← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بالحقيقة المطلولة منه إلا إذا لم يات بفرد من الأفراد، فمن المعلوم البيِّن أن فاعل الاخصِّ فاعِلُ الأعم، وإذا كان كذلك فلا سبيل إلى الخروج عن العهدة في النهي إلا بترك كل فرد، والتخيير مع النهي عن الترك محال عقْلاً (١٣٥). فإن قيل: قد وقع النهي عن الأختين، وخُيِّرنا في إحداهما لا بعينها، وكذلك البنتُ مع الأم، قلنا: لم يقع النهي - هنا - عن المشترك بين الأفراد وخُيِّرنا في الأفراد كما قلنا في خصال الكفارة، بل نُهِينَا - هنا - عن الجَمعِ، وهذه الحقيقة التى هي الجمعُ بين الأختينِ، تُفقد لفقد جُزْءَيْها معا، وهما الاختان، وتُفقد لفقدِ الواحدة منهما، فيخرج عن العهدة بواحدة لا بعينها كذلك، لأن التخيير وقع في شيء من ذلك، والله أعلم. القاعدة الثامنة عشرة (١٣٦): في تقرير التخيير بين أشياء لا يقتضي التسوية بينها ولابد، بل قد يكون ذلك وقد لا يكونه. فالتخير الذى يقتضى التسويةَ كالتخيير في خصال الكفارة، والتخييرُ الذى ليس التسويةُ كتخيير صاحب الدين بالنَّظِرة والِإبراء، وهما غير متساويين، لأن نَظِرةَ المعْسر تجب، وإبراوُهُ مندوب اليه، ومثل هذا قوله تعالى: ، "يا أيها المزمل قُمْ الليل

стр. 177

إلا قليلا نصفَه أو أنقُض منه قليلا أو زِد عليه" (١٣٧) فقيل في تفسيره: خير بين. قيام نصف الليل وثلثه وثلثيْه، فثلثُهُ أوْ نقَص منه قليلا، وثلثاه: "أو زد عليه"، والثلثُ واجب، وذلك (١٣٨) كما قالت عائشة ضى الله عنها: كان قيَامُ الليل واجبا ثم نُسِخَ، والنصف والثلثان مندوبَانِ، فقد خَير بين المختلفات في الحكم. وكذلك ايضا: ﴿فليس عليكم جُنَاح أن تقصروا من الصلاة﴾ (١٣٩) خير بين القصر في السفر والإتمام، والركعتان واجبتان جزما، والزائد ليس بواجب، وهذا يَرُد على من يقول: التخيير لا يقع الا بين المتساويات، بل هو كما قلنا. والضابط في الفرق أن التخيير إذا وقع بين المتبايِنَيْنِ فإنه لابد من التساوي بينهما، كما في خصال الكفارة، وبين جزْءٍ كل أو أكثر أو أقل لم يقع التسوية، والله أعلم. ثم المتباينات إذا وقع التخيير بينها، إن كان قد تباينت بالأجناس كما قلنا في خصال الكفارة فذلك المسمى بالواجب المخير، وان كانت قد تباينت لا بالجنس، بل هى داخلة تحت جنس واحد، فلا يسمى هذا بواجب مخيرٍ، وهذا راجع إلى الاصطلاح. فالعتق يكون بأمة وبعَبْدٍ، والعبيد يتشابهون، والأماءُ كذلك، وللمكلف الخِيرة في ذلك كله، ولكنه لا يسمى مخيراً من هذا الوجه، واما يسمى مخيراً إذا

стр. 178

كانت الأفراد ترصح إلى "أجناس متباينة، كالعتق والإطعام والكسوة، وهذه قاعدة أدرجْتها في التي قبلها، لا كما فعل شهاب الدين ﵀. ثم لِتعلَم أن ما وقع في قول الفقهاء من قولهم: الإمام مخيَّر في الأسارى، وكذلك في التعزير، وكذلك في حق المحارب، وكذلك تفرقة الأموال راجعة إلى خِيَرَتِه قَوْلٌ مَجَازي، لا خِيرة (١٤٠) في شئ من هذا، كما الامر في خصال الكفارة من حيث التخيير، بل يجب عليه بذل جَهده في فعل الأرجح من ذلك، ولا يصح له أن يفعَل بهواه ما شاء من ذلك، كما يصح للمكفر أن يُعَيِّنَ من الخصال ما شاء بِهوَاه. ولكنه قيل له: مخيَّرٌ، من حيث إن النظر رجع اليه في الترجيح، ولم يعَيَّن له في ذلك شئ، بل فُوِّضَ التعيين اليه بعد اجتهاده، وتنفيذ الأصْلح للمسلمين، فذاك الذى يصح له ويحل" وهذه قاعدة اخرى أيضا أدرجتها هنا. (١٤١)

стр. 179

القاعدة التاسعة عشرة (١٤٢): نقرر فيها أنه لا يجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما يُخشى من عقابه، ويجوز التخيير بين شيئين، وأحدهما تخشى عاقبتُه. وبيان ذلك أنا إذا خُيِّرْنا بين شيئين فقد كان لنا بحسب كل واحد منهما أن نفعله وألَّا نفعله، واذا كان كذلك فلا يصح أن يُخْشَى من أحدهما عقاب، لأن ما يصح فعله لا يصح أن يُخشى منه عقاب، وقد قلنا بذلك، فأن نخشى العقاب باطلٌ، وأما أن نخشى (١٤٣) العاقبة مع التخيير فتصح، وهذا مِثْلُ ما خُير رسول الله ﷺ بين قدحَيْنِ من خمر ولبن فاختار اللَّبن، وقد كان الخمر تُخشى عاقبته، لو أخذه لغوتْ أمته كما قال جبريل ﵇، (١٤٤) وهذا لا مجال فيه من حيث إن خشية العقاب تترتب عن المنع من الفعل، والمنع من الفعل يناقض التخيير في الفعل كما سبق، وخشية العاقبة لا ترجع إلى الكلام الذي منه الامر والنهى، وانما نرجعُ إلى القضاء والقدر، فهذا يرجع إلى أثر قدرة الله، فافترق الامرانِ، ولا إشكال في ذلك، والله أعلم.

стр. 180

القاعدة العشرون (١٤٥) نقرر فيها أنه الاباحة قد تكون مُطْلَقةً، وقد تكونه مرتبة سبب، ثم نقرر ما يلزم عن كل واحدة. فالإباحة المطلقة كالْإذْن في البيع والشراء، والاباحةُ المترتبة على سبب، كقوله تعالى: ﴿واذا حللتم فاصطادو﴾ (١٤٦). ثم الإباحة المطلقة لا يكون على المكلف حرَج في الإقدام على ذلك المباح مطلقا، والاباحة على سبب لا يكون على المكلّف حرج في الاقدام على الفعل من حيث ذلك السببُ، ويكون عليه حرج في الاقدام عليه باعتبار سبب آخر، فالتحريم يجتمع مع هذه الاباحةِ ولا يجتمع مع الأخرى، وهذا، لأن أسباب التحريم قد تجتمعُ مع اسباب الاباحة وقد تفْترق. وعلى هذا يكون الفعل الواحد حراماً باعتبار سبب مَّا، حَلالا باعتبار سبب آخر، وبهذه القاعدة يزُول إشكال أورده بعض الفضلاء فقال: قوله تعالى: ﴿فإق طلقها فلا تحِلُّ لَهُ مِن بعن حتى تنكِحَ زوجاً غيْره﴾ (١٤٧). هذه الآتية تعطي من حيث إنَّ حتَّى غايةٌ أن المطَّلقة

стр. 181

بالثلاثِ إذا تزوجت غيرَه حَلَّت له، وهذا مردود بالإِجماع، فَيَجِبُ أن يقال: إن حتى خرجَتْ في هذه الآية عن مقتضاها الْغائِي، وأنها لَا تَدُل عليه، وهذا - ايضا صعْبٌ، فهذه القاعدة تزيل الأشكال، فيقال: بَتَزَوُّج غيرهِ لَها (١٤٨) زالَ مانعٌ واحد كان يمنع منٍ تزوجها، فأبيحَتْ من حيث ارتفاع هذا المانع، وبقي موانعُ أخرى، فكَونُها باقية في مِلك هذا الثاني مانع، حتى إذا طلَّقها زالَ ذلك، وبقيت العِدَّة هي مانع آخر، هكذا قال شهاب الدين ﵀. وكذلك تصَوُّرُ اجتماع أسباب على سبب واحد، مثل القتلِ يجب بترك الصلاة، والزنا عن إحصان، والارتدادِ، وقتلِ النفس التي حرّم الله إلا بالحق (١٤٩)، فهذا قد أبيح دمه بكل واحد من هذه الأسباب. فإذا عَفَا الاولياء ذهبت الاباحة الناشئة عن القتل، وبقىَ القتل لأسباب أخرَ. قال ﵀: وكما ظهر لك اجتماع أسباب التحريم في المسألة المتقدمة، فاعلم أن المحرَّم بسبب واحد ليس كالمحرّم بأسباب، بل يتضاعف الإثم بتضاعفِ الأسباب، فالزنَى محرَّم، وبالبِنْتِ أشَدُّ، (١٥٠) وبها في الصوم ومع الإحرام أشد، وفي الكعبة أشدُّ، وكذا الواجبُ الواحد يتصور أن يكون لهُ سببٌ واحدٌ في الوجوب، ويُتَصوَّرُ أن يكون له اسبابٌ.

стр. 182

القاعدة الحادية والعشرون (١٥١) نقرر فيها الفرق بين الواجبات بطريق النذر، وبين الواجبات بإيجاب الله تعالى، وذلك من حيث المصلحة، فنقول: ان الأوامر تتبع المصالح، والنواهي تتبع المفاسِد، والمصلحة إن كانت في أعلى الرتَب يترتَّب عليها الوجوب، وإن كانت في أدْنى الرتب رُتِّبَ عليها الندب. ثم ان المصلحة ترتقى ويرتقى الندب بارتقائها حتى يكون أعلى مراتب الندب يُشبه أدنى مراتب الوجوب، وهذا الاعتبار بعينه في المفسدة بحسب التحريم والكراهة، فعلى هذا، المصلحة التى تصلح للوجوب لا تصلح للندب، لاسيما المزلبة الدنيا من الندب، كيف لا، وقد رتّب العقاب على ترك المصلحة التى للوجوب، وكذا الامر أيضا من حيث المفاسدُ، فقد رتِّب (١٥٢) العقاب على فاعل الحرام دون الكراهة، فهكذا الأسباب الشرعية لا تجعل شيئا سببا للوجوب وشيئا سبَباً للندب الا ولكُلِّ واحدٍ نسبةٌ للآخر. قلت: قد مضى لنا في القاعدةِ الرابعة عشرة أن هذا الذي قاله هنا هو الغالب، وأبْدَيْنا خلافَ هذا في صُوَرٍ: منها الجمعُ ليلةَ المطَر فُضِّلَ على الواجب من حيث ان المصلحة التى في ذلك الندوب أعظم، وكذلك صلاة الجمعِ بعرفة قدم على ايقاع الصلاة في وقتها، وهو واجب، لأنه أفضل وأعظم مصلحة. قال شهاب الدين ﵀: إذا تقررت هذه القاعدة. فاعْلَمْ أن صاحب الشرع جعل الأحكام على قسمين: قسم منها قرره بنفسه، وقسْم وَكَلَ تقريرَه "إلى خِيَرَةِ المكلَّف.

стр. 183

فالأولُ كوُجُوب الصلاة، والثاني هو النذر، وكذلك الأسباب أَيضا جعلها على قسمين: قسم منها نصبه هو كجعل الزوال سببا وأمثالِه، وقسم جعله لِخيَرَة المكلف كما في الأحكام، ويَجعلُ هذا المكلفُ سبباً ما شاءَ، كدخول الدار وهبوب الربح، أو نزول المطر، أو قُدُوم زيد، الخِيرة له في تعيين ما شاء من ذلك، فلا يتوقف على المكتسباتِ له أو لغيره. فاذا تقرر هذا حصل الفرق بين الواجب الأصلي وبين النذر من وجهين: أحدهما أن مصلحة المنذور مصلحةُ الندب، فإن النذر لا يتعلق بالواجب ولكن بالندب، فببلغ بذلك الي مرتبة الواجب. الثاني أن سبَبَه لا يناسبُ الوجوب كالأسباب المقرَّرة في أصل الشريعة، والبعدُ من طريق الأسباب أشد، فإن المندوبَ فيه مصلحة، فانتقل إلى حكم ما هو أعظم مصلحة منه. وأما الأسباب، فالسببُ الشرعي مناسب للحكم، والسببُ الاختياري لا مناسبة في كثير منه، فإنه لو قال: إن طار الغرابُ فعَليَّ صدقةُ درهم، أيّ مناسبَةٍ في طيران الغراب للصدقة؟ ووجود النصاب مناسبٌ للصدقة. فان قيل: فكيف اقتضت الحكمة الإلاهية اعتبار مالا مصلحة فيه أو إقامة (١٥٣) مصلحة الندب للوجوب، مع أن القاعدة أن الاحكام تتْبعُ المصالح على اختلاف رُتَبها؟ قلت: جآء هنا سبب آخر قوَّى تلْكَ المصلحة حتى حكم

стр. 184

عليها بالوجوب وذلك الأدبِ، مع الحق بالوفاء والحذر من نقض. العهد معه، فوقعَ الحكم (١٥٤) على نسبةِ المصالح. قلت: وأمّا الاسباب، كقولنا: إن طار الغراب فهي ليست في الحقيقة أسبابا، وانما هي شروط للنذر، فالوجوبُ بالنذر ولكنه عند الشرط، ولهذا يقول الفقهاء: النذر المطلقُ، والنذر المقيّد. وحيثُ علمتَ أن الاشياء قد تحرم لاشمالها على المفاسد وقد تكرَه، وأنها - أيضا - تجبُ لاشتمالها على المصالح، وقد تندب، فقد تكون المصالح مما يحُثُّ عليها الطبْع فتكون هذه مصلحةً مباحة كالمطعومات الطيبة، ثم ما يحرم قد يكون محرّما، لما قلناه، ولكنه يقضَى عليه بالإِباحة لسبب، وهذا كالميتة، محرَّمةٌ لطبيعتها المشتملة على المفسدة، فإذا جاء الاضطرار أبيحَتْ، كذلك أيضا ما أبيحَ لصفتِهِ كالمطعومات يعرض له (١٥٤ م) أن يحرم لأسباب كالغصب والسرقة وغير ذلك، وهذه قاعدة أدرجتها بالتى ذكرتها معها (*).

стр. 185

القاعدة الثانية والعشرون. (١٥٥) نقرر فيها الانتقال من الحرمة إلى الإِباحة أنه يشترط فيه أعلى الرتب من الأسباب، بخلاف الانتِقال من الإِباحة إلى الحرمة فإنه يُشترط فيه أيْسَرُ الاسباب. قال شهاب الدين ﵀: وقعتْ في الشريعة صور كثيرة تقتضِي ما قلناه في القسمين معًا. فهذه الأجنبية مباح العقدُ عليها، وهذه الاباحة تندفع بعقْد الأب عليها من غير وطْء، وهذا أيْسر شئ والمبتوتة (المطلقة ثلاثا) لا يذهب تحريمها إلا بعقد المحلِّل ووَطئه، وعقد الأب (١٥٦) بعد العدَّة. وهذه رتَبٌ (١٥٧) - قلت - ما تندفع إلا بعقد الأبِ ورضى الزوجة، ووجود صداق مع عقد الزوج، كما إذا كانت محرَّمة الوطء، فهذا التحريمُ يَندفع بما اندَفَعَتْ بهِ الْإباحَةُ لَا زَائِدَ عليها. قال شهاب الدين ﵀: وثانيها: المسلم محرَّم الدّم، لا تذهبُ عنه الحِرمة إلَّا بالردة أو زنىً بعد

стр. 186

إحصانٍ، أو قتل نفْسٍ عَمداً عُدْوانا، وهي أسباب عظيمة، فاذا أبِيحَ دمُهُ بالرِدة حُرم بالتوبة، وفي القصاص بالعفْو، والتوبة أيْسر من الردة والقتْلِ. قلت: بل التوبة أصعَب، أما من القتل فظاهِر، لأن القتْلَ فعْل جسماني يثيرُه غضب، والتوبة فعل قلبى يثيره معرفة الحق، والتوفيقُ إلى الحق بما عرف، وشتَّان بين الأمور القلبية والأفعال الجسمانية، فكيف إن زدْنا في النظر إلى الأسباب. وأمَّا أن الردة أيْسَرُ من التوبة فَلأِن الردة يثيرها الجهل، والتوبة تُثيرها المعرفة، والجهل أصل في الإنسان، والمعرفة ثانية. قال شهاب الدين ﵀: وثالثها الأجنبية لا يزول (١٥٨) تحريم وطئها إلا بالعقد المتوقف على إذنها ووليها، وصداق، وشهود، وإباحتها (١٥٩) بعد العقد يكفى فيها الطلاق فترتفع تلك الإِباحة بالطلاق. (١٦٠) قلت: يُعَارَضُ بأن يقال: الأجنبية لا تزول إباحة العقد عليها لزيد إلا

стр. 187

بِعقدٍ عمرو (١٦١) عليها متوقف على إذنها ووليها وصدَاق، وهذه هي الصورة التى اعترضْنا بها أولا، فلَا اطراد. (١٦٢) قال ﵀: ورابعها، الحربي مستباح الدَّم، تزول إباحته بالتأمين، وهو سبب لطيف. وإذ حرم دمه بالتامين لا يباحُ إلا بسبب قوي يزيل تلك الإِباحة من خروج علينا او ما أشبهه. قلت: يمنع الخصم له تفاوتَ السببيْن، بل يعكس الأمر عليه، ثم قال (أي القرافي).: ونظائر هذه القاعدة في الشريعة كثيرة. قلت: قد ظهر بما قلناه أن القاعدة لم تقرَّر بما ذكره، بل لو سلِمتْ له الصور من الاعتراض ما كانت هذه الصور لقلتها يكتهى فيها بتقرير هذه القاعدة، لا سيما مع ما أبديناه فيها، والله إعلم. ثم قال شهاب الدين ﵀: وقد رام الأصحاب التحنيث بجزء المحلوف عليه على هذه القاعدة، فإن الحنث خروج من الإباحة إلى الحرمة، ويكفى فيه أيْسَرُ سبب، فيحنث بجزء المحلوف عليه إذا حلف لا ياكل هذا الرغيف أكلَ منه لبابةً، لأنه على بر وإباحة

стр. 188

حتى يحنث، ولا يبرأ إذا كان على حِنث الا بأكْل الجميع إذا حلف لياكلنه، إذ هو خارج من إباحة إلى حرمة. ثم قال: وهذا التخرج ضَعيفٌ، لأنَّهُم إن ادعَوْا أن القاعدة متفق عليها مُنِعَ لهم من حيث إن صورة النزاع يمنعها الخصم، وهو الشافعى، وإن ادعوا ثبوتها بهذه الصورة فهى قليلة ولو كانت كثيرة، فإن القاعدة الكلية لا تثبتُ بالمُثل الجزئية. قلت: كلامه هذا يؤْذِنُ بأنه ما ارتضى التقرير الذى قرره أولا، ولكن ما ذكره من أن القاعدة الكلية لا تثْبتُ من حيث جزئيات هذه المسألة هى مثل الاستقراء، والاستقراءُ ليس بدليل في القطعيات، وهو دليل في الظنيات، والمسائل الفقهية ظنية لا قطعية. ثم قال ﵀: وخرج - أيضا - بعض الأصحاب هذه المسألة على قاعدة الأمر والنهي فقال: إذا حلف ليفعلن فهو كالأمر، أو لَا يفعلُ فهو كالنهي، والنَّهى عن الشيئ نهْى عن أجزائه، فيكون فاعل الجزء مخالفا، وهذه الطريق ايضا ضعيفة، بل الأمر بالعكس، فالأمر بأربع ركعات أمر بكل كعة ركعةٍ، وإيجاب لها إيجابُ المجموع، والنهي عن خمس ركعات في الظهر مثلا ليس نهيا عن أربع ركعات فيها، وإنما الذي أشكل على قائل هذا، الفرق بين الجزء والجزئي. (١٦٣) نعم الأمر بالماهية

стр. 189

الكلية كالأمر بالإِعتاق ليس أمرا بإعتاق العبد المعيَّن، والنَّهْي عن الماهية الكلية نهْيٌ عن جزئياتها. (١٦٤) قلت: ولهذا المعنى يصح الأمر المخيرُ كالكفارة، ولا يصح النهي مع التخيير، وقد مضى تحريرُ هذه القاعدة. قال شهاب الدين ﵀: وأحسَنُ ما رأيتُ في هذه المسألة طريقة الفرض والبناء، وهي هذه: كان الشيخ أبو عمرو بن الحاجب رحمة الله يقول: هذه المسألة ثلاثة أقسام: المعطوفات، نحو والله لا كلمتُ زيداً وعمراً، والجموع والمستثنيات نحو لَا أكلتُ إلا رغيفة أو الرغيفتين، وأسماء الحقيقة الواحد المفردة كالرغيف، فهذه الأقسام الثلاثة، الخلاف فيها واحد، فعند الشافعى لا يَحنَثُ الا بالجميع، وعندنا بالبعض في المسائل الثلاث، فنقول: أجمعنا على ما إذا قال الحالف: واللهِ لا كلمتُ زيداً ولا عَمراً بصيغة لا النافية أنه يحْنث بأحدهما. واتفق النحاة على أن لا إذا أعيدت في اللفظ أنها مؤكده لا منشئة نفياً، وشأن التأكيد أن تكون الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله وإلا لم يكن مؤكداً، فوجب التحنيث في هذه الصورة، للاجماع عليه في الصورة التى ظهر فيها حرف لا مؤكدا. فإذا اتضح هذا في هذه الصورة وجَبَ القول بالحنث في الصورتين الأخريين، لأنه لَا قائِل بالفرق، إذ لو ثبت الحنث في بعضها دون

стр. 190

بعضِ لزم خلاف الِإجماع، فإن القائل قائلان: قائلٌ بالحِنث في الجميع وهو مالك ومن قال بقوله، وقائل بأنْ لَا حنث في الجميع وهو الشافعي ومن تبِعه، فهذه هى صورة الفرض والبناء. وضابطها أن يكون الانسانُ يُساعده الدليل في بعض صور النزاع دون بعضِها، فيُفرضُ الاستدلال في تلك الصورة التى يساعده الدليل عليها، فإذا تَمَّ له فيها الدليل بَنَى الْباقي على ذلك. وردَّ شهاب الدين ﵀ هذا أيضا بِسبب أن المُناظِر قائمٌ مقام إمامه المجتهد، فلَهُ - إذا قال خضمُه: لا يحنث عندي في الجميع - أن يقول: يحنث عندي في البعض دون البعض. نعَم، هذه الطريقةُ تَتِم في المناظرة جدلا بعد تقرير المذاهب، أمَّا والمجتهدُ مُجْتهد (١٦٥) فلا يصح له الاعتماد على ذلك. (١٦٦) القاعدة الثالثة والعشرون (١٦٧) ذكر شهاب الدين ﵀ فرقين في كتابه:

стр. 191

الفرق العاشر والمائة بين قاعدة ما تَصح فيه النيابة وبين ما لا تَصح، والفرق الثاني: الحادي والسَّبْعين والمائة بين قاعدة ما يجزئ فيه فعل غير المكلَّف عنه وبين قاعدة مالا يجزئ فيه فعل الغير عنه، ورأيتهما شيئاً واحداً، (١٦٨) فلنقرر مقتضاهما معاً في هذه القاعدة، فقال ﵀: الأفعال المأمور بها ثلاثة أقسام (١٦٩): (١) قسم اتفق الناس على صحة فعل غير المأمور به عن المأمور، وذلك ما تحصُلُ مصْلحتُهُ مع قطع النظر عن فاعله، كرد الغصوب، وأداء الديون. ٢) وقسْم اتفِقَ على عدم إجزاء ذلك، وذلك ما تتوقف مصلحته على المأمور به، كالإيمان، والتوحيد، فإن مصلحتهما الخشُوعُ والإجلال، وإنما يحصل من جهةِ فاعلهما.

стр. 192

٣) وقسم يختلف فيه (١٧٠)، وهذا المختلف فيه نذكر فيه أرْبَعَ مسائل: المسألة الأولى: الله؛ إنْ أخرجها أحَدٌ عن أحد بغير علم صاحبها، إن كان إماماً وأخذها كَرْها أجزأت عند مالك والشافعي، اعتمادا على فعل الصّديق رضى الله عنه (١٧١)، لِظاهر قوله تعالى: "خذْ من أموالهم صدقةً" (١٧٢) وأبو حنيفة قال: لا يَاخذها ولكن يحبسه، وهذا لأنها تعبّد، تحتاج إلى نية، ومصلحتها حاصلة في نفس المعطي، لها فلا نيابَة، وإن كان غير إمام فالأصح عندنا أنها لا تجزئ، لأنها تفتقر إلى نية، ولكنه وقع في الأضحية أن صديقا لو ذبح لصديقه أجزأت إن كانت الصداقة متمكنة بينهما، وعلى هذا فالزكاة كذلك، إذ هي كلُّها تعبُّدِيَّة، ولكنه أجازها فيها كلها (١٧٣) وكذلك هنا. قلت: وفيه - عن مالك - خروج (١٧٤) إلى قول من يقول بجواز إخراجها مطلقا ولا يحتاج إلى نية، لأن المصلحة المطلوبة فيها انتفاع المساكين، فهي كالدين يؤدى. والصحيح أنه لا يجوز، لأنه وإن كانت المصلحة في الزكاة من

стр. 193

حيث سدُّ خَلّةِ الفقير، ففيها الصلحة من حيث المعطِي قوله، وذلك زوال رذيلَةِ البخل، وغيبر ذلك مما يذكر فيها إنما يحصل بإعطائها من قبلهِ وبعلمه (١٧٥). والمسألة الثانية: الحج عن الغير منعه مالك ﵁، وجوَّزه الشافعي. (١٧٦) ﵁. فمالك غلب عليه النظر إلى أنها عبادة غير معقولة المعنى، فمصلحتُها من حيث فعْلُ الذى وجبتْ عليه، والمالُ عنده عارضٌ، كما يَعرض لمن تجب عليه الجمعة، ودارُهُ بعيدَة، فَيكتري دابةً لذلك. والشافعي رأى مسألة الجمعة ليست كالحج، لأن احتياج الحج للمال كثير، والجمعة ليست كذلك، وأيضا فمعَهُ قولُه ﷺ لمن قال له: "ألهذا حج؟ فقال: نَعَم، ولك أجر" (١٧٧) المسألة الثالثة: الصوم عن الميت إذا فرَّط فيه، جوَّزه اُحمد والشافعي، ولم يجوزه مالك ﵀، لقوله تعالى: "وأن ليس للانسان إلا ما سعى". (١٧٨) قلت: هذه المسألة ليست من القسم الثالث، وإنما هي قوله من القسم الذي، المصلحةُ فيه لا تكون إلا من حيث فعل الكلف، كالايمان والتوحيد والصلاة، فكان حقها أن لا تجوزَ، لتلك القاعدة، لكنه جاء الخلاف فيها بعد

стр. 194

ذلك لظاهر الآية العامة، وللحديث الصحيح في ذلك، (١٧٩) والرجوع للحديث أوْلَى، فإنه خاصٌّ والآية عامة، فهو جمعٌ بين الدليلين، الا أنه يتقَوَّى عموم الآية بهذه القاعدة، والله أعلم. المسألة الرابعة: عتق الانسان عن غيره. قال صاحب الجواهر (١٨٠): في العتق عن الغير ثلاثة أقوال: الإجزاء، وهو المشهور، قالهُ ابن القاسم، وعَدَمُ الإجزاء قاله اشهبُ، وقال عبد الملك: انْ أذِن في العتق أجرأ عنه، وإلا فلا، وقاله الشافعي، وقال اللخمي: فَرَّق بعْض الأصحاب بيْن عتق الانسان عن غيره وبين دفع الزكاة عنه فلا يجزئ في الثاني، لأخها ليسَت في الذمة، والكفارة في الذمة، قال: والحقُّ الإجزاء فيهما، لأنهما كالدَّيْن. قال شهاب الدين ﵀: وهذه المسألة دائرةْ بين قواعد: القاعدة الأولى: قاعدة التقادير الشرعية وهي إعطاء المَوْجود حكْمَ المعدوم، كإلغاء الغرر القليل، وإعطاءُ المعدُوم حكم الوجود، كتوريث الورثة دِية الخطأ. (١٨١) القاعدة الثانية: أن الهبة إذا لم يتصل بها قبض بطلت. القاعدة الثالثة: أن الكفارة عبادة يُشترَط فيها النية وهو المشهور عندنا. القاعدة الرابعة: كلُّ من عمل لغيره عملا أو أوصَلَ نفعا لغيره من مال أو غيره، بأمره أو بغير أمره نفَذَ ذلك، فإن كان متبرعا لم يرجع به، وإن كان غيْرَ

стр. 195

متبرع وهو منفعة, فلهُ أجرةُ مثله، بشرط أن يكون المعمول له لابد له من عمل ذلك بالاستئجار، أما ان كان يفعله بنفسه أو بغلامه فلا شيء عليه، وإن كان مالاً فله ماله، والقولُ في ذلك قول العامل في عدم التبرع، فهذه قاعدة مالك، نص عليها ابن أبي زيد ﵀ في النوادر، وصاحب الجواهر في كتاب الاجارات. وقال الشافعى: الأصل في فعل الغير التبرع، وإذا لم ياذن المدفوع عنه بلسان المقال لا يرجع عليه بشئ، ولم يعتبر لسان الحال كما اعتره مالك. فمالك يقول: المعتِقُ قام عن المعتَقِ عنه بواجب وما شأنه أن يفعله، ويقدَّر انتقال مِلكه عنه للمعتَق عنه قبل صدُور العِتق بالزَمنِ الفرد حتى يثْبت الولاءُ وتَبْرأ ذمَّتُه من الكفارة. ويشكل عليه بقاعدة النيَّة فإنه يشتزطها وهى متعذرة، فيقيسها على العتق عن الميت، ويفرق الخصم بأن الميت تعذر عليه ذلك الخير، والحي ليس كذلك، فناسب الميتَ التوسعةُ دون الحي، وله القياس على أخْذ الزكاة منه كرها، ويفرق أيضا بالضرورة ثمة، وبأن الزكاة مصلحة عامة وهذه خاصة. وأشهب يقول: إلاذْنُ من باب الكلام لا من باب المقاصد، فلم يَعتبر تفريق عبد الملك، (١٨٢) ورأى أن عملا بلا نية لا يصح، وأبو حنيفة أجاز ذلك بالجُعل (١٨٣) لا بالهِبَة، لأنها لا تتم الا بالقبض (١٨٤) ولا يحتاجُ حينئذ إلى قصد.

стр. 196

قلت: قد مضى الإشكال الوارد على القاعدة المسماة بقاعدة التقدير، وذلك مِمَّا يزيد المسألةَ إشكالا، والله أعلمُ (١٨٥). قلت: ولشهاب الدين ﵀ قاعدة أخرى، وهى الفرق الثاني والسبعون والمائة بين قاعدة ما يصل إلى اليت وقاعدة ما لا يصل إليه، رأيت ذِكر هذا الفرق هنا بإثر هذا، وإلحاقَه بهذه القاعدة. (١٨٦). قال شهاب الدين ﵀: القُربات ثلاثة اقسام: ١) قسْم حجَّر اللهُ على عباده في ثوابه، ولم يجعل لهُم نَقلَه لغيرهم، كالإيمان والتوحيد، فلو أراد أحدٌ أن يهبَ قربية الكافر إيمانَه ليدخل الجنة دونه لم يكن له ذلك، بل إنْ كفَرَ اروىُّ هلَكَا معَاً. قلت: لا شك أن الإيمان الحاصل عند زيد لا يقبل الهِبة بأن يحصل لزيد الكافر، وكلامُنا ليس في ذلك، إنما كلامنا في أن يستقر الايمان لزيد، وما

стр. 197

يعطاه عليه من ثواب. خرج عنه للكافر، فهذا ليس يمتنع عقلا، ولكنه لا أحد ينقل في هذا أن الله أذِنَ فيه. قال: وقسم اتفق الناس على أن الله تعالى أذن في نقل ثوابه للميت، وذلك القربات المالية، كالصدقة والعتق. وقسم اختلِف فيه، وهو الصيام والحج وقراءة القرآن، فلا يصل من ذلك للميتِ شئ عند مالك والشافعى. وقال أبو حنيفة وابن حنبل: يصل ثوابُ القراءة للميت. قلت: قد مضى أن الشافعى رُوى عنه جوازُ الصوم، وابنُ حنبل ذكره عنه، فليس يزيد في النقل - ها هنا - عنه القراءة، أن الصوم بخلاف القراءة. والخلاف في هذه المسألة يرجع إلى المسألة الأولى، وهي أن الاعمال البدنية لا ينوب فيها أحد عن أحد، لأن الصلحة فيها للعامل، بخلاف الماليات وما يشبهها مما المصلحة فيها لا تتوقف على العامل، كرد الغصوب، والثوابُ مرتَّب على الأعمال، فحيث كانت المصلحة تحصل دون العامل وصحت النيابة، صح انتقال الثواب. قال شهاب الدين ﵀: واحتج ابن حنبل بالقياس على الدعاء فإنه مجمَعٌ عليه، وبظاهر قوله عليه والسلام: "صلِّ لهما مع صلاتك، وصُمْ لهما مع صيامك"، يعني أبويه (١٨٧)

стр. 198

ثم قال: والجواب عن الأول أن القياس على الدعاء لا يستقيم، فإن الدعاء فيه أمران: أحدهما متعلقُه الذي هو مدلوله، نحو المغفرة، في قولهم: اللهم اغفر له، والاَخر ثوابُه، فالأول هو الذى يرجى حصوله للميت، ولا يَحْصُلُ إلا لَه، فإنه لم يدْعُ لنفسه. والثاني - وهو الثوابُ على الدعاء فهو للداعي فقط، وليس للميت فيه شيء. وأمَّا الحديث، فنقول: إنه خاصٌّ بذلك الشخص، أو نعارضه بمثل قوله تعالى: "وأنْ ليس للإنسان إلَّا ما سَعى"، وبجميع ما تقدَّم من أن الأصل عدم الانتقال. (١٨٨). وقال بعضهم: إذا قِرئ على القبر حصل للميت أجْرُ المستمِع، قال: وهذا ضعيف من حيث إن الموتى انقطع عملهم، وهذا من باب ترتيب الثواب على العمل.

стр. 199

قلت: بل الظاهر مَا قاله ابن حنبل، فإنه إذا كانت الصدقة عن الميت ينتفع بها الميت، والدعاء له ينتفع به، وليست تلك الأعمال بوجهٍ منسوبةً للميت، وإنما هي للحى، ولكنه مع ذلك سَرَى الثواب للميت، وهل سَرَى الثواب له ولا بقى للحيِّ منه شئ، أو سَرَى وبقي للحي، فإن الله كريم، وخزائنه لا تفنى. فإذا رأى جوادًا قد جاد على فقير وأعطاه ما بيده زاد قربة إلى الله، (١٨٩) فأمضى فعله، ولم ينقصه من ثوابه شيئاً لإمداد الله له؟ الأمر محتمل، والاجماع منعقدٌ على الدعاءِ أنَّهُ ينفع، وهو عمل ليس للمدعوّ له، فكذلك سائر الأعمال. ثم قوله: المغفرة هي التى حصلت له فقط، ولم تحصل للداعي، ليس كذلك، بل صحَّت المغفرة للمدعوّ له، وللداعى بقول المَلَك مجيبًا للداعي: "ولَكَ مِثلُهُ"، هكذا في الحديث الصحيح. وقولُ المَلَكِ، يحتمل أن يكون دعاءً ويحتمل أن يكون خبرًا، كيف كان فللداعى. وإذا كان الاشتراك بينهُما في المغفرة هكذا فكذلك إذا قرأ قاصدًا إدخال الراحة عليه بل يجري هذا في كل عمل حتى الإيمان؛ لأنا قد قلنا: ليس المراد إلا إعطاء الثواب، وإذا كان الثواب يجوز إعطاؤه في وجه، جاز إعطاؤه في كل وجه، لولا أن الكافر جاء أنه لا يغْفَرُ له إذا مات على الكفر. (١٩٠) ثم مما يقوى هذه القاعدة، الحديث الصحيح في الصوم، حيث قال ﵊: "أرأيت لو كان على أبيك دين أكنتَ تقضيه؟ قال: نعم، قال فدَين الله أحقُّ أن يُقضَى" وأمره بالصوم عنه (١٩١)، وكذلك هذا الحديث الذي فيه الصلاة والصوم، والله أعلم.

стр. 200

قلت: ويلحق ايضا هذه القاعدة فرق آخر، ذكره شهاب الدين، وهو الحادى والمائة (١٩٢) بين قاعدة غير المكلف لا يُعَذب بِفِعْل المكلف، وبين قاعدة البكاء على الميت يعذَّبُ به الميت، وإنما ألحقتها بهذه القاعدة, لأن الكلام في فعل أحدٍ هل يكون فعلاً لغيره، أعمُّ من أن يكون خيرًا، وذلك ما سبق الكلام عليه، وبقى أن يكون شَرًّا، فينبغى أن يكون الكلام عليه ها هنا. قال شهاب الدين ﵀: جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الميتَ لَيُعذَّب ببكاء الحى عليه"، والحديث صحيح، إذ هو مذكور في الصحاح، فأشكل ذلك من جهة أن الإنسان لا يُواخَذ بذنب غيره، وهذه القاعدة متفق عليها لقوله تعالى: "ولا تزِر وازرةٌ وِزْر أخرى"، (١٩٣) ولا يسري عقاب لأحدٍ من ذنب غيره، وليست هذه كما في ضده الذي هو الخيْرُ، فعَدَل الناس إلى النظر في الحديث (١٩٤). وأما القاعدة فمتفق عليها، فمن الناس من طرق الوهْمَ للمحَدِث، وذلك أن عائشة رضى الله عنها، قالت: وَهِم أبو عبد الرحمان، انما مر رسول الله ﷺ بيهودية يبكى عليها أهلها، فقال ﵇: انكم لتبكون عليها وإنها لتُعذَّبُ. قلت: وهذا لا يتمشى ولا يستقر جوابًا، فإنه رواه جماعة، وهم يقولون: ان الميت ليُعَذّب ببكاء الحى، وقال ناس آخرون: إنما هذا إذا أوصى بالنياحة.

стр. 201

قلت: ويبعدُ هذا من حيث الإطلاق الوارد فيه، وهذا التقييد خلاف الأَصْل، وقال ناسٌ: إنهم كانوا يذكرون في النياحة مفاخر الميت من حيث جُرأتُه ومَهابته، وهى فسوق في الشريعة كالقتل والغصب. قال شهاب الدين ﵀: وهذه الأجوبة اجتمعت في أنْ ردت الحديثَ إلى مقتضى القاعدة، ثم قال: والفرق في التحقيق، إن أبقينا اللفظ على ظاهره، ما وقع لبعض العلماء، وذكر حكايته عن امرأة مات لها ولدٌ فبكته وأطالت البكاء عليه، ثم سافرت من بلدها، فجآءت المقبرة التى بالبلد الذي كانت فيه، وبكت فنامَتْ، ورأت الموتى قد قاموا إليها، وقالوا لها: أين ولدُكِ يَا هذه، ليس هو عندنا، قد آذيتنا، فخبطوها، فقامت وهي متألمة. قال: فدلَّت هذه الحكاية على أن الأرواح تتألم من المؤلمات، وتفرح باللذات في البرزخ كما كانت في الدنيا، وهو ظاهر، وبذلك (١٩٥) تعَذَّبُ الكفار في قبورها، فالأوضاعُ البشرية في الأرواح لم تتغير، وإنما كانت في مَسْكن (١٩٦) فارقته فقط، وبقيت على حالها في أوضاعها. ولما كان العويل والبكاء في الحياة تتأذَّى به الأرواح وتنقبِضُ كانت بعد الموت كذلكَ تَتأذَّى به, كان عليها أو على غيرها، وهو عليها أشد نكايةً، لأنها هى المصابة حينئذ. وقد ورد أن الموتى يفرحون بالزيارات، ويتألمون لانقطاعها، ويكون الفرق بين القاعدتين على هذا أن الإنسان لا يعذب بفعل غيره (١٩٧)، أي عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب، والبكاء ليس البكاء الذي يكون به هو عذاب الآخر، بل المراد الألم الجبِلِّي، (١٩٨) الذي إذا

стр. 202

وقع في الوجود قد يكون رحمة من الله تعالى، كمن يبتليه الله بالألم لرفع درجاته كما يفعل في دار الدنيا بالأمثلِ فالأمْثَلِ، فهم أشد بلاءً (١٩٩)، والله أعلم. قلت: ولْنذكر ها هنا فرقًا آخر، وهو المائة في كتاب شهاب الدين، (٢٠٠) إذ هو مسألة من هذه المسائل فنقول: النُّواح جاء فيه التحريم، والمراثي فيها الإباحة. والفرق بينهما حتى اختلفا في الحكم أن النائحة، الغالبُ عليها عدم الرضى بالقضاء، ونِسبةُ البارى تعالى إلى الجوْر، فلذلك حرِّمت النياحة، حتى انها لتذكر شيئاً من محاسن الميت حال لطمها لخدها، فكان ذلك مقويا لما قلناه، المراثى تَعْرى عن ذلك، فلوْ وجد من المرائي شيء عن ذلك لحرمت ايضا، وهكذا قال عز الدين ابن عبد السلام، وسجن شاعرًا سمع ذلك منه مرَّةً.

стр. 203

القاعدة الرابعة والعشرون (٢٠١): نقرر فيها الفرق بين قاعدة ثبوت الحكم في المشترك وبين قاعدة النهي عن المشترك (٢٠٢)، فنقول: قد مضى أن النهى مع التخيير لا يجتمعان، وإن الأمر مع التخيير يجتمعان، وهذا هو المعنى المقرر هنا، وقد كان حق هذه القاعدة أن تكون مع تلك، ولكني أفردتها مخافة التطويل عند استيفائي جميع ما ذكر في القاعدتين، فقال ﵀: النهي كالنفي، والأمر كالثبوت، ومن المعلوم البيِّن أن وجود الْأَخص يلزم منه وجود الْأَعَمِّ، فإذا ثبت الْأَخص ثبت الْأَعَمُّ، والعام إذا انتفى انتهى الْأَخص، وليس إذا انتفى الأخص ينتفى الْأَعم. وقد قلنا: الأمر كالثبوت، فوجود فرد من الكفارة يثبت وجود الكفارة، والكفارة كانت مطلوبة بالأمر، فقد كان ثبوت الحكم في

стр. 204

المشترك يثبتُ بفرد من الأفراد الداخلة تحت ذلك المشترك، وقلنا ايضا: النهي كالنفي، فنفْيُ المصنوع من ماء العنب مع وجود الخمر المصنوع من التمر لا يحقق الانتهاء، كما أن رفع الإنسان دون الحمار لا يتحقق معه رفع الحيوان، وإنما يتحقق رفع العام برفع كل فرد من الأفراد الذي تحته، كذلك إنما يتحقق الانتهاء برفع جميع الأفراد، وهذا بَيِّنٌ لا خفاء به، ثم قال: "تنبيه جليل": اعْلَمْ أن نفي المشترك، والنهيَ عنه إنما يعُمُّ إذا كان مدلولا عليه بالمطابَقَة، أما إذا كان مدلولا عليه بطريق الالتزام فلا يلزم، فالمدلول عليه بالمطابقة، كقولك: نهيتك عن مطلق الخمر، والمدلول عليه التزاما كأن يقول: ألزمتك النهي، فهذا النهي حاصل في منهي لم يعينه، فلو عَيَّنه بعد هذا كان ذلك التعيين تفسيرًا، وفي قوله: نهيتك عن الخمر، لو أبقى بعد ذلك خمرًا مخصوصا لكان مخصصا لذلك العام، قظهر أن المدلول بالمطابقة هو الذي يعم، والآخَرُ لا يَعُمُّ. قال (اي القرافي ﵀ -: تظهر فائدة هذا الفرق في مسألتين فقهيتين: الواحدة إذا حلف بالطلاق وحنث، وله زوجات، فإن الطلاق يعمهن إذا لم تكن له نية, لأنه ليس البعض أولى من البعض، وإلَّا يلزمْ الترجيح من غير مرجِّح (٢٠٣)، فلو قصد بذلك اللفظ بعضهن دون بعض لم يحصل (٢٠٤) الطلاق إلا على المقصودة وحدها. وهذا, لأن القول بتطليق الكل ما كان من حيث عموم النهي؛ لأن النهي ما كان عامًا؛ لأنه لم يدل بالمطابقة على الزوجات، وإنما دل على

стр. 205

الزوجة بالالتزام (٢٠٥)، إذ الطلاق يستلزم مطلَّقَة، بل ما كان التعميم إلا من حيث إنه ليس تعيين البعض عن البعض براجح، فلأجل عدم الرجحان قلنا بالتعميم، فإذا وجدت النية وجد المرجح، فلا تعميم. (٢٠٦) المسألة الْأَخرى، إذا أتى بصيغة عموم، فقال: والله لا لبست كتانا، وقصد به بعض الثياب، ذَاهِلاً عن البعض فإنه لا ينفعه ذلك؛ لأنك ستقف على الفرق بين النية المؤكِدة والنية المخصصة، وهذا عام يحتاجُ إلى التخصيص بالْمُخْرِج

стр. 206

المُنافى، فإذا فُقِد جرَى اللفظ على عمومه للسلامة عن العارض، وإذا وجد نفى ما عدا المخرَجَ بعموم اللفظ، بخلاف صورة الالتزام، ويكْمُلُ البحث فيها (٢٠٧) بمطالعة الفرق بين النية المخصِصة والمؤكدة، قال: وأحقق هذا الفرق بأربع مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢٠٨)، علق الوجوب بالقدر المشترَك بين الرقاب، ويصْدُق على جميع الرقاب، ويكفى في ذلك صورة واحدة بالإِجماع. (٢٠٩). المسألة الثانية: لو قال الشارع حرَّمتُ عليكم القدْرَ المشترك بين الخنازير لحَرُمَ كلُّ خنزير. (٢١٠) المسألة الثالثة: إذا قال لنسائه: إحداكن طالق حَرُمْن بأجمعهن، بناء على قواعد: القاعدة الأولى: أن مفهوم أحد الأمور قدر مشترك بينها لصدقه على كل واحد منها، والصادق على عدد وأفراد، مشْتَركٌ فيه بين تلك الأفراد. (٢١١) القاعدة الثانية: أن الطلاق تحريم, لأنه رافع لموجِب النكاح، وذلك الإِباحة، ورافع الإِباحة مُحَرِمٌ، فالطلاق تحريمٌ.

стр. 207

القاعدة الثالثة: أن تحريم المشترك يلزم منه تحريم جميع الجزئيات كما تقدم، فيحْرمنَ كلهن بالطلاق وهو المطلوب (٢١٢)، وهذا هو الحق، لا أن يقال: إنما عمَّم الطلاق احتياطًا للفروج، فإنهُ إذا قيل: ما الدليل على مشروعية هذا الاحتياط؟ لا يوجد. وظاهر الفرق بين خِصال الكفارة وهذه المسألة، القاعدة المقررة أولاً. المسألة الرابعة، قال مالك ﵀: إذا أعتق أحدَ عبيدِه، له أن يختار واحدًا منهم فيعينه للعتق، بخلاف ما تقدم في الطلاق، مع أنه في الصورتين أضاف الحكم (اى للمشتركين بين الأفراد)، وكما أن الطلاق محرم، (٢١٣) كذلك العِتْق محرم للوطء، والفرق حينئذ عسيرٌ. والجواب أن التحريم دل عليه الطلاق بوضعه، فإنهُ له وُضِع، والعِتْقُ دل على تحريم الوطء لزومًا، فتحريم الوطْء تابع للعتْق الذي هو قُرْبة، وراجعٌ إلى الأمر

стр. 208

ايضا، والطلاق دل على تحريم الوطء مطابقة، وهو مما يرجع إلى النهي، لأنه جاء فيه "أنه أبْغَضُ الحلال إلى الله" (٢١٤)، فكان التعميم في الطلاق ولم يكن في العتق للقواعد المقررة. (٢١٥) القاعدة الخامسة والعشرون (٢١٦) نقرر فيها الفرق بين كون الزمان ظرفا لايقاع المكلَّف به فقط، وبين كون الزمان ظرفا لإيقاع المكلف به، وكل جزء من اجزائه سببا (٢١٧) للتكليف والوجوب، فتجتمع الظرفية والسببية في كل جزء من الأجزاء، فنقول: يظهر الفرق بذكر أربع مسائلَ: المسألة الأولى: أوقات الصلوات، كالقامة مثلاً بالنسبة إلى الظهر، هي ظرف للتكليف، لصحة وقوع الصلاة فيها، وكل جزء من تلك الأجزاء سببٌ للتكليف، وليس الزوالُ فقط سببًا للتكليف، وإلَّا لزم أن يكون من أسلم وسط القامة لا يلزمه الظهر، من حيث إن السبَّبَ لا يتقدم سبَبَه، وذلك باطل، فلزم ما

стр. 209

قلناه، وما يتوهم أن السبب للوجوب، (٢١٨) الزوالُ فقط، باطل. المسألة الثانية: أيام الأضاحى الثلاثةُ أو الأربعة، على الخلاف في ذلك، ظروف للتكليف، لصحة وقوعِ الذبْح فيها، وهي -أيْضًا- أسباب للتكليف، بل كلُّ جزْء من أجزاء الأيام، وإلا لزم الَّا تجب على من أَسْلَم في اليوم الثانى أو في اليوم الثالث، وذلك باطِلٌ. المسألة الثالثة: شَهْرُ رمضان المعظم، أيَّامُه ظروف لَلتكليف بالصوم، وأيَّامه ايضا أسبابٌ للتكليف، بذلك الدليل بعينه، إلا أن أجْزاء اليوم ليست بأسباب، (٢١٩) كأجزاء وقت الصلاة، ولذلك كان من أسلَم في يوم لم يجب عليه ذلك اليوم، ومن أسلم في ليلةِ يوم وَجَبَ عليه اليوم الذي أسلم قبل طلوع فجْره، وفي أجزاء الصلاةِ ايضا خلاف في بعض الأجزاء، من أدرك ركعة من الصلاة، يقال: إنه سببُ، وأقلُّ منه ليس سببًا للتكليف عند مالك، وهو عند غيره سبب كسائر الأجزاء قبله. فهذه المسائل الثلاث هى ظروف وأسباب.

стр. 210

فلنذكر ثلاث مسائل هي ظروف للتكليف فقط: المسألة الرابعة: قضاء رمضان يجب وجوبًا موسَّعًا إلى شعبان من تلك السنة، كما يجب الظهر وجوبًا موسَّعا من أول القامة إلى آخرها. غير أن هذه الشهور هي ظروف للتكليف فيها بالقضاء، دون أن يكون شيء من أجْزائها سببا للتكليف، بدليل أن من زال عذره فيها لا يلزمه شيء، وإنما السببُ في وجوب هذا الصوم أجزاء رمضان السابق، فكل يوم هو بسبب لوجوب القضاء في يوم آخر من هذه الشهور إذا لم يصم فيه. ولا يعتقد أن رؤية الهلال له سبب في القضاء إلا من حيث إنه سبب لجعل كل يوم من أيام الشهر سببا لوجوب الصوم (٢٢٠)، ثم إذا ترك ذلك الواجب كان سببا، فالسبب الترك لا الهلال، ولكنه انْبَتَى على الترك أنه سبب على وجوب الفعل، والله أعلم. المسألة الخامسة: جميع العُمُر ظرف لوقوع النذُور والكفارات، لوجود التكليف في جميع ذلك، وهذا بعد البلوغ ولزوم التكليف، وليس شيء من ذلك سببا، بل السبب اليمين أو الالتزام. المسألة السادسة: شهور العِدّة ظرف للتكليف بالعِدة لوجودها فيها، وليس شيء من أجزائها سببا للتكليف بالعِدة، بل السبب الوفاة أو الطلاق، وهذه الشهور تشبه شهور قضاءِ رمضان من هذا الوجه، وتفارقها من جهة أنها مضيَّقة، وتلك، التكليفُ فيها موسعٌ، ولنذكر المسألة السابعة لِمَا تركّبَ من القسمين. المسألة السابعة: زكاة الفطر، قيل: تجب بغروب شمس آخِرِ أيام رمضان، وقيل: بطلوع الفجر يومَ الفطر، وقيل: بطلوع الشمس منه، وقيل:

стр. 211

تجب وجوبًا موسّعا من غروب الشمس آخر أيام رمضان إلى غروب الشمس يوم الفطر. وقولُ هذا القائلِ: تجبُ زكاة الفطر وجوبًا موسّعا من الغروب إلى الغروب، معناه لا يأثم بالتاخير بعد الغروب يومَ الفطر. والمنقول عن صاحب القول الأول أنه لا يأثَم بالتاخير إلى غروب الشمس يوم الفطر، وإنما يأثم بالتاخير بعد الغروب يوم الفطر، وهذا هو عين القول الرابع. وقد عَسُرَ الفرقُ على جماعة من الفضلاء بين هذين القولين، والفرقُ بينهما إنما يستفاد من معرفة الفرق بَيْنَ هاتين القاعدتين، وذلك أن القائل الأول يقول: غروب الشَّمس يومَ الصوم سَبَبٌ، وما بعده ظرف للتكليف فقط، ولا يكون شيء من أجزاء هذا الزمان سببا للتكليف، والقائل الرابع يقول: كل جزء من أجزاء هذا الزمان من الغروب إلى الغروب ظرف للتكليف وسبب له، فقد اشتركا في التوسعة، لكن توسعة الثاني كتوسعة صلاة الظهر، والآخر كتوسعة قضاء رمضان. ويُخَرَّجُ على القولين من بلغ في هذا الوقت أو أسلم، فيتوجه الأمر على القول الثاني، ولا يتوجه على القول الأول. القاعدة السادسة والعشرون (٢٢١) نقرر فيها الفرق وإن كون ظرف الزمان للتكليف دون ايقاع المكلف به، وبين أن يكون ظرفا للتكليف لإيقاع المكلف به معا، ويتضح هذا بذكر ثلاث مسائل.

стр. 212

المسألة الأولى في كون الكُفار خوطِبوا بفروع الشريعة أم لا، ثلاثة أقوال: مخاطَبون، ليسُوا مخاطَبين. الفرق بين الأوامر والنواهي، فهم مخاطَبون بالنواهي دون الأوامر. (٢٢٢) فمن قال: ليسوا مخاطَبين قال: لَو وجبت عليهم الصلاة لوجبتْ إما حالةَ الكفر وإما حالةَ الإِسلامْ، والقِسمان باطلان، فالقول بالتكليفِ (٢٢٣) كذلك: أمّا حالة الكفر فلان التقريب بها من الكافر لا يتعقَّل ولا يصحُّ حينئذ، وأمَّا في حالة الاسلام فلانعقاد الإِجْماع على أن الإِسلام يَجُبُّ ما قبلهُ. والجواب أن نقول: نختار التكليف حالة الكفر. وقولُهُ لا تصح، قلنا: مُسَلّم، ولا يتحصَّلُ له مقصود، (٢٢٤) لأن هذا الزمان ظرف. للتكليف فقط لا لإِيقاع المكلَّف به، والإِيقاع هو الذي لا يصح، ومعنى هذا أنه أُمِر في زمان الكفر أن يزيله ويبدِّله بالِإيمان، ويفعل الصلاة في زمن الإِسلام لا في زمن الكفر، فصار زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط، وزمن الإِسلام هو للتكليف ولإِيقاع المكلف به. المسألة الثانية: المحْدِثُ مأمور بإيقاع الصلاة ومخاطَبٌ بها في زمن الحدث إجماعا، والكفر هو الذي وقع الخلافُ فِيهِ، أما زمن الحدَث فلا. ثُمَّ إن الإجماع انعقد على أن المحدِث لا تصح صلاتُه في الزمن الذي هو فِيهِ مُحْدِثٌ، وإنما تصح في زمن الطهارة، وزمان الطهارة هو زمان التكليف بإيقاع الصلاة دون زمان الحدث، وزمان الحدثِ هو ظرف التكليف فقط. قلت: كذا وقع هذا في الفروق لشهاب الدين ﵀، وآخر الكلام يناقض أوله.

стр. 213

فقوله: المحدث مامور بإيقاع الصلاة في زمن الحدث إجماعا، يخالف قوله في آخر المسألة: "وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط"، والآخرُ هو الحق، (٢٢٥) وهذا إذا لم يكن مضطرا، فإن لم يجد ماء ولا صعيدًا فهي المسألة حينئذ خلاف قد ذكره الفقهاء (٢٢٦). المسألة الثالثة: الدُّهري (٢٢٧) مكلّف بتصديق الرسول ﷺ ، مع أنه جاحد للصانع، والأمر فيه كالأمر في المسألتيْن. (٢٢٨)

стр. 214

القاعدة السابعة والعشرون (٢٢٩) نقرر فيها الفرق بِيْن ما يُطْلَبُ جمعه وافتراقه، وبين قاعدة ما يُطلَبُ جمعُه دون افتراقه، فنقول: المطلوب في الشريعة ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يُطلَبُ وحده ومع غيره، كالإيمان بالله تعالى وبرسوله، فإنه مطلوب في نفسه، وهو شرط في كل عبادة، والشرط مطلوب الحصول مع المشروط، إلا أنه قد يُكتفى منه بالايمان الحكمي تخفيفًا على العبد، ويُكتفَى بتقدمه فعلاً (٢٣٠)، وكالدعاء والتسبيح والتهليل مطلوبات في أنفسها، ومطلوب جمعُها مع الركوع والسجود. القسم الثاني: ما يُطلب مفردًا دون جمعه مع غيره، وهذا كالقرآة باعتبار السجود والركوع، لقوله ﵊: "نُهِيتُ أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدًا" (٢٣١) القسم الثالث: ما يُطْلَبُ جمعه دون افتراقه، كالركوع مع السجود في الصلاة، وكالحلاق مع الحج والعمرة، فإنه لا يكون قُربَةً إذا انفرد، وإنما يكون قربة إذا اجتمع هكذا. ثمَّ وجْه المناسَبَة قد يُطَّلَعُ عليه وقد لا، وما لا يطلع عليه نعلمُ أنَّه لحكمةٍ وإن كنا لا نعرف وجْهها. فالإِيمان، وجْهُ اشتراطه في العبادات حتى كان

стр. 215

الجمع، (٢٣٢) من حيثُ إنه أصل، وما سواه فرع، والجمعُ بين الأصل والفرع مناسِب. وأما الدعاءُ مع السجود، والثناءُ مع الركوع، (٢٣٣) وعدم القرآة معهما، فذلك في الدعاء من حيث إن العبْدَ مأمور بالتعظيم لبارئه، وجعَلَ له في ذلك التعْظيم التشبهَ بفعْل المتواضعين مع ملوكهم، كل ذلك ليرسَخ في باطنه عظمة مولاه فينتفع بها, لا لأنَّهُ تعالى يلحقُهُ من ذلك شيء، بل هو الغنى عن العالَم، ولا ضرر يلحَقُهُ ولا نفع. والِانحناء في الركوع تواضع، والسؤال مناسب له، وتواضع السجود أكثر، فكانت الرغبة منه أجدَرَ بالإِجابة، ولهذا قيل: "أقربُ مَا يكون العبدُ من ربه وهو ساجد، فاجتهِدُوا بالدعاء فقمِنٌ أن يستجابَ لكم (٢٣٤). أما كون القرآة لا تكون حينئذ فذلك من حيث إنها حالة خضوع بمشقة تَلْحَق العبد، والقرآة مَحَلٌّ للفكرة، والفكرة تضعف مع تحمل المشقة، فلم تكن لائقة بذلك الموضع.
следующие страницы →