← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والحقُّ ما قاله عز الدين، واللهُ أعلم. قال: المسألة الثالثة، وذكر الثيابَ تُلبَسُ أيضا، وقال: إنها كالأواني حَرْفاً بحرف. (١٠) قلت: والجوابُ كالجواب حرْفاً بِحَرْف. قال: والمسألة الرابعة. (١١) أن شافِعِييْن إذا اختلفا في الأواني التي وقع فيها روْثُ عصْفور لم يجُزْ أن يأتمَّ أحدهما بالآخَر، ولوْ أنَّ مالكياً وشافعيا كان المالكي قد توضأ بما قد وقع فيه روثُ عصفور لجاز للشافعي أن يأتمَّ به، وعدَمُ الجواز هنا أوْلَى، لأنه تعين أن ذلك النجس هو في جانب الإِمام، وفي المسألة الأخرى ما نَحْن على يقين أنه في جانب الإِمام، وجوابه كالجواب المتقدم. قلت: والرد عليه فيه كالرد عليه فيما تقدم. (١٢) القاعدة الرابعة (١٣) تقرر فيها الفَرْقَ بيْن الفتوى والحكم فنقول:

стр. 352

العباداتُ كلها لا تكون إلا فتْوى، ولا يكون فيها حكمٌ وإنْ صدرَت من قاضٍ، ولهذا كان الخلاف بعد قول القاضى فيها كما كان قبله، كأن يكونَ القاضي قد أمَرَ منادياً ينادي بأن اليومَ من رمضان، لأجْل شهادة شاهدٍ واحد عنده قَبِلَه، فللمالكي الخلاف هنا، وما أشبه ذلك من الامور التعبدية، وإنما يكون حكم الحاكم مؤثِراً في رفع الخلاف بعد حُكْمه إذا أنشأ حكمَهُ في مسألة اجتهادية تتقاربُ فيها المداركُ لأجل مصلحة دنيوية، فاشتراطُ قيد الانشاء، احترازٌ من حكمه في موانع الإِجماع، فإن ذلك اخبار وتفنيذ مَحْضٌ (١٤) بخلاف موانع الخلاف، ففيها الانشاء، وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة. وقَولِي: متقاربٌ مَدَاكها، احترازاً من الخلاف الشاذ يحكم به ترْجيحاً على غيره، واستِناداً إلى المدْرَك الضعيف فإنه لا يَرفَعُ الخلاف أيضا. وقوُلنا: "لأجل مصالح الدنيا"، قال صاحب الجواهر: احترازا من العبادات كما قلنا أوّلاً، وإنما يكون حكومة إذا وقعَتْ النازعة في العقود والأملاكِ والرُّهون وغيْر ذلك ممّا هو في مصالح الدنيا. قال صاحب الجواهر: ما قضَى القاضى به من نقل الأملاك وفسْخ العقود فهو حكم، فإن لم يفعلْ أكثر من تقرير الحادثة لا "رُفعتْ إليه كالمرأة

стр. 353

زوّجَتْ نفسها بغَير إذن وليها، فأقرَّه وأجازه، ئم عُزِل وجاء قاض بعده، قال عبد الملك: ليس بحكم، ولِغيره فسخه. وقال ابن القاسم: هو حكْمٌ، لأنه أمْضاهُ، والإِقرارُ عليه كالحُكْمِ بإجازته فلا يُنْقض. وأجازه ابن محرز وقال: إنه حكْمٌ في حادثة باجتهاد، بخلاف ما لو رُفِع اليه ذلك النكاحُ فقال: أنَا لا أجيز هذا النكاحَ بغير ولي، من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بعينه فهى فتوى وليست بحُكْم، قال: ولا أعلمُ في هذا الوجه خلافا، وقد قررنا في القاعدة قبل هذه أن حكم الحاكم يرفع الخلاف في مسائل الاجتهاد ويُرْجعُ القوَل واحدا. وما ذكرناهُ هنا يتمم ذلك القوَل المذكور هنالك من حيث خروجُ العباداتِ كلها والحكمِ المُدْرَك الضعيف، والله سبحانه أعلمُ. وهو الموفق للصواب. القاعدة الخامسة (١٥) نقرر فيها أنَّ النَّبِيَّ ﵊ كان يتصرف بالإِمامة وبالفتَوى وبالقضاء. هذا لأن النبي ﵊، ما مِن مَنصِبِ كريمٍ ديني إلا وهو أكبَرُ من الكبير في ذلك المنصِب، فله الفتوى، وله الإِمامة، وله القضاء، والغالبُ عليه التبليغ. ئم قد يقَع الاجْماع على أن بعضَ الاشياءِ كانت منه بالتبليغ والفتوى، ومنها ما يجمع الناس على أنه بالقضاء، ومنها ما يجمع الناس عليه أنه بالإِمامة، ومنها ما يختلف العلماء فيه لتردده بين رتبتَيْن فصاعِداً، وهذه الاشياءُ إنما فصَّلتُها، لأن آثارَها تختلف، فكلُّ ما قالَهُ أو فعَله على سبيل التبليغ كان ذلك حكما عاما

стр. 354

على الثَّقَلَيْنِ (١٦) إلى يوْمِ القِيامةِ. وما تصرَّف فيه بالامامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإِمام، وَمَا تصرّف فيه بالقضاء لا يجوز لأحدٍ أن يتقَدَّمَ عليه إلا بحكم حاكم، ويتحقق الفرق بين هذه بأرْبَعِ مسائل: المسألة الأُولى أن نقرر الامَثلة لما ذكرناه فنقول: تصرُّفُهُ ﷺ بِبَعْثِ الجيوش، وقتال الكفار والخوارج، وتوليَةِ القضاة والولاة، وقِسمة الغنائم، وعقْدِ العهد مع الكفار، وما أشْبَه هذه الاشياء التي شأنُ الأئمة أن يفعلوها، تصرَّفَ (١٧) فيها بالإِمامة. والفصلُ بين خصْمَين في دعاوي الأموال أو أحْكَام الأبْدان ونحوها، وسائر ما يحكم به من البينات أو النُّكول ونحو ذلك (١٨) فهو تصرُّفٌ بالقضاء. كلُّ ما يتصرف فيه ﵊ بقوله أو فعله في العبادات أو أجَابَ به سؤالَ سائل، فهذه فتْوَى وتبليغ. وهذه المواطِنُ لاخفاء فيها، ومَوَاطِن التَّرداد والخفاء في بقية المسائل (١٩). المسألة الثانية، قال ﵊: "مَنْ أحْيَى أرضا ميتة فهي له"، قيل: هو تصرُّفٌ بالإِمامة، فليس لأحَدٍ أن يُحْيي إلا بإذن الإِمام، وإليه ذهب ابو حنيفة. وقيل: هو تصرُّف بالفتوَى فلا يتوقف الإِحياء على إذن

стр. 355

الإِمام، وتفرقة مالك بين ما قرُبَ وَبَيْن ما بعُدَ، ليس بهذه القاعدة، (٢٠) بل من حيث إن ما قربَ يؤدي إلى التشاجُر والفِتَن إن لم يرفعه الإِمام بإذنه، وما بَعُدَ وليس كذلك فلا يحتاج فيه لإِذنه. وقاعدة مالكٍ هنا بالترجيح للنظر للفتوَى من حيث إن الفتوى والتبليغ أغلبُ عَلَى أمْر النبي ﷺ ، والنظرُ إلى الغالب راجح. المسألة الثالثة، قولُهُ ﵊ لهندٍ زوجةِ أبي سفيان: "خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف" (٢١) هل هو بطريق القضاء فليس لمن ظفِر بحقه عند أحدٍ أن ياخذه بغير عِلْم خصمه، أو هو بطريق الفتوى والتبليغ، فله أن ياخذ حقه من خصْمِهِ من غير أن يشعر به؟ والقولان مذكوران عِند العلماء، حكاهما الخطابى. (٢٢). والظاهِرُ أنها فتوى، لعدم حضور أبي سفيان. المسألة الرابعة، قوله ﵊: "من قتل قتِيلا فله

стр. 356

سَلَبُهُ" (٢٣) اختلف العلماء، هل تصرفه بالإِمامة او بالفتوى، فإن كان بالإِمامة فلا يكون حينئذٍ إلا بعْدَ إذن الامام، وإلى هذا ذهب مالك، وخالَفَ ما نَظَرَ اليه في الإِحياء من حيث اعتباره الغالبَ، وحمَلَهُ على ترك الغالب هنا أن الغنيمة أصْلُها أن تكون للغانِمين، فإخراجُ السَّلَب خلاف الاصل. وأيضا فذلك ربّما أفسدَ الاخلاص. (٢٤)، إلى مفاسدَ أخَرَ في ذلك، واللهُ أعلم. قلت: وأيضا فهو فعلُ أبي بكر وعمر ضى الله عنهما، وهما أعلمُ الناس بهذا الباب، فتَحقق ما قاله مالك ﵁. قلت: وذكر شهاب الدين ﵀ في كتابه فَرْقا، وهو السادسَ عشر والمائة بين السّلَب يستحقه القاتلُ وبيْنَ الإِقطاعات وغَيْرها مِما للإِمام أن ينتزعها مِمَّن هي بيده فقال: كان ذلك في السَّلَب، لأنَّهُ حين صدَرَ السبَبُ الذي هو القتل فقد استحق مِلْكَ السَّلب فلا يصحُّ نَزْعُهُ من يده، والاقطاعات إنما وضعَها الإِمام بيد من رأى المصلحة تحصل منه في الستقبل فأعانه على ذلك بوضعها في يده لا ليملكها ملكا حقيقيا، فكان له أن بيدّلَها له، أيّ وقت شاءَ، وليس في الفرق شيء زائدٌ على هذا إلا مُكَرَّراً، وهو ما ذكر في هذه القاعدة. (٢٥)

стр. 357

القواعد الفقهية ولنبدأ منْ ذلك بالطهارة، وفيها سِتُّ قَواعِدَ: القاعدة الأولى (١) نقرِّرُ فيها الفرق بين الماء المطلَقِ وبيْنَ الماء المستعْمَل، فنقول: المطلَق هو الباقي على أصل خِلقته، ويُلحَقُ به المتغيِّر بما لا ينفكُّ عنه غالبا، وكَان الأصل أن لا يقال في هَذا: انهُ مطلَق، ولكنه سُمي بذلك كالذي بقي على أصل خِلقتِه، لأنه إذا عُبِّر عنه يقال: هذا ماءٌ، فيطلَقُ ولا يقيَّدُ؛ وماءُ الورد وما أشبهَه بخلاف ذلك، لا يطلَق عليه أنه ماء إلا بالمجاز، بل يقال: هذا ماءُ ورْدٍ، والمضافُ من المياه كلِها خرج عن هذا الاسم بالأصل. فلا سؤال عنه في كوْنه لا يقال: إنه مطلَقٌ، وإنما كان السؤال في المتغَير بما لاينفكُّ عنه غالبا، فألْحَقَهُ المشَرِّعُ بالأول، وعِلَّة التسمية أبْديناها. والماء المستعمَل هو الذي أُدِّيتْ به طهارةٌ وانفصَل عن الأعضاء، والماءُ ما دام في الأعضاء فلا خلاف أنه طهور وأنه مُطْلَق، فبعْدَ الانفصال اختُلِف فيه، هلْ هو صالح للتطهر أوْلا، ؟ وهل هو نجس أو لا، وهل ينجِّس الثوبَ إذا لاقاه أوْ لا؟ .

стр. 358

واختلف القائلون بخُروجه عن صلاحيته للتطهر، هَلْ ذَلك معلَّلٌ بإزالة المانِعِ، أو بِأنه أدِّيَتْ به قُرْبَةٌ، ويُخَرَّجُ على القولين مسائلُ: فإذا قلْنا: العلةُ إزالةُ المانِع، لم يندَرِجْ في الماءِ المستعمل الغَسْلُ في المَرّة الثانية والثالثة إذا نَوَى بالأولى الوجوبَ، ولا الماءِ المستعمَلُ في تجديد الوضوءِ، ونحو ذلك مما لا يُزيل المانع، وينْدَرِجُ فيه الماءُ المستعملُ في غسل الذمية، لأنه أزالَ المانعَ، فلو عَلَّلناه بأنه قُرْبَةٌ لَمَا اندرج فيه المستعمَلُ في غسْلِ الذِمية، واندرَج الآخَرَانِ (٢). قال شهاب الدين ﵀: ولِلْقائلين بخروجه عن كونِه صالحا للتطهر مَداركُ، أحْسَنُها أن قوله تعالى: "وأنزلنا من السماء ماءً طَهورا" (٣)، مطلق في التطهير، والمطْلَق يدل على أصْلِ الفعل، وهو -هاهنا- التطهير لا المَرَّة والمرّتان، فإذا حصَلَتْ المَرَّة فقد حصل مُوجب اللفظ وبقِيتْ المرةُ الثانية فيه غيْرَ منطوق بها، فَتَبْقَى على الأصل غيرَ معتبَرَة، فإنَّ الأصل في الاشياء عدمُ الاعتبَار في التطهير وغيره، إلا ما وردت به الشريعةُ، قال: وهذا وجْهٌ قوِيٌّ حسنِ (٤). قلت: الاصل خلافُهُ، وهو الأظهر؛ فإنه لَمّا قَضَيْنا على الماءِ بمطلق التطهْير فذلك حاصل له وثابت مع المرَّة الأولى وثابتٌ له مع الثانية والثالثة هكذا، غيرُ زإئل حتى يدُل دليل على زوال ما ثبت له بذلك الإِطلاقِ، والله أعلم.

стр. 359

القاعدة الثانية (٥) أقرر فيها ما يمكن أن يُنْوَى قُربة مما لا يكون كذلك، ثمّ ما يحتاج إليها ولا بد منها فيه ممَّا ليس كذلك، فأقول أوّلاً: قال شهاب الدين ﵀: ما لا يمكن أنْ يُنْوَى قُرْبةً قسمان: أحدهما النظر الأول المفْضي إلى العِلْم بثبوت الصّانع، فانعقد الاجماع على أنه لا يُمْكِن أن يُّنْوَى التقربُ به، فإنَّ قصدَ التقرب فرْعٌ عن اعتقاد ثبوت الصانع، وهو حينئذ لم يثبت فلا يصح. (٦) الثاني فعل الغير تمتنع النية فيه، فإن النية محصِّصَة للفعل في بعض جهاته من الفرض والنفْلِ وغر ذلك من رُتب العبادات، وذلك يتعذَّرُ على الانسَان في فعل غيره (٧)، قال: وما عَدَا هذَيْنِ القِسْمَيْن تُمْكِنُ نيتُهُ. قلت: وتنقضَه: النية لا تحتاج إلى نية، (٨) ولا يمكن أن يُنْوى، فإنه لو كان كذلك للزم التسلسل، وهو محال، وما لزِمَ عنه المحال فهو محال.

стр. 360

قال شهاب الدين ﵀: ثم الذي تمكن نيته، منه ما شرِعَتْ فيه النية، ومنه ما لم تُشرع فيه. وبيان ذلك أن نقول: المشروعاتُ إمَّا مأذونٌ فيها واما مطلوبة، فالمأذون فيها لم تشرع النية فيها من ذلك الوجه، ولكن من نَوى التقَوِّيَ (٩) بالمباح على طاعة الله فهو حسَنٌ، وله التقرب به من هذا الوَجْه. والمطلوبُ إمّا مطلوب الترْك وإمَّا مطلوب الفعل، فالذي طُلب تركُه يصح فعله في الشريعة ويُجزئ دون نية، ولكن النية مع الترْك تُدْخله في الثواب، وبِلا نيَّةٍ كان معه السلامة من العقاب. (١٠). والذي طُلِبَ فعله، إما أن تكون صورة فعله كافية في المصلحة الطلوبة منه أوْ لا، فإن كان الأول كرَد الديون فلا يحتاج إلى نية فيه، والنية أيضا تدخله في المثوبات، ولو لم تكن النية لما كان في ذلك ثواب. قلت: هذا بَيْعُدُ، (١١) فإن من أعْطى نفقة الأقارب والعيال، الظاهر من الشرع أن المثوبة له ولابد، لأنه خيْر ثعَدَّى منه إلى غيْره، وحصل نفْعُ غيره به،

стр. 361

وقال ص: "في كل كبِدٍ رطبة أجْرٌ" (١٢)، فهو لو سُرِق له كان له الأجر، فكيف، (١٣) وان كان الثاني، وهو ألَّا تكون صورته كافية في تحصيل مصلحته، فلا بُدَّ فيه من النية، وهذا كالأمور التعبدية كلها، فالصلاة شُرِعَتْ لتعظيم الرَّب تعالى وإجْلاله، والإِجلال إنما يحصل بالقصد. قلت: هذا أحسَنُ من قوْل بعض الفقهاء في النية: لِمَ كانتْ في الوضوء ولم تكن في إزالة النجاسة؟ والجميع طهارة، فقال: لأن إزالة النجاسة توجَّه الأمر إلى تركها، وما طريقُهُ التَّرْك لا يفتقر إلى نيَّة، يدلك عليه ترْك الكلام في الصلاة، (١٤) والوضوءُ إنما توجّه الأمر فيه إلى ايجاد فعل، وذلك يفتقر إلى نية، يدلك عليه الصلاة والصوم، فإنه ينقض عليه بالصوم، فإنه ترْكٌ وليس بفعل. (١٥) قال: ونذكرُ هنا أربع مسائل:

стр. 362

المسألة الأولى، قال: تقدَّمَ لنا إن الإنسان لا ينوِي فعْل غيْرِه وإنما ينوى فعل نفسه، ونحن في الصلاة ننوي فَرْضها أَو نَفْلها، والنقلية أو الفرضية ليستْ كسبنا، وانما هي أحكام ورَدتْ علينا، لا دَخل لنا فيها. فأجاب ﵀ بأن قال: النية تعلقتْ بعَيْن الكتَسَب لِتَعُودَ للكاسب، أما استقلالا فَلَا. (١٦) قال: وبهذا نجيبُ عن كون الإِمام ينوي الإِمامة في الجمعة، مع أن فِعْل الامام مساوٍ لفعل المنفرد. وإذا كان كذلك فهو نية بلا مَنْوي إذا قلنا: متعلق النية كونه مقتدى به، وهذا، وإن لم يكن من فعله، لكن صحتْ النية تبعا لما هو من فعله. (١٧) المسألة الثانية: النية لا تحتاج إلى نية، قال جماعة من الفضلاء: لئلا يلزَم التسلسل، ولا حاجة إلى التعليل بالتسلسل، بل النية هي صورتها كافية في تحصيل

стр. 363

مصلحتها، لأن مصلحتها التمييز وهو حاصل بها، قصد ذلك أو لم يقصِدْ (١٨) قلت: الأولى أن يقال: هو من القِسم الذي لا تصح فيه النية، كالنظر الأول إلى إثبات الصانع كما قلنا أولا، لا كما قال شهاب الدِّين ﵀ في رده على الفضلاء، فانظره، والله أعلم. المسألة الثالثة: الذي ينوي فرض صلاة الظهر خرج له سُنَنُ الظهر فلا يثاب عليها، وهذا لم يقلْهُ أحَدٌ، فإن قلنا: ينوي ما في الظهر من فرض الفرضية، وما به منْ سُنةٍ فينويهِ هو أيضا، لم يَقُلْ به أحد. فأجاب بأن النية المجملة من حيث الفرضية عَمَّتْ الفروض والسُّنّنَ، وانسحبَتْ على ذلك إجماعا فلا تحتاج إلى تفصيل. (١٩) قلتُ: يُوهِمُ كلامُهُ أن الإِجماع رفَع هذا الاشكال، ووجَبَ الانقيادُ له على ما هو الأمر عليه، وليس كذلك. فالفرض توجَّه نحو هذا المجموع من حيث هو مجموع، ثم ذلك المجموع له أجزاء، بعضُها فرائضُ، وبعضها سُنَنٌ، وبعضها فضائلُ، والنية متَوجِّهَة نحو المجموع الذي سمِّيَ بالظهر أو غيره من الأسماء. (٢٠) قلت: ومن تَمام هذِهِ القاعدة أن نبيّن الفرقَ بين ما تتوزَّع فيه النية فتصحُّ وبين ما لا يصح إذ ذلك (٢١) فنقول:

стр. 364

قيل: ما لا يجوز فيه تِفريق النية من العبادات، العبادة المرتبطة بعضها ببعض، حتى إن أولها ليفسُدُ بفساد آخرها ولا يتخلّلُها ما ليس من جنسها، كالصلاة، هذه لا يصحُّ التوزيع في نيتها، وما لمْ يكُن مرتبطا كالزكاة يجوز التفريق، وماكان مرتبطا ولكنه تخلَّلها ما ليْسَ من جنسها كالوضوء، قيل: بالتفريق، وقيل: لا يجوز، وكالحج فإنه يُفَرقُ. القاعدة الثالثة (٢٢) نقرر فيها الفرق بين ما يُبَسْمَلُ فيه ممّا لَا، فنقول: أفعال العباد إما قُرُباتٌ وإما مُحَرمات، وإمّا مكروهات، وإما مباحات، . فالمباحات جآت البسملة في بعضها كالأكل والشرب والجماع، والحثُّ على ذلك في بعضها آكَدُ من بعض، ولم يات (اي الحث) في كل شيء من المباح، وما لم يات فيه فحسَنٌ (٢٣) للانسان أن يستعمله ليجدَ بركة ذلك. وأما المحرَّمات والمكروهات فيكره له التسمية عند الشروع فيها، من حيث قصْدُ البركة بها، وذلك لا يُرَادُ في الحرام والمكروه، بل المراد من الشرع عدَمُهُ وترْكُهُ، وأمّا القُرُبات فقد جاء في بعضها وأكد فيه كالذيح، وجاء عند قرآة القرآن.

стр. 365

واختُلف فيه في بَعْضِها كالغسل والوضوء والتيمم، وليس مشروعًا عند الأذكار، ولكنهُ إن استُعمِلَ فحسَنٌ فهو الظاهرُ مِنْها مع الْقُرُباتِ بأجْمَعِها، والله أعلم. (٢٤) القاعدة الرابعة (٢٥) نُقَرِّرُ فيها الفرق بين الإِزالة والإِحالة بحسَبِ النجاسات، فنقول: ذهاب النجاسة في الشريعة يقع بثلاثة أوجه: بالإِزالة، والإِحالة، وبهما معا، ولكلِ وجْهٍ خاصيةٌ يمتاز بها. فالإِزالة بالماء في الثوب والجسد والمكان، والإِحالةُ في الخمر تصير خلّا، وهُما معا في الدِّباغِ فإنه إزالةٌ للفَضلات المستخبثَة، بالدباغ الْقابِضِ الذي يوجب العصر فيخْرِجُ ما في الجلود من ذلك، وأما الإحالة فلأنَّ صفة الجلود تتغير عن هيئتها إلى هيئة أخرى. فخاصيَةُ الإِزالة، الماءُ الطَّهُور، والنيةُ على الخلاف، ووصولُ الغسل إلى حدِّ ينفصل الماء غير متغير، وأن السبب الاستقذار. وخاصية الاحالةِ

стр. 366

عدمُ الماء، والنية والاستقذار، فلا يُحتاج للماء، بل قد يوجَد مع عدمه (٢٦) وقد يلقى في الخمر ما يكون ذلك سبباً لإِحالة الخمرْ خَلا، وكذلك السبب في تنْجيسها طلبُ الإِبْعاد، لا الاستقدارُ، والنية مانعة من التطهير. والصورة التي يجتمعان فيها، خواصها عدم اشتراط الماء، وعدم اشتراط النية إجماعا، والاستقذار. (٢٧) قاعدة تُعْرَفُ بِجَمْع الفرق، وهو أن العنى الواحد يوجب الضدين المتنافَيْين، وهو قليل في الشريعة، وله أمثلة: أحدها هذه المسألة، فإن القصد مناسِبٌ للتطهير، فاشترطه من اشترط والمناسبة في الإِزالة، وجَعَله مانعا في الإِحالة، سداً للذريعة، فإنه إذا جوزنا القصد للتخليل جوّزْنا إبقاءها في المِلْك، ففي ذلك الزمان ربّما انْبَعَثَتْ الدواعي على ما لا ينبغي، فترتب على القصدِ الضَّدّانِ: الإِباحةُ والمنعُ. الثاني: السفيه يُمْنع من التصرف في مالِهِ حيطةً على ماله، وتمضى وصيتُه وتُنَفَّذ، مخافة أن لا يصل اليه نفع بماله.

стр. 367

الثالث، الجهالة ممنوعة في البيع والإِجارة، والأجلُ المحدودُ لا يصحُّ أن يعيَّن منه يوم لخياطة ثوب مثلا، فصار الجهْلُ مطلوبا متروكا. (٢٨) الرابع، الأنوثة اقتضى ضَعفُها التأخرَ عن الولايات، واقتضى ضعفها ولايةَ الحضانة. قلت: ليس ضعفها أوجب تقدمها قط، بل الضعف موجبٌ للتأخر أبدا، وما تقدمت في الحضانة إلا لأنها في ولَايةِ الأولاد أقوى من الرجُل كما يقرَّر في موضعه. الخامس، قرابة رسول الله ﷺ ، اقتضى تعظيمُها بذْل المال لهَا، واقتضى أيضاً منع الربهاة منهم، فكانتْ هذه الأشياءُ تُوْجِبُ فيها ما قلناه. (٢٩) القاعدة الخامسة (٣٠) نقرر فيها أن إزالة النجاسة ليستْ من باب الرخصة في الشريعة. وبيَان ذلك أن نقول أوّلا: إن قوما قالوا: إن النجاسة إذا مسها ماءٌ، تنجس بمُلاقاته لتلك النجاسة، (٣١) فإذا لاقاه آخر فكذلك، فلا يُتصوَّرُ تطْهير للنجاسة أبداً.

стр. 368

والجواب أن النجاسَةَ ليست نجاسَتُها من حيث عينُها وجَوْهَرُها، بل لعرَضٍ ووصف لاحِقٍ بذلك الجوهر، فإذا ذهبَ ذلك العرضُ من الرائحة أو اللون أو الطعْم فقد ذهبت النجاسة وزالت حقيقةً لا رخصةً، فإن الحكم تابعٌ لِلسَبَّبَ، فإذا زال سَبَبُهُ زال هو، واذا وجِدَ وُجِدَ الحكم. قلت: ذكر شهاب الدين ﵀ الفرق بين النجاسة في الباطن من الحيوان، وبين ما يَرِدُ على الباطن، (٣٢) رأيت إلحاقه بهذه القاعدة أوْلى فأقول: الفرق بين ما ينشأ في باطن الحيوانات من النجاسات وبيْن ما ورد عليه من النجاسات، أن الذي نشأ فيه، أصله الطهارة فاسْتُصْحِبتْ، والواردُ قُضي عليه بالنجاسة قبل أن يرِدَ، فكان الأصل فيه النجاسة فاستُصْحِبَتْ، فاستصحابُ الحُكْم فيهما أوجب الحكْمَيْن المختلِفين، وسواءٌ في هذا، الدّمُ والبلْغم، والسوْداءُ والصفراء وسائر الأتفال والفضلات المائعات، وانما يقَع التنجيس بعد الانفصال، ويقع عند مالك في بعضها لا في الكل، إذْ الصفراء والْبَلغم ليسا بنجَسين عنده، بخلاف الدّم والسوداء والاتفالِ والبول، وفي العَرَق إذا كان عن نجس - قولان، واللهُ الموفِّقُ للصواب. (٣٣)

стр. 369

القاعدة السادسة (٣٤) في الفرق بين إزالة الوضوء للجنابة بالنسبة إلى النوْم خاصة، وبيْن إزالة الحدث عن الرجْل خاصة بالنسبة إلى الخُفِّ. جاء عن النبي ﷺ الجُنُب (٣٥) بالوضوء إذا اراد النومَ، فقال الفقهاء: إنه رافع للجنابة بالنسبة إلى النوم خاصة، ولا يزيل الحدث الأصغر وإنما يزيل جنابة أخرى. قلت: وينبغي أن يقولوا: وهو رافع للجنابة بالنسبة إلى الأكل، لما جاء في ذلك أيضا. ثم إنهم قالوا أيضا: الماسح على الخُفِّ إذا غسَل إحدى رجليه ثم لبس خفه قبلَ غسْل الأخرى، هل يصح له المسح على هذا الغسْلِ أم لا؟ قولان،

стр. 370

أجْرَوْا الخلاف على أنه يكمل كل عضو بالفراغ منه ويَرْتْفع حدثه أو حتى يتم الجميع؟ وردَّ عليهم شهاب الدين في هذا من حيث إن الحدث الذي يصح رفعُه هو المنْعُ من الصلاة وما أشبهها، لا الأسبابُ التي توجب الوضوء كالبول والغائط، فإنها لا يصح رفعهَا (٣٦)، فإذا كان كذلك فالمنع ليس متعلقا بالأعضاء حتى يقال هذا الذي قالوه، وإنما هو متعلق بالمكلف. ثم قال: فإن قيلِ: فلِمَ لا يجوزُ أن يكون يرفَعُ المنعَ (٣٧) عن المكلف باعتبار لبس الخف خاصَّةَ ويبقى المكلف ممنوعا من الصلاق كما قيل في الوضوء يرفع الجنابة باعتبار النوم خاصة، فتكون القاعدة كالقاعدة؟ فأجاب بأن القول بأن الوضوء يرفع الحدث الأكبر باعتبار النوم خاصةً، سببه الحديث الوارد، وهذه الامور تعبدية، والأمور التعبدية لا قياس فيها. فالقول برفع الحدث عن كل عضو، باطل، وانما يصح لو ثبتتْ الاباحة عقِبَه، لكن المنعَ باق إجماعاً، فالحدث باقٍ. فظهر أن المنع متعلق بالمكلف لا بالأعضاء، لأجْل ذلك لا يصح شيء من هذه القاعدة، أعني قاعدة الخُفِّ. ويظْهر لك أيْضا بطلان قول من يقول: التيمُّم لا يرخ الحدث، من حيث إن الحدث، المراد به المنعُ من الصلاة، والمنع متعلق بالمكلف لا بالأعضاء، ولا

стр. 371

خلاف أن المتيمم إذا استعمل تيممه بشروطه فإنه يصح له أن يصلي به، فكيف يقال: لا يرفعُ الحدث. قلت: بعض اصحابنا المالكيين يقول: كان للابس الخُف المسْحُ عقب الطهاز بالماء ولم يَكُنْ عقب التيمم، والجميعُ طهارةٌ تستباح بها الصلاة، من حيث إن التيمم لا يرفعُ الحَدَث، فلم يَجُزْ أن يمسح بذلك. لأنه برؤية الماء يلزمه غسل رجليه، وليس كذلك الطهارةُ بالماء، لأنه يرفع الحدث، فهو أقوى من التيمم فافترقا. وهذا ما ذكره. وعلى ما ذكره شهاب الدين يبطُلُ له هذا التعليل. وأيضا، فالظاهر أن يقال: المسحُ على الخفِ رخْصة، وهو إنما ورد عقبَ الوضوء، لقوله ﵊: "دعْهُما فإني أدْخلتُهما، وهُما طاهرتان"، فلا يقاس التيمم على ذلك، لأن الرخَصَ تُقصَرُ على ما وردت عليه. وايضا، فالمسحُ إنما كان تخفيفا، وما يُعمَل ذلك إلا بحسب المتوضيء لا بحسب المتيمم. ومن قال بأنه لا يرفع الحدَثَ استدل بقوله ﷺ لجنُبٍ: "أصَلَّيتَ بأصحابك وأنتَ جُنُبٌ" (٣٨)؟ ! وأيضا، فإنه إذا وجد الماء يغتسل.

стр. 372

وقد أُجيبَ الأولُ بالمنع من اقتضاء ذلك ما قصدوه. والثاني (٣٩) بأن الرفع كان لغايةٍ، على نوع ما يكون النكاح مُبيحاً إلى غاية الطلاق. قلت: ولنذكر مسائل، تتمةً للباب.

стр. 373

المسألة الأولى (٤٠): قال مالك بغسل قليل النجاسة كثيرها، وهو لا يقول بغسل قلِيل الدم، فلِمَ كان هذا، والجميع نجاسة؟ فالجواب أن قليل الدم لا يمكن الاحتراز منه، لِأن الانسان لا يخلو عنه، كذلك سائر النجاسة، لأنها يمكن الاحتراز منها من غير مشقة.

стр. 374

المسألة الثانية: قال مالك: يَمْسَحُ على الخفين إذا لبسهما بعد كمالَ الطهارة بالماء، وأما بالتيمم فلا يمسح عليهما، والجميع طهارة تستباحُ بها الصلاة، فما هو الفرق؟ فالجواب أن التيمم كان طهارة للضرورة، وذلك من حيث استباحة الصلاة به ولا يرفع الحدث، فَلم يَجُزْ أن يمسَحَ على الخفيْنِ، لأنه برؤية الماء يلزمُهُ غسل رجليه، وليس كذلك الطهارة بالماء. قلت: بل الأولى أن يقال: المسحُ على الخفيْنِ رخصة، وهي إنما وردَتْ عقبَ الطهارة بالماء لا عقِبَ التيمم، فتُقْصَرُ الرخصة على محلها، وهذا لقوله ﷺ للمغِيرة، دعهما فإني أدخلتهما، وهما طاهرتان. المسألة الثالثة: قال مالك: لا يُمْسَحُ على الخفين إلا بعد لبسِهما بعْدَ كمال الطهارة، ويمْسَحُ على الجبائر والعصائب وان لبسَهُما على غير وضوء، والجميع حائل، فلِمَ كان الفرق؟ فالجواب: ان الجبائر والعصائب، شدُّهما ليس موقوفا على اختياره، وانما هو على حسب ما تدعو اليه الحاجة، فقد يحتاج اليها وهو على غير وضوء، ولا يمكنه الصبر إلى أن يتوضأ، فلم يُعتَبَرْ في جواز المسح عليها أن يكون لبسهما على طُهْرٍ، والخفانِ ليس كذلك، لأنَّ لبسمهما موقوف على اختياره. المسألة الرابعة، قال ابن القاسم: يجبر المسلِم امرأته النصرانية على الغسل من الحيض، ولا يجبرها على الغسل من الجنابة، وفي كلا الموضعين هو إجبار على غسل ليست مخاطَبَةً به، فالجواب أن المسلِمَ لا يجوز له وطء زوجته حتى تغتسل من الحيض، وله أن يطأ زوجته قبل أن تغتسل من الجنابة، فافترقا. المسألة الخامسة، إذا أراد الجنبُ النومَ توضأ ولا يَلزَمُ ذلك الحائضَ، والحَدَث الموجود بهما يوجب الغسل، فالجواب أن الوضوء أمِرَ به الجنبُ ليكون ذلك سببا للاغتسال عند الشروع، والحائض لا يصح منها ذلك قبل انقطاع دم

стр. 375

الحيض، وأيضا فالجنُبُ قادر على رفع حدثه بالاغتسال، فلمَّا تركه غُلِّظ عليه بالوضوء، والحائض غير قادرة ولا مامورةٍ، فلم يتوجّهْ عليها تغليظ. المسألة السادسة، لا يتكرر المسح في الوضوء ويتكررُ الغسلُ، والكل طهارةٌ، فلِمَ كان ذلك؟ فالجواب أن الغسل موضوع على التثقيل، فناسَبَ التكرار، والمسحُ موضوع على التخفيف فلم يناسب التكرار. المسألة السابعة، قال مالك: لا يجوز المسح على خِمار وعِمامة ويجوز المسح على الخفيْن، وفي كلا الموضعين الْمسحُ على حائل دُون عذرٍ، فالجواب أن المشقة تلحق في نزع الخف عند ارادة الوضوء، ولا تلحق في مسح الرأس. المسألة الثامنة، قال مالك: إذا مسَحَ رأسَه ثم حَلَقه لمْ يُعِدْ مسحه، وإذا خاح خفّيْه بعْدَ أن مسح عليهما غسل رجليه، وفي كلا الموضعين هُوَ ماسِحٌ على حائل فى ون البَشرة، فالجواب أن شعر الرأس أصْل بنفسه، وليس بَدَلا عن غيره، والخفُّ بدل، فإذا طَهُر المبْدَلُ عنه زال البدلُ. المسألة التاسعة، قال سحنون في المرأة الجنُبُ تحيض ثم تطهُر فتغتسل: إنْ نوت الحيض دون الجنابة أجزأها، وإن نوت الجنابة لم تجزها، فالجواب أن الحيْض يمنع أشياء لا تمنعها الجنابة، من ذلك الوطء، ووجوبُ الصلاة، وغير ذلك، فكان حكمه أغْلظ، فَنِيَّةُ الأغلظ تجزيءُ عن نيَّة الأدْوَنِ، ولا تنعكس.

стр. 376

قواعد الصلاة وهي خمس: القاعدة الأولى (١) نقرر فيها الفرق بين استقبال الجهة في الصلاة وبيْن استقبال السمت. إعْلَمْ أنَّهُ يرفع في الذهب أن استقبال الجهةِ يكفي، وجاء استقبال السَّمْتِ لَا بُدَّ منْه، وهذه الاطلاقات في غاية الإِشكال بسبب أمور: أحدُهَا أن هذا الكلام لا يصح، لا بِحَسَب من بَعُد عن الكعبة ولا بحسب من قرُبَ. أما مَن قرُب فَفَرْضُهُ استقبال السَّمْت بلا خلاف، وأما من بَعُد فلا أحدَ يقول: إن الله تعالى أوْجب عليه استقبال عيْنِ الكعبة ومُقابَلَتها، فإن ذلك تكليف ما لا يطاق، بل الواجب عليه أن يبذل جهده في تعيين جهة يَغلب

стр. 377

على ظنه أن الكعبة وراءها، وإذا فعل ذلك وجبَ عليه استقبالها إجماعا، فصار السمتُ مجْمَعاً عليه باعتبار، والجهة مُجْمَعاً عليها باعتبار، ولا خلاف يصح على هذا. وأيضا فنقول: أجْمَعَ الناس على أن الصف الطويل الذي يكون في طوله مائةُ ذِراعِ، صَلاتُه صحيحة، والكعبة طوُلها خمس وعشرون ذِراعا، وذلك يوجبُ أن بعض الصَّفِّ خارجٌ عن السَّمت، (٢). وأيضا فإن البلديْن المتقَارِبِيْن يكون استقبالهما واحداً، معَ أنّا نقطع بأنهما أطَوُل من سمت الكعبة، فهذه الأشياء توجب الإِشكال في أمر الجهة، وفي أمر السمت. والجوابُ ما كان يذكره الشيخ عز الدين بن عبد السلام ﵀ قال: لاشك أن الواجِبات، منها ما وجب إيجابَ الوسائِلِ، ومنها ما وجَبَ إيجاب المقاصد، (٣) وهذا قد تقرر في المقاصد، والوسائل حيث ذكِرَتْ قاعدتهما. فنقول: الخلاف إنما هو، هل الواجب وجوب المقاصد، السَّمتُ أو الجهة؟ قولان، وهذا من حيث إن السمت هل وَجَب استقبالُه أوْ لَا؟ قولان، قيل: وجبَ، وقيل: لم يجب. ولا قائل بأنه من باب إيجابِ الوسائل، بل المقاصد، والجهة واجبة بالإِجماع، والخلاف هل وجوبها من باب إيجاب الوسائل أو من باب إيجاب المقاصد؟ قولان. فمالِكٌ يقولُ: من باب إيجاب المقاصد، فإذا اجتهد فأدَّاهُ اجتهاده إلى شيءٍ مَّا، كان أدَّى ما عليه، ومَن قال: من بابِ الوسائلِ، إذا ظَهر الخطأ لزمتْه الإِعادة. والجوابُ عن الصف الطويل أن المرادَ بالاستقبال، الاستقبالُ العادي، والعادَةُ أن الصف الطويل اذَا بَعُدَ يَسيرًا عما كان أقصر منه يكون مستقبلا له،

стр. 378

وكذلك الحال في البلدين (٤) المُرَادُ بالاستقبال المطلوب، العادي لا الحقيقيُّ، والله سبحانه أعلم وأحْكَمُ. القاعدة الثانية (٥) لم جُعِل بعض البقاع معتبَرا في أداء الجماعات (٦) وقصْر الصلوات، ولم يكن ذلك الاعتبار بحسب الأزمان؟ فالجواب أنا نقول: القاعدة المقررة أن المظانَّ شأنها أن تُعتَبَر، حيث يكون الوصف الذي به يعلّل الحكم حِفياً في نفسه، فتُوضَع المظِنة لأجْل ذلك

стр. 379

الخفاء، فأربعين ميلَا مظنة المشقة للمسافر، وثلاثة أميال مظنة سماع الأذان للجمعة، فإذا كان الوصف الذي به التعليل ظاهراً وغير خفي لم توضع المظنة. ولمَّا كانت هذه القاعدة هكذا وجِدَ الخفاء بحسَب الْمَظانِّ التي وضعتْ وفيها اعتبار المكان، ولم يوجد ذلك بحسَب الزمان، فالْأهلةُ التي ارتبطت العبادةُ بها كرمضان، وغيره لا حاجة إلى مظِنَّةٍ من جهة الزمان تقوم مقامه، فإن المَظنَّة إنما تكون عند عدم الانضباط، أما معهُ فَلا. والانضباط موجود بأشياء، إن كنا نقول بالمناخ فظاهرٌ، وإن كنا لا نقول به فنُكَمِّلُ العِدةَ ثلاثين، هذا مع الغَيْم، ومع الصَّحو نَعتَبر الرؤية، فأيُّ فائدة لوضع المظنَّة هاهنا. قال شهاب الدين ﵀: والمظنة هي في الرتبة الثالثة من التَّعْليل، وذلك أن الحِكْمَةَ توجب كون الوصف علة معتبَرَة في الحكم، فإذا ثبتَ كونه معتَبرا، إن كان منضبطا اعتمد عليه ولم يُحْتَجْ إلى المظنة، وإن لم يكن منضبطا أقيمت مظنته مقامه، فالحكمة في الرتبة الأولى، والوصف في الرتبة الثانية، والمظنة في الرتبة الثالثة، وهذه الثلاثة مثالُها في السَّفر أن مَصْلحة المكلَّف في راحته، وصلاحُ جسمه يوجب أن المشقة إذا عرضت توجب عليه تخفيف العبادة، لئلا تعظم الشقة فتضيعَ مصالحه بضعف جسمه، فتوفير قوّته هُوَ المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار وصف المشقة سببَ الترخيص، فالمشقة في الرتبة الثانية منها، لأن الأثرَ فرْعُ المؤثِّر، والمظنة فرْعٌ قد تكون مُوجِبةً للحكم، وإن لم يكن الوصف حاصلا، وهذا لأن الاعتبار للغالب لا لِلنادر، فقد تحصل المشقة وقد لا، ولكن الغالب حصولها. (٧)

стр. 380

قال شهاب الدين ﵀: فإن قلت: مجرد الالتِقاء لا يحصل به الإِنزال، فكيف جُعِل مَظِنَّةَ الإِنزال؟ فأجابَ بأنه قد يحصل من الناس من يُنزِل بمجرد الملاقاة، ومنهم من يُنزل بالفكرة. قلتُ: الأولى أن يقال: الغالبُ على الناس أنه إذا حصل التِقاء الختانيْن قلَّ أن يقَع النزْعُ الا بعد تمام العمل بالإِنزال، فتلك الحالة الأخرى إذا اتفقت قد يكون معها شيء من الانزال وهو بدايته، وقد لا يحصل اعتباره ببداية العمل،

стр. 381

وذلك التقاء الختانيْن، اذ لا شيء يكون مضبوطا غير ذلك، وان لم يكن الانزال يحصل بمجرد الالتقاء غالبا، وانما يكون نادرا، ولكنه هو المنضبط عندنا في ذلك لا غيره. القاعدة الثالثة (٨) لِمَ خُصّت البقاع المعظَّمة بالصلاة، والازمنةُ المعظمة بالصيام؟ فأجاب عن هذا شهاب الدين ﵀ بما مقتضاه: ان القصد الحقيقي تعظيم الموْلَى جلَّ وعَلا، وليس في قدرة البَشر أن يعظموه كما يجِبُ له، فاكتفى منهم أن تظهر عليهم آثار التعظيم كما تظهر عليهم مع ملوكهم. ولمّا كان الشأن أن العظيم إذا مُرَّ ببيته (٩) وحيث هو، يُسَلَّم عليه ويخضع له بالمقال والفعل، من حيث إنه ينحني ويتضآل ويُقَبِّلُ البساط إلى غير ذلك من

стр. 382

الأفعال جُعِل للعبيد مع مولاهم مثلُ ذلك، فإذا دخلوا مسجده حيَّوْهُ بركعتين. وإنْ جاءُوا إليه في البيت الأعْظَم له وحيث أظهر خيْرَه ونعمته على كل مَنْ أقبل عليه يبايعونه ويلوذون بقصو ويُحُفّون به مستبشرينَ فرحين، كان مثْلُ ذلك بمكة إذا جاءها كلُّ من جاءها، فهذا أوجَبَ تخصيص البقاع بهذه العبادة، ولمْ يكن عندها الصومُ، لأن العادةَ في التعظيم للملوك ليسَ هو بالصوم. ثم الأزْمَانُ لم يكن فيها زمانٌ اشتهر بالله واختص به كاختصاص الكعبة والمساجد، فلم يكن للأزمنة ما ذُكر من الصلاة، لهذا المعنى. ثم قال: قد ورد أنه ينزل الرب إلى سماء الدنيا في الثلث الآخِرِ من الليل، (١٠) فأجاب بأنْ قال: الأزمنة التي جَرَتْ العادة بقدوم الملِك فيها على الرّعايا، شأنها أن تعظم بالزينة وما يناسبها، وكان يلزمنا مثل ذلك في هذا الزمان، غير أن الليل لا يناسبُ الصيام، فشرع فيه ما يناسبه من التضرع والدعاء والاستغفار. قلت: هذه القاعدة من أصْلها، كيف تصح؟ واللهُ جعلَ الصلاة معتبَرةً بالأزمان. نفْياً وثبوتا، كما جعلها بالبقاع نفيا وثبوتا، فقد نهى عن الصلاة في وقتين او ثلاثة على ما جاء في بعض الأحاديث، (١١) وقد أمر بالصلاة في أوقات معلومة بالليل والنهار، بحسب الفرائض بحسب النوافل، وأيْضاً فالثلث الآخر من الليل هو

стр. 383

وقت للتهجد، وأفضل التهجد بالصلاة كما قال تعالى: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلةً لك﴾ (١٢) الآية، و ﴿يا أيها المزمِّلُ قمْ الليل إلا قَليلا﴾ (١٣). وهذا كله خلاف ما قاله هو، وشهر رمضان مطلوب فيه الصلاة والصيام، ولا سيما الآخِر من الشهر في الليل، ففي ذلك الوقت كان ﵊ يَرْصُدُ ليلة القدر. قلت: وهو أيضا لم يذكر حكمة الصوم كما ذكر حكمة الصلاة، وحكمته أنه استعداد للقاء المعظَّم بصورة النظافة مطلقا، والصوم ياتي بذلك بحسب الظاهر، أذ تقل الانجاس في جوفه، وتقِلُّ الأشغال التي تخرجه عن محل اللقاء، وبِحسَبِ الباطن أيضاً فإن الجوع يعين على الإقبال ويصرف عن القواطع، والله أعلم، وهو الموفق للصواب. القاعدة الرابعة (١٤) لِمَ كانت أوقات الصلوات يجوز إثباتها بالحساب والآلات وكل ما دل عليها، والْأهِلةُ في الرمضانات لا يجوز إثباتها بالحساب على المشْهور؟ فقال: شهاب الدين ﵀:

стр. 384

إنَّما كان هذا الفرق من حيث ان الله تَعَمدَنا في الأهِلة بالرؤية، أو بالإِكمال ان تعذرت الرؤية، ولم يتَعَبَّدْنا بخروج الهلال من الشُّعَاع. وفي الأوقات الأخَرِ تعبَّدَنا فيها بحصول أوقاتٍ وبروزها في نفسها، فكان لنا أن نستدل على حصولها بكل دليل يوصل إلى ذلك، لأن العبادة مربوطة بالزوال مثلا، ولم تُرْبَط لنا بخروج الهلال من شعاع الشمس، بل برؤيته، فإن أغْمِيَ علينا فنكمل (١٥) العِدة ثلاثين (١٦).

стр. 385

وذكر ها هنا شهاب الدين ﵀ إشكاليْن: أحدهما بحسب أوقات الصلاة، والثاني بحسب رؤية الأهلة فقال: العادَة المستمرة للمؤذِّنين القائمين بالأوقات أنهم إذا شاهدوا المتوسط (١٧) أمَرُوا الناس بالصلاة والصوم، معَ أن الأُفق يكون صاحِياً لا يخْفَى فيه طلوع الفجر لو طلع، ومع ذلك فلا يجد الناظر للفجر أثراً البتة، وهذا لا يجوز، فإن الله تعالى جعل ظهور الفجْر فوق الأفُق سببَ التكليف. ثم أوْرَدَ على نفسه سؤالا فقال: فإن قُلْتَ: هذا جُنوحٌ منك إلى أنه لابد من الرؤية، وأنتَ قد فرقت بين البابين ققال: الفرق أنِّي لم أشترط الرؤية في الأوقات، ولكني جعلت عدم اطلاع الحِسِّ على ذلك حين الصحْو دليلا على عدم حضور الوقت، بخلاف الأهلَّة هي المربوطة بالرؤية. قلت: كما جَعَلتْ الرؤيةُ الحُكْم تعلّقَ بها من أجل قوله ﵊: "صوموا لرؤية الهلال وأفطِرُوا لرؤيتِهِ". كذلك يجب عليك أن تجعل الادراك المحقَّقَ سببا لوجوب الصبح، من أجل قوله تعالى: "حتَّى يتبين لكم الحيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر"، فإذا الموضعان على السواء في اعتبار الإِدراك المحقق أن يحصل فيتحقق الإِشكال. قلت: والظاهر عندي أن الصبح من بين سائر الصلوات هي منوطة بشيء اضافي لا بشيء واقع في نفسه، لأجل قوله: "حتى يتبيَّن"، ويكون فعْل المؤذنين لهذا لا يصح، وهي كالهلال، فإنه - أيضا - امْرٌ اضافي، معرفته دخول

стр. 386

الشهر، لأنه مربوط برؤيتنا، أو ما يقوم مقامها من التحقيق بحصوله، وذلك الإِكمال، والله أعلم. الإِشكال الثاني أن المالكية جعلت رؤية الهلال في بلد من البلاد سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الأرض. (١٨)

стр. 387

قلت: ليس هكذا على الإِطلاق، بل فيه تفصيل مختلف. قال ﵀: وقال الشافعي: لكل قوم رؤيتُهم. واتفق الجميع على أن لكل قوم عصرهم ومغربَهم، وكذا سائر الأوقات. وهذا لأن البلاد الشرقية قد يكون فيها الليل حالما هو النهاز في المغرب. قلت: بالتفصيل الذي في المذهب، ومن جملته أن يكون الأقليم واحداً، وأمّا إذا اختلفت، فلا إشكال. ومعَ هذا التفصِيل قد يقال: الوقت واحد، فإذا يرفع الاختلافُ فالاختلافُ في الجميع، فلا إشكال، والله أعلم، وهو الموفق للصواب.

стр. 388

القاعدة الخامسة (١٩) نقرر فيها الفرق بين أسباب الصلاة وشروطها يَجِبُ الفحصُ عنها، وأسباب الزكاة لا يجبُ الفحصُ عنها. اعْلَمْ أن أسباب التكليف وشروطه وانتفاء الموانع لا يجبُ تحصيلُها إجماعا، إنما الخلاف فيما يتوقف عليه ايقاع الواجب بعد وجوبه، وفيه ثلاثة مذاهب. ثالثها الفرق بين الأسباب تجب دون غيرها فلا تجبُ، فلا أحدَ يقول: يجبُ علينا أن نحصِّل نصابا حتى تجب عليه الزكاة (٢٠) ولا يجب أن يوفي الدَّيْن لغرض أن تجب عليه الزكاة، لأنه مانعٌ منها. فإذا تبين هذا فأقول: الواجبات انقسمت قسمين: قسْمٌ يجب فيه الفحص، وقسم لا يجب. والضابط للفرق بينهما أن الواجب، تارة يقتضي الحال فيه أنه لابُدَّ من طريان سببه

стр. 389

وترتيب التكليف عليه جزْما لا محيد عنه، كالزوال ورؤية الهلال، فإنه لابد أن يكون في الوجود ويترتب عليه وجودُ التكليف قطعا، فهذا يجب الفحص عنه، كان شرطا أو سبباً، اذ لو أهْمِلَ لوَقع التكليف، والمكلَّف غافل، فَيَعْصي بترك الواجب بسبب إهْمَالِهِ إذا علِمَ أنه لابد أن يكون منه هلال رمضان وأوقات الصلوات وما أشبه ذلك، وأمَّا ما لا يتعيَّن وقُوعُه من الأسباب والشروط فلا يجبُ الفحصُ عنْهُ لعدم تعيُّنِهِ، فيمكن أن يقالَ: الأصْلُ فيه عَدَمُ طريانِه لأجْلِ عدم التعيين، وقد يكون ذلك حجة للمكلف عند الله تعالى. ومنْ ذلك إذا كان فقيراً، ولَهُ أقَاربُ أغْنياءُ، وهو في وقت يجوز أن يموت أحدهم فيرثه فينتقل المال إليه، فتجبُ الركاة عليه بإغفال ذلك وترْك السؤال عنه. (٢١) قلت: ولنذكر مسائل تليق بهذا الباب: المسألة الأولى: قال مالك ﵀: لا يتنفل واحدٌ مضطجعا، ويتنفّلُ قاعداً. - فالجواب أن الجلوس أحد أركان الصلاة حال الاختيار، فجاز التنفل به، وليس كذلك الاضطجاع، لأنه ليس بركن في الصلاة حال القدرة. قلت: ويمكن أن يقال: ذلك رخصة، ولم ترِد في الاضطجاع، فَتُقْصَرُ على حسَبِ ما وردت. المسألة الثانية: قال ابن القاسم: يُحْكى الأذان في النافلة دون الفريضة، وكِلاهما صلاة، فالجواب أن النافلة أخفض رتبةَ من الفريضة، فجاز فيها ما لمْ يَجُزْ في الفريضة. قلت: وهذا الفرق يقضي بأن الشروع لا يصير غير الواجب واجبا، وإن صيّره فتبْقى رتبتُهُ دون الواجب الاصلي.

стр. 390

المسألة الثالثة: قال مالك ﵀: إذا اجتهد فصَلَّى قبل الوقت فعليه الإِعادة أبداً، واذا اجتهد في القِبلة فصلى إلى غيرها فلا إعادة عليه الا في الوقت. فالجواب أن الوقت، المطلوب فيه إدراكه والإِحاطة به، فإنه يتوصل إليه مشاهَدَةً، فتعادُ الصلاة لذلك أبدًا، والقِبلة، الفرض فيها الاجتهاد عند غير المعاين، فاذا بَذَلهُ فقد أتى بما عليه، وأيضا فاجتهاده الثاني ليس أولى من اجتهاده الآخر، فلم يَتْرُك أحدَ الاجتهاديْن للآخَر. المسألة الرابعة: فال ابن عبد الحكم: لا يتنفل في السفينة إلى غيْر القبلة، ويتنفْل على الدابة إلى غير القبلة، والجواب أن الاستقبال في السفينة متيسر، وعلى الدابة متعذر. المسألة الخامسة، قال مالك: إذا تكلَّم عمدا بطلتْ صلاتُه، وإن تكلم سهوًا لم تبطل، واذا أحدث بطلتْ على كل حال، فلِمَ كان الفرق؟ والكلامُ مضادٌّ للصلاة كما هو الحدَثُ، فالجواب أن الكلام غير منافٍ للصلاة كما هو الحدث مُنَافي للصلاة، فوقعَ الفرق. المسألة السادسة، قال مالك: تُصَلَّى النافلة بتيمم الفرض، ولا تُصَلَّى فريضةٌ بتيمم نافلة، وقد كان الحج يجزئ فيه فعلُ الندب عن الفرض، فالجواب أن الحج فيه مشقة شديدة، لأنه لامما كان قد رجع إلى بلاده، فَجُعِلَتْ سننه تنوب عن فرائضه، وليس كذلك الصلاة، لأنه لا مشقة في الإِتيان بالفرض، إذ أمْرُهَا خفيفٌ. المسألة السابعة، قال مالك: لا يلزم الإِمامَ أن ينوي الامامة إلا في الجمعة والخوف، والكلُّ صلاة هُوَ بها إمام، فالجواب أن هذه الصلاة لا تصِح إلا في جماعة، فَلزِمَ الامامَ أن ينوي ذلك، وغيرُها من الصلوات تصح في غير جماعة فلا يلزمه ذلك. المسألة الثامنة، قال مالك: تُصَلَّى النافلة بتيمم الفريضة ولا تُصَلَّي فريضة
следующие страницы →