← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بالتواضع غيرَ العبادة، وهو القهر والانقياد لإرادة الله تعالى وقضائه وقدرته فالمعنى صحيح، ولا يلزم منه شيء (٥٣).

стр. 457

المسألة الثانية: أن هذه الصفات، تارة تكون بلفظ التذكير، نحو جلال الله، وتارة تكون بالتأنيث نحو عزة الله وعظمته. ثم عزة الله تُستعمل مذكرا ومؤنثًا، بخلاف عظمة الله ما ينطق بها إلا مؤنثا. والعربُ معلوم من لسانها أن تاء التأنيث إذا لحقت المصدر أفادته الوحدة كقوله: ضربته ضربا، ثم تقول: ضربة. فالمذكر كأنه يعم جميع أنواع العز، والمؤنث كأنه اسم لنوع من أنواع العِز، فإذا عم اجتمع المعنى القديم والحادث، وكان على حسب ما مضى، وإذا لم يعم يحتمل أن يراد به العز الذي لا نظير له في مخلوقاته، فهو معنى قديم، فيصح الحلف به، ويحتمل أن يراد به النوع الآخر من العز الذي يوجد في المخلوق فلا يصح الحلف به (٥٤) المسألة الثالثة: قال عبد الحق في تهذيب الطالب: الحالف بقوة الله وعظمته وجلال الله، عليه كفارة واحدة. ووجه ذلك أنه إنما حلف بمجموع الصفات المتعددة، والمجموع شيء واحد لَا أشياء كثيرة، فكانتْ الكفارة واحدة ولم يتعرض لِلُّزوم. ووجهه أنها اشتملت على الموجب وعلى غير الموجب، فتجب الكفارة للموجب. قلت: هذا التوجيه يوجب ألا تكون الكفارة واحدة، وهو مخالف لقوله: المجموع واحد، فلذلك اتحدت الكفارة (٥٥)، والله أعلم.

стр. 458

القاعدة الثالثة: (٥٦) أقرر فيها ما يوجب الكفارة من أسماء الله تعالى إذا حلف بها الحالف وما لا يوجبها. القسم الأول: ما وضع إسما لِلذات فقط، وهو الله تعالى، وهذا هو الصحيح. القسم الثاني: ما وضع للذات مع مفهوم زائد وجودي قائم. بذاته سبحانه، نحو عليم وقدير. القسم الثالث: ما وضع للذات مع مفهوم زائد وجودي خارج عن الذات كخالق ورازق. القسم الرابع: ما وضع للذات مع مفهوم زائد عدمي، نحو قدوس (٥٧).

стр. 459

القسم الخامس: ما وضع للذات مع نسبة وإضافة كَالباقي (٥٨). ثم الأسماء أيضًا تنقسم بحسب ما يجوز إطلاقه إلى أربعة أقسام: القسم الأول: ما ورد السمع به ولا يوهم نقصا نحو العلم، فيجوز إطلاقه إحماعًا. القسم الثاني: ما لم يرد السمع به وهو يوهم نقصا نحو علَّامة ومتواضع، فإن المتواضع يوهم ذِلة، وعلامة فيه نقص للتأنيث وما أشبه هذا. القسم الثالث: ما ورد السمع به وهو يوهم نقصًا، فيقصر على محله نحو ماكِر وخادع. قلت: هذه الأقسام الثلاثة قال فيها شهاب الدين ﵀: لم أعلم في هذه الأقسام الثلاثة خلافا، وكان فيما ذكره في القسم الثالث أنه يقتصر به على محله، وأنه جاء للمقابلة كقوله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٥٩). ورأيت صاحب الشُّعَب الشيخ أبا محمد عبد الجليل القصري ﵀ ذكر في الأسماء التي له مَاكِرًا وخادعًا، وظاهر كلامه فيها أنها تطلق لا ما قاله شهاب الدين. ورأيت للامام فخر الدين الرازي في التفسير الكبير له في قوله تعالى: "ومكروا ومكَرَ اللهُ، واللهُ خير الماكرين" (٦٠) تفسيرا حسنا فَسَّرَ لنا به

стр. 460

كل ما جاء مشكلا من هذا النوع فقال: إن المكر في حق المخلوق هو من حيث الغاية والسبب. فمن حيث الغاية، الظَفَر بالممكور من حيث لا يشعر, ومن حيث السبب، العجز عن أخذه جهارا. قال: والمكر بالنسبة إلى الله تعالى هو من حيث الغاية لا من حيث السبب. وعلى هذا الذي قاله، فقد ارتفع النقص من مقتضى هذه الأسماء وورد بها النص، فهى جائزة، والله أعلم. قال شهاب الدين: القسم الرابع: ما لم يرد السمع به وهو غير موهم فلا يجوز إطلاقه عند الشيخ أبي الحسن الاشعري. وهو مذهب مالك وجمهور الفقهاء، ويجوز إطلاقه عند القاضي أبي بكر الباقلاني. نحو ياسيدنا، هل يجوز إطلاقه؟ قولان. ومدرك الخلاف هل يلاحظ انتفاء المانع، وهو الإبهام ولم يوجد، فيجوز، أو نقول: الاسماء توقيفية، وهو الصحيح؟ فإن مخاطبة أدنى الملوك يفتقر إلى معرفة ما أذنوا فيه من أسامي، وأيضا فهى قاعدة الادُب، والأدب مع الله متعين، لا سيما في مخاطباته. ثم إن لفظ السيد ذكر زكي الدين عبد العظيم، المحَدِّث ﵀ أنه ورد حديث في لفظ السيد، فيجوز اطلاقه على المذهبين، وقس على هذه المثل. قال الشيخ أبو الطاهر بن بشير: فكل ما جاز إطلاقه جاز الحلف به وأوجب الكفارة، وما لا يجوز إطلاقه لا يجوز الحلف به، ولا يوجب الحلف به كفارة. وهاهنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قال أصحابنا: من حلَف باسم من أسماء الله تعالى التي يجوز اطلاقها عليه تعالى وحنِث، لزمته الكفارة. وقال الشافعي والحنابلة: أسماء الله تعالى قسمان: منها ما هو مختص به تعالى، وهو صريح في الحلف كقولنا: والله، والرحمانِ، فهذا ينعقد به اليمين بغير نية. ومنها ما لا يختصُّ به تعالى كالحكيم

стр. 461

والعزيز والرشيد والقادر والمريد والعالم، فهي كنايات لا تكون يَمِينًا إلا بالنية، لأجل التردد بين الموجب وغير الموجب (٦١). ولنا عليه جواب وهو أن القاعدة أن الألفاظ المفردة قد تبقى على معناها اللغوي، وينقُلُ أهل العرف المركَّب من المفردين لبعض أنواع ذلك الجنس كما قلنا في لفظ الرؤوس، تصدق على رؤوس جيع الحيوانات، ولفظ الأكل يصدق على كل فرد من أفراد الأكل في أي مأكول كان. وإذا ركبنا هاتين اللفظتين فقلنا: والله لا أكلت رؤوسا، وأكلت رؤوسا، لا يفهم أحد إلاَّ رؤوس الأنعام دون غيرها، بسبَبِ أن العرف نقلَ هذا التركيب لرؤوس خاصة دون بقية الرؤوس، فذلك لفظ العليم والقدير والمريد يصدق على كل عالم وقادر ومريد، ومع ذلك فقد نقل أهل العرفِ قولنا: وحق العليم وغير ذلك من الأسماء إلى خصوص أسماء الله تعالى، فهو من المركبات المنقولة لا يفهم أحد منها غير ذلك. قال شهاب الدين: وهذا الجواب حسن من حيث الجملة، غير أنه لا يطرد في جيع الأسماء، وإنما يستقيم في الأسماء التي جرت العادة بالحلف بها، وما لم تجر العادة بالحلف به كالحكيم والرشيد فلا يتصور ذلك بحسبها. ولعل كثيرًا من الأسماء لا يعلم كثير من الناس أنها من أسماء الله تعالى (٦٢). فإن قيل: الحيف بها يبين أنها من أسماء الله لأن عادة الناس ذلك، قلنا: وقدْ يحلفون بغير أسماء الله كحلفهم بنعمة السلطان وآبائهم، وحياة زيد وما أشبه

стр. 462

ذلك. فإذا لم يكن استعمالهم لبعض الأسماء كثيرا بقي الحال فيها على حكم اللغة، فيكون لفظها صالحا للقديم والحادث (٦٣). المسألة الثانية، قال صاحب الخصال الأندلسي: يجوز الحلف بقولك: باسم الله لأفعلن، وتجِب بذلك الكفارة عند الحنث. قال شهاب الدين: وهذه المسألة فيها غور، بسبب أن الاسم هاهنا، إن أريد به المسمى استقام الحكم، وإن لم يُرَدْ به المسمى فقد حكى ابن السيد البطليوسي أن العلماء اختلفوا في لفظ الإسم، هل هو موضوع للقدر المشترك بين الأسماء فمسماه لفظ، أو وضع في اللغة للقدر المشترك بين المسميات فلا يتناول إلا مسمى؟ قال: وهذا هو تحقيق خلاف العلماء في أن الاسم هو المسمى أم لا؟ وأن الخلاف إنما هو في لفظ الاسم الذي هو ألف، سين، ميم، وأما لفظ نار وذهب فلا يصح أن يقول عاقل: إن لفظ نار هو عين النار حتى يحترق فم من ينطق بهذا اللفظ. وإذا فرعنا على هذا وقلنا: الاسم موضوع للقدر المشترك بيْن الاسماء، وأن مسماه لفظ، فينبغي ألاَّ تلزم به كفارة، ولا يجوز الحلف به كما لو قلنا: ورزقِ الله، فإنَّ إضافة المحدَثِ إلى الله لا يُصَيِّره مما يجوز الحلف به، وإن قلنا: هو موضوع للقدر المشترك بين المسميات، والقاعدة أن الدال على الأعم غير دال على الأخص، وما يكون كذلك لا يحلف به، ولا يكون قسما إلا بنية أو عرف

стр. 463

ناقل. ولا واحد منهما، فلا تجب كفارة إذ لم يتعين صرف اللفظ لجهة الله (٦٤). المسألة الثالثة (٦٥)، الألف واللام في أسماء الله تعالى للكمال. وهذا، كقولهم: زيد الرجل وتريد الكامل في الرجولية. فمعنى الرحمان، الكامل في الرحمة، وكذا بقية الاسماء. القاعدة الرابعة: (٦٦) نقرر فيها ما يدخله المجاز والتخصيص مما لا يدخله على الجملة ليمتنع، والمراد من ذلك الأيمان، فنقول: النصوص هي التي لا تقبل المجاز ولا التخصيص، والظواهر تقبلهما. ثم النصوص قسمان: القسم الأول: أسماء الأعداد، نحو الخمسة والعشرة وسائر أسماء الأعداد) (٦٧).

стр. 464

القسم الثاني: الإسمان الكريمان: الله والرحمان، لا يصدقان على غيره جل وعلا. فالقسم الأول منع من المجاز والتخصيص فيه وضع اللغة. والقسم الثاني منع من ذلك وضع الشرع. والمجاز إذا نُظِر أعَمُّ من التخصيص، فكل تخصيص مجازه وليس كل مجاز تخصيصا. فالتخصيص كأن يريد بالعشرة شبهها، وذلك العشر (بضم العين والشين) وبالخمسة الخمس. وأما الظواهر فهي ما عدا هذين القسمين من العمومات نحو المشركين، وأسماءِ الاجناس نحو الأسد وغيره، فالمجاز والتخصيص جائزان فيها. وعلى ما قلناه سؤال، وهو أن القرآن استعمل اسم العدد مجازا كَقوله تعالى: "إنه تستغفر لهم سبعين مرة". قال العلماء: المراد الكثرة كيف كانت. وكذلك قوله تعالى: "سبعون ذراعا" أي طويلة جدا، وأهل العرف يقولون: سألتك ألف مرة فما قضيت لي حاجة، ولا يريدون خصوص الألف (٦٨)، وهذا يخالف ما عليه الفقهاء من أن المجاز لا يدخلها. وعلى صحة القاعدة فهنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إذا حلف ليعتقن ثلاثة أعبد اليوم، فأعتق عبدين وقال: أردت بذلك اللفظ هذا لم تُفِدْه النية، وحنِث إن خرج اليوم ولم يعتق الثلاثة (٦٩). المسألة الثانيه: إذا قال: والله لأعتقن عبيدي، وقال: أردت بعضهم أو أردت دوابي أو أردت بالبيع العتق أفاده ذلك كله (٧٠).

стр. 465

المسألة الثالثة: إذا قال: والله لأعتقن ثلاثة عبيد، ونوى به بيع ثلاث دواب صح، لأن المجاز في المعدود لا في العدد. ونظير هذه المسألة انتِ طَالق ثلاثا، ويريد بالثلاث اثنتين أو واحدة، لا يفيده ذلك، وإن قال: أردت أنك طلقت ثلاث مرات من الولد، أفاده ذلك. وقد أشكل ذلك على بعض الفقهاء فقال: أثرت النية في الكل ولم تؤثر في البعض، فإن النية أبطلت الطلقات الثلاث كلها، فأولى أن يبطل بعضها. وجوابه أن النية في الأعداد هي لا تفيد، وفي المعدود تفيد. ثم إذا تبين هذا في القسم الواحد من القسمين اللذين في النص، فالقسم الثاني أيضا الذي هو لفظ الله والرحمان كذلك لا تفيد النية فيه شيئاً بأن يدعي وجها من وجوه المجاز، لما تقدم من أن المجاز والتخصيص لا يدخلان النص على الإطلاق، بخلاف غيرهما من الأسماء فإنها ليست نصوصا. القاعدة الخامسة: (٧١) أقرر فيها ما تكفي فيه النية في الأيمان، وما لا تكفي، فأقول: إعلم أن النية تكفي في أشياء، ولا تكفي في أشياء. فأما ما تكفي فيه فذلك أشْياء:

стр. 466

فها تقييدُ المطْلَقات، كما إذا حلف لَيكرمن رجلا وينوي به زيداً، فلا يبرأ بإكرام غيرِه، لأن رجلا مطلق، وقد قيد بخصوص زيد، فصار معنى اليمين لأكرمن زيداً (٧٢). ومنها تخصيص العمومات، كقوله: والله لا لبست ثوباً، وينوي إخراج الكتان من يمنيه، فيصير هذا العموم مخصوصاً بهذه النية (٧٣)، ومن تخصيص العمومات أن يقول: كل حلال، عليِّ حرام، فينوي محاكاة زوجه (٧٤). ومما يكتفى فيه بالنية ولكنه على خلاف، ما دل اللفظ عليه التزاما، قالت الحنفية: لا تؤثر. النية فيه تقييدا ولا تخصيصا، وقالت بقية الفرق: تؤثر فيه كالمطابقة (من غير فرق). وهذا مثل قول القائل: والله لا أكلت، فقالت الفرق الشافعية والمالكية: يجوز أن ينوى مأكولا معينا، فلا يحنث بأكل غيره. وقالت الحنفية: لا يجوز دخول النية هاهنا، وإن نوى بطلت نيته وحنث بأي ماكول أكله، فإن اللفظ إنما دل مطابقة على نفي الأكل الذي هو المصْدَرُ، ومن لوازم المصدر ماكولٌ مَّا،

стр. 467

وذلك الماكول لم يلفظ به، فلا يجوز دخول النية فيه، لأنه مدلول التزامي (٧٥). واحتجوا بأشياء. منها أن الاستقراء دل على أن النية لا تدخل إلا فيما دل اللفظ عليه مطابقة. واعتبار النيات في الألفاظ أمر يتبع اللغة، فكما لا تجوز النية في صرف أسماء الأعداد لغة، كذلك هنا هنا لا يجوز لغة. واحتج المالكية والشافعية بأشياء: منها أنا أجمعنا على ما إذا قال: والله لا أكلت أكلا، أنه يصح أن ينوي بعض المآكل ويخرج البعضَ بنيته، مع أن أكلا مصدر، وأحمع النحاة على أن التصريح به بعد اللفظ بالفعل إنما هو للتأكيد نحو ضربت ضربا، والتأكيد - حقيقة - تقوية المعنى الأول من غير زيادة، وإلا كانت الأحكام الثابتة معه ثابتة قبله، والثابتُ معه اعتبار النية، فالثابت قبله اعتبار النية وهو المطلوب. ومنها أن النية اعتبرت في المطابقة إجماعا مع قوة المعارض، فأولى أن تعتبر مع ضعف المعارض في دلالة الالتزام بطريقة الأولى. وإنما قلنا: إن المطابقة أقوى معارضة للنية، لأن المطابقة هي الأصل المقصود بوضع اللغة، وغيره إنما يفيده اللفظ تبعا لها، والأصل أقوى من التابع. ومنها أن قالوا: وجدنا الاستثناءات في لسان العرب دخلت على العوارض الخارجة عن المدْلولِ المطابق واللازمِ، ولفظ الاستثناء إنما هو فرع عن إرادة المعنى الذي لأجله سيق الاستثناء، فإن اللفظ تبع لإرادة المعنى، فإنه يقصد به إفهام

стр. 468

السامع ما في نفس المتكلم، فمتى دخل الاستثناء في المدلول التزاما دل ذلك على دخول النية قبله في المدلول الالتزامي (٧٦). وبيان دخول الاستثناء في المدلول التزاما أو بطريق العَرض أشياء: منها قوله تعالى: "لَتَاتُنَّنِي به إلا أن يحاط بكم". (٧٧) هذا استثناء من الأحوال العارضة أو اللازمة لمعنى الإتيان. والمعنى لتاتنني به في كل حال من الحالات إلا في حالةِ الاحاطة بكم فإني لا ألزمكم الإتيان به فيها لقيام العذر حينئذ. ومنها: "ما ياتِيهِم من ذِكْر من رّبهم مُحْدثِ إلا استمعوةُ" (٧٨). والمعنَى لا ياتيهم في حالة من الحالات، والأحوال أمور خارجة عن المدلول المطابقي. وإذا كانت خارجة، فإن كانت الاحوال لَازِمةً فقد دخلت النية في المدلول التزاما. وإن كانت عارضة فقد دخلت النية في العوارض، وإذا دخلت في العوارض دخلت في اللوازم بطريق الأولى ولا بد (٧٩)، وهذه الادلة ترد ما قالوه أولا من دليل الاستقراء، فصح ما قالته المالكية، والله أعلم. ومما يكتفى فيه بالنية أيضا تعميم المطلَقات، وصُورَتُهُ أن يقول: والله لأكرمن أخاك، وينوي بذلك جميع اخوتك، فإن قوله: "أخاك"، مطلق، فإذا أراد جميع الإخوة فقد عمم المطلق (٨٠)، ومثله قوله تعالى:

стр. 469

"ثم يخرجكم طفلا"، فالمراد به جميع الاطفال على سبيل العموم، إذ جميعنا لا يخرج طفلا واحدا، (٨١). فإذا ورد هذا المطلق في كتاب الله تعالى، والمراد به العموم، فمن نوى تعميمه في اليمين لزمه. فإن كان في سياق الثبوت لا يبرأ إلا بحصول الفعل في جميع أفراد ذلك العموم، وإن كان في سياق النفي حنث بواحد من ذلك العموم، وانحلت اليمين بأي فرد حنث فيه، مع أن سياق النفي، اللفظ فيه عام. فإن النكرة في سياق النفي تعم، وإنما يظهر أثر ذلك في سياق الثبوت خاصة (٨٢). ومما يكتفى فيه بالنية تعيين فرد من أفراد اللفظ المشترك بقوله: والله لأنظرن إلى عين، ويريد بهذا اللفظ أحد مسمياته، وذاك العين الباصرة، فلا يبرأ إلا برؤيته لها (٨٣). ومن ذلك أيضا صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه بالنية، كقوله: والله لأضربن أسداً، ويريد به رجلا شجاعا. فلا يبرا إلا بمجازه (٨٤). هذا القسم الاول.

стр. 470

وأما ما لا يكتفَى به بالنية، فنية الاستثناء بمشيئة الله. وسبب عدم تأثيرها أن قوله ﵊: (من حلف واستثنى عاد كمن لم يحلف" (٨٥). يقتضي أن الاستثناء بالمشيئة سبب رافع لحكم اليمين، لأن القاعدة أنَّ تَرتب الحكم على الوصفِ يقضي عليه ذلك الوصف لذلك الحكم وسببيته. وهو هنا قد رتب الشارع - صلوات الله عليه - حكم ارتفاع اليمين على المشيئة (٨٦)، وإذا كان كذلك، والقاعدة الشرعية أن المسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها، وأن القصد إليها لا يقوم مقامها، فلهذا لم تقم النية مقام الاستثناء بمشيئة الله في حل اليمين. قال اللخمي: وعلى القول بانعقاد اليمين بالنية يصح الاستثناء بالنية من غير لفظ المشيئة.

стр. 471

ومما لا تصح فيه النية أيضاً أن يقول: والله لأعطينك ثلاثة فى دراهم، فينوي إلا درهماً واحداً. وإنما لم تكف النية، لما تقدم من أن المجاز لا يدخل النصوص (٨٧). ووقع الخلاف في قولك: لقيت القوم، وأنت تريد إلا فلانا، فقيل: لاتؤثر النية هاهنا من حيث إن النية لا تعتبر في نزولها منزلة اللفظ المخرج للبعض، فيكون اللفظ هو المخرج. وقيل: تؤثر، لأن الاخراج بها كما هو باللفظ لا أنها عوض اللفظ، واللفظ هو المخرج. والمقصود منهما حاصل على السواء، والله أعلم. القاعدة السادسة: (٨٨). أقرر فيها الفرق بين مخالفة النهي، لم كان يقتضي التكرار ومخالفة اليمين لا يقتضي التكرار وهما قد اشتركا في العموم، فإن النهي يقتضي العموم، والنفي يقتضي العموم، فأنت إذا قلت: لا تضرب زيدا، متى وقع ضربه تكرر الإثم بتكرار الضرب، فإذا قلت: والله لا أضرب زيدا، فإن ضربته مرة فقد لزمتك الكفارة وانحلت اليمين بحيثِ لا كفارة بعد ذلك تلزم فيها، فأقول:

стр. 472

لا شك أن العموم في الوجهين، ولكن الفرق متى وقع اختلاف الحكم، أن الإثم مترتب على وقوع المفسدة، والمفسدة تتكرر بتكرار المنهي عنه، وأما الكفارة فهي مرتبة على وضع الشرع لها وبالوجه الذي وضعها عليه، والشارع إنما وضعها مرتبة على الحنث الذي هو نقيض الفعل المنفي العام، والنقيض له جزئي. ولما أوقعها على ذلك لم تتكرر كما لا يتكرر الشيء المرتب على الشرط بحرف إن، كأن يقول: إن دخلت الدار أكرمك، فإن وقع هذا مرة لزم الإكرام، ثم لا يلزم بعد ذلك لأنها لا عموم فها (٨٩) فكذلك مسألتنا إنما رتبت الكفارة على ما قلناه لا على الفعل العام ولا على تأكيده باليمين، بل على الحنث، وهذا لأن الثبوت المناقض لذلك هو مطلق الثبوت. فإذا حصل لزمت الكفارة، والمطلق يخرج على عهدته بصورة واحدة إجماعا كإخراج شاة من أربعين. وأيضا فيصح أن يقال: الكفارة لو كانت تتكرر بتكرر المخالفات لليمين لشق ذلك على المكلَّفِين، والحرج غير موجود في الشريعة. وتحقيق الحرج بأن ينظر إلى حالة الأوبة والرجوع إلى الله، فإذا ذلك لا يبرئه إلا الكفارات المتعددة، وفي ذلك حرج، وربما كان ذلك مانعاً من الرجوع إلى التوبة وإصلاح ما مضى. وأما الآثام فهي - وإن تكررت - إذا كان الرجوع إلى الله، التوبة تسقطها بأجمعها، وذلك الندم عليها، وعمارة الوقت بضدها من الخير، ولا خفاء بتيسيرها. فإذا تقرر لِمَ كان أمر الأيمان لا تتكرر فها الكفارات بتكرر المخالفات، وبانَ وجْهُ الفرق بينهما وبين النهي في تكرر الآثام، فاعلم أنه وقعت صورة اختلف العلماء في بعضها أو في كلها، وهي الحنث للنسيان أو للجهل أو للإكراه. فمذهبنا اعتبار الحنث في هذه الأحوال الثلاثة. ووافقنا الشافعي وأبو حنيفة وأحمد

стр. 473

ابن حنبل على الإكراه على اليمين، وخالفنا أبو حنيفة في الإكراه على الحنث، ووافقنا في النسيان والجهل. فأما من قال بأن لا حنث في الأحوال الثلاث فوجهه أن الأيمان إنما وضعت للحنث على الموافقة والرد عن المخالفة. وهذا المعنى معتبر عند العلم والذكر وعدم الإكراه، فلا حنث في الأحوال الثلاثة. وأما من يقول: الحنث في الكل، فلأن المعتبر عنده اليمين بأى وجه حصلت، وهي حاصلة من غير اعتبار للقصد باليمين. فلا حنث، أو مخالفة فيقع الحنث. ومن يقول بالفرق بين الإكراه والحالتين الأخريين، فلأنه يقول: المعتبر في المخالفةِ الفعل المكتسب بطريق الاختيار، إذ الحلف وقع على الفعل المختار المكتسب، فيحنث في النسيان، ومع الجهل، ولا يحنث مع الإكراه (٩٠). وقال شهاب الدين ﵀: الأولى من هذه الأقوال قول الشافعي، وهو أن لا حنث مع النسيان ومع الجهل ومع الاكراه، قال: وهذا أحد الاقوال عندنا، بسبب أن الباعث على الحلف للحالف إنما هو أن تكون اليمين حاثة له على الترك، وإلا كان يكفيه العزم على عدم الفعل من غير يمين (٩١). وإنما أقدم على اليمين ليكون استحضارها في نفسه مانعا من الإقدام والإِحجام، فلم تكن اليمين موضوعة لحالة النسيان ولا لحالة الجهل ولا لحالة الإِكراه (٩٢) والله أعلم.

стр. 474

تنبيه: إذا قلنا: إن الإكراه على الحنث يمنع من لزوم موجب اليمين، فأكره على أول مرة من الفعل ثم فعله مختارا، يحنث، قاله ابن أبي زيد: وهو مقتضى الفقه، بسبب أن الاكراه لم يندرج في اليمين، فالواقع بعد ذلك بالاختيار هو أول مرة صدرت منه مخالفة اليمين، والأولى لا عبرة بها. ومثل هذه المسألة إذا حلف بالطلاق لا يكلم زيدا، فخالع امرأته وكلمه، لم يلزمه بهذا الكلام طلاق. فلو رد امرأته وكلمه حنث عند مالك ﵀، لأنه قصد بالحلف بالطلاق أن يحثه الطلاق على عدم كلامه بسبب أنه يلزمه الطلاق حينئذ، فما حلف إلا على نفي كلام يلزمه به طلاق، لعدم قبول المحل له (٩٣). وأول كلام يقع بعد رد امرأته هو أول مخالفة اليمين فيه، فيلزم الطلاق به لا بما قبله كما قلنا في الإكراه حرفاً بحرف (٩٤). القاعدة السابعة (٩٥): أقرر فيها الفرق بين ما تعذر عقلا من المحلوف عليه وما تعذر شرعاً أو عادة، فأقول:

стр. 475

إذا حلف فتعذر ذلك الفعل عقلا لم يحنث، إذا لم يمكنه الفعل قبل ذلك، وإن أمكنه ثم تعذر حنث. واختلف في المتعذر شرعا وعادة، فقيل: يحنث به، وقيل: لا يحنث. والفرق بينهما هو من حيث إن الناس إنما يقصدون بأيمانهم الحنث على الفعل الممكن لهم، وأما المتعذر عقلا فلم يوضع اللفظ في القسم حنثا عليه، فهو لا يوجب لذلك حنثا، لأن الحلف على الشيء مشروط بإمكانه، وفوات الشرط يقتضي عدم المشروط فلا يبقى الفعل محلوفا عليه. والمتعذر العادي او الشرعي الممكن عادة مرة ينظر إلى إمكانه عقلا فيقال: هو محلوف عليه، ومرة ينظر إلى تعذره بالوجهين الآخرين فيقال: هو غير محلوف عليه للتعذر المذكور، إذ التعذرات كلها سواء. ولأجل هذه القاعدة، إذا حلف ليذبحن حمامة، فقام مكانه فوجدها ميتة، قال ابن القاسم: لا حنث عليه، بخلاف لو حلف ليبيعن أمة فوجدها حاملا، يحنث عند ابن القاسم، لأن المانع شرعي. وسوى بينهما سحنون في عدم الحنث، وجرت مسائل على هذه القاعدة كما رأيت في هذا المثال (٩٦).

стр. 476

القاعدة الثامنة: (٩٧) أقرر فيها وجه اختصاص المساجد الثلاثة بلزوم نذر المشي إليها دون غيرها فأقول: قال ﵊: "لا تستعمل الْمَطِي إلا إلى ثلاثة مساجد، إلى المسجد الحرام ومسجدي هذا ومسجد إيليا" (٩٨)، فقال قوم من العلماء: لا

стр. 477

سبيل إلى المشي لغيرها، عملا بالحديث، وقال آخرون: يمشي إلى مسجد الجمعة، وقال آخرون: يمشي إلى المسجد القريب. فقول مسجد الجمعة، لعل قائله يتمسك بمشيه ﵊ إلى مسجد قُباء في كل سبت، وهو على ثلاثة أميال من المدينة. والقول بالمسجد القريب استحسان من غير مُدْرَك (٩٩). قال شهاب الدين ﵀: وسر الفرق أن النذر لا يؤثر إلا في مندوب، فمَا لا رجحان في فعله في نظر الشرع لا يؤثر النذر فيه. وسائر المساجد مستوية من جهة أنها بيوت للقربة، فلا يجب اختصاص واحد منها بالاتيان، إذ لا مرجح فيها كما كان المرجح في الثلاثة. قلت: وهذا الكلام يقرر أن المدني إذا نذر المشي إلى المسجدين لا يلزمه ذلك على مذهب مالك الذي هي برجحان مسجد المدينة على سائر المساجد، ويلزم على مذهب الشافعي أن يوفي بنذر المشي إلى المسجد الحرام دون مسجد إيليا عند الجميع. قال شهاب الدين: فإن قلت: إن المساجد أفضل من غيرها إجماعاً، وبعضها أفضل من بعض، للقدم أو لكثرة الجماعة أو لغير ذلك من أسباب التفضيل، فإذا كان كذلك فذلك يوجب أن من نذر الصلاة في مسجد من تلك المساجد أن يلزمه لوجود الرجحان، فأجاب بأن قال: القاعدة الشرعية أن الفعل قد يكون راجحاً في نفسه ولا يكون ضمه لراجح آخر في نفسه راجحاً في نظر الشرع، وقد يكون ضمه راجحاً. فعلى هذا

стр. 478

ليس الضم راجحًا على الإطلاق من حيث إن المفردين راجحان، بل الضم إنما يكون راجحًا إذا رجحه الشرع وثبت له مُدْرك شرعي، وإلا فلا (١٠٠). وبيان أنه قد وجد الرجحان أن نقول: الصلاة - ولا بد - راجحة، والزكاة كذلك راجحة، ولم يكن ضم الواحدة إلى الأخرى راجحًا، وكذلك القراءة راجحة، والسجود راجح، ولم يكن ضمها راجحًا، بل وقع النهي عن الضم. وجاء الضم أيضًا كما هو في مسألة المساجد الثلاثة، هي راجحة، والصلاة راجحة، فكان الضم راجحًا لا من حيث ضم راجح إلى راجح، بك من حيث حكم الشارع بذلك (١٠١).

стр. 479

وكما جاء هذا عنه جاء بأن لا سبيل إلى الضم فيما عداها فقال: لا يستعمل إلا في كذا، وذلك حصر لهذا الضم في الثلاثة، وترك له في غيرها، فكيف يلاحظ هذا النظر مع نهيه ﵇ عنه، والله أعلم. قال ﵀: فإن قلت: القاعدة في النذر أنه لا يجزئ فعلُ الأعلى عن فعل الأدنى، فمن نذر أن يتصدق برغيف لا يجزئه أن يتصدق بثوب وإن كان أعظم منه وقعاً عند الخلق وعند الله تعالى (١٠٢). وإذا صحت هذه القاعدة فكيف صح في هذا الباب أن من نذر أن يصلي ببيت المقدس ممن هو بمكة أو بالمدينة، فإنه لا يلزمه ذلك ويصلي حيث هو؟ فأجاب بأن قال: ما هو من باب إجزاء الأعلى عن الأدنى، الممنوع بحسب القاعدة الشرعية كما ذكرتم، وإنما هو من باب من نذر أن يتصدق بثوب فتصدق بثوبين فإنه يجزئه إجماعا.

стр. 480

وهذا لأن خصوصية النذر حاصلة على هذا الوجه، وليست حاصلة فيما إذا نذر صيام يوم فصلاَّه، والصلاة أفضل لا محالة، وهي أعلى، ولكنها لا تجزئ كما قلتم (١٠٣). وِقال هنا: والظاهر مق قول الفقهاء هنا أن من نذر الصلاة في مسجد إيليا، ممن كان في أحد الحرمين أنه نذر عين المرجوح، ولا نذر في غير الراجح، فكيف في المرجوح؟ وهذا من حيث إن خروجه من أحد الحرمين يلزم عنه ذلك (١٠٣ م). قال شهاب الدين ﵀: هنا إشكالات: الأول منها أن قال: قول الفقهاء: النذر لا يؤثر إلا في راجح في نظر الشرع من حيث انهم يقولون: من نذر أن يتصدق بشعير فليس له أن يخرج عنه قمحا. وهذا لأن الشعير اشتمل على أمرين: أحدهما المالية، وهي موجودة في القمح، والتصدق بها راجح في نظر الشارع، والثاني كونه شعيرا، وكونه شعيرا لم يومر بخصوصه في الصدقة ولا هو راجح في نظر الشرع، فلو كان لا يؤثر إلا في

стр. 481

الراجح للزم أن لا يلزمه خصوص الشعير. وكونكم تقولون: يلزمه الشعير ولا يجزئ القمح يبين أن النذر فيما ليس براجح من نظر الشرع (١٠٤). قلت: هذا الإشكال غير لازم، من حيث إنه لا انفكاك للأعم عن الأخصِ ولا للأخص عن الأعم في الوجود الخارجي. وإذا كان هكذا فنقول: إن النذر لا يؤثر إلا في راجح، والقضية صادقة. والمراد بالنذر إخراج المنذور للخارج، وذلك لا يتصور بحسب الأعم وحده ولا بحسب الأخص وحده، فإذا، النذر متعلق بذلك الأعم مع أخصه. قال شهاب الدين ﵀: الإشكال الثاني على قاعدة من يقول: النقدان لا يتعينان لعدم تعلق القصد بخصوصاتهما شرعا وعادة. فيلزم هذا القائل أنه إذا نذر أن يتصدق بهذا

стр. 482

الدرهم أن يتركه ويخرج غيره (١٠٥)، مع أن ظاهر كلامهم يقتضي تعيينه بالإخراج، وذلك يقتضي أن الخصوص يتعلق به قصد شرعي وعادي، وهو خلاف قاعدتهم في عدم التعيين (١٠٥ م). قلت: الخلاف في التعيين، فقيل: لا يتعين مطلقا. وقيل: يتعين بالاخراج، وهما قولان معروفان. ومع اختلاف. القولين في المذهب، أي إشكال في ذلك؟ وإنما كان يكون الإشكال لو كان القول واحدا. قال شهاب الدين: الإشكال الثالث، مقتضى ما تقدم منَ تقديم المسجد الحرام على الأقصى أن تكون أجناس المنذورات كلها كذلك، يقدم فاضلها على مفضولها ويخرج القمح بدل الشعير (١٠٦). أي فيُطْلَب الفرق كما قال القرافي ﵀. قلت: لا إشكال من حيث إن وزان المسجد الاقصى والمسجد الحرام، من نذر أن يتصدق ثمانية دنانير فأعطى مائتين، ذلك جائز لا كلام فيه، وليس وزان المسألة من نذر أن يتصدق بشعير، فإنه يعطي قمحاً من حيث إن القمح

стр. 483

والشعير نوعان مختلفان، وهما بمنزلة الصوم والصدقة أو الصلاة والصوم، والله أعلم (١٠٧). قلت: ولنذكر مسائل نلحقها بباب الأيْمان، هي لائقة به لم يذكرها شهاب الدين: المسألة الأولى قال مالك: يلزم نذر المشي إلى بيت الله، ولا يلزم ذلك في المدينة وبيت المقدس، والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله، وقد ذكر الجميع في استعمال المطي، فالجواب أن في المشي إلى بيت الله طاعة، فلزم النذر، والطاعة في بيت المقدس والمدينة الصلاة في مسجديهما فقط، فلم يلزم نذر المشي، لأنه لا طاعة فيه. ألا ترى أنه إذا نوى الصلاة في مسجديهما لزمه ذلك، ولو نذر أن ياتي المسجد من غير صلاة لم يلزمه، لأن الطاعة إنما هي الصلاة فقط. المسألة الثانية، ابن القاسم: إذا حلف أن لا يأكل سمنا فأكل سويقا ملوثا بسمن، حنث، وإذا حلف أن لا يأكل خلا، فأكل من طعام الخل لم يحنث، وفي كلا الموضعين، عين المحلوف عليه قد استهلك.

стр. 484

والفرق بينهما أن الخل إذا طبخ زال اسمه وانتقل إلى إسم آخر، وهو مَرَقه، فلم يحنث، لأنه إنما أكل مرقه لا خلا، والسمن اسمه باق، إنما انضاف إلى غيره، وذلك لا ينقله عن اسمه، ألا ترى أنه يقال: سمن ملوث بسويق، ولا يقال ذلك في الخل، فافترقا. المسألة الثالثة، إذا كرر اليمين بالله مرارًا على شيء واحد، فهي بمنزلة واحدة، إلا أن يريد التكرار، والطلاق على التكرار إلا أن يريد التأكيد، فلم كان ذلك؟ فالجواب أن كل طلقة لها حكم تختص به، لأن الواحدة لا توجب التحربم في المدخول بها. والاثنتان توجبان ضُعْف ملك الزوج لها، لأنها تبقى معه على واحدة. والثلاثة توجب التحريم إلا بعد زوج، فلم تنضم واحدة مع أخرى إلا للمعنى الذي اختص. به كل طلقة، فهي للتكرار، واليمين بالله موجب واحد لا يختلف، فكان تكرارها محمولا على ذلك الموجب لا يختلف إلا أن يراد غيره. وأيضًا فالطلاق غُلِّظ في أمره ما لم يغلظ في اليمين بالله تعالى، فجاز أن يلحقه التغليظ في هذا الوضع دون اليمين. المسألة الرابعة، ابن القاسم: إذا حلف بعتق عبده فباعه عليه السلطان في دين، فمتى عاد إليه عادت عليه اليمين إلا أن يعود عليه بميراث، فلا شيء عليه، والمحلوف به قد عاد إليه في الجميع. فلم كان ذلك؟ فالجواب أن التفليس لتهمة تلحقه أن يكون أظهره ليبطل العتق، فلما اتهم عاد إليه اليمين إذا اشتراه، ولذلك لو باعه ثم اشتراه، التهمة تلحقه أن يكون باعه فيبطل عتقه، وليس كذلك إِذا عاد إليه بالميراث، اذ لا تهمة، فلم تعد اليمين عليه.

стр. 485

انتهى الجزء الأول من كتاب ترتيب الفروق واختصارها، وكمل والحمد لله على ذلك، ويليه الجزء الثاني بعون الله وتوفيقه، مبتدئا بقواعد الزواج وما يتبعها من الأبواب المتصلة به، وقواعد المعاملات والحمد لله أولا وأخيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. وما توفيقِي إلَّا بِاللهِ عليه توكلتُ، وإليه أنيبُ.

стр. 486

مصادر التحقيق ومراجعه ١) النسخ المخطوطة لكتاب ترتيب الفروق. ٢) كتاب الفروق لشهاب الدين القرافي: الطبعة الأولى: ١٣٤٤. ٣) الموافقات في أصول الاحكام للحافظ المجتهد أبي اسحاق الشاطبي، المطبعة السلفية بمصر: ١٣٤١ ٤) قواعد الأحكام في مصالح الأنام للإِمام عز الديز ابن عبد السلام ط دار المعرفة، بيروت. ٥) شرح العلامة المحلي على متن جمع الجوامع لتاج الدين بن السبكي، مطبعة دار إحياء الكتب العربي ٦) شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول الإِمام القرافي. طبع دار الفكر القاهرة. ٧) أصول الفقه للاستاذ الشيخ العربي اللوه، مطبعة كرماديس ١٩٧٢. تطوان ٨) أصول التشريع للاستاذ على حسب الله ط. الثالثة. دار المعارف. مصر ١٣٨٣. ٩) تفسير القرآن العظيم للامام الجليل أبي الفداء إسماعيل بن كثير. ط دار المعرفة. بيروت. ١٠) مصادر التشريع فيما لا نص فيه، تأليف الاستاذ عبد الوهاب خلاف. ١١) أصول الفقه لنفس المؤلف. ١٢) الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية، للإِمام جلال الدين عبد الرحمان السيوطي. ط. دار إحياء الكتب العربية لعيسى البابي الحلبي وشركائه. ١٣) مقاصد الشريعة الاسلامية ومكارمها، لأستاذنا المرحوم علال الفاسي، نشر مكتبة الوحدة العربية - الدار البيضاء. ١٤) المحرَّرُ الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، للقاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية، الاندلسي، طبع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالمملكة المغربية. ١٥) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للإِمام الزمخشري. ط. الأولى ١٣٥٤ هجرية. ١٦) في ظلال القرآن للشهيد سيد قطب. ط. الثانية، م. دار إحياء الكتب العربية ١٩٦١. ١٧) صفوة التفاسير للاستاذ الجليل محمد على الصابوني. الطبعة الثانية: بيروت. ١٤٠١ - ١٩٨١. ١٨) الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم للقاضى ابي بكر بن العربي المعافري. دراسة وتحقيق الاستاذ الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري. طبع وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية. ١٤٠٨ - ١٩٨٨. ١٩) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد للامام الحافظ ابن عبد البر النَّمرِي، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بالمملكة المغربية. ٢٠) شرح الزرقاني على موطأ الإِمام مالك. طبع ونشر عبد الحميد احمد حنفي بمصر. ٢١) إرشاد الساري إلى صحيح الامام البخاري، وبهامشه شرح الامام النووي على صحيح الامام مسلم. الطبعة السادسة، طبعة بولاق، مصر. ١٣٠٤ هـ.

стр. 487

٢٢) سنن النسائي بشرح الحافظ جلال الدين السيوطي وحاشية الامام السندي، تحقيق الشيخ حسن المسعودي. المطبعة المصرية بالازهر، (١٣٩٨ - ١٩٧٨) ٢٣) فتح المبين بشرح الاربعين، للعلامة الحافظ ابن حجر الهيثمي. ط دار الكتب العلمية بيروت. ٢٤) الترغيب والترهيب للحافظ عبد العظيم المنذري، تعليق المرحوم الشيخ مصطفى محمد عمارة، مراجعة الشيخ عبد الله بن ابراهيبم الانصارى. ط المكتبة العصرية. بيروت. ٢٥) سنن ابى داود، طبعة دار الفكر. ٢٦) شرح سبل السلام على بلوغ المرام من أدلة الاحكام، للإِمام محمد بن اسماعيل الصنعاني. ط. الرابعة. دار إحياء التراث العربي. ٢٧) فقه السنة للسيد السابق. نشر دار الكتاب العربي، بيروت. ٢٨) التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول ﷺ . تاليف الشيخ منصور علي ناصف، ط. الرابعة، ط. مطبعة عيسى البابي الحلبي. ٢٩) المقدمات الممهدات، تاليف أبي الوليد محمد بن رشد القرطبي الجد. تحقيق الاستاذ الدكتور محمد حجي، ط دار الغرب الاسلامي. بيروت. ٣٠) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد محمد بن احمد ابن رشد الحفيد، ط. مطبعة الاستقامة بالقاهرة. ٣١) القوانين الفقهية للشيخ ابن جُزَي، ط ثانية، مطبعة الأمنية، ١٣٧٧ ٣٢) جواهر الإكليل، شرح العلامة الشيخ صالح عبد السميع الأبي الأزهرى على مختصر الشيخ خليل في مذهب الإِمام مالك. ط دار الرشاد الحديثة. ٣٣) شرح كفاية الطالب الرباني، للإِمام أبي الحسن على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، طبع عبد الحميد احمد حنفي، مصر. ٣٤) الشرح الكبير للشيخ احمد الدردير على مختصر الشيخ خليل، ط. دار إحياء الكتب العربية. ٣٥) الشرح الصغير على أقرب المسالك إلى مذهب الامام مالك للشيخ احمد الدردير، ط دار المعارف بمصر ١٣٩٢. ٣٦) شرح الإِمام ابي عبد الله محمد التاودي على منظومة تحفة الحكام في فقه القضاء والأحكام. مطبعة حجازي بالقاهرة. ٣٧) العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال، تاليف شيخنا محمد بن عبد الوهاب ابن عبد الرازق المراكشي. ط إدارة المنشورات الدينية بدولة قطر. ١٣٩٧ - ١٩٧٧ ٣٨) المعبار المُعْرِب، والجامع المُغْربِ عن فتاوى أهل افريقية والاندلس والغرب. تحقيق جماعة من الفقهاء بإشراف الدكتور محمد حجي، نشر وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية بالملكة المغربية ١٤٠١ - ١٩٨١. ٣٩) النوازل الصغرى للفقيه المحقق الشيخ محمد المهدي الوزاني، تحقيق وطبع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالملكة المغربية: ١٤١٢ - ١٩٩٢.

стр. 488

٤٠) شرح ميارة الكبير على نظم المرشد المعين. ٤١) زاد المعاد في هدي خير العباد للامام الشهير، العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن قيم الجوزية، الطبعة الثالثة ١٣٩٢ - ١٩٧٣. ٤٢) تهذيب سيرة ابن هشام للاستاذ عبد السلام هارون. ط المجمع العلمي العربي الاسلامي، بيروت. ٤٣) فقه السيرة للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، ط. الثانية دار الفكر للطباعة والنشر. ٤٤) المصنفات المغربية في السيرة النبوية ومصنفوها: للاستاذ الدكتور محمد يسف. ط. ١٤١٢ - ١٩٩٢. ٤٥) نور اليقين في سيرة خير المرسلين للشيخ محمد الخضري. ٤٦) إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء للشيخ محمد الخضري. ٤٧) ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تاليف الإِمام الحافظ القاضي عياض السبتي، تحقيق وطبع وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالمملكة المغربية. ٤٨) الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب لمؤلفه الامام الشهير ابراهيم بن فرحون. ط. مكتبة دار التراث. القاهرة. تحقيق الدكتور محمد الأحمدي ابو الثور. ٤٩) نيل الابتهاج بتطريز الديباج للشيخ احمد يابا التنبكتي. ط. مكتبة دار التراث. القاهرة تحقيق الدكتور محمد الأحمدي ابو الثور. ٥٠) الإعلام بمن حلَّ مراكش وأغمات من الأعلام، للفقيه القاضي الشيخ العباس بن ابراهيم المراكشي. المطبعة الملكية الرباط، تحقيق ذ. عبد الوهاب بن منصور. ٥١) مباحث في المذهب المالكي، للاستاذ الدكتور عمر الجيدي: الطبعة الاولى ١٩٩٣. ٥٢) كتاب الأعلام لخير الدين الزركلي: الطبعة العاشرة ١٩٩٢ - ط. دار العلم للملايين. ٥٣) وفيات الأعيان لابن خلكان: ط المطبعة الميمنية بمصر. ٥٤) البداية والنهاية للحافظ ابن كثير: ط. دار الفكر - بيروت ٥٥) كشف الظنون لحاجي خليفة. ط. دار الفكر: ١٤٠٢ - ١٩٨٢. ٥٦) إيضاح المكنون للبغدادي: ط دار الفكر. ٥٧) شجرة النور الزكية لابن مخلوف. هدية العارفين لمؤلفه اسماعيل باشا البغدادي. ط. دار الفكر ١٤٠٢/ ١٩٨٢. ٥٨) طبقات الشافعية لأبي بكر هداية الله الحسيني. تحقيق وتعليق الاستاذ عادل نويهض. دار الافاق الجديدة - بيروت. ٥٩) النبوغ المغربي في الادب العربي: للاستاذ المرحوم الشيخ عبد الله كنون ط الثالثة. ٦٠) علوم البلاغة للشيخ للمرحوم الشيخ احمد مصطفى المراغي. ط. الخامسة نشر المكتبة المحمودية التجارية. ٦١) شرح الشيخ احمد الدمنهوري على جوهر المكنون، الامام الاخضري في المعاني والبيان والبديع.

стр. 489

٦٢) شرح الشيخ ابن عقيل على الفية ابن مالك في النحو. ٦٣) (مكرر) شرح التلخيص في علوم البلاغة، للامام جمال الدين القزويني، وتخريج شواهده، للاستاذ محمد هاشم دويدري، نشر دار الحكمة بدمشق. ٦٤) مغني اللبيب لجمال الدين ابن هشام الانصاري. ٦٥) قطر الندى وبل الصدى لابن هشام الأنصارى، ومعه سبيل الهدى بتحقيق شرح قطر الندى. للاستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد. ٦٦) شرح العلامة الشيخ حسن القويسني على منظومة السُّلَّم للعلامة الاخضري. ٦٧) النطق التطبيقي للفقيه العلَّامة المرحوم الشيخ العربي اللوه. ط تطوان ١٩٧٥. ٦٨) الاحكام السلطانية في الولايات الدينية للعلامة الشيخ أبي الحسن علي الماوردي ط. دار الكتب العلمية بيروت. ٦٩) أدب الدنيا والدين. لنفس المؤلف الماوردي.

стр. 490

ترتيب الفروق واختصارها تأليف أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري (المتوفى سنة ٧٠٧ هـ) رتب فيه واختصر فروق شهاب الدين القرافي في القواعد الفقهية تحقيق الأستاذ عمر ابن عباد خريج دار الحديث الحسنية [الجزء الثاني]

стр. 491

مقدمة التحقيق (*) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي الله ورسوله الأمين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد، فإن كتاب "ترتيب الفروق واختصارها"، لمؤلفه الجليل، الفقيه العلامة الكبير، الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري المتوفى بمراكش عام سبع وسبعمائة هجرية (٧٠٧ هـ) ﵀، يُعتَبر تراثا فقهيا هاما بين كتب تراث الفقه الاسلامي وقواعده الفقهية العامة على مذهب الإِمام مالك ﵀. ذلك أن مؤلفه ﵀ اختصر فيه ورتَّبَ كتاب الفروق بين القواعد الفقهية، لشيخه الجليل، فريد دهره ووحيد عصره، الإِمام أبي العباس، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ﵀. ومكانة كتاب الفروق، وأهميته العلمية من المعرفة والشهرة بمكان، ولا تخفى على أصحاب الفضيلة العلماء مشرقا ومغربا، منذ تأليفه في القرن السادس الهجري، حيث ظلوا يرجعون إليه ويعتمدونه في كثير من الفروع والمسائل الجزئية، المؤسسة على القواعد الكلية الفقهية، ولا يكاد كتاب من الكتب الواسعة في الفقه وقواعده وأصوله يخلو من ذِكره والإشارة إليه، والاستشهادِ بكلامه وقواعده الفقهية. وقد أوضح شهاب الدين القرافي نفسُهُ هذه الأهميةَ والمكانة التي لكتابه الفروق في فقرات من ديباجته التي قدم بها لكتابه هذا حيث قال فيها ﵀: "أما بعد، فإن الشريعة المعظَّمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعُلُوًّا، اشتملت على أصول وفروع، وأصولُها قسمان: أحدهما المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعدُ الأحكام، الناشئةُ عن الألفاظ العربية خاصة، وما يَعْرض لتلك الالفاظ من النسخ والترجيح، ونحو، الأمرُ للوجوب، والنهيُ للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كونُ القياس حجة، وخبرُ الواحد، وصفاتُ المجتهدين.

стр. 492

والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يُحْصَى، ولم يُذكَر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإِشارة إليه هنالك على سبيل الإِحمال، فبقيَ تفصيله لم يتحصل. وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعْظُم قدر الفقيه ويَشرُف، ويظهر رونق الفقه ويُعْرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتُكشف، فيها تنافَسَ العلماء، وتفاضَلَ الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قَصَبَ السبق مَن فيها برع، ومن جعل يُخَرِّجُ الفُرُوعَ بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية، تناقضتْ عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنِطَت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العُمرُ ولم تَقْضِ نفسُهُ من طلبٍ مُنَاها. ومَنْ ضَبَطَ الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثرِ الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحدَ عنده ما تناقضَ عند غيره وتناسَبَ، وأجاب الشاسعَ البعيد وتقارب، وحصَّل في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرقَ فيه من البيان، فبَيْنَ المقاميْنِ شأوٌ بعيد، وبين المنزلتين تفاوتٌ شديد. وقد ألهمني الله تعالى بفضله أنْ وضعتُ في أثناء كتاب الذخيرة من هذه القواعد كثِيرا مفرَّقا في أبواب الفقه، كلُّ قاعدة في بابها وحيثُ تُبْنَى عليها فروعها. ثم أوجد الله تعالى في نفسى أنَّ تلك. القواعد لو اجتمعت في كتاب، وزِيدَ في تلخيصها وبيانها والكشفِ عن أسرارها وحِكَمها لكان ذلك أظهرَ لبهَجتها ورونقها، وتكيفت نفس الواقف عليها بها مجتمعةً أكثرَ مما إذا رآها مفرَّقة، وربما لم يقفْ إلا على اليسير منها هناك لعدم استيعابِهِ لجميع أبواب الفقه، وأينما يقف على قاعدةٍ ذهب عن خاطره ما قبلَها، بخلاف اجتماعها وتظافرها، فوضعتُ هذا الكتابَ للقواعد خاصةً، وزدت قواعد كثيرة ليست في الذخيرة، زدت ما وقع منها في الذخيرة بسْطا وإيضاحا، فإني في الذخيرة رغِبْتُ في كثرة النقل للفروع، لأنه أخصُّ بكتب الفروع، وكرِهتُ أن أجمعَ بين ذلك وكثرة البسْط في المباحث والقواعد، فيخرج الكتاب إلى حدٍ يعسُرُ على الطلبة تحصيلُهُ، أما هنا فالعذر زائل، والمانع ذاهب، فأستوعب ما يفتح اللهُ به إن شاء الله تعالى.

стр. 493

وجعلت مبادئ المباحث في القواعد بذكر الفروق والسؤال عنها بين فرعين أو قاعدتين، فإن وقع السؤال عن الفرق بين الفرعين فبيانه بذكر قاعدة أو قاعدتين يحصل بهما الفرق، وهما المقصودتان، وذكر الفرق وسيلة لتحصيلهما، وإن وقع السؤال عن الفرق بين القاعدتين فالمقصود تحقيقهما، ويكون تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما أولى من تحقيقهما بغير ذلك، فإن ضم القاعدة إلى ما يشاكلها في الظاهر ويضادها في الباطن أولى، لأن الضد، يُظهر حسنَه الضدُّ وبضدها تتميز الأشياء، وتقدم قبل هذا كتاب. لي سميته (كتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى وتصرف القاضي والإِمام.) ذكرت في هذا الفرق أربعيَن مسألة جامعة لِأسرار هذه الفروق، وهو كتاب مسْتقِل يُستغْنَى به عن الإِعادة هنا. فمن شاء طالع ذلكَ الكتاب فهو حسن في بابه، وعوائد الفضلاء وضع كتب الفروق بين الفروع، وهذا في الفروق بين القواعد وتلخيصها، فله من الشرف على تلك الكتب شرف الفروق بين الفروع، وِسميته لذلك (أنوار البروق، في أنواء الفروق)، ولك أن تسميه (كتاب الأنوار والأنواء)، أو كتاب (الأنوار والقواعد السَّنِية في الأسرار الفقهية)، كل ذلك لك، وجمعت فيه من القواعد خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة، أوضحت كل قاعدة بما يناسبها من الفروع حتى يزداد انشراح القلب لغيرها". ومن خلال هذه المقدمة التي أتى بها الإِمام شهاب الدين القرافي عن كتابه الفروق ومكانتِهِ العلمية تتجلى كذلك نفس المكانة التي لكتاب اختصاره وترتيبه هذا من طرف الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري ﵀، حيث اختصر فيه كتاب الفروق، ورتب قواعده وِفْق العلوم المختلفة وعلى الأبواب الفقهية، وألحق به وأضاف إليه ما يناسبه من القواَعد والمسائل والفروع المماثلة، ونبه فيه على ما لم يذكره شيخه القرافي، فجاء كتاب الترتيب هذا صورة واضحة وصياغة جديدة لكتاب الفروق، تُيَسِّرُ الاستفادةَ منه والإِنتفاع به، وتُسَهِّلُ الرجوع إلى قواعده ومسائله، وتُعين على إدراكه وفهمه، وعلى استيعابه وتحصيله. وانطلاقا من هذه المكانة التي لكتاب ترتيب الفروق كتراث فقهي جليل، وإنتاج مغربي أصيل. يكشف عن اهتمام علماء الغرب الإِسلامي في الأندلس والمغرب بهذا العلم المتصل بأصول الفقه وقواعده الكلية، والتقائهم فيه مع إخوانهم

стр. 494

علماء المشرق، ويبرز مدى تمكنهم منه وتعمقهم فيه، وإسهامهم بالتأليف فيه بين تلك المؤلفات القيمة الخالدة التي ألفها علماء أجلاء في هذا العلم، وَدوَّنها فقهاء أعلام على اختلاف مذاهبهم الفقهية، وتنوُّعِ توجهاتهم العلمية، (أمثال قواعد الأحكام في مصالح الأنام) لسلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام، و (الأشباه والنظائر) لكل من الإِمامين، جلال الدين السيوطي، وابن نُجَيم الحنفي، وقواعد الفقيه الجليل ابْن رجب الحنبلي، (وأصول الفتيا في المذهب المالكي) للفقيه محمد بن حارث الخشني الأندلسي، والقواعد الفقهية للفقيه المغربي العلامة محمد المقري، والكليات للفقيه العلامة ابن غازي العثماني المكناسي، وشرح المنهج المنتخَب على قواعد المذهب، لمؤلفه الفقيه الشيخ أحمد المنجور، وغيرهم من العلماء الذين ألفوا في القواعد الفقهية وأصَّلُوها في مؤلفاتهم القيمة، سواء منهم علماء المشرق والمغرب، ﵏ أجمعين، وإدراكا من وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية لتلك الأهمية العلمية التي لكتاب ترتيب الفروق واختصارها بين تلك المؤلفات القيمة التي أشرت إلى بعضها، فقد ارتأت طبعه ضمن أمهات كتب التراث الإِسلامي والدراسات الإسلامية التي تطبعها وتُصْدِرها في مطلع شهر رمضان من كل عام، لتيسير الَاستفادة منه والانتفاع به من طرف السادة العلماء المتمكنين، والفقهاء والأساتذة المتخصصين، والدارسين الباحثين المهتمين بالفقه وأصوله وقواعده، وعهِدت إليّ بمراجعته وتحقيقه، فتَهَيَّبْتُ في أول الأمر القيام بمثل هذا العمل العلمي الهام، لما أعرف عن الكتاب من أنه كتاب كبير الحجم، مترامي الأطراف، واسع الموضوع والمجال، متعدد الجوانب، عميق الأسلوب، متضمن لعلوم كثيرة، ومصنفات عديدة، ومشتمل على أسماء وأعلام علمية وفيرة، جَعَلَتْ منه موسوعة علمية كبيرة في القواعد الفقهية وما يندرج تحتها من المسائل الجزئية، يتطلب تحقيقها جهدا كبيرا، وصبرا كثيرا متواصلا. غير أني بعد التفكر والتأمل، استحضرت الكلمة المعروفة بين العلماء، والقائلَة: "ما لا يُدْرَكُ كله، لا يُترَك كله أو جُلُّه". فجددت الإِرادة وشحذتُ العزيمة، وشرعت في عمل التحقيق والمراجعة، متوكلا على الله تعالى، ومعتمدا عليه سبحانه سبحانه، ومستعينا به جلَّ علاه، وسائلا منه سبحانه العون والمدد،

стр. 495

والتوفيق إلى السَّداد والصواب، واضعا نصْب عيني أن يكون حسبي أنني ساهمت فِى العطاء العلمي الفقهي بتحقيق هذا الكتاب المخطوط، وإخراجه إلى حيز الوجود، لتيسير الرجوع إليه، وإلى أصله إن اقتضى احال، مستحضرًا في ذلك قول الشاعر: لأستسهلنَّ الصعب أوْ أُدْرِك المُنى ... فما انقادتْ الآمال إلا لِصابِرِ وما توفيقي إلا بالله، عليهَ توكلت وإليه أنيب، وقبل الشروع في العمل كان لا بد من التعرف والاطلاع على ما هو موجود من نسخ الخطوط بالخزائن المغربية العامة، والتأكد والتثبت من توثيق الكتاب، وصحة نسبته إلى مؤلفه، وسلوك خطة مضبوطة محكمة ومنهج علمي دقيق في تحقيقه وإخراجه سليما في نصه، ومضمونه، فأمكن، والحمد لله، الاطلاع على النسخ الموجودة في الخزانات العامة والمكتبات الآتية: ١) نسخة الخزانة العامة بالرباط، تحمل رقم ٢٦٢١ د، ورمزت إليها بحرف العين (ع) ٢) نسخة الخزانة الحسنية بالرباط تحمل رقم ١١٨٤٤، ورمزت إليها بحرف الحاء (ح). ٣) نسخة ثانية بالخزانة الحسنية تحمل رقم ١١٧٧٨، ولم أعتمدها لأنها مبتورة ناقصة. ٤) نسخة خزانة القرويين بفاس تحمل رقم ١٢٦٩، ولم أعتمدها لأنها فِى النسخة المصورة جآت مخرومة وغير واضحة، ولا أرجعُ إليها إلا في حالات قليلة، وعند الحاجة إليها. ٥) نسخة من تونس رقم ٦٧٥٥. ٦) نسخة ثانية من الخزانة الوطنية بتونس، رقم ٣٥٨٠. أما نسخة الخزانة العامة بالرباط، فهي نسخة مكتوبة بخط مغربي أندلسي واضح، تختلف كتابته من باب الجهاد، مما يفيد ويعطي أنها كتبت من طرف ناسخَين اثنين، مسطرتها ٢٥، طولها ٢٨ × ٢٠ بيدو عليها أثر القدم، عارية عن اسم الناسخ، وتاريخ النسخ، عليها طرر وتصحيحات قليلة في بعض
следующие страницы →