متروك باتفاق، فيبقى ليس دليلا على ما قلتم، بِأوْلَى من أن يكون دليلا على ما قلنا، واللهُ أعلم.
المسألة الثانية: الأختان بملك اليمين، قال عمر ﵁: حَرَّمَتْ الجمعَ بينهما آية، (٣٧) وأحَلَّتْ ذلك آيةٌ، (٣٨)، وهذا لأن كل آية، أعمُ من الأخرى بوجْهٍ، وأخصُّ منها بوجه، ولكنه رجح الفقهاء التحريم بوجوه:
أحدُها أن الأُولى سِيقتْ للتحريم، والثانية للمدح بحفظ الفرج، فلم يحصل للتحريم ما يُعَارِضه.
الثاني أن الأُولى لم يُجْمَعْ على تخصيصها، والثانية أُجْمِعَ على تخصيصها بما لا يقبل الوطء من المملوكات وما يَقبَله، لكنه يحرم إجماعا، كالذكور، وأخوات الرضاعة، ومَوْطوآتِ الآباء من الإِماء. وغيرُ المخصوص أرجح مما أُجْمِع على تخصيصه.
الثالث أن الأصل في الفروج التحريم حتى يُتَيَقَّنَ الحِلُّ، فالأُولى على وفق الأصل، ولم يتعين رجحان الثانية عليها، فنعمل بمقتضاها موافقَةً للأصل.
стр. 527
القاعدة العاشرة:
نقرر فيها ما يُقَرُّ من أنكحة الكفار وما لا يُقَرُّ . (٣٩)
قال الشافعي وابن حنبل: عقودهم صحيحة. وقال ابن يونس: أنكحتهم عندنا فاسدة وإنما الاسلام يصححها. وقال صاحب الجواهر: لا نقرهم على ما هو فاسد عندهم إلا أن يكون صحيحًا عندنا، وما هو غير فاسد عندهم، وإن كان فاسدا عندنا، نقرهم عليه، ترغيبا في الاسلام.
قال شهاب الدين: وضابط مذهب مالك ﵀ أن كل مفسدة تدوم كالجمع بيْن الأختين، أو لا تدوم لكن أدركه الاسلام كالزواج في العِدة فيُسْلِم فيها فهو يَبْطل، وإن عَرِي نكاحهم عن هذين القسمين صحّ بِالاسلام.
قال شهاب الدين: القوُل بأن أنكحتهم فاسدة، مشكل، فإنه إن كان لِلْولاية فولاية الكافر صحيحة، (٤٠) وإن كان للشهادة فالشهادة ليست بشرط في الصحة، وإنما هي شرط في الدخول. ثمّ لو قلنا: إنها شرْط فأشهَدَ أهلُ الذمةِ المسلمين، فينبغي أن تصح (٤١)، وكذلك إن قلنا: التحريمُ للصداق حيث يكون خمرًا أو خنزيرا، فينبغي أن يصحّ، وإن لم يكن شيئا (٤٢) مما يحْرُمُ فلا ينبغي الإِطلاق بفساد أنكحتهم.
стр. 528
قلت: لا يَبْطُلُ القوُل بفسادها لأجل ما ذكِر، فلعلها كانت فاسدة من حيث إنها وقعت ممن لا تكون أفعاله يقصِدُ بها موافقةَ الشرع وامتثالَه.
ثم يؤيد القضاءَ بالفساد حديثُ غيلانَ، اذْ خُيِّرَ في أرْبع وأن يفارق سائر العَشْر، ولم يُذكَر له تفريق بين الأوائل والأوَاخر (٤٣) - وعلى القول بالصحة كانَ يجب أن يُّسقِط الستّ الحاصلات بعْد الأربع، وأن يسقط البنت الجائية على الأم، والأم الجائية (٤٤) على البنت، ولم يُفَصَّلْ له في هذا شيء، بل قيل له: إخْتَرْ أربعا، فكان ذلك مقوّيًا لمَا قلناه من الفساد.
لا يقال: نكاح غيلان كان في فور واحد، وكانَ لم يتزوج أمَّا وبنتا في ذلك، لأنا نقول: الاصل عدم عِلْم رسول الله ﷺ بتفصيل الحال، وحيث أجاب على العَشْر بذلك دون استفسارٍ دلَّ على ما قلناه، وأنه الحكم الوارد على كل من أسلم على أكثرَ. مِن أربع كيف كُنَّ، فكان دالًّا على الفساد، والله أعلم.
ولما كان شهاب الدين ﵀ يرى صحة أنكحتهم ويُضْعِف القوْل بفسادها، أجاب عمّا قلناه بأن قال: إطلاق الخِيارِ في الحديث يحتمل وجهين:
أحَدُهما أن تكون الأنكحة فاسدة كما قلتُ.
стр. 529
الثاني أن تكون المفسدات الواقعة في الكفر لا تتعين (٤٥)، كما تقدم في مذهبنا أنهم لو اعتقدوا غَصْب امرأة أوْ مجردَ رضاها بغير عقد ثم أسلموا على ذلك أقررناهم عليه، فهكذا كونها خامسةً ونحو ذلك، فاسد في الإسلام، وإذا فارق الكفرَ اعتبره (٤٦) صاحبُ الشرع، ترغيبا في الإسلام. قال: وإذا احتمل الامرْين لَمْ يَلزَم ما ذكرته من فساد العقود بل ذلك يدل على التخيير فقط.
قلت: حديث غيلان يدل دلاة قوية على أن الانكحة في الكفر فاسدة ولابد، وما قاله تَكلُّف وشئٌ صعْب (٤٧) وغير ظاهر، فالحقُّ ما عليه المذهب (٤٨)، الله أعلم.
стр. 530
القاعدة الحاديةَ عشْرةَ:
لِمِ كان للرجل أن يتزوج الإماء التي لغيره عند شرط ذلك، ولم يكن للمرأة الحرّة أن يتزوجها عبد لغيرها، ولا للرجل أن يتزوج إماءه، ولا للنساء أن يتزوجن عبيدهن (٤٩)، فأقول:
قال شهاب الدين: الفرق ينبني على قواعد:
القاعدة الأولى أنَّ كل تصرف لا يترتب عليه مقصودُه لا يُشْرَع، ولذلك لا يُحَد المجنون بسببط الجناية في الصحة. ولا يُشْرَع الِّلعَانُ لنفي النسب في حق المجبوب، ونظائر هذا كثير، فلهذه القاعدة لا يُشرَع نكاح الرجل أمتَه، لأن مقاصد النكاح حاصلة قبل العقد بالمِلك، ولم يُحَصِّلْ العقدُ شيئا" فلم يُشرع العقد له في أمَته ..
قلت: القاعدة صدَقتْ على المجنون أنه لا يحدُّ من حيث إن القصد بالحد الزجرُ، والزجر في حق المجنون لا يصح، ليس كذلك.
المثال الآخرُ وقع لنفي النسب، ونفْيُ النَّسَب معلوم أنه للمجبوب، فلا فائدة في شرع اللعان، وإنما هو من طريق آخر، وهو أشبه بمسألتنا من حيث إن
стр. 531
نفي النسب هو المقصود باللِّعان وقد حصل، كما أن الوطء هو المقصود بالنِّكَاح وقد كان حاصلا بِالملْك، بخلاف المثال الأول فإن الزجر هو المقصود بالحد، وهو لا يحصل من المجنون فلم يُشرعْ الحد.
ثم إن مسألتنا إنما هي من باب اجتماع معَرِّفات على معرَّف واحد، وذلك جائز، وهذا كالبول والغائط والرج، وغيرِ ذإلث، فيجب لها الوضوء. فكما جاز اجتماع مُعَرِّفات في باب الوضوء، فَلِمَ لم يَجُزْ في باب المِلك، فليس المانع ما ذَكَر، وإنما امتنع الرجل أنْ يتزوج أمَتَه لغير هذه العلة، وليس على المعترِضِ إبداؤها.
غاية ما يقال: فمسألتنا كمسألة المَجْبُوب، فيقال: ولا هي مثلُها، لأن انتفاء النسب عن المجبوب عُرِف بدليل عقلي، وما كان يوصل إلي معرفته بالعقل لا يَحتاج الشارع إلى تعريفه.
قال شهاب الدين:
القاعدة الثانية: من مقتضى الزوجية قيامُ الرجُل على المرأة بالحِفظ والصَّوْن والتأديب لإصلاح الأخلاق، لقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ " (٥٠) والاسترقاق يقتضي قهر الساداتِ للرقيق على الأعمال، والاستيلاءَ عليهم بالاستهانة، فيتعذر لذلك أن تكون الأمَة زوجة، وأن يكون عبد المرأة زوجَها، لِتَنَاقُضِ آثار الحقوق.
قلت: التناقض إنما يلزم في تزوج المرأة عبدَها لا في تزوج الرجُل أمَته، وأيضا فاختلاف الجهات كاختلاف الذات.
قلت: القاعدة الثالثة، كل أمْرين لا يجتمعان يقدِّم الشارع أقواهما على أضعفهما، وكذلك يقتضى العقلُ والعرفُ، ثم إن الرق أقوى من النكاح لأنه سبب لاباحة الوطء والاستخدامِ ولِملْك الرقبة، والنِّكَاحُ لا يَقوَى على هذا كلِه.
стр. 532
ثم قال: وبهذه القواعد ظهر الفرق بين اجتماع النكاح والرق الكائن لغير الزوَّجين وبين امتناع اجتماعهما إذا كان الرق للزوجين.
قلت: لا يظهر بهذه القواعد الثلاثِ ما ذَكَرَ، بل انَّما ظهر من القاعدة الثانية كونُ المرأة لا تتنروج عبدَها فقط، ولم يظهر من القاعدةِ الأولى كوْنُ الرجل لا يتزوج أمَتَهُ، لِمَا قلنا: إنه من اجتماع أسباب على مُسَبَّبٍ واحد، وذلك جائز في الشرع وواقع، وما ساقها هو إلا لتصحيح ذلك.
وأما القاعدة الثالثة فما هي لتصحيح شيء من ذلك، بل هي متأخرة على صحة عدم الإجتماع، وتُفِيدُ فائدة وهي: لَمَّا كان (٥٠ م) المِلْكُ يَفسخ النكاح إذا ورد عليه ويؤَثِر فيه، ولم يكن النكاح بحيث يؤثر في الملك إذا وَرَدَ عليه، فيعْرَفُ الجوابُ عَنْ هذا بهذه القاعدة الثالثة، واللهُ أعلم.
القاعدة الثانية عشرة:
لِمَ وقع الحَجْرُ على النِّساء في الأبضاع ولم يقع الحَجْرُ عليهن في الأموال (٥١)؟ فأقول:
стр. 533
ذلك على وجوه:
أحدها أن الأبضاع أشَدُّ خطرًا وأعظم قدْرا، فناسبَ أن لا يَفوَّضَ (٥٢) إلا لكامل العقل ينظر في مصالحها، والأموالُ لا خطرَ لها بالنسبة إليها فَفُوِّضَتْ إليها.
الثاني أن شهوة الجِماع شهوة قوية تغلب على الانسان حتى تُويعَه في الأشياء الرّذيلة وهو لا يشعر بها، لقما" ﵇: "حبُّكَ الشيءَ يُعْمي ويُصِمُّ" (٥٣)، فلذلك احتيج للولي في البُضع، وبقيتْ الأموال على الأصل فى اكتفائها بنظرها.
الثالث أن المفسدة في الأبضاع بزواج غير الكفء يَتعدَّى ضَررُها للأولياء، والمفسدة المالية يقتصر ضررها عليها، فلأجْل ذلك حصل ما حصَل من الفرق.
قال شهاب الدين: وهنا مسألتان:
المسألة الأولى: قال مالك والشافعي وابن حنبل: لا يجوز عقد المرأة على نفسها ولا على غيرها من النساء، بِكرًا كانت أو ثيبا، رشيدةً أو سفيهة، أذِن لها الوليُّ أوْ لَا. وأبو حنيفة جوَّز للرشيدة أن تُزوج نفسها، واحتجّ على ذلك بوجوه:
أحدها قوله تعالى: " ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٥٤)، وكذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ". (٥٥)
стр. 534
وثانيها أنها متصرفة في مالها، ففي نفسها أوْلى، لأنها أعلَمُ بأغراضها منْ وليها.
وثالثها أن الأصل عدمُ الحَجْر على البالغ العاقل وهي كذلك فيزول الحجر عنها مطلقًا.
ورابعها قوله ﵇: "أيُّمَا امْرَأةٍ نَكَحَتْ بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (٥٦)، فمفهومه أنه إذا أذن لها جاز، وإذا صح العقد بالإذْنِ صح بغير إذن، لأنه لا قائلَ بالفرق.
والجوابُ أن النكاح حقيقة في الوطء، ونحن نقول بموجِبِهِ، أو يُحْمَلُ على التمكين من الوطء، وهو أقرب للحقيقة من العقدِ.
قلت: هذا لا يصح، لأن النكاح يُطْلَقُ على العقد شرعا، وهو على الوطء لغةً. وحمْلُ اللفظ الشرعي على مقتضاه شرْعًا أرجحُ من حمله على مقتضاه لغة. (٥٧)
стр. 535
والجواب عندي هو أن يقول: سلَّمنا أنها تَنكِح من حيث إنها تُصرِّح بالقَبُولِ (٥٧ م) إن كانت ثَيبًّا، أو تَصْمُتُ إن كانتْ بِكرًا، ولا يَلزَمُ من هذا أنه لا دخل للولي في النكاح، ولا أنها مستبِدةٌ بذلك أو غيرُ متوقفة على الولي (٥٨)، والتوقف على الولي جارٍ. (٥٨ م) قال ﵊: "لا تُزوِّجُ المرأةُ المرأةَ، ولا المرأةُ نفسَها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها" (٥٩). أخرجه الدارقطني وصحَّحه.
وعن الثاني: الفَرقُ بيْنَ الأموال والأبضاع قد أبدينَاهُ. (أي في أول هذه القاعدة).
стр. 536
وعن الثالث: الدليل دل على مخالفة الأصل في الْأبضَاع، وذلك الحديث المذكور.
وعن الرابع أن المفهوم إذا خرَجَ مخزجَ الغالب فإنه لا يكون حجةً إجماعا، وهو هنا كذلك خرج، بمنزلته "في سائمة الغنمِ الزكاةُ" (٥٩ م) - "وقد تقرَّر هذا المعنى في المفهوم عند ذكر قواعده.
قال صاحب الجواهر: لا خلاف عندنا أنها لا تكون وليةً على امرأة، ورُوي عن ابن القاسم أنها تكون ولية على عبدها وعلى من قُدِّمَتْ عليه من الذكور دون الإنات. وكان ذلك، لأن للذكَر قدرةً على التخلص من ذلك العقد، بخلاف الأنْثَى. وأيضا فإن الولاية ليستْ لطلب الكفاءة المحتاجة لتدقيق النظر.
المسألة الثانية في العفو عن الصداق:
قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾، (٦٠) قال مالك: ذلك، السيد في أمته، والأبُ في ابنته البِكْر، وقال أبو حنيفة والشافعي وابن حنبل: هو الزوج، واحتجوا بوجهيْن:
أحدهما أنه قد رُوى عن رسول الله ﷺ صريحا (٦٠ م)
стр. 537
الثاني أن الأصل يقتضى عدم تسليط الولي على مال ولِيَّتِه.
فأجبْنَا عن الأول بأنه ضعيف لا تقومُ به حجة (٦١).
وعن الثاني أن قاعدة الولاية تقتضى تصرف الولط بما هو أحسن للمولَّى عليه، وقد يكون العفو كذلك فيجوز. (٦٢)
ثم إن الآية تدل على ما قلناه بوجوه ت (٦٣)
منها أن الأصل في العطف بأو التشريكُ في المعنى. وقولهُ تعالى: "إلَّا أن يعفون"، معناه الإسقاط. وعلى رأينا يكون "أو يعفو الذي بيده عقدةُ النكاح" كذلك للإسقاط. وعلى رأيهم يكون للإثبات فلا يَحْصُل التشريك.
ومنها أن المفهوم من قولنا: إلا أن يكون كذا وكذا، تنويع ذلك الكائن إلى نوعين: والتنويع فرع الاشتراك في المعنى، ولا شِرْكة بين النفي والإِثبات، والإِسقاط والإِعطاء، وعلى رأينا، المتنوع: الإِسقاط إلى إسقاط المرأة وإسقاط الولي.
стр. 538
ومنها: لو كان المرادُ بها الازواج لقيل: إلا أن يعفون، أو يَعْفون (٦٤)، فكان يذكر الازواج بالمضمر، لأنه قد سبق ذكرهم، ولا يقع الظاهر مَوْقِعَ المضمر إلا لضرورة، أو لمعْنًى زائد، وليس شيء من ذلك هنا.
وقوله تعالى: "إلا أن يعفون" ليست الواو ضميرا، بل هي من نفس الفعل، لانه من عفا يعفو بالواو. يقال للمؤنث: يعفون كما يقال فيما أصلُهُ الياء: يرمِين، وفيما أصْلُهُ الهمرُّ: قَرأنَ.
القاعدة الثالثة عشرة
أقرر فيها ما به ينعقد النكاح، وأنه يخالف البيع فيما يُشترط فيه ، (٦٥) فأقول:
إن النكاح لا يُذكر عن أحد من العلماء أنه يقول: تكفي فيه المعاطاة، خلاف البيع فإنه قيل: تكفي المعاطاة فيه.
ثم إن العلماء في النكاح، منهم من ضيَّق فقال: لا ينعقد إلا بلفظ التزويج والنِّكَاح، لأنهما المذكوران في القرآن، قاله الشافعي وابن حنبل، وقاله أصحابنا. ذكره صاحب المقدِّمات، وقال: وفي الهبة قولان: المنعُ كمذهب الشافعي،
стр. 539
والجواز كمذهب أني حنيفة. (٦٦) ووسع صاحب الجواهر في هذا فقال: ينْعقِد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد كالنِّكَاح والتزويج والتمليك والبيع والهبة ونحوها. وقال ابن العرني في القبس: جوَّرَهُ أبو حنيفة بكل لفظ يقتضي التمليك على التابيد. وجوّزه مالك بكل لفظ يفهم منه المتناكحان مقصِدَهما.
قال شهاب الدين: ولم يستثن أبو حنيفة غير الإجارة والوصية والإحْلال. (٦٧) وجوّزه بالعجمية وإن قدر على العربية، وجوّز الجواب من الزوج بقوله: فعلاتُ. وهذه أقوال العلماء لم يقل فيها أحد جوازه بالمعاطاة كما قالوه في البيع.
والفرق مبني على قواعد:
الأولى: أن الشهادة شرط في النكاح، تحتاج إلى لفظ يقع الإشهاد عليه، والبيعُ لما لم يكن الإِشهاد شرطا فيه جوّزوا فيه المناولة.
الثانية: أن الشيء إذا عظم قدْرُه شدّد فيه الشارع ما لم يشدد فيما ليس كذلك، والنِّكَاح أمرُه أعظم من البيع، فشدد فيه مَالَمْ يشدد في البيع.
стр. 540
الثالثة أن الشرع يحتاط في الحروج من الحِرمة إلى الإباحة أكثر مما يحتاط في الخروج من الاباحة إلى الحِرمة، لأن التحريم يعتمد المفاسد، فينبغى الاحتياط له، فلا يُقْدَمُ على محل فيه المفسدة إلا بسبب قوي، فلهذه القاعدة أوقعْنا الطلاق بالكنايات وإن بَعُدَتْ، حتى أوقعه مالك بجميع الألفاظ إذا قصد بها الطلاق، ولم يجوز النكاح بكل لفظ، بل بما فيه قربٌ من مقصود النكاح، لأنه خروج من الحِرمة إلى الحل، وجوزْنا البيع بجميع الصِّيغ والأفعال الدالة على الرضا بنقل الملك، لأن الاصل في السِلَع الاباحة حتى تُملك، بخلاف النساء، الأصل فيهنَّ التحريم حتى يُعقَدَ عليهن بِمِلْك أو نكاح.
قلت: القاعدة الثالثة، قد قيدْنا عليها في موضعها ما يُضْعفها بالاعتماد على القاعدتين: الأولى والثانية. (٦٨). ثم لو سلمنا صحة الثالثة فما يتحقق بها فرقٌ، لأن الملك إذا مُلك فقد صَار الانتفاع به للغير مُحَرِّما، وانتقالُهُ للغَير بِبَيْع يُصَيِّره له مباحا، فكان ينبغي على هذه القاعدة أن محتاط الشرعُ لها (٦٩) حتي لا تجوز المعاطاة ولا يجوزَ البيع إلا بألفاظ خاصة، وليس كذلك.
القاعدة الرابعة عشرة (٧٠)
لِمَ كان المعْسِر بالدَّين يُنظَرُ، والمعْسِرُ بنفقات الزوجات لا يُنظر؟ ، أقول:
أوّلًا، حكم مالك والشافعي بالتطليق على المعْسِر بنفقة الزوجة، خلافا لأي حنيفة، فإنه لا يطلق عليه بالإعسار، ورأى أنه أولى وأحْرى من صاحب الدَّيْن، لأن بَقاء الزوجية مطلوب لصاحب الشرع، وأيضا فقياسه على النفقة في الزمان الماضي بأنَّه لا يطلق بها إجُماعا، وأيضا فإن عَجُرَهُ عن نفقة أمّ ولده لا يُوجب بيعَها وخروجُها عن ملكه، فكذلك الزوجة.
стр. 541
والجواب عن الأول أنّا لم نُلزمه النفقةَ مع الإِعسار وهو نظيرُ الإِلزام بالدَّيْن، وإنما أمَرْنا بِدفع ضرر يقدِر عليه، وهو إرسالُها في لمن ينفق عليها، وهو الجواب عن النفقة في الزمَانِ الماضي.
وأما الثالث فَرَفعُ الضرر عن أمّ الولد لَهُ طريق آخَرُ، وهو تزْويجُها، وهذا الطريق متعذر هنا، فتَعيّن الطلاق ولم يتعيَّن بيع أم الولد. ثم يتأبّد الطلاق بالإِعسار بما جاء في البخاري أنَّهُ ﷺ قال: "أفضل الصدقات مَا تَرَك غِنى، واليدُ العليا خيرٌ من اليد السفلى، وابْدَأ بمن تَعُولُ. (٧١). المرأة تقول: إمّا أن تُطعمني وإمّا أن تطلقتى، ويقول العَبْدُ: أطْعِمتى واستعمِلني، ويقُول الولد: إلَى من تَدَعُني". وأيضا يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٧٢).
قلت: كلام شهاب الدين ﵀ في هذه القاعدة هو هذا، وأولُ ذكر القاعدة والفرقِ يُشعِرُ أن النفقة لم تقع فيها إنظار، والدَّينُ وقعَ فيه. وَبسْطُ الكلام في القاعدة يُحقِق أن الإِنظار وقع في النفقة عند المعْسِرِ كما وقع في الدَّين، (٧٣)
стр. 542
من حيث اعتبارُ الزمان الماضي في النفقة، وأمُرُ الطلاق في الحال إنما هو لرفع الضرر، فلا يقال: أنظر ولا لَمْ يُنظر، والله أعلم.
القاعدة الخامسة عشرة:
لِمَ كان الثمنُ في البيع يتقرَّر بالعقد، والصَّداقُ في النكاح لا يتقرر بالعقد؟ ، هذا على قول، فإنه قد قيل: يتقرر بالعقد، وقيل أيضًا: يتقرّر النصف بالعقد . (٧٤)
فقال شهاب الدين:
سِرُّ الفرق أن الصداق في النكاح شرط الإباحة، وشأن الشرط إنما يُعتبر ثبُوتهُ عند ثبوت المشروط. وأيضا فليسَ القصد من الصَّداق المعاوضَةَ بل التجملُ
стр. 543
والمعروف، إذ لو كان القصد هو المعاوضَةَ لما جاز ذلك، للجهل بالمرأة ومُدِّةِ الانتفاع، فإنما وضيع للاباحة، فهو - إذن - لا يتقررُ لا عنل الدخول أو الموت.
قلت: لقائل أن يقول: هب أنه (أي اشتراط الصداق) للاباحة، فمن أين يلزم أن الاباحة لا تثبتُ إلا بالدخول، بل بنفس العقد حصلتْ الإِباحة، وكونُهُ لا يطأ في الوقت ليس لأنها لم يُستبحْ وطؤها كما هي إذا دخل بها، فإن أرْخى السِّتْرَ ولم يَقْرَبْها فالإباحة محقَّقة مع عدم الوطاء، فلذلك هي بنفس العقد، وعلى هذا يصير قول من قال: الصَّداق عِوَضٌ، أو شرط الإباحة، على السواء، أنه يجب بالعقد من حيث إن العقد سبب، والأصل ترتُّبُ المسبَّبَات على أسبابها.
القاعدة السادسة عشرة:
أقرر فيها الفرق بين المتداعيين شيئًا، لا يقدّمُ أحدُهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة وبين المتداعيين من الزوجين في متاع البيت يقدّمُ كل واحد منهما فيما يُشبِهُ أن يكون له (٧٥).
قال مالك: إذا اختلقا في شيء قُضِي للرجل بما شأنُهُ أن يكون للرجال، وللمرأة بما شأنُهُ أن يكون للنساء، سواءٌ كانا حُرَّيْن، أو عبدّين، أو كافريْن، أو مسلمين، أو أحدُهما يخالف الآخر في وصف من الأوصاف المذكورة، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا يُقَدَّم أحدُهما على الآخر إلا بحجة ظاهرة كسائر المدَّعين. والقاعدة لا تتقرر على مذهب الشافعي. وقال ابن القاسم: ما كان للصِّنْفيْن معًا قُسِم بينهما - بعدَ أيمانهما لاشتراكهاما في الْيَدِ. ثم اليَمينُ اخْتِلف فيه (٧٦).
стр. 544
فقال ابن يونس: يَحلِفُ من قُضي له به، وقال سحنون: ما يُعْرَف (٧٧) لاحدهما لا يَحلف، ولكن اليمين على الرجل فيما يَصلح لهما، وقاله ابن القاسم في غير المدونة، وهو ظاهر قول مالك. وقال ابن سحنون، لا يُقضَى لواحدٍ منهما بشيء إلا بعد يمينه، ثم إن اختلفا في البيت نفسه فهو للرجل، لأنه مِلْكُهُ في غالب العادة. (٧٨). قلت: العادة قد تختلف، فالغالب الآن في زماننا أن المسكن للمرأة لا للرجل. (٧٩)
قال شهاب الدين: فَوجْهُ الفرْقِ أن نقول: قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ (٨٠)، فكلُّ ما شهِدت به العادة قضِي به، لِظاهِر هذه الآية، إلا أن يكون هناك بينةُ.
قلت: الاستدلال بالآية ليس بِقَوِيٍّ (٩٠) من حيث إن العرف ينازع الخصمُ في تفسيره، ويقول: ليس المرادُ به ما ذكرتَهُ أيها المستدِلُّ.
قال شهاب الدين: والشافعي قاس أمر الزوجين على الصَّبَّاغ والعطَّار، ونحن نقول: الفرق أن الإشهاد بلان الزوجين متعذر، لأنهما لو اعتمدا ذلك، وأن من كان له شيء أشهدّ عليه، أدى ذلك إلى المنافَرَة وعدم الوداد بينهما، وربّما
стр. 545
أفضى ذلك إلى الطلاق والقطيعة، فهما معذوران في عدم الإِشهاد ومُلْجآن إلى ذلك. ولمّا ألجِيئا لعدم الإِشهاد قضينا بينهما بالعادة، وَلوْ لم يكن ذلك لانْسَدّ الباب عليهما، بخلاف العطّار والصباغ إذا كانا في حانوت واحد لا ضرورة تدعوهما لعدم الإِشهاد، فإنهما أجنبيان لا يتَألمَان من ضبط أمْوالهما بذلك.
وإن كانَا في حانوتين أو تداعيا شيئًا في يد ثالث فنقول: الفرق أن الضرورة تدعو للملابسة في حق الزوجين، فنَسْلُك (٨١) بهما أقرب الطرق في إثبات أموالهما، ولا ضرورة تدعو لملابسة العطار والصَّبَّاغ، فَجَريَا على قاعدة الدعاوى.
واستدل الشافعي أيضًا بقوله ﵇: "البينة على ما ادّعى واليمين على من أنكر" (٨١ م)، فكلُّ من ادعى من الزوجين شيئًا كان عليه البينة، لظاهر الحديث.
وجوابه أن قاعدة المدعي هو كل من كان قوله على خلاف أصلٍ أو عُرْفٍ، والمدّعي بالدَّين على خلاف الأصل، لأن الأصل براءة الذمة، والمطلوبُ، المُنْكِرُ على خلاف الأصل.
وإذا كان هذا ضابط المدعي والمدعى عليه، فإذا ادعت المرأة مِقنعَةً (٨٢) وشبههَا كان قولُها على وفق الظاهر، وقولُ الزوج على خلاف الأصل. فالزوج
стр. 546
مدّعٍ فعليه البينَة، وهي مدّعىً عليها فالقول قولها (٨٣)، فنحن نقول بموجب الحديث، لا أنه حُجِّةٌ علينا.
واحتجوا أيضًا بأن كل موضع لو كان المتداعيان امرأتين، أو رجلين لم يقدّم أحدهما على الآخر، وكذلك إذا كانا رجلا وامرأةً لم يقدّم أحدهما بالصلاحية بالقياسِ على ما إذا كان في يد ثالث، ويُؤْيِّدُ أن حُكُم اليْدِ لا يَسقُط بالصلاحية أن من كان بيدو خلخال فادّعته امرأة أجنبية فالقول قوله، وإن كان الخلخال لا يصلح من لباسه، لأجِّل أن يده عليه، فكذلك ها هنا.
والجوابُ أنه لا فرق عندنا بين المرأة والرجل، وبين الرجُلين والمرأتين، وبين اليد الحُكمية والشاهدة. فلو تعلق رجل وامرأة بخلخال، وأيديهما جميعا عليه يتجاذبانه، قضينا به للمرأة مع يمينها، لأجل ظاهر الحال من جهة الصلاحية، ولو تجاذبا سيفًا كان للرجل مع يمينه. وأما إذا كان بيد ثالث فليس لاحدهما عليه يد، خلاف مسألتنا فإن المستند عندنا اليمينُ مع الصلاحية.
فإن قالوا: ما ذكرتموه يَبْطُل بأن ما يصلحُ لهما يكون للزوج، مع أنه لا ظاهر يشهد له، ويَدُ كُلَّ واحد منهما عليه، فقد رجحتم من غير مرجِح. قلنا: بَلْ يد الزوج
стр. 547
أقوى وهو (٨٤) المرجِّح، لأن المرأة في حوزه وتحت يده، والدارُ له، ألا ترى أنه عليه أن يُسكِنها.
ووافقنا أبو حنيفة في هذه المسألة من حيث الجملة، لكنه قال: ما يصلح لهما فهو للرجل إن كان حيًّا، وإن كان ميتا فهو للمرأة. وقال محمد بن الحسن من أصحابه: هو لورثة الزوج كقولنا. وقال أبو حنيفة أيضًا: إن تداعيا شيئًا وهو في أيديهما يُشاهدُ، قسيم بينهما. وإن اختلف العطار والدّباغ في الجلد فإنه يُقَسم بينهما، فتناقض قوله في هذه الفروع، وإن كان من حيث الجملة موافقًا لنا.
وقال المُغيرة من أصحابنا: ما يصلح لهما قُسِمَ بينهما بعد أيمانهما، وسواءٌ في هذا كله اختلفا قبل الطلاق أو بعده، أو بعد خُلع أو لِعَان أو غير ذلك، أو ماتَا أو أحدُهما واختلف الورثة، كان الزوجان حُرَّيِن أو عبدّين، أوْ أحدُهما حُرًا والآخَرُ عبدا، كانت الزوجة ذِمِّية أم لا، وسواء في هذا كله كانتْ لهما عليه يدٌ شاهدة أو حُكميّةٌ، فاليدُ الشاهدة أن يكونا قابضين على الشيء فيتجاذبانه، والحكميةُ أن يكونا في الدار التي سكناها، وسواء في هذا كله الزوجان والأجنبيَّان إذا سكن رجل وامرأة في دارٍ، والله أعلم.
القاعدة السابعة عشرة:
أقرر فيها الفرق بين الوكالة والولاية في النكاح ، (٨٥) فأقول
стр. 548
إن الرِّجُل إذا وَكّل وَكِيلَين في بيع سلعة فَباعاها من رَجُلين، فإن النافِذَ من البيْعَين هو الأول، وإذا جَعلتْ المرأة أمرها لوليَيْن، فزوّجاها من رجلين كُفْؤَيْنِ فالمعتَبَرُ أوّلَهُما إن عُرِفَ، كالبيع، إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق بها. (٨٦) ولهذه المسألةِ نظائرُ يُفيتُها الدخولُ مثّلها.
فمنها امرأة المفقود، تتزوج بعْدَ الأجِّل المضروب، يُفيتها الدخول، وإن قدِم قبل الدخول كان أحقَّ بها.
ومنها المرأة تعلم بالطلاق دون الرجعة فتتزوج، ثم تَثْبُتُ رجّعة الأوّلِ، فإن دخل بها الزوج الثاني كان أحقَّ بها، ولم تُعتَبر الرِّجُعَةُ.
ومنها إذا طلَّق زوجُ الْأمة الْأمَةِ طلاقًا رجعيا فرَاجعَها في السفر، فلم تَعْلَمُ بذلك، فوطئها السيد بعد انقضاء العدة مع عدم علمه بالرجعة، كان وطء السيد مُفيتا كالوطء بالزواج.
стр. 549
ومنها امرأة الرجل يرتدُّ، فنَشكُّ في كفره بالارض البعيدة، هل هو إكراه أو اختيار؟ ، ثم يتبين أنه إكراه، وقد تزوجت امرأتُه بناء على ظاهر كُفْرِهِ، فدُخول الثاني يُفيتُها.
ومنها الزوج يُسلِمُ على عشر نِسوَةٍ، فاختار أربعًا منهن، فوجدهن ذات محارم، فإنه يرجع وختار من البواقي، فان تزوجُن ودخل بهن فوّتَهن الدخول عليه وقيل: لا يُفَوّتّهن الدخول.
ومنها المرأة تطلَّقُّ للغَيْبَة ثم يقدّمُ الزوج، فإن وجدها تزوجت ودخل بها فاتَتْ عليه، وإلَّا فلا.
ومنها المرأة تُسلم وزوجُها كافرٌ فيفرَّقُ بينهما، ثم يتبين تقدُّم إسلامه عليها، يُفيتها الدخول عليه.
وخولِفت هذه القاعدة بأربع مسائل في المذهب أيضا:
١) المرأة يُنْعَى لها زوجها ثمَّ تتبيَّنُ حياتُه وقد تزوجت، فإنه لا يفيتها الدخول، وقيل: يُفِيتها الدخول.
٢) المطَلَّقة بِسَبَبِ الإِعسار بالنفقة ثم يتين أنها أسقطتْها عنه قبل ذلك وقد تزوجت، فإنها ترجع إليه وإن دخل بها الثاني.
٣) والرجل يقول: عائشة طالق، وله امرأة حاضرة اسمها عائشة، وقال: لم أرِدْها، ولِي امرأة تسمَّى عائشة ببَلدٍ آخر وهي التي أردتُّ، فإنَّا نطلِق عليه هذه، لأن الأصل عدم امرأة أخرى، فإن تبيَّن صِدْقُه وقد تزوجتْ ودخل بها زوجها رُدَّت إليه، ولا يُفيتها الدخول.
٤) والأمَةُ تختار نفسها ثم يتبين عتق زوجها قبْلها، وقيل: يُفِيتُها.
والشافعي سَوَّى بين القاعدتين، وجعل العقد السابق هو المعتبرَ أبدأً،
стр. 550
وما بعده باطل، حصل الدخول أم لا، (٨٧) وهو القياس، فإن من شرط عقد النكاح أن تكون المرأة خالِيَةً من زوج، وهي ذات زوج، فلا يصح العقد عليها. واعتمد مالك ﵁ قضاء عمر ومعاوية وابن الزبير حيث أفاتوا المرأة بالدخول. (٨٧ م)
ووجه الحجة على الشافعي - وبه يظهر الفرق بين القاعدتين - أنَّا أجْمَعُنا على الأخذ بالشفعة، وهي إبطال أثر العقد السابق، وتسليطٌ للشفيع على إبطاله، لاجل الضرر الداخل على الشريك من توقُّع القسمة، وإذا قُضِيَ بتقديم الضرر على العقد هنالك وجب أن نقضي ها هنا بتقديم الضرر على العقد بطريق الأولى من وجّهين:
- الأول أنَّ ضرر الشفعة متوقَّع، إذ القسمة قد تحصل وقد لا، والضرر ها هنا ناجزٌ (٨٨) من حيث إن الرجل إذا اطلع على المرأة وقع له تعلق بها في الغالب، وكذلك هي أيضًا به، فلو قضينا بالفراق لأوقعنا الضرر - ولابد - بالاثنين.
- الوجه الثاني أن الشريك الشفيع يأخذ بغير عقد أضيف إليه، بل لمجرد الضرر، وها هنا الزوج الثاني معه عقد يُقابل به العقد الأول، فصار دفع ضرره معضودا بعقد، ودفعُ ضرر الشريك غيرَ معضودٍ بعقدٍ، فكان أوْلى.
فإن قلت: (٨٩) وجود هذا العقد كعدمه (٨٩ م) قلنا: هذا هو محل النزاع.
стр. 551
فإن قلت: ما الفرق بين مسألة الوليين ومسألة الوكيلين وُكِّلا على أن يُزَوّجَهُ كل واحد منهما بامرأة فزوجاه بامرأتين فدخل بإحداهما، فتبيَّن أنها خامسة، فإنها لا يُفِيتُها الدخول إجماعا، فكذلك ها هنا، والجامع بطلان العقد؟
قلت: الفرق بينهما من وجوه: (٩٠).
١) منها أن المانعَ من الصحة في الخامسة هو عقد الرابعة مع ما تَقدَّمَهُ من العقود، والمانِعُ في الولييْن عقدٌ واحد، فهو أخفَّ فسادًا، فَفَاتت بالدخول.
٢) ومنها أن الأولياء، الغالب عليهم الكثرةُ دون الوكلاء، فصوّرُ الوليين مِمَّا يكثر وقوعُها، والقول ببطلان الثاني بعد الدخول يؤدي إلى كثرة الفساد. والخامسة نادرة، فالفساد فيها، الناشيءُ عن الاطلاع والكشفِ قليل.
فإن قلت (٩١): في صورة الشفعة، الشريك مُخَيَّرٌ، وها هنا الزوج الثاني ليس مخيَّرا، بل أنتم تُعيِّنون المرأة له جَزْمًا، فقد زادت صورة الفرع المَقيسِ على صورة الأصل المقيسِ عليه بِوَصْف الملزوم، فلا يصح القياس لِتَبايُن الأحكام.
قلت: الوجه الذي وقع فيه القياس لا اختلاف فيه، لأن القياس إنما وقع وحصل اللزوم في صورة النزاع دون الصورة الأخرى لامتناع الخيار في النكاح، مخافةَ أن تكون المخدَّرات (٩٢) نزلت بالخيار، والسلع قابلة للخيار (٩٣).
стр. 552
فإن قلت: قد سَرَدُتَّ مسائل يكون الدخول فيها فَوْتًا، وذكرتَ مسائل تعارضها، فهذه القاعدة لا تتم إلا بذكر الفرق بين هذه المسائل، ولِمَ كان ذلك في الصور الاربع؟ .
قلت: بيان الفرق بين الأربعة التي نَقضتُ علينا القاعدة وبين المسائل التي قرَّرنا بها مسألة الولي أنه يخالف الوكيل، يتضخ بأن نُعَيِّن أقربَ الثمانية المذكورة للأربعة، ونبيِّن الفرق بينَهُ وبين تلك الأربعة، فيحصل الفرق بين الأربعة والثمانية، أو نُعَيّن أقرب الصور الثمانية لعدم الفوات بالدخول وأقرب الأربعة للفوات بالدخول، ويفرَّق بين هاتين الصورتين، فيكون الفرق قد حصل بين الجميع بطريق الأولى، فإنه إذا حصل باعتبار الأبعد حصل باعتبار الأقرب بطريق الأولى فنقول:
كل مسألة دخل فيها حكم حاكم، من الثمانية، فهي أقرب إلى الفوات بالدخول من الصورة التي لم يدخل فيها حكم حاك، بسَبَب أن حكم الحاك يُنَزَّل منزلة فسخ النكاح من حيث الجملة، ألا ترى إلى أبي حنيفة كيف جعل حكم الحاكم ينفذ في الظاهر والباطن حتى يصير (الحاك) محللا لمّا يحرُمُ ومحرما لما يَحل.
стр. 553
ثم أقول: الذي دخل فيه حكم حاكم، منها مسألة المفقود، ومسألة المرأة تطلق بطول الغيبة: ، ومسألة المرأة تسْلِم ثم يتبين قِدَمُ إسلام زوجها، فهذه فيها حكم الحاكم، والخمْسُ الباقيَة، منها ما يُبنى فيه على ظاهر فانكَشَفَ خلافُه، (٩٤) ومنها مَا لَم يُبْنَ فيه على الظاهر فانكشف خلافه، فالتي بُنِي فيها على ظاهر انكشف خلافُهُ، المرأة حينئذ معذورة بسبب ذلك الظاهر، ومأذُونٌ لها في الإقدام على العقد الثالي، كذلك وليُّها، خلاف ما لَا ظاهرَ فيه يقتضي بطلان العقد الأول. والتي فها ظاهرٌ، هي المرأة الحرَّة يُسْلَم بالطلاق دون الرجعة، والأمةُ يُطلقها زوجها، وامرأة المرتَدِّ، والرجلُ يُسْلم على عَشْرِ نِسْوة، فهذه أربعٌ، فيها عذر مبيح.
بقي مسألة الولي ليس فيها حكم حاكم ولا ظاهر، فهي أبعَدُ المسائل عن الفوات بالدخَول، فنُعَيِّنُها لِلْبحْث والفرق، فنقول:
المرأةُ يُنعَى لها زوْجُها، الفرق بينها وبين المسألة: مسألة الوليين، أن الموتَ شأنهُ الشُّهْرَةُ والظهور، والخطأ فيه نادر، فَيَضْعُفُ العذر، فلا تفُوتُ (٩٥) بالدخول، بخلاف المعرِفة بعقد الولي الأول على المرأة ليس اشتهاره كاشتهار الموت، فالعذر فيه قوى، فيفيت الدخول. (٩٦)
وأما مسألة الطلاق بالإعسار فالمرأة هنا ظالمة قاصدة للفساد، فناسَبَ ألَّا يَفُوتَ بالدخول، بخلاف مسألة الوليين.
وأما مسأَلة الرجلِ يقول: عائشة طالق، فالفرق أن الولي العاقِدَ العقدَ الثاني ماذون له في العقد اجْماعا، ليس له معارِض من حيث الظاهر، والمرأة لمّا تزوَجَتْ قول الرجُل: لي امرأة أخرى تُسَمى عائشة، وقع العقد عليها مع
стр. 554
معارض، (٩٧)، فكان الدخول لا يفيته، لأنه لا معارض له، ولم يكن في مسألة الوليين.
وأما الأمة تختار نفسها فالفرق بيها وبين مسألة الوليين أن زوجها متهافت عليها، قد تعلق قلبه بها لِما كان بينهما من الاتصال الغايةِ في ذلك، فروعيَ (٩٨) أمرُهُ فدم يُفِتْها الدخول، بخلاف الولي الأول لمّا زوجها لذلك الزوج لم يكن معه ما يوجب تهافتا عليها بسبب أنه لم يباشرها ولم يَرَها.
قال شهاب الدين: وبهذا يظهر الفرق بين الوليين والوكيلين في عقد البياعات والإجارات وغيرها في أن المعتبر هو الأول، التحق بالثاني تسليمٌ أم لا. وقد وقع لمالك في المدونة، والجَلَّاب، أن الوكيل والموكِّل إذا باع أحدهما بعد الآخَرِ انعقد عقد الباخ الأول، إلا أن يتصل بالثاني تسليم.
قال الأصحاب: هذا قياس على مسألة الوليين. وقال ابن عبد الحكم: لا عِبْرة بالتسليم، والفرق أن كشفَة (٩٩) النكاح مضَرَّةٌ عظيمة، بخلاف البيع، وهذا هو الصحيح، والتخريجُ مع قيام الفارق لا يصح، وهو باطل إجماعا. ثم إنى لم أجد نصًا في الوكيلين أن التسليم يُفيتُ، (١٠٠) بل في الموكل والوكيل خاصة، ولَوْ رامَ
стр. 555
مُخُرِج تخريجَ الوكيلين على الموكِل والوكيل لَتعَذَّرَ عليه، وذلك أن الموكِل الأصالة، والوكيل إنما هو نائب وفرع.
القاعدة الثامنة عَشرة:
أقرر فيها الصريح من الطلاق وغير الصريح فأقول (١٠١):
المرادُ من الصريح، الخالصُ، ومنه قولهم: لبنٌ صريح، أيْ خالص لم يخالطه شيء.
وضابط مشهورِ كلام الأصحاب أن اللفظ إنْ دلَّ بالوضع اللغوي فهو صريحٌ، وهذا هو لفظ الطلاق.
стр. 556
قال صاحب الجواهر: كيفَ تصرف هذه الصيغةُ فهي صريح، كقولك: أنتِ طالق، أو أنتِ مطلَّقة، أو قد طلقتكِ، أو أنا طالق منكِ.
والكنايةُ ما ليس موضوعًا له لغة، لكن يَحْسُن استعماله فيه مجازا، لوجود العلاقة القريبة بينهما. وما فيه علاقة بعيدة، أو لا علاقة فيه أصلا، لا بعيدةٌ، ولاقريبة، لا يسمى صريحا ولا كناية.
واختلف الأصحاب وغيرهم في لزوم الطلاق بمثل هذا اللفظ الذي ليس بصريح ولا كنايةٍ، فالمشهور عندنا لزوم الطلاق، والشافعي يقول: لا يَلزم به طلاق.
ثم إن أصحابنا، منهم من قال: هو طلاق بمجرد النية، لأن اللفظ لم يوضَعْ له، وقيل: بل هو باللفظ، وكأن المستعيلَ لَهُ وضعَه الآن له، وهو بعيد، لأن انشاء الوضع لا يخطر ببال الناس في العادة عند الاستعمال. ومن قال: لا يلزم، فلأنه يقول: الطلاق بمجرد النية لا يكون، ليس ها هنا إلا النيةُ، إذ اللفظُ لم يوضع لذلك لا مجازا ولا لغة. (١٠٢)
ثم هذا البحث يتوقف على معرفة اللغاتِ: هلْ هي توقيفيَّة أوْ اصطلاحية؟ فإن قلنا: توقيفية، فلا يجوز ذلك، وان قلنا اصطلاحية، جاز ذلك. والصحيحُ عدم الجزم بشيء من ذلك لا بالتوقف ولا بالاصطلاح،
стр. 557
فعلى هذا، اللفظُ يكون صريحا وكناية وعاريا عنهما (١٠٢ م).
ثم الكناية تنقسم إلى ما غلَب استعماله في العُرف في الطلاق فيُلْحَق بالصريح، لاستغنائه عن النية، قال في الكتاب: نحو الخلية والبريَّة (١٠٣)، وهذا لِلَحَاق العرف بالصريح، وما لم يغْلب استعماله في الكنايات فهو مجاز على أصْله، والمجاز يفتَقِرُ إلى النية الناقلة عن الحقيقة إليه، لأنها الأصل ولم ينسخها عرف.
ثم المنقولُ من الكنايات قد ينتقل لِأصْل الطلاق فقط، فيصير مثل أنت طالق في اللغة، يلزم به طلقةٌ رجعية، وقد ينتقل لأصل الطلاق والبينونة مع وصف العدد الثلاث، فيلزم به الطلاق الثلاث، ويصير النطق بذلك عرفا كالنطق بقوله أنت طالق ثلاثًا، لغة.
ثم إنّه قد يُستعمل في غير الثلاث غالبا، وفي الثلاث نادرا، فمن الناس من يقصد الاحتياط فيحمله على الثلاث، ومنهم من يحمله على الغالب فيلزم به طلقة واحدة، وهذا هو سبب الخلاف، ولهذا يرجع اختلافهم في مسألة الحرام.
فمن قائل: لم يحصل فيها نقْلُ البتةَ، فهي كذبٌ، فلا يلزم بها شيء إلا بالنية، ومِن قائلٍ: حصل النقل ولكن لأصل الطلاق، ومِن قائلٍ: النقل حصل للطلاق الثلاث، هذا تلخيص ما عليه الفقهاء.
стр. 558
تنبيه:
الطلاق لإزالة مطلق القيد كما تقدم (١٠٤)، ومطلق القيد أعم من قيد النكاح، والقاعدة أن الدال على إزالة الأعَمِّ دالٌ على إزالة الأخصِّ بالالتزام لا باللفظ، فليس الطلاق موضوعا لإزالة خصوص قيد النكاح كما يُفهَم من كلامِ الفقهاء، بل التحقيق أن يقال: الطلاق موضوع لإزالة كل قيد حتى يندرج فيه قيد النكاح. وإذا كان كذلك فطالقٌ لا يدل على زوال العصمة مطابَقَةً ولا التزاما بحسب اللغة، والحقُّ أنه دل على ذلك عرفا لا لغة. والى هذا مال الشافعي رضى الله عنه، واستدل على هذا بورود ذلك في كتاب الله تعالى. واعترضه شهاب الدين هُنا بأن قال: الورودُ في الكلناب لا يكون دليلا على ذلك. (١٠٥)
قلت: مراد الشافعي أن استعمال هذا اللفظ في كتاب الله يَتعيَّنُ له بذلك حمله على الكلام الشرعى. على أن القاعدة أن الشارع إذا نطق بلفظ له معنى لغوى وله معنى شرعى ترجَّحَ حملُه على المعنى الشرعي وكان أرْجَحَ، فإذا كان مراد الشافعي هذا، فقوله صحيح، ولا اعتراض يَرِدُ عليه، والله أعلمُ.
قال شهاب الدين ﵀: فإذا فرَّعنا على العرف لا على اللغة فينبغي أن لا يكون الإِنطلاق صريحا وإن كان فيه الطاء واللام والقاف، وفيه معْنى إزالة
стр. 559
القيد، لأن المشتهِر هو الطلاق دون الانْطِلاق، وكذلك أطلَقْتُكِ وانطلقتُ منك، وانطلقِي منى وأنتِ مُنْطلقة. (١٠٦)
وخَالف أبو حَنيفَة وأحمدُ بن حنبل في أنا طالق منك، لأنه ليس محبوسا بالنِّكَاح، بل هي المحبوسة، وقياسًا على قوله: أنا طالق، ولو كان محلا للطلاق لوقع، ولأن الرجلَ لَا يوصفُ به. (١٠٧)
تنبيه:
ليس في أصل اللغة ما يقتضِي طلاق المرأة الْبتَّةَ ولا لفظةٌ واحِدَةٌ، وهذا شيء لَا يكاد يَخطر بالبال.
وبيانُه أنه إذا قال: أنتِ طالق ثلاثًا فهذا أعظم ما يُتوَهم أنه صريح لغة، وليس كذلك، بل هو لا يوجب طلاقا البتَّة، من حيث إن اللغة إنما تقتضي أن هذه الصيغة وضَعَهَا العرب للإِخبار، ومقتضَى ذلك أنه خبرٌ كذبٌ، فلا عِبْرَةَ به، ومن ها هنا افترق الناس فرقتين، ففِرقةٌ قالت: هي إخباراتٌ، لكن الشرع قدّر وقُوع مُخْبَرِها قبْلَ النطق بها بالزمن الفرد، لضرورة تصديقه، قال هذا الحنفيةُ، وهذا المعنى ارتكبوه في جميع صيغ العقود. والفريق الآخر - وهُمْ المالكية والشافعية - يقولون في هذه الصِيغُ انتقلت من الخبر إِلى الإِنشاء، نقَلَها العُرفُ،
стр. 560
ويلزَم الطلاق بالإنشاء، فلو قصد الخبرَ وعدَل عن الإِنشاء لَمَا لزِم بها طلاق. (١٠٨)، وعلى هذا فلا لفظة لغويةٌ تقتضي الطلاق من حيث هي لغوية.
ثم يلزم أنه لا صريح أصلا على مذهب الحنفية حتى لا يكون إلا بنيَّةٍ، لأنه في اللغة إنما دل على إزالة: القيد مطلقًا لا على إزالة قيْدِ النكاح. وعلى مذهبنا يكون ضابط الصريح ما نُقِلَ إلى الإِنشاءِ في ازالة قيد النَّكاحِ ولا يحتاج إلى نية، وما لم يَصِرْ بالنقل كذلك فهو كناية إن كان مَجازًا لِعَلاقةٍ، ومالا علاقة فيه ليس بصريح ولا كنايةٍ. ثم يلزم أن النقل إنما هو من قِبَلِ العرف (١٠٨ م) وعلى هذا فإذا تحوّل العرف فقد يصير الصريح كناية والكناية صريحا، وعلى هذا يَحْرُم على المُفتي أن يفتي إلا بعْدَ معرفةِ العرف في ذلك البلد وفي ذلك الزمان، وإن لم يفعل هذا فقد أفتى بالباطل، واللهُ أعلم.
القاعدة التاسعة عشرة:
أُقرر فيها ما يُشترَط في الطلاق من النية وما لا يُشْترَط . (١٠٩)
إعْلَم أن النية شرط في الصريح إجماعًا، وليستْ شرطا فيهِ إجماعا، وفي اشتراطها فيه قولان، وهذا هو تحصيل الكلام الذي في كُتب الفقهاء، وهو ظاهر التناقضِ، ولا تناقضَ فيه.
стр. 561
فحيث قال الفقهاء: إن النية شرط في الصريح فيريدون العَمْدَ لإنشاء الصيغة، احترازا من سبق اللسان لما لم يَقصِد، كأن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانُه، فيقول لها: يا طالق، فلا يلزمه شيء، لأنه لم يقصد اللفظ. وحيث قالوا: النية ليست شرطا في الصريح، فمرادهم القصد لاستعمال الصيغة في معنى الطلاق، فإنما لا تشترط في الصريح إجماعا، وإنما ذلك من خصائص الكنايات أن يُقصد بها معنى الطلاق، وأمّا الصريح فلا.
وحيث قالوا: في اشتراط النية في الصريح قولان، فيريدون بالنية هنا الكلامَ النفسي، فإنهم يطلقون النية ويريدون الكلام النفسي، وهو المراد من قولهم: في الطلاق بالنية قولان، أي بِالكلام النفسي، وإلا فمَن قصَدَ وعزم على طلاق امرأته لا يلزمه بذلك طلاق إجماعا، وإنما المرادُ إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني، فيعبرون عنه بالنية، وعبَّر عنه ابن الجلاب بالاعتقاد بقلبه فقال: ومن اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه ففي لزوم الطلاق له قولان، والاعتقاد لا يلزم به طلاق إجماعا، (١١٠) وإنما المراد الكلام النفسي، فالمشهور اشتراطه كما قال أبو الوليد في المقدمات، وأنه إذا طلق بلسانه فلا بد أن يطلق بقلبه، فظَهَرَ أنه لا تناقض فيما قالوه، وأنما أحْوالٌ مختلفة، وتتضح هذه القاعدة بمسائل:
المسألة الأولى.
قال مالك في المدونة: لو أراد التلفظ بالطلاق فقال: إشْرَبي أو نحوَه، فلا شيء عليه، حتى ينوي طلاقها بما يلفظ فيجتمع اللفظ والنية، فلو قال: أنتِ طالق البتَّة ونِيَّتُهُ واحدة، فسبَقَ لسانه البتةَ لزمه الثلاث، قال سحنون: إذا كان عليه بينة، فلذلك لم يُنَوِّه، يريد أن اللفظ وحده لا يلزم به الطلاق،
стр. 562
وهو لم توجَدْ منه نية ح لفظه الثلاث، فلذلك لا يَلزمَه ثلاثث في الفتيا، ويَلزمَه الثلاث في القضاء، بِنَاءً على الظاهر.
المسألة الثانية:
إذا قال: أنت طالق ونَوَى من وِثاقِ وِلايَتِهِ، وجاء مستفتيا طُلّقتْ، كقوله أنتِ بريَّةٌ ولم ينْوِ به طلاقا، ويوخَذُ الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم، إلا أن تكون قرينةٌ مصدِّقَةٌ. قال صاحب التنبيهات (١١١): وقيل: يُدَيَّن إلا أن يكون
стр. 563
جوابا، وَهُوَ مذهب الكتاب، (١١٢) قال: ويتخرَّجُ (١١٣) من هذه المسألة إلزامُ الطلاق بمجرد اللفظ، ومن قوله في الذي أراد واحدة فسبقَ لسانه للبتة، ومِنْ هَزْلِ الطلاق أيْضا. ويوخذ اشتراط النية من غير المسألة، من الكتاب، يعنى من قوله: أنت طالق، وأراد تعليقه ثم بَدَا لهُ، فلا شيء عليه، قال أبو الطاهر: لا يلزمه في الفُتْيا طلاق، ونظيره من لَه أمهٌ وزوجَةٌ، اسم كل واحدة منها حِكمة، وقال: حكمةُ طالق، وقال: نوَيْتُ الأَمَة، لا يلزمه طلاق في الفُتْيا اتفاقا، فينبغي أن يُحمَل في مسألة الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتيا.
وأما قوله: وجاء مستفتيا - وان أوْهم اللزوم في الفتيا - فمُعارَضٌ بقوله: يوخذ الناسُ بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم. والأخْذ إنما يكون للحاكم دون المفتي، وكذلك اشتراطه القرينةَ، فإن المفتي يتبع الأسباب والمقاصد دون القرائن، وإلا فيلزم مخالفة القواعد، ويتعذر الفرق بين هذه وبين ما ذكر من النظائر.
стр. 564
المسألة الثالثة
إذا قال: أنتِ طالق أو طلقتك ونوَى عددًا لَزِمَهُ، ووافقَنَا الشافعي.
وقال أبو حنيفة ﵁: إذا نَوَى الثلاث لزمه واحدة رجعية، لأن اسْمَ الفاعلِ لا يقيد إلا أصْل المعنى، فالزائد يكون بمجرد النية، والنية لا توجب طلاقا.
وجوابه أن لفظ "ثلاثًا" إذا لفظ به تميز المراد باللفظ، نحو قوله: قبضت عشرين درهما، فقوله: درهما يفيد اختصاص العدد بالدراهم وإن كان لا يدل عليه لغة، فكذلك ثلالا يخصص اللفظ بالبينونة، وكل ما كان يحصل مع المفسِّر وجب أن يحصل قبله، لأن كل ما كان بيانا لمجمل يعدُّ منطوقا به في ذلك المُجْمَل، فكذلك ها هنا (١١٣ م) والله أعْلمُ.
القاعدة العشرون:
في الفرق بين قاعدة التصرفِ في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين ما لا يمكن أن يتقرر في الذمة . (١١٤)
стр. 565
إعْلَمْ أن مالكًا وَأَبَا حنيفة ﵄ اتفقا على جواز التعليق في الطلاق والعتاق قبل النكاح وقْلَ الملك، كأنْ يقولَ: إن تزوجتكِ فأنتِ طالق، وإن مَلَكْتُك فأَنتَ حُرٌّ. وقال الشافعي: لا يلزمه شيء من ذلك، وقال: وكذا (١١٥) إن قال: إن ملكتُ دينارا فهو صدقة، وهكذا في برع ما يمكن أن يتعلق به التسليم في الذمة في باب المعاملات فيلزم، فَتمَسَّكَ الأصحاب بوجوه:
أحدُها القياس على النذر في غير المملوك، بجامع الالتزام بالمعدوم.
وثانيها قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" (١١٦)، والطلاق والعتاق عَقدانِ عقدهما على نفسه يجب الوفاء بهما.
وثالثها قوله ﵇: "المؤمنون عند شروطهم"، (١١٧) وهذان شرطان، فوجب الوقوف عندهما.
وأجاب الشافعية (عن الأول) بأن النقدين والعروض يمكن أن تثبت في الذم، فوقع الإلتزَامُ بناء على ما في الذمة، والطلاق والعتاق لا يثبتان في الذمم،