← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تجب وجوبًا موسّعا من غروب الشمس آخر أيام رمضان إلى غروب الشمس يوم الفطر. وقولُ هذا القائلِ: تجبُ زكاة الفطر وجوبًا موسّعا من الغروب إلى الغروب، معناه لا يأثم بالتاخير بعد الغروب يومَ الفطر. والمنقول عن صاحب القول الأول أنه لا يأثَم بالتاخير إلى غروب الشمس يوم الفطر، وإنما يأثم بالتاخير بعد الغروب يوم الفطر، وهذا هو عين القول الرابع. وقد عَسُرَ الفرقُ على جماعة من الفضلاء بين هذين القولين، والفرقُ بينهما إنما يستفاد من معرفة الفرق بَيْنَ هاتين القاعدتين، وذلك أن القائل الأول يقول: غروب الشَّمس يومَ الصوم سَبَبٌ، وما بعده ظرف للتكليف فقط، ولا يكون شيء من أجزاء هذا الزمان سببا للتكليف، والقائل الرابع يقول: كل جزء من أجزاء هذا الزمان من الغروب إلى الغروب ظرف للتكليف وسبب له، فقد اشتركا في التوسعة، لكن توسعة الثاني كتوسعة صلاة الظهر، والآخر كتوسعة قضاء رمضان. ويُخَرَّجُ على القولين من بلغ في هذا الوقت أو أسلم، فيتوجه الأمر على القول الثاني، ولا يتوجه على القول الأول. القاعدة السادسة والعشرون (٢٢١) نقرر فيها الفرق وإن كون ظرف الزمان للتكليف دون ايقاع المكلف به، وبين أن يكون ظرفا للتكليف لإيقاع المكلف به معا، ويتضح هذا بذكر ثلاث مسائل.

стр. 212

المسألة الأولى في كون الكُفار خوطِبوا بفروع الشريعة أم لا، ثلاثة أقوال: مخاطَبون، ليسُوا مخاطَبين. الفرق بين الأوامر والنواهي، فهم مخاطَبون بالنواهي دون الأوامر. (٢٢٢) فمن قال: ليسوا مخاطَبين قال: لَو وجبت عليهم الصلاة لوجبتْ إما حالةَ الكفر وإما حالةَ الإِسلامْ، والقِسمان باطلان، فالقول بالتكليفِ (٢٢٣) كذلك: أمّا حالة الكفر فلان التقريب بها من الكافر لا يتعقَّل ولا يصحُّ حينئذ، وأمَّا في حالة الاسلام فلانعقاد الإِجْماع على أن الإِسلام يَجُبُّ ما قبلهُ. والجواب أن نقول: نختار التكليف حالة الكفر. وقولُهُ لا تصح، قلنا: مُسَلّم، ولا يتحصَّلُ له مقصود، (٢٢٤) لأن هذا الزمان ظرف. للتكليف فقط لا لإِيقاع المكلَّف به، والإِيقاع هو الذي لا يصح، ومعنى هذا أنه أُمِر في زمان الكفر أن يزيله ويبدِّله بالِإيمان، ويفعل الصلاة في زمن الإِسلام لا في زمن الكفر، فصار زمن الكفر ظرفا للتكليف فقط، وزمن الإِسلام هو للتكليف ولإِيقاع المكلف به. المسألة الثانية: المحْدِثُ مأمور بإيقاع الصلاة ومخاطَبٌ بها في زمن الحدث إجماعا، والكفر هو الذي وقع الخلافُ فِيهِ، أما زمن الحدَث فلا. ثُمَّ إن الإجماع انعقد على أن المحدِث لا تصح صلاتُه في الزمن الذي هو فِيهِ مُحْدِثٌ، وإنما تصح في زمن الطهارة، وزمان الطهارة هو زمان التكليف بإيقاع الصلاة دون زمان الحدث، وزمان الحدثِ هو ظرف التكليف فقط. قلت: كذا وقع هذا في الفروق لشهاب الدين ﵀، وآخر الكلام يناقض أوله.

стр. 213

فقوله: المحدث مامور بإيقاع الصلاة في زمن الحدث إجماعا، يخالف قوله في آخر المسألة: "وزمن الحدث هو ظرف للتكليف فقط"، والآخرُ هو الحق، (٢٢٥) وهذا إذا لم يكن مضطرا، فإن لم يجد ماء ولا صعيدًا فهي المسألة حينئذ خلاف قد ذكره الفقهاء (٢٢٦). المسألة الثالثة: الدُّهري (٢٢٧) مكلّف بتصديق الرسول ﷺ ، مع أنه جاحد للصانع، والأمر فيه كالأمر في المسألتيْن. (٢٢٨)

стр. 214

القاعدة السابعة والعشرون (٢٢٩) نقرر فيها الفرق بِيْن ما يُطْلَبُ جمعه وافتراقه، وبين قاعدة ما يُطلَبُ جمعُه دون افتراقه، فنقول: المطلوب في الشريعة ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يُطلَبُ وحده ومع غيره، كالإيمان بالله تعالى وبرسوله، فإنه مطلوب في نفسه، وهو شرط في كل عبادة، والشرط مطلوب الحصول مع المشروط، إلا أنه قد يُكتفى منه بالايمان الحكمي تخفيفًا على العبد، ويُكتفَى بتقدمه فعلاً (٢٣٠)، وكالدعاء والتسبيح والتهليل مطلوبات في أنفسها، ومطلوب جمعُها مع الركوع والسجود. القسم الثاني: ما يُطلب مفردًا دون جمعه مع غيره، وهذا كالقرآة باعتبار السجود والركوع، لقوله ﵊: "نُهِيتُ أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدًا" (٢٣١) القسم الثالث: ما يُطْلَبُ جمعه دون افتراقه، كالركوع مع السجود في الصلاة، وكالحلاق مع الحج والعمرة، فإنه لا يكون قُربَةً إذا انفرد، وإنما يكون قربة إذا اجتمع هكذا. ثمَّ وجْه المناسَبَة قد يُطَّلَعُ عليه وقد لا، وما لا يطلع عليه نعلمُ أنَّه لحكمةٍ وإن كنا لا نعرف وجْهها. فالإِيمان، وجْهُ اشتراطه في العبادات حتى كان

стр. 215

الجمع، (٢٣٢) من حيثُ إنه أصل، وما سواه فرع، والجمعُ بين الأصل والفرع مناسِب. وأما الدعاءُ مع السجود، والثناءُ مع الركوع، (٢٣٣) وعدم القرآة معهما، فذلك في الدعاء من حيث إن العبْدَ مأمور بالتعظيم لبارئه، وجعَلَ له في ذلك التعْظيم التشبهَ بفعْل المتواضعين مع ملوكهم، كل ذلك ليرسَخ في باطنه عظمة مولاه فينتفع بها, لا لأنَّهُ تعالى يلحقُهُ من ذلك شيء، بل هو الغنى عن العالَم، ولا ضرر يلحَقُهُ ولا نفع. والِانحناء في الركوع تواضع، والسؤال مناسب له، وتواضع السجود أكثر، فكانت الرغبة منه أجدَرَ بالإِجابة، ولهذا قيل: "أقربُ مَا يكون العبدُ من ربه وهو ساجد، فاجتهِدُوا بالدعاء فقمِنٌ أن يستجابَ لكم (٢٣٤). أما كون القرآة لا تكون حينئذ فذلك من حيث إنها حالة خضوع بمشقة تَلْحَق العبد، والقرآة مَحَلٌّ للفكرة، والفكرة تضعف مع تحمل المشقة، فلم تكن لائقة بذلك الموضع.

стр. 216

قلت: ويمكن أن يقال: كان ذلك من حيث أنه إذا سجد فقد تمحضت صفة العبد، الخاصةُ به، وذلك التواضعُ، ولم يلِقْ بها أن يكون حينئذ تَالِيًا لكتابه العزيز، فإنه صفة جليلة يكتسبها حينئذ من حيث تلاوته لكلام ربه. وإنما يليق بتلك الحالة الارتفاعُ والانتصاب، فصِفة الحق غلبت في حالة القيام، وصِفة العبد غلبَتْ في حالة السجود، ولهذا هُوَ موضع إشكال، أيهما أفضل: القيام أو السجود؟ فجاء: "أفضل الصلاة طول القنوت"، (٢٣٥) وجاء "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"، والحديثان صحيحان أخرجهما مسلم، والله أعلم، وقد قيدنا (٢٣٦) عليه شيئاً في إكمال الإِكمال على كتاب مسلم، فانظره، قال شهاب الدين ﵀: وعلى هذا الفرق انبنَى قول القائل: لو لم يكن الصومُ شرطًا في الاعتكاف لما صار شرطًا له بالنذر كالصلاة، لكنه إذا نذره لزمه ذلك ووجب الصوم، فصحة هذا الكلام تَنبني على قاعدتين: القاعدة الأولى: النذْر لا يؤثر إلا في مندوب، فأما النذر في وجوب الصوم مع الاعتكاف إذا نذَره، فإنه يدل على أنه مطلوب أن يجمع بينهما. القاعدة الثانية: إذا نذر أن يصلي صائمًا لم يلزمه ذلك؛ لأن الجمع بين الصلاة والصوم غيرُ مطلوب، وإن كان كل واحد منهما مطلوبًا في نفسه.

стр. 217

القاعدة الثامنة والعشرون (٢٣٧) نقرر فيها أن الفعل إذا دار بين الوجوب والندب فُعل، وإذا دار بين الندب والمحرّم ترك، تقديما للراجح على المرجُوح، وما يتخيَّل من أن صوْمَ يوم الشك ممنوع منه يقدح في هذه القاعدة ليس كذلك. بيانه أنا نقولُ: لا خفاءَ بوجهِ تلك القاعدةِ من حيث إنّ الأرجح ظاهر تقديمه في الشريعة على المرجُوح، وأما صومُ يوم الشك فقد يقول القائل: صَوْمُه هو الظاهر كما يقول الحنابلة، لِأنه أنّ كان من شعبان فهو ندْبٌ، وإن كان من رمضان فهو واجب فيفعَل، فالقول بأنه لا يصام، مُخالفة لها (٢٣٨)، فنقول: يُمنع من ذلك، بل هو مما دار صومه بين التحْريم والندب، فيتعيّن ترك صومه. وبيانه أن رمضان شرط صحة صومه أن يكون بنية جازمة، وصومُه بطريق الترداد حرام، فهو إذا صامه كذلك، إن كان من شعبان كان ندْبا، وإن كان من رمضان فقد كان ذلك الصوم محرّما، لأجل الترداد. والقاعدد فيما كان كذلك أن يُتْرك، وأيضًا فقد جاء النهي عن صيام يوم الشك. (٢٣٩)

стр. 218

ومما يُظَنُّ فيه مخالفة القاعدة، إذا شك هل صلى ثلاثًا أم أربعًا فإنه يأتي بركعة، مع أنها دائرة بين الرابعة الواجبة والخامسة المحرمة، وإذا تعارض الواجب والمحرَّم قُدِّم التحريمُ، لأن التحريم يعتمد المفاسدَ، والوجوب يعتمد المصالح. (أي فعناية صاحب الشرع والعقلاء، بِدَرْء المفاسد أشد من عنايتهم بجلب المصالح كما قال القرافي ﵀. وكذلك إذا شك في وضوئه، هل هي ثالثة أو ثانية، فإنه يتوضأ ثالثة مع دورانها بين الندب والتحريم، والتركُ هنا أقوى, لأن الندب أخفض رتبة من الواجب. فأجيبَ عن الصلاة بأن الخامسة إنما هى محرمة إذا تَيَقَّنا الرابعة، لا في الصورة التى وقعت فيها بالشك، وكذا الأمر في الوضوء ايضا. قال شهاب الدين ﵀: وأشكل قولُ مالك ﵀: إذا شك هل طلع الفجر أو لا، فإنه لا يأكل، مع أنه قال: إذا شك في اليوم فإنه لا يصومه، فأجابَ بأن الليل كان أصله الصوم، وخفف بعد ذلك، فهذا المشكوك فيه بيقيه على أصله في أنه يصام، ولا يخرجه إلى الأكل فيه كما خرج المتيقن. (٢٤٠) قلت: والأظهرُ عندي أن يقال: هذا خرج عن القاعدة من حيث إن ترْكَ أكله دائر بين أن يكون واجبًا أوْ جَائزًا، فيصيرُ إلى تركه ولا بد، عملاً بالأرجح، والله أعلم.

стр. 219

المتعلق منها بالعموم والخصوص وما يناسبها: تسع قواعد القاعدة الأولى: (١) نقرر فيها أن المفرَدَ المعرَّف بالألف واللام يفهَم منه العمومُ، وأن ما قاله الفقهاء في الطلاق جاء على غير الأصل، فنقول: أمّا أنّها تفيد العموم فظاهر من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) إذ لَو لم تكن للعموم لمَا صَح الاستثناء الآتي بعد ذلك. وكذلك - أيضًا - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٣)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٤). قلت: المشهور عن الأصوليين أن المفرد المعرّف بالألف واللام لا يفيد العموم، فإن جاء العموم في بعض المواضع فما ذلك لِلألِف واللام، فإنه لو كان لها لا طرَّد كما الألف واللامُ مع الجمع، وسيأتي تحقيق لهذه المسألة في موضع آخر بعدها. (٥).

стр. 220

قال شهاب الدين ﵀: والفقهاء خالفوا هذه القاعدة في لفظ الطلاق، فإذا قال الرَّجل: الطلاق يلزمني ولا نية له حملوه على طلقة واحدة، وكان حق هذا اللفظ أن يحمل على عدد لا نهاية له، لولا أن الشرع جعل آخر الطلاق هو الثلاث، كما إذا قال: طلقتك مائة تطليقة يحمل على الثلاث. وسبب هذا أنَّهم رَأوا الألف واللام في المفرد، تارةً للجنس، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٦)، وترِدُ تارةً للعهد، كقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾، وترد لمعقول الجنس، كقولهم: أكلتُ الخبز، كقوله ﵊: "إذا ولغ الكلب. في إناء أحدكم" (٧) فقال الفقهاء: المراد بها في الطلاق معقول الجنس وهو المشترَك، والمشترَك يحصل بفرد من أفراده، وهذا كله من حيث إنهم رأوا العرف

стр. 221

غلب عليها في هذا القسم فقالوا بمقتضى العرف، وكأن القائل قد قال حقيقةً: جنس الطلاق يلزمني، والعرف يقضي على اللغة، ولا تقضي اللغة عليه. (٨) قلت: شهاب الدين ﵀ يقول في مواضع أخرى: المفرد الذي تدخله الألف واللام يختلف، فإن كان مثل مال، فالألف واللام إذا دخلت على مثله للعموم، فقبضْت المال، المراد جميعُه، وإن كان مثل رجل، فالألف واللام في مثله لا يَعُم. والمراد بمثل مال ما يتصف بالكثرة والقلة، وبمثل رجل مالاً يتصف بذلك.

стр. 222

القاعدة الثانية (٩) نقرر فيها أنَّ الأعمّ، منه ما يستلزم الْأخص عَينا، ومنه ما لا يستلزم الْأخص عينا، ولكن مطلق الأخص. وبيان ذلك أنَّ الأعمّ على قسمين: عام تحته أمور متباينة، كقولنا: الحيوان، تحته الإنسان وغيره من الأنواع، فهذا النوعُ من العام لا يستلزم إلَّا مطلق الأخص لا أخص معَيَّنا، واستلزام مطلق الأخصّ من حيث إنَّ الكلي المجرد لا وجود له فى الخارج، وإنما يوجد من حيث وجود شخص، أيّ شخص كان، فقد يكون هذا الشخص من نوع الإنسان أو من نوع غيره.

стр. 223

والقسم الثاني عامٌّ تحته أمور غير متباينة، وإنما اختلافها بالْأقل والْأكثر، والجزء والكل، فهذا العام يستلزم الأخص معينًا. ومثال هذَا، المال الداخل تحت هذا العام هو بالْأَقل والأكْثر يختلف فيستلزم الأقل، كذلك مطلق الفعل أعم من المرة والمرات، فيستلزم المرةَ الواحدة، لما قلناه. قال شهاب الدين ﵀: وهذه القاعدة تُظهر بطلان قول الفقهاء فى أن القائل إذا قال لوكيله: بعْ، من غير أن يذكر زائدًا على ذلك، ان اللفظ غير دال على أخصّ، وإنما القاعدة عينَّت ثمن المثل، فإنه يقال لهم: بل دل هذا اللفظ على الثمن البخس، (١٠) وهو أقل ما يكون ثمنا, ولكن العادة منعَتْ من حمل اللفظ عليه وعيَّنتْ ثمن المثل. القاعدة الثالثة: (١١) نقرر فيها الفرق بين قول العلماء: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، وبين قولهم: حكاية الحال إذا ترك فيها الاستفصال تقوم مقام العموم في المقال، فنقول:

стр. 224

هذا الفرق ينبنى على قواعد: القاعدة الأولى أن الاحتمال المرجوح لا يقدح في حكايته اللفظ، وإلا سقطت الأدلة بأجمعها, لاحتمال المجاز والاشتراك، وذلك باطل، فالاحتمال المعتبر إنما هو الاحتمال المساوى أو القارب، وأما المرجوح فلا. (١٢) القاعدة الثانية أن كلام الشارع إذا كان محتملاً احتمالين على السواء صار مُجْمَلاً (١٣). القاعدة الثالثة أن لفظ الشارع إذا دخل على جنس، فتردد ذلك الجنس بين سائر أنواعه، وكذلك على نوع فتردد ذلك النوع بين أشخاصه لا يُصَيِّره مجملاً، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، تصدق الرقبة على الطويلة والقصيرة، والذكر والأنثى. (١٤)

стр. 225

إذا تحررت هذا القواعد، فنقول: الاحتمالات، تارة تكون في نفس كلام الشارع فتقدح، وتارة تكون في محل مدلول اللفظ فلا تقدحُ. (١٥) فمن القسم الأول أنه ﷺ سئل عن الوضوء بنبيذ التمر فقال: "تمرة طيبة وماء طهور"، فتمسكت الحنفية به، فقلما لهم: قوله ﵊ هذا يحتمل أن يكون لا قبل تغيُّر الماء بالحلاوة، ويحتمل أن يكون لا بعده، فهذا اللفظ عام بالنسبة إلى الحالتين، وهو يَصْدُق عليهما، والدليل الأعمُّ غير قال على الأخص، فيسقط الاستدلال. فهذا اللفظ عام بالنسبة إلى الحالتين، وهو يصدق عليهما، والدليل الأعم غير قال على الأخص، فيسقط الاستدلال. قلت: هذا ضعيف جدًا، فالجواب مرتب على السؤال، وهو: نبيذ التمر هل يتوضأ به؟ فقد عين الحالة الواحدة، فإن من شرط الجواب أن يطابق السؤال (١٦)

стр. 226

ومن القسم الأول ايضاً أنه قال ﷺ : "الخير بيديك، والشر ليس إليك" (١٧)، فاستدلت المعتزلة على الأشعرية به، من حيث إنه سَلْبٌ عام، فنقول: قوله ﷺ : "ليس إليك" يحتمل أن يكون كما قلتم - ليس منسوبًا إليك، ويحتمل أن يكون ليس قُرْبةً إليك، وهذا لأن الملوك يتقرب إليها بالشر، إلا الحق (١٨)، وهما (أي الاحتمالان) على السواء، فيسقط الاستدلال (١٩). قلت: قوله ﷺ : "الخير بيديك" يرجح احتمال المعتزلة، ويضعف الاحتمال الآخر، فأين السواء؟ ومن القسم الأول قوله ﷺ في المُحْرِم الذى وقصَت به ناقته: "لا تمسوه بطيب، فإنه يُبْعَثُ يوم القيامة ملبيًا، هل النظر إلى صفته، فيكون كل

стр. 227

مُحْرم يتفق له الموت على حالة الإحرام كذلك، أو هذا متعلق بعين ذلك المحرم؟ يحتمل المعنيين) (٢٠). قلت: هذا أقرب شيء لهذا القسم، بخلاف المثالين الأولين. ومن القسم الأول أيضاً قالت الحنفية: لا يجوز أن يوتر بركعة واحدة بل بثلاث بتسليمة واحدة، لنهيه ﵊ عن البتراء، وهي الركعة الواحدة المنفردة (٢١)، قلنا: يحتمل ما قالوه، ويحتمل أن يريد ركعة منفردة ليس قبلها شيء، والاحتمالان ظاهران. قلت: الاحتمالان ظاهران، ويترجح ما قلناه بالحديث الآخر: "فإذا خشى أحدكم الصبح فليصل ركعة واحدة توتر له ما قد صلى". ومن القسم الثاني قوله ﵊ لمن أسلم على عشر نسوة: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (٢٢). قال أبو حنيفة: إن عقد عليهن عقودا مرتبة لم يجز له أن يختار من المؤخَّرات، لفساد العقد عليهن، والخيار في الفاسد لا يجوز. وإن كان عقد عليهن عقدًا واحدًا جاز له الخيار لعدم التفاوت بينهن، وسوَّى

стр. 228

مالك والشافعي, لأنه ﵊ أطلق في القضية ولم يستفصل، فكان ذلك كالتصريح بالعموم، ولو أراد أحد القسمين لاستفصل. فإن قيل: لعله عَلِمَ حال غيلان، قلنا: الأصل عدم العلم. وأيضًا فهذه قضية يتقرر حكمها بحسب الكل لا بحسب غيلان، ومثل هذا شأنه البيان والإِيضاح. ومن القسم الثانى أيضًا قوله ﵊ للمفَرط في رمضان: "أعتق رقبة"، فهو ظاهر في وجوب الإعتاق، ولا إجمال فيه من حيث احتمال الرقبة أن تكون سوداء أو بيضاء، أو ذكرًا أو أنثى، وهذا لأن الاحتمالات في محل الحكم لا في دليله (٢٣). ومنه أيضًا قوله ﷺ : "إذا شهد عدلان فصوموا وأمسكوا"، فالعدلان يحتمل أن يكونا عربيين أو عجميين، أو شيخين، أو غير ذلك فلا يعتير, لأن الاحتمال في محل الحكم لا فى الدليل (٢٤). ومنه أيضاً قول الله : "فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم"، والمرجوع إليه يحتمل المشرق والمغرب وغير ذلك، فلا اعتبار به، فظهر الفرق بين المعنيين، والله أعلم (٢٥).

стр. 229

القاعدة الرابعة: (٢٦) نقرر فيها الفرق بين الاستثناء من النفي فى الشرط, ومنه في غير الشرط، فنقول: الاستثناء من النفي فيما عدا الشرط إثبات، إذ لو لم يكن كذلك لما كان قولنا: لا إله إلا الله قولاً مثبِتًا للتوحيد، وذلك باطل، فالقول بأن الاستثناء من النفى ليس بإثبات، باطل. وأما أنه في الشرط ليس كذلك، فذلك لما تقدم تقريره من أن السبب هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. نعم وجود المشروط متوقف على وجوده، والمانع بالعكس من الشرط، وقد مضى هذا مقررًا أول الكتاب. ومن حيث هذا الاعتبار كان قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة إلا بطهور" (٢٧) لا يلزم منه قبول الصلاة بالطهارة, لأنها قد لا تقبل، لفقد سببها، وهو دخول الوقت مثلاً. أو لغير ذلك. وكذلك قوله عليه الصلاة

стр. 230

والسلام: "لا نكاح إلا بولي" (٢٨)، لا يلزم من بطلان النكاح بلا ولي لفقد الشرط، صحة النكاح لوجود ذلك الشرط الذي هو الولي، وكذلك قوله ﵊: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٢٩). لا يقتضي حصول الصحة أو الفضيلة له إذا صلى في المسجد، لجواز أن يصليها في المسجد وتكون باطلة. والسر في ذلك كله واحد، وهو أن الشرط لا يلزم من وجوده شيء. قلت: هذا ما قرره شهاب الدين رحمه. وحقه أن يقول: الاستثناء من النفى إثبات في الشرط مطلقًا، وفي الْأَيمان عند مالك ومن قال بقوله، فإنه قال في فرق آخر، وهو الثاني والسبعون (٣٠)، هذا، فقال ﵀: ذهب مالك إلى أن الاستثناء من النفى ليس بإثبات فى الأيمان، وذهب غيره إلى أنه إثبات. فمالك يقول: إذا قال أحد: والله لا لبست ثولاً إلا كتانًا، إذا لبس الكتان فلا حنث عليه، وإذا لبس غيره حنث، فإذا جلس عريانًا فلا يحنث عنده، ويحنث عند غيره بأن يجلس عريانًا، وبأن يلبس غير الكتان، وهذا لأن الكتان قد استثني من النفى السابق، فيكون إثباتا، فيكون كلامه جملتين: جملة سلبية، وجمله ثبوتية بحسب ما قبل الاستثناء وما بعده. وقد دخل القسم عليهما فيحنث بوجهين. وعند مالك لا يحنث إذا بقي عريانًا، وإنما يحنث إذا لبس غير الكتان. ولنا وجوه:

стр. 231

الأول أنّ إلّا تُسْتَعمل للإخراج وللوصف كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٣١)، فهي ها هنا للوصف لا للإخراج، فلا ثبوت بها بعد النفي (٣٢). الثاني أنا لو سلمنا أنها للإِخراج نقول: القسم يحتاج في جوابه إلى جملة واحدة، وقد حصل بقوله: لا لبست ثوبًا، إذ لو سكت ثمة لكان مجزيا، والأصل عدم تعلقه بالجملة الثَّانية التي بعد إلا، وإذا لم يتعلق بها القسم كان لبس الكتان غير محلوف عليه، فلا يحنث إذا جلس عريانًا، وهو المطلوب. قلت: ليس المطلوب الحنث ولا عدمه هنا، إنما الطلوب الاستثناء من النفى، إثبات أم لا؟ ، والحِنْثُ وعَدَم الحِنْثِ من لوازم ذلك. وهذا الدليل الثاني جاء لا على المطلوبِ الذى وقع فيه النزاع. ثم أنه قد مضى لنا فيما تقدم من القواعد أنه إذا أضيف مالا يستقل بنفسه إلى ما استقل بنفسه صيَّر المستقِل غير مستقل. فأنت إذا قلت: والله لا لبِست ثوبًا، هُوَ وإن كان مستقلاً، إذا قلت: إلَّا كتانا صار غيرَ مستقل، وكذا الشرط، ومع هذا كيف يقال هذا الذي ذكره هنا؟ والله أعلم. قال: الثالثُ: سَلّمنا أنه (أي الاستثناء من النفى) يتناول الجملتين، لكن الاستثناء في هذه الصورة عندنا من إثبات فيكون نفْيًا. بيانه أن معنى الكلام أن جميع الثياب محلوف عليها إلا الكتان، فكأنه قال: أحْلف عليه, لأن الاستثناء من الحلف الذى هو ثبوتي يكون نفْيًا، وإذا كان الكتان غير مُقْسمٍ عليه لا يحنث بتركه وهو المطلوب.

стр. 232

مسألة: حكى ابن العربي (٣٣) أن رجلين كانا يلعبان الشطرنج، فقال أحدهما: والله لا لعبتُ غيرَ هذا الدَّسْتِ، فجاءَ رجل ونفَض الرقعة، وجهلا ترتيبها، فامتنعَ من تكميل ذلك الدست، (٣٤) فسأل الفقهاء، فاختلفوا في تحنيثه على قولين، واختار أبو الوليد الطرطوشي عدم حنثه. قلت: وهذه هي المسألة بعينها، فقال أبو الوليد (اي ابن رشد الجد). بقول مالك. مسألة: لو قال: والله لأعطينك في كل يوم درهمًا من دَيْنك إلا في يوم الجمعة، فأعطاه في يوم الجمعة مع سائر الأيام، فإن الخلاف المتقدم يجري فيه وإن كان استثناء من إثبات, لأن إلا بمعنى سِوىَ، ولا يفهمون من قول هذا القائل أنه منع نفسه من الإعطاء في يوم الجمعة، بل استثناه توسِعَةً، وأن المقصود أنه لو أعطى فيه لم يضُرّه، وإنما المقصود من اليمين أنه لا يخِلُّ بالإِعطاء في غير يوم الجمعة، هذا المقصود باليمين لا يوم الجمعة. (٣٥). قلت: وذكر أيضا صاحب الفروق فرقًا آخر، وهو التاسع والعشرون والمائة (٣٦) في قاعدة الاستثناء وقاعد المجاز، ورأيت إلحاقه بهذه القاعدة، بل كان

стр. 233

الأظهر أن لو بدأتُ بهذا الفرق، ولكنه لم يظهر لي هذا إلا بعد الكتب لما قبله، فنقرر أولا معنى الاستثناء فنقول: الاستثناء: إخراج ما وجب دخوله تحت اللفظ الأول بإلا أو ما يقوم مقامها. والمجازُ هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما. ثم إنهما بحسب مواردهما، كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه، وأخصُّ من وجه. وضابط الأعمِ من وجهٍ والأخص من وجه أن يكون كل واحدٍ منهما بوجهٍ منفردًا ومع الآخر، فينفرد كل واحد منهما بصورة ويجتمعان بصورة، كالحيوان والأبيَض. ومثال الصورة التي يدخلها الاستثناء دون المجاز، فإنه لا يصح فيه، أسماءُ الأعداد، فلا يجوز إطلاق العشرة ويريد بها أقل من ذلك أو أكثر، ويجوز الاستثناء. ومثال الصورة التي يدخلها المجاز ولا يدْخلُها الاستثناء، المعطوفاتُ، إذا قال أحدٌ: رأيتُ زَيدًا وعَمْرًا إلا عمرًا، لا يجوز، لما فيه من الاستغراقِ، بخلاف أعْطه ثلاثة دراهم. إلا درهمًا. ويجوز المجاز في المعطوفات، وذلك بأن يريد الثاني غير الأول، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾. (٣٧)، هذا في الألفاظ المترادفة. وفي المتباينة كقولك: رأيت زيدًا والأسدَ، وتريد بالأسَدِ زيدًا لشجاعَتِهِ. ومثال اجتماعهما في صحة الدخول والاستعمال، كأن تقول: رأيت إخوتك إلا زيدًا، وتقول: رأيت إخوتك، وأنت تريد دار إخوته أو أمِيرَ إخوتِهِ، أو ما أشبه ذلك، فالعمومات (٣٨) يجوز فيها الوجهان، وكذلك الظاهر الذي ليس

стр. 234

بعامٍّ، نحو لفظ الأسد والفرس. وجميع أسماء الأجناس يدخلها المجاز والاستثناء. فقد ظهرت لك هذه الصور، وهذا هو معنى الأعم والْأخص، ويفيد هذا نفعا عظيمًا في الأيمان والطلاق وغيرهما. فإنَّ من استعمل واحدًا منهما في مكان لا يجوز بطل استعمالُه فيه، ولزمه أصل الكلام الأول بمقتضى وضع اللغة. القاعدة الخامسة (٣٩) نقرر فيها الفرق بين ما يدخله المجاز في الأيمانه، وبين مالا يدخله المجاز (٤٠) والتخصيص فنقول: الألفاظ على قسمين: نصوص وظواهر: فالنصوص قسمان: الأول أسماء الأعداد، نحو الخمسة والعشرة وغير ذلك فلا يدخلها المجاز، كأن تطْلق تسعة وأنت تريدُ بها عشرة، ولا التخصيص، كأن تطلقَ تِسعةَ وأنت تريد بها خمسة، والتخصيص مجاز إذا نظِر بأنَّه استعمال اللفظ لِغَيْر ما وضع له، ولكنه فيه إبقاء بعض، فالتخصيص أخصُّ من المجاز، فكل تخصيص مجاز، وليسَ كل مجاز تخصيصا. والقسم الثاني: الإسْمان الكريمان: اللهُ والرحمان، لا يجوز استعمالهما فى غير الحق جل وعلا، فالمانع من هذا القسم شرعي, ومن الأول لغوي. وأما الظواهر فهي ما عدا هذين القسمين من العمومات وأسماء الاجناس، فيجوز المجاز فيها والتخصيص.

стр. 235

لكنه يرِدُ علينا سؤالٌ، وهو أن اسم العدد جاء فيه المجاز، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ (٤١)، قال العلماء: المراد الكثرة كيف كانت، وكذلك قوله تعالى: "سَبعُين ذِراعًا" (٤٢)، أي طويلة جدًا، فخصوص السبعين ليس مرادًا، بل المراد المراتُ الكثيرة جدًا. ومن كلام الناس: سألتك ألف مرة فما قضيتَ لي حاجة. فعلى القاعدة المقررة في الموضعين: إذا حلف ليَعتَقن ثلاثة عبيد اليوم، فأعتق عبْدَيْن، وقال: أردتُّ بذلك عبْدَين لم تُفِدْهُ نيتُه، وحنث إذا خرج اليومُ ولم يَعتِقْ الثالثَ. فإذا قال: والله لأعتقن عبدي (٤٣) وقال: أردت بالعتق البيع، وبالعبيد الدواب لأفاده ذلك, لأن المجاز هنا يصلح، وهنالك لا يصلح. فإذا قال: والله لأعتقن ثلاثة عبيد، وقال: أردتُّ به بيع ثلاث دواب جاز, لأن المجاز لا يمنع فيها إلا من حيث العدد. ونظيره من الطلاق: أن يقال: أَنْتَ طالق ثلاثا، فلا يفيده أن يريد بذلك طلقتين، فإن قال: أردت بذلك أنك طلقت من الولادة (٤٤) ثلاث مرَّات أفادهُ. وقد أشكل ذلك على ناسٍ فقالوا: أفادته النية في الكل، ولم تُفده في البعض، وهو خَلاف القواعد.

стр. 236

وجوابه أن النية إنما أثرَتْ في لفظ المعدود فقط وهو الطلاق، وأما اسم العدد فباق على حالة، غير أنه لما تغير المعدود وانتقل، انتَقَل العدد معه على حالة، وهو ثلاث من غير تغيير لمفهوم الثلاث. فالمجاز كان خاصًا باسم الجنس لا بالعدد. وكذلك ايضا لو قال: واللهِ أو الرحمان، وقال: أردت بذلك بعض المخلوقات، من باب إطلاق الفاعل على أثره، لما بينهما من العلاقة لم ينفعْه، ولزمته الكفارة، بخلاف ما لو قال: والعليم والعزيز، وقالَ: أردت بعض المخلوقات، لكان له ذلك، ولم يلزْمه كفارة، وإنما لا ينفعه هذا في الاسمين خاصةً، لما تقدَّمَ من أنَّهما نصانِ شرعًا، كما أن أسْماءَ الأعداد لا يكون فيها المجازُ لغةً. القاعدة السادسة (٤٥) نقرر فيها الفرق بين استثناء الكل من الكل، وبين استثناء الوحدات (٤٦) من الطلاق، ونقرر فيها ايضا الفرق بين الاستثناء من الذوات والاستثناء من الصفات (٤٧) فنقول: إعْلَمْ أنَّهُ قد تقدم أن من شرط الاستثناء أن لا يكون مستغرقا, ولأجْل ذلك لم يَلحق المعطوفات، فلا يجوز: قام زيد وعمرو وخالد إلا خالدًا, لأنَّ فيه الاستغراق. وعلى سياق هذا يجب أن لا يجوز: أنت طالق واحدة وواحدة وواحدة

стр. 237

إلَّا واحدة, لأنه استثنى جملة المنطوق به وهو المعطوف. غير أن الأصحاب جوزوه، وما علمت فيه خلافًا، ويعللونه بأن الثلاث لها عبارتان: أنت طالق ثلاثًا، وأنت طالق واحدة وواحدة وواحدة، فكما يصح من الجارة الواحدةِ يصح من الأخرى. قال شهاب الدين ﵀: ويلزم على سياق هذا التعليل - إذا قال: لِلَّه علي درهم ودرهم ودرهم إلا درهمًا - لا يلزمه إلا درهمان, لأن الدراهم والدنانير لا تتعيَّن وإن عُيِّنت. وأما الاستثناء من الذوات فكأنْ يقول مررت بالقوم إلا زيدا. وأما الاستثناء من الصفات فيتصور بوجوه مختلفة: أحدها أن يستثني جملة الصفة، كقولك: أنتِ طالقٌ واحدةً إلا واحدة. الثاني أن يستثني بعض الصفة كقوله تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ (٤٨). الثالث أن يستثنى بعض متعلقها كقول الشاعر: قاتل ابن البتول إلَّا عليّا، فإن المراد أنَّ فاطمة ﵂ بَتلتْ نفسها عن الأزواج إلا من علي فقط. وذكر شهاب الدين ﵀ هنا مسألة فقهية، هي: إذا قال: أَنْتَ طالق واحدةً إلا واحدةً، معناه طلقة واحدة، فهنا مصدر موصوف، فإن قَصد رفْع الصفة دون الموصوفِ، فقد رفع بعض ما نطَق به. فيلْزَمُهُ طلقتَان, لأنه رفع بعض ما نطق به. ومَعَنا قاعدة عقلية، وهي: أن كل ضِدين لا ثالث لهما، إذا رفع أحدهما تَعَيَّنَ ثبوتُ الآخَر، فهو لمَّا رفع الواحدة

стр. 238

ثبتت الكثرة، والكثرةُ محصورة في اثنتين، فلو قصد رفع الموصوفِ لم ينفعه الاستثناء، لما تقدم من الاستغراق. (٤٩) القاعدة السابعة (٥٠) نقرر فيها الفرق بين العرف القولي، يُقضَى به علي الألفاظِ وَيخصِّصها، وبيْن العرف الفِعْلى، لا يُقضَى به على الألفاظِ ولا يخصصا. فالعرف القولي - أولًا - يكون في الفرد كالدابة للحمار، والغائط للنجْوِ، ويكون في المركبات كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٥١)، و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (٥٢)، هذا وأمثاله كان أصلُه في اللغة أن يستعمل مع الأفعالِ لا معَ الأعيان، فيقال: حُرِّم عليكم أكل كذا وما أشبه ذلك، ولكن العُرف غلبَ عليه حتى كان يضاف إلى الأعيان، والمراد الأفعال الضافة إليها, وليس المراد كل الأفعال، بل أفعال خاصة. ومن ذلك قولهم في العُرف: أكلت رأسا، فهم يريدون رؤوس الأنعام دون غيرها إذا استعملوا الأكل معها، بخلاف ما إذا قالوا رأيت رأسًا فهم يركبونه مع رؤوس الأنعام وغيرها. ومن هذا الباب قولهم: قتلَ زَيْدًا عَمْرًا، هو في اللغة موضوعٌ لإذْهاب الحياة، وغلب استعماله في بلاد المصريين على الضرْبِ خاصة. فيقولون: قتلتُه مائة قتلة، أي مائة ضربةٍ. ومن هذا الباب: فلانٌ يعصر الخمر، وإنما يعصر العنب

стр. 239

لغةً، ومن هذا الباب قَتلَ فلانٌ قتيلا، وطحن دقيقا، والقتيل لا يُقْتَل، والدقيق لا يُطْحَن بحسب اللغة. فأهل اللغة يقدِّرون مضافًا محذوفا، به يصح عندهم الكلامُ، وأهل العرف لا يعرجون على هذا, ولا يقَدِّرُون شيئاً، وصار هذا قد غلب على معنى صحيح عندهم في غير تقديرهم حذفًا، وقد يجتَمع المجازُ في التركيب والمفرد معا، كقولك: أرْوَاني الخُبْزُ، وأشْبَعنى الماءُ، والثاني مجاز في التركيب فقط، والأول مجاز في المفرد فقط. ثم هذه المجازات غَلَبَتْ عُرفا حتى صارت مقدَّمة على الحقائق اللغوية وناسخةً لها، فهذا هو معنى قولنا: العُرف القولي يُقْضى به على الألفاظ ويخصصها (٥٣). وأما العُرف الْفِعْلي فمعناه أن يوضع اللفظ لمعنى يَكْثُرُ استعمال أهل العُرف لبعض أنواع ذلك المسمى دون بقيَّتةِ. مثاله أن لفظ الثوب صادقٌ لُغَةً على ثياب الكتان والقطْن والحرير والوَبَر والشعَر، وأهل العرف إنما يستعملون الكتان والقطن والحرير دون الوبر والشعر، فهذا عرف فِعلي. وكذلك لفظ الخبْزِ يصدق لغةً على خُبْز الفُولِ والحِمّص وغير ذلك، ولا يصْدُق عليهما بحسب العُرْف، فوقوع الفِعل في نوع دون نوع لا يُخِلُّ بوضع اللفظ للجنس كله. وقد نقل بعض الناس الإجماع في أن العُرف الفعلي لا يؤثر، بخلاف العرف القولي. (٥٤). قال شهاب الدين ﵀: ولنذكر مسائل تُوَضح الفرق بينهما. المسألة الأولى: إذا فرضنا مَلِكًا أعْجَميا يتكلم بالعجمية، وهو يعرف اللغة العربية، غير أنه لا يتكلم بها لثقلها عليه، فيحلِفُ أن لا يأكل خُبزُا، ولا

стр. 240

يلبَسَ ثوْبًا، فحلف بهذه الألفاظ التي تجْرِ لهُ عادة باستعمالها، وعادَتُهُ في غذَائهِ لا يأكل إلا خبزَ الشعير، ولا يلبس إلا ثياب القطن، فإنَّا نُحنِّثُهُ بأي ثوب لبسه، وبأي خبز أكَلَهُ، فلا نَلتفِتُ للعرف الفعلي، ولم يكن له عرْفٌ قولي يِخصص، فلزم حِنْثُهُ لما قلنا، والله الموفق للصواب. (٥٥) المسأله الثانية: إذا قال الحالف: والله لا آكل رؤوسا. قال ابن القاسم: يحنث بجميع الرؤوس، وقال أشهب: لا يحنث إلا برؤوس الأنعام خاصة. فأشهب رأى أن اللفظ صار منقولاً عُرْفا إلى رؤوس الأنعام، وابن القاسم قال: ما بلغ حد النقل وإن كان كثر استعمالهم لذلك، لكنه بقى مجازًا على نوع كَثُرَ استعماله كالأسدِ للشجاع. (٥٦). قلت: وقد مضى لنا قاعدة الفرق بين المنقول وما كثر استعماله، وأن كثرة الاستعمال لا توجب النقل. وضابط ما بينهما فهْم المعنى بالقرينة أوْ دُون القرينة، فالتوقف على القرينة مجاز، والآخَرُ منقول، وهذا هو سببُ الخلاف بين ابن القاسم وأشهب، ولم يلتفت واحد منهم إلى العرف الفعلي ولا عرَّج عليه، وإنما هما مع تحقق النقل، وجِدَ أمْ لا؟ . (٥٧)

стр. 241

المسألة الثالثة: إذا حلف بأيمان المسلمين فحنِث، فمشهور فتاوى الأصحاب أنها تلزمه كفارة يمين، وعتق رقيقه وإن كثروا، وصومُ شهرين متتابعين، والمشىُ إلى بيت الله في حج أو عمرة، وطلاق امرأته، واختلفوا، هل يكون ثلاثًا أو واحدة، والتصدق بثلث المال، ولا يلزمه غير ما ذكِر. والسببُ في ذلك أن العادة جرتْ بالحلف بهذه الأشياء دون غيرها، إلا أن هذه الأشياء تُفْعل، وغيرها لا يُفْعَلُ، فالاعتبار عندهم للعرف القولي لا للعرف الفعلي. قال شهاب الدين ﵀: وينبغى للمفتى ألا يطردَ الفتوى أبدًا بهذا، بل يعتبر العرف، إن تغير تغيرت فتواه لأجله، وكذلك الاقاليم المختلفة لا يفتيهم حتى يعرف عُرْفهم، وبحَسَبِه يجيبُ، وإلَّا كان فعله خطأ، وبهذا الوجه يصير التصريحُ في الطلاق كِنايَةً، وتصير الكناية صريحًا، (٥٨) والله أعلمُ. ومثل هذا إذا قال: أيْمَان البيْعَة تَلْزَمُني، يُنظَرُ إلى عُرفه في العصْر وفي

стр. 242

الوضع الذي كان فيه هذا الحالف، فما كانوا يحملون عليه تلك اليمين لزمه، كالأيمان تلزمه، وإن تغيرتْ العادة تغيرت الفتوى، وإن لم يكن الأمر كذلك، اعتبرت نيتُهُ أو بِساط يمينه، فإن لم يكن شيء من ذلك فلا شيء عليه. (٥٩). المسألة الرابعة، قال شهاب الدين: الْأَكْثرُ من الأصوليين يحملون اللفظ العام على عمومه (٦٠) لا يقصُرونه على سببه، وقال عز الدين بن عبد السلام: ينبغى أن يُسْتَثْنى من هذا ألا يكون السبب شرطًا، فإنه يُحْمَل على سببه، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ (٦١) والله أعلم.

стр. 243

القاعدة الثامنة (٦٢) نقرر فيها الفرق بين النية المخصصة وبين النية المؤكدة. وقد وقع الغلط للفقهاء بسبب عدم تحقيق هذه القاعدة، فالحالف إذا جآءهم وقال: حلفتُ لا لبِست ثوبًا ونويتُ الكتان يقولون له: لا تحنثُ بغير الكتان. وهو خطأ بالإِجماع. وطريق كشف الغطاء في ذلك أن الحالف إذا أطلق اللفظ العام وقد نوَى جمج أفراده فلا كلام أنه حانث بكل فَرْدٍ من الأفْرَادِ، لوجود اللفظ العام والنية الموكِّدَة لصيغة العموم، فإن اطلق اللفظ العام من غير نية، ولا بساط، (٦٣) ولا عادة مقيدة حنَّثْناه كذلك، للوضع الصريح، فإن أطلق اللفظ العام ونوى بعض

стр. 244

مقتضاه وغفل عن البعض الآخر حنثناه في الذي نوى، بمقتضى اللفظ والنية المؤكدة وحنثناه في الذي خول عنه بمقتضى عموم اللفظ، فإن أطلق ونوى بعض مقتضاه وإخراج البعض الآخر حنثناه بما نوى دون ما أخرج، فهذه هنا نية مُخصِّصَةٌ، وظهر لك ايضا النية المؤكدة وما يترتب على كل واحدة (٦٤). فقد ظهر لك الفرق بين أن يقصد إخراج البعض وبين أن يغفل عن البعض، وكان هذا من حيث إن المخصص، من شرطه أن يكون نافيا للعام، وإلا لم يكُنْ مخصِصا، فإذا نوى البعض وأخرج البعض فالمنافاة حاصلة، فيقال لهذه: نية مخصصة، وإذا نوى البعض وغفل عن البعض فلا منافاة، بل هو مؤكد للبعض المنوى، وبحسَبَ البعض الآخر لا أكَّدَه ولا نفاه، فلم يجد حقيقة اللفظ المخصص لفوات شرطه، وذلك المنافاة. (٦٥) ونظير هذا من المخصصات اللفظية أن يقول الله تعالى، أقتلوا الكفار، أقتلوا اليهود، فلا تخصيص في قوله: أقتلوا اليهود، لقوله: أقتلوا الكفار، بل مؤكد لعموم اللفظ في بعض أنواعه وهم اليهود، ولو قال لا تقتلوا الذمى كان مخصصا للعموم، ولحصول النافاة بينهما، فكذلك النية.

стр. 245

ويرِدُ على هذا أن قول القائل: والله لا لبست ثوبًا كتانا، وهو غافل عن غير الكتان فإنه لا يحنث بغير الكتان إجماعًا، فكذلك ما نحن فيه. قال شهاب الدين ﵀: هذا القياس باطل، بسبب قاعدة تقدَّم تقريرها، وهي أن ما لا يستقلُّ بنفسه إذا أضيف إلى ما يستقل بنفسه صيَّره غير مستقل بنفسه، وهذا كقولهم: عندي عشرة دراهم إلا درهمًا (٦٦)، وإذا كان هذا هكذا في الاقرارات ففى الأيمان أحْرى. وإذا كان الأمر كذا فلا عموم فيه، وإنما العموم في قولك: والله لا لبست ثوبًا، فالفرق بيْنَ الموضعين بيِّنٌ، فلا قياس. فإن قلت: فلم لمْ تُجعَلْ الصفة اللاحقَة للعموم مؤكدةً للعموم في بعض أنواعه، وهو الكتان، (٦٧) ويبقى اللفظ على عمومه في غير الكتان فيحنث بغيره كما قلتم في النية، فالتأكيد كما يتصور بالنية يتصور باللفظ، وإن يَجئ اللفظ مؤكدا لكثير (٦٨) فقد جاء بالحروف وبالأسماء وبالأفعال وبالجمل (٦٩).

стр. 246

قلنا: الفرق بين الصفة والنية أن الصفة لفظ له مفهوم (اي مفهوم المخالفة)، بخلاف النية، فكان دالا بمفهومه على عدم اندراج غير الكتان في اليمين، والنيةُ لا تدل كذلك. فإن قلت: اعتمدت في الجواب على القول بدلالة المفهوم، فمن لا يقول به لا يتم له الجواب، لكن الإجماع منعقد ها هنا عند من يقول بالمفهوم، وعند من لا يقول به أنه لا يحنث بغير الكتان إذا قال: والله لا لبست ثوبًا كتانا، فيحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الصفة في غيره، فإن الصفة - ها هنا - ظهر اعتبار المفهوم فيها عند من لا يقول به في غير هذه الصورة، قلنا: الفرق عند القائل بعدم المفهوم هو أن هذه الصورة لم تستقل فيها الصفة بنفسها، فصيرت الأصل غير مستقل، ورجع الكل كلامًا واحدًا دالا على ما بقى، ومخرجا لغير الكتان. وأما إذا قال صاحب الشرع: "في كل اربعين شاةً شاةٌ"، فهذا عموم مستقل، ولم نجد معه ما يجب أن يصيره غير مستقل بنفسه، مثبت العمل بجميع أفراده، فإذا ورد بعد ذلك قوله ﵊: "في الغنم السائمة الزكاة"، (٧٠) فالقائل بأن المفهوم ليس بحجة لا يخصص ذلك العامّ به، وإنما يخصصه من يقول به، والله الموفق للصواب.

стр. 247

القاعدة التاسعة (٧١) نقرر فيها الفرق بين حمل المطلق على المقيد في الكلي، وبين حمل المطلق على المقيد في الكلية فنقول: الموجود في كتب الأصوليين كفخر الدين قدس الله روحه الخلاف في هذه القاعدة من غير تفريق، فأنكر البعض كل المطلق على المقيد، قالوا: لما يُفْضي إليه من إلغاء الدليل الدَّال على الاطلاق، وليس الأمر كذلك، بل يحمل المطلق على المقيَّد في المطلق الذي دل على القدر المشترك، وهو المسمى بالكلي، كما إذا قال الشارع: أعْتِقْ رقبَةً، وقال في موضع آخر: أعتق رقبة مومنةً، حُمل المطلق على ذلك المقيد ولمْ يكنْ إلغاءً لأحد الدليلين. وهذا من حيث ان قوله: أعتق رقبة، دلَّ على لزوم رقبة مبهمة، وذلك القدر المشترك بين سائر الرقاب، وهو المراد بالكلي، فإذا قال: رقبة مومنة، فقد أوجب رقبة من حيث القدر المشترك كما قلنا، وزاد الخصوصية، وذلك الايمانُ، فكُنَّا عاملين بالدليلين معا، وهكذا يكون

стр. 248

الأمر في الثبوت لو قال أحدٌ: جاء رجل، وقال آخر جاء رجل مومن، والجائى واحدٌ، لحملنا ذلك المطلق على ذلك المقيد، وكان تصديقا للخبرين وعملًا بهما معا، فلو كان النهيُ أو النفْي لما صحّ حمل المطلق على المقيّد، وهذا من حيث أن النكرة في سياق النفي تعُمُّ. فلو قيل: لا تُعْتق رقبة، لدَلَّ على العموم كما يدل عليه النفىُ في قولك: ما أعْتقَ رقبة، فإذا جاء اللفظ المقيَّد مع هذه، كان مخصّصا، إذ قولك: لا تُعْتق رقبة، نَهْيٌ عن عتق رقبة من الرقاب بأى وصف اتصفت. وقولك بعد هذا: لا تعتق رقبة مومنة، تخصيص للنهى بالموصوفة بذلك الوصف، والتخصيصُ خلاف التعْميم، ولا يجْمَعُ معه كما يُجمع عتْقُ الرَّقَبَة المطلَقَة مع عِتق الرقبةِ المقيَّدة بالايمان، فإن المومنة هى رقبة وزيادة، وهذا لا يتجه فيما قلناه. ومثل هذا قوله ﷺ : "في كل أربعين شاةً، شاةٌ"، فَقَوْلُه ﷺ بعد هذا: "في الغنم السائمة، الزكاة" (٧٢)، من حمل فيه المطلق على المقيد فقد أخطأ، بسبب أن المقيد خصص المطلق، وأخْرج منه المعلوفة، والعموم في قولهِ: في كل أربعين، يَقْتضي وجوبَ الزكاة فيها، فليس جامعا بين الدليلين كما هو في الصورة التي قبلها. وهنا يصدق قول المعترض: فيه إلغاء أحد الدليلين، وإنما يرجع مثل هذا إلى قاعدة أخرى، وهى تخصيص العموم بذكر بعضه، والصحيح عند العلماء أنه باطل، ولا يتخصص بذلك، لأن البعض لا ينافي الكل، فظهر من هذا أن حمل المطلق على المقيد يصح في الكلي المطلق، ولا يصح في الكلية. (٧٣). إذا اتضح هذا فهنا أربع مسائل: المسألة الأولى (٧٤): ذكر شهاب الدين رحمه الله تعالى: أنه سمع قاضي القضاة صدر الدين الحنفي ﵀ يقول يوما: إن الشافعية تركوا أصلهم

стр. 249

في حمل المطلق على القيد لا لموجب، وذلك فيما ورد عن رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب"، وورد أولاهن بالتراب، فكان حقهم أن يقيدوا إحداهن بأولاهن، قال شهاب الدين ﵀: فأجبته بأنهم ما خرجوا عنه إلا لموجب، وذلك أنه جاء أولاهن بالتراب، وجاء: "أخراهن بالتراب"، فلما تعارض التقييدان لم يكن تقييدهم بأحد القيدين أولى من الآخر، فأبقوا المطلق على إطلاقه. المسألة الثانية. جاء عن النبى ﷺ النهي عن بيع ما لم يضمن (٧٥)، وأَخذَ الشافعى بعموم هذا الحديث. وجاء نهيه ﵊ عن بيع الطعام قبل قبضه، فخصَّص أصحابنا ذلك الحديث بهذا، وجوزوا بيع الطعام قبل قبضه. ثم منهم من يقول: هو من باب حمل المطلق على المقيد، وهو لا يصح، لأن الكلية لا تقيد، إذ هو عام. ومنهم من يقول: الأول عام والثاني خاص، وهذا أيضا لا يصح، لأن من شرط المخصص للعام أن يكون منافيا له. وأما بعض الشيء فيجوز ذكره ولا يكون مخصصا، لأنه ليس منافيا لما هو له بعض، وكذلك هو ها هنا.

стр. 250

المسألة الثالثة. قال مالك ﵀: من ارتد حبط عمله. وقال الشافعي: بشرط الوفاة على الكفر. وهذا لأن قوله تعالى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٧٦) وإن كان مطلقا فقد تقَيَّدَ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. (٧٧) والجواب أن الآية الثانية لا يصح أن تكون مقيدة للأخرى، لأنها ترتب فيها مشروطان، وهما الحبوط والخلود على شرطين، وهما: الارتداد والموتُ على الكفر. وإذا كان كذلك أمكن التوزيع، فيكون الحبوط لمطلق الردة، والخلود لأجل الوفاة على الكفر، ويبقى المطلق على إطلاقه. (٧٨) المسألة الرابعة. جاء قوله ﵊: "وجُعِلَتْ لي الأرض (٧٩) مسجدا وطهورا"، وورد: "وترابُها طهورُ". فقال الشافعية: هو من باب حمل المطلق على
следующие страницы →