← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وغير ذلك مِمّا شُرِط فيه النية، فهذا لا يُعْتَدُّ بفعله إلا إذا وقع منْوِيًا، فحينئذ يقع واجبًا ويثاب عليه. والقسم الآخر إذا وقَع بغير نيةٍ أجزأ عن الواجب ولا ثوابَ عليه، فإن فعل بنيةٍ أجزأ عن الواجب وأثيب عليه، وظَهَر من هذا أنه مبني على أن القَبُولَ غَيْرُ الإجزاءِ وهو الحقُّ. فالمُجزئ من الأفعال ما اجتمعتْ شرائطه وأركانهُ وانتفتْ موانعه، فهذا يبرئ الذمة بغير خلاف. وأما الشاب عليه فالحقُّ عدم لزومه، وأن الله تعالى قد يُبْرئ الذِّمة ولا يُثيب في بعض الصور، وهذا معنى القبول، ويدل على ذلك أمورٌ: أحدها: قوله تعالى: "انما يتقبل الله من المتقين" (٦١) في قضية ابنَيْ آدم، (٦٢) اذْ الظاهرُ أنهما تساويَا في العمل فكان ما ييرئ الذمة حاصلا، ومعَ ذلك لم يتقبل من أحدهما وتَقبَّل من الآخر بوصف باطني حميل في أحَدِهما، وذلك التقوى.

стр. 142

وثانيها: طلب إبراهيم واسماعيل ﵉ ذلك عند العمل، حيث قالا: "ربنا تقبل منا" (٦٣). وثالثها: قوله ﷺ : "اللهم تقبل من محمد وآل محمد، وذلك عند ذبْحه الأضحية. ومن الدليل على هذا كثرة، ويظهر من قوله ﷺ : "صلاة في مسجدى هذا خَيْرٌ من الف صلاة في غيره" (٦٤) التفضيل لا بإطلاق، ولكن بشرط التقوى، ومن قوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفْضُلُ صلاة الفذ بكذا (٦٥) أنه بإطلاق. قلت: ادّعاء التقييد في الحديث الأول، وأنه الظاهر، غيرُ ظاهر. نعَمْ الاطلاق في الثاني هو الظاهر، والله أعلمُ. قلت: إن صحت هذه القاعدة أبطلت (٦٦) الحدود المذكورة للأصوليين في انواجب، فهم يميزونه بالثواب والعقاب (٦٧). وهذه القاعدة - إن صَحَّتْ - ترُد ذلك من حيث إنه يخرج عن الحد ما هو منه، وهو فساد في الحدودِ، والله أعلم.

стр. 143

القاعدة الثامنة (٦٨) نقرر فيها ضَعف ما مضى الناس عليه في تحديد الأداء والقضاء، ثم نذكرُ الحَدّ الذي يَصْلُحُ لَهما، فأقول أولا: الجاري عند الناس أن الأداء كنايةٌ عن إيقاع الفِعلِ في وقته المحدُود له، والقضاءُ كناية عن ايقاع الفعل بعد خروج وقته المحدود له. وهذا ينتفض بالأمر الفَوْري، كَرَدِّ الغصوب والودائع، فإن الشرع حدد له (٦٩). زمان الوقوع، فأولُهُ أوَّلُ زمانِ التكليف، وآخرهُ الفراغ منها بحسبها في طولها وقصرها، فزمانه محدودٌ شرعًا، مع انتفاء الاداء والقضاء عنها في الوقت وبعده، فيبطل حَد الأداء فإنه يتناولها وليست أداء، ويَبطُل حد القضاء، فإنه يتناولها وليْسَتْ قضاءً والأوْلى أن يقول: الأداء إيقاع الواجِبِ الأدآء في وقته المحدود له شرعا لمصلحة اشتمل عليها الوقتُ بالأمر الاول. والقضاء إيقاع الواجب خارج وقته الذى حدّ له شرعا لأجل مصلحة فيه بالامر الثاني.

стр. 144

فقولنا: في وقته، يخرج القضاء، وقولنا: المحدود له، يخرج المقيَّد بجميع العُمر، وقولُنا: شرعا، احترازا ممّا يحدده أهل العرف، وقولنا: لمصلحة اشتمل علها الوقت، يخرج النقيض المذكور. وهذا من حيث إن ما عينه الشرع كرمضان للصوم، والزوال للظهر، ذلك كله لمصلحة، فيها وإن كنا لا نَعْلَمُها. وتعْيين الفَوريات ليس كذلك، بل يتْبع المامورات وطَرَيان الاسباب، فالغربق - لو تأخر سقوطه في البحر تأخر الزمان، أو تعجل، تعجّل الزمان قبل ذلك، وليس القصد إلا حصولَ ذلك، وليس لزمان خصوصيةٌ في ذلك. وقولنا في القضاء: بالأمر الثاني، وفي الأداء: بالامر الأول، لأن القضاء واجب بأمر جديد، وبهذا يَسْلَمُ من نقضٍ، وذلك أن شهر رمضان إذا تعذَّر صومه، فالله تعالى عَيَّن ما بعده إلى رمضان وقْتًا لقضائه، فيصْدق عليه ايقاع الفعل الواجب في وقته المحدود له شرعًا لمصلحة اشتمل عليها الوقت، كما يصدق على الأداء فإذا قلنا: بالأمر الأول، خرج القضاء، وإذا قلنا: بالأمر الثاني، خرج الأداء، وصدق على القضاء. ثم اعْلَمْ بعد هذا أن القضاءَ لفظٌ مشتركٌ، يُقال على معانٍ مختلفةٍ، فيقال: قُضى الفِعل، إذا فعِل، ومنه: "فإذا قُضِيَتْ الصلاة" (٧٠)، وهذا معنى لغوي، ويقال على ما قلناه وحددناه، ويقال على إيقاع الواجب بعد تَعَيُّنِه بالشروع، ومنه حَجّة القضاء (٧١)، وقضاءُ النوافل بعد الشروع فيها. ويقال على ما وقع على خلافِ وضْعه في الشريعة، مع قطع النظر عن الوقت والتعَيُّن بالشروع، ومنه قضاء الماموم، لأن الركعتين الأخِيرتين من العشاء،

стр. 145

إذا صُلِّيتا جهرا فهو خلاف الوضع الشرعي، وكون اللفظ مشتركا ثمَّ يُحَدَّدُ بِمعنى واحدٍ مِمَّا يَدُلُّ عليه، لا يضرنا ولا يقدَحُ في فِعلنا. ثم لِتعلمْ أن العبادات على ثلاثة أقسام: منها ما يوصف بالأداء والقضاء، كالصلوات الخمس ورمضان، ومنها مالا يوصف بهما كالنوافل، ومنها ما يوصف بالأداء فقطْ كالجمعة. فائدة: على ما ذكرناه في الحدَّيْن المذكورين تَعَيَّنَ أن مذهب الغزالي أرجح من مذهب القاضى فيمن غلب على ظنه أنه لا يعيش إلى آخر الوقت، فيَضيقُ الوقت لأجل ذلك، ثم إنه عاش إلى آخره، هل يصليها أداءً كما قال الغزالي، أو قضاء كما قال القاضى؟ الأرجح ما قاله الغزالي، لأن تعيين الوقت لم يكن لمصلحة فيه، وإنما كان لظن كاذب، واللهُ أعلم. القاعدة التاسعة (٧٢) نقرر فيها صحة القول بالأداء الإِثم، إذ أشْكَلَ ذلك على كثير من الناس، وَقالوا: كيف تكون العبادة أداءً، وفاعِلُها آثِمٌ. وبيان ذلك أن الله تعالى جعل أرْباب الأعذار يدركون الظهر والعصر عند غروب الشمس، بإدراك وقتٍ يسَع خمس ركعات في الحضَر بعد ما تحتاج اليه الصلاة من طهارة وغير ذلك. ووقع الاتفاق على أن ما خرج وقته قبل زوال العذر

стр. 146

لا يلزم أربَابَ الأعذار، فَدَلَّ لزوم الصلاتين لهُمْ أن ذلك الوقت وقت أدائهما، ولمَّا كان الأداء إيقاع الواجب في وقته المحدود له شرعًا كما تقدم، لزم أن يكونَ الظهر والعَصْر أداءً في حق كل أحَدٍ إلى غروب الشمس، لأنَّا لمَّا حدَّدْنَا الأداء، لم نَحدّه بالنسبة إلى الفاعلين، وانما حددناه بالنسبة إلى العبادةِ خاصة، مع قطع النظر عن الفاعل، هل هوَ صاحبُ عُذْرٍ أم لا، ولا أحد تعرض في حدِّ الأداء والقضاء لأحوال المكلف بل للعبادة فقط، فصار الأداءُ والقضاء تابعا لكون العبادة في وقتها أم لا، فكان الظهر أداء إلى غروب الشمس، بناء على صدقِ حدّ الأداء عليه، ولمَّا كان الشرع قد منع المكلف الذي لا عذر علية من تاخير العبادة إلى آخر وقتها مطلقا، كان من لا عذر له مؤدِّيا آثما، أمَّا أداؤه فلصدق حدّ الأداء، وأما إثمه فلتأخيره عن الوقت الذي حُدَّ له، وذلك آخرُ القامة. قلت: أما سبب تعلق الإثم بمن لا عذر له فظاهر، وأما أنه مؤدٍّ لصدق الحَدِّ عليه فممنوع، فإنا إذا قلنا في الحدِّ: إيقاع الفعل في وقته المحدود له شرعا، فهذا الوقت الممتدُّ للغروب قد حدَّه الشرع لأهل الأعذار، وما جعله لمن لا عذر له، بل جعل لهم آخر القامة مثلا، وكون الحَادِّ لم يَعتبر المكلفين ولم يفصِّل الحد بحسبهم لا يلزمه، وإن لزمه فغفلة منه، فكيف نجعل هذا القدر دليلا على صحة هذه الدعوى (٧٣)، والله أعلم. قال شهاب الدين: والأداء مع الإثم يَتجِه لفريقين: أحدهما من لا عذر له فأخَّر إلى الوقت المذكور، والثاني الذى أخر إلى آخر الوقت، وقد كان يعتقد أنه لا يتمكن من إيقاع الفعل آخر القامة بعذرٍ واحد، كما قلنا في مسألة القاضي

стр. 147

والغزالي فإنه آثم مؤدٍّ، قال: والشافعية تقول باجتماع الأداء والإثم في هذا القسم الثاني، وتمنعه في الاول. قال: ويلزمهم أن يقولوا به في الاول. (٧٤) قلت: ان كان الإنكار من حيث ان الأداء والإثم لا يجتمعان، فنعَمْ، وان كان النكيرُ من الوجه الذى أبديناه فلا يلزم، والله سبحانه أعلم وأحْكَمُ (٧٥). القاعدة العاشرة (٧٦) نقرر فها حقيقة الواجب الموسع، ليظهر بذلك بُطلان ما قيل في الحائض في رمضان: إن الصوم وجب عليه فيه، أو صِحَّتُهُ، فنقول: الواجب الموسَّعُ إنما يصدق على ما وقع التكليف به، مرتبطا بوقتٍ، ذلك الوقتُ أوسعُ من زمان ايقاع ذلك الواجب إذا أوقعه المكلف، ثم هو لذلك (٧٧) يصح ايقاعه في كل زمن من أفراد ذلك الزمان المتسع، وهذا، كما الامرُ في صلاة الظهر، حيثْ طُلِبَ مِنَّا ايقاعها في زمن طويل، مبدأوه الزوالُ ومنتَهاهُ آخرُ القامة. فإذا كان الامر هكذا فكيف يصح أن يقال في الحائض: وجب عليها الصوم وجودا موسّعا، وهي لا يصح لها الصومُ في رمضان، وهذا قول الحنفية (٧٨).

стр. 148

كيف أيضا يصح قول القاضى عبد الوهاب: إن صومه واجب عليها، وهي ممنوعة من صومه، بل اثمة ان فعلتْ، فتكون ماثومةً غير ماثومة بحسب فعل واحد، والأظهر أنه غير واجب عليها صومُه لذلك، والذى حمل القائلين بالوجوب أشياء: أحَدُهما: عموم قوله تعالى: "فمن شهِد منكم الشمهرَ فليصمه" (٧٩)، وهذا ليس بظاهر، لأن التخصيص يصرفُهُ لما تقرر من أنها ممنوعة من صومه، والدليل العقلي أحدُ ما يتخصَّصُ به العَامُّ، وأنها ممنوعة من صومه، معلوم قطعا في الشريعة المحمدية. الثاني: كونها تنوى قضاء رمضان. وجوابه أن النية في الصوم لابدَّ منها، وأنواع الصوم كثيرة، فلابد لهذا الصوم من شيء يتميز به لتقع النية كذلك مَمَيِّزة له بما تميز به من الخصوصية، وهو ليس بتطوع ولَا واجب ابتداءً، ولا نذرٍ ولا كفارة. وسبَبُ هذا الصوم هو ترك رمضان، فأضيف اليه بسبب ذلك ليتميز عن غيره، لأن الوجوب تقدم. وقالوا أيضا: ان القضاء يقدَّر بقدر الأداء الفائت، فأشبه قيم المتلَفات القائمة مقام الأعيان المُتْلَفَةِ، فكذلك هذا القضاء يقوم مقام الواجب الذى فات، فلو لم يجب شيء، ما قام هذا القضاء مقامه. والجواب هو ما قلنا في الثاني: أن الصوم بسبب الترك لا بسبب الوجوب، كذلك أَيضا بِعَدَدِ الترك تعدد القضاء. قلت: والمسألة ترجع إلى أن القضاء لا يكون مرتّبا الا على الوجوب، أو يكون مرتّبا عليه وعلى سبب الوجوب. فعبد الوهاب والحنفي، رحمهما الله قال بالأول. وما قاله شهاب الدين وهو الذي ارتضاه الإمام فخر الدين، وكذلك تاج الدين في الحاصِلِ من المحصول وهو الأوْلى والأظهر، والله أعلم.

стр. 149

القاعدة الحادية عشرة (٨٠) وأخرتها عما قبلها، وهي في تقرير الكلى الواجب فيه، وبه، وعليه، وعنده، ومنه، وعنه، ومثلُهُ واليه، وكذلك تقرير الواجب الكلي فأقول: الواجب في الشريعة قد يتعلق الخطاب (فيه) بشئ جزئي وجوبا، كالامر باستقبال الكعبة، وقد يتعلق بأمر كلي وجُولاً. فالواجب الكلى هو الواجب المخيّر (٨١)، كخصال الكفارة في اليمين، فالواجب القدرُ المشتَرك من الخصال الثلاث، وله الخِيَرَةُ في تعْيين ما شاء

стр. 150

منها (٨٢). فالتخيير متعَلَّقُهُ الخصوصات، والوجوبُ متعلقه القدْرُ المشترك، فهذا أحَدُ ما يتعلقُ بهذا القدرِ المشتَرَك. ثمَّ ان فَعَلَ، عَلى ماذا يثاب (٨٣)؟ ، إن لم يكن فيها ترجيح فثوابُهُ على الواجب، وهو القدرُ المشترَك، وإن كان فيه أجحُ، فإن فعَل الأدنى فثوابه على الواجب أيضا، وإن فعَل الأفضلَ أثِيَب ثواب الندب وثواب الوجوب. ثم إن لم يفعل عوقِبَ على ترْك الواجب، ولكنه لا يتصور هنا ترك الواجب إلا بترك الجميع، ليس الامرُ كالْفعل، فإنه ياتي بالواجب بواحدٍ منها. ثم ان بَرآة الذمة من ذلك أيضا بالقدر المشترك الذي به تعلَّق الوجوبُ لا بخصوصية من تلك الخصوصيات، فإن الذمة لم تكن عامرة بشيء من ذلك. ثم نيتهُ أيضا كذلك لا تَقع متعلقةً إلا بالقدر المشترَكِ، ولا تتعلق بخصوصية من الخصوصيات، وبه تندفع الشكوك عن هذه المسألة.

стр. 151

فإن قيل: القنر المشترَكُ كُلي، والكُلِّيُّ لا وجودَ له في الخارج، وإنما وجُودُه في الذهن، والمطلوبُ - هاهنا - إيجاد المكلف به في الخارج، وذلك جزئي، فإن كل شيء وُجد في الخارج جزئي، واذا لم يكن الكلي متعلق الوجوب بَطل أن يكون متعلقَ حُكْم مما تقَدم الشاب أو العقاب او البرآة أو النية (٨٤)، قلنا: صحيح أنها (٨٥) لا توجد الكليات في الخارج مجردةً عن المشخصات، وأما وُجُودُها في ضمن المعيّناتِ فحقُّ، فمن أعتَقَ الرقبة المعينة فقد أعتق رقبة، وكذلك نقول: زيدٌ إنسان ويَصدُق، وليَس كقولنا: زيدٌ زيدٌ، وما ذلك الا لأن زيدا دلَّ على المعنى الشخصى، والإنسان دلَّ على المعنى الكُلِّي، ومحالٌ خروج الانسانية (٨٦) عن وجود زيد مع وجوده، وبالجملة جحدُ كونِ الكلياتِ موجودةً في الخارج في ضمن المعَيَّناتِ، خلافُ الضرورة. القاعدة الثانية: الواجب فيه، وهذا هو الواجبُ الموسَّعُ. فقد أوجَبَ اللهُ تعالى الظهر من الزوال إلى آخر القامة، واختلَف العلماء في ذلك على سبعة مذاهب.

стр. 152

وتحريرها أنَّ القائل قائلان: قائل بالوجوب الموسع، وقائل بجَحْدِه، والقائلون به، لهُم قولانِ: أحدُهما أنه يفتقر إلى العزْم إذا تأخر، والآخَرُ أنه لا يحتاج إلى عزم، والقائلون بجحْده، منهم بعض الشافعية قال: يتعلَّق بأوّل الوقتِ، ومَا يقَعُ بغدَ ذلك فهو قضاءٌ يسُدُّ مسدّ الأداءِ، ومسْتَنَدُهُ أن الوجُوبَ معَ جوازِ - التاخير متنافيان. والأصلُ تَرَتبُ المسببِ عَلَى سبَبه، وقد وجد السبب، وهُوَ الزوال، فالوجُوبُ أولَ الوقت. ويرِدُ عليهِ أنَّ الإذْنَ في القضاء لِتفْويت الأداء من غير عذر، خلاف القاعدةِ المقرَّرة في الشريعة. وبعض الحنفية قال: يتعلق الوُجوبُ بآخِرِ الوقت، وهذا من حيث إن العقاب إنما يترتب على الترك حينئذ، فكان الفعل إن وقع عندهم قبل هذا - يقع نفْلاً سد مسد الفرض. ويَردُ عليه أن إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب خلافُ القواعد. قلت: قد مضى الفرق بين ما ليس بواجب إذا كان ماله الوجوبَ، وبيْن ما ليس ماَلهُ الوجوب، فهذا، الردُّ لا يتَمَشى، فهو كمسألة التعجيل الزكاة. وقال الكرخي: الفعل موقوف إذا عجله المكلَّفُ، فإن جاء آخِرُ الوقت، والمكلفُ موصوف بصفات التكليف وقع واجباً، وإلَّا كان نفْلاً. وَيرِدُ عليْه أنَّ كَونَ الفعل حالةَ الايقاع لا يُوصَفُ بكونِه فَرضا ولا نفْلاً، ولا يتعَين فيه نيةٌ لأحدهما، خلاف المعهود في القواعد. المذهب الرابع، للحنفية أيْضا أن المكلف إن عَجَلَّ منَعَ تعجيلُهُ من تعلُّقِ (٨٧) الوجوب بآخِر الوقت، فلا يجزئ نفْل عن فرض، ولا يكون موقوفا، وإلا كان واجبا آخرَ الوقت.

стр. 153

ويرِدُ عليهِ أن رسول الله ﷺ وأصحابَهُ فوتوا على انفسهم طول أعمارهم خيراً عظيما، وذلك فَرضِيةُ التَّاخير. المذهب الخامس، حكاهْ سيف الدين في الإحكام، أن الوجوب متعلق بوقت الإيقاع، أي وقت كان، فَسَلم (٨٨) من الإشكالات المتقدمة. ويرِد علية أن شأن الوجوب أن يكون متقدما، والفعل متأخر عن الوجوب، وأما كون الوجوب يتبع الفعلَ فَغيرُ معهود من الشريعة، فَلم يبق الا القولَانِ الْأوَّلانِ، والقولُ فيهما. والقولُ أن الوجوب متعلق بالقدر المشترك بين أجزاء القامة، الكائن بين طرفيها، كالواجب الخيَّر، فكأنَّ صاحب الشرع قال: صَلِّ: إما في أول الوقتِ وإمَّا في وسطه وإما في آخره. وهذا القول يسلَمُ من جميع الإشكالات الوارة على الأقوال المتقدمة. غير أن القائلين بهذا القول اختلفوا، هل يحتاج إذا اختار التاخيرَ إلى بدل أوْ لا؟ فقيل: يحتاج، لأنه ان لم يَعزم كان مُعرضا، والإغراض حرام، وما يندفع به الحرام واجب، وقيل: لا يحتاج، لأنه لا دليل عليه، والقولُ بشئ لا دليل عليه لا ينبغي. وأيضا إذا أتى بالبدل، حقُّهُ أن يسقط عنه وجوب الوقت، وذلك باطل. واختار الغزالي طريقة وُسْطَى وهي الفرق بين الغافل عن الفعل والترك فلا يوجب عليه عزماً، وبيْن من حصل بباله الفعلُ والترك، فهذا إنْ لم يعزم على الفعل عزم على الترك بالضرورة، فيجبُ عليه العزم على الفعل، وهي طريقة وسْطى. فرْع مرتَّبٌ: إذا قلنا بالتوسعة فهل ذلك مشروط بسلامة العاقبة، فإن مات قبل الفعل فقد أخر مختاراً فأثِمَ، وهو قول الشافعية أو لا ياثم، لأنَّهُ فعَل ما

стр. 154

أُذِن له فيه، والأصل عدم اشتراط سلامة العاقبة، وهو مذهب المالكية، وهو الصحيح من جهة النظر. (٨٩) القاعدة الثالثة: الواجب به وهو سبب كالزوال للصلاة، ومِلْكِ النِصاب للزكاة، وما أشبه ذلك، فالمنصوب سببا أبداً - القدرُ الشتَرَك، والخصوصيات ساقطة عن الاعتبار، والله أعلم وأحكم. (٩٠). القاعدة الرابعة: الواجبُ به ايضا، ونريد بهذه، الأداةَ، فإنَّ الباء تكون سببية، وتكون للاستعانة نحو نجرت بالقَدُوم، ولهُ مُثُلٌ. (٩١) أحدها: الماءُ الذى يُتوضأ به ويغتسل فإنه ليس سببا للوجوب، بل هو أداة يُعمَل بها الفعلُ، وكذلك التراب في التيمم*. وثالثها: الثوبُ للسترة في الصلاة، والواجب من ذلك ثوبٌ مطلَق، وماءٌ مطلق، وترابٌ مطلق، لا ترابٌ معيّنٌ، ولا ماءٌ معَيَّن، ولا ثوْبٌ معيَّن.

стр. 155

ورابعُها: الجِمار في النُّسُكِ أداةٌ لا سَبَبُ الوجوب. وخامسها: الهدايا، أدوات يُفعل بها الواجبُ، وسببُ الوجوب أيامُ النحر في الضحايا، والتمتع ونحوه من أسباب الهدى. والقدرُ المشترَك هو المطلوبُ فيها كُلِّها (٩٢). القاعدة الحامسة: الواجبُ عليه، وهو المكلف في فرض الكِفاية، فإنَّ مقْتَضى الخِطاب فيه التعلقُ بطائفةٍ غير معينةٍ، بل هو بمطلقِ الطائفةِ الصالحة لِإيقاع ذلك على الوجه الشرعى، وإنما يتعلق الوجوبُ بالكل، بحيث لا يضيعُ الواجِبُ، وإلا فالمقصود إنما هو طائفة غير معيَّنةٍ. قلت: إن كان الوجوب متعلقا بالكل فليس هذا من الكُلِّ الواجب عليه، وإن كان الوجوب متعلقاً بطائفة غير معَينةٍ، فهذا يخالِف ما مضى لنا في قاعدة خطاب غير المعَيَّنِ والخطابِ الغيْر المعَيَّنِ، واللهُ أعلم. القاعدة السادسة في الواجب عنده، وله مُثُلٌ: أحَدُها: الحَوْلُ إذا دَار بعدَ مِلْكِ النِصابِ، فإن النصاب سببٌ، ودَوَرَانُ الحول عليه شرط. وثانيها عَدَمُ المانع، نحوُ عدم الدَّيْنِ في الزكاة، وعدَم الحيض في الصلاةِ، والزوالُ سبَبُ وجوب الصلاة، ومِلْكُ النِصابِ سبب الوجوب في الزكاة. وثالثها: وجوب التيمم عند عدم الماءِ، والاسبابُ للصلاة أوقاتُها، وأسبابُ الطهارة الحدَثُ وغيرُ هذا، والكل من المُثُلِ على السَّوَاءِ في أن الواجبَ القَدرُ المشتركُ، فلا اعتبار لخصوص دَينٍ ولا لخصوص حيْض. القاعدة السابعة: الكلى المشترك الواجب منه. وله مثُل في الشريعة: أحدُها: الجِنْس المخْرَجُ منه زكاةُ الابل غَنَماً في عَدد، وإبِلاً في عدد آخر.

стр. 156

وثانيها: الجنْسُ الخرَجُ منه زكاة الفطر، وهو الْحَبُّ الذي هو غالبُ قُوتِ. البلَد، يُخْرَجُ منه صاعٌ، والقدرُ المشتركُ - أيضا - هو الواجبُ في ذلك. القاعدة الثامنة: الواجِبُ عنه، وهو جِنْسُ المولى عَليْه، كالعبدِ والزوجة (٩٣)، فالقدرُ المشترك من ذلك، به تعَلِّقَ الوجُوبُ. القاعدة التاسعة: الواجِبُ مِثلُهُ، وله مِثالانِ: أحدُهما: جزاءُ الصيد في الحج، فإنه يجب إخراج مثلِ الصيد المقتولِ في الاحرام والحَرَم، والمعتبَرُ في ذلك مُطْلَقُ الصيد، غزَالاً كانَ أو غيْرَه، فلا يرادُ غزالٌ معَيَّن، ولا بقرةٌ ولا وَحشٌ معيَّنة. وثانيهما: المُتْلَف المِثْلِيُّ مِنْ المَكيلات والموزونات تجب غرامةُ مِثلِهِ، والواجب - ايضا - القدرُ المشترك، لا شيءٌ مُعيَّنٌ من ذلك. القاعدة العاشرة: الواجب إليه، ولَهُ مُثُلٌ في الشريعة: أحَدُها غروبُ الشَّمْس في الصوْم، وثانيها هلال شوال، فالأول يجب الصومُ اليه، والثاني يَجبُ تتابُعُ الصوْم في الأيام إليه. وثالِثُها: أواخرُ العِدَدِ (٩٤) والاستبراء والإحدادِ في عِدَّةِ الوفاة، يجب اتصال العِدِّةِ والاستبراء إلى تلك الغايات، وكذلك ما ذكرنا معه، فهذه أيضا (٩٥)،

стр. 157

الواجبُ القدرُ المشترَكُ مِنها لا شئء معيَّن. هنا تَمَّ ما تحت القاعدة الحاديةَ عشرة من القواعد. (٩٦) القاعدة الثانية عشرة (٩٧): في تقرير أن النَّهْيَ يدل على الفساد أم لا؟ فأقول: قال ابن حنبل باقتضاء النهي للفساد مطلقا، كان النهي في نفس الماهية أو في أمر خارج عنها. وقال ابو حنيفة بالفرق بين أن يكون النهي في نفس الماهية فإنه يقتضى الفساد، أو في أمر خارج عنها فلا يقتضي الفساد، حتى قال في عُقود الرّبا: تثبُتُ ولا تُفسَخ، ولكِنَّهُ يَرُد الزائد في مِثل ما إذا باع دِرهما بدرهمين، يُقَرُّ المِلْكُ في درهم، ويُرَد الدرهم الزائد. ومالكٌ والشافعي يقولان بالبطلان في مسائل إذا كان النهيُ في أمر خارج، ويقولان بالصحة في مسائل كذلك. ولْنُبَيِّنْ - أولا - المراد بالنهي في نفس الماهية، وبالنهي في أمر خارج، فنقول: إن أركان العقد في البيع - مثلا - أربعة: عِوضانِ، ومُتَعاقِدان، فمتى سَلِمت الأركان الاربعة مقد وُجدت الماهية المعتبرةُ شرعاً، سالمةً عن النهي. فالنهيُ

стр. 158

إنما تعلق حينئذ بأمر خارج عنها, ومتى انحزم واحدٌ منها فقد انعدَمت الماهية، لأن الماهية المركبة تعدم (٩٨) لعدم جزء منها، كما تُعْدَم لجميع أجزائها. ومثال الماهية المعدومة كأن يبيعٍ سفيهٌ من سفيهٍ خمراً بخنزير، فالأجزاء كلها فاسدة، واذا باع رشيدٌ من رشيد ثوْباً بخنزير، فالماهية - ايضا - معدومة لعدم كن واحد منها، ولاخفاء بمثال الاثنين الباقيين (٩٩) وأما ما كان سالم اليمن، فكأنْ يبيعَ رشيد من رشيد فضة بفضة، فإذا كانت إحدى الفضتين أكثر - فالكثرةُ وصف حصل لأحد العوَضيْن، والوصفُ متعلَّق النهي دون المَاهيةِ، فهذا هو معنى كون النهي في الماهيةِ أو في الخارج. فأبو حنيفة فرق، ووَجْهُ تفريقه أنه يقول: لو قلنا بالفساد مطلقا لسوَّيْنَا بين الماهية المتضمنة للفساد وبين السالمة عن الفساد، ولو قلنا بالصحة مطلقا لسَوَّيْنا بين الماهية السالمة في ذاتها وصفاتها وبين المتضمنة للفساد في صفاتِها، وذلك غير جائز، فإن التسوية بيْن مَواطِن الفساد وبَيْنَ السالم عن الفساد خلاف القواعد، فتعين - حينئذ - أن يقَابَلَ الأصل بالاصل، والوصف بالوصف، فنقول: أصل الماهية سالِم عن النهي، والأصل في تصرفات المسلمين وعقودهم الصِّحةُ حتى يرِدَ نهْى، فيثبت لأصل الماهية الأصلُ الذى هو الصحّة، ويثبتَ

стр. 159

للوصف الذى هو الزيادة المتضمنة للمفْسَدة الوصف العارضُ وهو النهي، فيفسُد الوصف دون الأول وهُو المطلوب، وهذا فقه حسن. (١٠٠) واحتج أحمد بن حنبل ﵁ بأن النهي يعتمد المفاسد، فمتى وَرَدَ نهْيٌ أبطلنا ذلك العَقْد وذلك التصرف بجملته، فإن ذلك العقد إنما اقتضى تلك الماهية بذلك الوصف، أمّا بدونها فلم يتعرض له المتعاقدان بشئ، فبقي على الاصل غير معقود عليه، فيُرَدُّ من يد فابِضِه بغير عقد، وأطلق أحمد في هذا فأبطل الوضوء بالماء المغصوب، والذبحَ بالسكين المسْروق، لما قلناه، وأما نحن مع الشافعي فتوسطا بين المذهبين، فقلنا بالفساد لأجْل النهي عن الوصف في مسائل دون مسائل. ولنذكر من ذلك ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الصلاة في الدار المغصوبة، قلنا نحنُ والشافعيةُ والحنفية بصحتها، وقال الحنابلة ببطلانها. فنحن نلاحظ أن متعلّق الامر قد وُجد فيها بكماله مع متعلَّق النهي، فالصلاة من حيث هي صلاة، حاصلةٌ، غيرَ أن المصلى

стр. 160

جَنى على حق صاحب الدار، فالنهي متعلقٌ بالمجاور، والحنابلة مشَوْا على أصلهم في التسوية بين الأصل والوصف. (١٠١) قلت: ذكر شهاب الدين رحمه لله الفرق الثالث والمائة وهو مسألة من مسائل هذه القاعدة، فالأولى أن نذكر ما في ذلك من مسألةٍ فنَقول: إن صيام يوم النحر، قيل فيه: لا ينعقِد قُرْبَةً، والصلاة في الدار المغصوبة، قبل فيها: تنعقد قُرْبةً، فما الفرق؟ فالجواب أن الصلاة في الدار المغصوبة، النهى فيها متعلِّق بالصِفة لا بالموصوف، والنهْي الواقع في يوم النحرِ متعلق بالموصوف لا بالصِفة، فكان هذا الفرق صحيحاً على مذهب من يُفرِّق لا على مذهب ابن حنبل، والله اعلم. (١٠٢). المسألة الثانية: غَاصب الخُفِّ إذا مسح عليه، عندنا صَحَّتْ طهارته، ومسألته كمسألة في الدار المغصوبة سواء بسواء، وبهذه القاعدة يظهر الفرق بين هذا الفرع

стр. 161

وبين المُحرِم إذا مَسَحَ على الخُّفِ، فإن المُحرِمَ مخاطَب في طهارته بالغسل ولم يأتِ به، فلم تَحْصُلْ حقيقةُ المامُور به، وغاصب الخف أتى بحقيقةِ المأمور به، ولكنه جنَى على صاحب الخف. (١٠٣) المسألة الثالثة: الذي يصلي في ثوب مغصوب، أو يتوضأ بماءٍ مغصوب، أو يَحجُّ بمالٍ حرام، كل هذه المسائل عندنا في الصحة سواء، خلافاً لأحمد رضى الله عنه. ووجْهُ ما قلناهُ أن المأمور به قد وُجد، والعِلَّةُ في المجاور. فإن قيل: لا نسلمُ أن المأمور به حاصل في الطهارة والسُّتْرة، فإن ذلك الماء معدوم شرعا، وكذلك الثوب المغصوب، (للسترة)، والعدوم شرعاً كالمعدوم حِسا، ولا نقول هذا في نفقة الحج، فإنها خارجة عن أركان الحج، بل نفقة الطريق تحفظ حياة المسافر (١٠٤)، بخلاف المحرَّم في الصورتيْن، صُرِف فيما هو شرط، فكان الشرطُ مِعدوما. قلت: نمنع أن الله تعالى أمر بالسترة واشترط فيها أن تكون الأداة مباحة، وكذلك نمنع أنه أمر بالطهارة واشترط في الأداة لها أن تكون مبَاحة، بل حرِّم الغضب مطلقا، وأوجَبَ الطهارة مطلقا، ولم يقيد أصلا، فكما يتحقق (١٠٥) الغصبُ وإن قارَنَ مامورا، يتحقَّقُ (١٠٦) المامورُ وإن قارن مُحَرّماً. فإن قلت: فما الفرق بين هذه المسائل وبين مسائل الربا؟ ولِمَ لا وافقتَ الحنفية في تصحيح العقد فيها، كما صححتَ العبادة مع ثبوت النهي في الوصف

стр. 162

دون الأصل في الجميع، فالحنفية طردت أصلَها (١٠٧) دون المالكية والشافعية؟ . قلت: المستند في ذلك أن ظك الحقائق متعلَّقات الرضى، والرضى لم يحصل إلا بمقابلة الواحد بالاثنين، فلو صححت العقد في البعض، لنقلتَ مِلْك البائع بغير رضاه، ورسول لله ﷺ يقول: "لا يحِلُّ مال امرئ مسلم الَّا بطيبِ نفسه، وهذا لم تَطِبْ نفْسُهُ إلا بما يتعلقُّ العقدُ به، والصُّوَرُ الأخَرُ ليس فيها هذا، فوقع الفرقُ. القاعدة الثالثة عشرة (١٠٨) في تقرير أن النهى ينقسم إلى خاص وعام، وتبْيين حالِهما في التنافي أو غَيْرهِ، فنقول: لا شكَّ أنهُ يوجَد النيى عاماَّ، كقوله: "لا تقتُلوا النفسَ" وخاصا، "لا تقتلُوا الصيد"، ثم إنهما بحسَب التنافي أوْ غيره ينقسمان ثلاثة أقسام: ١) القسم الاول: أن يتضادَّا وَيتنافيا، كقوله: لا تقتُلُوا طلبةَ بنقوله تميم، ولا تُبْقُوا من رجالهم أحداً، فحكْم هذا القِسْم أن يقدَّم الخاصُّ على العام، ففيه جمعٌ بين الدليليْن. ٢) القسم الثاني: أن لا يتضادّا، ولا يكون لأحدِهما مناسبة يختص بها دون الآخَر، كقولك: لا تَقْتُلُوا النفْسَ، لا تقتلوا الرِّجال، الصحيح أنه لا يُخَصِّصُه، إذْ هُما من قاعِدَةِ ذِكْرِ بعض العَام، وجُزءُ الشىْء لا يكون مخصّصا،

стр. 163

وقيل على الشذوذ: إنَّهُ يُخَصصه من طريق المفهوم، فإن ذِكْرَ الرِّجال يقتضي مفهُومُه قتلَ غيرهم. القسم الثالث: أن لا يتنافيا، ويكونُ لأحدهما مناسبة تخصه في متعلّقه، وفيه ثلاث مسائل: المسألة الاولى: كقوله تعالى "حرمت عليكُمُ الميتة" (١٠٩) وقوله تعالى: "لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرُم" (١١٠) فيضْطَرُّ المُحرِم إلى أكل الميتة أو الصيد، قال مالِك: ياكَل الميتة ويترك الصيد، لأنه كان حُرِّمَ جميع ذلك، إلا أن تحريم الصيد له مناسبة بالاحرام، ومَفْسدتُهُ التى اعتمدها النهيُ إنما هى في الاحرام، وأما مفسَدة أكْل الميتة فذلك أمر عام لا تعَلُّقَ له بخصوص الإحرام، والخاصُّ مِنْ (١١١) المفاسدِ أشَدُّ اجْتنابا، وهذا في العرف كعَدُوِّكَ الخاص بك، وعَدُوِّك من حيثُ المِلة وحَذَرُك من العدُوّ الخاص ينبغي أن يكون أشد من الذى عاداكَ لا بخصوصيتك، فإن شغْل عدوك الخاص بك يكونُ أشَّدَ من شغل عدوك الآخرِ بك. المسألة الثانية إذا لم يجد المصلى ما يستره إلا حريراً أو نجسا، قال أصحابُنا: يصلي في الحرير ويترك النَجِس، لأنَّ مفسدة النجاسة خاصةٌ بالصلاة. فإن قيل: إذا كانت الفْسدة العامة، حميعُ الحالات تَعُمُّها، والخاصةُ ليست كذلك، فالعامة أولى، والقاعدةُ أن المفاسد إذا تعارضَتْ يُصار لِأدناها كما تُقطَعُ اليَدُ المتآكلة لبقاء النفْس، قلنا: هذا مُسَلم، أن الامرَ هكذا يكون إذا لم يكن للمفسدة تعلق بخصوص الحال، وأما إذا كان لها تعلق به فالأمر كما قلنا. المسألة الثالثة وقع في المذهب مسألة مشكلة، وهى: أن من استجار دابة إلى بَلد معَيَّن،

стр. 164

كمجاوزَ بها تلك البلدة متعَدِّيا، فإن لربها تضمِينَه الدابَّةَ وإنْ رَدّها سالمة، والغاصِبُ إذا تعَدَّى بالغصب في الدابة ورَدّها سالِمةً لا يكون لربها تضْمِينُه إجماعاً، وغايةُ هذا المتعدِّى أن يكون كالغاصِب، والغاصب لا يضمَن، فكيف كان هذا؟ فرده بعضُ الفقهاء إِلى هذه القاعدة بأن قال: إن النهيَ عند الغصب نهيٌ عامٌ لا يختصُّ بحالةٍ دون أخرى ولا عيْنٍ دون عين، وفي قضية الدابة وُجدَ نهْى خاص في عين خاصةٍ (١١٢) فإنه لمَّا آجَرَهُ إلى الغاية المتعينة فقد نهاه أن يجاوزَها، والقاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعينة أقوى مما هو عام ولا يتعلق بخصوص تلك الحالة، فهذا فرق ما بين الغاصب والمتعَدِي، فلا يلزَمُ من عدم تضمين الغاصب مع الرد أن لا يضمن المتعدى مع الرَّد، لقوة النهي في حقه. قال شهاب الدين ﵀: ويَرِدُ عليه أسئلة: أحدها أن القاعدةَ إنما هى في التعارض ولم يقع هاهنا تعارض، فلم يجتمع نهْى الغصب ونهْىُ التعدي فقُدِّمَ أحدهما على الآخر، بل انفردَ نهْى المُتَعَدِّي وحدَه في هذه الصورة. قلت: القاعدة أن النهي الخاص بالحالة المعيَّنةِ أقوى منْ النَّهي العام مطلقا، وقد وجِدَ في القاعدة المقرَّرة وجد: إذا وُجد نهيَانِ فترجح أحدهما بأن كان خاصا بحالة معيَّنة قُبِل به (١١٣)، وليس الأمرُ أن ذلك لا يكون إلا في تِلْكَ القاعدة، ولهذا قررناها بأن الْحَذَرَ من العَدُوِّ الخَاص يكون أشَدَّ من الحَذَرِ من العَدُوِّ العام. قال شهاب الدين: وثانيها أن النهي الخاص ها هنا نهْى آدمى، والنهي

стр. 165

العام نهْيُ الله تعالى: وَلا يُرَجَّحُ نهىُ الآدَمِى لاجْل خصوصه على نَهْى الله تعالى مع عمومه. قال: فإن قلت: اذا نَهى الآدمىُّ فقد صحِبَهُ نهىُ الله تعالى، ففى الحقيقة إنما رجّحنا بين نهييْن لله تعالى: أحدهما عام والآخر خاص، قال: قلت: هذا كلام صحيح، ولكن النهي الذي صحِب نهْيَ العَبْدِ هو نهْيٌ عامٌّ، وهو نهْيُ الغَصْبِ بِعَيْنِهِ. قلت: ليْسَ كذلك، بل النهى الذي صحِبَ نهىَ العبد هو نهيٌ خاص لله تعالى كنهى العبد، غاية ما فيه أنه يستند إلى أدلةٍ عامَّة دالة على ذلك. قال شهاب الدين ﵀: وثالثها أنا إذا قِسنا ترْكَ الضمَان في هذه الصورة على ترْك الضمان في سورة الغصب كان القياس صحيحا، سالما عن المعارض، ولوْ قسْنا هنالك الحرير على النجِس والميتةَ على الصيد لَأدَّى ذلك إلى مفسَدة، مِن حيث بقاء المصَلى عُريانا، وهلاكُ المُحرِم بالجوع، فكيف سُوِّيَّ بين موضع لا مُعارض للقياس فيه، وموضعِ للقياس فيه مُعارض. قلت: هذا كلام على قياس لم يبدُلَهُ فارق، كيف، والحالة الخاصةُ ليست كالحالة العامة؟ فعَدَمُ حمل الحريرِ على النجِس هو الأصل، وعدَم حمْل الميتة على الصيد هو الأصْلُ، ولا نَقُول: خرج شئٌ من ذلك عن الأصل لما يلزم عَليه من المفسدة، واللهُ أعلَمُ. القاعدة الرابعة عشرة (١١٤) في تقرير الِإذن العام من قِبَلِ صاحب الشرع، والإذنِ الخاص من المالِك، وبيان ترتب الضمان عليهما او عدمه، فنقول: الإذنُ العَامُّ من الشارع كإذْن السثرع للمكلّف أن ينقل من أسباب (١١٥)

стр. 166

بيتهِ لجهة أخرى منه ما شاء، والإذن الخاص من المالك كإذنه للذى أوْدَعَ عنده وديعتَه أن يحملَها في يدهِ لبَيته. فإذا ظهر ما بينهُمَا (١١٦) بالمثال فنقول: الإذن العام لا يُسقِط الضمانَ، والإذنُ الخاص يسقطه. وَسِرُّ ذلك أن الحق تعالى تفَضل على عباده فجعل ما بيْن أيْديهم مِلْكاً تَامًّا لهم، فلا ينتقل عن مِلكهم إلا يرضاهم وإذنهم، كما أن ما كان لله تعالى صرفاً لا يتمكن العباد من إسقاطه، بل ذلك بإسقاط الله له، ويتَّضح الفرق بثلاث مسائل: المسألة الأولى: الوديعة إذا حملها من القيت عنده ليحفظها ببيته (١١٧) فسقطت من يده فانكسرت لا ضمان عليه، لأن مالِكها أذن له في ذلك الحمل الذى انكسرت بِهِ، فلو سقط عليها شئ من يده فانكسَرَتْ ضِمن، لأن صاحب الوديعة لم ياذن له في ذلك. فإن قيل: أذِن الله تعالى أن يحمِل ذلك الذي سقَط على الوديعة، قلنا: إذْن الله هو الإذْن العام لا يُسقط الضمان، وإنما يُسقِطه الإذن الخاصُّ. المسألة الثانية: إذا استعار شيئا فسقط من يده، أو حمل شيئا فوقع عليها (١١٨)، الحكمُ كالحكم في المسألة المذكورة قبلها.

стр. 167

المسألة الثالثة: إذا اضطرَّ إلى طعام غيْرِه فأكله في المخمصة جاز، وهل يضمن له القيمة أم لا؟ قولان: أحدهما لا يضمن، لأن الدفع كان واجبا على المالك، والثاني يجب، وهو الأشهر، لأن إذن المالك لم يوجَد، وانما وجِدَ إذْنُ صاحب الشرع، فانتفى الإِثمُ لذلك، (١١٩) لا الضمانُ، وأيضا فإن المِلْك إذا دار زواله بين المرتبة الدنيا والعليا فبِالدنيا أوْلى، وذلك بأن يعطيه بثمن (١٢٠) استصحابا للملك بحسب الإمكان. القاعدة الخامسة عشرة (١٢١) نقرر فيها المندوب الذكره يقدم على الواجب والمندوب الذي لا يقدَّم على الواجب. إعلم - أولاً - أن الغالب تفضيل الواجب على المندوب، هذا من حيث الجملة، لقوله ﵇ عن الله تعالى: "ما تقربَ إلىَّ عبدي بمثل أداءِ ما افترضتُ عليه (١٢٢)، وأيضا فالمصاع والمفاسد تختلف، وبحسب اختلافها يختلف الآمر والنهي في القوة وعدم القوة.

стр. 168

هذا هو الغالب الكثير، ولكنه جاء في الشريعة الاسلامية أشياء هي اكثر مصلحة، وأعظم ثوابا، وحكمها الننبية، فقدم فيا المندوب على الواجب من حيث كثرة الثواب وقلته، وذلك في سبع صُوَر: الصورة الأولى: إنظار المعسر بالديْن واجبٌ، وإبراؤه منه مندوب إليه، وهو أعظم أجراً من الإِنظار، لأن مصلحته أعظم، إذ من أبرأ فقد أنظر، فإن معنى الإنظارِ عدمُ المطالَبة في الحال. (١٢٣) الصورة الثانية صلاة الجماعة مندوب اليها، وهي تَفْضُلُ صلاة الفذ بسبح

стр. 169

وعشرين درجة، فدل ذلك على أن مصلحته عند اللهْ اكثر من مصلحة الواجب. (١٢٤) الصورة الثالثة: الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ خيرٌ من الف صلاة في غيره إلا المسجد الحرامَ. والمراد التفضيل بالمثوبةكما في الجماعة مع الانفراد، وقد فضَلَ المندوبُ الواجبَ، وذلك يدل على أن الصلاة في ذلك المكان أعظم عند الله . (١٢٥) الصورة الرابعة: الصلاةُ في المسجد الحرام أفضَلُ من ألْف ومائة صلاة في غيره (١٢٦).

стр. 170

الصورة الخامسة: الصلاة في بيت المقدْس بخمسمائة صلاة. الصورة السادسة: الصلاة بِسِوَاكٍ خيْرٌ من سبعين صلاة بغير سِواكٍ. الصورة السابعة: الخشوع في الصلاة مندوب إليه. وحيث كان هذا فأقول: المصالح مَتى عَظُمتْ كانت مقدَّمة، سواء كان ذلك ندبا او واجبا. فإذا رأينا ندبا مقدما فما ذاك إلا لأن المصحلة فيه أعظم، وإذا رأينا واجبا مقدما فذلك أيضا لذلك المعنى. فالشأن في الشريعة التقديم بقوة المصلحة، والغالب أيضا أن ما عظُمَتْ مصلحتُه أن يكون حكمه الوجوب، وما قصر عن ذلك أن يكون نَدبا. قلت: المثالان الأولان ظاهر فيهما ما ذكرَهُ بِحَسَبِ بادى النظر لا بحسَبِ التحقيق، والمثالان الأخيران بَعيدان من ذلك غاية، فإن الصلاة بسواك مع الصلاة بغير سواك، ما وقع التفضيل بين واجب وندب، وإنما وقع بين صلاتين متساويتين في الحكم، فرضِ (١٢٧) الوجوب أو غيره، وزادتْ الواحدة بالسواك، والسِواكُ هو المندوب، وليس في السواك مفاضَلة، وكذلك حديث الخشوع، والصور الآخَرُ فيها نظَرٌ، بل ليس ظاهراً (١٢٨) إلا في المثال الاول فقط. وأما صلاة الجماعة تفضُلُ صلاة الفذ فلا، فإن التفضيل ما وقعَ إلا بين واجبين، وأحدُ الواجبَيْن زادَ على الآخرَ بانضمام مندوب اليه.

стр. 171

قال شهاب الدين ﵀: وممَّا قُدِّم فيه فعل المندوب على الواجب في الشرع، الجمع للمطر، والجمعُ بعرفة، وتركُ الجمعة بعَرفة (١٢٩). وبيان ذلك أنه لما كان المطر والطين والظلمة كان إن بقي الأمر بالخروج للصلاة في العتَمَة لحِقَتْ المشقَّة الناسَ، والشريعَةُ جآت برفْعها، وكان فيها مع ذلك حِفْظُ الواجِبِ، وهو إيقاع الصلاة في وقتها، وإن قيل لهم: لا تخرجوا إليها لأجْل المشقة، فإما أن يقال لهم: صَلوا أفرادا في بيوتكم، وتفوتهم فضيلة الجماعة وذلك مندوب، وإما ان يقال لهم: صلوا الآن مجتمعِين، فيحفظ عليهِم المندوب، وفي ذلك تضييع الواجب الذي هو أداء الصلاة في وقتهاكما كان، فكان تقديما للمندوب على الواجب، وكذا الآمر أيضا بعرفة، تُرك فيه الواجب، وهو إيقاع الصلاة في وقتها، ليحصل اتصال الجمع بالذكر، وذلك مندوب إِليه، وكذلك تَرك الجمعة بها (اي بعرفة) من حيث إن الظهر بها يُصَلَّى سِرا لا جَهْراً، وبهذا أسْكتَ

стр. 172

مالك أبا يوسف حيث نازعَه أن الجمعة لا تُصَلَّى. (١٣٠) وأيضا، فالخطبة ظاهر منها أنها لعرفة لا للجمعة. فأجاب لِمَ كان؟ فقال: أما يوم عرفة فالجمعة لم تكن فيها، لأنهُ جُعِلَ للنادر حكم الغالب، والغالبُ لا جمعة عليه، إذ هم مسافرون، فليس في ذلك تركُ الواجِب. وأمّا تركُ تأخير العصر إلى وقتها فلضرورة الِإقبال على الله تعالى في ذلك اليوم أن يتصل، لأنه يوم عظيم لا يُوصَلُ اليهِ الا بالمشقة العظيمة، فكانت مصلحة ذلك الِإقبال أن يحصُلَ أعظمُ من الوقت. وأما تقديم الجمع ليلة المطر فذلك لأن مصلحة الجمع الذي هو مندوب أعظم عند الله من مصلحة الوقت، وذلك أفضل، لقوله ﷺ : تفْضُلُ صلاةُ الجماعة صلاةَ الفذ بسبع وعشرين درجة، وقد تقدمت الصورة المذكورة. وبهذه القاعدة يظهر أن كثرة الثواب وقلتَه قد تُعرف بكثرة المصالح وقلتها، وتُعرف أيضا بكثْرة الفِعل وقِلته، وتعرَفُ أيضا بجهْدِ الفعل ويَسَارَتِهِ، وقد يختلف باختلاف المقاصد، والمقاصد تتفاوتُ غاية، وقد يوجَدُ خلافُ هذا كتفضيل

стр. 173

القصر على الإتمام، تفضيل تكبيرة الإحرام على غيرفا من التكبيرات، تفضيل قرآة أم القرآن في الصلاة عليه في غير الصلاة، ولله أن يفعلَ ما يشاء، ويحكم ما يريد، وهذه قاعدة أدرجتها في هذه التي هي القاعدة الخامسة عشرة. (١٣١)

стр. 174

القاعدة السادسة عشرة (١٣٢) في تبيين أنه القضاء يجب بالْأمْرِ الأول أو بأمر جديد؟ على أنَّا قدمنا في القضاء حيث حددناه، أنه يجب بأمر جديد، ولكنا نبسط الكلام على ذلك هنا، فنقول: ذهب بعض الأصوليين إلى أنه يجب بالأمر الأول، والأكثرُ منهم إلى انه يجب بأمر ثان. فمن قال بالأول، قال: إن الامر بالعبادة في وقت معين أمرٌ بشيئين: أحدهما الأمر بالعبادة، والآخَرُ تخصيصه بالزمان، فإذا ذهب أحد الجزئين ينبغى أن يبقى الآمر الآخر، وهو طلب العبادة، قال شهاب الدين - هنا -: لِأن القاعدة أن إيجاب المركَّب يقتضى إيجاب مفرداته. قلت: إن كان المراد أن من ضرورة وجود المركب أنه لا يكون إلا بوجود كل جزء من أجزائه، فإذا أوجب إيجادَ المركب فقد أوجب إيجاد كل جزء، فَنَعَم، وفرقٌ بيْن تعلق الوجوب بكل فرد من الأفراد حالة الاشتراك، وبيْن تعلقهِ بكل فرد حالةَ الانفراد. هذه ما وجَبَتْ قط، ولا لزمت من حيث إيجاب المركب، وإلَّا لزم - إذا قلنا: إضرب زيداً العاقل - أن يكون أمراً بضرب زيد غير العاقل وبضرب زيد العاقل، فإن التقييد بالصفات كالتقييد بالظروف بلَا فرق، واذا كان الآمر هكذا، فقضية القضاء يجب بالأمر الأول او بالأمر المجَدَّدِ لا نسبةَ بينها وبَيْن أن إيجابَ المركب يقتضى ايجاب مفرداتِه، حتى يحتاج إلى الفرق بين القضيتين. ولنرجع إلى مسألة القضاء. قال شهاب الدين: وإذا كانت الأوقات المعيَّنة إنما خصصت بالعبادة لأجل مصالح فيها دون غيرها، كانَ الاصل أن لا يجب الفعل في غير ذلك الوقت،

стр. 175

لأنه عَريٌّ عن المصلحة، لِأن تخصيص ذلك الوقت بذلك أفهمَنا ذلك حتى ياتي من الشرع أمر بالفعل في غيره، فنعلم - حينئذ - أن المصلحة في فعل ذلك الفعل في الوقتين، ولكن الوقت الأول أعظم مصلحة، والثاني دونه فيها، فهذا وجْهُ من قال: يجب بأمرٍ جديد، وهو الأظهر، والله أعلم. قلت: ويُعَضده ما جاء، حيث قالت امرأة لعائشة - رضى الله عنْها - ما لَنا نقضى الصوم ولا نقْضى الصلاة؟ فقالت لها: أحرُوريَّة أنت؟ كُنّا نُومَرُ بقضاء الصوم، ولا نومَرُ بقضاء الصلاة (١٣٣). القاعدة السابعة عشرة (١٣٤) نقرر فيها أن النهْي لا يصحء التخيير، وأنه يخالف الأمر في هذا، فإنه يصح مع التخيير كما تقدم. وبيان ذلك أن النهي عن حقيقة ذات أفرادٍ كالنهى عن الخنزير لا يصح الامتثال لهذا الامر إلا بترك كل فرد من أفراد تلك الحقيقةِ. ومتى تَرك أفرادا وفعل ذلك بحسب فردٍ منها، فما وقعَ الامتثال لهذا المعنى، فلأجل هذا كان التخيير مع النهي محالا ولا يصح، وهو جمعٌ بين النقيضَين. ولما كان الامر بحقيقةٍ ذاتِ أفراد كالأمر بالكفارة يمتثِل الخاطب ذلك بإدخال فردٍ من الافراد، من حيث ان الحقيقة المطلوبة البيت قوله هي الكفارة - لَمَّا طُلبت منه - قد أتى بها إذا أتى بفردٍ فصح الأمرُ مع التخيير، وفي النهي ما أتُى

стр. 176

بالحقيقة المطلولة منه إلا إذا لم يات بفرد من الأفراد، فمن المعلوم البيِّن أن فاعل الاخصِّ فاعِلُ الأعم، وإذا كان كذلك فلا سبيل إلى الخروج عن العهدة في النهي إلا بترك كل فرد، والتخيير مع النهي عن الترك محال عقْلاً (١٣٥). فإن قيل: قد وقع النهي عن الأختين، وخُيِّرنا في إحداهما لا بعينها، وكذلك البنتُ مع الأم، قلنا: لم يقع النهي - هنا - عن المشترك بين الأفراد وخُيِّرنا في الأفراد كما قلنا في خصال الكفارة، بل نُهِينَا - هنا - عن الجَمعِ، وهذه الحقيقة التى هي الجمعُ بين الأختينِ، تُفقد لفقد جُزْءَيْها معا، وهما الاختان، وتُفقد لفقدِ الواحدة منهما، فيخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها كذلك، لأن التخيير وقع في شيء من ذلك، والله أعلم. القاعدة الثامنة عشرة (١٣٦): في تقرير التخيير بين أشياء لا يقتضي التسوية بينها ولابد، بل قد يكون ذلك وقد لا يكونه. فالتخير الذى يقتضى التسويةَ كالتخيير في خصال الكفارة، والتخييرُ الذى ليس التسويةُ كتخيير صاحب الدين بالنَّظِرة والِإبراء، وهما غير متساويين، لأن نَظِرةَ المعْسر تجب، وإبراوُهُ مندوب اليه، ومثل هذا قوله تعالى: ، "يا أيها المزمل قُمْ الليل

стр. 177

إلا قليلا نصفَه أو أنقُض منه قليلا أو زِد عليه" (١٣٧) فقيل في تفسيره: خير بين. قيام نصف الليل وثلثه وثلثيْه، فثلثُهُ أوْ نقَص منه قليلا، وثلثاه: "أو زد عليه"، والثلثُ واجب، وذلك (١٣٨) كما قالت عائشة ضى الله عنها: كان قيَامُ الليل واجبا ثم نُسِخَ، والنصف والثلثان مندوبَانِ، فقد خَير بين المختلفات في الحكم. وكذلك ايضا: ﴿فليس عليكم جُنَاح أن تقصروا من الصلاة﴾ (١٣٩) خير بين القصر في السفر والإتمام، والركعتان واجبتان جزما، والزائد ليس بواجب، وهذا يَرُد على من يقول: التخيير لا يقع الا بين المتساويات، بل هو كما قلنا. والضابط في الفرق أن التخيير إذا وقع بين المتبايِنَيْنِ فإنه لابد من التساوي بينهما، كما في خصال الكفارة، وبين جزْءٍ كل أو أكثر أو أقل لم يقع التسوية، والله أعلم. ثم المتباينات إذا وقع التخيير بينها، إن كان قد تباينت بالأجناس كما قلنا في خصال الكفارة فذلك المسمى بالواجب المخير، وان كانت قد تباينت لا بالجنس، بل هى داخلة تحت جنس واحد، فلا يسمى هذا بواجب مخيرٍ، وهذا راجع إلى الاصطلاح. فالعتق يكون بأمة وبعَبْدٍ، والعبيد يتشابهون، والأماءُ كذلك، وللمكلف الخِيرة في ذلك كله، ولكنه لا يسمى مخيراً من هذا الوجه، واما يسمى مخيراً إذا

стр. 178

كانت الأفراد ترصح إلى "أجناس متباينة، كالعتق والإطعام والكسوة، وهذه قاعدة أدرجْتها في التي قبلها، لا كما فعل شهاب الدين ﵀. ثم لِتعلَم أن ما وقع في قول الفقهاء من قولهم: الإمام مخيَّر في الأسارى، وكذلك في التعزير، وكذلك في حق المحارب، وكذلك تفرقة الأموال راجعة إلى خِيَرَتِه قَوْلٌ مَجَازي، لا خِيرة (١٤٠) في شئ من هذا، كما الامر في خصال الكفارة من حيث التخيير، بل يجب عليه بذل جَهده في فعل الأرجح من ذلك، ولا يصح له أن يفعَل بهواه ما شاء من ذلك، كما يصح للمكفر أن يُعَيِّنَ من الخصال ما شاء بِهوَاه. ولكنه قيل له: مخيَّرٌ، من حيث إن النظر رجع اليه في الترجيح، ولم يعَيَّن له في ذلك شئ، بل فُوِّضَ التعيين اليه بعد اجتهاده، وتنفيذ الأصْلح للمسلمين، فذاك الذى يصح له ويحل" وهذه قاعدة اخرى أيضا أدرجتها هنا. (١٤١)

стр. 179

القاعدة التاسعة عشرة (١٤٢): نقرر فيها أنه لا يجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما يُخشى من عقابه، ويجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما تخشى عاقبتُه. وبيان ذلك أنا إذا خُيِّرْنا بين شيئين فقد كان لنا بحسب كل واحد منهما أن نفعله وألَّا نفعله، واذا كان كذلك فلا يصح أن يُخْشَى من أحدهما عقاب، لأن ما يصح فعله لا يصح أن يُخشى منه عقاب، وقد قلنا بذلك، فأن نخشى العقاب باطلٌ، وأما أن نخشى (١٤٣) العاقبة مع التخيير فتصح، وهذا مِثْلُ ما خُير رسول الله ﷺ بين قدحَيْنِ من خمر ولبن فاختار اللَّبن، وقد كان الخمر تُخشى عاقبته، لو أخذه لغوتْ أمته كما قال جبريل ﵇، (١٤٤) وهذا لا مجال فيه من حيث إن خشية العقاب تترتب عن المنع من الفعل، والمنع من الفعل يناقض التخيير في الفعل كما سبق، وخشية العاقبة لا ترجع إلى الكلام الذي منه الامر والنهى، وانما نرجعُ إلى القضاء والقدر، فهذا يرجع إلى أثر قدرة الله، فافترق الامرانِ، ولا إشكال في ذلك، والله أعلم.

стр. 180

القاعدة العشرون (١٤٥) نقرر فيها أنه الاباحة قد تكون مُطْلَقةً، وقد تكونه مرتبة سبب، ثم نقرر ما يلزم عن كل واحدة. فالإباحة المطلقة كالْإذْن في البيع والشراء، والاباحةُ المترتبة على سبب، كقوله تعالى: ﴿واذا حللتم فاصطادو﴾ (١٤٦). ثم الإباحة المطلقة لا يكون على المكلف حرَج في الإقدام على ذلك المباح مطلقا، والاباحة على سبب لا يكون على المكلّف حرج في الاقدام على الفعل من حيث ذلك السببُ، ويكون عليه حرج في الاقدام عليه باعتبار سبب آخر، فالتحريم يجتمع مع هذه الاباحةِ ولا يجتمع مع الأخرى، وهذا، لأن أسباب التحريم قد تجتمعُ مع اسباب الاباحة وقد تفْترق. وعلى هذا يكون الفعل الواحد حراماً باعتبار سبب مَّا، حَلالا باعتبار سبب آخر، وبهذه القاعدة يزُول إشكال أورده بعض الفضلاء فقال: قوله تعالى: ﴿فإق طلقها فلا تحِلُّ لَهُ مِن بعن حتى تنكِحَ زوجاً غيْره﴾ (١٤٧). هذه الآتية تعطي من حيث إنَّ حتَّى غايةٌ أن المطَّلقة
следующие страницы →