الشهر، لأنه مربوط برؤيتنا، أو ما يقوم مقامها من التحقيق بحصوله، وذلك الإِكمال، والله أعلم.
الإِشكال الثاني أن المالكية جعلت رؤية الهلال في بلد من البلاد سببا لوجوب الصوم على جميع أقطار الأرض. (١٨)
стр. 387
قلت: ليس هكذا على الإِطلاق، بل فيه تفصيل مختلف. قال ﵀: وقال الشافعي: لكل قوم رؤيتُهم. واتفق الجميع على أن لكل قوم عصرهم ومغربَهم، وكذا سائر الأوقات. وهذا لأن البلاد الشرقية قد يكون فيها الليل حالما هو النهاز في المغرب.
قلت: بالتفصيل الذي في المذهب، ومن جملته أن يكون الأقليم واحداً، وأمّا إذا اختلفت، فلا إشكال. ومعَ هذا التفصِيل قد يقال: الوقت واحد، فإذا يرفع الاختلافُ فالاختلافُ في الجميع، فلا إشكال، والله أعلم، وهو الموفق للصواب.
стр. 388
القاعدة الخامسة (١٩)
نقرر فيها الفرق بين أسباب الصلاة وشروطها يَجِبُ الفحصُ عنها، وأسباب الزكاة لا يجبُ الفحصُ عنها.
اعْلَمْ أن أسباب التكليف وشروطه وانتفاء الموانع لا يجبُ تحصيلُها إجماعا، إنما الخلاف فيما يتوقف عليه ايقاع الواجب بعد وجوبه، وفيه ثلاثة مذاهب. ثالثها الفرق بين الأسباب تجب دون غيرها فلا تجبُ، فلا أحدَ يقول: يجبُ علينا أن نحصِّل نصابا حتى تجب عليه الزكاة (٢٠) ولا يجب أن يوفي الدَّيْن لغرض أن تجب عليه الزكاة، لأنه مانعٌ منها.
فإذا تبين هذا فأقول:
الواجبات انقسمت قسمين: قسْمٌ يجب فيه الفحص، وقسم لا يجب.
والضابط للفرق بينهما أن الواجب، تارة يقتضي الحال فيه أنه لابُدَّ من طريان سببه
стр. 389
وترتيب التكليف عليه جزْما لا محيد عنه، كالزوال ورؤية الهلال، فإنه لابد أن يكون في الوجود ويترتب عليه وجودُ التكليف قطعا، فهذا يجب الفحص عنه، كان شرطا أو سبباً، اذ لو أهْمِلَ لوَقع التكليف، والمكلَّف غافل، فَيَعْصي بترك الواجب بسبب إهْمَالِهِ إذا علِمَ أنه لابد أن يكون منه هلال رمضان وأوقات الصلوات وما أشبه ذلك، وأمَّا ما لا يتعيَّن وقُوعُه من الأسباب والشروط فلا يجبُ الفحصُ عنْهُ لعدم تعيُّنِهِ، فيمكن أن يقالَ: الأصْلُ فيه عَدَمُ طريانِه لأجْلِ عدم التعيين، وقد يكون ذلك حجة للمكلف عند الله تعالى. ومنْ ذلك إذا كان فقيراً، ولَهُ أقَاربُ أغْنياءُ، وهو في وقت يجوز أن يموت أحدهم فيرثه فينتقل المال إليه، فتجبُ الركاة عليه بإغفال ذلك وترْك السؤال عنه. (٢١)
قلت: ولنذكر مسائل تليق بهذا الباب:
المسألة الأولى: قال مالك ﵀: لا يتنفل واحدٌ مضطجعا، ويتنفّلُ قاعداً.
- فالجواب أن الجلوس أحد أركان الصلاة حال الاختيار، فجاز التنفل به، وليس كذلك الاضطجاع، لأنه ليس بركن في الصلاة حال القدرة.
قلت: ويمكن أن يقال: ذلك رخصة، ولم ترِد في الاضطجاع، فَتُقْصَرُ على حسَبِ ما وردت.
المسألة الثانية: قال ابن القاسم: يُحْكى الأذان في النافلة دون الفريضة، وكِلاهما صلاة، فالجواب أن النافلة أخفض رتبةَ من الفريضة، فجاز فيها ما لمْ يَجُزْ في الفريضة.
قلت: وهذا الفرق يقضي بأن الشروع لا يصير غير الواجب واجبا، وإن صيّره فتبْقى رتبتُهُ دون الواجب الاصلي.
стр. 390
المسألة الثالثة: قال مالك ﵀: إذا اجتهد فصَلَّى قبل الوقت فعليه الإِعادة أبداً، واذا اجتهد في القِبلة فصلى إلى غيرها فلا إعادة عليه الا في الوقت. فالجواب أن الوقت، المطلوب فيه إدراكه والإِحاطة به، فإنه يتوصل إليه مشاهَدَةً، فتعادُ الصلاة لذلك أبدًا، والقِبلة، الفرض فيها الاجتهاد عند غير المعاين، فاذا بَذَلهُ فقد أتى بما عليه، وأيضا فاجتهاده الثاني ليس أولى من اجتهاده الآخر، فلم يَتْرُك أحدَ الاجتهاديْن للآخَر.
المسألة الرابعة: فال ابن عبد الحكم: لا يتنفل في السفينة إلى غيْر القبلة، ويتنفْل على الدابة إلى غير القبلة، والجواب أن الاستقبال في السفينة متيسر، وعلى الدابة متعذر.
المسألة الخامسة، قال مالك: إذا تكلَّم عمدا بطلتْ صلاتُه، وإن تكلم سهوًا لم تبطل، واذا أحدث بطلتْ على كل حال، فلِمَ كان الفرق؟ والكلامُ مضادٌّ للصلاة كما هو الحدَثُ، فالجواب أن الكلام غير منافٍ للصلاة كما هو الحدث مُنَافي للصلاة، فوقعَ الفرق.
المسألة السادسة، قال مالك: تُصَلَّى النافلة بتيمم الفرض، ولا تُصَلَّى فريضةٌ بتيمم نافلة، وقد كان الحج يجزئ فيه فعلُ الندب عن الفرض، فالجواب أن الحج فيه مشقة شديدة، لأنه لامما كان قد رجع إلى بلاده، فَجُعِلَتْ سننه تنوب عن فرائضه، وليس كذلك الصلاة، لأنه لا مشقة في الإِتيان بالفرض، إذ أمْرُهَا خفيفٌ.
المسألة السابعة، قال مالك: لا يلزم الإِمامَ أن ينوي الامامة إلا في الجمعة والخوف، والكلُّ صلاة هُوَ بها إمام، فالجواب أن هذه الصلاة لا تصِح إلا في جماعة، فَلزِمَ الامامَ أن ينوي ذلك، وغيرُها من الصلوات تصح في غير جماعة فلا يلزمه ذلك.
المسألة الثامنة، قال مالك: تُصَلَّى النافلة بتيمم الفريضة ولا تُصَلَّي فريضة
стр. 391
بتيمم نافلة، والكل صلاة، فالجواب أن الأصول، اللائق بها أن تكون متبوعة لا تابعة، والفرائض أصول، والنوافل فروع، فكان ذلك لهذا.
المسألة التاسعة، قال مالك: تعاد الصلاة في الجماعة إلا المغرب، والجميع صلاةٌ، فالجواب أن صلاة المغرب ثلاثُ ركعات، والنَّفْلُ لا يكون ثلاث ركعات، وأحَدُ الصلاتين لابدَّ أن يكون نفلا، فيؤدي إلى ايقاع النَّفْلِ ثلاثا، ولا قائل به.
المسألة العاشرة، قال مالك: يَرُدُّ المُصَلّي السلام إشارةً ولا يرُدُّ المؤذِّن اشارةً، وكِلاهما ممنوع من الرّد نُطقا، فالجواب أن المصلي ممنوع من الكلام في الصلاة، ومَن تكلم عامدا بطلت صلاُته، فجعل ردّ السلام اشارة بدلاً عن النطق الذي مَتَى وُجد أبطل الصلاة، والأذان لا يفسده الكلام، اذْ لو تكلم كلاما خفيفا لم يفسُدْ أذانه، فلم يُجعل له بَدلٌ.
قلت: والأولى أن يقال: جعلت الإِشارة بالأصبع - رداً في الصلاة، رخصةً كمقصَرُ على بابها، والله أعلم.
المسألة الحادية عشرة، قال مالِك: يؤذِّن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء، والجميع أذان، فالجواب أن الإقامة عقِبَها الصلاةُ، فاشتُرِطت الطهارة لها لئلا تحتاج إلى خروج للطهارة بعد الإقامة، وذلك لا ينبغي. ثم إنه يوقع الصلاة منفصلة عن الإِقامة إن كان اماما أو فَذّا، وليس شِرْعَتُها هكذا، بلْ متصلة إلا لضرورة.
المسألة الثانية عشرة، قال مالك: تقضِي الحائض الصومَ ولا تَقْضِي الصلاة، وكلاهما عِبادة على البدن. فالجواب أن المشقة تَلْحقُ في قضاء الصلاة لتكررها كل يوم خمس مرات، وليس كذلك الصوم فإنه غير متكرر.
المسألة الثالثة عشرة، قال مالك: إذا انقضَى دم الحيض صحّ صومُها، ولا يتوجه علها الخِطاب بالصلاة إلا بعد اغتسالها، وكلاهما عبادة على البدن،
стр. 392
فالجوابُ أن الصلاة لا تصح الا بعد اغتسالٍ، فلم تتوجه إلا بعد صحة أدائِه، والصومُ غيرُ مفتقِرٍ إلى ذلك، ألا تَرى أن صوْمَ الجنُبِ صحيح.
المسألة الرابعة عشرة، قال مالك: يجوز أن تقرأ الحائضُ ما شآت، ولا يجوز ذلك للجنب، فالجواب أن الأصول مبنية على أن الضرورات تبيحُ مالا يبيحُه غيرُها، والضرورة عندنا داعية للحائض أن تقرأ، مخافة أن تنساه، ولا ضرورةَ مع الجنُبِ، لأن زوال المانِعِ بيده. (٢٢)
стр. 393
الصوم
قاعدتان:
القاعدة الأولى (١): نقرر فيها لِمَ كانت الخصوصية العظيمة للصوم، المذكورة في قوله تعالى: "كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (٢).
ويُلحَق بهذا أيضًا الكلامُ على قوله ﷺ : (من صام رمضان وأتبعهُ بست من شوال، فكأنما صام الدهر (٣) "، فنقول:
أما الحديث الأول فذكر العلماء في ذلك وجوهًا:
أحدها أنه أمر خفي، لا يمكن أن يُّطلَع عليه، بخلاف الصلاة وغيرها.
ويَرِدُ عليه الإِيمانُ والاخلاص وأعمال القلب الحسنةُ كلها، والحديثُ تناولها سوى الصوم (٤).
стр. 394
وثانيها أن جَوف الانسان يبقى خاليا، فيحصل له شبه بصفة الربوبية، فإِن الصمد هو الذي لا جوف له على أحد الأقوال. ويرد عليه الاشتغال بالعلوم، والعِلْمُ من أجل صِفات الربوبية (٥).
وثالثها أنه اختص بذلك لترك الشهوات العظيمة، ويرد عليه الجهاد فإنه أعظم من ذلك.
ورابعها أن جميع العبادات وقع التقرب بها لغير الله تعالى إلا الصوم، فإنه لم يتقرب به لغير الله. ويرد عليه أن الصوم وقع لِلْكَوَاكِبِ من أرباب الاستخدامات لها.
وخامسها أن الصوم. يوجب تصفية الفكر وصفاء العقل، ولهذا،
قال ﷺ : "لا تدخل الحكمة جوفًا مُلِئَ طعاما"، وصفاء العقل يوجب حصول المعارف الربانية ويرد عليه أن الصلاة ودوام الذكر والمراقبة، والتزام الأدب، توجب المعارف الربانية، لقوله تعالى: "والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا" (٦)، وهذا أحسن ما ذكر في هذا الحديث، وقد رأيت ما ورد على كل واحد.
стр. 395
قلت: يمكن أن يقال: كان هذا في الصوم دون غيره، لمجموع ما ذكر فيه في هذه (٧) الوجوه، إذْ لا يلزم النقض من حيث الأفراد أن يكون النقض يَرِدُ بذلك عند اعتبار المجموع.
ويمكن أن يقال: لأنه أصل التزكية (٨) كلها، فالصوم مِلَاك الخير كله، ولا شيء يوجد مثله في ذلك، والله أعلم.
وأما الحديث الآخر ففيه أسئلة:
الأول: لِمَ قال: "بستِ (٩) "، والصومُ لا يكون في الليالي وإنما يكون في النهار؟
الجواب أن العربَ تؤرخ بالليالي دون الأيام.
الثاني: لِمَ قال: "بست"، وهل لست، مزية على الخمس والسبع؟
الثالث: هل لشوال خصوصية في ذلك؟
الرابع: كيف حصلت المساواة في الثواب بين الكل والبعض؟
стр. 396
الخامس: هل دخول مَا وسقوطها على السواء أم لا؟
السادس: صوم الدَّهر، المعتبر فيه على حالةٍ مخصوصة أو كيف كان؟
السابع: هل بين هذه الأيام الستة والأيام المذكورة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (١٠) فرق أم لا؟
الجواب عن الأول أن العرب تؤرخ بالليالي دون الأيام.
وعن الثاني: إنما قال: "من شوال"، رفقا بالمكلف، لأنه حديثُ عهد بالصوم فيكون عليه أسهل، وتأخرها عن رمضان أفضل عند المالكية، لئلا يطول الزمان فيلحق برمضان عند الجهال (١١). ويدل على حسن هذا النظر واعتباره، قولُ رسول الله ﷺ : "أصاب اللهُ بك يا ابن الخطاب"، لما قال لرجل صلى الفرض فقام ليتنفل عقِب فرضه: اجلس حتى تفصل بين فرضك ونفْلك، فبهذا هلك من كان قبلنا.
وقالت الشافعية: خصوص شوال مرادٌ، لما فيه من المبادرة إلى العبادة، لقوله تعالى: "سارِعوا" و"سابقوا".
وعن الثالث، أن مزية الستِ على غيرها من حيث إن شهرا بعشرة أشهر، وستة أيام بستين يوما، فمن فعل ذلك في سنة فهو بمنزلة من صام تلك السنة،
стр. 397
فإذا تكرر ذلك في جميع عمره كان كمن صام الدهر. والمراد بالدهر عمره إلى آخره، وبهذا يحصل المطابقة لا ازيدُ ولا أنقَصُ، وبالأزيدِ أكثرُ من الدهر، وبالأنقصِ أقلُّ من الدهر.
وعن الرابعِ أن صيام سنة لَا يعدل عند الله تعالى صيام شهر وستة أيام، فإنما معنى هذا الحديث أن صيام رمضان من هذه الأمة، وستة أيام من شوال يُشْبه من صام سنة من غير هذه، إذْ تضعيف الحسنات من خصائص هذه الأمة، وعلى هذا ما شبه إلا المثل بالمثل من غير زيادة ولا نقص.
وعن الخامس أنه لو قال ﷺ : "فكأنه صام الدهر"، لكان بعيدا عن المقصود، فإن المقصود تشبيه الصيام في هذه المسألة - إذا وقع على الوضع المخصوص - بالصيام في غير هذه الملة، لا تشبيه الصيام بغيره، فلو قال: فكأنه، لكانتْ أداة التشبيه داخلة على الصّائم، فكان يلزم أن يكون هو محل التشبيه لا الصوم. والمقصودُ الفعل بالفعل، لا الفاعل بالفعل، وإذا قال: فكأنما وكفَّتْ بما، دخلت أذاة التشبيه على الفعل نفسه، ووقع التشبيه بين الفعل باعتبار الملتين.
وعن السادس أن المراد صوم الدهر على حالة مخصوصة لا الدهر كيف كان، وذلك أن صوم رمضان واجب، وصوم السِّتَّةِ مندوب، فيكون صوم الدهر إنما كان، من حيث إنَّ الستة التي تناسب الشهر، والسنَّةَ خمسة أسداسها فرض، وسُدسها، وهو الشهرانِ، نفل، فهذا هو المراد لا غيره.
وعن السَّابع أن السِت في هذا الحديث قد تقدمت حكمتها، وهي كونها يكمل بها السنة من غير زيادة ولا نقص.
وأما الستة في الآية، فقال بعض الفضلاء: الأعداد ثلانة أقسام:
عدد تام، وعدد زائد، وعدد ناقص.
والعدد التام هو الذي إذا اجتمعت أجزاؤه استقام منها ذلك العدد
стр. 398
كالستة، فإن أجزاءَهَا النصف ثلاثة، والثلث اثنان، والسدس واحد، فلا جزء لها غير هذه، ومجموعها ست، وهو أصل العدد من غير زيادة ولا نقص. والأربعة لها نصف وربع خاصة، مجموعها ثلاثة، فلم يحصل ذلك العدد، فالأربعة عدد ناقص. والعشرة لها نصف وهو خمسة، ولها خمس وهو اثنان. ونصف خمس وهو واحد، فالعدد الناقص عندهم كآدمي خُلق بنقص عضو من أعضائه، فهو معيب، والزائد أيضا معيب. والعدد التام كإنسان خلِق سويا، وهو أفضل الأعداد. وإذا تقرر أنه عدد تام، فهو، أعني، الستة، أول الأعداد التامة، وفيه تنبيه على أن الحساب جميل.
القاعدة الثانية: (١٢)
نقرر فيها الفرق بين الصوم المتتابع الظهار وبينه في غير الظهار.
كالنذر للصوم المتتابع وغيره، حتى كان الفقهاء يقولون في كفارة الظهار: من أفطرَ فيها ناسيا أو مُكْرَها، فهو كمن أفطر عامدا غير مُكْرَه، يستأنف الصوم ويبطل التتابع، ولا يطأ حتى ياتي بصوم متتانم كامل، ويقُولُون في النذر وما أشبهه مما فيه التتابع خلاف الظهار: إذا كان نسيانا أو إكراها، لمرض أو غيره، فإنه لا يحتاج إِلى الاستئناف، بل يصل ذلك الصوم بصوم بعد اليوم الذي نسي صيامه، وإنما يبتدىُّ إذا كان عامداً قادراً، فنقول (١٣):
стр. 399
الفرق بينهما أن الخطاب الوارد بهذا الصوم هو خطاب تكليف لا خِطابُ وضع، وخطاب التكليف يشترط فيه العلم وإلقدرة، فالعالم القادر وجد شرط التكليف فيه، فكان إذا أفسد ياتي باستئناف الصوم، لأن الواجب هو الصوم المتتابع ولم يات به، وهو عليه واجب، فيستأنف، وأما الناسِي أو المريض فقدْ اختل شرط الوجوب في حقه من حيث عدم العلم أو من حيث عدم القدرة، فإذا وجد الشرط عاد الواجب، فوصل الصوم بالصوم وكان ذلك متتابعا، وما كان قبله من فطر لم يفسد التتابع بين الصومين لفقد شرط الوجوب، بخلاف فطر المتعمد القادر، فبان وجه القول في غير الظهار.
وأما الظِهار ففيه ما في النَّذْرِ وزيادةُ شرط تقدم التتابع على إباحة الوطء، بل واشتراط أن لا يتخلل الوطء بين الصوم، وهذا لِأجل قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ
стр. 400
يَتَمَاسَّا﴾ (١٤). فلما اشترط هذا لم يصح له اباحة الوطء الا بأن يستأنف الصوم، ولم يكن كالنذر، والله أعلم.
وها هنا مسألة هي مثل ما ذكرناه باعتبار، وهي أن التطوعات عند مالك، من الصوم أو الصلاة أو غيرهما، شأنها أنها تجب بالشروع، ثم مع هذا يقول مالك فيها: إن كان افسادها لعذر واضح كالنسيان فلا قضاء فيها، وإن كان لا لعذر فالقضاء، وقاعدة الوجوب في القضاء ألَّا نفرق بين نسيانه وعمده.
فالجواب أن الفطر إذا كان نسيانا أو لعدم قدرة، ما كان الإِتمام واجباً، ولَمَّا لم يكن واجبا لم يكن القضاء مرتَّبا، فلما لم يكن عذر بشيء من ذلك فالوجوب ثابت في الإِتمام لوجود شرط الوجوب، فإذا وقع الفطر في الصوم فالقضاء، كما قال ﷺ لحفصة وعائشة: "أفطرا واقضِيا يوماً مكانه".
قلت: ونلحق هنا مسألة وهي: لِمَ كان الفرض يُقضَى مطلقا، وكان النفل يفرق فيه، بل كان القياس يقتضى ألَّا قضاء في النفل مطلقاً، لإِظهار رتبة الفرض، فنقول: إنما وقع التفريق لأنه بالشروع لحق بالفرض فوجب أن يحكم له فيه بحكمه ما لم يعارضه معارض، وهو ما قلناه في المسألة قبل هذه، فأوجب ذلك الفرق.
قلت: وهنا سؤال، وهو: لِمَ كان التطوع في الصوم يفرق في قضائه بين العذر وغيره كما تقدم، وكان الاعتكاف يتعين فيه القضاء، وكل واحد من الصوم والاعتكاف وجب بالشروع فيه، والوجوب سببُ القضاء؟ فأجيب بأن الاعتكاف اختص بأشياءَ ليست في غيره فغُلِّظَ حكْمُه.
قلت: ونذكر هنا أيضاً مسألة، وهي: لِمَ كان الأفضل الصوم في السفر، والأفضل قصر الصلاة في السفر، وكلاهما رخصة في عبادة؟
стр. 401
فقيل: الفرق بينهما أن العبادة إذا ذهب وقتها صارت قضاء، وإذا عملت في وقتها كانت أداء. والأداء أفضل من القضاء، ووقت الصوم هو الشهر، فيكون الصوم فيه أداء، والأداء أفضل كما قلنا، وليس كذلك الصلاة، بل اجتمع فيها الأمران: الأداءُ والأخذ بالرخصة لأنها في الوقت.
قلت: وينتقض هذا بالحائض، فإن الأداء لا يصح منها، فضلا عن أن يقال: إنه أفضل، والمريض المرض الشديد فإن القضاء أفضل، ولو أتى المريض به لصح، لكنه يقال: كلامنا حيث كان الأفضل الصوم في السفر، والحالتان ليستا كذلك.
قلت: ومما يرد أيضا على التعليل أن يقال: والإتمام أكثر عملا، وقال ﷺ : "أكثركم ثواباً أجهدكم عملا". والأظهر أن يقال: ترجيح الصوم (١٥) من حيث إنه فعل رسول الله ﷺ كثيرًا، ومن حيث إن فيه تعجيل براءة الذمة والبدار إلى الخير، والتأخير للحضر فيه خلاف ذلك، فكان مرجوحاً. والصلاةُ، القصر فيها أفضل، لأنه فعلُ رسول الله ﷺ ولا يذكر عنه غيره، وفيه مع هذا براءة الذمة، والبدار إلى الخير كما كان في الصوم في السفر، لا أنه نقصه ذلك (١٦)، والله أعلم.
стр. 402
الزكاة
وفيها ثلاث قواعد:
القاعدة الأولى: (١)
لِمَ كانت العروض تُحمَل على القِنْية حتى يُقصَدَ بها التجارةُ، وما كان من العروض للتجارة يُحمَل على التجارة حتى يُنْوَى بها القِنية؟ فأقول:
стр. 403
ينبي الكلام في هذا على قاعدة، وهي أن كل ما له ظاهرٌ فهو يحمل على ظاهره، إلا عند قيام المعارض الراجح لذلك الظاهر، وكل ما ليس له ظاهِرٌ لا يترجح أحدُ محتملانه على الآخر إلا بمرجح شرعي. ومثل هذا كثير، كمن استأجر عمامة فما ذلك إلا لتعميمها، أو خفا فما ذلك إلا لِلَبْسِهِ، أو دارا فما ذلك إلا للسكنى بها، أو دابة للحمْل، فظاهر الحال يكفي في هذه الاشياء. وعروض القنية من هذا القبيل، إذا اشتريت ولا نية لِمُشْتريها، فظاهر حالها، الغالب عليها، الاقتناء، إلا أن يقصد التجارة، فهنا مرجح شرعي على ظاهر الحال. كذلك - أيضا - إذا اشتراها للتجارة فباعها، ثم رجعت إليه بعيب أو غيره نحملها على ظاهر حالها، وذلك التجارة حتى ينوي القنية، من حيث إنه قد كان نوى بها التجارة أولا، فتصْحَبها تلك النية حتى يَقْلِبَهَا إلى القنية.
القاعدة الثانية: (٢)
لِمَ كانت الزكاة تسقط عن العمال في القراض إذا لَمْ تَجبْ على رب المال، على خلاف، وكان الشركاء إذا سقطت عن بعضهم لا يكون ذلك سببا لسقوطها عن البعض الآخر؟ فنقول:
стр. 404
هذا ينبني على قاعدة، وهي أن ما دار على أصل واحد ليس كما دار على أصلين، فالأول يَجْرِي على ذلك الأصل من غير خلاف، والثاني يقع الخلاف فيه بحسب اعتبار الأصلين، فإن المتوسط بين شيئين هكذا يكون، تارة يغلب عليه الأصل الآخر. وهذا كمسألتنا. المقارض يشبِه الاجير ويشبه الشريك. فمن حيث إن خسارة المال لا يلحقه منها شيء كان كالاجير، ومن حيث إن الذي يستحقه العامل ليس في ذمة رب المال كان كالشريك (٣).
стр. 405
القاعدة الثالثة (٤):
لِمَ ضُمّتْ الأرباحُ إلى أصولها في الزكاة دون الفوائد؟ فنقول:
أصل الضم في الأرباح، الشبه المحقق بينها وبين السخال، حيث كان حول أمهاتها حَوْلاً لها. والفوائد لا شبه بينها وبينها، ثم نقرر الفرق ايضا بأن نقول:
إن الاصل ترتب المشروط على شرطه وتاخيرُه عنه، وكذلك السَبَّبُ مع سببه، ولا يصح وجود مشروطٍ دون شرطه، ولا مسبب دون سببه، فحيث وجدنا في الشريعة شيئا من ذلك كما في السخال، قدرنا الشرط وذلك الحول موجودا، حفظا للقاعدة، وهي تقدم الشرط على المشروط، والسبب على السبب، فكان الحمل على مثل هذا يضعف من حيث الخروج عنْ الأصل، إِلا إذا قوي الشبه كما في الربح، وبقيت الفوئد على الأصْل الذي يجب اعتباره حتى يوجد، وهو الشرط الذي هو الحول.
стр. 406
قلت: للمنازع أن يقول: لا تقدير هنا، واعتبار ذلك الشرط ليس هو في السخال ولا في الأرباح، لقضاء عمر، أو يقول: قد وجد الشرط فيها محققاً، فإنه لما وجد في الأصل وجد فيها، ولا تقدير مع هذين الوجهين (٥).
ثم قال شهاب الدين ﵀: واختلِف في هذا التقدير بين ابن القاسم وأشهب والغيرة. فابن القاسم يقدر حالة الشراء لأنه سبب الربح، والسبب يستلزم مسببه. وأشهب يقدر يومَ الحصول لئلا يجمع بين تقدورين: تقدرِ الشراء، والأعيان التي حصلت له في الربح، والتقدر على خلاف الأصل، فيقتصر منه على ما تدعو إليه الضرورة. وعند المغيرة، التقدير يوم ملك الأصل لأنه السبب، وعلى هذه التقادير تتخرج مسألة الدونة: إذا حال الحول على عشرة فأنفق منها خمسة واشترى بخمسة منها سلعة فباعها بخمسةَ عشر:
стр. 407
قال ابن القاسم: تجب الزكاة إن تقدم الشراءُ الانفاق، فإن التقدير حينئذ كأن المال عشرة، وهذه عشرة ربح، فكمل النصاب حينئذ، وإلا لم تجب. وأسقطها أشهب مطلقاً، لأن التقدير عنده يوم الحصول، ويوم الحصول لم يكن إلا خمسة عشر. وأوجبها المغيرة مطلقا، لأنه يقدر يوم ملك العشرة ولا عبرة بتقديم الإنفاق أو الشراء (٦).
قلت: ثم الفرق بين الأرباح والفوائد إنما هو بحسب النقود، وأما الماشية فسخالها التي توالدت فيها، وفوائدها التي انضافت اليها، كل ذلك على السواء يزكَّى لحول الأصل. وإنما كان ذلك من حيث إن الارباح للنقود، زكاتها هي راجعة إلى المزكي لا مدخل فيها للساعي.
خ فلو قلنا في فائدة الماشية ما قلناه في فائدة النقود للزمت المشقة على السُّعَاةِ بالخروج أكثر من مرة واحدة أو بترك زكاة ذلك رأساً، وكلاهما لا يصح، فجعلت زكاتها عند زكاة الأصل.
ولنذكر هنا أيضاً مسائل: (٧)
المسألة الأولى: الدَّيْن مسقط لزكاة العين، وغير مسقط لزكاة الحرث والماشية، فلِم كان ذلك، والكل زكاة؟
стр. 408
فالجواب أن زكاة العين ترجع إلى أمانة المزكين، بخلاف الحرث والماشية فإنها ليست كذلك. والإِمام يخرج لهما السُّعَاةَ حتى يغْدُوا ويُخَرصوا، فكانت التهمة تلحق في الذي يخرج الإِمام اليها فلم يصدقوا. وتنتهي التهمة في باب النقد فكانت مسقطة ثمة، وهم مُصَدَّقون في مقالهم.
المسألة الثانية: الدَّيْن غير مسقط لزكاة المعدن وهو عين، فلم كان ذلك؟ فنقول:
قال قوم: لشبهه بالزرع، فاعترض عليهم تضبيهه بالعين، فَلِمَ غُلِّبَ احد الشبيهين على الآخر؟ فأجابوا بأن شبهه بالزرع أقوى.
قلت: والأولى أن يقال: لأن المعدن لا يخفي كما يخفي النقد، فكانت التهمة تلحق معه كما تلحق مع الزرع، والله أعلم.
المسألة الثالثة، يجوز إعطاء القاتل -خطأ- من الصدقة إذا كان عديماً، ولا يجوز أن يعطى في قتل العمد إذا قُبِلت منه الدية وكان عديماً، والجميع دية وجبت عن القتل. والفرق بينهما أن قتل العمد معصية، فلم يصح أن يعان بالصدقة في ذلك لأن الغارم إنما يستحق جزءا من الصدقة إذا كان دينه من غير معصية، والقتل -خطأ- لا معصية فيه، فافترقا. وأيضاً فهى على العاقلة ولا ذنب عليه.
стр. 409
الحج
وفيه أربع قواعد
القاعدة الأولى (١)
نقرر فيها القاعدة التي بها يتبين ما يتقدم على الحج من الواجبات مما لا يتقدم، فنقول:
إذا تعارضت الحقوق، فما كان منها مُضَيَّقاً كان أرجح من الواسع، وما كان فورياً كان أجح مما كان على التراخي، وما كان فرض عين كانَ أرجح مما كان فرض كفاية، وما يخْشى فواتُه، وإن كان مرجوحا، يقدم، كحكاية المؤذن يترك لها قراءة القرآن، وصون النفسِ والأعضاء يقدم على العبادات، بل صون المال يقدم على العبادات. واختلف في صون مال الغير من حيث الخلاف في تقديم حقوق العبد على حقوق الله أوْ بالعكس، فعلى هذا يُقَدَّمُ حق الوالديْن على الحج، إذا لم يُتَصور مع الحج (٢) لأنه فوري، والحج مُتَراخٍ على قولٍ، وكذلك حق السيد وحق الزوج، والدينُ الحالُّ، بخلاف المؤجل، وأمّا فضْلهُ على الغزْو فمن جهة أن فرض العين أفضلُ من فرض الكفاية.
стр. 410
القاعدة الثانية (٣)
نقرر فيها الفرق بين الجوابر والزواجر فأقول:
الزواجر تعتمد المفاسد، ثم قد يكون معها عصيان كالصبيان والمجانين، فإننا نزجرهم ؤلؤدبهم لا لعيانهم، بل لِدَرْءِ المفاسد، وكذلك البهائم، ثم قد تكون مقدَّرة كالحدود، وغير مقدرة كالتعازير.
وأما الجوابر فهي مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة، ولا يشترط في حق مَنْ يتوجّه قِبلَه الجابرُ أن يكون آثِما، ولذلك شُرع مع العمد والجهل والنسيان، وعلى المجانين والصبيان، واختلَفَ العلماء في بعض الكفارات هل هي زواجر لما فيها من مشاقِ تحمُّل الأموال وغيرها، أو هيَ جوابرُ لأنها عبادات لا تصح إلا بنيَّة، وليس التقرب إلى الله زجرا، بخلاف الحدود والتعزيرات. (٤)
ثم الجوابِرُ تقع في العبادات كالتيمم مع الوضوء وسجود السهو للسُّنن، وغير ذلك، وهو كثير في أنواع من العبادات، وفي الحج الذي من أجْلِهِ ذُكرتْ هذه القاعدد هنا، كالشك في حق من ارتكبَ محظورا من محظورات الحج، أو
стр. 411
الدَّم لترك الميقات والتلبية أو شيءٍ من واجبات الحج ما عدا الأركان، وكالعمل في التمتُّع والقِران، وجَبْر الدم بصيام بثلاثة أيام في الحج وسبعة فِي غيره، وجزاء الصيد في الحرم بالمثْل أو الطعام أو الصيام، والصيد الملوك بذلك، لحق الله تعالى، وبقيمته لحق المالك الآدمي، وهو مُتْلَفٌ واحدٌ جُبِرَ ببَدَلَيْن، وهو من نَوادِرِ المجبورات.
واعْلَمْ أن الصلاة لا تنجبر إلَّا بعمل بدني، ولا تجبر الأموال إلا بالمال، ويُجْبَرُ الحج والعمرة بالبدني والمالي معاً ومتفرقين، والصوم بالبدني في القضاء، وبالمالَ في الاطعام.
وأمَّا جوابر المال، فالأصلُ أن يُوتَى بعيْن المال مع الامكان، فإن أتَى به كامل الذاتِ والصفات بَرِى مِنْ عهدته، فإن كان ناقصَ الاوصاف جُبر بالقيمة، إلا أن تكون الاوصاف تخلُّ بالقصود من تلك العين خللاً كثيرا، فإنه يضمن الجُملة عندنا، خلافا للشافعي، ولذلك ضَمن اصحابنا المغصوب للغاصب، إذا ذبح الشماة، أو طحن القمح، أو ضرَب الفضة دراهم، أو شقَّ الخشبة ألواحا. وقال الشافعي: بل لهَ أخْذُ عيْن ماله حيث وجده. وعند اصحابنا للغاصب منعُه ممّا وجده من ماله في هذه الصورة. والأوّلُ أنضَرُ وأقْربُ (للقواعد). وأمّا إن جاء بها ناقصة القِيمة في بعض المواطن فإنه لا يضمن، وتُجْبَرُ الأموال المثلية بأمثالِها، لأن المِثل أقرب إلى ردّ العين الذي هو الأصل في القيمة.
وخولفت هذه القاعدة في صوريين: في لبن المُصَرّاة (٥) لأجْل اختلاط
стр. 412
لبن البائع بلبن المشتري، وعدم تمْييز المقدار، فمن غصب ماءً في العاطش، فإن جماعة من العلماء تضمنه القيمة في محل غرمه.
وأما المنافع فالمحرّم منها لا يُخبر، احتقارا لها كالزمار ونحوه، كما لم تجبر النجاسات في الأعيان. واستثتى من ذلك مهر الزنِى بها كَرها، تغليبا لجانب الرأة، فإنها لم تات محرما، والظالم أحقُّ أن يحمَل عليه، ولم يجبرْ اللواط، لأنه لم يقوَّم قط في الشرع، فأشبه القُبْلة والعناق.
وغير المحرّم، منه ما يضمن بالعقود الصحيحة والفاسدة والفوات تحت الأيدي البطلة، ولا تُضْمن منافع الحرّ بحبسه، لأن يده على منافعه، فلا يتصور فواتها في يد غيره. ومنافع الأبضاع تضمن بالعقد الصحيح، والفاسد، والشبهة، والإكراه، ولا تجبر بالفواتِ تحت الأيدي العادية.
والفرق أن قليل المنانجع يجبر بالقليل من الجابر، كثيرها بكثيره، وضمان البضع بمهر المثل، وهو يستحق بمجرد الإِيلاج، فلو جُبِر بالفوات لوجَب مالا يمكن ضَبطه، فضلا عن القدرة عليه، فإن كل ساعة يفوت فيها من الإِيلاجات شيء كثير. وأما النفوس فإنها خارجة عن هذه القوانين لمصالح تذكر في الجنايات.
فرُوعٌ في الزواجر:
الأول: الحنفيُّ إذا شرب يسير النبيذ، قال الشافعي ﵁: أحُدُّه وأقبَلُ شهادته. وقال مالك: أحُدُّه ولا أقبل شهادته، فالشافهي ومالِك توافقا في الحدِّ، لأنه قد يحْصل درء الفسدة بالحد وإن لم تكن معصية كما الأمْرُ في الزواجر للصبيان والبهائم. وأمّا عدم قَبول الشهادة عند مالِك، فذلك لأنها فتوى بخلاف النصِّ والقياس الجلي والقواعد، فالنَّصُّ: "ما أسكَر كثيره فقليله حرام"، (٦) والقياسُ الجلي حمْله على الخمر بجامع الإِسكار، والقواعد تقتضي صيانة العقول. والحُكْم الذي يكون على خلاف هذه الأمور ويقضي به القاضي
стр. 413
ينقض، فكيف ما لم يتأكد بالحكم. والشافعي رأى أن حكم الله في حقه ما أدى
اليه اجتهاده، أو ما أفتاه به إمامُه، او كان مقلدا، فقبِل شهادته.
الثاني، الحشيشة. الاتفاق على منعها، (٧) ولكنّه هل المترتب عليها الحد او التعزير؟ فيه خلاف، بناءً على أنها مُسكِرة أوَ مفسِدة للعقل من غير سُكر، والمَرْضِيُّ عند شهاب الدين ﵀ أنها مُفْسِدة، وياتي الفرق بينها وبين الخمر من حيث السكر والمفسدة.
فرع مرَتَّبٌ: من صَلى بها وهي في جيبه، قيل: إن كانت قد حمصت وسلقت بطلت صلاته، والا فلا، وقال شهاب الدين: سألت من يتعاطاها فقال: إن التحميص إِنما هو لإصلاح طعمها وتعديل كيفيتها خاصة، ويتصور تاثيرها قبل ذلك، قال: فِإن كان هذا كذلك، فالصلاةُ باطلة بها مطلقا، هذا ان صحّ أنها مسكرة، وإلّا فهي لا تفسد الصلاة مطلقا إذا كانت مُفْسدة لا مسكرة، قال: وهو الذي أرتضيه.
الثالث، قال إمام الحرمين: القاعدة في التاديباتِ أنها على قدر الجنايات، فكلّما عظُمت الجناية عظمت العقولة. فإذا فرِض شخص لا يؤثر فيه التاديب اللائق بجنايته ردعا، والذي يؤثر فيه القتلُ ونحوُه، ولا يجوز أن يكون عقوبة تلك الجناية، فإن هذا الجاني يسْقط تاديبُه مطلقا (٨).
стр. 414
القاعدة الثالثة (٩)
الفرق بين ما تتداخل فيه جوابر الحج وما لا تتداخل.
تقدم الفرق بين الزواجر والجوابر من حيث الجملة، (١٠).
أما الصيد فيتعدد الجزاء فيه لأنه اتلاف على قاعدة الِإتلاف، وهو غير متوقف على الإِثم، فيضمن الصيدَ عمداً أو خطأ، (١١) ويتحد الجزاء عند أبي حنيفة بالتاويل والنسيان والجهل، فلم يوجب عليه شيئا كالواطئ في رمضان ناسيا، وألحقَ الجاهل بالناسي.
والحقُّ أن الجهل يختلف، فمنه ما يكون عذرا كمن وطئ أجنبية يظنها امرأته، أو شرب خمرا يظنها خَلاً أو يظنها جُلَّابا ونحوه، فإن الاحتراز من هذا يشق، فعَذَر الشرعُ بهذا الجهل، بخلاف ما يمكن الاحتراز منه كالجهل بما يفسد الصلاة ويُصلحها، الجاهل هنا كالعامد، ولا يعذر الِإنسان فيه بجهله، لأنه يُمكنه عِلْمُ ذلك ولا مشقةَ تلحقه، وقد كان في ترك تعلمه ذلك عاصيا.
وضابط ما تتحِدُ فيه الفدية وما تتَعَدَّدُ أنه متى اتحدت النية والمرض - الذي هو السبب- والزمان، بأن يكون الكل على الفور اتحدت الفدية، ومتى وقع التعدد في النية أو السبب والزمان تعددت الفدية، ويظهر ذلك بالفروع:
قال مالكٌ في الدونة: إذا لبس قَلنسوة لِوَجع ثم نزعها، فعاد إليه الوجعُ فلبسها، إن نزعها مُعْرِضا عنها فعليه في اللبس الثاني والأولِ فديتان. وإن كان
стр. 415
نزعها ناوياً ردّها عند مراجعة المرض ففدية واحدة لأجل اتحاد النية والسبَب، ولو لبس الثياب مرةً بعد مرة تاركا (١٢) لبسها إلى بُرْئِهِ من مرضه فعليه كفارة واحدة لاتحاد النية، وكذلك الطيب يتبع اتحاد النية وتعددها. فإن احتاج في فور واحدٍ لأصناف المحظورات فلبس خفين وقميصا وقلنسوة وسراويل فكفارة واحدة، فإن احتاج إلى خفين فلبسهما، ثم احتاج إلى قميص فلبسه، فعليه كفارتان لتعدد السبب. وإن قلّم اليوم ظفر يده، وفي غدٍ ظفر يده الأخرى فعليه فديتان لتعدد الزمان، وإن لبسَ وتطيَّبَ وحلق وقلمَ ظفره في فَوْر واحد، ففدية واحدة. وان تعددت المَحَالُّ تعددت الفدية. وقال الشافعي: هذه أجناس لا تتداخل كالحدود المختلفة (١٣).
القاعدة الرابعة (١٤)
في الفرق بين الميقات الزماني والمكاني، فنقول أولاً:
أثبت الشرع ميقاتا زمانيا، فقال: "الحج أشهُرٌ معلومات" (١٥)، وذلك شوال وذو القعدة وذو الحجة، وقيل: عشرٌ من ذى الحجة. وأثبت الميقات المكاني فقال: لأهل المدينة ذو الحليفة، ولأهل الشام الجُحفة، ولأهلِ نجْد قَرْنُ المنازل، ولأهل اليمين يَلَمْلَمُ، وقال: هي لهم ولمن أتَى عليهن من غير أهلهن ممّن اراد الحج (١٦). وزاد مسلم: ولأهل العراق ذات عرق. وقال مالك: يُكرهُ الاحرام قبل
стр. 416
الميقات الزماني. وقال الشافعي: لا يجوز، (١٧) فما وجْه الفرق؟ ، فقيل: هو - باعتبار، لفظيٌّ، وباعتبار، معنويٌّ.
أما اللفظي فهو أن المبتدأ قد يكون محصورا في الخبر ولابُدَّ، ولا يكون الخبر محصورا -ولابد- في المبتدأ، وهذا كنير، كقوله ﵇: "تحريمُها التكبير وتحليلها التسليم ". والشفعة فيما لم يُقسَم، فالمبتدأ في هذه محصور في الخبر، وليس الخبر محصورا في المبتدأ. فإذا كان الأمر هكذا، فقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ﴾، المبتدأ الذي هو الحج محصورٌ في الميقات، إمّا حصرًا يمنع غيره، أو يمنع الكمال في غيره، وأما المكاني فهو المحصور، حيث قال: هُنَّ، فأمكن أن يوجد الحج بدون تلك المواضع. (١٨).
وأما المعنوي فهو أن الِإحرام قبْل الميقات الزماني يُفْضِي إلى طول زمان الحج، وربّما أدّى ذلك إلى فساد الحج، وليس في الإِحرام قبل الميقات المكاني طول الحج، فلم يكن وسيلة إلى الفساد. (١٩)
стр. 417
ولنذكر هنا مسائل. (٢٠)
المسألة الأولى، لِمَ كان رَمْي الجمرة تحللا عن شيء دون شيء، وطوافُ الإفاضة تحللا أكبر، فنقول:
من حيث إن الإحرام يمنع القاء التفث والصيد، والطيبَ والنساء وسائر الترفهات، ثم إن رمْي جمرة العقبة ندِبَ المحرم فيه إلى القاء التفثِ وهو الحلاق، فلم يصِح أن يكون مندوبا إلى البعض دون البعض، فجاز له ذلك بأجمعه وما هو في بابه، وبَقِيَ الِإحرام على بابه فيما عدا ذلك، وهو المنع من الصيد والنساء والطيب حتى ياتي بالطواف.
المسألة الثانية، لم كان، إذا اختلطت هدايا رفقة فنحر كل واحد هدي صاحبه، أجزأ ذلك عن صاحبه، واذا اختلطت ضحايا قوم، فذبح كل واحد منهم أضحية صاحبه لم يُجْزِ، والكُلُّ فدية؟
فالجواب أن الهدي قد وجب بالتقليد والإشعار، (٢١) فأجْزَأ ذلك عن صاحبه متى نحَرَه غيرُه لأنه قد وجب، والأصحية لا تجب إلا بالذبح، فلم يجُزْ أن يذبحها غير صاحبها، لأنه يحتاج أن يقصد بها القربة حين الوجوب. فعلى ذلك أنه لو شاء بعد شراء الأضحية أن يبدلها بغيرها كان ذلك له، ولا يجوز له أن يبدل الهدي بغيره بعد التقليد، وفي الأضحية خلاف.
стр. 418
المساْلة الثالثة، لم كان الافضل في الهدايا الإبل، وفي الضحايا الغنم، والكل ذبح قربة؟ فالجواب أن المقصد في الهدايا كثْرة اللحم، وفي الضحايا طيبه.
المسألة الرابعة، لم لَمْ يُوكَلْ من هدى التطوع إذا عطب قبل محلِّه، ويوكل الهدي الواجب، والكل هدْي؟ فالجواب أن هدي التطوع يتهم أن يكون نحرَه لياكل منه، وادَّعى عطَبَهُ قبل محله، وهو لا يتهم في غيره، والله أعلم.
стр. 419
الجهاد
وفيه أربع قواعد:
القاعدة الأولى (١):
لِمَ صحّ أخْذُ الجزية من الكفّار علَى أن يتمادَوْا على كفرهم، ولَمْ يصحّ أخذُ شيء من الفاسقين على أن يقَرّوا على الزنى ويتمادَوْا عليه، ومَفْسَدَةُ الكُفرِ أشدُّ من مَفسدة الزنى؟
وقد طَعَن بعض الطاعنين على أخذ الجِزْية، فقال: شأن التشريع درء المفسدة العظمى بإيقاع الفسدة الدنيا وتفويت المصلحة، ومفْسدة الكفر تُرْبي (٢) على مصلحة أخذ المال الماخوذ في الجزية من الكُفَّار، بل على جملة الدنيا وما فيها.
والجواب عن هذا السؤال، وهُوَ إبداء الفرق بين القاعدتين، أنَّ إقرار الكافر على الكفر ما كان القصدَ الأكبر بذلك بعْد أخذ المال، بل ليقع إسلامُ ذلك
стр. 420
الكافر في غير ذَلك الوقت، فَهُوَ أوْلى من قَتْله، فإن قتْلَهُ يوقعه في الهلكة الدائمة قطعاً، وبقاؤه يُبقي الطمع فيه، عساه أن يرجع فيسعَدَ، وإن هو مات على الكفر فقد يخُرج من ظَهره، ولو على بعدٍ، من يومن بالله، والسَّبَبُ لِإيجَادِ من يومن بالله ولوْ بأي وجْه كان، من أعظم المصالح، وأخذ المال منه ما كان إلا لينبعثَ بذلك الذل إلى الإيمان ويفارق الكفر. (٣)
القاعدة الثانية (٤)
الفرق بين ما يوجب نقض العهد وما لا يوجبه.
إعْلم أنّ عقد الجزية موجب لعصمة الدماء وصيانةِ الأموال والأعْراضِ، وذلك العقد يحصل لهم بشروط يشترطها عليهم، مضت سنة الخلفاء الراشدين بها، وهي مستفادة من قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقد ذكر ابن حزم في مراتب الاحماع أشياء، (٥) وهي: أن يعطُوا أربعة مثاقيل ذهَبا في انقضاء كل عامٍ قمري، صَرْفُ كل دينار اثنا عشر درهما، وأن لا يُحْدِثوا كنيسة ولا بِيَعاً ولا دِيراً ولا صَومعة، ولا يجدّدوا ما خرب منها، ولا يمنعوا السلمين من النزول في كنائسهم وبيعهم ليلا أو نهارا، ويُوسعوا أبوابها للنازلين ويُضيفوا من مرّ
стр. 421
بهم من المسلمين، ويُقَدِّموا لَهُمْ في المجالس، ولا يتشبهوا بهم في شيء من ملابسهم، ولا فرق شعورهم، ولا يتكلموا بكلامهم، ولا يتكنوا بكُناهم، ولا يركبوا على السروج، ولا يتقلدوا شيئا من السلاح، ، ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه، ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يطرحوا في طرق المسلمين نجاسة، ويخفون النواقيس وأصواتها، ولا يظهرون شيئا من شعارهم، ولا يتخذون من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، ويرشدون المسلمين، ولا يُطلعون عليهم عدوا، ولا يضربون مسْلما، ولا يسبون أحدا من الانبياء ﵈، ولا يظهرون خمراً (٦)، ولا نكاح ذات محرم، قال: فمتى أخلّوا بواحدٍ من هذه الشروط اخْتُلف في نقض عهدهم، وقَتلهم وسبْيهم، وأخذِ أموالهم ..
قال شهاب الدين ﵀: بعْضُ ضَعَفة الفقهاء قال: هي شروط، وفقْدُ شرط واحد كفقد جميعه، فمض ى أخل بضرط من هذه فقدْ نقض العهد. (٧)
والذي عليه الجمهور: مالك، أبو حنيفة والشافعي، واحمد بن حنبل، أن الشروط ليست على السواء، كما الأمر في تكاليف السلم، فبعضُها إن أخل به يوجبُ له الكفر، وبعضها يقال إنها كبائر ولا نقضى بكفره، وبعضُها يقال: هي صغائر، فكذلك الذمي، عقد الجزية عليه تنقسم شروطه إلى ما ينافيه كالقتال والخروج عن أحكام السلطانِ، والى ما لا ينافيه، وبعضُه هو كالكبيرة بالنسبة إلى الإِسلام، كسَبِّ المسلم أو إظهار الترفّع عليه، وبعض آخرُ دون ذلك.
стр. 422
وطريقة الجمهور أن الشروط ثلاثة أقسام: منها ما اتفقوا على أنه موجب لمنافاة عقد الذمة، كالخروج على السلطان، ونبْذ العهد، والقتال بانفرادهم أو معَ الأعداء ونحو ذلك، ومنها ما اتفقوا على أنه لا ينافيه كركوب الخيل وترْكِ ضيافة المسلمين ونحو ذلك، وقسم ثالث، اختلف فيه، هل يلحق بالقسم الأول فينقض، أو بالثاني فلا ينقض. من ذلك إذا أظهروا معتقدهم في المسيح ﵇ أو غيره أدبناهم، ولا ينتقض العهد بذلك. وزِناهم بالمسلمة، إن كان كرها نقض العهد بذلك، وإن كان طوْعاً فلا ينقض العهد بذلك عند مالك. وينتقض عند ربيعة وابن وهْب. فإن غرها بأنه مسلم وتزوجَها فعن ابن نافع ينتقض.
قال التونسي من أصْحابنا: لمْ يجعل مالك القتل في الحِرابة نقضا، وهو يقول: غصْبُ المسلمة وقهرها على الوطء نقض، قال: وهو مشكِل، إلَّا أن يكون العقد اقتضاه، قال ابن القاسم: إن كان امتناعهم من الجزية لظلم من الإِمام أو غيره رُدُّوا إلى ذمتهم. وقال الداودِي: إن كان خروجهم من ظلم فهو نقض، لأنهم لم يعاهدوا على أن يَظلموا من ظلمهم. وروي عن عمر ﵁ أن ذِمّياً نخس بغلا عليه مسلمة فوقعت، فانكشفت عورتها، فأمر بصلبه في ذلك الموضع، وقال: إنما عاهَدْناهم على إعطاء الجزية عن يدٍ وهو صاغِرون.
ثم إذا قلنا: نقتُلُهم -إذا حارَبُوا- ونسبي نساءهم، هل يُفْعَلُ بالضعفاء الذين يُعْلم أنهم خرجوا معهم لأنهم مغلوبون كذلك، أو لا؟ ، استثناهم ابن القاسم، ولم يستثن أصْبَغُ أحَداً. قال المازري، وينتقض عهدُهُم إذا صاروا عيْناً للْحَرْبِيّين علينا.
القاعدة الثالثة: (٨)
ما الفرق بين البِر والتودد. حتى أُمِرْنا بِبرّهم، ونُهيِنا عن التودد لهم؟ فنقول:
стр. 423
إنا لمّا عاهدناهم حسُن بنا أن لا نضيعهم، وأن نلطُف بهم، وأن نوقع معهم الأخلاق الجميلة لا خوفا منهم ولا تعظيما لهم، ثم نستحضر مع ذلك في قلوبنا عداوتهم لنا ولنبينا حتى لا نودهم ضرورةً، كما اتفق لأبي الوليد الطرطوشي حيث رأى وزيرا من الرهبان للخليفة قد أجلسه بإزائه، فقال ﵁:
يا أيها الملك الذي جودُه ... يطلبه القاصد والراغبُ
إن الذي شَرُفْتَ من أجله ... يزعُمُ هذا أنه كاذبُ
فاشتد غضبُ الخليفة عند سماع الأبيات، وأمَر بالراهب فسحب وضُرب وقُتل، وأقبل على الشيخ أبي الوليد أكرمه وعظمه بعد عزمه على أذيته. وهذا الخير بسبب استحضاره بغض الراهب للنبي ﵊ (٩).
ورُوي عن عمر ﵁ أنه كان يقول في أهل الذمة: أعينوهم ولا تظلموهم، فظهر أن الاحسان إليهم لا يخالف بغضهم، وأن ودَّهمْ غيْرُ بِرِّهِم.
стр. 424
القاعدة الرابعة: (١٠)
نقرر فيها الفرق بين عقد الجزية وغيره من العقود التي يحصل بها (١١) التأمين والأمن، فنقول:
стр. 425
عقد الجزية وعقد الصلح وعقد الأمان، هي وإن استوت في إعطاء الأمان، فهي تفترق من حيث ان الجزية ليست إذا أخذناها منهم رخصة من حيث إحتياجنا للمال، بل لما قدمناه من المصلحة العظيمة من رجاء إسلامهم.
وأما الصلح والأمان فما يكون إلا رخصة (١٢). وأيضا فالصلح والأمان يكونان للمال، والجزية لا بد فيها من أخذ المال.
ثم الأمان قد يكون من آحاد المسلمين إذا كان تأميناً لواحد أو قليل، وأما التأمين للجيش فليس إلا للأمير لرخصة (١٣)، ولما رأى في ذلك من مصلحة.
وأيضاً وقع الفرق بأن شروط الجزية مضبوطة من حيث قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقد تقدم ذكر ابن حزم لها، وشروط الصلح مختلفة بحسب ما يظهر للامام في ذلك الوقت من المصلحة. وأيضاً فالجزية لا أمد لها، والصلح له أمد محدود. وأيضاً فالجزية توجب علينا الذب عنهم وطرد عدوهم عنهم. وأهل الصلح هم لنا كالأجانب، إلا أن يشترط في الصلح ذلك.
قلت: ولنذكر هنا مسألتين فقهيتن، بينهما اشتباه، ثم وقعت الخالفة في الحكم (١٤).
المسألة الأولى، قال ابن القاسم: إذا دخلت المرأة من أهل الحرب إلينا بأمان فأسلمت فولاؤها للمسلمين، فإن سبي أبوها بعد ذلك جر ولاء ابنته إلى معتقه.
وقال: إذا أعتق المسلم لنصراني (١٥) فلحق بدار الحرب ناقضا للعهد ثم سُبي، فأعتقه من صار اليه، فإنه يكون ولاؤه للذي أعتقه أخيرا، وينتقل عن الأول،