← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

مقدمة التحقيق (*) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي الله ورسوله الأمين، سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. وبعد، فإن كتاب "ترتيب الفروق واختصارها"، لمؤلفه الجليل، الفقيه العلامة الكبير، الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري المتوفى بمراكش عام سبع وسبعمائة هجرية (٧٠٧ هـ) ﵀، يُعتَبر تراثا فقهيا هاما بين كتب تراث الفقه الاسلامي وقواعده الفقهية العامة على مذهب الإِمام مالك ﵀. ذلك أن مؤلفه ﵀ اختصر فيه ورتَّبَ كتاب الفروق بين القواعد الفقهية، لشيخه الجليل، فريد دهره ووحيد عصره، الإِمام أبي العباس، شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي ﵀. ومكانة كتاب الفروق، وأهميته العلمية من المعرفة والشهرة بمكان، ولا تخفى على أصحاب الفضيلة العلماء مشرقا ومغربا، منذ تأليفه في القرن السادس الهجري، حيث ظلوا يرجعون إليه ويعتمدونه في كثير من الفروع والمسائل الجزئية، المؤسسة على القواعد الكلية الفقهية، ولا يكاد كتاب من الكتب الواسعة في الفقه وقواعده وأصوله يخلو من ذِكره والإشارة إليه، والاستشهادِ بكلامه وقواعده الفقهية. وقد أوضح شهاب الدين القرافي نفسُهُ هذه الأهميةَ والمكانة التي لكتابه الفروق في فقرات من ديباجته التي قدم بها لكتابه هذا حيث قال فيها ﵀: "أما بعد، فإن الشريعة المعظَّمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعُلُوًّا، اشتملت على أصول وفروع، وأصولُها قسمان: أحدهما المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعدُ الأحكام، الناشئةُ عن الألفاظ العربية خاصة، وما يَعْرض لتلك الالفاظ من النسخ والترجيح، ونحو، الأمرُ للوجوب، والنهيُ للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كونُ القياس حجة، وخبرُ الواحد، وصفاتُ المجتهدين.

стр. 492

والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمه، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يُحْصَى، ولم يُذكَر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإِشارة إليه هنالك على سبيل الإِحمال، فبقيَ تفصيله لم يتحصل. وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعْظُم قدر الفقيه ويَشرُف، ويظهر رونق الفقه ويُعْرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتُكشف، فيها تنافَسَ العلماء، وتفاضَلَ الفضلاء، وبرز القارح على الجذع، وحاز قَصَبَ السبق مَن فيها برع، ومن جعل يُخَرِّجُ الفُرُوعَ بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية، تناقضتْ عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت، وضاقت نفسه لذلك وقنِطَت، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العُمرُ ولم تَقْضِ نفسُهُ من طلبٍ مُنَاها. ومَنْ ضَبَطَ الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثرِ الجزئيات لاندراجها في الكليات، واتحدَ عنده ما تناقضَ عند غيره وتناسَبَ، وأجاب الشاسعَ البعيد وتقارب، وحصَّل في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرقَ فيه من البيان، فبَيْنَ المقاميْنِ شأوٌ بعيد، وبين المنزلتين تفاوتٌ شديد. وقد ألهمني الله تعالى بفضله أنْ وضعتُ في أثناء كتاب الذخيرة من هذه القواعد كثِيرا مفرَّقا في أبواب الفقه، كلُّ قاعدة في بابها وحيثُ تُبْنَى عليها فروعها. ثم أوجد الله تعالى في نفسى أنَّ تلك. القواعد لو اجتمعت في كتاب، وزِيدَ في تلخيصها وبيانها والكشفِ عن أسرارها وحِكَمها لكان ذلك أظهرَ لبهَجتها ورونقها، وتكيفت نفس الواقف عليها بها مجتمعةً أكثرَ مما إذا رآها مفرَّقة، وربما لم يقفْ إلا على اليسير منها هناك لعدم استيعابِهِ لجميع أبواب الفقه، وأينما يقف على قاعدةٍ ذهب عن خاطره ما قبلَها، بخلاف اجتماعها وتظافرها، فوضعتُ هذا الكتابَ للقواعد خاصةً، وزدت قواعد كثيرة ليست في الذخيرة، زدت ما وقع منها في الذخيرة بسْطا وإيضاحا، فإني في الذخيرة رغِبْتُ في كثرة النقل للفروع، لأنه أخصُّ بكتب الفروع، وكرِهتُ أن أجمعَ بين ذلك وكثرة البسْط في المباحث والقواعد، فيخرج الكتاب إلى حدٍ يعسُرُ على الطلبة تحصيلُهُ، أما هنا فالعذر زائل، والمانع ذاهب، فأستوعب ما يفتح اللهُ به إن شاء الله تعالى.

стр. 493

وجعلت مبادئ المباحث في القواعد بذكر الفروق والسؤال عنها بين فرعين أو قاعدتين، فإن وقع السؤال عن الفرق بين الفرعين فبيانه بذكر قاعدة أو قاعدتين يحصل بهما الفرق، وهما المقصودتان، وذكر الفرق وسيلة لتحصيلهما، وإن وقع السؤال عن الفرق بين القاعدتين فالمقصود تحقيقهما، ويكون تحقيقهما بالسؤال عن الفرق بينهما أولى من تحقيقهما بغير ذلك، فإن ضم القاعدة إلى ما يشاكلها في الظاهر ويضادها في الباطن أولى، لأن الضد، يُظهر حسنَه الضدُّ وبضدها تتميز الأشياء، وتقدم قبل هذا كتاب. لي سميته (كتاب الإحكام في الفرق بين الفتاوى وتصرف القاضي والإِمام.) ذكرت في هذا الفرق أربعيَن مسألة جامعة لِأسرار هذه الفروق، وهو كتاب مسْتقِل يُستغْنَى به عن الإِعادة هنا. فمن شاء طالع ذلكَ الكتاب فهو حسن في بابه، وعوائد الفضلاء وضع كتب الفروق بين الفروع، وهذا في الفروق بين القواعد وتلخيصها، فله من الشرف على تلك الكتب شرف الفروق بين الفروع، وِسميته لذلك (أنوار البروق، في أنواء الفروق)، ولك أن تسميه (كتاب الأنوار والأنواء)، أو كتاب (الأنوار والقواعد السَّنِية في الأسرار الفقهية)، كل ذلك لك، وجمعت فيه من القواعد خمسمائة وثمانية وأربعين قاعدة، أوضحت كل قاعدة بما يناسبها من الفروع حتى يزداد انشراح القلب لغيرها". ومن خلال هذه المقدمة التي أتى بها الإِمام شهاب الدين القرافي عن كتابه الفروق ومكانتِهِ العلمية تتجلى كذلك نفس المكانة التي لكتاب اختصاره وترتيبه هذا من طرف الشيخ أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري ﵀، حيث اختصر فيه كتاب الفروق، ورتب قواعده وِفْق العلوم المختلفة وعلى الأبواب الفقهية، وألحق به وأضاف إليه ما يناسبه من القواَعد والمسائل والفروع المماثلة، ونبه فيه على ما لم يذكره شيخه القرافي، فجاء كتاب الترتيب هذا صورة واضحة وصياغة جديدة لكتاب الفروق، تُيَسِّرُ الاستفادةَ منه والإِنتفاع به، وتُسَهِّلُ الرجوع إلى قواعده ومسائله، وتُعين على إدراكه وفهمه، وعلى استيعابه وتحصيله. وانطلاقا من هذه المكانة التي لكتاب ترتيب الفروق كتراث فقهي جليل، وإنتاج مغربي أصيل. يكشف عن اهتمام علماء الغرب الإِسلامي في الأندلس والمغرب بهذا العلم المتصل بأصول الفقه وقواعده الكلية، والتقائهم فيه مع إخوانهم

стр. 494

علماء المشرق، ويبرز مدى تمكنهم منه وتعمقهم فيه، وإسهامهم بالتأليف فيه بين تلك المؤلفات القيمة الخالدة التي ألفها علماء أجلاء في هذا العلم، وَدوَّنها فقهاء أعلام على اختلاف مذاهبهم الفقهية، وتنوُّعِ توجهاتهم العلمية، (أمثال قواعد الأحكام في مصالح الأنام) لسلطان العلماء عز الدين ابن عبد السلام، و (الأشباه والنظائر) لكل من الإِمامين، جلال الدين السيوطي، وابن نُجَيم الحنفي، وقواعد الفقيه الجليل ابْن رجب الحنبلي، (وأصول الفتيا في المذهب المالكي) للفقيه محمد بن حارث الخشني الأندلسي، والقواعد الفقهية للفقيه المغربي العلامة محمد المقري، والكليات للفقيه العلامة ابن غازي العثماني المكناسي، وشرح المنهج المنتخَب على قواعد المذهب، لمؤلفه الفقيه الشيخ أحمد المنجور، وغيرهم من العلماء الذين ألفوا في القواعد الفقهية وأصَّلُوها في مؤلفاتهم القيمة، سواء منهم علماء المشرق والمغرب، ﵏ أجمعين، وإدراكا من وزارة الأوقاف والشؤون الإِسلامية لتلك الأهمية العلمية التي لكتاب ترتيب الفروق واختصارها بين تلك المؤلفات القيمة التي أشرت إلى بعضها، فقد ارتأت طبعه ضمن أمهات كتب التراث الإِسلامي والدراسات الإسلامية التي تطبعها وتُصْدِرها في مطلع شهر رمضان من كل عام، لتيسير الَاستفادة منه والانتفاع به من طرف السادة العلماء المتمكنين، والفقهاء والأساتذة المتخصصين، والدارسين الباحثين المهتمين بالفقه وأصوله وقواعده، وعهِدت إليّ بمراجعته وتحقيقه، فتَهَيَّبْتُ في أول الأمر القيام بمثل هذا العمل العلمي الهام، لما أعرف عن الكتاب من أنه كتاب كبير الحجم، مترامي الأطراف، واسع الموضوع والمجال، متعدد الجوانب، عميق الأسلوب، متضمن لعلوم كثيرة، ومصنفات عديدة، ومشتمل على أسماء وأعلام علمية وفيرة، جَعَلَتْ منه موسوعة علمية كبيرة في القواعد الفقهية وما يندرج تحتها من المسائل الجزئية، يتطلب تحقيقها جهدا كبيرا، وصبرا كثيرا متواصلا. غير أني بعد التفكر والتأمل، استحضرت الكلمة المعروفة بين العلماء، والقائلَة: "ما لا يُدْرَكُ كله، لا يُترَك كله أو جُلُّه". فجددت الإِرادة وشحذتُ العزيمة، وشرعت في عمل التحقيق والمراجعة، متوكلا على الله تعالى، ومعتمدا عليه سبحانه سبحانه، ومستعينا به جلَّ علاه، وسائلا منه سبحانه العون والمدد،

стр. 495

والتوفيق إلى السَّداد والصواب، واضعا نصْب عيني أن يكون حسبي أنني ساهمت فِى العطاء العلمي الفقهي بتحقيق هذا الكتاب المخطوط، وإخراجه إلى حيز الوجود، لتيسير الرجوع إليه، وإلى أصله إن اقتضى احال، مستحضرًا في ذلك قول الشاعر: لأستسهلنَّ الصعب أوْ أُدْرِك المُنى ... فما انقادتْ الآمال إلا لِصابِرِ وما توفيقي إلا بالله، عليهَ توكلت وإليه أنيب، وقبل الشروع في العمل كان لا بد من التعرف والاطلاع على ما هو موجود من نسخ الخطوط بالخزائن المغربية العامة، والتأكد والتثبت من توثيق الكتاب، وصحة نسبته إلى مؤلفه، وسلوك خطة مضبوطة محكمة ومنهج علمي دقيق في تحقيقه وإخراجه سليما في نصه، ومضمونه، فأمكن، والحمد لله، الاطلاع على النسخ الموجودة في الخزانات العامة والمكتبات الآتية: ١) نسخة الخزانة العامة بالرباط، تحمل رقم ٢٦٢١ د، ورمزت إليها بحرف العين (ع) ٢) نسخة الخزانة الحسنية بالرباط تحمل رقم ١١٨٤٤، ورمزت إليها بحرف الحاء (ح). ٣) نسخة ثانية بالخزانة الحسنية تحمل رقم ١١٧٧٨، ولم أعتمدها لأنها مبتورة ناقصة. ٤) نسخة خزانة القرويين بفاس تحمل رقم ١٢٦٩، ولم أعتمدها لأنها فِى النسخة المصورة جآت مخرومة وغير واضحة، ولا أرجعُ إليها إلا في حالات قليلة، وعند الحاجة إليها. ٥) نسخة من تونس رقم ٦٧٥٥. ٦) نسخة ثانية من الخزانة الوطنية بتونس، رقم ٣٥٨٠. أما نسخة الخزانة العامة بالرباط، فهي نسخة مكتوبة بخط مغربي أندلسي واضح، تختلف كتابته من باب الجهاد، مما يفيد ويعطي أنها كتبت من طرف ناسخَين اثنين، مسطرتها ٢٥، طولها ٢٨ × ٢٠ بيدو عليها أثر القدم، عارية عن اسم الناسخ، وتاريخ النسخ، عليها طرر وتصحيحات قليلة في بعض

стр. 496

الصفحات تدل على أنها مقروءة ومصححة من طرف من قرأها من العلماء المتمكنين، وربَّما قُوبلَت على نسخة أخْرَى أصحَّ وأسلمَ منها. أما نسخة الخَزانة الحسنية رقم ١١٨٤٤، فهي كذلك نسخة تامة، مكتوبة بخط مغربي أندلسي واضح، عارية عن ذكر اسم الناسخ وتاريخِ النسخ، طولها ٢٠ × ١٤، مسطرتها ٢١، وتبدو من حيث الكتابة والجِدَّة متأخرة النسخ بالنسبة إلى نسخة الخزانة العامة، وإلى النسخة الثانية بالخزانة الَحسنية رقم ١١٧٧٨، فهذه النسخة الثانية مكتوبة بخط مغربي وبيدو عليه أثر القدم والقراءة من خلال الطرر الموجودة بهامشها، ولكنها مبتورة بعد الصفحات الأولى منها إلى باب النكاح، عارية كذلك عن اسم الناسخ وتاريخ النسخ. أما عن نسخة القرويين، فهي كذلك نسخة تامة مكتوبة بخط مغربي جميل، بيدو عليها أثر القدم. طولها ٢٠ × ٥١، مسطرتها ٢٨، مذكور فيها تاريخ النسخ بأرقام خاصة غير متعارفة عند عامة الناس، وهي الأرقام المعروفة بالقلم الفاسي، ولكنها غير واضحة جدا في النسخة المصورة حتى يمكن استخلاص تاريخ نسخها وكتابتِها. والقلم الفاسي هو طريقة خاصة في كتابة الأعداد، كانت لعلماء فاس وقضاتها وعدولها إلى عهد قريبٍ لتقييد التركات والتعمية على من تُسَوّل له نفسه تغيير العقود وتزييفها. وقد نظمها شيخ الاسلام أبو السعود عبد القادر الفاسي المتوفى ﵀ سنة ١٠٩١ هجرية ١٦٨٠ م، وذلك في منظومة رجزية بيَّن فيها أشكال هذه الأرقام، وصورها ونِظامها، كما يقال مثلا: القلم الرومي للحساب اليوناني، والقلَمُ الهندي والغباري، للحساب الهجري. ومن خصوصية حساب القلم الفاسي أنه لا يرتكز على الصفر، وإنما يعطي للشكل قيمة خاصة، وعدد أشكاله سبعة وعشرون. أنظر بحثا عن بيان أشكاله وأرقامه للاستاذ محمد الفاسي ﵀، منشورًا في العدد ٢٦٩ من مجلة دعوة الحق، الخاص بإفريقيا، والصادر في مايو ١٩٨٨.

стр. 497

أما نسخة الخزانة الوطنية بتونس رقم ٣٥٨٠، فهى تامة مكتوبة بخط شرقي، استخرِجَتْ من ميكرو فيلم بالخزانة العامة بالرباط، فجاءت صفحاتها دكناء تصعبُ قراءتها والاستفادة منها بسهولة، وتعتبر أقدم هذه النسخ من حيث إنها مذكور فيها اسم الناسخ، ومثبَتٌ فيها تاريخ النسخ بسنة ٨٧٨ هـ أي القرن التاسع الهجري على يد ناسخها محمد أبي الفتح بن محمد الحسني المدني بالقاهرة، المحروسة، طولها ٢٠ × ٥١، مسطرتها ٢٨، غير أنها مليئة بالأخطاء النسخية والإِملائية والنحوية، إضافة إلى ما هي عليه من صعوبة القراءة، كتب على صفحاتها الأولى تصويبُ نسبة كتاب ترتيب الفروق هذا إلى مؤلفه أبي عبد الله محمد بن إبراهيم البقوري، من طرف الشيخ عمر حمدان، تصحيحا واستدراكا على نسبته في أول صفحة من هذه النسخة التونسية إلى الفقيه محمد المقري ﵀. والنسخة الثانية من تونس رقم ٦٧٥٥، هي كذلك نسخة تامة، مكتوبة بخط شرقي مقروء، طولها ٢٣ × ١٥، مسطرتها ٢٢، وهي تبدو قديمة، ولكنها بعد النسخة الأولى، حيث إنها مؤرخة النسخ بتاريخ صفر سنة خمسين ومائة وألف، على يد ناسخها محمد بن عبد القادر ﵀، وهي تبدو سليمة جدا من الأخطاء النسخية بالمقارنة مع سابقتها، وهي كذلك صعبة القراءة لكون صفحاتها دكناء، حيث استخرجت من ميكرو فيلم، وافاني به احد الاساتذة الافاضل من علماء تونس جزاه الله خيرا. وبعد الاطلاع عليها كلها والمقابلة بينها أمكن لي من خلال هذه النسخ والمقارنة بينها أن أعتمد في التحقيق والتصحيح على ثلاث نسخ منها وأقتصر عليها. نسخة الخزانة العامة، ورمزت إليها بحرف العين هكذا ع. ونسخة الخزانة الحسنية المكتملة، ورمزت لها بحرف الحاء هكذا، ح، وذلك لما يبدو على الأولى من كونها قديمة الكتابة، سليمة وقليلة الأخطاء، مقروءة ومصححة من طرف بعض العلماء كما يظهر ذلك من خلال الطرر الموجودة بهامشها، فاعتبرتها الأصل، واتخذتها النسخة الأولى، وقابلتها على نسخة الخزانة الحسنية لوضوحها وسلامتها، وقلة أخطائها، واستعنت - كلما استوقفتني كلمة أو عبارة في الكتاب -

стр. 498

بالرجوع إلى النسخة التونسية ٦٧٥٥، لكونها أسلمَ وأدق من الاخرى، وإن كانت أقدم منها. أما نسخة خزانة القرويين فقد أتيحَ لي أن أحصل وأطلع عليها في تحقيق هذا الجزءِ الثاني والرجوع إليها أحيانا نادرة جدا، لكونها غير واضحة في الصورة المستخرجة لها، ولا تخلو من خروم كثيرة في صفحاتها. وكان لا بد بعد هذا من التثبت من توثيق الكتاب والتأكد من صحة نسبته إلى مؤلفه الشيخ البقوري، وكان اعتمادي ومرجعي في ذلك على أمرين الأمر الاول: النسخ المخطوطة للكتاب، والتي كلها تنسبه إلى المؤلف المذكور من خلال عنوانه على الصفحة الأولى في جميع النسخ. الامر الثاني: كتب التراجم التي ترجمت لهذا العالم المصَنِف لهذا التألِيف، وتنسب له هذا الكتاب بعبارة: "وله كلام على كتاب الشهاب القرافي في الاصول"، أو عبارة "وله حاشية عليه"، كما تنسب له كتاب إكمال الاكمال في الحديث على صحيح الامام مسلم، وهذا الكتاب نص عليه المؤلف نفسه، وذكره في ثنايا كلامه وتعقيبه بعد القسم الثالث من القاعدة السابعة والعشرين من القواعد الاصولية، كما أشرت إليه ونبهت عليه في محله من الجزء الاول، ص ٢١٩. وكما ورد في حديث: "الأمة لا تجتمع على ضلالة"، فإن اجتماع هذه النسخ الخطية كتب التراجم كلها على نسبة هذا الكتاب أبي مؤلفه البقوري لهو مما يفيد اليقين، ويبعث على الاطمئنان في نسبته إليه. والإشكالية التي تشغل البال، ولم يقع التأكد منها بعد، خاصة بعد. الاتصال بأصحاب الفضيلة العلماء ذوي البحث والاختصاص في التراث العلمي والتاريخ الاسلامي، هي نسبة المؤلف البقوري إلى بقورة بالباء الموحدة، أو يقورة بالياء الثناة، حيث إنَّ نفح الطيب للمقري يذكره بالياء، وينسب ذلك للمقريزي في كتابه الخطط، بينما نجد الديباجَ لابن فرحون، ونجد كل من ينقل عنه، كالأعلام للفقيه القاضي محمد بن ابراهيم المراكشي، والأعلام لمؤلفه العلامة الزركلي رحمهما الله، يذكرونه بالباء الموحدة وينصون على ذلك. بل أكثرية كتب التراجم وأغلبُها

стр. 499

التي ترجمت للمؤلف تذكر بقورة بالباء، سواء منها تراجم علماء الاندلس وغيرهم، كلهم يقررون ويتَّفِقُونَ على أن بقورة بالباء أو يقورة بالياء والقاف المشددة، بلد بالاندلس، هي مولد صاحب هذا الكتاب. على أن البحث العلمي المتواصل سيصل بنا يومًا مَّا إلى تحقيق هده المسألة حين يتم بحول الله اعداد الدراسة المتعلقة بهذه الشخصية العلمية في كتاب خاص. وان كان يبدو أن الراجح هو ما ذكره ابن فرحون في الديباج، ونقله عنه المتأخرون من كونه البقوري بالباء الموحدة وتشديد القاف، وهو ما وقع الميل إليه والاطمئنان إليه، وجعله في عنوان الكتاب، على أمل ان يصادف الحق والصوابَ بتوفيق الله. أما عن النهج الذي سلكته في التحقيق فيمكن إجماله في النقط الآتية: ١) الاكتفاء بالمقابلة على نسختين، والاستعانة بنسخة ثالثة كلما دعت الضرورة لذلك، نظرا لكون هذه النسخ متساوية في مضمون الكتاب ومحتواه، ولتعذر المقابلة على أكثر من ذلك من طرف شخصٍ واحد، وبالنِّسْبَةِ لكتاب كبير الحجم، متعددِ الموضوعات، مثل هذا الكتاب. ٢) الحرص على تصحيح النص وسلامته من الأخطاء النسخية: الإِملائية منها والنحوية التي لا تخلو منها نسخة من هذه النسخ كلها، على تفاوت بينها في ذلك، والتوقفُ والتأملُ عند العبارات والكلمات التي تدعو إلى ذلك للتأكد من الصواب واستيضاح المعنى المراد منها. ٣) ربط كل قاعدة من قواعد هذا الكتاب بالفرق المقابل لها في الكتاب الأصلي الذي هو الفروق للإِمام القرافي، والاشارةُ إلى ذلك في الهامش، وإلى الجزء والصفحة التي يوجد فيها الفرق بالنسبة للطبعة الاولى لكتاب الفروق، التي صدرت عن مطبعة دار إحياء الكتب العربية بتاريخ رجب الفرد سنة ١٣٤٤ هـ. على أنه حتى إذا ظهرت طبعة جديدة لكتاب الفروق وتعددت الطَّبعاتُ، يَوْمًا مَّا، واختلفت نسخها وأرقام صفحاتها، فإن ذكر الفرق وحده يقربه إلى القارئ والباحث، بقطع النظر عن الصفحة التي يوجد فيها بالنسبة لهذه الطبعة أو طبعة

стр. 500

أخرى جديدة. بحيث يسهل الرجوع إلى ذلك الفرق للراغب في إرادة التوسع فيه أو استيضاح ما يكون قد غمض او أشكل على الدارس والباحث في مطالعته ومراجعته لترتيب الفروق واختصارها، إذ الإِيجاز والاختصار قد يبقى معه المعنى أحيانا غامضا غير واضح، ويحتاج إلى مزيد من البيان والشرح وَالتفصيل، وهو أمر قمت به وحرصت عليه كلما رأيت ذلك ضروريا ومفيدا في تحقيق هذا الكتاب. ٤) ومراعاة لذلك، فقد كنت أحيانا آتي بعبارة من كتاب القرافي لتُبَيِّنَ عبارة وَكلمةً أو توضِّحَ مسألة عند الشيخ البقوري، وأذكر ذلك في الهامش. ٥) نظرا لما لحاشية عمدة المحققين، سراج الدين أبي القاسم قاسم بن عبد الله الأنصاري المعروف بابن الشاط، والمسماة (أدرار الشروق، على أنوار الفروق) من أهمية ومكانة في تصويبٍ وتصحيح كثير مما ورد في كتاب الفروق للقرافي، حتى قال أهل التحري والاحتياط في شأن هذه الحاشية: "عليك بفروق القرافي، ولا تقبلْ إلا ما قَبِله ابن الشاط"، وذكر بعض الأفاضل الموثوق بهم أن قائل هذه العبارة، هو الشيخ أحمد بابا التنبكتي، صاحب (نيل الابتهاج بتطريز الدِيباج) وغيره من المؤلفات العلمية القيمة، نظرا لذلك، فقد كنت في كثير من الأحيان، آتي بتعليقاتِ الشيخ ابن الشاط في الهامش، وأذكر تحقيقاته فيه، لما فيها من تدقيق وتصويب في المسألة وفائدة علمية جديدة، فجاء هذا الكتاب في تحقيقه جامعا بين ما عند البقوري في ترتيبه واختصاره، وما عند القرافي في أصل كتابه والتوسع في قواعده، وما عند ابن الشاط في تعقيبه وإفاداته العلمية الدقيقة. ٦) أحيانا قليلة جدًا كنت - وبكل تواضع - أعقب على كلام الشيخ ابن الشاط حينما أراه يستنتج من كلام القرافي ويستخلص منه ما قد يكون بعيدا عن مراده وقصده من القاعدة أو العبارة، وحينما أراه يقسو ويتحامل عليه أحيانا في اسلوبه وتعقيبه، فأحاول التصويب والتخفيف من تلك الشدة في العبارة، والتلطيف منها، والتوفيق بين كلام هذين العالمين الجليلين الفاضليْن اللذين لهما من التمكن والتضلع في العلوم النقلية والعقلية، ولهما من المكانة العلمية المرموقة ما هو معروف لدى السادة العلماء مَشْرقًا ومَغْربًا، وما هُوَ غنيٌّ عن كل بيان وتوضيح.

стр. 501

٧) أشرت إلى ما في الكتاب من الآيات القرآنية، وذكرت السورة ورقم الآية في المصحف الكريم، كما خرجت كل ما أمكن لي تخريجه من الأحاديث النبوية الواردة في الكتاب، إفادة للقارئ وتسهيلا عليه في البحث عن موضوع الآية أو راوي الحديث ومخرجه، والتماسًا لبركة تلك الآيات والأحاديث، وتأسيسًا بها لما عند كُلٍّ من القرافي والبقوري من قاعدة أو مسألة فقهية، وتأصيلا لها وتوضيحا للمعنى، خاصةً في هذا الجزء الثاني. ٨) كنت أستطرد أحيانا، فأصحح كلمة أو عبارة أو أشرح مصطلحات علمية أو بلاغية أو منطقية أو نحوية، وأستشهد لها بأبيات من منظومة التوحيد أوْ المنطق، أو منظومة ألفية ابن مالك أو نصوص فقهية من المتون والمنظومات كمختصر الشيخ خليل وتحفة ابن عاصم، وغيرهما، وببعض الأبيات الأدبية عند المناسبة بقصد الاستشهاد لذلك التصويب والتصحيح، وتذكيرا بتلك القواعد والمصطلحات. وتيسيرا لاستحضارها واستيعابها، وترغيبا في الاهتمام بها والرجوع إليها، علما مني بأنها من المعلومات البديهية والمعروفة لدى السادة علمائنا الأجلاء وفقهائنا الافاضل والاساتذة المتخصصين المحترمين، في كل بلد ومكان، ولكنها مفيدة لبعض الدارسين والباحثين الناشئين. ٩) لم أتعرض لما في الكتاب من مؤلفات وأعلام ترد في ثناياه، فلم أتعرض للبحث عنها كلها، ولترجمتها كلها، نظرا لكونها موجودة في الكتب المتخصصة في تراجم العلماء وطبقاتهم على اختلاف مذاهبهم، وحتى لا يخرج الكتاب عن الحجم المطلوب والهدف المنشود، ويكون مجرد إعادة وتكرار لما هو مدَوَّنٌ ومعروف في مظانه، وفي مختلف الدراسات الجامعية الحديثة التي تذكر تلك الترجم والأعلام. وذكرت أحيانا نادرة جدا بعضَ التراجم القليلة لبعضِ العلماءِ حين يرد ذكرهم بوصف أو إضافة كتاب لهم، كأن يقال: صاحب القبس، أو صاحب المقدمات، أو صاحب الطراز، أو صاحِبُ الاستذكار، مثلا، وهي تراجم قليلة بالمقارنة مع وفرة التراجم الاخرى الموجودة داخل الكتاب، والتي لم أتعرض لها اختصارا وإيجازا.

стр. 502

هذا هو المنهج الذي نهجته وسلكته، والمجهود الذي بذلته وقمت به في تحقيق الجزء الاول، وكذا في تحقيق هذا النصف الثاني وتصحيحه من كتاب ترتيب الفروق واختصاره، أعتقِدُ مع ذلك أنه مجهود متواضع، دون المستوى الذي كنت أرِيده وأبتغِيه وأطمح إليه وأرْتجيه، والذي يرضى العلماء المتخصصين، والاساتذة الباحثين في تحقيق التراث العلمي الاسلامي وفق الطرق المتبعة، وَالمناهج المسطرة في مجال الدراسة والتحقيق للتراث. وسيلاحظ القارئ أني لم أتعرض لدراسة عن هذا الكتاب ومؤلفه، تبرز بتفصيل، الجوانب التي يتميز بها بالنسبة إلى الاصل الذي هو كتاب الفروق. فقد رأيت أن أرجئها إلى حين استكمال الكتاب كله بإتمام تحقيقه بحول الله، لتتم الصورة الكاملة والنظرة الواضحة العامة عن الكتاب، ويمكن استيعاب جوانب الاختصار والتعقيبات التي جاءت فيه، وتكون الدراسة بذلك وافية، وتصدر في جزء خاص بها إن شاء الله تعالى وبعونه وتوفيقه، خاصة إذا ما علمنا أن شخصية الشيخ البقوري مغمورة جدًا، وأن الكتب التي تعرضت لذكره وتاليفه لم تتوسع في ترجمته، وإنما تقتصر على تناولها بإيجاز لا يمكن معَه تكوين دراسة شاملة ومعمقة عنه، ولا يساعد على تكوين فكرة عامة ومدققة، مما يتطلب المزيد من البحث والوقت الكافي لذلك، والوصول إلى تلك الغاية إن شاء الله تعالى، وبحوله وقوته سبحانه، وعونه وتوفيقه سبحانه. على أنه، وإزالة لكل التباس أو غموض، رأيت أن أنقل في نهاية هذا الجزء الثاني من الكتاب وأذكرَ في ختامه ترجمة لأحد العلماء الأعلام والفقهاء الفضلاء، يقترب اسمه من اسم المؤلف، ويشتبه به خاصة عند بعض العامة من الناس، ذلكم هو الفقيه الجليل العلامة أبو عبد الله محمد بن قاسم بن محمد بن أحمد بن محمد القَوْري ﵀، لتضاف هذه الترجمة إلى تراجم العلماء المذكورين في أوَّلَ الجزء الاول، وهم القرافي، وابن الشاط، والبقوري ﵏، وتكون هذه الترجمة للفقيه القَوْري دفين فاس تكملة لمن سبق ذكرهم من أولئك العلماء الاعلام، ومن أجل الغاية المشار إليها في دفع كل التباس يقع بين اسم البقوري،

стр. 503

والقوري في ترجمتهما وتآليفهما ومكان وفاتهما، خاصة من لم يطلع على ترجمتهما معا. فرحمهما الله برحمته الواسعة، ورحم كافة علماء الملة وسائر المسلمين أجمعين. وإذا كنت أقدمت على تحقيق هذا الكتاب بإنجاز الجزء والنصف الأول منه، فقد واصلتُ العمل فيه حتى تم إنجاز تحقيق هذا الجزء والنصف الثاني منه، وتحَقَّقَّ اكتماله بحول الله وعونه وتوفيقه الكريم. ومع ذلك، ومع ما يبدو من جهد كبير في إبراز هذا العمل العلمي المنشود، المتمثل في تحقيق هذا الكتاب، فإني لا أرى اني قد بلغت فيه الكمال المطلوب، ولا أنني قد وصلت فيه كل المؤمَّل والمبتَغَي المنشود. فحسبي - كما ذكرتُ - أن أكون قد عِملتُ على إخراجه من عالَم المخطوطات، ويَسَّرتُهُ للطبع والنشر ليكون ضمن ما تمّ طبعه من كتب قيمة ومؤلفات علمية في هذا المجال، رأت النور بطبعها من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية التي شهدت في عهد وزيرها العالم الفاضل والاستاذ الجليل الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، ازدهارًا مباركًا في تحقيق وطبْع أمهات كتب التراث الاسلامي، والدراسات الاسلامية الجادة المتنوعة، التي تزخر بها المكتبات العامة والمكتبات الوقفية الآن، والتي فتحت في جُل مدن المملكة لتيسىير مطبوعات الوزارة وتقريبها من أصحاب الفضيلة العلماء والفقهاء والاساتذة الادباء، والطلبة الدارسين والباحثين المتخصصين، عملا بالتوجيهات الملكية السامية، واسترشادًا بالعناية والرعاية المولوية الفائقة التي يوليها للعلم والعلماء والتراث الاسلامي الأصيل، أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله وادام له النصر والتمكين. وإني لآمل وأرجو بكل تواضع واعتزاز أن يزودني أصحاب الفضيلة العلماء والاساتذة الاجلاء ذووُ البحث والتخصص في مجال تحقيق التراث ونشره، وفي مجال الفقه وأصوله وقواعده وفروعه، بما يرونه من ثغرات أوْ يَبْدُو لهم من ملاحظات،

стр. 504

وتصويبات تتعلق بالمنهج والمضمون حتى يمكن تداركها استقبالا في الدراسة أو في طبعة أُخرى متى نفدت طبعته الاولى، وأرادت الوزارة طبعه مرة أخرى بحول الله. وكما هُو الشأن في كل عمل علمي وعطاء فكري فإن العمل في تحقيق هذا الكتاب لا يخلو من نقص وقصُور في العلم، أوْ خَطأ في الفهم والتصحيح، فذلك أمر طبيعي في كلِّ عمل علمي بشري، فالكمال المطلق إنما هو لله وحده. وحسْبُ المرءِ أن يكون قد أسهم بعمل علمي اسلامي في النهضة العلمية الاسلامية المعاصرة، وأن يحرص على الإجادة والاتقانِ جهد المستطاع والإمكان، وأن يعلم أن الله سبحانه من وراء القصْد، وهو سبحانه القوي المعين، والهادي إلى التوفيق وسواء السبيل. وبذلك، أُنهى هذه المقدمة التمهيدية التي تعطي نظرة عامة، وتلقي ضوءًا كاشفا عن عملي ومجهودي المتواضع في تحقيق هذا الكتاب وتيسير طبعه ونشره من طرف الوزارة، وأختمها بالعبارة التي أتى بها الشيخ خليل بن اسحاق المالكي في مقدمة مختصره الفقهي الشهير، والتي "يذكر إيرادها بذلكم الربط القائم دائما بين علماء المغرب ومصر في كل الفترات، وبذلك التواصل المستمر بينهم قديمة وحديثا كما رايناه بين الامامين والعالمين الجليلين شهاب الدين القرافي، وتلميذه ابي عبد الله البقوري رحمهما الله، وحيث قال فيها ﵀: "واللهُ المسؤولُ أن ينفع به كل من قرأه أو حصله أو سعى في شيء منه. واللهُ يعصمنا من الزلل، ويوفقنا في القول والعمل". وأعتذر لذوي الالباب وأولي الأبصار من التقصير الذي يبدو لهم في هذا العمل من التحقيق والتصويب، والاستطراد والتعقيب، وأسال بلسان التواضع والاستزادة من العلم والمعرفة، أن ينظر إلَيْهِ أصحاب الفضيلة العلماء بعين الرضى والقبول، فما كان من نقصٍ كملوه، ومن خطأ اصلحوه، فقلما يخْلُصُ مصنف أو محقق من الهفوات، وقلّما يسْلَم دارسٌ وباحث من العثرات، ومن التعقيبات والاستدراكات، وانما الاعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل، ويدْعُو إلى دار السلام، ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم" ... المحقق: ذ عمر ابن عباد

стр. 505

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين النكاح والطلاق وفيهما خمس وعشرون قاعدة: القاعدة الأولى: أقرر فيها الفرق بين أنكحة الصبيان وطلاقهم . (١)، لم كان النكاحُ ينعقد إذا كانوا مُطيِقين للوطء، وللولي الإجازة أو الرد، وكان الطلاق لا ينَفَّذُ (٢)؟ فنقول أولًا: الإشكال يتحقق من حيث إن النكاح من خطاب التكليف لا من خطاب الوضع، كما أن الطلاق من خطاب التكليف لا من خطاب الوضع. ولما كان الامرُ كذلك كان الظاهر تسويةَ البابيْن بِحَسبه في الانعقاد أو عدمه.

стр. 506

فالجواب أن الطلاق لما كان يحْدِثُ حِرْمة، (٣) لم ينفَّذ عليه، من حيث إنه ليس أهْلا للتكليف به. ولما كان النكاح يُحْدث إباحة الوطء، وكان الصبي أهلا للإِباحة أن تَتَعلق به، وللندب، وللكراهة، وليس أهْلًا للوجوب ولا للتحريم، وقع مِنْ الفرق ما وقع. قلت: إن كان الطلاق سببَ تحريم الوطء فالنكاح سبب وجوب النفقة عليه، وأيضا فهذا لا يتمشى على قول القاضي أبي بكر: لو أوجب الله علينا شيئا لوجب، سواء توعَّد بالعقاب على ترْكِه أوْ لا، فليس من ضرورة الوجوب والتحريم العقابُ. قال شهاب الدين: فإن قلت: الْإِتلاف سبب وجوب الضمان، والوجوبُ تكليف، وقد انعقد في حقه، فيجب على الولي الإخراج من مال الصبي ذلك، فإن أخر ذلك للبلوغ وجب على الصبي في ماله، وخوطب حينئذ، فقد تأخر الوجوب الذي هو مُسَبَّبُ الإِتلاف إلى بعدِ البلوغ، فلِمَ لا ينعقد الطلاق في حقه ويتأخر التحريم إلى بعد البلوغ عند حصول أهلية التكليف، كما قلتم ذلك في الإِتلاف، وكلاهما سبب وضْعِيٌّ. يقتضي التكليف؟ . ثم قال: قلت: الاصلُ تَرَتُّبُ المسبَّبات على أَسبابها، والتأخرُ عنها خلاف القواعد، والإِتلاف لم يتَعين فيه تأخرُ مُسَبَّبِه عنه، لإِمكان الإِخراج حالةَ الإِتلاف من مال الصبي. وأمَّا الطلاق فيتأخر فيه التحريم الأمَدَ الطويلَ -ولابُدَّ- إلى حين البلوغ، فلا جَرَم لم ينعقد في حقِّه (٤) لأنه ليس سببَ إباحة فيترتب عليه مُسَبَّبُهُ في الحال،

стр. 507

فافترقا، لأن التأخر في وجوب الضمان إنما وقع عارضًا ونادرا، والقاعدة أن النادر غير معتبر، ويُلحَقُ بالغالب، فَأُلْحِقَ النادرُ بالغالبِ في الضمان. القاعدة الثانية أقرِّرُ فيها الفرقَ بين ذوِى الأرحام والعَصَبة حتى كان للعَصَبة الولايةُ في النكاح ولم يكن ذلك لِمَن يُدْلي بجهة الأمّ (٥)، فأقول: كان ذلك من حيث إن الولاءَ شُرِعَ لحفظ النَّسَب، فلا يكون فيه إلا من يكون له نسب (٥ م) ودخل فيه، حتَّى تحصل المصلحة، وهي الدوام على محافظته، إذ هو مصلحة نفس الولي، فلذلك يكون أبلغَ اجتهادٍ وأتمَّه في تحصيل الأكفاء ودرْء العارِ عن النسَب. قال شهاب الدين ﵀. وخالَفَ الشافعي ﵁ في الابْن فقال: لَا ولايةَ له، واحتجَّ على ذلك بوجوه: أحدُها قول النبي ﷺ : "أيُّمَا امرأةٍ نكَحتْ نفسَها بغير إذن موَاليها فنكاحها باطِل"، (٦) والابْن لا يسمَّى بولي.

стр. 508

وثانيها أنه يدلي بها وهي لا تزوج نفسها، فكذلك مَن يدلي بها، بل هوَ أحْرَى، لأن الفرْعَ لا يكون أقوى من الأصل ولا مِثلَه. وثالثها أن الولاية لا تصح من أبيه فلا تصح منه، كابن الخال مع الخال. والجواب أنه رُوِيَ بغير اذْن وليها، (٧) والولايةُ من القرب، وابنُهَا أقْرَبُ إليها من كل أحَد. ثمّ رواية الْمَوْلَى تصح عليه من حيث إن المولى بمعنى الناصر، وولدها نَاصِرُها. وعن الثاني أن قوة عقله صلح بها أن يكون وَلِيّا، وهي بَعُدَتْ عن ذلك لِضَعفِ عَقلها. وعن الثالث أنه جُزْءٌ منها، فيتعلق به عارُها، بخلاف ابنِ الخال، وبخلاف أبِيه. ثم القاعدة أنه يُقَدَّم في كل ولاية من هُوَ أقْومُ بمصالحها، ولهذا يقدَّم في القضاء من لا يقدَّم في الحروب، وكذا في كل معنى حسبما تقرر في موضعه، حتى إنه ربَّمَا تُقَدَّم الانثى في بعض الولايات ويتأخر الرجال، كما الامرُ في الحضانة، واللهُ أعلم. القاعدة الثالثة: أقرر فيها لِمَ كان الإِخوة في النكاح وميراثِ الولاء وصلاةِ الجنازة يُقَدَّمون على الأجداد، ولِمَ كانوا على السواء في الميراث (٨)؟

стр. 509

فقال شهاب الدين: إن الجدَّ في باب المواريث يقول: أنا أبو أبيه، لأن الإِبن يحجب الأبَ عن جملة المال إلى سُدُسه، وكان هذا جاريا في الأبواب الاربعة، ولكنه افترق الميراث من الأبواب الثلاثة بأن الجد يسقط الإِخوة للأم ولا تسقطهم الإِخوة الأشقاء ولا للأب، وأن. الجدَّ يرِث مع الابن، بخلاف الإِخوة. فلَمَّا عارَضَ هذيْنِ الوجهيْنِ حُجَّةُ الأخُوَة بالبنُوَّة، سُوّيَ بالإِخوة في باب ميراث النسب، لأنه الذي حصل فيه التعارض، وهذا التعارض منفي في الأبواب الثلاثة، بسبب أن الْإِخْوة للأم لا مدخلَ لهم في باب النكاح ولا ميراثِ الولاء ولا صلاةِ الجنازة حتى يقول الجدُّ لهم: أنتم عاجزون عن دفع هؤلاء، وأنا لا أعجز عن دفعهم، فتبقى حجتهم بالبنوة وتقديمِها على الأبوة سالمةً عن المُعارِض، فَقُدِّموا في الأبواب الثلاثة، بخلاف ميراث النسَب. قلت: إذا لم تقع المعارضة من ذلك الوجْه بقِيتْ المعارَضَةُ من وجهٍ آخرَ، وهوَ أن الجد يَرِث مع الابن، بخلاف الإِخوة، وللإِخوة دخلٌ في النكاح إذَا لم يكونوا للأم. قلت: ويمكن أن يقال: الفرق هو من حيث إن ميراثَ النسب يُسَوَّى الجدُّ فيه مع الإِخوة من حيث إن النسبَ متوقف على الجَدّ، فَبِه يتَحَقَّق، (٩) وهو أبْعَدُ من حيث الخُلْطة والاتصالُ غالبا، فوقع التعارض، وفي المسائل الثلاث تحقَّقَ قربُ الاتصال، الموجبُ للرعْي والشفقة، فكان الجَدُّ مرجوحًا، والله أعلم. القاعدة الرابعة: نقرر فيها لِمَ كان للرجل أن يجمع بين عِدّة إماءٍ، ولم يكن له في الحرائر أن يَزِيدَ على أرْبعٍ، (١٠) فنقول:

стр. 510

لا شك أن الوسائل تتْبَعُ المقاصد في الأحكام، فالمحرَّم وسيلتُه محرَّمة، والواجبُ وسيلته واجبة، وهذا قد تقرر فيْ غيرِ هذا الْمَوْضِعِ (١١). فإذا كان كذلك فلاشكّ أن تَزوُّج المرأة على ضَرَّتِها يُكسبُ شحْنَاءَ وعداوةً، وذلك محرَّم مطلقا، فما أدّى إلى ذلك يَجب أن يكون محرَّما، فكان يحتمل هذا أنْ لا سبيلَ إلى التزوج على زوجهِ، وقدْ أخِذ بهذا في مِلّة عيسى ﵇، وهو من باب تغليب مصلحة النساء على مصلحة الرجال، فإن الرجال متضررون أيضا بالحصْر والمنع، وقد كانتْ ملة موسى ﵇ بإباحة ذلك مطلقا من غيْرِ حصْرٍ في شئٍ، فكان فيها أيضا تغليبُ مصلحة الرجال على مصلحة النساء. ولمّا جاءت هذه الشريعة الكريمة توسطتْ بين المِلّتين، فرفَعتْ الضرر الكبيرَ عن الرجال وعن النساء، فأباحت الجمحَ بين أربعٍ لا غَيْرُ. قال شهاب الدين ﵀: وسِرُّ الاقتصار على ثلاثٍ في المُضَارَّة أن الثلاث اغْتُفِرتْ في. مواطنَ، فتجوز الهجرة ثلاثةَ أيام، (١٢) والإِحدادُ على غيْر الزوج (١٣) ثلاثةَ أيام، والخِيَارُ ثلاثة أيام. (١٤) والمُصَرَّاةُ ثلاثة أيام، وهذه جارية على غيْر الاصول، فَحُدَّتْ بذلك العَدَدِ.

стр. 511

قلت: لم يُعْطِ سِرَّ الاقتصارِ على أربع، فإن كونه يقول: هذا هنا كما كان هنالك، ونحن لا نعرف لِمَ كان هنالكَ، أوْ إن عرَفناه، لعَلَّ هذا الموضع يخالف تلك المواضع. غيرُ كافٍ ولا واضحٍ. وأيضا فالاقتصار هنالك على ثلاثٍ، وقضِيَّتُنا الجمعُ بين أربع. ويمكن أن يقال: كان التحديد بأربع من حيث إن تَزَوُّجَ الأكثر من هذا يَجْمَعُ ضرريْنِ على النساء: الضَّرَرُ الواحد ضَرر الشحناء المذكور بينهن، والضرر الآخَرُ، أن الرجُل يضعُفُ عن القيام بأكثرَ من أربع من حيث الوطء غالبا، فلمّا تضاعفتْ المضَرَّةُ في موضع، أسقِط، وأجيز ذلك حيث لم تَتَضَاعف. وما أبيحَ له ﵇ هو التسع إلا لقوةٍ له ليست لغيره (١٥) لا من حيث الأخلاق ولا من حيث غيرُها. قال شهاب الدين ﵀: وحافَظَ الشرع على القرابة القريبة وصانَها عن التفرق والشحْناء، فلا يُجْمَعُ بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها، ولا بين الأختيْن. ولما زاد قرابةَ الأم مع البنت كان لا يجوز الجمْع ولا أزْيَدُ من الجمع، وهو أن البنت إذا كانت زوجةً حرُمَتْ الأم مطلقا، وكذلك الأمُّ حَرُمتْ البنت مطلقا أيضا. ويَلِي ما ذُكر -أولا- الجمعُ بين

стр. 512

المرأة وخالةِ أمها وخالة أبيها، ثم الجمعُ بين المرأة وعمّة أمّها وعمةِ أبيها. (١٥ م) ولمّا كانت الأم أشدَّ ميْلا للبنت من البنتِ للأم لم يكن العقد على الأم كافِيًا في تحريم البنتِ، فهذا ما يتعلق بالحرائر. (١٦) وأمَّا الإِماءُ فلمّا كُنَّ مقصوداتٍ في الغالب للخِدْمةِ والهوانِ (١٧) بعُدَتْ مُنافَسَتُهن في شيءٍ ليسَ وُضِعْنُ إليه، وإنما يكون نادرا، فَجَاز فِيهِنَّ الجمع ولم يَجُزْ في الحرائر لِما ذُكِر. قال شهاب الدين ﵀: يُشترَطُ في تحريم الأمّ الدُّخولُ كما اشتُرِط في تحريمِ

стр. 513

البنت، لِلآية، فإن قوله: ﴿اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ صفة تعقَّبَتْ الجملتين (١٨) فتعمُّهُما كالشرط والاستثناء (١٨ م) والشافعي مذهبه في هذه القاعدة العموم، ولكنه قال هنا بخلاف أصْله، بسبب أن النساء في الجملة الأولى مخفوض بالإضافة، والنساءُ في الجملة الثانية مخفوض بحرف الجر الذي هو مِن، والعامل في الصفة هو العامل في الموصوف على الأصح، فلو كان صفةً للجملتين لعَمِلَ في الصفة الواحدة عاملان، وهما: الإضافة وحرْف الجر، واجتماعُ عامليْن على معْمول واحد، ممتنعٌ على الأصح، فهذا هو المانع للشافعي من الجري على أصله هنا. قلت: ممّا يتقَوى به ما قاله شهاب الدين مِن عَوْد الوصف إلى الجملتين أن الوصف مبني لا مُعْرَبٌ، وإذا انتفى الإعراب انتفى العامل الذي يعْمَله وَيُحْدِثه، ولا يبقَى إلا صلاحيةُ ذلك من حيث المعنى، وهو صالح، وما ذكره النحويون إنمَا هو من حيث الإِعرابُ، وذلك الاعتبار يُفْقَدُ في المبنِيّ، فالصواب عوْد القيْد إلى الجملتين، جرْيا على القاعدة المقررة التي يقول بها الشافعي، والله أعلم. ورأيت أن ما ذكرهُ هنا شهاب الدين زائدًا على ما نقلتُه عنه، لا يحتاج إِليه، فأسقطته ومَا ذكرتُه، واللهُ أعْلَمُ،

стр. 514

القاعدة الخامسة: أقرر فيها أن تحريم المصاهَرَة ليس رُتْبةً واحدة، بل هو رُتَبٌ . (١٩) بيان ذلك أن أقول: قال الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ﴾، وبالجملة كلّ ما ذكِر في القرَآن من تحريم المصَاهَرة فهو يُحمَل على الحرائر لا على الإِماء، وهذا من حيث قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ﴾، فإن معهود النساء هكذا، الحرائر اللائي أبيحَ وطؤهن بالعقْد لا بالمِلْك، فإذا كان هكذا فتحريم الحرائر بالمصاهرة، وذلك في الرتبة الأولى من التحريم، ثم يُلحَق بهن الإِماء. فيكُنّ في الرتبة الثانية، ثم في الرتبة الثالثة الوطءُ شُبْهَةً، ثم في الرابعة الوطء زنًا، فأمّا المراتبُ الثلاث الأولى فهي توجب التحريم من حيث المصاهرة على ترتيب كما قلنا، والخلاف في الزنَى هلْ يؤَثر أم لا؟ فإذا تبين هذا فأقول: قال اللخمي: تَحرُم امرأةُ الجدِ للأمّ والجَدِّ للأب، لا ندراجهما في لفظ الآباء، كما تندرج جدات امرأته وجدّاتُ أمِها من قِبَلِ ابنها وأمِها في قولِهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾، وبنتُ بنتِ الزوجة، وبنتُ ابنها، وكلُّ ما نُسِب إليها وإن سَفَلَ، في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾. قال شهاب الدين ﵀: إعلَم أن هذه الاندراجات ليست بمقتضَى الوضع اللغوي، من حيث إن القرآن نطَق بالثلث للأم، ولم يُعطِهِ الصحابةُ رضي الله

стр. 515

عنهم للجدة بل حَرَموها، حتى رُوي لهم الحديثُ في السدسِ (٢٠)، وصرَّحَ بالنصف للبنتِ، وبالثلثين للابنتين على السوية، وَوَرثت بنتُ البنت مع البنتِ السدسَ بالسُّنة لا بالكتاب. وابنُ الابن كالابن في الحَجْب، والجد ليس كالأب في الحجب، وهذا يدل على أن الأبَ حقيقةٌ في القريب، مَجاز في آبائه. ولفظ الابن حقيقة في القريب، مجاز في أبنائه، فإن دلَّ إجماع على اعتبار المجاز وإلَّا أُلْغِي، وينبغي أن يُعتقَد أن هذه الاندراجات في تحريم المصاهرة بالإِجماع لا بالنص. (٢١) قلت: لا يصح أن تكون هذه الأحكام دليلا على ما قاله من أن الوضع يفيد كذا، فإن اختلاف الأحكام لا يستفاد منه الوضع اللغوي لا نفيا ولا إثباتا، واللهُ أعلم.

стр. 516

القاعدة السادسة: أقرر فيها ما يحرم بالنسب مما لا يحرم به (٢٢) فنقول: الانسان يحرم عليه بالنسب أصُولُه وفصولُه، وفصولُ أولِ أصوله، وأولُ فصْل من كل أصلٍ وإن علا. فالأصول، الآباء والأمهات وإن علَوْا، والفصُوُل الأبناء وأبناء الأبناء وإن سَفَلوا. وفصُولُ أولِ الأصول، الإِخوةُ والأخواتُ وأولادُهم وإن سفلوا، احترازًا من فصول ثاني الأصول وثالثِهَا وإن علا ذلك، فإنهم أولاد الأعمام والعمات، والأخوالِ والخالات، وهي مباحات، لقوله تعالى لنبيه ﷺ ، "وبناتِ عمك وبناتِ عماتك، وبناتِ خالك وبناتِ خالاتِكَ". (٢٣) وأولُ فصل من كل أصل يندرج فيه أولاد الأجداد والجداتِ وهُمْ الأعمام والعمات، والأخوال والخالات. وقولنا: أول فصل، احترازا من ثاني فصل من أول الأصول، فإن ثاني فصْلٍ، أولادُ الأعمام والعمات، وأولاد الاخوال والخالات. والأصل في هذا قولُهُ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الآية. واتفقت الأمة على أن المراد بهذا اللفظِ، القريبُ والبعيدُ من كل نوع، واللفظ صالح له، كقوله تعالى: ﴿مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، وكقوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.

стр. 517

تنبيه: قال اللخمي: كلُّ أمٍّ حَرُمتْ بالنسب حَرُمتْ أختُها، وكل أختٍ حَرُمت لَا تحرُمُ أختُها إذا لم تكن أخْتا له (٢٤)، فقد تتزوج المرأة الرجلَ، ولكل واحد منهما ولَدٌ، فالولد منه (٢٤ م) يحل له ابنة المرأة من غير أبيه. وكل عمة حرمت فلا تحرم أختها لأنها قد تكون اختَ أبيه وقد لا تكون. (٢٥) القاعدة السابعة (٢٥ م)

стр. 518

أقرر فيها ما يُلحَقُ فِيهِ الولد بالواطيء (٢٦) فأقولُ: إنَّ الفقهاء يقولون: لا يُلْحَقُ الولد بأقلَّ من ستةِ أشهر، ومرادُهم بذلك لا تتم خِلقة الولد ويولد تامّا لأقلَّ من ستة أشهر، إذْ لو ظهر حمل بامرأةٍ مع زوجها فأسقطته لأقلَّ من تلك المدّة لَلَحِقَ بأبيه، وهذا لاخفاء به أنهم يريدون به هذا المعنى. ثم ما ذكره الفقهاء من أنه لا يكْمُلُ خَلْق الولد لأقلَّ من هذه المدة، سببه ما ذكره ابن جميع وغيرُه فى التحدث عن الأجنة، قالوا: إن الجنين يتحرك لمثل ما تخلَّقَ فيه ويوضع لمِثْلَي ما تحرَك فيه، قالوا: وتخلُّقُهُ في العادة، تارةً يكون لشهر، وتارة لشهر وخمسةِ أيْام، وتارة يكون لشهر ونصف، وتارة يكون لشهر ونصف، فَيُولَد بعضُ الأولاد لهذا على رأس ستة أشهر، وبعضٌ على سبعةِ أشهر، وبعض على تسعةِ أشهر، ومَا وُلد لثمانية أشهر لا يعيش. ثمّ قد يطرأ طارئ ويَعْرِض عارض من جهة المَنِيِّ في مزاجه أو في الرحم يَمنع من جريان هذِه العادة فيتأخر الولد إلى عام وإلى عامين وإلى أكثر، وهو قول الحنفية، وإلى أربعة أعوام وهو مشهور مذهب الشافعية، أو إلى خمس سنين وهو مشهور مذهب المالكية، وجاء عن مالك والشافعي إلى سبعة أعوام. قال شهاب الدين ﵀: ومعنى قول النبي ﵊: "يُجْمَعُ أحَدُكم في بطن أمّه أربعين

стр. 519

صباحا نطفةً، ثم أربعين عَلَقَةً، ثم أرْبعين مُضْغة، ثمّ يُنْفخُ فيه الروح" (٢٧)، الإِشارة إلى الأطوار الثلاثة تقريبا، فإن الأربعين تَقْرُبُ من الثلاثين، والخمسةِ والثلاثين، والخمسةِ والاربعين، وهي متوسطة بين هذه الأطوار، فهذا هو مَعنى الحديث، لا أنه على ظاهره في جميع الأجنّة، ولو كان على ظاهره لكانت الحركة في أربعة أشهر، ويكون الوضعُ في اثني عشر شهرا. وهذه الصورة صحيحة، ولكنها نادرة، وكلام الرسول ﵇ لا ينبغي أن يُحْمَل على النادر، بل على الغالب. قلت: قطع شهاب الدين - بِما ذكرَه المشرحون - بطرق التأويل إلى ما جاء في الحديث، وتاويلُهُ من أبْعدِ شيء، فالأوَلى دفع ما قاله المشَرِّحُون، فنحن لا نعرف هل اتفق المشرحون على ذلك أم لا؟ ثم بعْدَ الاتفاق يبقى معَنا الشك فيما

стр. 520

ذكروه من وجوه لا من وجه واحد، فمالَنَا ولِتاويلِ الحديث بشيء بعيدٍ غايةً، واللهُ أعلم. (٢٧ م) القاعدة الثامنة (٢٨) نقرر فيها الفرق بين قيافته ﵇ وقيافة المُدْلِجِي (٢٨) ولنذكر -أوّلا- أن إلحاق النسبِ وإثباتَه بالقيافة مختلَف فيه، فذهب أبُو حنيفة إلى أنه لا يصح، لانه حَزْرٌ وتخمين، فلا يصح الاعتماد عليه كالاعتماد على النجوم والرمْل والزجْر والفال، (٢٩) وغير ذلك من أنواع الحَزْرِ. ثم هو مع هذا من باب الحزْر البعيد كما قال ﵇ للذي أنكر ولدَه لمَّا كان أسود: "أَلَكَ إبِلٌ؟ ، قال:

стр. 521

نعَم، قال: فما لونُها؟ ، قال: بِيض، قال: هَلْ فيها من أوْرقَ؟ ، قال: نعَمْ، قال: فمن أين ذلك الأوْرقُ؟ قال: لعله نزْعُ عِرْقٍ، فقال ﵇: كذلك هُنَا .. ، (٣٠) يُشير إلى أن صِفة الأجداد والجدات قد تظهر في الأبناء. فياتي الولدُ يشبه

стр. 522

غيرَ أبويه، وقد يأتي شبه أبويه ليس منهم، لأن الزاني بأمه كان يشبه أباه أو أحدًا من قرابته، فهو لا يطرد ولا ينعكس، فلا يجوز الاعتماد عليه. واحتج الشافعي ومالك ﵄ على صحة الإلحاق بذلك بما أخرجه مُسْلم من دخوله ﷺ على عائشةَ مسرورا، فأخبرها بما قال المدلجي في أُسامةَ وزيدٍ حيث قال: "هذه الأقدام بعضُهَا من بعض". والحجة من حيث إنه سُرَّ بمقَالتِه، وهو ﵇ لا يُسَرُّ إلا بحق، ولا يُسَرُّ بباطل ولا يُقِرُّ عليه. أجاب الحنفية بأنه سُرَّ بذلك لقيام الحجة على الكافرين على ما كان الأمر عندهم وإن كان باطلا في نفسه. قالوا: ومِن هذا أنه ﵇ سُرّ بآية الرجْم (٣٠ م) حينَ وُجِدَت في التوراة وهو لا يعَتقد صحتها، بل لقيام الحجة على الكفار. أَجاب الأصحاب عن هذا بأن قالوا: ذلك الاحتمال بعيد. وتحقيق ما قلناه من حيث الحديث الذي جاء عنه في حديث الِلعان حيث قال: إن جاءت به كذا فهو لفلان، وإن جاءت به كذا فصَدَقَتْ وكذَب علَيها (٣١)، فإنه إذا كان هذا تثبيتا للالحاق

стр. 523

من حيث وجودُ هذه الأوصاف فأحرى أن يكون الإِلحاق بعد الوقوف على الصفات الموجِبة لذلك الإِلحاق، فإن إدراكها بالحس يزيد في ذلك. وأيْضا يتقوَّى بحديث عائشة: "تَرِبَتْ يمينُك ومِن أين يكون الشَّبَهُ" (٣٢). وحيث جاء هذا عن النبي ﵇ ضعُف ما قاله الحنفي، ويَقْوَى ما قاله مالك والشافعي. قال شهاب الدين ﵀: سؤال: قال بعض الفضلاء: العَجَبُ من مالك والشافعي يستدلان على أبي حنيفة بحديث المدلجي ولا يستدلان عليه بحديث اللعان حيث صرَّح ﷺ بالْقافةِ في ذلك، وكان الأظهر في الصواب العكس، لأن حديث اللعان مُدرَكٌ للمسألة في غاية القوة، فتركاه واستدلا بالأضعف، وهذا لأن إقرارهُ لا يقوى قوة فعله ولا قوةَ قوله وقد فعَل، وقال: وهُمَا عَدَلَا عن الفعل والقول إلى الإِقرار. فأجاب عن هذا بأن قال: لذلك موجب حسَنٌ، وهو أن رسول الله ﷺ أعطاه الله من وُفور العقل، وصفاءِ الدِّين، وجَوْدة الفِراسة أمرًا عظيما لا يقرب أحد من أمّته إليه في ذلك، وكذلك الأمر في حواسه وقُوى جسده وجميع أحواله، فقد كان يرى في العراء أحَدَ عشر كوكبا، ونحن لا نرى إلّا ستة، فلو استدلا على أبي حنيفة بفعله في ذلك وما صدر منه لم تقم حجة عليه، إذْ كان له أن يقول: إذا صحت القيافة من تلك الفراسة النبوية المعصومة من الخطأ فمِن أيْن لكُمْ أن تصح من الخَلْقِ الضعيف، فلذلك عدلُوا عن ذلك إلى ما استدلوا به، واللهُ أعلم.

стр. 524

القاعدة التاسعة: أقَرِر فها الفرق بين ما يَحْرُم الجمعُ بينهن من النساء وبين ما يجوز الجمعُ بينهن ، (٣٣) فأقول: كل امرأتين بينهما من النَّسب أو الرضاع ما يَمْنَعُ تنَاكُحَهما لوْ قُدِّرَتْ إحْدَاهما رجُلًا، لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بعقد ولا مِلْكٍ، قاله مالك والشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل ﵃. وقد خرج بقيدَيْ النسَب والرضاع المرأةُ وابنةُ زوْجها، والمرأةُ وأمُّ زوجها، فإنه لو فُرِض أحدُهما رجلا والآخَرُ امرأةً لم يَجُزْ أن يتزوج أحدهما الآخَر، بسبب أن المرأة حينئذ إما أمّ امرأة الرجل أو ربيبتُه، فتَحْرُمُ على ذلك الرجل، ومع ذلك يجوز (٣٤) الجمعُ بينهما. فإذا قلنا: من النسب أو الرضَاعِ ما يمنع التناكُح، خَرَجَا عن الضابط وبقِي جَيِّدا، وقبْلَ خروجهما كان الضابِطُ غَيْرَ مانِعٍ، وفي الضابط مسألتان: المسألة الأولى: من أبَان امرأته حلَّتْ له أختها في عِدَّتها، وحلَّتْ له الخامسة، لانقطاع الموارثة بينهما والعصمةِ، وإنما العِدَّة لحفظ الأنساب.

стр. 525

ووافَقَنَا الشافعي، وأبَى أبو حنيفة من ذلك وقال: (٣٥) لا ترتفع الحِرمة إلا بانقضاء العِدة، لأن العِدة من آثار النكاح، ولقوله ﵇: "من كان يومن بالله واليوم الآخِرِ فلا يجمعْ ماءه في رحم أختين"، (٣٥ م) فقال أصحابنا: ينتقض عليك بأن الولد يُلحَق بعدَ أربع سنين، ولا قائلَ بالتحريم إلى تلك الغاية، فكذلك في كل عِدَّة. وأمّا الحديث فليس بِدَالٍّ بحسَب الظاهر على ما قلتم، بل على أن لا يتزوج الرجل امرأة كان قد تزوجها، (٣٦) فضلا عن أن يجمع بينهما، وهذا الظاهر

стр. 526

متروك باتفاق، فيبقى ليس دليلا على ما قلتم، بِأوْلَى من أن يكون دليلا على ما قلنا، واللهُ أعلم. المسألة الثانية: الأختان بملك اليمين، قال عمر ﵁: حَرَّمَتْ الجمعَ بينهما آية، (٣٧) وأحَلَّتْ ذلك آيةٌ، (٣٨)، وهذا لأن كل آية، أعمُ من الأخرى بوجْهٍ، وأخصُّ منها بوجه، ولكنه رجح الفقهاء التحريم بوجوه: أحدُها أن الأُولى سِيقتْ للتحريم، والثانية للمدح بحفظ الفرج، فلم يحصل للتحريم ما يُعَارِضه. الثاني أن الأُولى لم يُجْمَعْ على تخصيصها، والثانية أُجْمِعَ على تخصيصها بما لا يقبل الوطء من المملوكات وما يَقبَله، لكنه يحرم إجماعا، كالذكور، وأخوات الرضاعة، ومَوْطوآتِ الآباء من الإِماء. وغيرُ المخصوص أرجح مما أُجْمِع على تخصيصه. الثالث أن الأصل في الفروج التحريم حتى يُتَيَقَّنَ الحِلُّ، فالأُولى على وفق الأصل، ولم يتعين رجحان الثانية عليها، فنعمل بمقتضاها موافقَةً للأصل.

стр. 527

القاعدة العاشرة: نقرر فيها ما يُقَرُّ من أنكحة الكفار وما لا يُقَرُّ . (٣٩) قال الشافعي وابن حنبل: عقودهم صحيحة. وقال ابن يونس: أنكحتهم عندنا فاسدة وإنما الاسلام يصححها. وقال صاحب الجواهر: لا نقرهم على ما هو فاسد عندهم إلا أن يكون صحيحًا عندنا، وما هو غير فاسد عندهم، وإن كان فاسدا عندنا، نقرهم عليه، ترغيبا في الاسلام. قال شهاب الدين: وضابط مذهب مالك ﵀ أن كل مفسدة تدوم كالجمع بيْن الأختين، أو لا تدوم لكن أدركه الاسلام كالزواج في العِدة فيُسْلِم فيها فهو يَبْطل، وإن عَرِي نكاحهم عن هذين القسمين صحّ بِالاسلام. قال شهاب الدين: القوُل بأن أنكحتهم فاسدة، مشكل، فإنه إن كان لِلْولاية فولاية الكافر صحيحة، (٤٠) وإن كان للشهادة فالشهادة ليست بشرط في الصحة، وإنما هي شرط في الدخول. ثمّ لو قلنا: إنها شرْط فأشهَدَ أهلُ الذمةِ المسلمين، فينبغي أن تصح (٤١)، وكذلك إن قلنا: التحريمُ للصداق حيث يكون خمرًا أو خنزيرا، فينبغي أن يصحّ، وإن لم يكن شيئا (٤٢) مما يحْرُمُ فلا ينبغي الإِطلاق بفساد أنكحتهم.

стр. 528

قلت: لا يَبْطُلُ القوُل بفسادها لأجل ما ذكِر، فلعلها كانت فاسدة من حيث إنها وقعت ممن لا تكون أفعاله يقصِدُ بها موافقةَ الشرع وامتثالَه. ثم يؤيد القضاءَ بالفساد حديثُ غيلانَ، اذْ خُيِّرَ في أرْبع وأن يفارق سائر العَشْر، ولم يُذكَر له تفريق بين الأوائل والأوَاخر (٤٣) - وعلى القول بالصحة كانَ يجب أن يُّسقِط الستّ الحاصلات بعْد الأربع، وأن يسقط البنت الجائية على الأم، والأم الجائية (٤٤) على البنت، ولم يُفَصَّلْ له في هذا شيء، بل قيل له: إخْتَرْ أربعا، فكان ذلك مقوّيًا لمَا قلناه من الفساد. لا يقال: نكاح غيلان كان في فور واحد، وكانَ لم يتزوج أمَّا وبنتا في ذلك، لأنا نقول: الاصل عدم عِلْم رسول الله ﷺ بتفصيل الحال، وحيث أجاب على العَشْر بذلك دون استفسارٍ دلَّ على ما قلناه، وأنه الحكم الوارد على كل من أسلم على أكثرَ. مِن أربع كيف كُنَّ، فكان دالًّا على الفساد، والله أعلم. ولما كان شهاب الدين ﵀ يرى صحة أنكحتهم ويُضْعِف القوْل بفسادها، أجاب عمّا قلناه بأن قال: إطلاق الخِيارِ في الحديث يحتمل وجهين: أحَدُهما أن تكون الأنكحة فاسدة كما قلتُ.

стр. 529

الثاني أن تكون المفسدات الواقعة في الكفر لا تتعين (٤٥)، كما تقدم في مذهبنا أنهم لو اعتقدوا غَصْب امرأة أوْ مجردَ رضاها بغير عقد ثم أسلموا على ذلك أقررناهم عليه، فهكذا كونها خامسةً ونحو ذلك، فاسد في الإسلام، وإذا فارق الكفرَ اعتبره (٤٦) صاحبُ الشرع، ترغيبا في الإسلام. قال: وإذا احتمل الامرْين لَمْ يَلزَم ما ذكرته من فساد العقود بل ذلك يدل على التخيير فقط. قلت: حديث غيلان يدل دلاة قوية على أن الانكحة في الكفر فاسدة ولابد، وما قاله تَكلُّف وشئٌ صعْب (٤٧) وغير ظاهر، فالحقُّ ما عليه المذهب (٤٨)، الله أعلم.

стр. 530

القاعدة الحاديةَ عشْرةَ: لِمِ كان للرجل أن يتزوج الإماء التي لغيره عند شرط ذلك، ولم يكن للمرأة الحرّة أن يتزوجها عبد لغيرها، ولا للرجل أن يتزوج إماءه، ولا للنساء أن يتزوجن عبيدهن (٤٩)، فأقول: قال شهاب الدين: الفرق ينبني على قواعد: القاعدة الأولى أنَّ كل تصرف لا يترتب عليه مقصودُه لا يُشْرَع، ولذلك لا يُحَد المجنون بسببط الجناية في الصحة. ولا يُشْرَع الِّلعَانُ لنفي النسب في حق المجبوب، ونظائر هذا كثير، فلهذه القاعدة لا يُشرَع نكاح الرجل أمتَه، لأن مقاصد النكاح حاصلة قبل العقد بالمِلك، ولم يُحَصِّلْ العقدُ شيئا" فلم يُشرع العقد له في أمَته .. قلت: القاعدة صدَقتْ على المجنون أنه لا يحدُّ من حيث إن القصد بالحد الزجرُ، والزجر في حق المجنون لا يصح، ليس كذلك. المثال الآخرُ وقع لنفي النسب، ونفْيُ النَّسَب معلوم أنه للمجبوب، فلا فائدة في شرع اللعان، وإنما هو من طريق آخر، وهو أشبه بمسألتنا من حيث إن
следующие страницы →