ثم قال شهاب الدين ﵀: ولْنُرْدِفْ ذلك بمسائل جليلة ومباحث جميلة.
المسألة الأولى: ممَّا يتوهّم أنه إنشاءٌ وليس كذلك، بل هو خبر، الظهار في قول القائل لامرأته: أنت علي كظهْر أمّى، يعتقد الفقهاء أنه إنشاء للظهار، كقوله: أنتِ طالق، إنشاء للطلاق، وليسا سواء، وبَيانهُ من وجوه:
أحدها أنه قد تقدَّم أن من خصائص الخبَر قبولَ التصديق والتكذيب، والإنشاء بالعكس، والظهار موصوف بالكذب في القرآن من ثلائة أوجه: أحدها قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ فأكذبهم.
الثاني قولهُ: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾، والِإنشاء للتحريم لا يكون منكراً، بدليل الطلاق، وإنما يكون منكرا إذا جعلناه خبرا، فإنهُ حينئذ كذِبٌ.
الثالث قوله: ﴿وَزُورًا﴾، والزور هو الخبرُ الكذب. (٤٥)
قلت: أما قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ تكذيب، فليس بصحيح، لأنهم ما ادعوا أنهم أمهاتهم، بل قالوا: أنتِ علىّ كظهر أمّى، وإنما يكون تكذيبا لو قال الرجل: أنتِ أمّى لزوجه، وليس الظهار هكذا، وإنما المراد، هذا الحكم لا يلحقه، من حيث إنه ألحقه بعلة، وهى تشبيهُها بأمِّهِ، والأم حرمت بالعلّة التي فيها من الأمومة، وليس توجد تلك العلة في الزوجة أبدا. وقوله: ﴿مُنْكَرًا﴾ كذلك، حيث سوى بين المتنافيين. وقوله: ﴿زُورًا﴾، المراد بالزور، الباطل الذي هو أعم من الكذب لا الكذب.
стр. 282
قال شهاب الدين: وثانيها أجْمعنا على أن الظهار يحرّمُ، وليس للتحريم مدْرَكٌ إلا أنه كذب، والكذب لا يكون إلا في الخبر، فيكون خَبَراً. (٤٦)
قلت: قوله: "وليسَ للتحريم مُدْرك إلا أنه كذب، ممنوع، بل مُدْرَكه تشبيه الزوجة التي يحلُّ وطْؤها - وحثَّ الشرع على وطئها - بالأم التي حرم الشارع وطْأها، فكان قد أتى بحكم خالف حكم الله الذي انبنى على الحكمة، فهذا هو مُدْرَكُهُ، وهو الحق، لا ما ذكره، والله أعلم.
قال ﵀: وثالثها أن الله شرع فيها الكفارة، وأصل الكفارة أن تكون زاجرة ماحية للذنوب، فدل ذلك على التحريم، وإنما يثبت التحريم إذا كان كذباً.
قلت: قولك: "وإنما يثبت التحريم إذا كان كذبا، ممنوع، بل ثبت التحريم بما ذكرنا، وهو ظاهر، لا أنه كذب.
قال ﵀: ورابعها قوله تعالى بعد ذكر الكفارة: ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ (٤٧)، والوعظ إنما يكون من المحرمات، (٤٨) كذلك أيضا قال، يكون محرّما، وما ذلك إلا لأنه كذِبٌ.
قلت: قوله فيها (أي في هذه الوجوه الاربعة التي استدل بها على أن الظهار خبر) بأجمعها واحد، والرَّد عليه كذلك واحد.
стр. 283
كذلك أيضا ذكر استدلالا من حيث قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾، وأنهما يستلزمان المعصية، ولا مُدْرَكَ للمعصية إلا الكذبُ، والرد عليه فيه واحد. فقد ظهر ضعف مقالِهِ هنا، وأن الحق ما يقوله الفقهاء أن الظهار إنشاء لا خبرٌ، واللهُ أعلم. (٤٩)
ومما يُقَوى أنه إنشاء بكاء المرأة على النبي ﷺ ، التي ظاهَرَ منها زوجُها، وقوُلها له: إنّ لى صِبْيةً، إن أخذهم ضاعوا، وإن أخذْتهم جاعُوا، مع قوله ﵊: "ارجعى إلى ابن عمك" وغيرُ ذلك، فإن القصة تدلُّ على أن الظهار كان تحريما مؤبَّدًا، وهو المناسب للتشبيه بالأمّ، والأصل عدم النقل، فيبقى في الإسلام كذلك حتى يأتي ما يرفعه، والذي رفعه هو الكفارة، وأمّا قبل نزول الآية فكان على ما كان عليه في الجاهلية. وأيضا فهو لفظ يترتب عليه التحريم فيكون إنشاء (٥٠)، إذ هذه خاصة الإِنشاء.
- وتكلّف شهاب الدين ﵀ الجواب عن هذا، وما رأيت التطويل بذلك، لأن التكلف فيها بيّنٌ من أوّل المسألة، فالحَقُّ أنهُ إنشاءٌ.
قال: وأما قول الفقهاء: له صريحٌ وكناية، كما قالوا في الطلاق، فذلك ليس يدل على أنهم يعتقدون أنه إنشاء، بل المرادُ أن الظهار يتفاوت في مراتب الكذب، فالصريح أقبَحُ وأشنع.
стр. 284
قلت: هذا من أبْعدِ شيء، بل الظاهر بالصريح ما يدل على القصد نصّاً، والكناية ما يدل على القصد من الظهار لا كذلك، كما الأمر في الطلاق.
ونقل شهاب الدين أقوالا للفقهاء، هي تدل بظاهرها على أن الظهار كالطلاق إنشاء وليس خبراً من الأخبار، وتكلم على ما نقل، رجاء أن يتحقق له ما ادعاه من أن الظهار خبر لا إنشاء، والظاهر خلاف ما يقول شهاب الدين في هذه المسألة، وقد اعترف بذلك آخر الفصل وقال: لم أر أحدا تعرض لأقاويلهم على هذا الوجه، ويريد بالتأويل، ثم قال: بل ظاهر كلامهم أن الظهار إنشاء كالطلاق، والله أعلم بمرادهم، غير أن الذي تقتضيه القواعد قد أوضحته لك غاية الإِيضاح.
قلت: قد ظهر إيضاحه أنه كلا إيضاح، واستدلاله ضعيف، والله أعلم.
المسألة الثانية: إذا قال لامرأته: أنت طالق ولا نية له، المتبادر إلى الأفهام أنه يلزم الطلاق بالوضع اللغوي، بخلاف الكنايات، وليس كذلك، بل إنما يفيده بالوضع العُرفي، وأصل وضعه لغة في إزالة القيد، كان ذاك القيد أي شيء، لا يتخصص بشيء ما، ثم تخصيص ذلك بإزالة قيد ما، نقل عن ذلك العام إِلى ذلك الخاص بالمجاز إن كان غير قيد العصمة، وبالعرف إن كان قيد العصمة، ولا يلزم أن يكون الناقل شرعا بل الناقل يكون شرعا أو غيره، ولهذا نقول: الحقائق أربعة: الحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية، والحقيقة العرفية الخاصة، والعامة، فهذه حقيقة عرفية عامة، لأن العرب نقلت هذا النقل، والعرب هي التي جعلت أسماء العقود إنشاءات بعد أن كانت إخبارات (٥١).
стр. 285
وفائدة الفرق بين أن يكون لفظ الطلاق يفيد الطلاق وضعا أو عرفا، أنا إذا قلنا: وضعاً، فالأصل أن يلزم به الطلاق حتى يأتي ما يدل على أنه لا يراد به ذلك، وإذا قلنا: عرفاً، فالأصل أن لا يلزم به الطلاق حتى يتحقق ذلك العرف في ذلك الزمان، فإن العرف يختلف بحسب العوائد (٥٢).
المسألة الثانية: وقع لمالك في التهذيب وغيره أن قول القائل: "حبلك على غاربك" يلزمه الطلاق الثلاث، ولا تقبل نيته أنه أراد أقل منها. وقال ابن القاسم: قول القائل: أنا منك بائن، وأنت منى بائنة، لا يُنَوي قبل الدخول ولا بعده، بل يلزمه الثلاث. وإذا قال في الخلية والبرية والبائن: لم أرد طلاقا، فإن تقدم في كلامه ما يكون هذا جوابا له صدّقَ، وإلا فلا. وقال الشافعى: النية تابعة لما ينويه من العدد. وقال أبو حنيفة: إن نوى الثلاث لزمه الثلاث، أو واحدة فواحدة، وكذلك قولهما في حبلك على غاربك. وقال ابن حنبل: يقع الطلاق بالخلية والبرية والبائن، وحبلك على غاربك (٥٣) والْحَقى بأهلك، والبتة، والبتْلة بغير
стр. 286
نية، لشهرتها، ويَلزم بالخلية، والبرية، والحرام، والحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، ولا سبيل لي عليك، وأنت علي حرام، واذهبي، وتزوجي، وغط شعرك، وأنت حرة،
стр. 287
الثلاث. وقال أبو حنيفة في ذلك كله بواحدة. وقال ابن العربي: الصحيح أن حبلك على غاربك، والخلية، والبرية، والبتة، والبتلة، واحدة، (أي طلقة واحدة).
وإذا قال الرجل: كل حلال علي حرام، حرم الأزواج، إلا أن يخرجهن بنيته أو بلفظه، ولا يخرج غيرهن، وقال ابن عبد الحكم: لا شيء عليه إذا كان من بلد لا يريدون به الطلاق. وقال صاحب الاستذكار (٥٤). في الحرام أحد عشر قولا. قال الإِمام أبو عبد الله (٥٥): وأصل اختلاف الأصحاب في الألفاظ، أن اللفظ إن تضمن البينونة والعدد، نحو أنت طالق ثلاثا لزم الثلاث. ولا ينوَّى -اتفاقا- في المدخول بها وغير المدخول بها، وإن دل على البينونة فقط فينظر، هل تمكن البينونة بالواحدة أو تتوقف على الثلاث إذا لم تمكن معاوضة، فإن أمكنت فواحدة، وإلا فالخلاف، فإن دل على عدد، غالبا، ويستعمل في غيره نادراً، فهل يحمل على الغالب عند عدم النية أو على النادر مع وجوده في الفتيا، وإن تساوى الاحتمال وتقارب قبلت نيته في الفتوى والقضاء، وإن عدمت النية فهل تحمل على الأقل، استصحابا للبراءة الأصلية، أو على الأكثر احتياطا (٥٦).
стр. 288
إذا ثبت ما ذكره الفقهاء فنقول: ، (٥٧)
إنما تصير هذه الألفاظ موجبة لما ذكره مالك ﵀ بنقل العرف لها في رتب:
إحداها أن ينقلها عن الإخبار إلى الإِنشاء.
وثانيها أن ينقلها لرتبة أخرى، وهى إنشاء زوال العصمة الذي هو إنشاء خاص، أخص من مطلق الإِنشاء، فإن القاعدة أن الدال على الأعم غير دال على الأخص.
وثالثها: أن ينقلها العرف إلى المرتبة الخاصة من العدد، وهى الثلاث، فإن زوال العصمة أعم من زوالها بالعدد الثلاث، فلهذه الرتبة أشار الإِمام أبو عبد الله. لكنه بقي في القاعدة التي أشار إليها أغوار لم يفصح بهها وهو يريدها، وهي أمور.
стр. 289
أحدها أن هذه الإفادة عرفية لا لغوية (٥٨)، وأنها نَقلتْهُ بالنقل العرفي لا باللغوي.
وثانيها أن مجرد الاستعمال وإن تكرر لا يكفى في النقل، بل لا بد من حالة لا يحتاج فيها إلى نية في فهم ذلك المعنى من ذلك اللفظ المنقول، فهذا هو المنقول.
فإذا تقررت هذه القاعدة على هذا، فظاهرٌ أن أكثر هذه الألفاظ لا نجد أحدا في بلدنا يذكرها، فضلا عن أن يعرف مقتضاها، فضلا عن أن ينوى بها شيئاً مَّا أم لا.
فإذا كنا نقول: إذا تكررت فلا يلزم بها شيء بمطلق التكرار إلا إذا نوى، فأحرى وأولى أن لا يلزم بها شيء في بلاد لا تستعمل فيها إذا لم ينو، ولفظ الحرام يستعمل وتختلف الحال فيه. ففى بلاد مصر هو دال على مطلق الطلاق. أما على الثلاث فلا، هكذا قال شهاب الدين ﵀. فلو كان إطلاقه في بلد يستعملونها فيها على الثلاث لزمه الثلاث. قال: وإياك أن تقول: إنا لا نفهم منه إلا الطلاق الثلاث، لأن مالكا قاله، أو لأنه مسطور في كتب الفقه، لأنه غلط، بل لا بد أن يكون ذلك الفهم حاصلا من جهة الاستعمال والعادة، ويحصل لك ولسائر العوام على السواء.
وإذا تقرر هذا فيجب علينا أمور:
أحدها أن مالكا وغيره إنما أفتوا بهذه الأحكام في هذه الألفاظ، لعوائد كانت في زمانهم اقتضت نقل تلك الألفاظ للمعانى التي أفتوا بها، صونا لهم عن الزلل.
وثانيها أنا إذا وجدنا زمانا عاريا عن تلك العادة وجب علينا أن لا نقضي
стр. 290
بتلك الأحكام (٥٩)، كما نقول في النقود وغيرها، حيث نقضي بالسكة التي وقع التعامل بها في ذلك الوقت، وكذلك نفقات الزوجات تختلف بحسب العوائد.
وبالجملة، أشياء كثيرة يُقضَى فيها بحسب العوائد، فوجب أن تكون الفتوى متغيرة بحسب العادة، وإلا كان ذلك غلطا بينا بإحماع.
فعلى هذا، فالحق أن أكثر هذه الألفاظ التي تقدم ذكرها ليس فيها إلا الوضع اللغوي، وكانت حقيقة لا يلزم بها طلاق ولا غيره إلا بالنية، وإن لم تكن له نية لم يلزمه شيء حتى يحصل فيها نقل عرفي، ذلك النقل العرفي ثابت في ذلك الزمان، يوجب بها ذلك الطلاق، أي نوع كان، فيتبع على ما هو عليه.
فإن قلت: ما ذكرته من الحق يتعين اتباعه، فما سبب اختلاف الصحابة ﵃ في هذه الألفاظ، ومن بعدهم من العلماء؟
стр. 291
قلت: سبب اختلافهم، اختلافهم في وقوع النقل العرفي، هل وجد فيتّبع، أو لم يوجد فيتبع موجِب اللغة؟ وإذا وجد النقل فهل في أصل الطلاق فقط، أو فيه مع البينونة، أو مع العدد، لما تقدم تقريره، وإذا لم يوجد نقل عرفي ونُفىَ موجب اللغة، فهل نلاحظ نصوصا (٦٠) اقتضت حكما في مثل هذه، وتقاس هذه عليها أم لا؟ (٦١)
فإن قلت: فلعل مدرك مالك نصّ أو قياس، فتستمر فتاويه في جميع الأعصار والأمصار، ولا تتغير بتغير العوائد، وعلى هذا يكون المفتى بالمنقول في الكتب قال صوابا لا خطأ، ولم يجتمع مع مالك حتى يسأله عما في نفسه، ومع الاحتمالين لا تتعين التخطئة، ويجب اتباع موجِب المنقولات عن الأئمة من غير اعتراض، لأننا مقلدون لهم لا معترضون عليهم. قلت: الجواب عن هذا السؤال من وجوه:
стр. 292
أحدها أن المعرفة (٦٢) بأن الألفاظ المذكورة هي في اللغة للإخبار، وما دلت على الإنشاء إلا بالنقل، وهي مما ندركه (٦٣) إدراكا بينا. وأيضا لا يمكن أن يكون مدركهم القياس، فإنا نعلم ما يتعلق بالقياس من شرائطه وغيرها، وعلمنا بذلك يدفع ادعاء القياس. وأيضاً فالإمام أبو عبد الله المازرى ممن له الإمامة في العلوم والمشاركة، وقد تقدم ما قاله في هذه المسألة من القواعد، وأشار إلى ما قلناه من أن سبب الخلاف فيها راجع إلى العوائد، وأيضا فالناظر في المسائل الفقهية نظر تحقيق، ما يعرف أنه وجَد فيها مدرَكا مناسبا إلا العوائد، والخروج عنها التزام للجهالة من غير معنى مناسب (٦٤).
المسألة الرابعة: إعلم أن الإنشاء كما يكون بالكلام اللسانى، كذلك يكون بالكلام النفسانى (٦٥). وبيانه أن نقول: أن الألفاظ تابعة لما في النفس، فالذي يصدر منه الإنشاء باللفظ ما صدر منه إلا بعد تصور الإنشاء بباطنه، فإذا لم يكن فكيف يقع الكلام اللساني ترجمانا لما في النفس حتى تنتقل الأملاك عن طيب نفس (٦٦) الذي لا يصح بغير طيب النفس.
стр. 293
قال شهاب الدين: ويدل على هذا أن الله تعالى أنشأ السببية في زوال الشمس لوجوب الصلاة، وأنشأ الأحكام، ثم أنزل القرآن دالا على ذلك ومترجما عليه (٦٧)، وفرض القرافي سؤالين:
أحدهما: كيف يتصور إنشاء الأحكام في الأزل ولا محكوم عليه؟
والثاني: كيف يتصور الإِنشاء سابقا من غير طروّ على خبر؟ فقال:
يتصور الإِنشاء للإيجاب على نوع ما يوجب الوالد على ولده الذي هو في البطن إذا كان لم يوجد، واشتراط الطرو على الخبر، ذلك في الإِنشاء الكائن في الألفاظ لا في الكائن في (٦٨) الكلام النفساني، وقال: ولا يصح أن تكون أخبارا، فإن من أطاعها أثِيبَ، ومن خالفها عوقب، لأنها لا تقبل صدقا ولا كذبا لذاتها. وأيضاً فكان يلزم الخلف لوقوع العفو عن العصاة، وأيضاً، فلو كانت أخبارا عن إرادته تعالى لوجب نفوذ مقتضاها. وذلك لا يصح، للإجماع على العفو (٦٩).
قلت: مما يرد على شهاب الدين أن خاصية الإنشاء هو ما يترتب (٧٠) عليه حكم من الأحكام، ولا شيء يترتب على الكلام النفساني من الأحكام،
стр. 294
لا بحسَبِ الكلام القديم ولا بحسب الكلام الحديث، وإنما الترتب على الكلام اللساني.
المسألة الخامسة: اختلف العلماء في الطلاق بمجرد الكلام النفساني، فقال أبو الوليد بن رشد: إذا اجتمع الكلام اللساني والنفسي لزم الطلاق، فإذ انفرد أحدهما عن الآخر فقولان، وهذا بناء على أن الكلام النفساني يكون إنشاء كما يكون الكلام اللسانى. وكذلك اليمين أيضا وقع الخلاف فيها. هل تنعقد بإنشاء كلام النفس وحده أو لا بد من اللفظ (٧١).
قلت: أحد القولين مبنى على ما ذكره. ومن قال: لا يلزمه فما ذلك إلا لأنه لا إنشاء في النفس وإنما يكون الإنشاء في الكلام اللساني، إذ لو كان لترتب عليه أثره، وذلك باطل، فكلامه جل وعلا في القدم، ولم يترتب حكم من الأحكام إلا على القرآن من حيث اللسان العربي، وأما على النفسي فلا.
стр. 295
قال شهاب الدين ﵀:
وبعض الناس قاس لزوم الطلاق على لزوم الكفر بالكلام النفسى، قال: وهو غلط، لأن الكفر لا يقع بالِإنشاء، إنما يقع بالإِخبار والاعتقاد، وكذلك الإِيمان والاعتقاد من باب المعلوم والمظنون لا من باب الكلام، وهما بابان مختلفان، فلا يقاس أحدهُما على الآخَرِ.
قال: ومِن وجه آخر أن الصحيح أن الإيمان لا يكفى فيه مجرد الاعتقاد، بل لا بد من النطق باللسان، فينعكس على هذا، ويقال له: لا بد من النطق باللسان كما الأمر في الإِيمان إن سُلِّمَ أن الباب واحد (٧٢).
المسألة السادسة: في الفرق بين الصيغ التي يقع بها الإنشاء (٧٣).
الواقع اليوم أن الشهادة تصح بالمضارع دون الماضى واسم الفاعل، فيقول الشَّاهِدُ: أشهد بكذا عندك أيدك الله. ولو قال: شهدت بكذا أو أنا شاهد
стр. 296
بكذا لم يقبل منه. والبيع يصح بالماضى دون المضارع عكس الشهادة. فلو قال: أبيعك بكذا، أو أبايعك بكذا (٧٤) لم ينعقد. وإنشاء الطلاق يقع بالماضى نحو طلقتك، واسم الفاعل على نحو: أنت طالق ثلاثا، دون المضارع نحو: أطلقك ثلاثا.
وسبب هذا الفرق هو الجرى على العادة في العرف، فإن العرف هو المتبع فى هذا، وإن صار العرف إلى عكس تلك الأشياء تبعناه (٧٥).
стр. 297
قال شهاب الدين ﵀:
قد ذيلنا الإِنشاء بمسائل، فلنذيل الخبر بمسائل (٧٦):
المسألة الأولى: إذا قال: كل ما قلته في هذا البيت كذِب، ولم يقل شيئاً في ذلك الوقت قبل هذا القول، يلزم منه شيئان: أحدهما رفع الصدق والكذب عن الخبر معا، والثاني ارتفاع النقيض، وذلك كله لا يصح.
أما أنه لا يكون صدقا فلأن الصدق هو الخبر المطابق، ولا شيء كان ثمة يطابقه، وأما أنه ليس كذبا فلذلك المعنى أيضا. وأما ارتفاع النقيض فذلك من حيث إن الصدق عبارة عن المطابقة، والكذب عبارة عن عدم المطابقة، وهما نقيضان وقد ارتفعا.
وأجاب شهاب الدين ﵀ بأن الخبر كذب، وكان فيه عدم المطابقة، وعدم المطابقة يصدق بوجهين:
أحدهما ألا يوجد المخبرُ عنه، والثاني أن يوجد مخالفا، وهي ها هنا بالوجه الأول، وهذا جواب عن الإشكالين. قال: ومثل هذا الخبر قوله: كل ما تكلمت به في جميع عمري كذب، وكان لم يكذب قط، والجواب كالجواب. فإن كذب في جميع عمره أو في الثلث ثم قال: كل ما تكلمت به في جميع عمري أو في البيت صدق، فهذا الخبر كذب قطعا.
стр. 298
المسألة الثانية: هل يجوز الخلف في الوعيد أو الوعد (٧٧)؟ والوعد والوعيد خبران، ولا يصح الخلف على الله في واحد منهما، قال بعض العلماء بالتفريق. والصحيح أنه لا يجوز فيهما معا، وهو مما يلزم منه ألَّا يبقى وثوق بشيء من وعيده، وذلك مضاد للحكمة التي الرجوع إليها أولى من ملاحظة باب الكرم، والله أعلم (٧٨).
قلت: ذكر شهاب الدين أنه إن أريد بالوعد والوعيد صورة اللفظ وما دل عليه بوضعه اللغوي من العموم فهما سواء في جواز دخول التخصيص،
стр. 299
وهذا لا يصح أن يكون مرادا في المسألة بوجه، ثم قال: وإن أريد بالوعد والوعيد من أريد بالخطاب مَمن قُصد بالإخبار عنه بالنعيم أو العقاب فمستحيل أن من أراده الله بالخير ألا يقع مُخْبَرُه، وإَلا لحصل الخلف، ثم قال: فإذا أريد بالوعد هنا وبالوعيد صورة العموم صح التفريق.
قلت: قد مضى أن صورة العموم لا تصلح في الاعتبار.
المسألة الثالثة: إذا فرضنا رجلا صادقا على الإطلاق وهو زيد، فقلنا: زيد ومسيلمة صادقان، أو زيد ومسيلمة كاذبان (٧٩)، فالقضية ليست بصادقة، ولا كاذبة، ولزم الإشكالان المتقدمان.
فأجاب الإِمام فخر الدين بأن قال: هذه القضية في قوة قضيتين: الواحدة صادقة، والأخرى كاذبة، والتقدير: زيد صادق، ومسيلمة صادق. والواحدة صِدق، والأخرى كذب، فقال شهاب الدين ﵀: فوضع (٨٠) المسألة على أن الِإخبار عن المجموع لا عن الفردين (٨١)، فقال: والجواب الحق أني
стр. 300
ألتزم من قولي: صادقان، أنه كذب، وهذا لأن القضية المركبة تُعدَم لعدم جميع أجزائها ولعدم جزء من أجزائها، فيقع عدم المطابقة، وذلك الكذب.
المسألة الرابعة: إذا قلنا: الإنسان وحده ناطق، وكل ناطق حيوان، فينتج: الإنسان وحده حيوان، وهو كذب، مع أن المقدمة صحيحة، فكيف يُنتج الصادق الكاذبَ (٨٢) وذلك يبطل الاستدلال.
والجواب أن الفساد إنما جاء من جهة أن المقدمة الأولى هي مقدمتان: إحداهما سالبة والأخرى موجبة، فإن قولنا: الإنسان وحده ناطق، معناه أنه ناطق، وغيره غَيرُ ناطق، هذا هو مدلول وحده لغة، فإن جعلنا مقدمة الدليل من الموجبة وحدها صح الكلام، فإنه يصير: الإنسان ناطق، وكل ناطق حيوان، نتج: كل إنسان حيوان، وهذا صحيح. وإن جعلنا مقدمة القياس هي السالبة لم يصح الإنتاج لفوات شرطه، فإن الشكل الأول، من شرطه أن تكون صغراه موجبة، وهذه سالبة، فلا يصح الإنتاج، وإن جعلنا مجموع المُقَدمتين مقدمة واحدة امتنع أيضاً، فإنه لا قياس عن ثلاث مقدمات (٨٣).
المسألة الخامسة: نقول: الفول يغذي الحمام، والحمام يغذي البازي، المقدمتان صادقتان، والنتيجة كذِب، إذ لا يأكل إلا اللحم.
والجواب أن الفسادَ جاء من جهة عدم اتحاد الوسط، فإن قولنا: الفول يغذي الحمام، الأصل أن يقال: وكل ما يغذي الحمام يغذي البازي، ولم نأخذه بل أخذنا مفعول المحمول الذي هو الوسط، ولم يؤخذ معناه.
المسألة السادسة: تقول: كل زوج عدد، والعدد إما زوج أو فرد، ينتج: الزوج إما زوج أو فرد، وذلك كاذب مع أن المقدمات صادقة.
стр. 301
والجواب أن المحال إنما نشأ من جهة أن المقدمة الثانية، من شرطها أن تكون كلية، وهي هنا مهمَلة، والمهملة في قوة الجزئية، وأيضا فقولنا: العدد إما زوج أو فرد، قضية مبعَّضة (٨٤).
وقال أرباب المنطق: إنما تكون كلية بأزمانها وأوضاعها، فإنْ لم تقع الإشارة إلى أن ذلك ثابت لذلك المحكوم عليه في جميع الأحوال على جميع التقادير وإلا لم تكن كلية (٨٥).
إذا تقرر هذا، فنقول: ما تريد بقولك: العدد إما زوج وإما فرد؟ تريد به في أي حالة كان أو من حيث الجملة، فإن أردت الأول كان معناه العدد في حالة
стр. 302
كونه زوجا هو منقسم إلى الزوج، والفرد وذلك كاذب، وإن وقع في حالة كونه فردا انقسم إليها أيضا وذلك كاذب، فالمقدمة كاذبةً، ضرورةً على هذا التقدير، وإن أردت بالعدد العدد من حيث الجملة فهو إشارة إلى الفرض المشترك بين جميع الأعداد فذلك صادق.
لكنها إذا صدقت على هذا التقدير كانت جزئية، فإن المشترك يكفي في تحققه صورة واحدة، ويبطل حينئذ شرط الإنتاج لأنها جزئية، فهي -إذن- كاذبة أو فات فيها شرط الإنتاج، وعلى التقديرين لا تصح النتيجة (٨٦).
المسألة السابعة، تقول: الوتد في الحائط، والحائط في الأرض، فالوتد في الأرض، وهو كذب. والجواب أن الكلام فيه توسع، وهو قولك: الحائط في الأرض، فإنه لم يغب بجملته في الأرض، بل أساسه، فهو من باب إطلاق الجزء على الكل، فلو صدق اللفظ حقيقة بأن يكون جملة الحائط في الأرض لكان الوتد في الأرض جزما وكان الخبر حقا، كقولنا: المال في الكيس، والكيس في الصندوق، وهذا حق لأنه لا توسع فيه.
فإن قلت: المراد بقولنا: الحائط في الأرض أن بعضه في الأرض حقيقة، ولا يلزم من هذه العبارة الإحاطة، قلنا: إذا كان كذلك فأقول: الوتد في الأرض أيضا، وصدق بلا إشكالٍ.
المسألة الثامنة، قولنا: هذا الجبل ذهب، لأن كل من قال: انه ذهب قال: إنه جسم، وكل من قال إِنَّهُ جِسم، صادق فكل من قال: إنه ذهبٌ، صادق، وهذا الخبر كاذب مع صدق المقدمات، وبهذا النمط يستدل على أن كل ما في العالم ذهب وياقوت وحيوان، وجميع أنواع المحالات نقررها بهذا الدليل، وهذه مغالطة عظيمة.
والجواب من وجوهٍ:
стр. 303
أحدها أن قول القائل: هذا الجبل ذهب، محال وكذب، والمحال يجوز أن يلزمه المحال، فيكون المحال في النتيجة إنما نشأ من هذا المحال، فنحن نلتزم أنه ذهب على هذا التقدير المحال ولا محذور، وإنما المحذور أن يكون ذهبا في نفس الأمر.
الثاني: أنا لا نسلم صحة المقدمات، لأن قولنا: إنه ذهب، محال، والقول بأنه جسم، صِدْقٌ، والله الموفق للصواب (٨٧).
стр. 304
قواعد العلل
وفيها ستَّ عشْرَةَ قاعدةً:
القاعدة الأولى (١)
نقرر فيها الفرق بين قاعدة السبب الشرعي، سالما عن المعارض مِن غَيْر تخيير، يترتب عليه مسببه، وبين قاعدة وجود السبب الشرعي سالما عن المعارض، مع التخيير، فلا يترتب عليه مسببه.
وبيان هذا أن الشافعية تقول: إن المرأة إذا حاضت بعد زوال الشمس ترتب (٢) عليها وجوب الظهر وبقي في ذمتها، حتى إذا طهرت قضت تلك الصلاة. والمالكية تقول: لا تَقْضِيهَا إذا حاضت في آخر وقتها بمقدار ركعة من الصلاة، فالشافعية تقول: وجد السبب الشرعي في حقِها سالما عن المعارض، فترتب الوجوب عليها، ولا تفرق بين ما فيه تخيير وما لا تخيير فيه.
والمالكية تقول: لا يترتب من حيث التخيير، وإنما يترتب إذا ارتفع التخيير، وذلك إذا وجد السبب سالما عن المعارض من غير تخيير، وهذا يكون آخر الوقت، فإن التخيير حينئذ يزول ويتعين الوقت، فأشكل قول مالك في هذا وصار ملتبسا بمذهب الحنفية التي تقول: الوجوب تعلق بآخر الوقت.
والجواب عن هذا حتى (٣) يتحقق الفرق بين هاتين القاعدتين ويظهر، أنا لا نقول: الوجوب تعَلَّقَ (٤) بآخر الوقت بل بأوله، ومع ذلك نقول بما نقول، لأجل
стр. 305
التخيير الموجود هو أن نقول: مما يدل على صحة الفرق الذي ذهب إليه مالك،
صور كثيرة موجودة لا نزاع فيها هي مثلها (٥).
فمنها أن من اشترى صاعا من صُبْرَةٍ، فلمن باعه أن يبيع سائر الصيعان من غير المشترى لذلك الصاع، فلو فعل ذلك وبقي صاع فتلف بآفة سماوية انفسخ العقد ولم ينتقل الصاع للذمة، كما لو تلفت الصبرة كلها بآفة سماوية.
والسبب في ذلك أن العقد تعلق بالقدر المشترك بين صيعان الصبرة وهو مطلق الصاع، فتصرف بِمقْتَضَى التجويز فيما عدا الصاع الواحد، وأتت الجائِحَةُ على ذلك الصالح، فكان التخيير في غيره مع الآفة فيه كالآفة في الجميع، كذلك أجزاء الوقت كالصيعان يجب منها واحد فقط، فإذا تصرفت المرأة في ضياع ما عدا الأخير منها بالإِتلاف ثم طرأ العذر في آخرها قام ذلك مقام وجود العذر في جميعها. ولو وجِد العذر في جميعها سقطت الصلاة، فكذلك إذا وجد ما يقوم مقامه وهُوَ التخيير مع العذر في الآخر، وبالتخيير حصل الفرق بين سبب الوجوب الذي هو القدر المشترك بين أجزاء القامة وبين رؤية الهلال، فإنه سبب الوجوب، فإذا وُجِد سالما عن المعارض ترتب عليه الوجوب، فالفرق من حيث التخيير وعدمه.
ومثل هذا لو وجب عليه عتق رقبة في كفارة الظهار، وكان له عدة من العبيد، فله أن يتصرف فيما عدا الرقبة الواحدة بما شاء من البيع والعتق، فلو فعل ذلك ثم إنه طرأ على الرقبة الباقية للكفارة آفة لا ينتقل إلى الصيام. ولا يقال: هي متعلقة بذمته، وَمَا سبب ذلك إلا التخيير، وأما سبب الوجوب (٦) فقد وجد في حقه سالما عن المعارض، ولكنه كان ذلك على التخيير.
стр. 306
ومثل هذا لو كان له عِدَّة ثِياب للسترة (أيْ في الصلاة) فتَصَرَّف أيضًا فيها عدَا الواحد، ثم ضاع ذلك الواحدُ لسقط عنه الوجوب.
ومثل هذا لَوْ كان عنده من الماء كفايتُهُ للوضوء مِرارا فتصرّف في الزائد، ثم طرأ على الكفاية ذلك لَما وجب عليه.
وكذلك مَنْ كان عليه قدرٌ معلوم للزكاة الواجبة عليه لأجْل الفِطر وزيادةٌ عليها، فتصرف في الزائد ثم ضاع، لسَقط عنه الوجوب.
فهذه الصور وغرها لو استُقرئتْ تَحَقَّقَ أن الحق ما اعتبَرهُ مالك ﵀ من الفرق بين وجود السبب سالما عن المعارض يترتب عليه الوجوب إذا لم يكن تخيير. ولا يترتب عليه إذا كان ثَمة تخيير.
ولا يقال: هو رجُوعٌ إلى مذهب الحنفية في مسألة الأوقات، بل الوجوبُ موسَّعٌ من أوّله إلى آخره، ولكنه للتخيير الذي فيه تصوَّر ما تَصَوَّر، واللهُ أعلم. (٧)
القاعدة الثانية (٨)
نقسم فيها الأسباب، ثمَّ نقرر الفرق بين بعضِ الأسباب وبعضٍ، فنقول:
стр. 307
إنَّ السبب ينقسم إلى عقْلي وشرعى، ثم الشرعي ينقسم إلى ما هو شرط وإلى ما ليسَ هو شرطاً. ثم الذي ليس بِشرط ينقسم إلى ما هو بجَعْل الله، ليس للمكلَّف فيه دخَلٌ، كالزوال لِصلاة الظهر، وإلى ما للمكلَّف فيه دخَل، وهذا ينقسم إلى فِعلى. وقوْلي، فالفعِلي كالاصطياد سببٌ للملك، والقولي كالشِّراءِ سببٌ للملك أيضا.
فإذا تقرر هذا فنقول: اختلف الفقهاء، أيُّ سبب أقوَى؟ ، فَقِيلَ: الفِعلُ أقوى، لأن الأسباب الفعليةَ تصح من المحجُور عليهِ ولا تُرَدُّ، والأسباب القولية يُرَدُّ مقتضاها، ولا يمضي بيعُه وصدقتُهُ وقِراضُهُ، وغيرُ ذلك من الأسباب القولية لا يترتب عليها مسبِّبُها، واصطيادهُ وسائر أفعاله التي يَملِك بها لا يبطُل مسببها، وكذلك وطْؤُه لأمَتِهِ سَبَبٌ لأنْ تصيرَ أم ولد فتعتق، لا يبطُلُ أيضا، وعتقه لها يبطل ولا يمضى، مع أن العتق خيرٌ عظيمٌ في الشريعة.
وقيل: إن السبب القوْلي أقوى، لأن العتق بالقول يستعْقِبُ العتق، وبالفعل ليس كذلك، والسببُ الذي يستَعْقِبُ مسبَّبه (٩) أقْوى. وأيْضاً مما يدل على أن السبب القول أقوَى، أن التَّملُّك (١٠) بالِإحياء أضعفُ من التملك بالشراء، لأن التملك بالِإحياء إذا زال الِإحياءُ بطل الملك عند مالكِ (١١) ولا يبطُل المِلْكُ عند الشافعى ومالِكٍ في القولي إلا بِسَبَبٍ ناقِلٍ ولمالِكٍ فروع كثيرةٌ. تدل على هذا،
стр. 308
كالصيد يتوحش، يزول مِلكه، والنحْلِ يَفِرُّ عن جَبْحِهِ، والسمكِ ينقلب للبحر بعد صيْده له فيصيدهُ غيرُه.
القاعدة الثالثة (١٢)
تقرر فيها الفرق بين الأسباب العقلية والأسباب الشرعية، فنقول:
السببُ العَقْلي أولى كالضياء عن قُرْص الشمس، والشرعى نحو بِعت وطلقت، وغير ذلك من الأسباب التي تَتَرتَّبُ عليها أحكام شرعية.
فإذا تقرر هذا، فنقول:
قال الأستاذ أبو إسحاق الإسْفَرايْني ﵀: يَثْبُتُ مسبَّبُ هذا القسم مع آخرِ حَرْف منه تشبيها للأسباب الشرعية بالأسباب العقلية، من حيث إن العلل العقلية لا يوجَد معلوُلها إلا حالةَ وجودها لا حالةَ عدمها (١٣)، فكذلك هذه الأسبَابُ الشرعية، إذا عُدِم آخرُ حرْف منها عُدِمتْ جملتها فلا توجب حكْماً،
стр. 309
وجُعِل آخرُ حرف منها كوجودها بجملتها، لأنَّهُ الوجود الممكن في حقها، لأنها مصادِر سَيَّالَةٌ يستحيل وجودُها بجملتها.
وقال غيرُهُ من العلماء ﵃: ينبغي أن لا يكون تقدير مسبَّباتِ هذِه الأسباب إلا عَقِيب آخِر حرف وإن عُدمت جملة الصيغة، لأن المُسَبَّبَ إنما تحقق، عادةً، حينئذ، وعلى هذه الطريقة تحقق الفرق بين الأسباب العقلية والأسباب الشرعية.
والأسباب الشرعية أيضا تنقسم إلى ما يوجب مسبَّبها كبعْتُ، والى ما يوجبُه استلزاما كالعتق عن الغير، (١٤) فقيل: يقدَّرُ المِلك قبل النطق بالصيغة بالزمن الفرد، لضرورة ثبوت الولاء له، ولبراءة ذمته من الكفَّارةِ.
وقال بعض الشافعية: يثبت المِلك مع العتق، لأن التقدم (١٥) على خلافِ الأصل.
وقال شهاب الدين: هذا المذهبُ غير متجه، لأن المِلك مضادٌّ للعتق، واجتماعُ الضدين محال.
قلت: وقد تقدم أيضا أن قاعدة التقدير ما تحققتْ له، واستدلاله عليها ضعيف.
стр. 310
قال شهاب الدين ﵀: وتنقسم الأسباب الشرعية إلى ما يقتضي ثبوتا وإلى ما يقتضى إبطالا كالبيع في الأول، والطلاقِ في الثاني، وبالله التوفيق. (١٦)
القاعدة الرابعة (١٧)
نقرر فيها ما يتقدم عليه مسبَّبُهُ من الأسباب الشرعية ومالًا، فنقول:
إن الأسباب معَ المسبَّبَات بحسَب ذلك تنقسم إلى أرْبعة أقسام:
стр. 311
قسم منها يقارن، لا يتقدم ولا يتأخر، كالأسباب الفعلية في حيازة المباح، كالحشيش والصيد، كشرب الخمر والزنى (أيْ لِلْحدود)، ومنها ما يتقدمُ الحكمُ على السبب كوجوب الدية قبل الموت في قتل الخطأ، وسَبُبَها زهوق الروح.
قلت: هذا ممنوع، بل نقول: ما تجب إلا بَعْدَ الموت، وكونها تورَث عنه ليس لأن ملكه قد تقدَّم لها، بل لأن الشرع جعل لها حكم المال الملوك للميت، فقضَى للورثة بأخْذها على أنصبائهم في الوراثة.
وقسم يتقدم ويتأخرُ مسببه، كبيع الخيار يتأخر فيه نقْلُ الملك عن العقْدِ إلى الإمضاء على الصحيح، وكالوصية يتأخر نقلها للملك في الموصى به إلى ما بعد الموت. (١٨)
وقسمٌ اختلِف فيه كالأسباب القولية، هل تقع مسَّبباتها معها أو بَعْدَها على ما مضى من مذهب أبي إسحاق الإسفرايني وغيْره. (١٩)
القاعدة الخامسة (٢٠)
نقرر فيها ما يشترط فيه إجماع الشروط والأسباب وانتفاء الموانع، وما لا يشترط فيه ذلك، فنقول:
الإنْشآءات كلها يُشْتَرَط فيها ذلك، والإِقرار لا يشترط فيه ذلك، ومعنى
стр. 312
هذا أنه إذا قال: بعْتُ هذا -مثلا- بثمن كذا فلا بدَّ من اعتبار أسباب البيع كلها من حيث الأركان وشروط ذلك، وانتفاءُ مُوانعه حالةَ الإنشاء، فإذا قال له: عندى كذا من الدنانير لم يعتبر فيه النقد الغالبُ حينئذ، لأَن السبب لاستحقاق ذلك الدَّيْنِ قد تقدَّم، فمن قال لَه: عليَّ دينار مِن ثمن دابة، حَملْنَا هذا الإِقرار على تقدم بيع صحيح على الأوضاع الصحيحة في دابة تقبل البيع، لا خمْرٍ ولا خنزير مع ما هو معتبر في البيع، ولهذا قال العلماء: إذا باعه بدينار وفي البَلَدِ نقود مختلفة، حُمِل على الغالب من شكة البلد حينئذ، وَلو أقرّ بدينار في بلد، وفيها نقْلًا غالب، لا يتعين الغالبُ، لِأن السبب البيعُ المتقدم، ولعل السبب وقع في بلد آخر وزمان متقدم تقدما كثيرًا، فيكون الواقع حينئذ غيرَ هذه السمكة، وتكونُ هىَ الغالبة ذلك الوقت وفي ذلك البلد، والاستحقاق يتبعُ زمن وقوع السبب لا زمن الإقرارِ به.
القاعدة السادسة (٢١).
نقرر فيها الفرق بين عدم علة الِإذن أو التحريم، وبين عدمِ علة غيرهما (مِنْ العِلل).
إعلم أن عدَمَ كل واحدةِ من هاتين العلتين علةٌ للحكم الآخَر، فعدم عِلة الإذن علة للتحريم، وعدَمُ عِلة التحريم عِلةٌ لِلْإِذنِ. وأمَّا عدَمُ علة الوُجُوبِ فلا يلزم منه شيء، فقد يكون غيرُ الواجب محرَّما، وقد يكون مندُوبا أو مكروها أَو مباحا، وكذلك عدمُ الندب أو الكراهة، قد يكون الفعل واجباً أو محرَّما أو مباحا، ويتضح ذلك بذكْر ثلاثِ مسائل:
стр. 313
المسألة الأولى: النظر في النجاسة والطهارة، فالنجاسةُ ترجع إلى تحريم، والطهارة ترجع إلى إباحة، وعلة التحريم في النجاسة الاستقذار والتوسلُ للإِبعاد، فإذا عُدمت هذه العلة للتحريم كان ذلك عِلة للطهارة التي هي إباحة، وهذا من حيث إنَّا نقول في النجاسة: إنها تحريم الملابسة في الصلوات والأغذية لأجْل الاستقذار والتوسل للإِبْعاد، والمرادُ بالقيْدِ الآخَرِ تحريم الخمر والسموم الموجبة للهلاك والأمراض، والطهارة عبارةٌ عن إباحة الملابسة في الصلوات، فعدم علّة التنجيس علة الطهارة، من حيث إن الواحدةترجع إلى التحريم والأخرى إِلى الإِباحة.
المسألة الثانية: تحريم الخمر معلَّل بالإِسكار، فمتى زال الإِسكار زال التحريم وثبت الِإذنُ، وجاز أكلها وشربها، وعلة إباحةِ شرب العصير مسالَمَتُهُ للعقل، وسلامتُه عن المفاسد، فعَدَم علة المسالمة والسلامة علَّة للتحريم، فظهر أيضا في هذه المسألةِ تصحيحُ ما قلناه. (٢٢)
المسألة الثالثة، الحدث والطهارة، فالحدث يُقال على الأسباب الموجبة للوضوء ولا نريدهَا هُنا، ويقالُ على المنع المترتب على هذا السبب، وهذا المعنى هو المراد. فَقَولُ الفقهاء: يَنْوِي رفع الحدثِ، أيْ يَنْوي رفع اتصال المنع، وأمَّا أصْلُ المَنْعِ فلا يُرفع كما لا يُرْفعُ السبب الموجِبُ للوضوء، فإنهما واقعانِ قد وقَعَا.
فإذا علمتَ هذا، فالحدثُ يرجع إلى تحريم ملابَسَةِ الصلاة حتى يتطهر، وإذا كان الحدث عبارة عن التحريم، والطهارة إباحة ذلك المُحرَّم، فالأسبابُ الموجِبة للوضوء علة التحريم، وعدمها عِلة الإِباحة بعد التطهر، واستعمال الماء سبَبُ ارتفاع ذلك المنع وحصُولِ هذه الإِباحة، فحَصَل مِنْ هذا المثالِ أنَّ علَّة الإِباحة عدم علة التحريم، وعدم سبب الإِباحة علة التحْريم.
стр. 314
القاعدة السابعة (٢٣)
نقرر فيها تداخل الأسباب وتساقطها، ونُظْهِر الفرق بينهما فنقول:
التداخل بين الأسباب معناه أن يوجد سببان مُسَبَّبُهُمَا واحد، والقياسُ يقتضي وجود مسبَّب لكل سبب، وتَساقُط الأسباب يكون عند التعارض وتنَافي المسبَّبَات، بأن يكون أحدُ السببيْن يقتضى شيئا والآخرُ يقتضي ضدّه أو نقيضَه، فيقدم صاحبُ الشرع الراجحَ منهما على المرجوح، فيسقط المرجوحُ، أو يستويان فيتساقطان معا. ثم التداخل والتساقط استويا في أن الحكم لا يترتب على السبب الذي دخل في غيره ولا على الحكم الذي سقط بغيره. ومثال التداخل هو ظاهر في ستة أبواب:
الأول: الطهارة من النجاسة كالوضوء والغسل إذا تكررت أسبابها المختلفة كالحيض والجنابة، والمتماثلة كالجنابتَيْن، أو الملامسَتين في الوضوء، فها هنَا دخل أحدُ السببين في الآخَر.
قلت: كلامُه في السبَب يُشْعِر بأن السبَبَ الشرعي كالسبب العقلي، لا يَجْتمع على مسبَّبٍ واحدٍ أكثرُ من سبَبٍ واحد.
ولقائل أن يقول: ليس هذا بصحيح، فإن الأسباب الشرعيَّة هي كَمُعَرِّفاتٍ، ولا مانع يمنع من اجتماع معرِّفات على معرَّفٍ واحد، بخلاف تلك فإنها مُوجداتٌ، ولذلك لا يكون للمسبَّب فيها إلَّا سببٌ واحد.
стр. 315
قال شهاب الدين ﵀:
الثاني: الصلوات، كتداخل تحية المسجد مع صلاة الفَرض، مع تعدد سببهما الذي هو الدُّخُوُل والزَّوَال. (٢٤)
الثالث، الْمُعتكِف في رمضان، فلصيامه سببٌ وهو رمضان، وله سبب آخر وهو الاعتكاف، وأتى بمسبَّب واحد. (هو الصيام).
الرابع: الكفارات في الْأيمان على الشهور في حمل الأيمان على التكرار دون الإنشاء، بخلاف تكرر الطلاق يُحْمَلُ على الإِنشاء حتى يريد التكرار. (٢٥)
الخامس، الحدود المتماثلة وإن اختلفت أسبابها كالقذف وشرب الخمر، أو تماثلت كالزِنى مرارا.
السادس: الأموال كالوطء بالشبهة، إذا تكرر الوطء فمهرٌ واحد، ولو انفردت الوطأة الأولى لكان فيها ذلك.
ومالكٌ المعتبر عنده في صداق المثل، الوطأة الأولى، والشافعي يقول:
إذا وطئها مرَّاتٍ فالاعتبار فيها بحسب الوطأة الوُسطَى إذا كانت أعظم، ويندرجُ الطرفانِ فيها، وهذا كما لو وطئِها وهي مريضةٌ عديمة المالِ، ثم تصِحُّ وتَرِث
стр. 316
مالاً عظيماً ثُمَّ تَسْقَمُ (٢٦). فالحالة الوسطى أعظمُ هذه الحالات، باعتبارها يكون صداق المثل، ومالكٌ يَرَى باندراج المتأخر في المتقدم.
وأما الأصل الذي هو عدم التداخل فهو أكثر في الشريعة، وذلك كالِإتلافين يجِبُ بهما ضمانانِ ولا يتداخلان، وكالطلاقين وكالنذْريْن يتعددُ منْذورهما، وكالوصيتيْن بلفظٍ واحد لشخص واحدٍ، على خلاف في هذا، وهو كثيرٌ.
وأمَّا تَسَاقُطُ الأسباب فهو قسمان: تارةً يقع الاختلاف في جميع الأحكام، وتارةً في البعضِ.
أمَّا الأولُ فكالرِّدة مع الإسلام، والقتل والكفر مع القرابة الموجبة للميراث، وكالدَّيْن يُسقط الزكاة، وأسبابُها توجبها، وكالبيِّنَتَيْنِ إذا تعارضتا، وهو كثير، حصل التنافي فوقع التساقط.
وأمَّا التساقُط بِسَبب التنافي من بعض الوجوه وفي بعض الأحكام، فكَالنكاح مع المِلك، إذا اجتمعا سقط النكاحُ لقوة المِلْكِ، ولا تَداخُلَ هنا فيقال: هي مضافة لهُما البتَّةَ (أي قَطْعاً).
ومن ذلك علم الحكام مع البينة على مذهبِ الشافعي، لا على مذهبنا، فسقط أمر البينة، لِأنها تفيد الظن، وعلمه أفاد القطع فكان أرجح، والله أعلمُ (٢٧).
стр. 317
القاعدة الثامنة (٢٨).
نقرر فيها المقاصد ما هي، والوسائل ما هي؟ ،
ثم نذكر الفرق بينهما فنقول:
المقاصد تنقسم إلى مَصَالِحَ ومَفَاسدَ.
فالمقاصد هي المتضمنة لهذيْن، والوسائل: الطرق الفُضِية إلى المقاصد التي المصالح أو المفاسد، ولهذا نقول:
أحْكَامُ الوسائل تَتبَعُ أحكام المقاصد، فإذا كَان المقصِدُ واجباً فالوسيلة إليه تجبُ، وإن كان حرامًا فالوسيلة إليه تحْرُمُ، وإن كان مندوباً فكذلك، أو مكروها فكذلك، أو مباحا، فكذلك. إلا أنه يشكل هذا بإمرار الموسى على من لَا شعر له في الحج، فإن إمرار الموسى وسيلةٌ لإِزالة الشعر إلا في هذا الموضع. فيمكن أن يقال: هو مستثنى، وتبقى لنا القاعدة من تبعيَّة الوسائل للمقاصد.
ومما يخرجُ أيضا من الوسائل عن التبعية دفعُ مال للكفار في فكِّ أسارَى، وهذا من حيث إن إعانتهم بالمال وغيره حرام، ودفع المال إليهم وسيلة إلى الإعانة التي هي محرمة.
стр. 318
وأيضا فأكْلُ ذلك المال عليهم حرام من حيث إنهم مخاطَبون بفروع الشريعة، والدفع إليهم سبب لذلك الحرام فيكون حراما، ولكنه ما كان كذلك، ترجيحا للمصلحة الحاصلة فيه من فك الأسارَى، ومثل هذا ما يدفع لقطاع الطريق إذا كان يسيرًا.
ومنها (٢٩) مسألَةٌ يقع الغلط فيها وهي: أن الترخيص لا يكون بسبب (٣٠) المعْصِية، ويكون الترخيص لمن قارَنته المعصية ولم تكن معصيته سبباً، فالمقارنة كفاسِقٍ يَعْدَمُ الماء، يجوز له التيمم، أو يعجز عن القيام في الصلاة فيصلي جالساً، والمعصيَّةُ لا تكون سببا للترخيص، كسَفر المعصية لا يكون سببا للفطر في رمضان ولا للقصر.
وهذا الفرق يبطل قول من قال: إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها، لأن سببَ أكلِهِ خوفُه على نفسه لا سفَرُه، فالمعصية مقارنة للسبب لا أنها هي السببُ.
قلت: ولقائل أن يقولَ: وكذلك سفر المعصية، لَيس لِصاحبه أن يَقْصُرَ، لا يَصْدُقُ، لأن العلة في التقصير المشقةُ وقد وُجدت، والسفر مقارن، كما الأمرُ على قولك في الميتة، والله أعلم.
قال شهاب الدين ﵀:
وقد يُعَبِّر الفقهاء عن الوسائل بالذرائع، والذرائع تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 319
قسم وقع الاتفاق على مَنْع العمل بها كسَبِّ آلهة الكفار وحفْرِ بِئر ليقع فيها مُسلم، فهذِه يجب القول بتحريمها.
وقسم اتفق على أنها غير معتبرة كبيع العنب، يقال: إنه يَعصِر مِنه خمراً، أو زرْعه مخافة ذلك، فلا أحدَ يقول: هذا سَبَبٌ لمنع زراعة العنب. وقسم مختلَفٌ فيه، هل يَفْسُدُ أمْ لَا، كبيوع الآجال قال بها مالك ولم يقل بها الشافعي، وكالنظر إلى النساء، لأنه وسيلة إلى الزنى، والمسائل لهذا القسم كثيرة.
قال شهاب الدين ﵀: وهذا القِسْم (٣١) يُظهِر خطأ الأصحاب في استدلالهم على بيوع الآجال بِسَدِّ الذرائع التي اتُّفق عليْها، وإنما ينبغي أن يستدَلّ عليها بمثل ما ذكره مالك في موطئه في قضِية أم ولد زيد بن أرقم مع سيدها،
стр. 320
وإخبار عائشة لها، لمّا أخبرتها أنه رِبا، فتلك القضية نصٌّ في المعنى المختلَف فيه (٣٢).
وذكر في المسألة سؤالا، وهو أن زيد بن أرقم ﵁ هو من خيار الصحابة، وما وقع في ذلك إلاَّ من حيث أنه رأى أن الربا لا يقع بين السيد وعبدِهِ، وعائشة تقول بوقوعه بينهما، وقصَدتْ عائشة التغليظَ في ذلك القول ليرجع الناس عن الاقتداء به في ذلك.
واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وأحَلَّ اللهُ البيْعَ وحرَّم الربا﴾، قُلْنا: هذا عامٌّ، وما أتيْنا به نحن خاصٌّ. واستدل أيضا بما في الصحيح من أنه أُتِىَ بِتَمْرِ خَيْبَرَ (٣٣)، فقال: أتمْرُ خيبَر كلُّه هكذا؟ ، فقالوا: إنَّا نبتَاعُ الصاع بالصاعَيْن،