قلنا: الفرق بين الصفة والنية أن الصفة لفظ له مفهوم (اي مفهوم المخالفة)، بخلاف النية، فكان دالا بمفهومه على عدم اندراج غير الكتان في اليمين، والنيةُ لا تدل كذلك.
فإن قلت: اعتمدت في الجواب على القول بدلالة المفهوم، فمن لا يقول به لا يتم له الجواب، لكن الإجماع منعقد ها هنا عند من يقول بالمفهوم، وعند من لا يقول به أنه لا يحنث بغير الكتان إذا قال: والله لا لبست ثوبًا كتانا، فيحتاج إلى الفرق بين هذا وبين الصفة في غيره، فإن الصفة - ها هنا - ظهر اعتبار المفهوم فيها عند من لا يقول به في غير هذه الصورة، قلنا: الفرق عند القائل بعدم المفهوم هو أن هذه الصورة لم تستقل فيها الصفة بنفسها، فصيرت الأصل غير مستقل، ورجع الكل كلامًا واحدًا دالا على ما بقى، ومخرجا لغير الكتان.
وأما إذا قال صاحب الشرع: "في كل اربعين شاةً شاةٌ"، فهذا عموم مستقل، ولم نجد معه ما يجب أن يصيره غير مستقل بنفسه، مثبت العمل بجميع أفراده، فإذا ورد بعد ذلك قوله ﵊: "في الغنم السائمة الزكاة"، (٧٠) فالقائل بأن المفهوم ليس بحجة لا يخصص ذلك العامّ به، وإنما يخصصه من يقول به، والله الموفق للصواب.
стр. 247
القاعدة التاسعة (٧١)
نقرر فيها الفرق بين حمل المطلق على المقيد في الكلي، وبين حمل المطلق على المقيد في الكلية فنقول:
الموجود في كتب الأصوليين كفخر الدين قدس الله روحه الخلاف في هذه القاعدة من غير تفريق، فأنكر البعض كل المطلق على المقيد، قالوا: لما يُفْضي إليه من إلغاء الدليل الدَّال على الاطلاق، وليس الأمر كذلك، بل يحمل المطلق على المقيَّد في المطلق الذي دل على القدر المشترك، وهو المسمى بالكلي، كما إذا قال الشارع: أعْتِقْ رقبَةً، وقال في موضع آخر: أعتق رقبة مومنةً، حُمل المطلق على ذلك المقيد ولمْ يكنْ إلغاءً لأحد الدليلين. وهذا من حيث ان قوله: أعتق رقبة، دلَّ على لزوم رقبة مبهمة، وذلك القدر المشترك بين سائر الرقاب، وهو المراد بالكلي، فإذا قال: رقبة مومنة، فقد أوجب رقبة من حيث القدر المشترك كما قلنا، وزاد الخصوصية، وذلك الايمانُ، فكُنَّا عاملين بالدليلين معا، وهكذا يكون
стр. 248
الأمر في الثبوت لو قال أحدٌ: جاء رجل، وقال آخر جاء رجل مومن، والجائى واحدٌ، لحملنا ذلك المطلق على ذلك المقيد، وكان تصديقا للخبرين وعملًا بهما معا، فلو كان النهيُ أو النفْي لما صحّ حمل المطلق على المقيّد، وهذا من حيث أن النكرة في سياق النفي تعُمُّ. فلو قيل: لا تُعْتق رقبة، لدَلَّ على العموم كما يدل عليه النفىُ في قولك: ما أعْتقَ رقبة، فإذا جاء اللفظ المقيَّد مع هذه، كان مخصّصا، إذ قولك: لا تُعْتق رقبة، نَهْيٌ عن عتق رقبة من الرقاب بأى وصف اتصفت. وقولك بعد هذا: لا تعتق رقبة مومنة، تخصيص للنهى بالموصوفة بذلك الوصف، والتخصيصُ خلاف التعْميم، ولا يجْمَعُ معه كما يُجمع عتْقُ الرَّقَبَة المطلَقَة مع عِتق الرقبةِ المقيَّدة بالايمان، فإن المومنة هى رقبة وزيادة، وهذا لا يتجه فيما قلناه. ومثل هذا قوله ﷺ : "في كل أربعين شاةً، شاةٌ"، فَقَوْلُه ﷺ بعد هذا: "في الغنم السائمة، الزكاة" (٧٢)، من حمل فيه المطلق على المقيد فقد أخطأ، بسبب أن المقيد خصص المطلق، وأخْرج منه المعلوفة، والعموم في قولهِ: في كل أربعين، يَقْتضي وجوبَ الزكاة فيها، فليس جامعا بين الدليلين كما هو في الصورة التي قبلها. وهنا يصدق قول المعترض: فيه إلغاء أحد الدليلين، وإنما يرجع مثل هذا إلى قاعدة أخرى، وهى تخصيص العموم بذكر بعضه، والصحيح عند العلماء أنه باطل، ولا يتخصص بذلك، لأن البعض لا ينافي الكل، فظهر من هذا أن حمل المطلق على المقيد يصح في الكلي المطلق، ولا يصح في الكلية. (٧٣).
إذا اتضح هذا فهنا أربع مسائل:
المسألة الأولى (٧٤): ذكر شهاب الدين رحمه الله تعالى: أنه سمع قاضي القضاة صدر الدين الحنفي ﵀ يقول يوما: إن الشافعية تركوا أصلهم
стр. 249
في حمل المطلق على القيد لا لموجب، وذلك فيما ورد عن رسول الله ﷺ : "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا إحداهن بالتراب"، وورد أولاهن بالتراب، فكان حقهم أن يقيدوا إحداهن بأولاهن، قال شهاب الدين ﵀: فأجبته بأنهم ما خرجوا عنه إلا لموجب، وذلك أنه جاء أولاهن بالتراب، وجاء: "أخراهن بالتراب"، فلما تعارض التقييدان لم يكن تقييدهم بأحد القيدين أولى من الآخر، فأبقوا المطلق على إطلاقه.
المسألة الثانية.
جاء عن النبى ﷺ النهي عن بيع ما لم يضمن (٧٥)، وأَخذَ الشافعى بعموم هذا الحديث. وجاء نهيه ﵊ عن بيع الطعام قبل قبضه، فخصَّص أصحابنا ذلك الحديث بهذا، وجوزوا بيع الطعام قبل قبضه. ثم منهم من يقول: هو من باب حمل المطلق على المقيد، وهو لا يصح، لأن الكلية لا تقيد، إذ هو عام. ومنهم من يقول: الأول عام والثاني خاص، وهذا أيضا لا يصح، لأن من شرط المخصص للعام أن يكون منافيا له. وأما بعض الشيء فيجوز ذكره ولا يكون مخصصا، لأنه ليس منافيا لما هو له بعض، وكذلك هو ها هنا.
стр. 250
المسألة الثالثة.
قال مالك ﵀: من ارتد حبط عمله. وقال الشافعي: بشرط الوفاة على الكفر. وهذا لأن قوله تعالى ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (٧٦) وإن كان مطلقا فقد تقَيَّدَ بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. (٧٧)
والجواب أن الآية الثانية لا يصح أن تكون مقيدة للأخرى، لأنها ترتب فيها مشروطان، وهما الحبوط والخلود على شرطين، وهما: الارتداد والموتُ على الكفر. وإذا كان كذلك أمكن التوزيع، فيكون الحبوط لمطلق الردة، والخلود لأجل الوفاة على الكفر، ويبقى المطلق على إطلاقه. (٧٨)
المسألة الرابعة.
جاء قوله ﵊: "وجُعِلَتْ لي الأرض (٧٩) مسجدا وطهورا"، وورد: "وترابُها طهورُ". فقال الشافعية: هو من باب حمل المطلق على
стр. 251
المقيد. فيحمل الأول على الثاني، فلا يجوز التيمم بغير التراب، وهذا لا يصح، فإن الأول عام كلية، ولا يصح فيها حمل المطلق على المقيد، لما تقدم. وقالوا أيضا: هو من باب تخصيص العموم بذكر بعضه، وهو - أيضا - لا يجوز، لما تقرر. فأصاب الشافعي في هذه المسألة ما أصاب المالكية في بيع الطعام قبل قبضه حرفا بحرف (٨٠).
قلت: ولنذكر ها هنا أمثلة ذكرها شهاب الدين ﵀ في غير هذا الوضع، نختم بها الكلام على العموم فنقول:
قال ﵀: جرت عادة الفقهاء في الكفارات، هل هي على التخيير أو الترتيب، أن يقولوا: إذا ورد النص بصيغة أو فهي على التخيير، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أو إطعام كذا، وإن كان بصيغةِ مَن الشرطية فهي على الترتيب، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، قال: وهو غير صحيح.
بيانه أن مقتضى ما ذكروه أن يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (٨١) ألَّا يجوز إشهاد رجل وامرأتين إلا عند عدم رجلين، والإحماع على خلاف ذلك، فنستفيد من هذه الآية سؤالين عظيمين: أحدهما أن الصفة لا تقتضى الترتيب. وثانيهما أنه لا يلزم من عدم الشرط عدم المشروط، وهو خلاف الإجماع، وهو ها هنا كذلك.
فأجاب بأن قال: المرادُ في الآية انحصار الحجة التامة من الشهادة بعد الرجلين في (٨٢) الرجل والمرأتين، فإنه لا حجة تامة من الشهادة في الشريعة إلا الرجلان، والرجُلُ والمرأتان، هذا هو المجمع عليه.
وأما شهادة الصبيان وشهادة أربع نسوة عند الشافعي، وشهادة امرأتين وحدهما فيما ينفردان فيه كالولادة، فهذه الآية حجة على بطلان ذلك كله،
стр. 252
لدلالتها على الحصر، إلا أن يقال: إن الآية إنما سيقت في إثبات الديون والأموال
فقط، فلا تدل حينئذ على بطلان الصور التي ذكرنا.
وأما الشاهد واليمين، واليمين والنكول، وغير ذلك، فلم تكمل فيه الحجة من الشهادة، بل لا شهادة فيه البتة، كالنكول واليمين، أو بعضه شهادة فقط كالشاهد واليمين، فلا توجد حجة تامة مجمع عليها إلا ما في الآية، فإذا فرض عدم إحداهما تعيَّن الحصر في الأخرى.
وإذا وضح لك أن الشرط كما يستعمل للترتيب فكذلك يستعمل لإثبات الحصر، والكل حقيقة لغوية. فيكون التعليق أعم من الدلالة على الترتيب، والدال على الأعم غير دال على الأخص، كالحيوان لا يدل على الإنسان، فلا يستقيم الاستدلال بصيغة التعليق، التي هى أعم من الترتيب. على الترتيب، بل لابد من قرائن أخرى، والله الموفق للصواب.
стр. 253
المفهوم ، وفيه ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى (١)
في الفرق بين إثبات النقيض في المفهوم وبين إثبات الضد فيه، فنقول:
- مفهوم المخالفة (٢) هو إثبات نقيض الحكم المنطوق للمسكوت، لا إثبات ضد المنطوق. (٣).
стр. 254
وبيان ذلك بحسب أقسام مفهوم المخالفة، وهى عشرة:
١) الأول مفهوم العلة، نحو: "ما أسكر كَثِيرُهُ فهو حرام"، مفهومه ما لم يسكر كثيره فليس بحرام.
٢) ومفهوم الصفة: "في النعم السائمة الزكاة"، مفهومه ما ليس بسائمة فلا زكاة فيه.
٣) ومفهوم الشرط: "من تطهر صحت صلاتُه"، مفهومه من لم يتطهر لا تصح صلاته.
٤) ومفهوم المانع: لا يسقط الزكاة إلا الدين، مفهومه أن من لا دين عليه لا تسقط عنه.
٥) ومفهوم الزمان، سافرت يوم الجمعة، مفهومه لم يسافر في غيره.
٦) ومفهوم المكان: جلست أمامك، مفهومه لم يجلس عن يمينك".
٧) ومفهوم الغاية: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٤) مفهومه لا يجب بعد الليل.
٨) ومفهوم الحصر: "إنما الماء من الماء" (٥)، مفهومه لا يجب من غير الماء
стр. 255
٩) ومفهوم الاستثناء: قام القوم إلا زيدا، مفهوم ذلك أن زيدا لم يقم.
١٠) ومفهوم اللقب: وهو تعليق الحكم على أسماء الذوات، مفهومه لا يجب في غير الغنم، عند من قال بهذا المفهوم، وهو أضعفها.
ومفهوم اللقب - وهو تعليق الحكم على أسماء الذوات، نحو في الغنم الزكاة، مفهومه لا يجب في غير الغنم عند من قال بهذا المفهوم، وهو أضعفها.
القاعدة الثانية: (٦)
نقرر فيها الفرق بين مفهوم اللقب وغيره من أقسام مفهوم المخالفة.
لم يقل بمفهوم اللقب إلا الدقاق، (٧) والأقسام الأُخَرُ قال بها كثير، منهم مالك والشافعي، فنقول:
اللقب. أصله أن يقع على أسماء الأعلام ومما أجري مجراها لا على أسماء الأجناس، وإذا كان كذلك فاللقب لا إشعار له بعلة الحكم، وسائر أقسام المفهوم لها إشعار بعلة الحكم.
والقاعدة أن عدم عِلةٌ الحكم علة لعدم الحكم، فإن عدم العلة علة لعدم المعلول، وهذا ظاهر فى الأعلام، فاذا قلت: أكرم زيداً فلا رائحة له بالتعليل، وكذلك إذا قلت.: زكِّ الغنم، فلا رائحة أيضا في ذلك بالتعليل.
القاعدة الثالثة (٧ م)
في الفرق بين المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب.
стр. 256
الذي عليه الأصوليون أن الوصف الذى خرج مخرج الغالب لا يكون حجة، والذي لم يخرج مخرج الغالب هو حجة، وهذا كقوله (أي النبي ﷺ ): "في سائمة الغنم الزكاة"، (٨) وذلك أن الغالب على الغنم الرعيُ، والعلْف فيها قليل، ولا سيما ببلاد الحجاز، وهذا كان حجة دون الآخر (٩) من حيث إن الوصف إذا كان غالبا يذكر مع الحقيقة، غلب على الظن أن سبب ذكره ما هو إلا غلبة حضوره في الذهن عند ذكر الحقيقة من حيث تلازمهما في الذهن، فيسبق ذكره على اللسان لذلك، لا لغرض آخر للمتكلم، ولو كان الوصف ليس كذلك لسبق للذهن أن ذكر ذلك لغرض، وسَلْبُ الحكم عن المسكوت عنه يصلح أن يكون غرضه، فحملناه عليه حتى يصرح بخلافه، لأنه المتبادر للذهن من هذا التقييد، فهذا هو الفرق وعلى هذا، من أن، الغالب لا يعتبر، انعقد الإجماع (١٠).
стр. 257
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ من الشافعية يورد على هذا سؤالا ويقول: الوصف الغالب أَولى أن يكون حجة مما ليس بغالب، من حيث أن الوصف الغالب على الحقيقة لا فائدة في ذكره للسامع، لأنه عالم به، إلا أن يقال: كان ذلك لغرض أن يبقى كذا، أعنى سَلب الحكم عن المسكوت عنه، وأما إذا لم يكن غالبا فقد يحتاج السامع أن يعلم أن ذلك الوصف لتلك الحقيقة.
قال شهاب الدين ﵀: وأُورد لك ثلاث مسائل، توضح لك القاعدتين والفرق بينهما.
المسألة الأولى (١١): استدل الشافعية بقوله ﷺ : "في الغنم السائمة الزكاة" على أن لا زكاة في المعلوفة، ولا دليل لهم، لما قلنا من أن الوصف الغالب لا حجة فيه إجماعا، وأيضا فهو متروك، لقوله ﷺ : "في كل أربعين شاةً، شاةٌ".
المسألة الثانية: قوله ﷺ : "أيما امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (١٢) مفهومه أنه إذا أذِن لها وليها صح نكاحها، وهذا المفهوم مُلغى، بسبب أنها لا تُنكِح نفسها إلا ووليها غير آذن لها غالبا، فكان ملغى.
стр. 258
المسألة الثالثة: (١٣)
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (١٤)، مفهومه أنكم إذا لم تخشوا الإملاق لم يحرم عليكم القتل، وهو مفهوم مُلْغىً إجماعا، بسبب أنه قد غلب في العادة أن الإنسان لا يقتل ولده إلا لضرورة، لأن حنة الأبوة تمنع القتل، فكان الغالب عليهم في القتل أنه كان مخافة الفقر.
стр. 259
الخبر ، وفيه قاعدتان: (١)
القاعدة الأولى:
في الفرق بين الرواية والشهادة ، (٢) فأقول:
لا شك أنهما اجتمعا في الخبرية لقبول القسمين الصدقَ والكذِب، ثم الفرق أن الرواية هى خبر عن أمر عام لا يتعلق بشخص مُعَين، والشهادة تعلقها بشخص معين، فالرواية كقوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات" والشهادة كقول الشاهد: لزيد عند عَمْرو كذا.
стр. 260
ثم إن الشهادة يشترط فيها العدد والذكورية والحرية، بخلاف الرواية ومَا كان كذلك.
أما العددُ فلأِن إلزام المعيّن يتوقع فيه عداوة باطنة لم يطلع عليها الحاكم، حملت الشاهد على التزام ما لا يلزمه، فاحتاط الشارع لذلك واشترط معه آخر،
стр. 261
طرداً لذلك الاحتمال، فإن بإجماعهما يغلب ظن الصدق وبُعْدُ الكذب، وليس في الرواية ما يثير العداوة، فلم يحتج إلى العددِ فيها.
والذكورية اشترطت، لأن الإلزام سلطة وقهر واستيلاء، تأبَى النفوس الْأبية من ذلك، وإبايتها عنها من النساء أشَدُّ، لنقصانهن، فخفف ذلك عن النفوس برفع الْأنوثة. وأيضا فهن ناقصات عقل ودين، فناسب (٣) ألّا يُنصَبْنَ نصبا عاما، بل في موضع الضرورة، ولهذا قال ﵊: "أما نقصان عقلكن فشهادة رجل واحد تعدل شهادة امرأتين" (٤)، والرواية بخلاف ذلك، لِأن الأمور العامة تتسلى فيها النفوس بعضها ببعض، فخفّ الألم، وتقع المشاركة غالبا في الرواية، لعموم الكشف والحاجة، فروى (٥) مع المرأة غيرُها، فيقِل احتمال الغلط، (٦) ويطول الزمان في الكشف عن ذلك إلى يوم القيامة، فيظهر مع طول السنين خلل إن كان، بخلاف الشهادة تنقضى بانقضاء زمانها، ولا يُتَّهَم أحد في عداوة جميع الخلق، فيكتفى بالواحد فيها. (٧)
стр. 262
وأما الحرية فالنفوس الأبية تنقبض من سلطة العبد عليها، ويخف ذلك عليها بالأحرار. وأيضا فالرق سبب للحقد، فربما بعث العبدَ ذلك على الكذب على المعين، وقصد أذية الجمهور يبعد، فوقع الخلاف بين الرواية والشهادة. (٨).
وحيث تبين هذا فلنقل: الخبر ثلاثة اقسام: رواية محضة كالأحاديث النبوية، وشهادة محضة كإخبار الشهود عن الحقوق على المعَيّن عند الحكام، ومركَّبٌ من الشهادة والرواية، وله صور:
إحداهما: الإخبار عن رؤية هلال رمضان، فمن أجْل أن الصوم لا يختص بشخص معيَّن، كان رواية، ومن أجل أن الهلال هو لرمضان ذلك العامَ لا لغيره كان شهادة. (٩)
قلت: اعتبار الرواية في هذه الصورة من أجل تعلق الصوم لا بشخص معين، اعتبار بعيد، فإن الإخبار إنما وقع عن رؤية شخص معين، فمحله محل
стр. 263
معَيَّنٌ، فهو أشبه شيء بالإخبار عن مائة دينار قِبَلَ فلان المعيَّن، فإن كان اعتبار الأشخاص الذين يصومون ليسُوا معَيَّنين في الصوم فالدراهم أو الدنانير التي تؤدَّى في الدَّين ليست بمعَينة، وهذا الاعتبار هنا لا يرده للرواية، فكذلك الآخر، والله أعلم.
لكنه يمكن أن يقال في الجواب: هذه مُغالطة أو غلط، فقد قدمنا أن الفرق بين الرواية والخبر هو من حيث أن الرواية خبر عن أمْر عام لا يتعلق بشخص معين، والشهادة متعلَّقها شخص معين، والصوم لا خفاء أنه لا يتعلق بشخص معين فهو إلى الرواية أقْربُ، وغاية ما يرد عليه أنه ينتقض بالشهادة على قتل الخطأ فإنها شهادة، وإن كان الحكم المتعلق بتلك الشهادة تعلّقَ لا بشخص معين، والله أعلم.
стр. 264
الصورة الثانية: القائف المثبت للأنساب بالخلْق (١٠)، هل يشترط فيه العدد أوْلَا؟ قولان: والظاهر الأرجح شبهه بالشهادة، فإنه خبر متعلق بشخص معين. وإنما شبهوه بالرواية، لأنه منتصب انتصابا عاما، فيقال: وكذلك الشاهد منتصب انتصابا عاما.
فإن قيل: القائف لما كان مستندا في ذلك إلى جعل الحاكم (أي تعيينه في ذلك) خفَّت الضغائن، وضعفت العداوة الحاملة على ظن الكذب، بخلاف الشاهد، فإنه لا يستند في شهادته إلى أمر الحاكم له، قلنا: هذا لو كان لا يقبل قول القائف إلا بعد جعل الحاكم، فَهُوَ يُقبَلُ بجعل الحاكم وبغير جعله، بدليل قبول رسول الله ﷺ له لما قال في أسامة بن زيد ما قال، ولم يامرْه النبي ﷺ بشي في ذلك. (١١)
стр. 265
الصورة الثالثة: المترجم للفتاوى والخطوط، قال مالك: يكفي الواحد، وقيل: لابد من اثنين. ومنشأ الخلاف اعتبار الشبهين، والأمر فيه كالقائف على السواء. (١٢)
الصورة الرابعة: المقوم للسلع في أُروش الجنايات والسرقات والغصوب وغيرها، (١٣) فقال مالك: يكفى الواحد في التقويم، إلا أن يتعلق بالقيم حد كالسرقة فلا بد من اثنين، وروى لابد من اثنين في كل موضع، فشبه الشَّهادةِ فيهِ ظاهر، وقيل: يشبه الرواية من حيث الوجه المذكور في القائف، وقد قلنا بضعفه ثمَّة، فكذلك هنا في هذه الصورة، الشبه بالحاكم، لأن حكمه ينفذ في القيمة، والحاكم ينفذه.
الصورة الخامسة، القاسم، قال مالك: يكفي الواحدُ، والأحسَنُ اثنان، وقال أبو إسحاق التونسي: لابد من اثنين، وللشافعى في ذلك قولان. ومنشأ
стр. 266
الخلاف شبه الشهادة أو الرواية أو الحكم، والأظهر شبه الحكم، لأن الحاكم استنابه في ذلك. وهو المشهور عندنا وعند الشافعية ايضا. (١٤).
الصورة السادسة: الإخبار عن قِدَم العيب أو حدوثه في السلع عند التحاكم في الرد بالعيب، أطلق الأصحاب فيه أنه شهادة، وأنه يشترط فيه العدد، لأنه حكم جرى على شخص معين لشخص معين، لكنهم قالوا: إذا لم يوجد فيه المسلمون قُبِلَ فيه أهل الذمة من الأطباء، قاله القاضى أبو الوليد وغيره، قالوا: لأن طريقه الخبرُ فيما ينفردون بعلمه، وهذا مشكل من حيث إن الكفار لا مدخل لهم في الشهادة ولا في الرواية (١٥).
الصورة السابعة: قال ابن القصار: يجوز تقليد الصبى والأنثى والكافر الواحد في الهدية والاستئذان، وهذا على خلاف الأصل، لأنه خبر تعلق بمعينين، فإن المهدى والمهدى إليه معين، فكان من باب الشهادة.
وأجاب الشافعية عنه بأن القرائن لما احتفت بهذا الخبر قُبِل مع دعوى الضرورة في ذلك أيضًا، إذ لو كان لا يدخل أحد بيت صديقه حتى يأتي بعدلين يشهدان له بإذنه لشق ذلك. (١٦)
стр. 267
الصورة الثامنة: نقل ابن حزم في مراتب الإجماع إجماع الأمة على قبول المرأة الواحدة في إهداء الزوجة لزوجها ليلة العرس، مع أن الأصل فيه ألا يقبل إلا رجلان، لأنها شهادة متعلقة بالنكاح، لكنه جاز ذلك، للقرائن المنضافة إلى ذلك الخبر، التي يبعد معها التدليس (١٧) والوقوع فيما لا ينبغي، ويكفي هذا القدر فيما أردنا بيانه.
تنبيه: قال ابن القصار: قال مالك: يقبل قول القصاب في الذكاة، ذكرا كان أو أنثى، مسلما أو كتابيا، ومن مِثله يَذبح، وليس هذا من باب الرواية أَو الشهادة، بل القاعدة الشرعية أنَّ كل واحد، مؤتمنٌ على ما يدعيه مما هو تحت يده. فإذا قال الكافر: هذا مالى صُدِّق، وكذلك إذا قال: هو مُذَكّىً صُدِّق، ولا يُعَد ذلك شهادةً ولا رواية، فليس هذا من الفروع المترددة بين القاعدتين. (١٨)
فإن قلت: ما قررته من الفرق ينتقض بالشهادة بالوقف على الفقراء
стр. 268
والمساكين إلى يوم القيامة، (١٩) فهي شهادة تعلقت بكلي لا بمعين، وكذلك كون الأرض عنوة أو صُلْحا (٢٠) أو غير ذلك، من النظائر.
وأما الرواية فهي أيضا في الأمور الجزئية كالإخبار عن النجاسة وأوقات الصلوات وأشياء أيضًا كثيرة، (٢١) قلنا: أما ما ذكر من فروع الشهادة، فالعموم فيها إنما جاء بطربق العرض والتبع، ومقصودها الأول إنما هو جزئي.
стр. 269
أما الوقف فالمقصود بالشهادة فيهِ الواقف وإثبات ذلك عليه، وهو شخص معين ينتزع منه مال معين، فكان ذلك شهادة، ثم اتفق أن الموقوف عليه، فيه عموم، وليس ذلك من لوازم الوقف، قد يكون على معين وقد يكون على غير معين، وهكذا في كل شيء، الأصل ما ذكرناه، وغيره جاء بالعَرَضِ، ولا يلتفت إليه. غير أن كون الأرض عنوة أو صلحا يمكن أن يقال: هو من باب الرواية، ويمكن أن يقال: هو من باب الشهادة لكون الأرض جزئية لا يتعداها الحكم إلى غيرها.
стр. 270
وأما ما ذكر من الرواية فنقول: شبِّه المخْبِرُ بالنجاسة وبأوقات الصلوات بالمفتى، غير أنه يفارقه في أن المفتى يذكر الحكم من حيث هو الحكم الذي يعم الخلائق إلى يوم القيامة ولا يذكرُ سبَبَه، وهو أن يذكر أن سببه من حيث وقوعه في شخص معين فأشبَه الشهادة بهذا الوجه، فكان فيه شائبتان وشبهان لسائر الصور المذكورة قبلُ. (٢٢)
مسألة: ذكر شهاب الدين ﵀ أن بعض شيوخه المعتَبرين رأى منقولا أن العبد إذا روى حديثا يتضمن عتقه تُقْبل روايته. (٢٣).
مسألة: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: إذا تعارضت البينتان في الشهادة ففى الترجيح ثلاثة أقوال: قول بأنه يقبل الترجيح مطلقا، وقول بأنه لا يقبل مطلقا، والثالث المشهور أنه لا يرجح بكثرة العدد.
والفرق أن الحكومات إنما شرعت لدرء الخصوم ورفع المنازعة، وفي الترجيح بكثرة العدد إطالتها، لأنه إذا زاد الواحد يدعي الآخر الزيادة، وهكذا أبدا، بخلاف الترجيح بالعدالة، فإنها صفة راجعة إلى القاضى لا إلى صاحب الحق، والعدد يرجع إلى المتخاصمين، فقد يدعي كل واحد الزيادة وياتي بغير عدل. (٢٤)
стр. 271
فوائد:
الأولى: الشهادة خبر، وكذلك الرواية، والدعوى، والإقرار، والمقدمة، والنتيجة، والتصديق والإنشاء، ولكل واحد من هذه خصوصية يتميز بها.
فالتصديق هو الواقع على القدر المشترك بين هذه كلها، من حيث إنه يلزمه أن نقيضه إنما هو التكذيب، ولكنه ذكر أحد النقيضين، والمقدمة جزء الدليل، والنتيجة هى القضية بعد أن صارت محققة بالدليل، وهى الدعوى والمطلوب قبل أن يستدل عليها.
الثانية: يقال: شهد بمعنى حضر، ومنه: فلان شهد بدْراً، (٢٥) وبمعنى أخْبَرَ، ومنه: شهِد عند الحاكم، وبمعنى علمَ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ (٢٦)، يحتمل أن يكون من باب العلم، ويحتمل أن يكون من باب الإخبار.
الثالثة: روي معناه حمل، فراوى الحديث يحمله عن شيخه (أي بأخذه عنه، ويتلقاه منه)، ولهذا قال الناس: الراوية بناء مبالغة، هو حقيقة على الذي كثر منه الحمل، فهو - إذن - على المزادة التي فيها الماء بالمجاز، لمجاورتها للحامل، وذلك الجمل، فهو الذي يكثر منه الحمل.
стр. 272
القاعدة الثانية: (٢٧)
نقرر فيها الفرق بين الخبر والإنشاء بعد تبيين كل منهما بخصوصيته، إذ قد تقدم لنا إجتماعهما في الخبريَّة في القاعدة التي قبل هذه.
ثم الخبَرُ هو المحتمل للتصديق والتكذيب لذاته، والتصديق هو قولنا: صدقتَ، والتكذيب هو قولنا: كذبتَ، وهما غيْرُ الصدق والكذب من حيث إنهما وجوديان، والصدق والكذب عدميان، إذ هما بن باب النِّسب. وقولنا لذاته، احترزنا به عما لا يقبل ذلك لأمر خارج فإنه خبرٌ، وهذا كخَبَر الله ورسوله لا يقبلان الكذب، كقولنا: الواحد نصف الإثنين. ومن الأخبار ما لا يقبل الصدق، كقولنا: الواحد نصف العشرة، لكنها لا لذاتها، بل كان هذا لشيء آخر، فإذا قلنا لذاته شمل جميع الأخبار: الصدق والكذب. (٢٨)
فإن قيل: الأولى أن يقال: المحتمل للتصديق أو التكذيب، (٢٩) فإن الصدق والكذب ضدان لا يجتمعان.
стр. 273
قلت: لا يلزم من تضاد المقبولين تضاد القبولين، ألا ترى أن الممكن قابل للوجود والعدم معا، وهما متناقضان، والقبولان يحسُن اجتماعها، لأنه لو وجد أحد القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ثبوت استحالة ذلك القبول، فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود لزم أن يكون ذلك الممكن مستحيلا، والمقرر أنه ممكن، هذا خُلْف، وإن كان المستحيل هو العدم لزم أن يكون (٣٠) واجب الوجود لا ممكنه، هذا خُلْف، فلا يُتَصَوَّرُ الإمكان إلا باجتماع القبولين وإن تنافى المقبولان، فببفى (٣١) الواو.
فإن قيل (٣٢): التصديق والتكذيب نوعان للخبر، والنوع لا يعرف إلا بعد معرفة الجنس، فتعريف الجنس بهما دور، قلتُ: القصد بالحد شرْح لفظ المحدود وبيان نسبته إليه، فإن قولنا: الإنسان هو الحيوان الناطق حدّ صحيح، مع أن السامع يجب أن يكون عالما بالحيوان وبالناطق، وإلا لكان حدُّنا وقع بالمجهول، والتحديد بالمجهول لا يصحُّ، فهو حينئذ عالم بالحيوان والناطق، ومن كان عالما بهما كان عالما بالإنسان، فإنه لا معنى للإنسان إلا هُما، وإذا كان عالما بالإنسان تعيَّن انصراف التعريف بالحد إلى بيان نسبة اللفظ، لأنه حمع لفظ الإنسان فعَلِمَ أن له
стр. 274
مسَمى مجْملا لم يُعْلم تفصيله، فبسطنا له ذلك المسمى، وقلنا: هو الحيوان الناطق الذي أنت تعرفه، ولم يحصل له بالحد إلا بيان نسبة اللفظ، وخروجنا من حَيِّز الإجمال إلى حيِّز التفصيل، ولذلك قال العلماء في حد الحد: هو القول الشارح، وبهذا يزول الدَّور عن حميع الحدود إذا كان مدركها هذا المدرك، نحو قولهم: العلم معرفة المعلوم، وما أشبه ذلك. (٣٣)
وأما الإنشاء فهو القول الذي يوجد به مدلوله في نفس الأمر أو متعلقُه، وقولنا: بحيث يوجد به، ولم نقل: يوجب، احتراز من صيغ الإِنشاء إذا صدرت من سَفيهٍ، فإنه لا يترتب عليها وجود مدلولها.
وقَوْلُنا: في نفس الأمر، احتراز من الخبر، فإنه يترتب عليه وجود المدلول، لكن عند السامع لا في نفس الأمر، ولهذا يحتمل خبرُه الصدق والكذب، وقولنا: أو متعلقه، ليندرج في الإنشاء الانشآت النفسية، فإن الكلام يكون بالقول وبالنفس وهو لا دلالة فيه ولا مدْلول. (٣٤)
ويقع الفرق بين الخبر والِإنشاء على هذا من أربعة أوجه:
الوجه الأول، أن الإنشاء سبب لمدلوله، والخبر ليس سببا لمدلوله، فإن العقود أسباب لمدلولاتها، بخلاف الأخبار.
الوجه الثاني أن الإنشاءات تتبعها مدلولاتها، والأخبار تتبع مدلولاتها، وهذا كالطلاق والملك إنما يقعان بعد صدور صيغة الطلاق والبيع، وأما أن الخبر تابع لمخبره، فيعنى أنه تابع لتقرير مخبره في زمانه، ماضيا كان أو حاضرا أو مستقبلا.
стр. 275
فقولنا: قام زيد، تبع لقيامه في الزمان الماضي، وقولنا: هو قائم، تابعٌ لقيامه في الحال، وقولنا: سيقوم، تابع لتقرير قيامه فى الاستقبال، وليس المراد بالتبعية التبعية في الوجود، وإلا لما صدق ذلك إلا في الماضى فقط، فبهذا المعنى يفهم معنى التبعية، ومثله قول العلماء ﵃: العلم تابع للمعلوم، أي تابع لتقريره في زمانه.
الوجه الثالث: أن الإنشاء لا يقبل التصديق والتكذيب، (٣٥) بخلاف الخبر.
الوجه الرابع: أن الإنشاء لا يقع إلا منقولا عن أصل الوضع في صِيغ العقود والطلاق والعتاق ونحوهما، وقد يقع إنشاء في الوضع الأول كالأوامر والنواهى فإنها تنشيء الطلب بالوضع الأول اللغوي، والخبر يكفي فيه الوضع الأول في جميع صوره، فقول القائل: أنت طالق ثلاثا، كان أصله الإخبار بوقوع طلاقها كذلك، ولكنه خرج عن ذلك ونقل إلى الإنشاء.
ذكر شهاب الدين ﵀ هنا تنبيهين حسَنيْن.
فالأول منهما قال: إعتقدَ جماعة من الفقهاء أن قولنا في حد الخبر: إنه يحتمل الصدق والكذب، أن هذا الاحتمال استفاده الخبر من الوضع اللغوي، وليس كذلك، بل لا يحتمل الخبرُ من حيث الوضع اللغوي إلا الصدق خاصة، لإجماع النحاة أن معنى قولنا: قام زيد، حصول القيام لزيد في الزمان الماضي، ولم
стр. 276
يقل احدٌ: إن معناه صدور القيام أو عدمه، بل جزم الجميع بالصدور، فعلمنا أن اللغة إنما هي للصدق دون الكذب. (٣٦)
قلت: يظهر لي أنه ليس فيما ذكره دليل على المطلوب، فإنى أقول له: سلمت أن القضية الثبوتية دلت على الصدور، والقضية المنفية دلت على عدم الصدور، وهذا هو مدلول الكلامين، ثم أقول: والصدق والكذب خلاف ذلك كله ومن ورائه، فأقول: دل قام زيد على حصول القيام من زيد في الزمان الماضي، وهل كان المدلول كذلك في الخارج؟
فإذا قيل لى: نعَمْ، قلت: صدَق هذا الكلام، وإن لم، قلت: كذَب هذا الكلام، فالاحتمالان على السواء، ولا يُنسبُ أحدهما لشيء والآخر لشيء آخر كما قال، الكذب من قبل المتكلم، والصدق من قبل الوضع.
قال في التنبيه الثاني: قولنا في حدِّ الخبر: إنه المحتمل للتصديق
والتكذيب، إنما يصح على مذهب الجمهور الذين لا يشترطون في حقيقة الكذب
القصد، وعلى رأى هؤلاء، الخبر صدق وكذب، وما ليس بصدق ولا كذب،
وذلك ما عَرِي عن القصد، قال: وعلى رأى هؤلاء يكون الحد غير جامع، فيكون
فاسداً. (٣٧)
стр. 277
قلت: من قال بهذا القول فلفظ الخبر عنده يقال على هذين بالاشتراك المحْض، ولا فساد في الحد حينئذ، ثم أبطل هذا المذهب بقوله ﷺ : "كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث بكل ما سمع، (٣٨) وبقوله ﷺ : "من كذب عليَّ متَعمِّدا فليتبوأ مقعده من النار، (٣٩) من حيث المفهوم.
قلت: هذا المفهوم لا حجة فيه، فإنه المفهوم الذي يخرج مخرج الغالب، وقد تقرر أنه لا حجة فيه باتفاق، قال (أي القرافي): واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ (٤٠)؟ فقالوا: مقابله الكذب بالجنون الذي لا قصد معه يدل على أن الكذب ما كان القصد معه, وردَّه بأن قال: إنما نسبوه إلى الافتراء والجنون، والافتراءُ أخص من الكذب، فالافتراء لا يقال إلا على ما كان معه القصد، وليس الكذب كذلك، بل هو أعم، ولهذا انقسم الكذبُ إلى الافتراء وغَيْره.
فصل:
الإنشاء ينقسم إلى متفق عليه ومختلف فيه، فالمتفق عليه أربعة أقسام،
القسم الأول، قولنا: أقْسِمُ بالله لقد قام زيد.
стр. 278
قلت: عدُّ هذا في المتفق عليه لا يصح، فكثير من النحويين يقول: القسَمُ جملة يؤكَّدُ بها جملة أخرى، كلتاهما خبرية، والقليل قال بأن القسم جملة إنشائية.
قال (أي القرافي): القسم الثاني الأوامر والنواهى، وهذا من حيث إن الصدْق والكذب لا يتبعهما من حيث الإجمال، ويلزَمُ فيها جمع لوازم الإنشاء.
القسم الثالث: الترجى والتمني والعَرْض، فهي كالأوامر لا تحتمل تصديقا ولا تَكْذيباً، وهى للطلب ويتبعُها ويترتبُ عليها.
القسم الرابع: النداء نَحْوُ بَازيد، لا يحتمل صدقا ولا كذبا، سواء قلنا بتقدير الفعل فيها، وأن المراد أنادى زيدا، أولا، هى للإنشاء، فإن احتمال الصدق والكذب لا يكون فيه. (٤١)
وأما المختلَف فيه فصيغ العقود، نحو بعتُ، واشتريت، وأنت حُرٌّ وامرأتى طالق، وما أشبه ذلك، فالحنفية تقول: هى إخبارات، وقد بقيت على أصل وضعها ولم تُنقل، إذْ النقل خِلاف الأصْل.
وقال غيرهم: هى إنشآت منقولة عن الخبر إليها. فالقائل بالإنشاء يقول: لو كانت خبراً لكانت كاذبة، فإنها تقتضى أنه باع ولم يبع قبل ذلك الوقت، ولم يطلق، والكذب لا عبرة به، لكنها معتَبَرة فهي إنشآت.
стр. 279
وثانيها لو كانت إخبارات للزم الدوْرُ من حيث إن الخبر الكاذب لا عبرة به، والصدق يستلزم تقديم تلك الأحكام، واللفظ يدل على تلك الأحكام، وذلك يدل على تأخر الأحكام فكان دَوْراً.
وثالثها، لو كانت إخباراتٍ، فإما أن تكون خبرا عن الماضى أو الحاضر، وحينئذ يتعذر تعليقها على الشروط، لأن من شرط الشرط أن لا يتعلق إلا بمستقبل أو خَبرٍ عن المستقبل، وحينئذ لا يزيدُ على التصريح بذلك، وهو لو صرَّح وقال لامرأته: ستصيرين طالقا لم تطلّق بذلك اللفظ.
ورابعها: أنه لو قال للرجعية: أنت طالق ألزمته طلقة أخرى، وذلك يدل على الإنشاء لا على الخبر.
وخامسها، أن الإنشاء هو المتبادر إلى الفهم في العرف فوجب أن يكون منقولا إليه.
قال: والجوابُ، (٤٢) أما الأول فإنما يلزم الكذب لو لم يقدر فيها صاحب الشرع تقدم مدلولاتها بالزمن الفرد، وهو جائز ولا شيء فيه، فكان أوْلى من ادعاء النقل.
قلت: قد مضى ما في قاعدة التقدير.
وأجاب عن الثاني بأن حل الدور (٤٣) من حيث قاعدة التقدير، فلا يتم هذا الجواب أيضا.
стр. 280
قلت: والجوابات كلها مبنية على التقدير، والقول به ما تمَّ ولا ثبت، فهذه الأجوبة كذلك.
قال شهاب الدين في الأجوبة كلها: إنها متجهة صحيحة، إلا الأخير فإن الجواب عنه لا يصح، إذ هو مكابرة، وقد قلنا ضعْفها من أين؟ وذكر أنه لم يَر هذه المباحث من الجهتين لأحد، وإنما هي من فضل الله عليه، فقد يريد أجوبة الحنفية التي ردها للتقدير، وأما المباحث التي قبلها فهي للإِمام فخر الدين صاحب المحصول، قدس الله روحه. (٤٤)
стр. 281
ثم قال شهاب الدين ﵀: ولْنُرْدِفْ ذلك بمسائل جليلة ومباحث جميلة.
المسألة الأولى: ممَّا يتوهّم أنه إنشاءٌ وليس كذلك، بل هو خبر، الظهار في قول القائل لامرأته: أنت علي كظهْر أمّى، يعتقد الفقهاء أنه إنشاء للظهار، كقوله: أنتِ طالق، إنشاء للطلاق، وليسا سواء، وبَيانهُ من وجوه:
أحدها أنه قد تقدَّم أن من خصائص الخبَر قبولَ التصديق والتكذيب، والإنشاء بالعكس، والظهار موصوف بالكذب في القرآن من ثلائة أوجه: أحدها قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فأكذبهم.
الثاني قولهُ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾، والِإنشاء للتحريم لا يكون منكراً، بدليل الطلاق، وإنما يكون منكرا إذا جعلناه خبرا، فإنهُ حينئذ كذِبٌ.
الثالث قوله: ﴿وَزُورًا﴾، والزور هو الخبرُ الكذب. (٤٥)
قلت: أما قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ تكذيب، فليس بصحيح، لأنهم ما ادعوا أنهم أمهاتهم، بل قالوا: أنتِ علىّ كظهر أمّى، وإنما يكون تكذيبا لو قال الرجل: أنتِ أمّى لزوجه، وليس الظهار هكذا، وإنما المراد، هذا الحكم لا يلحقه، من حيث إنه ألحقه بعلة، وهى تشبيهُها بأمِّهِ، والأم حرمت بالعلّة التي فيها من الأمومة، وليس توجد تلك العلة في الزوجة أبدا. وقوله: ﴿مُنْكَرًا﴾ كذلك، حيث سوى بين المتنافيين. وقوله: ﴿زُورًا﴾، المراد بالزور، الباطل الذي هو أعم من الكذب لا الكذب.
стр. 282
قال شهاب الدين: وثانيها أجْمعنا على أن الظهار يحرّمُ، وليس للتحريم مدْرَكٌ إلا أنه كذب، والكذب لا يكون إلا في الخبر، فيكون خَبَراً. (٤٦)
قلت: قوله: "وليسَ للتحريم مُدْرك إلا أنه كذب، ممنوع، بل مُدْرَكه تشبيه الزوجة التي يحلُّ وطْؤها - وحثَّ الشرع على وطئها - بالأم التي حرم الشارع وطْأها، فكان قد أتى بحكم خالف حكم الله الذي انبنى على الحكمة، فهذا هو مُدْرَكُهُ، وهو الحق، لا ما ذكره، والله أعلم.
قال ﵀: وثالثها أن الله شرع فيها الكفارة، وأصل الكفارة أن تكون زاجرة ماحية للذنوب، فدل ذلك على التحريم، وإنما يثبت التحريم إذا كان كذباً.
قلت: قولك: "وإنما يثبت التحريم إذا كان كذبا، ممنوع، بل ثبت التحريم بما ذكرنا، وهو ظاهر، لا أنه كذب.
قال ﵀: ورابعها قوله تعالى بعد ذكر الكفارة: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ (٤٧)، والوعظ إنما يكون من المحرمات، (٤٨) كذلك أيضا قال، يكون محرّما، وما ذلك إلا لأنه كذِبٌ.
قلت: قوله فيها (أي في هذه الوجوه الاربعة التي استدل بها على أن الظهار خبر) بأجمعها واحد، والرَّد عليه كذلك واحد.
стр. 283
كذلك أيضا ذكر استدلالا من حيث قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، وأنهما يستلزمان المعصية، ولا مُدْرَكَ للمعصية إلا الكذبُ، والرد عليه فيه واحد. فقد ظهر ضعف مقالِهِ هنا، وأن الحق ما يقوله الفقهاء أن الظهار إنشاء لا خبرٌ، واللهُ أعلم. (٤٩)
ومما يُقَوى أنه إنشاء بكاء المرأة على النبي ﷺ ، التي ظاهَرَ منها زوجُها، وقوُلها له: إنّ لى صِبْيةً، إن أخذهم ضاعوا، وإن أخذْتهم جاعُوا، مع قوله ﵊: "ارجعى إلى ابن عمك" وغيرُ ذلك، فإن القصة تدلُّ على أن الظهار كان تحريما مؤبَّدًا، وهو المناسب للتشبيه بالأمّ، والأصل عدم النقل، فيبقى في الإسلام كذلك حتى يأتي ما يرفعه، والذي رفعه هو الكفارة، وأمّا قبل نزول الآية فكان على ما كان عليه في الجاهلية. وأيضا فهو لفظ يترتب عليه التحريم فيكون إنشاء (٥٠)، إذ هذه خاصة الإِنشاء.
- وتكلّف شهاب الدين ﵀ الجواب عن هذا، وما رأيت التطويل بذلك، لأن التكلف فيها بيّنٌ من أوّل المسألة، فالحَقُّ أنهُ إنشاءٌ.
قال: وأما قول الفقهاء: له صريحٌ وكناية، كما قالوا في الطلاق، فذلك ليس يدل على أنهم يعتقدون أنه إنشاء، بل المرادُ أن الظهار يتفاوت في مراتب الكذب، فالصريح أقبَحُ وأشنع.
стр. 284
قلت: هذا من أبْعدِ شيء، بل الظاهر بالصريح ما يدل على القصد نصّاً، والكناية ما يدل على القصد من الظهار لا كذلك، كما الأمر في الطلاق.
ونقل شهاب الدين أقوالا للفقهاء، هي تدل بظاهرها على أن الظهار كالطلاق إنشاء وليس خبراً من الأخبار، وتكلم على ما نقل، رجاء أن يتحقق له ما ادعاه من أن الظهار خبر لا إنشاء، والظاهر خلاف ما يقول شهاب الدين في هذه المسألة، وقد اعترف بذلك آخر الفصل وقال: لم أر أحدا تعرض لأقاويلهم على هذا الوجه، ويريد بالتأويل، ثم قال: بل ظاهر كلامهم أن الظهار إنشاء كالطلاق، والله أعلم بمرادهم، غير أن الذي تقتضيه القواعد قد أوضحته لك غاية الإِيضاح.
قلت: قد ظهر إيضاحه أنه كلا إيضاح، واستدلاله ضعيف، والله أعلم.
المسألة الثانية: إذا قال لامرأته: أنت طالق ولا نية له، المتبادر إلى الأفهام أنه يلزم الطلاق بالوضع اللغوي، بخلاف الكنايات، وليس كذلك، بل إنما يفيده بالوضع العُرفي، وأصل وضعه لغة في إزالة القيد، كان ذاك القيد أي شيء، لا يتخصص بشيء ما، ثم تخصيص ذلك بإزالة قيد ما، نقل عن ذلك العام إِلى ذلك الخاص بالمجاز إن كان غير قيد العصمة، وبالعرف إن كان قيد العصمة، ولا يلزم أن يكون الناقل شرعا بل الناقل يكون شرعا أو غيره، ولهذا نقول: الحقائق أربعة: الحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية، والحقيقة العرفية الخاصة، والعامة، فهذه حقيقة عرفية عامة، لأن العرب نقلت هذا النقل، والعرب هي التي جعلت أسماء العقود إنشاءات بعد أن كانت إخبارات (٥١).
стр. 285
وفائدة الفرق بين أن يكون لفظ الطلاق يفيد الطلاق وضعا أو عرفا، أنا إذا قلنا: وضعاً، فالأصل أن يلزم به الطلاق حتى يأتي ما يدل على أنه لا يراد به ذلك، وإذا قلنا: عرفاً، فالأصل أن لا يلزم به الطلاق حتى يتحقق ذلك العرف في ذلك الزمان، فإن العرف يختلف بحسب العوائد (٥٢).
المسألة الثانية: وقع لمالك في التهذيب وغيره أن قول القائل: "حبلك على غاربك" يلزمه الطلاق الثلاث، ولا تقبل نيته أنه أراد أقل منها. وقال ابن القاسم: قول القائل: أنا منك بائن، وأنت منى بائنة، لا يُنَوي قبل الدخول ولا بعده، بل يلزمه الثلاث. وإذا قال في الخلية والبرية والبائن: لم أرد طلاقا، فإن تقدم في كلامه ما يكون هذا جوابا له صدّقَ، وإلا فلا. وقال الشافعى: النية تابعة لما ينويه من العدد. وقال أبو حنيفة: إن نوى الثلاث لزمه الثلاث، أو واحدة فواحدة، وكذلك قولهما في حبلك على غاربك. وقال ابن حنبل: يقع الطلاق بالخلية والبرية والبائن، وحبلك على غاربك (٥٣) والْحَقى بأهلك، والبتة، والبتْلة بغير