مالاً عظيماً ثُمَّ تَسْقَمُ (٢٦). فالحالة الوسطى أعظمُ هذه الحالات، باعتبارها يكون صداق المثل، ومالكٌ يَرَى باندراج المتأخر في المتقدم.
وأما الأصل الذي هو عدم التداخل فهو أكثر في الشريعة، وذلك كالِإتلافين يجِبُ بهما ضمانانِ ولا يتداخلان، وكالطلاقين وكالنذْريْن يتعددُ منْذورهما، وكالوصيتيْن بلفظٍ واحد لشخص واحدٍ، على خلاف في هذا، وهو كثيرٌ.
وأمَّا تَسَاقُطُ الأسباب فهو قسمان: تارةً يقع الاختلاف في جميع الأحكام، وتارةً في البعضِ.
أمَّا الأولُ فكالرِّدة مع الإسلام، والقتل والكفر مع القرابة الموجبة للميراث، وكالدَّيْن يُسقط الزكاة، وأسبابُها توجبها، وكالبيِّنَتَيْنِ إذا تعارضتا، وهو كثير، حصل التنافي فوقع التساقط.
وأمَّا التساقُط بِسَبب التنافي من بعض الوجوه وفي بعض الأحكام، فكَالنكاح مع المِلك، إذا اجتمعا سقط النكاحُ لقوة المِلْكِ، ولا تَداخُلَ هنا فيقال: هي مضافة لهُما البتَّةَ (أي قَطْعاً).
ومن ذلك علم الحكام مع البينة على مذهبِ الشافعي، لا على مذهبنا، فسقط أمر البينة، لِأنها تفيد الظن، وعلمه أفاد القطع فكان أرجح، والله أعلمُ (٢٧).
стр. 317
القاعدة الثامنة (٢٨).
نقرر فيها المقاصد ما هي، والوسائل ما هي؟ ،
ثم نذكر الفرق بينهما فنقول:
المقاصد تنقسم إلى مَصَالِحَ ومَفَاسدَ.
فالمقاصد هي المتضمنة لهذيْن، والوسائل: الطرق الفُضِية إلى المقاصد التي المصالح أو المفاسد، ولهذا نقول:
أحْكَامُ الوسائل تَتبَعُ أحكام المقاصد، فإذا كَان المقصِدُ واجباً فالوسيلة إليه تجبُ، وإن كان حرامًا فالوسيلة إليه تحْرُمُ، وإن كان مندوباً فكذلك، أو مكروها فكذلك، أو مباحا، فكذلك. إلا أنه يشكل هذا بإمرار الموسى على من لَا شعر له في الحج، فإن إمرار الموسى وسيلةٌ لإِزالة الشعر إلا في هذا الموضع. فيمكن أن يقال: هو مستثنى، وتبقى لنا القاعدة من تبعيَّة الوسائل للمقاصد.
ومما يخرجُ أيضا من الوسائل عن التبعية دفعُ مال للكفار في فكِّ أسارَى، وهذا من حيث إن إعانتهم بالمال وغيره حرام، ودفع المال إليهم وسيلة إلى الإعانة التي هي محرمة.
стр. 318
وأيضا فأكْلُ ذلك المال عليهم حرام من حيث إنهم مخاطَبون بفروع الشريعة، والدفع إليهم سبب لذلك الحرام فيكون حراما، ولكنه ما كان كذلك، ترجيحا للمصلحة الحاصلة فيه من فك الأسارَى، ومثل هذا ما يدفع لقطاع الطريق إذا كان يسيرًا.
ومنها (٢٩) مسألَةٌ يقع الغلط فيها وهي: أن الترخيص لا يكون بسبب (٣٠) المعْصِية، ويكون الترخيص لمن قارَنته المعصية ولم تكن معصيته سبباً، فالمقارنة كفاسِقٍ يَعْدَمُ الماء، يجوز له التيمم، أو يعجز عن القيام في الصلاة فيصلي جالساً، والمعصيَّةُ لا تكون سببا للترخيص، كسَفر المعصية لا يكون سببا للفطر في رمضان ولا للقصر.
وهذا الفرق يبطل قول من قال: إن العاصي بسفره لا يأكل الميتة إذا اضطر إليها، لأن سببَ أكلِهِ خوفُه على نفسه لا سفَرُه، فالمعصية مقارنة للسبب لا أنها هي السببُ.
قلت: ولقائل أن يقولَ: وكذلك سفر المعصية، لَيس لِصاحبه أن يَقْصُرَ، لا يَصْدُقُ، لأن العلة في التقصير المشقةُ وقد وُجدت، والسفر مقارن، كما الأمرُ على قولك في الميتة، والله أعلم.
قال شهاب الدين ﵀:
وقد يُعَبِّر الفقهاء عن الوسائل بالذرائع، والذرائع تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
стр. 319
قسم وقع الاتفاق على مَنْع العمل بها كسَبِّ آلهة الكفار وحفْرِ بِئر ليقع فيها مُسلم، فهذِه يجب القول بتحريمها.
وقسم اتفق على أنها غير معتبرة كبيع العنب، يقال: إنه يَعصِر مِنه خمراً، أو زرْعه مخافة ذلك، فلا أحدَ يقول: هذا سَبَبٌ لمنع زراعة العنب. وقسم مختلَفٌ فيه، هل يَفْسُدُ أمْ لَا، كبيوع الآجال قال بها مالك ولم يقل بها الشافعي، وكالنظر إلى النساء، لأنه وسيلة إلى الزنى، والمسائل لهذا القسم كثيرة.
قال شهاب الدين ﵀: وهذا القِسْم (٣١) يُظهِر خطأ الأصحاب في استدلالهم على بيوع الآجال بِسَدِّ الذرائع التي اتُّفق عليْها، وإنما ينبغي أن يستدَلّ عليها بمثل ما ذكره مالك في موطئه في قضِية أم ولد زيد بن أرقم مع سيدها،
стр. 320
وإخبار عائشة لها، لمّا أخبرتها أنه رِبا، فتلك القضية نصٌّ في المعنى المختلَف فيه (٣٢).
وذكر في المسألة سؤالا، وهو أن زيد بن أرقم ﵁ هو من خيار الصحابة، وما وقع في ذلك إلاَّ من حيث أنه رأى أن الربا لا يقع بين السيد وعبدِهِ، وعائشة تقول بوقوعه بينهما، وقصَدتْ عائشة التغليظَ في ذلك القول ليرجع الناس عن الاقتداء به في ذلك.
واحتج الشافعي بقوله تعالى: ﴿وأحَلَّ اللهُ البيْعَ وحرَّم الربا﴾، قُلْنا: هذا عامٌّ، وما أتيْنا به نحن خاصٌّ. واستدل أيضا بما في الصحيح من أنه أُتِىَ بِتَمْرِ خَيْبَرَ (٣٣)، فقال: أتمْرُ خيبَر كلُّه هكذا؟ ، فقالوا: إنَّا نبتَاعُ الصاع بالصاعَيْن،
стр. 321
فقال: رباً، ولكن بيعُوا تَمْرَ الجمْعِ بالدراهم، واشتَرُوا بالدراهم جنيباً.
وجوابنا أنه ليس في الحديثِ أن الجنيبَ يُشْتَرَى مِمَّن يباع له الجَمْع، وحينئذ تكون التهمة، ومع ذلك فلا دليل لكم عليه، واللهُ أعْلَمُ.
القاعدة التاسعة (٣٤)
الفرق بين تقدم الحكم على سببه دون شرطه، أو شرْطه دون سببه، وبين تقدمه على الشرط والسبب جَميعاً.
وتحريرُهُ أن الحكم لا يجوز تقدمه على سببه مطْلَقا، فإذا كان للحكم سبب واحد فلا يجوز تقديمه عليه، وإن كان له أسباب يتقدم عليها فكذلك، فإن كان له سببَانِ فتوسط، اعتبِرَ ذلك الحكم، بناءً على السبب الذي تقدم عليه، وصارتْ الأسباب الأخرى كالعدم، فإن شأن السبب أن يتقدم في تأثيره.
قلت: هذا التقرير يخالف ما قرره في القاعدة الرابعة، وقد قدّمنا الاعتراض عليه هناك. والحقُّ أنَّ السبب يتقدم على مسبَّبه لا أن يتأخر، وقد يفارق كما مضى في الأسباب الفعلية.
قلت: وهذا أيضا مبني على أن الأسباب الشرعية لها التأثير، وليس كذلك، بل هي معَرِّفات.
قال: ومثال الأول، (٣٥) الزوالُ سببُ وُجُوبِ الظهر، فإذا صليتَ قبله لم يُعْتبر ظُهْرا. ومثال الثاني الجَلْدُ، لَهُ ثلاثة أسْبَاب: الزنى، والقذف، والشرب، فمن
стр. 322
جُلِد قبْلَ ملابَسَةِ شيْء مِنْها لم يُعْتَبَر ذلك حَدًّا، ولا خِلاف في هذيْن القسْمَيِن.
القسم الثالث أن يكونَ لهُ سببٌ وشَرْطٌ، فإنْ تَأخَّر عنهما اعتُبِر إجماعاً، وإن تقدم عليهما لم يُعْتَبر إجماعا، وإن توَسَّطَ بينهُما فيقع الخِلاف في كثير من صوره بحسب اعتباره وَعَدَم اعتباره، ككفَّارة اليمين إن وقعت متوسطة بيْن الحنث واليمين، فقيل: تجْزيء، وقيل: لا. ولو قُدِّمَتْ عليهما لم تُعْتَبَرْ، ولو أُخِّرت عنهُما لَاعتُبِرت، بلا خلاف في القسمين، (٣٦) وكالزكاة تجب بملك النِّصاب وشرْط دوَرَانِ الحَوْل، لو توسطت، قولان، ولا خلاف في الطرفيْنِ، (٣٧) وقد جاء بَعْض المسائل فيها التوسط، واعتُبِر ذلك.
قال شهاب الدين ﵀: لا أعلم فيها خلافًا، وهذا في الشفعة إذا وقعتْ فأسقطها الشفيع بعد البيع وقَبْلَ الأخذِ، سقطتْ، والأخذ شرْطٌ، والبيع سبب (٣٨)، وذكر هنا المرأة تسقط حقها من القَسْم في الوطء، قال مالك: لها
стр. 323
الرجوع والمطالبة، لأن الطباع يشق عليها الصبرُ عَن مثل ذلك، بخلاف ما لو تزوجَتْهُ مجبوباً أو عِنِّيناً فإنه لا مقال لها في ذلك لِتَوَطُّنِ النفسِ على ذلك.
قلت: وَذِكْرُ هذه المسألة هنا فيما يظهر ليس مناسِباً للقاعدة، فإنه ليس فيها ذكرُ سبَبٍ وشرطٍ وَقَع ذلك في الطرفيْن، والله أعلمُ، إلا أن يقال:
وقعَ الإسقاط للوطْءِ بعْدَ ثبوتِ سببه وهو النكاح، وقَبْلَ شَرْطِهِ وهو التمكين، ومثل هذا إذا أسْقَطَتْ المرأة نفقتها فلها المطالبَةُ عند أصحابنا، مع أنه إسقاط بعْدَ السبب الذي هو النكاح، وقَبْلَ الشَّرْطِ الذي هو التمكين (٣٩) وقد يقال: ويمكن أن يقال هنا: ما كان لها المطالبة إلا لإسقاطها قبل سببه، وذلك التمكين، وهو كإسقاط الشفعة قبل بيع الشريك، والأَوّل أَظهر. (٤٠)
стр. 324
القاعدة العاشرة (٤١)
نقرر فيها الفرق بين اللزوم الجزئي واللزوم الكلي، فنقول:
لاشك أنه إذا لزم شيء شيئا، قد يكون لزوما جزئيا، وقد يكون لزوما كليا. ثم اللزوم الكلي على قسمين: أحدهُما أن يكون كليا عاماً لا بحسب شخص، والثاني أن يكون بحسب شخص. فالأول كقولنا: العِشرة تلزمها الزوجية، إذ ما من حالة تفرض ولا زمان ولا تقدير يُقدر من التقادير الممكنة إلا والزوجية في ذلك لازمة للعشرة.
والقسم الثاني كقولنا: كلما كان زيد يكتب فهو يُحَرِّك يَدَه، أي ما مِن حالةٍ تُفْرض، ولا زمانٍ يشار إليه، وريدٌ يكتب، إلا وهو يحرك يده في تلك الحالة باللزوم بيْن كتابته وحركةِ يده في كل الأحوال والأزمان، والشخص واحد.
وأما اللزوم الجزئي فهو لزوم الشيء للشيء في بعض الأحوال دون بعض، أو في بعض الأزمنة دون بعض.
وسأل بعضُ الفضلاء سؤالا عن قول الفقهاء: إن الطهارة الكبرى إذا حصلتْ أغْنَتْ عن الوضوء، فقال: أنتم جعلتم الطهارة الصغرى لازمة للكبرى، والقاعدة أن انتفاء اللازم يلزم منه انتفاء اللزوم، فيَلزَمُكم متى انتقض وضوؤه أن يعيد غسله، وهذا خلاف الِإجماع، أوَ تقولوا: هذه القاعدة باطلة، وهذا الآخَرُ أيضا باطل فلا سبيل للزوم الصغرى للكبرى.
والجواب أن نقول: اللزوم بين الطهارة الصغرى والكبرى جُزْئي لا كُلي، فليس يلزَم الوضوء للغسل دائما، بل ابتداءً فقط، والدوامُ مشروط بعدم طريَان
стр. 325
الناقض، فانتفاء الطهارة الصغرى حالة الناقض لا يَقْدَحُ في بقاء الطهارة الكبرى، فإن انتفاء ما ليسَ بلازم لا يلزم منه شيء، ولا أحد ممَّن يقول بهذا القول قال ببقاء (٤٢) الطهارة الكبرى دون الصغرى في هذه الحالة الله، هي حالة اللزوم، وإنما قال به في الحالة التي ليست بلازمة، والقول بأنه يلزم من عدم اللازم عدم الملزوم إنما هو حيث يكون الملزوم عاما أو خاصا، أما في الصورة التي لم يُقْضَ فيها باللزوم فلا.
القاعدة الحادية عشرة (٤٣)
في الفرق بين الشك في السبب وبين السبب في الشك.
أشكل الفرق على بعض الفضلاء حتى قال: النظر الأول الذي به يحصل العلم بوجود الصانع يصح التقَربُ به، وهو خلافُ ما عليه الناس، وقال: كيف ينكِره الناس وقد وجد التقرب بالمشكوك فيه في عدد صُوَر:
فمنها من شك هل صلى أم لا، فإنه يجب عليه أن يصلي، وينوي التقرب بتلك الصلاة المشكوك فيها، وكذلك من نسِي صلاة من خمْسِ لا يعرف عينَها فإنه ينوي التقرب بكل واحدة من الخمس مع شكِه في وجوبها عليه، ومثل هذا كثير.
стр. 326
والجواب أن الشارع شرَعَ الأحْكامَ وشرع لها أسْباباً، وجعل من جُملة ما شرعَه من الأسباب الشَّك، فشرَعه في عدة من الصُّور حيث شاء.
فإذا شك هل هي الشاة المذكَّاة أو الميتَة حَرُمَتَا معاً، وإذا شك في الأجنبية وأخْتِهِ من الرضاع حرِّمتَا مَعاً، وسَببُ التحريم هو الشك، وكذلك قد يكون الشك سبب الوجوب، والمتقرِبُ في مثل هذه الصورة جازم بوجود الموجب وهو الله تعالى، وسَبَبِ الوجوب الذي هو الشك، والواجِبِ الذي هو الفِعل، ودليلِ الوجوب الذي هو الِإجماعُ أو غيرُه من الأدلة. وفي صورة النظر لا شيء منها بمعلومٍ، بل الجميعُ مجهُول مشكوك فيه، فالشك في السبب كما هو في هذه الصورة التي ذكرنا لا يمنع من التقرب (٤٤).
ثم إذا تبين الفرق فلَا نقول: إن صاحب الشرع جعل الشك سببا مطلقاً، بل نصبه مرَّةً سبباً، وفي صُوَر صوَرٍ يُلْغِيهِ ولا يَعْتَبرهُ، وفي صُوَرٍ وقع الخلاف فيها بين العلماء، هل يُلْغى ذلك الشكُّ أو يُعتَبر، فاعتبارُ الشك كما قدَّمْنا، وإلغاؤه كمن شك هل طلق أم لا، فيلغيه ولا شَيء عَلَيه، كمن شكَّ هل سها في صلاته أم لا، فيلْغيه. والمختلَف فيه كمن شك هل أحدَث أو لا؟ اعتبره مالك دون الشافعي، ومن شك هل طلق ثلاثا أم لا (٤٥)؟ ألْزمه مالك الطلقة المشكوك فيها دون الشافعي، ومن حلف يميناً وشكَّ ما هي؟ ألْزمَه مالكٌ ﵀ جميع الأيْمان فقد صار الشك ثلاثة أقسام، ثم يتضح الفرق بذكر ثلاث مسائل.
المسألة الأولى، قال بعض العلماء: إذا نسي صلاة من خمس فإنه يصَلي
стр. 327
خَمْساً، وتصح نيته مع التَّرداد، (٤٦) والقاعدة أن النية لا تصِح مع الترداد، واستثنِيَتْ هذه الصورةُ لتعذر الجزم بالنية فيها، وليس الأمر كذلك، بل الشك الذي معه أوجبَ أن يصلىَ خمساً، وكذلك من شك في جهة الكعبة، إذا أوجبْنا عليه أربع صلواتٍ فقد جزَمْنا بوجوب الأربع، ولا تَردُّدَ في هذه الأشياء.
المسألة الثانية. من شك في صلاته فلم يدْرِ كَمْ صَلى أثلاثا أم أربعا؟ يجعلها ثلاثا ويصَلى ركعة ويسجد سجدتين بعد السلام، مع أن القاعدة أن من شك هل سها أم لا، لَا شيء عليه (٤٧) وقد يجوز أن يكون زاد وأن لا يكون، فكيفَ يَسْجد؟ مع أنه في غير هذه الصورة لو شك هل زاد أم لا، لا يسجد فتُشْكِل هذه المسألة (٤٨). ثم كيف يصلي هذه الرابعة ولا بد فيها من تجديد النية، فكيف ينوي التقرب بها مع عدم الجزم بوجوبها؟ ، ويجوز أن تكون مُحَرَّمة خامسة، وأن تكون واجبة رابعةً، ومع التردد لا جزْمَ.
والجوابُ أن الشرع جعل الشك سبباً لركعة وسجدتين فلا ترداد، وعَلَى هذا، سببُ السجود الزيادةُ والنقصُ. والشك، لا ما يقوله الفقهاء من النقص
стр. 328
والزيادة فقط (٤٩). وبهذا يظهر الفرق بين الشك في السهو وبين الشك في العدد، فالأول شك في السبب، فلا شيء يترتب عليه، والثاني سبب في الشك. (٥٠)
المسألة الثالثة، وقع في بعض تعاليق المذهب أن رجُلاً توضأ الصبح والظهر والعصر والمغرب بوضوء واحد، (٥١) ثمَّ أحدث، فتوضأ وصلى العِشاء، ثم تيقن أنه ترك مسح رأسه من أحد الوضوءين لا يدْري أيُّهما هو
فسأل العلماء، فقالوا له: يلزمُك أن تمسح رأسك وتعيدَ الصلواتِ الخمسَ، فذهب ليفعل ذلك فنسى مسح رأسه وصلَّى الصلواتِ الخمس، ثم جاءَ يستفتى عن ذلك من سأل أوَّلا، فقال له: إذْهب وامسح رأسك وأعِدْ العشاء وحْدَها، فأشكل ذلك على جماعة من فقهاء العصر وقالوا: الشك موجود في الحالتين، فكيْف أمِرَ أولا بإعادة الصلواتِ كلها وفي ثاني حال أمِرَ بإعادة العشاء وحدَها؟ !
والجوابُ أنَّ المسح المذكور إن كان من وضوء الصلوات الأربع فقدْ أعادَها بوضوء العِشاء بعْدَ أن إستفْتَى أولا، فبرئت الذمة منها، وإن كان من وضوء العشاء فقد برئت الذمة منها بوضوئه الأول، فعلى التقديرْين برئت الذِّمة ولم يبقِ إلا الشك في العشاء، فعلى تقدير أن يكون المسح نُسِىَ من وضوئها فيكون ثابتًا في
стр. 329
ذِمَّتِهِ، لأنه إنما صلى العشاء بوضوءٍ واحِدٍ، أما غيرها من الصلوات فقد صُلِّيَتْ بوضوءيْن: إمَّا بالأول وإما بالثاني، بخلاف العشاء، ولذلك اختلف جواب المفتي قبل الإِعادة وبعْدَهَا، وبالله التوفيق.
القاعدة الثانية عشرة (٥٢)
نقرر فيها الفرق بين المعاني الفعلية والمعاني الحُكْمية فنقول أولا:
المراد بالمعنى الفِعْلي ما وُجُوده في زمان وجوده دون زَمان عدَمه كالإِيمان والإِخلاص حال حضور ذلك بالقلب لا حالَ غفلةِ القلب عنهُما.
والحُكْمي حكم صاحب الشرع على فاعله بأنه من أهل ذلك الوصفِ دائما حتى بلابِس ضدّه وإن غفل عنه. فالمعنى الفعلي موجود للكافر حال كفْره، والحكمى بحسَبه هُو له في الدار الآخر، فإنه بعْد الموتِ لا يصحُّ الكفر الفِعلي إذا أيقن بالحق في الدَّار الآخرة، ولكنَّه له الحكمي، وكذلك له الحكى في الدنيا حال غفلته عن ذلك وعن ضِده، وكذلك النية في أوّل الصلاة هي معنى فعليٌّ، لأنها - حينئذ موجودة بالفعل، وفي أثناء الصلاة إذا غفل عنها هي موجودة حكماً، والحُكْميات على هذا فرعٌ للفعليات.
قال: وهنَا خمسُ مَسَائل:
المسألة الأولى، مَن ذَهب عقْله عند الموت حتَّى لم ينطِق بالشهادة حينئذ ولا يعقِلُ مقتضى ذلك، هو مؤمن حكْما إن كَانَ سبَق إليه الإِيمانُ الفِعلي ولم
стр. 330
يلحقه نقيضه إلى تلك الحالة، (٥٣) وكذلك من كان به الكفر الفعلي ولم يلحقه
نقيضه فمات غائبا عن ذلك، فهو على الكفر حكماً.
المسألة الثانية، إذا سَها عن السجدة في الأولى والركوع في الثانية، فلا يضاف سجود الثانية لركوع الأولى إلا أن يقصد ذلك، ولا تكفيه النية الفعلية المقارنة لأول الصلاة، بسبب أن النية الحكمية فرعُ الفعلية، ولم تكن الْفِعليةُ متناولَةً (٥٤) للصلاة المرقَّعة، فلا تكون النية الحكمية التي هي تابعة لها متناولة لها (٥٥)، والصلاة لابد فيها من النية، فلابد من تجديد النية في هذه القضية، وإلا لم يجْز ذلك.
المسألة الثالثة، إذا نسي سجدة من الأولى ثم ذكر في آخر صلاته فإنه يقوم إلى ركعة خامسة يجعلها عوض الأولى، ولابد لهذه الركعة من نية سجدة، لما قلناه في المسألة قبل هذه حَرْفًا بحرفٍ.
المسألة الرابعة، قال مالك في المدونة: إن بقيتْ رجْلاه من وضوئه فَخَاض بهما نهْرا فدلكهما فيه بيده ولم ينْو بهِ تمامَ وضوئه لم يُجْزِه حتى ينويَه.
قال شهاب الدين: وسببُ ذلك أن النية الفعلية الأولى لم تتناول إلا الوضوء العادي، وليس غسل الرجلين على تلك الحالة من العادة المعلومة في الوضوء، فإذا لم تكن النية الفعلية فالحكمية التي هي فرع لها يجب أن تكون منْتفِية كما مر فيما تقدم.
стр. 331
المسألة الخامسة، رَفْض النية في أثناء العبادة، فيه قولان، هَلْ يُؤثر أمْ لا؟ فإن قلنا بعدم التأثير فلا كلام، وإن قلنا: يؤثر، (٥٦) فوجْهُهُ أن هذه النية التي حصل بها الرفع وهي العَزْم على ترْك العبادة، لو قارنتْ النية الفعلية الكائنة أول العبادة لضادّتْها، فكذلك الحُكميةُ هي مضادَّة لها. (٥٧)
القاعدة الثالثة عشرة (٥٨)
نقرر فيها الفرق بين رفع الواقعات وتقْدِير ارتفاعها بأن نقول:
معنى رفْع الواقع ممتنع عقلا، من حيث إنّ ما وقع في زمانٍ ماضٍ لا يصح في زمان متأخِر عنه أن يرفع ذلك الواقع الذي مضى. ومعنى تقدير ارتفاع الواقع أن يكون الشيء موجوداً فيعطاه حكم المعْدُوم، وهذا من حيث الشرع، وهذا صحيح غير مُحَالٍ، فظهر الفرق.
стр. 332
قلت: لَا خفاءَ أن رَفع الواقع إذا فُسِّر بما قاله فهو محال، ولكنه الذي يَسْبِق إلى الفهم في الرَّفْع، كما يقال في النَّسْخ: إنه رفْعُ ما هو ذلك، بل الذي يُرفع اتصال ذلك الحكم بحسب الأزمنة، ولا استحالة في هذا.
قال شهاب الدين ﵀: وأوَضِّح هذا بذكر مسائل.
المسألة الأولى، العيبُ إذا وُجد بالسلعة فكان ذلك موجباً للرد، هل هو رفْعٌ للعقد من أصله أو من حينه؟ ، قولان: من حينه لَا إشكال فيه، من أصله ربّما يقال: هذا رفع الواقع، وذاك محال، فيقال: ليسَ هذا من رفع الواقع، وإنما هو من باب تقدير ارتفاع الواقع، إذ لاشك في حصول عقْد البيع، فإذا قلنا: من حين أصل الشراء فمعناه تقديرُ الشرع لذلك العقد بعد ظهور العيب كالعدم، فالأمَة إِن كانتْ هي المبيعة، وهي قد كانت بحَمْلٍ، إذا كان القيام بالْعَيْبِ بعد الوضْع، إِن قلنا: من حينه فالولد للمشتري، وإن قلنا: من أصله فالولد للبائع، ولا شيء للمشتري، وكذا الحال في الغَلَّاتِ وسائر المنافع.
стр. 333
قلت: قد مضى في القاعدة الأولى أن كلامه على قاعدة التقدير لم يتم، وكلامه هنا ليس إلا إحالة على ذلك. (٥٩)
المسألة الثانية، رفض النية في العبادة، فيها قولان، والمشهورُ في الصلاة والصوم صحة الرفْضِ، وفي الحج والوضوءِ عدمُ الرفض. (٦٠)
قال شهاب الدين ﵀: وذلك من باب التقديرات الشرعية لا من باب رفعُ الواقع، فلا إحالة فيه.
قلت: قد مضى في القاعدة التي قبل هذه أن ذلك الرفض هو رفع النِّيةِ الحكمية لا الفعلية، من حيث إنه لو قدِّر هذا الرفض من النية الفعلية لضَادَّتْها وأبطلتها، فإذا كانت مع الأصل هكذا فمع الحكمي الذي هو فرعٌ أوْلى أن تضادّه، وعلى هذا فلا تقديرَ.
قال شهاب الدين ﵀: فإن قلْتَ: وأيّ دليل في الشَّريعة يَقْتَضى تمكُّن الكلف من هذا التقدير وأن هذا التقدير يتحقق؟ ، ولو صح ذلك لَتَمَكَّن الكلّفُ من إسْقَاط جميع أعماله الحسنة والقبيحة في الزمان الماضي بطريق التقدير والقصد إليه، دُونَ أن يأتي بكفر، وكذلك يَقصدُ. صحيح أعماله السيئة من زنى وغيره ممَّا تقدم فيَسْتريحُ من مؤاخذتها، وذلك كله غير متقرر، بَلْ المتقرر في الشريعة أن عَدم اعتبار ما وقع في الزمان الماضي متوقف على أسبابٍ غير الرفض، كالإسلام يهدِمُ ما قبله، والهجرة والتوبة والحج، وعَكسُها في الأعمال الصالحة تُبْطلها الرِدة، والنصوص دَلَّتْ على اعتبار ما ذكرناه، وأمّا الرفض فما نعلمُ فيه دليلًا شرعيًّا يقتضي اعتباره، ثم قال: هذا سؤال قويٌّ، والأفضلُ الاعترافُ به.
стр. 334
قلت: وكذلك قاعدة التقدير، عدَمُ الاعتراف بها أولى من القول بها، ولا دليل يوجد عليها في الشريعة دلالةً قَلةً، كما الأمر لا الرفض، فلا يُعتَرَف بواحد منهما.
ثم لقائل أن يقول بعد هذا الفرق بين قاعدة التقدير وقاعدة الرفض حَتَّى يصح القول بالرفض ولا يصح القول بقاعدة التقدير: إنه وجد دليل عقلي امتزج بدليل شرعي يمنع من اعتبار النية التي رفضتْ ويَعْتبِرُ الرفض، وهذا كما تقرر عن قريب، من المضادة، وقاعدة التقدير ما وُجد دليل مركَّبٌ من الشرع والعقل، ولا شرعيٌّ مجردٌ يدل عليها، فلا نقول بها، والله أعلم.
المسألة الثانية: إذا قال لامرأته: إن قدم زيدٌ آخر الشهر فأنتِ طالق من أوله، فهى مباحة الوطء بالإِجماع إلى قدوم زيد، فإذا قدِم زيد آخر الشهر، هل تطلّق من الآن أو من أول الشهر - وهذا الذي يراه ابن يونس من أصحابنا، فرفع الإِباحة الكائنة في وسط الشهر، وقد كانت واقعة، فيؤدي إلى رفع الواقع وهو محال، فقال شهاب الدين ﵀: هو من باب التقدير الشرعي، بمعنى تقدير أن تلك الإباحة في حكم العدم، لَا أنا نعتقد أنها ارتفَعَتْ في الزمان الماضي.
قلت: كيف يُقدَّر ذلك، والوجود على خلافه؟ والحكم الشرعي على ذلك الحسَب، فإنه قد قلنا: إن وطأها كان سباحا شرعاً، فكيْف يكون حراما -شرعا- بالتقدير، وقد مضى ما في هذا أول قاعدة، والله أعلم.
ثم ذكر شهاب الدين مسألة العتق عن الغير، والكلامُ فيها قد تقدم، وهذا الذي مضى لنا الآن من قبيله ومن الرد عليه، فلا فائدة في ذكر ما ذكره من مسألة العتق عن الغَيْر.
стр. 335
القاعدة الرابعة عشرة (٦١)
نقرر فيها الفرق بين الشقة المسقطة للعبادة وبين التي لا تسقطها، فنقول:
المشاقُّ قسمان، أحدهما لا تنفك عنه العبادة كبرْد الماء في الوضوء، وألم الجوع في الصوم، فهذا لا يُسْقط شيئاً، لأن الأحكام مقرَّرة على التزام هذا.
القسم الثاني ما تنفَكُّ عنه العبادة وهو ثلاثة أنواع: في الرتبة العليا كالخوف على النفوس وعلى الأعضاء والمنافع، فهذا يوجب التخفيف، وفي الرتبة الدنيا فلا يوجبُ تخفيفا، والرتبةُ الوُسطَى ما قرُب منها للعليا جَرَى مجراها، وما قرُبَ منها للدنيا جرى مجراها، لذلك فلا يوجب شيئا.
ثم إن المشقة في الاعتبار أو الِإلغاء لها تختلف باختلاف رُتب العبادات، فالمهمُّ يشْتَرطُ في إسقاطه أشدُّ المشاقِ وأعمُّها، وما لم يَعْظمْ يؤثرُ في إسقاطه المشاقُّ الخفيفة.
ثم ضابط المشقة المؤثرة من غيرها أن يُنظَر، فإن ورد شيء من الشرع اعْتُبِر، وإن لم يَرِدْ شئٌ من ذلك يتعيَّن تحديده بتقريب من حيث قواعد الشرع، وذلك بأن يبحثَ عن أدنى مشاق تلك العبادة المعيَّنة، فإن وجدها بنص أو إجماع
стр. 336
أو استدلال، حمل عليها مثلها أو أعلى، وإن كان أدْنى لم يجعَلْهُ مُسقِطا، وهذا كالتأذِي بالقمل في الحج، فهو مبيحٌ للحلْقِ بحديث كعْب بن عُجْرة، (٦٢) والسفرُ مبيح للفطر بالنصِ. وظاهرُ ما ذكرنا أنه لم يُعتَبر في قولنا: مشقة، مدلوُل مطلَقِ هذا الاسْم، بل نُفرق كما تقدم تقريره.
وليست المعامَلات كذلك، إذا جاء فيها مطلَقُ الألفاظ يحمل على أدنى ما يكون، كمن شرَط الكتابة في العبْد لَا يلزم منه الفارِهُ فيها (٦٣) وما ذلك إلا لإظهار فضل الأمور العبادية على الأمور العادية. وأيضا فإن القصد في الأمور العادية رفع النزاع وما في بابه، والاكتفاء بذلك يُحصل ذلك، وغيرُه يُقَوِّيَهِ ويُثِيرُه. (٦٤)
стр. 337
وذكر شهاب الدين ﵀ هنا في هذا الفرق الكبائر والصغائر من حيث هذا الضابط بعْد أن قال: من الناس من منع قِسمةَ المعاصي إلى كبائر وصغائر فقال: كل معصية كبيرةٌ، ثم قال: والْحقُّ صحة ذلك، فإن الله تعالى جعلَهَا كذلك بقوله: (﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (٦٥)، وقال: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (٦٦) فرتَّبَ المخالفة ثلاثة أقسام، الكفر، ويتلُوهُ الفِسق، وأدْوَنُ ذلك العصيانُ.
وقال ﵊: "الكبائرُ سَبْعٌ"، والقواعد تشهَدُ لهذا، فإنَّ مَا عظُمَتْ مفْسدته ينبغي أن يُسمى كبيرةً، تخصيصا له باسمٍ يخُصُّهُ.
وعلى هذا نقول: الكبيرةُ ما عظُمَت مفسدتها، والصغيرة ما قلّتْ مفسدتها، فيكون ضابط ما ترَدُّ به الشهادةُ أن يُحْفظ ما وردت به السُّنَّةُ أنهُ كبيرة، فيلَحَقُ به ما في معناه، وما قصر عنه من المفسدة لا يقدح في الشهادة. وكذلك أيضا يُنظَر إلى ما ثبت له منْ الشرع أنه صغيرة كالقُبلة، فما كان في معناها أثْبِتَ له حكم الصغيرة إلا أنْ يُصِرَّ عليها، ثم ينضبط الإِصرار المصَيِّرُ للصغيرة كبيرة، قال بعْض العلماء: متى حصَل من تكرارها مع البقاء على عدم التوبة ما يوجب عدم الوثوق به في دينه، وإقدامُه على الكذب في الشهادة، فاجعَلْ ذلك قادحا، وما لا فلا.
قالوا: وكذلك الأمور المباحة إذا حصل بها عدَمُ الوثوق به في دينهِ قدَحَتْ، وإلا فلا.
стр. 338
قلت: ذكر هنا شهاب الدين الكفر، وأطال الكلام فيه، ورأيت أن تأخِيرَهُ إِلى قاعدته التي ذكر فيها أوْلى، وإنما صحّ ذكر الكبائر هنا من حيث الضابط المذكورُ، فهي كالمثال لما ذكر أوّلاً، والله أعلم، وهُو الموفق للصواب. (٦٧).
القاعدة الخامسة عشرة (٦٨)
نقرر فيها الكلي والجزئي، والكل والجزء، ثم الحمل على الأجزاء أو الحمل على الجزئيات من حيث اعتبار الكل والكلي، فنقول:
الكُلُّ يُستعمل مع الأجزاء، والكلي يستعمل مع الجزئي، فمثال الأول كعشرة، إذ هي كل، وما تحتها أجزاءٌ لها. ومثال الثاني قولنا: الحيوان إنسان،
стр. 339
والحيوانُ كلي للإنسان، والإنسان جزئيٌّ له، ثم هذا الجزئي قد يكون كلّياً باعتبار الأشخاص الذين تحته، وذلك زيد وعمْرو وغير ذلك فإنها جزئيات له. فالجزئي قسمان: الشخص، وهو جُزئي بإطلاق، والنوعُ جزئي كُلِّي باعتباريْن كما تقدم، وهذا هو معنى قول العلماء: الجزئي يقال على الشخص، وعلى كل أخَصَّ تحت أعمّ.
ثم الأول جزئىٌّ عقلي، والثاني جزئىٌّ إضافي. ويقولون أيضا: اللفظ المفردُ إمَّا أن يمْنَعَ نفسُ تصور مفهومه من الشركة وهو الجزئي، أوْ لا يمنعُ وهو الكلي، وهذا بيان للجزئي الحقيقي، والكلي هو المقابل له كما قلناه.
فإذا تقرر هذا قلنا: اللفظ الدال على الكل دالٌّ على أجزائه في الأمر والثبوت من الخبر، بخلاف النهي، والنفي من الخبر، فإذا أوجب الله ركعتين فقد أوجبَ ركعة، وإذا أخْبِرْنا أن زيدًا له نصاب فقد أُخْبِرنا أن عنده عَشَرةَ دنانير، وإذا نَهى الله عن الصُّبْح أن تُصَلى ثلاثَ ركعات لَمْ ينهَ عن ركعتيْن، وكذلك إذا قلنا: ليس عنده نصاب، لا يلزم أنهُ ليس عنده عشرة دنانير. والسبب في ذلك أن النفي والنهي جاء لِإعدام الحقيقة، وعدم الحقيقة يتصور بفرد واحد من أجزائها، كما يتصور بجميع أفرادها، والأمر والثبوت جاء لطلب الحقيقة وإيجادها، وإنما توجد بجميع أجزائها.
стр. 340
قلت: يشكل هذا بأن الركعة في الصبح هي ذات أجزاء اشتملت عليها كالقيام والركوع والسجود والقراءة والدعاء، فيلزَمُ أن يكون الكل من الأجزاء واجبا. ومعلومٌ أن الصلاة المحكوم عليها بالوجوب اشتملت على مفروض ومسنون وفضيلة.
ثم اللفظ الدال على الكلي، قال شهاب الدين، لا يدل على جزئي من جزئياته مطلقا من غير تفصيل، بل إنما يفهم الجزئي من أمر آخر غير اللفظ. فإذا قلنا: في الدار جِسم، لا يدل على أنه حيوان.
قلت: هذا الكلام في الجزئي والكلي يظهر منه أن هذا بحسب الأمْرِ والنهى، وبحسَب الثبوت والنفى. وليس كذلك، فإنَّكَ إذا قلت: ليست في الدار حيوان فقد دلَّ على أنهُ ليس فيه جميع الجزئيات، لأنه إذا انتفى الأعَمُّ انتفى الأخصُّ، كما أنك إذا قلت: عندهُ نصاب، فقد أخبرت بأن عندهُ عشرة وخمسة وجميع الأجزاء. والذي يظهر لي منه أنه أراد أن دلالة اللفظ على الأجزاء تضمُّنيَّةٌ، وعلى الجزئيات لزومية، وكيف كانت فهى لفظية، وإنما الفرق من حيث إن دلالة اللزوم ما دَلَّ اللفظ عليها بالوضع وإنما دل عليها بالعقل. والوضعية هي المطابقة، والتضمُّنية مختلف فيها، قيل: هي عقلية، وقيل: وضعية (٦٩).
стр. 341
ثم قال شهاب الدين ﵀: إذا تقررت هذه القاعدة ظهر أن حمل اللفظ على أدنى مراتب جزئياته لا تكون فيه مخالفة اللفظ، لعدم دلالتهِ على غير هذا الجزئي، أما إذا حملنا الأمْرَ على أقَلِّ الأجزاء فقد خالفنا اللفظ بأنه يدل على الجزئي الآخر، وما أتينا به. وهذا كقوله: أعتِق رقبة، وصومُوا رمضان، فلابدّ في هذا الثاني من جميع الأجزاء، بخلاف الأول.
قال: وبهذه القاعدة يظهر بطلان قول من يُخَرِّجُ الخلافَ في غسل الذكر من المذي، هل يقتصر على الحشفة أم لابد من جملته، لأنه اقتصارٌ على جزءٍ لا جزئي، وكذلك تخريجُ الخلاف في التيمم، هل هو إلى الكوعين أو المرفقيْن أو الِإبْطين. على هذه القاعدة لا يَصح أيضاً، فإن الكُوعَ جُزْئي، (٧٠) وإنما يخرج عليها مثل قوله تعالى: "فإنْ آنسْتم منهم رُشداً"، قال بعض العلماء: نَحْمله على أدنى مراتب الرشد، وهو الرشد في المال خاصَّةً، قاله مالك ﵀، أو على أعلى مراتب الرشد، وهو الرشد في المال والدِّين، قاله الشافعى، مع أن الرشد بصيغةِ التنكير الدَّالِّ على المعنى الأعم الذي لا يدل على جزئي خاص، فليس في حَمْله على أدْنى الرتب مخالَفَةٌ البتَّة، بخلاف المثالين الأولين. (٧١)
ومنها مسألة الحرام إذا قال: أنت علىّ حرام، هل يُحْمَل على الثلاث أو الواحدة؟ خلاف يصح تخريجهُ على هذه القاعدة، لأنَّ قوله: حرام، مطْلَقٌ يدل على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة، فأمكن حمله على أدناها وعلى أعلاها. (٧٢)
стр. 342
"تنبيه".
ليس الخلاف في هذه القاعدة مطلقا في جميع فروعها، بل فروعها ثلاثة أقسام:
قسم أجْمَعَ الناس على الحملِ على أعْلى الرتب، وهو ما ورد من الأوامر بالتوحيد والإخلاص، وسلبِ النقائض، وما يُنسَبُ إلى الرب تعالى من التعظيم، فهذا القِسم، الأمر فيه متعلّق بأقصى غاياته الممكنة للعبد.
وقسم أجمعَ الناس على الحمل على أدنى الرتب فيه، وهو الأقارير، فإذا قال له: عِندي دنانيرُ حمل على أقل الجمع وهو ثلاثة، وهو أدْنى رتبها مع صدقها في الآلاف، لكون الأصل براءة الذمة فيقْبَلُ (٧٣)، وليس الأصل إهمال جانب الربوبية، بل عكسُه والقيام فيه بأكمل ما ينبغي (٧٤)
القسم الثالث مختلفٌ فيه، وهو ما تقدَّمَ من المسائل ومَا يشْبهُهَا.
стр. 343
القاعدة السادسة عشرة (٧٥)
في تقرير الدليل والحجة والفرق بينهما، ثم الفرقِ بين أدلَّة مشروعية الأحكام وأدلة وقوع الأحكام، فأقول:
هُمَا من حيث العُرْفُ يختلفان، فيقالُ الدليلُ على ما يتوصل به إلى المطلوبِ شَرْعاً، ويُقال الحجَّة على بعض ذلك وهو ما يقضى به الحكام، لقوله ﵊: "ولعل بعضكُم أن يكون ألحن بحجته من صاحبه" (٧٦)، وهو يرجع إلى نحو عشرةٍ من الحِجاج، فهى التي يقضي بها الحكام، وسيأتي ذِكْرُها على التفصيل في قاعدة من القواعد، وأدِلَّة مشروعية الأحكام نحوُ عشرين، على خلافٍ في بعضها، كإجماع الخلفاء (الأربعة) وإجماع أهل المدينة، وأصلها المتفق عليه الكتاب والسنة والإجماع، وقد قررها الأصوليون في كتبهم.
стр. 344
وقد يقال أيضاً الدليل على وقوع الأحكام، وهي المسماة بالأسباب كالزوال ورؤية الهلال، (٧٧)، والأدلة على هذه تكون بآلة وبغير آلة، وهي لا تنحصر، ولا غاية لها كالاسطر لاب والميزان. ومن حيث إنه لا نهاية لها لم تكن هذه الأدلة تتوقف على نصْب الشرع، وكذلك الشروط والموانع، وهي هذه الأشياء الثلاثة موزعة في الشريعة على ثلاث طوائف، فَالْأدِلةُ يعتمد عليها المجتهدون، والحِجَاجُ يعتمد عليها الحُكام، والأسبَابُ يعتمد عليها المكلفون، كرؤية الهلال والزوالَ، وما أشبه ذلك.
стр. 345
الاجتهاد:
وفيه خمس قواعد:
القاعدة الأولى (١)
نقرر فيها من يجوز له أن يفتي ومن لا يجوز له أن يفتي، فنقول:
المشتغل بالفقه، له أحوال:
الحالة الأولى أن يشتغل بمختصَر من مختصرات مذْهَبه، فيه مُطْلَقات مقَيَّدةٌ في غيره، وعمومات مخصوصاتٌ في غيره، فهذا حرامٌ على الإنسان أن يفتي الناسَ بما فيه، إلا أن يعلمَ أن مسألة من مسائله عَرِيَتْ عن هذا وهي مسْتوفاةٌ فيه، فيجوز له أن ينقلها لمن سأل عنها ولا يشبِّهُ بها غيرَها، بل يذكرها أن كانت القضية هي هي، إذْ الفروق كثيرة، وقد لا يعرفُها.
الحالة الثانية، أن يَّكْثُر اشتغاله بالمطْلقات والمقَيَّدات ويطَّلِعَ على تفاصِيل المسائل في الشروحات والمطوَّلات، ولكنه لا يعْرف فداركَ إمامه ومستنداتِهِ في فروعه ضبطا متْقَناً، بل سَمْعاً من حيث الجملة من أفواهِ الطلبة والمشايخ، فهذا يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويَحفَظُه في مذهبه، اتّباعاً لمشهور ذلك الذهب، ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حِفْظه لا يخَرجُها على محفوظاتِهِ ولا يقول: هذه تُشْبِهُ المسألة الفلانية، لأن ذلك إنما يصح لمن أحاط بمَدَارِك إمامه وأدلته وأقْيِسَتِه وعلله التي اعتمدَ عليها مفصّلة، ومعْرفةِ رتب تلك العِلل، ونِسْبَتِها إلى المصالح الشرعية، وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو المتمِّمة؟ وهل
стр. 346
هي من باب المُناسِب الذي اعتُبِر نوعُهُ في نوع الحكم، أو جِنسُه في نوْعِ الحكم (٢)، وهل هي من باب المصلحة المرسَلة التي في أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهِدتْ له أصول الشرع بِالاعتبار؟ ، وهل هي من باب قياس الشبَه أو المناسب، أو قياسِ الدلالة، أو قياس الإحالة، أو المناسب القريب إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتبِ العلل في نظر الشرع عند المجتهدين، فبهَذهِ الأشياء يَعرف الفُروقَ بيْن المشتبهات، فمَنْ لا يحيط بها كيف يَعْرفُها؟ فلَعَلَّ الفَارقَ عند إمامِهِ وهو لا يعرفه، فيمْتنع عليه حينئذ الفتوى بما ذكرنا من التشبيه.
وكذلك الحكم في إمامِه، إن لم يكن عارفا بهذه الأمور التي شأنُها أن تعِينَه على استنباط الأحكام من أدلتها، وإلَّا لم يصح تقليدُهُ. (٣)
ثم المجتهد الذي يصح تقليده لوجود الشروط فيه قد يَغْلَطُ، فتأتي له فتوى على خلاف الإِجماع أو القواعِد أو النص أو القياسِ الجَليّ السالمِ عن المعارضِ،
стр. 347
فلا يجوز لأحد أن يقلِده في ذلك ويُفْتي غيره بها، فإنه كما كُنَّا ننقضُ حُكْم الحاكم بذلك، فكذلك بل أحْرى هو ما قلناه هنا، واللهُ أعْلَمُ.
الحالة الثالثة. أن يصير طالب العلم إلى ما ذكرناه من الشروط مع الديانة الوازعة والعَدالة المتمكنة، فهذا يجوز له أن يفتِي في مذهَبه نقلا وتخريجا، ويعتمد على ما يقولهُ في جميع ذلك.
القاعدة الثانية (٤)
نقرر فيها السبب الذي من أجله ارتفع الخلاف في مسائل الاجتهاد بعد حكم الحاكم وصارَ كل مجتهد إلى ما حكم به الحاكم، وقد كان الخلاف مقرّرا قبل الاجتهاد، غيرَ مرتفع، فنقول:
كان ذلك من حيث إن القصد بوضع الحاكم للحكْم، إنما هو رفْعُ التشاجُر والتنازع، لما في ذلك من الفساد، فإذا جوزنا بقاء الخلاف بعد حكم الحاكم، فنحن قد قضينا بإبطال ما بِسَببه وُضِع ونُصِّبَ الحاكم في الشريعة، وكان ذلك مؤدِّيا إلى دوام التنازع والتشاجر وحصول الفساد دائما، وذلك باطل.
стр. 348
الوجه الثاني أيضا أن الحاكم إذا حكم بَعدَ نظره واجتهاده فهو منشئ للحكم، فكان حكمه كحكم الله تعالى في الواقعة ابتداءً، والمفْتِي إنما هو مُخْبِرٌ عن الله تعالى بالحكم، فيثبت مقتضاه إذا وافق أنْ كان خبرُه صِدْقا، وإلَّا فلا، وكل واحد من المجتهدين حينئذ، أعني قبل الحكم - يقوُل: خَبَري هُوَ الصِّدْقُ، والآخَرُ يقُوُل كذلك. ثم إذا كان الامر هكذا، يصير حكْمُ الحاكم كالحكم من الله في تلك القضية المعَيَّنة بخصوص، ويبقى ما عدا تلك الصورة كأنه ورَد من الله تعالى فيها حكم عام، فيتعَارض العامُّ والخاصُّ، فَيُخَصَّصُ ذلك العامُّ بذلك الخاصِ جمْعاً بيْن الدليلين.
ومثال هذا مسألة تعليق الطلاق قبل المِلْكِ، قال مالك بلزومه، وقال الشافعي: لا يلزم، فإذا حكم حاكمٌ في تلك القضية بأنه غير لازم وبقيت العِصْمةُ ثابتة وافق مالكٌ االشافعي في أن هذه العصمة ثابتة ولا طلاق في تلك الصورة، وما عدا تلك الصورة يقول مالك فيها: إن الطلاق يلزم، واللهُ سبحانه أعلم، وهو الموفّق للصواب. (٥)
стр. 349
القاعدة الثالثة (٦)
نقرر فيها لِمَ لم يَجُزْ تقليدُ أحد المجتهدين للآخر في مسألة الكعبة والأواني، وجاز ذلك في كثير من المسائل الفروعية.
قيل: إن الشافعي سُئِل عن هذه المسألة فقيل له: لِمَ جازَ أن يصليَ المالكي خلْف الشافعي والشافعي خلف المالك، وإن اختلفا في مسح الرأس وغيره من الفروع، ولمْ يجُزْ لواحد من المجتهدين في الكعبة والأواني أن يصلي خلف المجتهد الآخر؟ فسكتَ ولمْ يُجِبْ عن ذلك.
وأجاب الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ عن ذلك بأن قال: إن الجماعة في الصلاة مطلوبة للشارع صلوات الله عليه، فلو قلنا بالِامتناع من الائتمام خلْفَ من يخالفه من المذهب لأدَّى إلى تعطيل الجماعات، إلا في حالة القِبْلة او قِلَّة الجماعات، واذا مَنَعْنا من ذلك في القِبْلة ونحوها لمْ يُخِلّ ذلك بالجماعة لِنُدْرة وقوع مثل هذه المسائل وكثرة وقوع الخلاف في مسائل الَفروعَ. هذا جوابه ﵀، وهو جواب حسن. (٧).
وقال شهابُ الدين ﵀: وقد ظهر لي في ذلك جوابٌ هو أقوى من هذا، مبنيٌّ على قاعدة، وهي أن قضاء القاضى متى خالفَ إِجماعا أوْ نصًّا أو قياسا جلِيًّا أو القواعدَ نقضناه، وإذا كُنّا لا نُقِرُّ حكما تأكد بقضاء القاضي
стр. 350
لأجل ما ذكرناه، فأوْلَى أن لا نُقره إِذا لم يتأكد. فَعَلى هذه القاعدة كلُّ من اعتقدنا أنه خالَف الإِجماعَ لا يجوز تقليده، فإذا كانت القاعدة هذه، حَصَل باعتبارها الفرقُ، وبيانُه بذِكْر أرْبَعِ مسائِلَ: (٨)
المسألة الأولى، المجتهدُونَ في الكعبة لم يجز التقليدُ بينهُمْ، لأن كلَّ واحِدٍ منهم يعتقد أن صاحبه ترك أمْراً مُجمَعاً عليه وهو الكعْبة، وتاركُ المجمع عليه لا يُقلَّد. أمَّا المختلفان في مسح الرأس فكل واحد منهم يعتقد في صاحبه أنه خالف ظاهراً أو مفهوماً، وذلك ليْسَ مُجْمعاً على اعتباره.
قلت: كَيْف يقال: تَرك أمْراً مجمعا عليه والفرضُ في حق كُلِّ واحدٍ ما أداهُ اليه اجتهادُه، كما يقال: الفَرْضُ في حقِ كل واحد من مسح الرأس ما أدَّاه اليه اجتهاده، فإن اعتُبِرتْ القِبْلة من حيثُ هي قِبْلَةٌ للمصلي وقُلتَ: هي ما فرض بإجماع، فمثلُه المسحُ في الرأس للوضوء فرضٌ بإجماع، وتعيينُ الكل أو البعض كتعْيين (٩) الجهة من الجهةِ، فالمسألة كالمسألة، واللهُ أعْلَمُ.
قال: المسألة الثانية، المختلفون في الأواني التي اختلط طاهرها بنجسها، إذا اختلفوا وهم يعتقدون أن النجاسة مبطلة للصلاة، إما بالاجتهاد أو بالتقليد، فإن حكم الله في حقهم بالإِجماع ما ادَّى اليه اجتهادهم أو اجتهادُ إمامِهم، وإذا كان حكم الله - في حقهم ذلك بالاجماع، فكل واحد منهم يعتقد في صاحبه أنه لابَسَ في صلاته ما هو مُبْطِلٌ لصلاته بالاجماع، فقد خالف مجمعاً عليه فلا يجوز تقليده، بخلاف من لا يتدَلَّك في غسله أو لا يُبَسْمِل لم يخالف مُجْمَعاً عليه.
قلت: العجَبُ منه، يَجْعل الإِجماع في مسألة النجاسة، وينْفِيه في مسألة التدُّلكِ، فإن كان الإِجماع من حيث إن الأحكام استندت للاجتهاد، فالاجتهاد في المسألتين، وإن كان من حيثُ الأدلة واختلافُها في المسألتين فأدِلة النجاسة أنها مبطلة للصلاة ليس فيها إجماع ولا نصٌّ ولا قاعدة كما في أدلة التدلك، بل أدلة التدلك أقوى، فالخلاف واحِدٌ في الوضعَيْن، وهذا ضعيف.
стр. 351
والحقُّ ما قاله عز الدين، واللهُ أعلم.
قال: المسألة الثالثة، وذكر الثيابَ تُلبَسُ أيضا، وقال:
إنها كالأواني حَرْفاً بحرف. (١٠)
قلت: والجوابُ كالجواب حرْفاً بِحَرْف.
قال: والمسألة الرابعة. (١١) أن شافِعِييْن إذا اختلفا في الأواني التي وقع فيها روْثُ عصْفور لم يجُزْ أن يأتمَّ أحدهما بالآخَر، ولوْ أنَّ مالكياً وشافعيا كان المالكي قد توضأ بما قد وقع فيه روثُ عصفور لجاز للشافعي أن يأتمَّ به، وعدَمُ الجواز هنا أوْلَى، لأنه تعين أن ذلك النجس هو في جانب الإِمام، وفي المسألة الأخرى ما نَحْن على يقين أنه في جانب الإِمام، وجوابه كالجواب المتقدم.
قلت: والرد عليه فيه كالرد عليه فيما تقدم. (١٢)
القاعدة الرابعة (١٣)
تقرر فيها الفَرْقَ بيْن الفتوى والحكم فنقول:
стр. 352
العباداتُ كلها لا تكون إلا فتْوى، ولا يكون فيها حكمٌ وإنْ صدرَت من قاضٍ، ولهذا كان الخلاف بعد قول القاضى فيها كما كان قبله، كأن يكونَ القاضي قد أمَرَ منادياً ينادي بأن اليومَ من رمضان، لأجْل شهادة شاهدٍ واحد عنده قَبِلَه، فللمالكي الخلاف هنا، وما أشبه ذلك من الامور التعبدية، وإنما يكون حكم الحاكم مؤثِراً في رفع الخلاف بعد حُكْمه إذا أنشأ حكمَهُ في مسألة اجتهادية تتقاربُ فيها المداركُ لأجل مصلحة دنيوية، فاشتراطُ قيد الانشاء، احترازٌ من حكمه في موانع الإِجماع، فإن ذلك اخبار وتفنيذ مَحْضٌ (١٤) بخلاف موانع الخلاف، ففيها الانشاء، وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة. وقَولِي: متقاربٌ مَدَاكها، احترازاً من الخلاف الشاذ يحكم به ترْجيحاً على غيره، واستِناداً إلى المدْرَك الضعيف فإنه لا يَرفَعُ الخلاف أيضا. وقوُلنا: "لأجل مصالح الدنيا"، قال صاحب الجواهر: احترازا من العبادات كما قلنا أوّلاً، وإنما يكون حكومة إذا وقعَتْ النازعة في العقود والأملاكِ والرُّهون وغيْر ذلك ممّا هو في مصالح الدنيا. قال صاحب الجواهر: ما قضَى القاضى به من نقل الأملاك وفسْخ العقود فهو حكم، فإن لم يفعلْ أكثر من تقرير الحادثة لا "رُفعتْ إليه كالمرأة
стр. 353
زوّجَتْ نفسها بغَير إذن وليها، فأقرَّه وأجازه، ئم عُزِل وجاء قاض بعده، قال عبد الملك: ليس بحكم، ولِغيره فسخه. وقال ابن القاسم: هو حكْمٌ، لأنه أمْضاهُ، والإِقرارُ عليه كالحُكْمِ بإجازته فلا يُنْقض. وأجازه ابن محرز وقال: إنه حكْمٌ في حادثة باجتهاد، بخلاف ما لو رُفِع اليه ذلك النكاحُ فقال: أنَا لا أجيز هذا النكاحَ بغير ولي، من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه فهى فتوى وليست بحُكْم، قال: ولا أعلمُ في هذا الوجه خلافا، وقد قررنا في القاعدة قبل هذه أن حكم الحاكم يرفع الخلاف في مسائل الاجتهاد ويُرْجعُ القوَل واحدا. وما ذكرناهُ هنا يتمم ذلك القوَل المذكور هنالك من حيث خروجُ العباداتِ كلها والحكمِ المُدْرَك الضعيف، والله سبحانه أعلمُ. وهو الموفق للصواب.
القاعدة الخامسة (١٥)
نقرر فيها أنَّ النَّبِيَّ ﵊ كان يتصرف بالإِمامة وبالفتَوى وبالقضاء.
هذا لأن النبي ﵊، ما مِن مَنصِبِ كريمٍ ديني إلا وهو أكبَرُ من الكبير في ذلك المنصِب، فله الفتوى، وله الإِمامة، وله القضاء، والغالبُ عليه التبليغ.
ئم قد يقَع الاجْماع على أن بعضَ الاشياءِ كانت منه بالتبليغ والفتوى، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس عليه أنه بالإِمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتَيْن فصاعِداً، وهذه الاشياءُ إنما فصَّلتُها، لأن آثارَها تختلف، فكلُّ ما قالَهُ أو فعَله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما
стр. 354
على الثَّقَلَيْنِ (١٦) إلى يوْمِ القِيامةِ. وما تصرَّف فيه بالامامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإِمام، وَمَا تصرّف فيه بالقضاء لا يجوز لأحدٍ أن يتقَدَّمَ عليه إلا بحكم حاكم، ويتحقق الفرق بين هذه بأرْبَعِ مسائل:
المسألة الأُولى أن نقرر الامَثلة لما ذكرناه فنقول:
تصرُّفُهُ ﷺ بِبَعْثِ الجيوش، وقتال الكفار والخوارج، وتوليَةِ القضاة والولاة، وقِسمة الغنائم، وعقْدِ العهد مع الكفار، وما أشْبَه هذه الاشياء التي شأنُ الأئمة أن يفعلوها، تصرَّفَ (١٧) فيها بالإِمامة. والفصلُ بين خصْمَين في دعاوي الأموال أو أحْكَام الأبْدان ونحوها، وسائر ما يحكم به من البينات أو النُّكول ونحو ذلك (١٨) فهو تصرُّفٌ بالقضاء. كلُّ ما يتصرف فيه ﵊ بقوله أو فعله في العبادات أو أجَابَ به سؤالَ سائل، فهذه فتْوَى وتبليغ. وهذه المواطِنُ لاخفاء فيها، ومَوَاطِن التَّرداد والخفاء في بقية المسائل (١٩).
المسألة الثانية، قال ﵊: "مَنْ أحْيَى أرضا ميتة فهي له"، قيل: هو تصرُّفٌ بالإِمامة، فليس لأحَدٍ أن يُحْيي إلا بإذن الإِمام، وإليه ذهب ابو حنيفة. وقيل: هو تصرُّف بالفتوَى فلا يتوقف الإِحياء على إذن
стр. 355
الإِمام، وتفرقة مالك بين ما قرُبَ وَبَيْن ما بعُدَ، ليس بهذه القاعدة، (٢٠) بل من حيث إن ما قربَ يؤدي إلى التشاجُر والفِتَن إن لم يرفعه الإِمام بإذنه، وما بَعُدَ وليس كذلك فلا يحتاج فيه لإِذنه. وقاعدة مالكٍ هنا بالترجيح للنظر للفتوَى من حيث إن الفتوى والتبليغ أغلبُ عَلَى أمْر النبي ﷺ ، والنظرُ إلى الغالب راجح.
المسألة الثالثة، قولُهُ ﵊ لهندٍ زوجةِ أبي سفيان: "خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف" (٢١) هل هو بطريق القضاء فليس لمن ظفِر بحقه عند أحدٍ أن ياخذه بغير عِلْم خصمه، أو هو بطريق الفتوى والتبليغ، فله أن ياخذ حقه من خصْمِهِ من غير أن يشعر به؟ والقولان مذكوران عِند العلماء، حكاهما الخطابى. (٢٢). والظاهِرُ أنها فتوى، لعدم حضور أبي سفيان.
المسألة الرابعة، قوله ﵊: "من قتل قتِيلا فله