← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بهم من المسلمين، ويُقَدِّموا لَهُمْ في المجالس، ولا يتشبهوا بهم في شيء من ملابسهم، ولا فرق شعورهم، ولا يتكلموا بكلامهم، ولا يتكنوا بكُناهم، ولا يركبوا على السروج، ولا يتقلدوا شيئا من السلاح، ، ولا يحملوه مع أنفسهم ولا يتخذوه، ولا ينقشوا خواتمهم بالعربية، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم، ولا يطرحوا في طرق المسلمين نجاسة، ويخفون النواقيس وأصواتها، ولا يظهرون شيئا من شعارهم، ولا يتخذون من الرقيق ما جرت عليه سهام المسلمين، ويرشدون المسلمين، ولا يُطلعون عليهم عدوا، ولا يضربون مسْلما، ولا يسبون أحدا من الانبياء ﵈، ولا يظهرون خمراً (٦)، ولا نكاح ذات محرم، قال: فمتى أخلّوا بواحدٍ من هذه الشروط اخْتُلف في نقض عهدهم، وقَتلهم وسبْيهم، وأخذِ أموالهم .. قال شهاب الدين ﵀: بعْضُ ضَعَفة الفقهاء قال: هي شروط، وفقْدُ شرط واحد كفقد جميعه، فمض ى أخل بضرط من هذه فقدْ نقض العهد. (٧) والذي عليه الجمهور: مالك، أبو حنيفة والشافعي، واحمد بن حنبل، أن الشروط ليست على السواء، كما الأمر في تكاليف السلم، فبعضُها إن أخل به يوجبُ له الكفر، وبعضها يقال إنها كبائر ولا نقضى بكفره، وبعضُها يقال: هي صغائر، فكذلك الذمي، عقد الجزية عليه تنقسم شروطه إلى ما ينافيه كالقتال والخروج عن أحكام السلطانِ، والى ما لا ينافيه، وبعضُه هو كالكبيرة بالنسبة إلى الإِسلام، كسَبِّ المسلم أو إظهار الترفّع عليه، وبعض آخرُ دون ذلك.

стр. 422

وطريقة الجمهور أن الشروط ثلاثة أقسام: منها ما اتفقوا على أنه موجب لمنافاة عقد الذمة، كالخروج على السلطان، ونبْذ العهد، والقتال بانفرادهم أو معَ الأعداء ونحو ذلك، ومنها ما اتفقوا على أنه لا ينافيه كركوب الخيل وترْكِ ضيافة المسلمين ونحو ذلك، وقسم ثالث، اختلف فيه، هل يلحق بالقسم الأول فينقض، أو بالثاني فلا ينقض. من ذلك إذا أظهروا معتقدهم في المسيح ﵇ أو غيره أدبناهم، ولا ينتقض العهد بذلك. وزِناهم بالمسلمة، إن كان كرها نقض العهد بذلك، وإن كان طوْعاً فلا ينقض العهد بذلك عند مالك. وينتقض عند ربيعة وابن وهْب. فإن غرها بأنه مسلم وتزوجَها فعن ابن نافع ينتقض. قال التونسي من أصْحابنا: لمْ يجعل مالك القتل في الحِرابة نقضا، وهو يقول: غصْبُ المسلمة وقهرها على الوطء نقض، قال: وهو مشكِل، إلَّا أن يكون العقد اقتضاه، قال ابن القاسم: إن كان امتناعهم من الجزية لظلم من الإِمام أو غيره رُدُّوا إلى ذمتهم. وقال الداودِي: إن كان خروجهم من ظلم فهو نقض، لأنهم لم يعاهدوا على أن يَظلموا من ظلمهم. وروي عن عمر ﵁ أن ذِمّياً نخس بغلا عليه مسلمة فوقعت، فانكشفت عورتها، فأمر بصلبه في ذلك الموضع، وقال: إنما عاهَدْناهم على إعطاء الجزية عن يدٍ وهو صاغِرون. ثم إذا قلنا: نقتُلُهم -إذا حارَبُوا- ونسبي نساءهم، هل يُفْعَلُ بالضعفاء الذين يُعْلم أنهم خرجوا معهم لأنهم مغلوبون كذلك، أو لا؟ ، استثناهم ابن القاسم، ولم يستثن أصْبَغُ أحَداً. قال المازري، وينتقض عهدُهُم إذا صاروا عيْناً للْحَرْبِيّين علينا. القاعدة الثالثة: (٨) ما الفرق بين البِر والتودد. حتى أُمِرْنا بِبرّهم، ونُهيِنا عن التودد لهم؟ فنقول:

стр. 423

إنا لمّا عاهدناهم حسُن بنا أن لا نضيعهم، وأن نلطُف بهم، وأن نوقع معهم الأخلاق الجميلة لا خوفا منهم ولا تعظيما لهم، ثم نستحضر مع ذلك في قلوبنا عداوتهم لنا ولنبينا حتى لا نودهم ضرورةً، كما اتفق لأبي الوليد الطرطوشي حيث رأى وزيرا من الرهبان للخليفة قد أجلسه بإزائه، فقال ﵁: يا أيها الملك الذي جودُه ... يطلبه القاصد والراغبُ إن الذي شَرُفْتَ من أجله ... يزعُمُ هذا أنه كاذبُ فاشتد غضبُ الخليفة عند سماع الأبيات، وأمَر بالراهب فسحب وضُرب وقُتل، وأقبل على الشيخ أبي الوليد أكرمه وعظمه بعد عزمه على أذيته. وهذا الخير بسبب استحضاره بغض الراهب للنبي ﵊ (٩). ورُوي عن عمر ﵁ أنه كان يقول في أهل الذمة: أعينوهم ولا تظلموهم، فظهر أن الاحسان إليهم لا يخالف بغضهم، وأن ودَّهمْ غيْرُ بِرِّهِم.

стр. 424

القاعدة الرابعة: (١٠) نقرر فيها الفرق بين عقد الجزية وغيره من العقود التي يحصل بها (١١) التأمين والأمن، فنقول:

стр. 425

عقد الجزية وعقد الصلح وعقد الأمان، هي وإن استوت في إعطاء الأمان، فهي تفترق من حيث ان الجزية ليست إذا أخذناها منهم رخصة من حيث إحتياجنا للمال، بل لما قدمناه من المصلحة العظيمة من رجاء إسلامهم. وأما الصلح والأمان فما يكون إلا رخصة (١٢). وأيضا فالصلح والأمان يكونان للمال، والجزية لا بد فيها من أخذ المال. ثم الأمان قد يكون من آحاد المسلمين إذا كان تأميناً لواحد أو قليل، وأما التأمين للجيش فليس إلا للأمير لرخصة (١٣)، ولما رأى في ذلك من مصلحة. وأيضاً وقع الفرق بأن شروط الجزية مضبوطة من حيث قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾. وقد تقدم ذكر ابن حزم لها، وشروط الصلح مختلفة بحسب ما يظهر للامام في ذلك الوقت من المصلحة. وأيضاً فالجزية لا أمد لها، والصلح له أمد محدود. وأيضاً فالجزية توجب علينا الذب عنهم وطرد عدوهم عنهم. وأهل الصلح هم لنا كالأجانب، إلا أن يشترط في الصلح ذلك. قلت: ولنذكر هنا مسألتين فقهيتن، بينهما اشتباه، ثم وقعت الخالفة في الحكم (١٤). المسألة الأولى، قال ابن القاسم: إذا دخلت المرأة من أهل الحرب إلينا بأمان فأسلمت فولاؤها للمسلمين، فإن سبي أبوها بعد ذلك جر ولاء ابنته إلى معتقه. وقال: إذا أعتق المسلم لنصراني (١٥) فلحق بدار الحرب ناقضا للعهد ثم سُبي، فأعتقه من صار اليه، فإنه يكون ولاؤه للذي أعتقه أخيرا، وينتقل عن الأول،

стр. 426

وفي كلا الموضعين قد ثبت الولاء، فالفرق بينهما أن ولاء الابنة كان للمسلمين لعدم من يستحقه من جهة القرابة، فلما وجد ذلك انتقل إليه. والنصراني لما سبي بعد عتقه بطل عتقه الذي كان من المسلم الاول، وصار كأنه عبد لم يعتق قط، فإذا أعتقه الثاني كان الولاء له. المسألة الثانية، إذا أسلمت أم ولد الذمي، ثم أسلم الذمي بعدها كان أحق بها، ما لم يحكم ببيعها أو عتقها على الخلاف، ويعود الولاء إليه. وإذا أسلمت جاهلة الذمي، فوطئها بعد الإسلام فحملت، ثم أسلم، كانت كالتي قبل الإسلام، ولا يعود إليه الولاء، وكلتاهما أم ولد الذمي. فالفرق أنها إذا حملت قبل الإسلام في الكفر، فقد ثبت وجود حرمة الاستيلاد في. حالة يثبت له عليها الولاء فيها، فترجع إليه إذا أسلم، وليس كذلك إذا أولدها بعد الاسلام، لأن الاستيلاد حصل منها في حالة لا يصح أن يثبت له عليها ولاء، فلذلك لم يثبت له عليها ولاء إذا أسلم.

стр. 427

الذكاة قاعدة واحدة (١) قال مالك في المدونة: لا بأس بأكل الحيات إذا ذكيت في موضع ذكاتها، فيجوز أكلها حينئذ لمن احتاج إلى ذلك، . وأشار صاحب الجواهر (٢) إلى أنها تأيمى كما يذكى الصيد. وظاهر قوله: أنها لأجل العجز عنها (٣) إذا جرحت في أي موضع كان من جسدها جاز تناولها عند الحاجة إليها (٤)، ولم يطلق مالك هذا الاطلاق، بل قال: إذا ذكيت موضع ذكاتها، ولم يقل: إذا ذكيت مثل الصيد. والسبب في ذلك أن ذكاة الحيات لا يحكمها إلا طبيب ماهر. وصفة ذلك على ما اختاره المتأخرون من الأطباء، إذا أراد. استعمالها في الترياق (٥) الفاروق أو في غير ذلك أن يمسك برأسها وذنبها من غير عنف، حذراً من أن يحصل لها غيظ فيدور السم في جسدها، فإذا اخذت كذلك ثنيت على مسمار مضروب في لوح، ثم تضرب بآلة حادة كالقدوم الحاد مثل الموسي ونحوها من الآلات الحادة الرزينة، وهي ممدودة على تلك الخشبة، ويقصد بتلك الضربة آخر الرقبة من جهة رقبتها وذنبها، فإن بين وسطها ورأسها مقدارا رقيقا، وبين ذنبها ووسطها مقدارا رقيقا، فيتجاوز ذلك الرقيق في الجهتين، ويوصل المقدار الغليظ الذي في وسطها، فلا يترك غيره، ويحاز الرقيقان إلى جهة الرأس والذنب، ويقطع

стр. 428

جميع ذلك في فور واحد بضربة واحدة وجيزة، فمتى بقيت جلدة يسيرة لم تنقطع مع الجملة قتلت آكلها، لأن السم حينئذ يجرى من جهة الرأس والذنب في تلك الجلدة اليسيرة إلى بقية جسدها الذي هو الجزء الغليظ بسبب ما يحدث لها من الغضب عند الاحساس بألم الحديد. وهذا هو معنى قول مالك: موضع ذكاتها، فهذا هو الفرق بين ذكاتها وذكاة غيرها من الحيوانات (٦)، فشرعت فيها هذه الذكاة هكذا للسلامة من سمها، لا لأن يخرج منها دم عند ذكاتها، اذ لا يخرج منها أصلا. وشرعت الذكاة في غيرها من الحيوانات لاستخراج الفضلات المحرمات من أجسادها بأسهل الطرق على الحيوان. ولاعتبار أسهل الطرق كان النحر في بعضها والذبح في بعضها وجواز الأمرين في بعض آخر (٧).

стр. 429

وعلى هذا التعليل فلا ذكاة في الجراد لأنه لا دم فيه، وكذلك سائر ما ليس له نفس سائلة. ومن يقول: العلة في الذكاة أن يحصل زهوق الروح سريعاً، يقول بذكاة ذلك كله، وهذا هو مشهور مذهب مالك ﵀، ومن لاحظ قاعدة أخرى وهي إلحاق النادر بالغالب أسقط ذكاة ما يعيش في البر من دواب البحر، وهو مشهور مذهب مالك أيضا. قال ابن وهب: ومن لاحظ أن ميتة البحر على خلاف الاصل، لقوله ﵊: "أحلت لنا ميتتان ودمان (٨) " لم يسقط الذكاة من هذا النوع، وياخذ بقوله تعالى: "حرمت عليكم الميتة"، ويجري الخلاف ايضا على قاعدة اخرى، وهي: العام إذا ورد على سبب خاص هل يحمل على عمومه أو يخص بذلك السبب؟ ولا شك أن السبب هو الميتة التي كانوا يأكلونها من الحيوان البري، ويقولون: تاكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله. ذكر شهاب الدين ﵀ هاهنا مسألة، فقال: قال صاحب البيان (٩): قال ابن القاسم: الدابة التي لا يؤكل لحمها إذا طال مرضها، أو تعبت من السير في أرض لا علف فيها ذبحها أولا من قفاها لتحصل راحتها من العذاب، وقيل: تُعْقَر، لئلا يغري الناس بذبحها على أكلها. وقال ابن وهب: لا تذبح ولا تعقر، لهي الت ى ﵊ عن تعذيب الحيوان لغير مأكله. ثم قال:

стр. 430

فرع مرتب: إذا تركها صاحبها فأعلفها غيره، ثم وجدها، قال مالك: هو أحق بها لأنه مكره على تركها ويدفع ما أنفق عليها. وقيل: هي لعالفها، لإعراض المالك عنها. ثم قال: وما ذكرناه من القصد إلى استخراج الدم بسهولة، يتصور في غير الصيد، وأما الوحش فلا يتصور ذلك فيه، فدعت الضرورة فيه إلى ترك ذلك وإخراج دمه بأي شيء أمكن، من سهم أو جارح، وإخراجه بالسهم في الرتبة الثانية للذكاة، لأن الدم يخرج، لكن لا بسهولة، وأخذه بالجارح، وأكله من قتله، في الرتبة الثالثة (١٠).

стр. 431

الأطعمة قاعدة واحدة (١) القصد من هذه القاعدة التفريق بين سباع الوَحْش وسباع الطير حتى كان التغليظ والتشديد في سِباع الوحش أكثر، فقيل بتحريم لحمها وبكراهة لحم سباع الطير، هذا على قول، فأقول: إن الأغذيةَ لما كانت تُكْسِب المغتذى بها صفةً من صفات ذلك الحيوان الذي اغتُذى به، وكانت القساوة في سباع الوحْش أقوى مما هي في سباع الطيْر بكثير، فحسْبُك ما ترى من وثوب الأسد وغيْره من الحيوان الذي يفترس حيوانا آخر، حيث يَكْسِر أعضاءه بغير رفق في ذلك لحاجة له ولغير حاجة، فلما كان الأمر على هذا قضى بتحريمها، خوفا من اكتساب القساوة التي طُبعَتْ عليها، وسباع الطير لما كانت دون ذلك، من الفقهاء من رأى عدم اعتبار ذلك لخفَّتِها، فقال بجواز أكلها، ومنهم من فر من ذلك ولو كان يسيرا، فقال بعضهم بالتحريم، وقال آخرون بالكراهة. وأمْر الأخلاق تَسْري من حيث الأغذية معلوم. وممّا يقال: ان العرب سَرَى إليها الكرم والحِقد من أكل لحم الإبل، والفُرْس اكتسبت القساوة من اكْل الخيل، والافرنج اكتسبت عدم الغيم من أكل الخنزير، والسودان أفادها الرقص أكل القِرَدة، والله تعالى أعلم.

стр. 432

الأيمان وفيها ثمان قواعد: الأولى (١) كالتوطئة للأيمان والقصد فيها الفرق بين ما يجب توحيد الله به من التعظيم وبين ما لا يجب توحيده به، فقال: إعلم أن توحيد الله بالتعظيم ثلاثة أقسام: واجبٌ إجماعا، وغير واجب إجماعا، ومختلف فيه هل يجب أم لا؟ القسم الأول: توحيده باستحقاق العبادة والألوهية، ثم توحيده بعموم تعلق صفاته العلية، فالعلم الأزلي تعلق بجميع المعلومات، وقدرته بجميع المقدورات، وإرادته بجميع الرادات هكذا، فكذلك الكائنات كلها من خلق ورزق، وحياة وموت وغير ذلك، هي أثرُ قدرته لا قدرة غيره. وما كان للأنبياء من

стр. 433

المعجزات، وللأولياء من الكرامات فهى من حيث الكون بتكوينه جل وعلا، وأثرٌ من آثار قدرته، ومن حيث انها وافقت في الكون مراد الأنبياء ومراد الأولياء كانت من تلك الجهة معجزة أو كرامة. القسم الثاني، المتفق علي عدم التوحيد به، كنوحيده بالوجود وسائر الصفات، فمفهوم الوجود مشترك فيه، وكذلك مفهوم العلم وسائر الصفات. ولولا الشركة في أصول هذه المفهومات لتعذر علينا قياس الغائب على الشاهد، فإن القياس بغير مشترك متعذر، وقياس الباين على مباينه لا يصح. وقد أورد بعض الفضلاء هذا السؤال فقال: إن كان القياس صحيحاً لمعنى مشترك بين الشاهد والغائب فقد وقعت المشابهة بين صفات الله وصفات البشر، والله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا من حيث الصفات ولا من حيث الذات، اذ السلب عام، وان لم يكن القياس صحيحا تعذَّر إثبات الصفات، فإن مستندَها قياس الغائب على الشاهد. والجواب أن سلب المثلية صحيح، والقياس أيضا صحيح. ووجه ذلك أن المعاني لها صفات نفسية تقع الشركة فيها، بها يقع قياس، وتلك الصفات النفسية حكم لذلك المعنى، وحال من أحوال النفسية، وهي حالة غير معللة، وذلك كما تقول: كوْن السواد سواداً، وكون البياض بياضا حالة السواد والبياض، وهي حالة غير معللة، وهي لا موجودة ولا معدومة، فليس خصوص السواد الذي امتاز به عن جميع الأعراض صفة موجودة قائمة بالسواد، وكذلك كونه عَرضا ليس بصفة وجودية قائمة بالسواد، بل السواد في نفسه بسيط لا تركيب فيه، وحقيقة واحدة في الخارج ليس لها صفة، بل يوصَف بها ولا يوصف بصفة وجودية حقيقية تقوم بها، وكذلك القول في بقية المعافي، فالقياس وقع بهذه الحالة النفسية والحكم النفسي لا بصفة وجودية. هكذا الأمر في العلم والقدرة والإِرادة وسائر الصفات.

стр. 434

واذا كان القياس بما ذكرناه فالسَّلْبُ الذي في الآية، معناه أن المثلية منفية بين الذات (الإلهية) وجميع الذوات، وبين صفاته (العلية) وجميع الصفات. فعلى هذا يجوز أن نصف (٢) الخلوق بأنه عالم، ومريد، وحي، وموجود، وبغير ذلك، من غير اشتراك في اللفظ، باعتبار معنى عام. (٣) القسم الثالث، الختلف فيه، التعظيم بالقسم، هل يجوز أن يقسم بغير الله فلا يكون من التعظيم الذي وجب التوحيد به، وهذا القسم الذي سيق الفرق في كتاب شهاب الدين لأجْله، لأنه المتعلق بالقواعد الفقهية، وقد اختلف العلماء فيه. قال أبو الوليد بن رشد: الحلف بأسماء الله وسائر صفاته مباح، وباللات

стр. 435

والعُزّى وما يُعبَد من دون الله حرام، وقد يكون كُفْرا. والحلف بما عدا ذلك مكروه كالحلف بالآباء لنهيه ﵊ عن ذلك. وقال أبو عمر: ذلك ناسخ لقوله ﵊. أفْلَحَ -وأبيه- إن صدق. ومن المكروه، الحلف بالرسول ﵊ أوْ بالكعبة. وقال الشيخ أبو الحسن اللخمي: الحلف بالخلوقات كالنبى ﵇ ممنوع، فمن فعل ذلك استغفر الله تعالى. ثم من الناس من قال: لا يقع الحلف إلا بالله تعالى فقط، لقوله ﵊: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" (٤). وقيل: يجوز بسائر الصفات العنوية وسائر الأسماء التي له . قلت: ويدل على ذلك قوله ﵊: "والذي نفسُ محمد بيده"، فكثيراً ما يحلف بها. وقال شهاب الدين ﵀: والمشهور، الجواز واللزوم للكفارة في ذلك كله إذا حنث، وقاله أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ﵃ أجمعين. وروى عن مالك الكراهة في: لَعَمْرُ الله، وأمانة، الله، وأن الحلف بالقرآن والمصحف ليس بيمين، ولا كفارة فيه. وقال صاحب الجواهر: لا يجوز الحلف بصفات الله تعالى الفعلية كالرزق والخلق، ولا تجب فيه كفارة.

стр. 436

فإذا تقرر القسم المختلف فيه، فهل يجوز أن يَشْترِك معه غيره بأن يُقسم عليه ببعض مخلوقاته كأن يقول: بحق رسول الله ﷺ إلا غفرت لنا، أو يمتنع، لأنه قَسَمٌ وتعظيم بالقسم لغير الله. وقد توقف في هذا بعض العلماء، ورجح عند بعضهم. التسوية بين الحلف بغير الله وبين الحلف على الله تعالى بغيره، وقال: الكل قسم وتعظيم. وما وقع في القرآن من القسم بغيره جل وعلا فقد يقال: ذلك على حذف مضاف، وقد يقال: قد يجوز له تعالى في هذا الباب الشيء الذي نمنع نحن منه. (٥) فإن قلت: (٦) إذا صحّ الحلف بصفاته المعنوية (٧) فهل القرآن من ذلك القبيل، وكذلك التوراة والانجيل وسائر الكتب أمْ لا؟ . قلت: قال أبو حنيفة: لا، لاشتهار هذه الأسماء على الأصوات المسموعة عُرفا، وذلك مخلوق، والحلف بالمخلوق منهي عنه، لا تجب فيه كفارة. وأوجَبَ مالك في ذلك الكفارة لانصرافه عنده إلى الكلام النفساني القديم، ورُوي عن مالك مثل قوْل أبي حنيفة، قال شهاب الدين: وهو الأرجح.

стр. 437

ثم قال (٨): إعلم أن الألفاظ انقسمت باعتبار هذا المطلوب ثلاثة أقسام: قسم علم أن مدلوله قديم كلفظ الله ونحوه، وقسم علم أن مدلوله حادث كلفظ الكعبة ونحوها (٩) وقسم مشكل، وذلك سبعة ألفاظ: الأول: أمانة الله، فمن حلف بها جاز، ولزمته الكفارة بها إذا حنث، لأن أمانته تكليفه، وهو أمرُه ونهيه بالكلام النفسي وهو قديم. ومنه قوله تعالى: "إنا عرضنا الأمانة" الآية. وهذا الدلول كان عرْفا. فلو جاء عرف آخر بحيث يكون هذ اللفظ يحمَل على الأمانة الحادثة لا على القديمة، أو كاشا النيةهي التي أثرت ذلك لا متنع الحلف وسقطت الكفارة. الثاني عمر الله، ولعَمْرُ الله، ومعناه البقاء، وبقاء الله تعالى استمرار وجوده مع الأزمان، ووجود ذاته تعالى قديم، يجوز الحلف به، وتلزم به الكفارة. (١٠) الثالث: عهد الله، قال مالك: يجوز الحلف به، ويلزم به الكفارة. وأصل هذا اللفظ في اللغة الالزام والالتزام. قال تعالى: "وأوْفُوا بعهدي أُوفِ بعهدكم" (١١) معناه أوْفوا بتكاليفي أُوفِ لكم بثوابي الموعودِ به على الطاعة، (١٢)

стр. 438

فإن أريد بهذا اللفظ العهدُ الحادث الذي شرعه، نحو قوله تعالى ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، فهو حلف ممنوع، وسقطت الكفارة، وكذلك إذا اشتهر اللفظ فيه عرفا امتنع، ولا كفارة ايضا. وبالجملة الاعتبار بالعرف. (١٣). ومن حيث اعتباره قال اللخْمِي: العهدُ أربعة أقسام: تلزم الكفارة في واحد، تسقط في اثنين، وتحلَفُ في الرابع. فالأول: عليّ عهد الله، والاثنان، لك علي عهد الله، وأعطيك عهد الله، والرابع، أعاهدك الله، اعتبره ابن حبيب، وأسقطه ابن شعبان، قال: وهو أحسن. ثم القرائن أيضا اعتُبرت في هذا التقسيم، فهو لمَّا قال: عليّ عهدُ الله أشعرت بتكليف الله وإلزامه، وأن تكليفه واقع عليه، فناسَبَ اللزوم، كما لو قال: عليِّ الطلاق. وأما إذا قال: لك على عهد الله، فلم يلتزمه لله، لكن للمحلوف عليه. وقوله: أعطيك، وعْدٌ للمخاطَب بأنه يعاهده. وأمّا أعاهد الله فيحتمل أن يكون خبراً، معناه انشاء الْمعاهَدَة والإِلزام، ويحتمِل أن يكونَ خبرًا وَعْداً على بابِهِ فلا يلزم به شيء، كَما لو أخبر عن الطلاق بغير إنشاء. قال اللخمي: وهو أحسن، لأن الأصل عدم النقل، وبَرَآةُ الذمة. (١٤). قال شهاب الدين: وبقي قسم خامس لَمْ أرَهُ لأصْحَابنا، وهو أن يقول: وعَهْدِ الله لقد كان كذا، بواو القسم، فينبغي أن تلزمه الكفارة كما لو قال: وأمانة الله وكفالتِه، وهو أقوى في لزوم الكفارة من الوجه الذي قال فيه مالك إن فيه الكفاز، لأنه إخراج للخبر إلى الانشاء، والأصل خِلافه، وأما هذا فليس فيه أنه إخراج عن أصله في إِلزام الكفارة به (١٥).

стр. 439

اللفظ الرابع، عليَّ ذمة الله، قال مالك: تلزمه الكفارة، ومعني ذمة الله، التزامه (١٦) فهو يرجع إلى كلامه تعالى من حيث الأمر والنهي، والكل كلام نفسي. ثم إذا قال: وذمةِ الله فهو أقوى في وجوب الكفارة، وأما عليَّ ذمة الله وسائر هذه الأشياء المذكورة، فما كانت قسماً إلا بالعُرْفِ، كما أنها ما كان ذلك القسم بها إلا من حيث إرادة المعنى القديم، وبمجموع ذلك لزمته الكفارة، وإلا لم تلزم ولم يصح اليمين، كما أنه لا يصح أن يقال علي إرادة الله، أو عليَّ علم الله وما أشبه هذا هو قسم (١٧). اللفظ الخامس، كفالة الله (١٨) قال مالك: إذا قال: عليِّ كفالة الله فحنث لزمته الكفارة، والكفالة بمعنى الضمان، ومعناها هنا وعده بما ألزمه، ووعده

стр. 440

خبره، وخبره كلامه النفسي، فيكون الحالف قد حلف بكلامه النفساني، فتلزمه الكفارة إذا حنث. قال شهاب الدين: وهنا تنبيهات: الأول أنه إذا قال: علي كفالة الله، فهو لا يكون حلِفا إلا بالمجاز، فلا بد من أحد أمرين: اما أن يكون قد نقل هذا اللفظ للقسم نقلا عرفياً، فوقعت الفتوى بحسب العرف، أو يكون للمتكلم. نية تتزلب عليها الكفارة باليمين بها، والأظهر مِن مالك أنه أفتى بها من حيث العرف. فإذا كان هكذا فالحكم في ذلك قد يختلف بحسب اختلاف العرف، فلا يقال لهذا الحكم: إنه تانم لهذا اللفظ أبداً من غير اعتبار بقاء العرف أو اختلاف. التنبيه الثاني، أن كفالة الله أضيفت فيه الكفالة إلى الله، والإِضافة تكون بأدفى ملابسة، فهي تحتمل ثلائة أنواع من الكفالة: أحدها الكلام القديم والوعد الذي هو الكلام النفسي. وثانيها كفالة الله التي هي التزامه اللفظي الذي في القرَآن وغيره، الدال على الكلام القديم. وثالثها، كفالة خلقه، التي هي ضمان بعضهم لبعض، التي هي من فعلنا، فهي مضافة إلى الله تعالى إضافة المشروعية، كما قال تعالى: ﴿وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾، أي التي شرَع (١٩). وإذا كانت الكفالة تصدق على معنى قديم ومعنيين حادثين، فكيف يكون

стр. 441

مطلق الكفالة، الدالُّ على الْأعَمِّ يدل على الأخص الذي هو العنى القديم (٢٠). التنبيه الثالث، أنه لو قال المتكلم: وكفالة الله، أو أُقسِم بكفالة الله لكان قسما صريحاً، وكان أولى في لزوم الكفارة من قوله: علي كفالة الله. التنبيه الرابع: أن للكفالة ألفاظاً تدل على مقتضاها، وهي مترادفة كالضمان، فحق هذه الألفاظ أن يجري فيها من ذلك الذي ذكرناه ما جرى في لفظ الكفالة. اللفظ السادس، الميثاق، قال مالك ﵀: إذا قال: علي ميثاق الله، وحنِث، لزمته الكفارة، والميثاق هو العهد الموثَّق باليمين، فيكون الميثاق مركباً من العهد واليمين. وعلى هذا يرجع إلى الكلام النفسي، لأن العهد قد تبين أنه يرجع إلى الكلام النفسي. والقسَمُ أيضاً كذلك، لأنه خبر عن تعظيم المقسم به، فالمركب من ذلك يرجع اليه. ويرِدُ عليه ما وَرَدَ على كفالة الله (٢١).

стр. 442

اللفظ السابع: أيمن الله، قال سيبويه: هو من اليمن والبركة (٢٢). وقال الفراء: هو جمع يمين، فيكون الكلام فيه كالكلام في أيمان المسلمين. ثم إذا قلنا: إنه جمع يمين، فيرِدُ عليه اشكال بسبب أنه حلف بحادث، فلا يلزم فيه كفارة. وكذلك يرِد الإِشكال على متأخري المالكية القائلين بلزوم أيمان المسلمين على من قال: وأيمان المسلمين تلزمني، أنه إن أراد القسم فقد حلف بمحْدَث، فلا يلزمه شيء، لِأن الكفارة لا تكون بالْمُحْدَث، وإن أراد أن يلزم نفسه موجبات الأيمان، فإن أراد بذلك أنها تلزمه من جهة أنها مسَّبَبات لأسبابها، وأسبابها لم توجد، فلا يلزمه شيء، لأن لزوم الاحكام بدون أسبابها موجود في الشريعة، بل الشريعة تنكره. وإن أراد أنها تَلزَمُهُ على سبيل النذر، فيفتقر ذلك إلى نية النذر والقصد إليه، وهذه الصيغة ليست موْضوعةً في الفقه له، والقائلون بهذا ما قالوا إنه من باب النذر (٢٣).

стр. 443

القاعدة الثانية: (٢٤) أقرر فيها الفرق بين الصفات العَلِية التي تترتب عليها الكفارة عند الحنث من التي لا يترتب عليها ذلك عند الحنث فأقول: صفات الله تعالى خمسة أقسام: معنوية، وذاتية، وسلبية، وفعلية، وما يشمل الجميع. أما القسم الأول فالصفات المعنوية، وهي العلم، والكلام القديم، والإِرادة، والقدرة والحياة، والسمع، والبصر، هل يجوز الحلف بها ابتداء، وقد تقدم ذلك، وتقدم قول من قال لا يكون إلا بالله تعالى، والردُّ عليه (٢٥). والكفارة مترتبة على الحنث ها هنا (٢٦).

стр. 444

وذكر شهاب الدين ها هنا شيئاً فقال: إن قائلا إذا قال: والعِلْمِ والقدرةِ، يشمل هذا الحلفُ القديمَ والحادِث، لأن الالف واللام للعُموم، قال: وكذلك إذا قال: وعِلمِ الله وقدرة الله، لِأن العموم يكون معَ الاضافة كما يكون مع الألف واللام، فقال: فيصلح أن يقال: إذا اجتمع ما يوجب الكفارة وما لا يوجبها ألغي ما لا يوجبُ، وترتبتْ على ما يوجبها، لكنه يبقى لنا حينئذٍ أنَّ ذلك الحلفَ هو ممنوع من وجه من حيث وقع بالحادث، جائزٌ من حيث وقعَ بالقديم. قال: فيمكن أن يقال: قرينَة القسَم أخرجت الحادث، وبقي اللفظ منطبِقا على القديم فقط. وقال - هنا -: إن النكرات، منها ما لا يصدق إلا على واحد منهم، ومنها ما يصدق على كثير، فالألف واللام لا يعُم، وكذلك الإضافة، وهذا نحو العبد وعبدي، وما يصدق على الكثير نحو مال، الألف واللام في هذا للعموم، وكذلك الإضافة، قال: فيحمل قول الأصوليين: الألف واللام، والإضافة في اسم

стр. 445

الجنس للعموم - على اسم الجنس الذي يفيد الكثرة كمال، لا على عبد وما أشبهه (٢٧). القسم الثاني، الصفة الذاتية (٢٨)، ككونه تعالى واجب الوجود. وهذه الصفات لما لم تكن معنى زائداً على الذات كالعلم والقدرة (٢٩)، بل هي أحكام

стр. 446

لِلذَّات، كما يقال في السواد: إنه جامع للبصر، وفي البياض: إنه مفرق للبصر، فهذا الوصف ليس لأن تفريق البصر قائم في البياض، وجمعه قائم في السواد، بل بمعنى أنها أحكام ثابتة لتلك الحقائق، كذلك هذه الصفة الذاتية. ثم إذا ظهر معناها فحكمها في الشريعة إذا حلف بها، الظاهر من قول مالك أن الكفارة تترتب عليها، لقوله في عَمْر الله (يميني) أنها يمين. تُكَفَّر، مع أن العمر هو البقاء، والبقاء يرجع إلى مقارنة الوجود والأزمنة، والمقارنة نسبة لا وجود لها في الاعيان، فلعل مالِكاً يقول في هذه كذلك إذا حلف بها أحد، ولم يصرح مالك في هذه الصفات بشيء (٣٠). قال شهاب الدين: ولكنه قد يقال هذا بطريق التخريج، ثم قال: يقع الفرق من حيث الأزلية والأبدية، أن الأزلية اقتران الوجود بجميع الأزمنة المتوهمة إلى غير نهاية من حيث ما تقدم، والأبدية اقتران الوجود بجميع الأزمنة المستقبلة، فالأزل والأبد متباينان لا يجتمعان، فكان الأبد فيه معنى التجدد، فلا ينعقد اليمين بها، والأزلُ إن جوزتم اليمين به، بمعنى القدم، يلزم عليه أن من حلف بقدم العالم من حيث قدمه يلزمه الكفارة، وذلك باطل.

стр. 447

قلت: التخريج على أقوال الفقهاء رده أبو الطاهر بن بشير، وقال: العلماء في جوازه والقول به من حيث كلام المعصوم، بينهم فيه خلاف، فكيف يسوغ أن يقال به في كلام غير المعصوم. القسم الثالث، الصفات السلبية كقولنا: ليس بجسم ولا جوهر وما أشبه هذا، فقال شهاب الدين ﵀: هذه السُّلوبُ منها قديم ومحدث. فالقديم نحو ليس له شريك ولا هو بجوهر، والحادث نحو عفوه بعد تحقق الجناية، وكذلك حِلمه تعالى تأخير العقوبة بعد تحققها، والجناية حادثة، فما يترتب عليها حادث. فأما القديم من هذا القسم، فهو أقرب لانعقاد اليمين بها، لأنها قديمة متعلقة بالله، لا سيما إذا كانت الاضافة في اللفظ إلى الله، بخلاف أن يقول: وسَلْب الشريك، فإنها بعيدة من انعقاد اليمين، والحادثةُ تَبْعُدُ عن انعقاد اليمين بها أكثر، قال شهاب الدين: ولم أجِدْ في هذه المواطن نقلا (٣١) القسم الرابع من صفات الله تعالى، الصفات الفعلية، كقوله: وخَلْقِ الله، ورزقِ الله، وعطاءِ الله، ونحو ذلك (٣٢)، فالحلف بهذه الصفات منهي عنه، ولا يوجب كفارة إذا حنث (٣٣). وهنا مسائل:

стр. 448

المسألة الأولى، قال ابن يونس: قال أصحابنا: معاذَ الله ليست يمينا، إلا أن يُرِيد اليمين. وقيل: معاذ الله، وحاشى الله، ليستا يمينين مطلقا. لأن المعاذ من العوذ، وحاشا الله، التنزيه إليه، فهما فعلان محدثان. وقال شهاب الدين: ثم إذا أراد الحِلفَ بمعاذ الله، فإما أن ينصِبَ أو يرفع أو يخفض، فإنْ نصَبَ كان التقدير أُلزِم نفسي معاذ الله، وإن رفع فتقديره: معاذ الله قسمي، وإن خفض فعلى حذف حرف القسم. قال: والقسم بهذا إما بالنية أو بالعرف، وإلا ما يكون قسما، فإن الخبر لا يكون إنشاء إلا بنقلٍ. قلت: وذكره هنا أن معاذ من العوذ، لا أدري هل يريد معاذ المعجم أو غيره، فإن كان أراد المُعْجَمَ فباطل أنه من العود الذي هو الرجوع، والأقرب للفصل أنه أراد المعجم (٣٤). وقال سيبويه في معاذ المعجم، كأنه حيث قال: معاذ الله، قال عياذا بالله، وعياذا تنصب على أعوذ بالله عياذا، ولكنهم لم يظهروا الفعل هنا. وإذا كان هكذا فالرفع في معاذ الله المذكور لا يصح لأنه مما التزمت العرب فيه النصب. وأما الخفض فلا يجوز بحال، كان المعجم أو غيره، لأن حذف حرف الجر الذي هو حرف القسم، وخفض المقسم به إنما يكون في الاسم الكريم اسم الجلالة فقط. قال شهاب الدين: وأما حاشا الله، فمعناه، براءة الله، أي براءة منه لله تعالى. ويحتمل هذا أن يكون كناية عنه، وأن يراد به الكلام القديم، ويصح إضافته باللام لله تعالى، فإن الله تعالى ينزه نفسه بكلامه النفساني، فإن وجدت نية لذلك أو عرف يقوم مقامها وجبت الكفارة، وإن لم يوجد ذلك لم تجب الكفارة،

стр. 449

فحاشا الله يحتمل وجهين، كما أن معاذ الله يحتمل أن يراد بها إعاذة الله وصفاتُه العلا، فإن معاده من العود، وإليه يرجع الأمر كله، غير أن ابن يونس لم ينقل إيجاب الكفارة مع النية إلا في معاذ الله خاصة (٣٥). المسألة الثانية، هاهنا ألفاظ اختلف في مدلولها، هل هو قديم يجوز الحلف به ويلزم بِهِ الكفارة، أو هو محدث فلا يجوز الحلف به ولا يلزم به الكفارة؟ . وهذه الألفاظ هي غضب الله ورحمته، ورضاه ومحبته، ومقته وبغضه ورأفته، ونحو ذلك من الألفاظ التي يمتنع حملها على الله. ويتعيَّنُ أن المراد بها المجاز. واختلف في المجاز المرِاد بها (٣٦)، فقال أبو الحسن الأشعري: الراد بهذه الأمور إرادة الإحسان لمن وُصِف بذلك من الخلق، من صفة الرحمة ونحوها، أو إرادة العقاب لمن وُصف بذلك من الخلق في لفظ الغضب ونحوه. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: المراد بذلك أن الله تعالى يعاملهم معاملة الراحم والغاضب، فيكون المراد الاحسان نفسه أو العقاب نفسه. فأبو الحسن يرد ذلك إلى معنى قديم، والقاضي إلى معنىً حادث. وياتي في القرآن مواضع يتعين فيها مذهب الشيخ أبي الحسن، ومواضع يتعين فيها مذهب القاضي، ومواضع تحتمل المذهبين (٣٧). فقوله تعالى: "ربنا وسعت كل شيء رحمةٌ وعلما" (٣٨). ظاهر فيه مذهب

стр. 450

أبي الحسن، وقوله تعالى: "هذا رحمة من ربي" (٣٩)، إشارة إلى مذهب القاضى. والمحتمل كقوله تعالى: "الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم" يحتمل إرادة الاحسان والاحسان نفسه (٤٠). قال شهاب الدين: ومذهب الشيخ أقرب من مذهب القاضي، لأن علاقة المجاز عنده أقرب. فعلى مذهب الشيخ يجوز الحلف بها، وعلى مذهب القاضي لا يجوز الحلف بها، ولا كفارة. المسألة الثالثة: قال ابن يونس: الحالف بِرضي الله تعالى ورحمته وسخطه، عليه كفارة واحدة، يعني لأنه كرر الحلف بصفة واحدة، وهي الإرادة. وهذا الحكم مبني على مذهب الشيخ أبي الحسن (٤١)، قال: بخلاف عِلْمِ الله وقدرته وإرادته، فإنه يختلف فيه، هل تتعدد الكفارة أم لا؟ بناء على أن قاعدة الايمان التأكيد حتى يريدَ الانشاءَ، بخلاف تكرير الطلاق (٤٢). أو قاعدة الجميع الانشاء حتي يريد التاكيد. (٤٣) ثم لزوم الكفارة على ما قال ابن يونس، إنما يَرِدُ إذا

стр. 451

نوى اليمين بالقديم، فإن الزام الكفارة بمجرد هذه الألفاظ من غير نية خلاف القواعد (٤٤). المسألة الرابعة: السائل عن مثل هذه الصفات بأنها أزلية أو حادثة، جوابه بأنها أزلية على مذهب أبي الحسن، لأن المراد بها الإرادة، وبأنها حادثة على مذهب القاضي (٤٥).

стр. 452

المسألة الخامسة: مقتضى ما قاله ﵀ في قوله: عليَّ ميثاقُ الله وكفالتُه من حيث لزوم الكفارة، إما من حيث العرف الناقل عن وضعها إلى ما يوجب الكفارة، وإما من حيث النية، يجري هنا، كأن يقول: عليَّ رزق الله (٤٦)، إذا تقرر أن جميع ما تقدم من الالفاظ السبعة أنه إنما تجب بها الكفارة للحمل على معنى عرفي وجد فيها، نقَلَها عن أصلِ وضْعها، أو بِسبب النية. وإن لم يكن أحد هذين الامرين فلا كفارة، وذلك معتبر هنا، كما كان معتبرا هنالك (٤٧).

стр. 453

القسم الخامس: من صفات الله تعالى الجامعة (٤٧ م) لجميع ما تقدم من الأقسام الأربعة، وهي عزة الله، وجلاله، وعظمته، وكبرياؤه، ونحو ذلك. وذلك لأنك إذا قلت: جل تعالى، فلك أن تقول: جَلَّ بكذا، فيدخل فيه حميع الصفات الثبوتية. وإذا قلت: جل عن كذا، دخل فيه جميع الصفات السلبية، ثم يشمل الصفات القديمة والحادثة من الثبوتية والسلبية (٤٨)، وكان الحلف

стр. 454

بها يوجب الكفارة لاشتمالها على ما يوجب وعلى ما لا يوجب (٤٩). وهاهنا ثلاث مسائل. المسألة الأولى: إذا قال القائل: سبحان من تواضعَ كلُّ شيء لعظمته، هل يجوز هذا أم لا؟ فقال بعض فقهاء العصر: لا يجوز هذا الاطلاق، لأن عظمة الله تعالى صفته، والتواضع للصفة عبادة لها، وعبادة الصفة كفر، بل لا نعبد (٥٠) إلا الله تعالى، وذلك الذات الموصوفة بصفات الجلال. وقال قوم: يجوز هذا الاطلاق، وهو الصحيح، لِأن عظمته تشمل الذات وسائر الصفات (٥١). قلت: إن أراد بـ (تشمل أو تجمع) كما قال في كتابه شهاب الدين، أن العظمة تدل على الذات والصفات فذلك باطل، فإن الله اسم دال على تلك المعاني بالوضع، والعظمة اسم دال على معنى واحد من تلك المعاني التي دل عليها الله، وإن أراد أن العظمة تصدق على كل عظمة، سواء كانت عظمة الذات أو عظمة الصفات فقول صحيح، ولم يكن الإِشكال الذي قاله القائل منفصلا من

стр. 455

حيث إنها عبادة لصفة من الصفات. وقد قال شهاب الدين: إن أطلق هذا اللفظ وأراد به صفة من الصفات فهو كفر (٥٢). قال شهاب الدين: وإن أراد

стр. 456

بالتواضع غيرَ العبادة، وهو القهر والانقياد لإرادة الله تعالى وقضائه وقدرته فالمعنى صحيح، ولا يلزم منه شيء (٥٣).

стр. 457

المسألة الثانية: أن هذه الصفات، تارة تكون بلفظ التذكير، نحو جلال الله، وتارة تكون بالتأنيث نحو عزة الله وعظمته. ثم عزة الله تُستعمل مذكرا ومؤنثًا، بخلاف عظمة الله ما ينطق بها إلا مؤنثا. والعربُ معلوم من لسانها أن تاء التأنيث إذا لحقت المصدر أفادته الوحدة كقوله: ضربته ضربا، ثم تقول: ضربة. فالمذكر كأنه يعم جميع أنواع العز، والمؤنث كأنه اسم لنوع من أنواع العِز، فإذا عم اجتمع المعنى القديم والحادث، وكان على حسب ما مضى، وإذا لم يعم يحتمل أن يراد به العز الذي لا نظير له في مخلوقاته، فهو معنى قديم، فيصح الحلف به، ويحتمل أن يراد به النوع الآخر من العز الذي يوجد في المخلوق فلا يصح الحلف به (٥٤) المسألة الثالثة: قال عبد الحق في تهذيب الطالب: الحالف بقوة الله وعظمته وجلال الله، عليه كفارة واحدة. ووجه ذلك أنه إنما حلف بمجموع الصفات المتعددة، والمجموع شيء واحد لَا أشياء كثيرة، فكانتْ الكفارة واحدة ولم يتعرض لِلُّزوم. ووجهه أنها اشتملت على الموجب وعلى غير الموجب، فتجب الكفارة للموجب. قلت: هذا التوجيه يوجب ألا تكون الكفارة واحدة، وهو مخالف لقوله: المجموع واحد، فلذلك اتحدت الكفارة (٥٥)، والله أعلم.

стр. 458

القاعدة الثالثة: (٥٦) أقرر فيها ما يوجب الكفارة من أسماء الله تعالى إذا حلف بها الحالف وما لا يوجبها. القسم الأول: ما وضع إسما لِلذات فقط، وهو الله تعالى، وهذا هو الصحيح. القسم الثاني: ما وضع للذات مع مفهوم زائد وجودي قائم. بذاته سبحانه، نحو عليم وقدير. القسم الثالث: ما وضع للذات مع مفهوم زائد وجودي خارج عن الذات كخالق ورازق. القسم الرابع: ما وضع للذات مع مفهوم زائد عدمي، نحو قدوس (٥٧).

стр. 459

القسم الخامس: ما وضع للذات مع نسبة وإضافة كَالباقي (٥٨). ثم الأسماء أيضًا تنقسم بحسب ما يجوز إطلاقه إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما ورد السمع به ولا يوهم نقصا نحو العلم، فيجوز إطلاقه إحماعًا. القسم الثاني: ما لم يرد السمع به وهو يوهم نقصا نحو علَّامة ومتواضع، فإن المتواضع يوهم ذِلة، وعلامة فيه نقص للتأنيث وما أشبه هذا. القسم الثالث: ما ورد السمع به وهو يوهم نقصًا، فيقصر على محله نحو ماكِر وخادع. قلت: هذه الأقسام الثلاثة قال فيها شهاب الدين ﵀: لم أعلم في هذه الأقسام الثلاثة خلافا، وكان فيما ذكره في القسم الثالث أنه يقتصر به على محله، وأنه جاء للمقابلة كقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٥٩). ورأيت صاحب الشُّعَب الشيخ أبا محمد عبد الجليل القصري ﵀ ذكر في الأسماء التي له مَاكِرًا وخادعًا، وظاهر كلامه فيها أنها تطلق لا ما قاله شهاب الدين. ورأيت للامام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير له في قوله تعالى: "ومكروا ومكَرَ اللهُ، واللهُ خير الماكرين" (٦٠) تفسيرا حسنا فَسَّرَ لنا به

стр. 460

كل ما جاء مشكلا من هذا النوع فقال: إن المكر في حق المخلوق هو من حيث الغاية والسبب. فمن حيث الغاية، الظَفَر بالممكور من حيث لا يشعر, ومن حيث السبب، العجز عن أخذه جهارا. قال: والمكر بالنسبة إلى الله تعالى هو من حيث الغاية لا من حيث السبب. وعلى هذا الذي قاله، فقد ارتفع النقص من مقتضى هذه الأسماء وورد بها النص، فهى جائزة، والله أعلم. قال شهاب الدين: القسم الرابع: ما لم يرد السمع به وهو غير موهم فلا يجوز إطلاقه عند الشيخ أبي الحسن الاشعري. وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء، ويجوز إطلاقه عند القاضي أبي بكر الباقلاني. نحو ياسيدنا، هل يجوز إطلاقه؟ قولان. ومدرك الخلاف هل يلاحظ انتفاء المانع، وهو الإبهام ولم يوجد، فيجوز، أو نقول: الاسماء توقيفية، وهو الصحيح؟ فإن مخاطبة أدنى الملوك يفتقر إلى معرفة ما أذنوا فيه من أسامي، وأيضا فهى قاعدة الادُب، والأدب مع الله متعين، لا سيما في مخاطباته. ثم إن لفظ السيد ذكر زكي الدين عبد العظيم، المحَدِّث ﵀ أنه ورد حديث في لفظ السيد، فيجوز اطلاقه على المذهبين، وقس على هذه المثل. قال الشيخ أبو الطاهر بن بشير: فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة، وما لا يجوز إطلاقه لا يجوز الحلف به، ولا يوجب الحلف به كفارة. وهاهنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قال أصحابنا: من حلَف باسم من أسماء الله تعالى التي يجوز اطلاقها عليه تعالى وحنِث، لزمته الكفارة. وقال الشافعي والحنابلة: أسماء الله تعالى قسمان: منها ما هو مختص به تعالى، وهو صريح في الحلف كقولنا: والله، والرحمانِ، فهذا ينعقد به اليمين بغير نية. ومنها ما لا يختصُّ به تعالى كالحكيم
следующие страницы →