزاء ما ألْزَمُوه. (٥٨)
المسألة الثانية:
زكاة الفطر يجوز تعجيلها قبل غروب الشمس بيومين أو ثلاثة، لما قُلناه من أنها واجبة في المآل.
فإن قيل: هذا يقوي الإلزام على الحنفيَّة بأن أخراجها قبل الفِطر كإيقاع الصلاة قبل الزوال.
فالجواب أن لها سببين: غروبَ الشمس آخِرَ يوم من رمضان، والوقت
стр. 140
الموجودَ في رمضان، لقوله ﷺ : "هي طُهرةٌ للصائم" (٥٩). فمن أخرجها قبل الغروب بيومين او ثلاثة، فقد أتى بها متوسطة بين سببيْن، والمسبَّبُ يقع وسطا بين سبَبَيْه، فيه خلاف، فليست المسألة كمسألة ايقاع الصلاة قبل الزوال.
القاعدة السابعة (٦٠)
نقرر فيها الميْز بين ما يثاب عليه من الواجبات، وبين ما لا يثاب عليه منها، وإن وقع واجبًا.
اعْلَمْ أن الماموراتٍ على قسمين:
١) قسم منها، صورة فِعْلِهِ كافيةٌ في تحصيل مصلحتهِ وإن لم يُقصَد به التقرب، وهذا كأداء الديون، وردِّ الغُصُوب وما أشبه ذلك.
٢) وقسمٌ آخر لا يقع واجبا الا مع القصْد والنية كالصلاة والصيام والحج
стр. 141
وغير ذلك مِمّا شُرِط فيه النية، فهذا لا يُعْتَدُّ بفعله إلا إذا وقع منْوِيًا، فحينئذ يقع واجبًا ويثاب عليه.
والقسم الآخر إذا وقَع بغير نيةٍ أجزأ عن الواجب ولا ثوابَ عليه، فإن فعل بنيةٍ أجزأ عن الواجب وأثيب عليه، وظَهَر من هذا أنه مبني على أن القَبُولَ غَيْرُ الإجزاءِ وهو الحقُّ. فالمُجزئ من الأفعال ما اجتمعتْ شرائطه وأركانهُ وانتفتْ موانعه، فهذا يبرئ الذمة بغير خلاف. وأما الشاب عليه فالحقُّ عدم لزومه، وأن الله تعالى قد يُبْرئ الذِّمة ولا يُثيب في بعض الصور، وهذا معنى القبول، ويدل على ذلك أمورٌ:
أحدها: قوله تعالى: "انما يتقبل الله من المتقين" (٦١) في قضية ابنَيْ آدم، (٦٢) اذْ الظاهرُ أنهما تساويَا في العمل فكان ما ييرئ الذمة حاصلا، ومعَ ذلك لم يتقبل من أحدهما وتَقبَّل من الآخر بوصف باطني حميل في أحَدِهما، وذلك التقوى.
стр. 142
وثانيها: طلب إبراهيم واسماعيل ﵉ ذلك عند العمل، حيث قالا: "ربنا تقبل منا" (٦٣).
وثالثها: قوله ﷺ : "اللهم تقبل من محمد وآل محمد، وذلك عند ذبْحه الأضحية.
ومن الدليل على هذا كثرة، ويظهر من قوله ﷺ : "صلاة في مسجدى هذا خَيْرٌ من الف صلاة في غيره" (٦٤) التفضيل لا بإطلاق، ولكن بشرط التقوى، ومن قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفْضُلُ صلاة الفذ بكذا (٦٥) أنه بإطلاق.
قلت: ادّعاء التقييد في الحديث الأول، وأنه الظاهر، غيرُ ظاهر. نعَمْ الاطلاق في الثاني هو الظاهر، والله أعلمُ.
قلت: إن صحت هذه القاعدة أبطلت (٦٦) الحدود المذكورة للأصوليين في انواجب، فهم يميزونه بالثواب والعقاب (٦٧). وهذه القاعدة - إن صَحَّتْ - ترُد ذلك من حيث إنه يخرج عن الحد ما هو منه، وهو فساد في الحدودِ، والله أعلم.
стр. 143
القاعدة الثامنة (٦٨)
نقرر فيها ضَعف ما مضى الناس عليه في تحديد الأداء والقضاء، ثم نذكرُ الحَدّ الذي يَصْلُحُ لَهما، فأقول أولا:
الجاري عند الناس أن الأداء كنايةٌ عن إيقاع الفِعلِ في وقته المحدُود له، والقضاءُ كناية عن ايقاع الفعل بعد خروج وقته المحدود له. وهذا ينتفض بالأمر الفَوْري، كَرَدِّ الغصوب والودائع، فإن الشرع حدد له (٦٩). زمان الوقوع، فأولُهُ أوَّلُ زمانِ التكليف، وآخرهُ الفراغ منها بحسبها في طولها وقصرها، فزمانه محدودٌ شرعًا، مع انتفاء الاداء والقضاء عنها في الوقت وبعده، فيبطل حَد الأداء فإنه يتناولها وليست أداء، ويَبطُل حد القضاء، فإنه يتناولها وليْسَتْ قضاءً والأوْلى أن يقول: الأداء إيقاع الواجِبِ الأدآء في وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقتُ بالأمر الاول. والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته الذى حدّ له شرعا لأجل مصلحة فيه بالامر الثاني.
стр. 144
فقولنا: في وقته، يخرج القضاء، وقولنا: المحدود له، يخرج المقيَّد بجميع العُمر، وقولُنا: شرعا، احترازا ممّا يحدده أهل العرف، وقولنا: لمصلحة اشتمل علها الوقت، يخرج النقيض المذكور. وهذا من حيث إن ما عينه الشرع كرمضان للصوم، والزوال للظهر، ذلك كله لمصلحة، فيها وإن كنا لا نَعْلَمُها. وتعْيين الفَوريات ليس كذلك، بل يتْبع المامورات وطَرَيان الاسباب، فالغربق - لو تأخر سقوطه في البحر تأخر الزمان، أو تعجل، تعجّل الزمان قبل ذلك، وليس القصد إلا حصولَ ذلك، وليس لزمان خصوصيةٌ في ذلك.
وقولنا في القضاء: بالأمر الثاني، وفي الأداء: بالامر الأول، لأن القضاء واجب بأمر جديد، وبهذا يَسْلَمُ من نقضٍ، وذلك أن شهر رمضان إذا تعذَّر صومه، فالله تعالى عَيَّن ما بعده إلى رمضان وقْتًا لقضائه، فيصْدق عليه ايقاع الفعل الواجب في وقته المحدود له شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت، كما يصدق على الأداء فإذا قلنا: بالأمر الأول، خرج القضاء، وإذا قلنا: بالأمر الثاني، خرج الأداء، وصدق على القضاء.
ثم اعْلَمْ بعد هذا أن القضاءَ لفظٌ مشتركٌ، يُقال على معانٍ مختلفةٍ، فيقال: قُضى الفِعل، إذا فعِل، ومنه: "فإذا قُضِيَتْ الصلاة" (٧٠)، وهذا معنى لغوي، ويقال على ما قلناه وحددناه، ويقال على إيقاع الواجب بعد تَعَيُّنِه بالشروع، ومنه حَجّة القضاء (٧١)، وقضاءُ النوافل بعد الشروع فيها.
ويقال على ما وقع على خلافِ وضْعه في الشريعة، مع قطع النظر عن الوقت والتعَيُّن بالشروع، ومنه قضاء الماموم، لأن الركعتين الأخِيرتين من العشاء،
стр. 145
إذا صُلِّيتا جهرا فهو خلاف الوضع الشرعي، وكون اللفظ مشتركا ثمَّ يُحَدَّدُ بِمعنى واحدٍ مِمَّا يَدُلُّ عليه، لا يضرنا ولا يقدَحُ في فِعلنا.
ثم لِتعلمْ أن العبادات على ثلاثة أقسام:
منها ما يوصف بالأداء والقضاء، كالصلوات الخمس ورمضان، ومنها مالا يوصف بهما كالنوافل، ومنها ما يوصف بالأداء فقطْ كالجمعة.
فائدة:
على ما ذكرناه في الحدَّيْن المذكورين تَعَيَّنَ أن مذهب الغزالي أرجح من مذهب القاضى فيمن غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت، فيَضيقُ الوقت لأجل ذلك، ثم إنه عاش إلى آخره، هل يصليها أداءً كما قال الغزالي، أو قضاء كما قال القاضى؟ الأرجح ما قاله الغزالي، لأن تعيين الوقت لم يكن لمصلحة فيه، وإنما
كان لظن كاذب، واللهُ أعلم.
القاعدة التاسعة (٧٢)
نقرر فيها صحة القول بالأداء الإِثم، إذ أشْكَلَ ذلك على كثير من الناس، وَقالوا: كيف تكون العبادة أداءً، وفاعِلُها آثِمٌ.
وبيان ذلك أن الله تعالى جعل أرْباب الأعذار يدركون الظهر والعصر عند غروب الشمس، بإدراك وقتٍ يسَع خمس ركعات في الحضَر بعد ما تحتاج اليه الصلاة من طهارة وغير ذلك. ووقع الاتفاق على أن ما خرج وقته قبل زوال العذر