فحيث قال الفقهاء: إن النية شرط في الصريح فيريدون العَمْدَ لإنشاء الصيغة، احترازا من سبق اللسان لما لم يَقصِد، كأن يكون اسمها طارقا فيناديها فيسبق لسانُه، فيقول لها: يا طالق، فلا يلزمه شيء، لأنه لم يقصد اللفظ. وحيث قالوا: النية ليست شرطا في الصريح، فمرادهم القصد لاستعمال الصيغة في معنى الطلاق، فإنما لا تشترط في الصريح إجماعا، وإنما ذلك من خصائص الكنايات أن يُقصد بها معنى الطلاق، وأمّا الصريح فلا.
وحيث قالوا: في اشتراط النية في الصريح قولان، فيريدون بالنية هنا الكلامَ النفسي، فإنهم يطلقون النية ويريدون الكلام النفسي، وهو المراد من قولهم: في الطلاق بالنية قولان، أي بِالكلام النفسي، وإلا فمَن قصَدَ وعزم على طلاق امرأته لا يلزمه بذلك طلاق إجماعا، وإنما المرادُ إذا أنشأ طلاقها بكلامه النفسي كما ينشئه بكلامه اللساني، فيعبرون عنه بالنية، وعبَّر عنه ابن الجلاب بالاعتقاد بقلبه فقال: ومن اعتقد الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه ففي لزوم الطلاق له قولان، والاعتقاد لا يلزم به طلاق إجماعا، (١١٠) وإنما المراد الكلام النفسي، فالمشهور اشتراطه كما قال أبو الوليد في المقدمات، وأنه إذا طلق بلسانه فلا بد أن يطلق بقلبه، فظَهَرَ أنه لا تناقض فيما قالوه، وأنما أحْوالٌ مختلفة، وتتضح هذه القاعدة بمسائل:
المسألة الأولى.
قال مالك في المدونة: لو أراد التلفظ بالطلاق فقال: إشْرَبي أو نحوَه، فلا شيء عليه، حتى ينوي طلاقها بما يلفظ فيجتمع اللفظ والنية، فلو قال: أنتِ طالق البتَّة ونِيَّتُهُ واحدة، فسبَقَ لسانه البتةَ لزمه الثلاث، قال سحنون: إذا كان عليه بينة، فلذلك لم يُنَوِّه، يريد أن اللفظ وحده لا يلزم به الطلاق،
стр. 562
وهو لم توجَدْ منه نية ح لفظه الثلاث، فلذلك لا يَلزمَه ثلاثث في الفتيا، ويَلزمَه الثلاث في القضاء، بِنَاءً على الظاهر.
المسألة الثانية:
إذا قال: أنت طالق ونَوَى من وِثاقِ وِلايَتِهِ، وجاء مستفتيا طُلّقتْ، كقوله أنتِ بريَّةٌ ولم ينْوِ به طلاقا، ويوخَذُ الناس بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم، إلا أن تكون قرينةٌ مصدِّقَةٌ. قال صاحب التنبيهات (١١١): وقيل: يُدَيَّن إلا أن يكون
стр. 563
جوابا، وَهُوَ مذهب الكتاب، (١١٢) قال: ويتخرَّجُ (١١٣) من هذه المسألة إلزامُ الطلاق بمجرد اللفظ، ومن قوله في الذي أراد واحدة فسبقَ لسانه للبتة، ومِنْ هَزْلِ الطلاق أيْضا. ويوخذ اشتراط النية من غير المسألة، من الكتاب، يعنى من قوله: أنت طالق، وأراد تعليقه ثم بَدَا لهُ، فلا شيء عليه، قال أبو الطاهر: لا يلزمه في الفُتْيا طلاق، ونظيره من لَه أمهٌ وزوجَةٌ، اسم كل واحدة منها حِكمة، وقال: حكمةُ طالق، وقال: نوَيْتُ الأَمَة، لا يلزمه طلاق في الفُتْيا اتفاقا، فينبغي أن يُحمَل في مسألة الوثاق على اللزوم في القضاء دون الفتيا.
وأما قوله: وجاء مستفتيا - وان أوْهم اللزوم في الفتيا - فمُعارَضٌ بقوله: يوخذ الناسُ بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم. والأخْذ إنما يكون للحاكم دون المفتي، وكذلك اشتراطه القرينةَ، فإن المفتي يتبع الأسباب والمقاصد دون القرائن، وإلا فيلزم مخالفة القواعد، ويتعذر الفرق بين هذه وبين ما ذكر من النظائر.
стр. 564
المسألة الثالثة
إذا قال: أنتِ طالق أو طلقتك ونوَى عددًا لَزِمَهُ، ووافقَنَا الشافعي.
وقال أبو حنيفة ﵁: إذا نَوَى الثلاث لزمه واحدة رجعية، لأن اسْمَ الفاعلِ لا يقيد إلا أصْل المعنى، فالزائد يكون بمجرد النية، والنية لا توجب طلاقا.
وجوابه أن لفظ "ثلاثًا" إذا لفظ به تميز المراد باللفظ، نحو قوله: قبضت عشرين درهما، فقوله: درهما يفيد اختصاص العدد بالدراهم وإن كان لا يدل عليه لغة، فكذلك ثلالا يخصص اللفظ بالبينونة، وكل ما كان يحصل مع المفسِّر وجب أن يحصل قبله، لأن كل ما كان بيانا لمجمل يعدُّ منطوقا به في ذلك المُجْمَل، فكذلك ها هنا (١١٣ م) والله أعْلمُ.
القاعدة العشرون:
في الفرق بين قاعدة التصرفِ في المعدوم الذي يمكن أن يتقرر في الذمة وبين ما لا يمكن أن يتقرر في الذمة . (١١٤)
стр. 565
إعْلَمْ أن مالكًا وَأَبَا حنيفة ﵄ اتفقا على جواز التعليق في الطلاق والعتاق قبل النكاح وقْلَ الملك، كأنْ يقولَ: إن تزوجتكِ فأنتِ طالق، وإن مَلَكْتُك فأَنتَ حُرٌّ. وقال الشافعي: لا يلزمه شيء من ذلك، وقال: وكذا (١١٥) إن قال: إن ملكتُ دينارا فهو صدقة، وهكذا في برع ما يمكن أن يتعلق به التسليم في الذمة في باب المعاملات فيلزم، فَتمَسَّكَ الأصحاب بوجوه:
أحدُها القياس على النذر في غير المملوك، بجامع الالتزام بالمعدوم.
وثانيها قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" (١١٦)، والطلاق والعتاق عَقدانِ عقدهما على نفسه يجب الوفاء بهما.
وثالثها قوله ﵇: "المؤمنون عند شروطهم"، (١١٧) وهذان شرطان، فوجب الوقوف عندهما.
وأجاب الشافعية (عن الأول) بأن النقدين والعروض يمكن أن تثبت في الذم، فوقع الإلتزَامُ بناء على ما في الذمة، والطلاق والعتاق لا يثبتان في الذمم،
стр. 566
والتصرف يعتمد موجودا معَيَّنا أو ما في الذمة، فإذا انتفيا معا بطل التصرف، ألا ترى أن البيعَ إذا لم يكن على معيَّنٍ ولا في الذمة فإنه يبطل، كذلك ها هنا.
وعن الثاني أن قوله تعالى: "أوفوا بالعقود" أمرٌ بالوفاء بالعقود، والأوامر لا تتعلق إلا بمعدوم مستقبل، والعقدُ قد وقع وصار ماضيا، فلا يصح أن يتعلق الامر بالوفاء به، فتعيَّن أن الأمر متعلق بالوفاء بمقتضاه، والتقدير أوفوا بمقتضيات العقود، ونحن نقول بموجبه. ولكن النزاع في مقتضاه ما هو، هل لزوم الطلاق أم لا؟ فلا يحصل المقصود من الآية للخصم، وهذا هو الجواب عن الحديث، فإنَّ الكون عند الشروط إنما هو ضد الوفاء بمقتضاها، وكوْن الطلاق من مقتضاها هو محل النزاع.
وللمالكية أن يجيبوا عن هذين الجوابين بأن مُقتضَى العقد ومقتضَى الشرط هو ما دلَّ اللفظ عليه لغة لا شرعا، إذ هو صورة النزاع، ونحن إنما نتمسك بالمقتضَى اللغوي. ولا شك أن المقتضَى اللغوي في العقد والشرط هو لزوم الطلاق، فوجب أن يكون متعلَّق الأمر في الآية والحديث، هو لزومَ الطلاق، فوجب أن يكون متعَلِّق الأمْر في الآية والحديث، وهو المطلوب.
ولكنه يردُ إشكال على مالِكٍ وأبي حنيفة، وذلك من حيث قاعدة مقررة، وهي أن كل سبب شرعه الله لحكمة لا يشرعه عند عدم تلك الحكمة. وهَاهُنَا من قال بشرعية الطلاق والعتاق في التعليق، فقد التزم شرعيته مع انتفاء حكْمَتِه، وكان يَلزَم ألَّا يصح العقد البتَّة، لكن العقد صحيح إجماعا، فدل ذلك على عدم لزوم الطلاق تحْصِيلا لحكمة العقد. وأما وجوب نصف الصداق وغير ذلك ممّا يتوقَف على هذا العقد فأمور تابعة لمقصود العقدَ، لا أنها مقصود العقد، فلا يُشرَعُ العقد لأجلها. وحيث أجمعْنا على شرعيته دل ذلك على بقاء حكمته، وهو بقاء النكاح المشتمل على مقاصده، وهذا موضعُ مشكل على أصحابنا (١١٨)، (فتأمّلْه).
стр. 567
قلت: لقائل أن يقول: للنكاح مقاصِدُ أوائل وثواني، فإن كانت المقاصد الاوائل قد عُدمت في نكاح التعليق فالثواني لم تُعدم. ومنها أيضا تَصير بذلك النكاج شهرةٌ للولد والوالد، وحيث يَثبتُ له مقصدٌ مَّا، ليس لأنه عَرَضَ بعد ذلك، بل بنفس العقد حصل هذا، فشَرْعِيَّتُهُ صحيحة، لثبوت حِكْمته، ولا يلزَم ما قاله من أن الطلاق لا يلزم، والله أعلم.
القاعدة الحادية والعشرون (١١٩)
إعْلم أن المطلَّقة يمضي - قبل علمها بالطلاق - أمدُ العدة، لا يلزمُها استئنافها، ويكتفى في العدة بما تقدم. والمُرْتابَةُ يتأخَّرُ حيضها ولا تَعلَم له سببا، تمكث عند مالك، ﵀ تسعة أشهر، غالب مدة الحمل، استبراءً، فإن حاضت في خلالها اعتبَرتُ ذلك قُرْءا، ثم كذلك تتظر الحيض أو تسعة أشهر، فإن لم تَحِضَ وانقرضت تسعةُ أشهر إعتدّت بذلك ثلاثةَ أشهر، لأنه طُهْرٌ يأتيها بالتسعة، فإن حاضت في الاشهر الثلاثة ولو قبل تمام السنَة بلحظة، فإنْ لم تر حيضا حتَّى تمَّت السنةُ تمَّتْ عِدتُها.
والأصل في ذلك لمالك قول عمر ﵁: أيُّمَا امرأةٍ طُلِّقت فحاضتُ حيضة أو حيضتين ثم رُفعتُ عنها حيضتها فإنها تنتظر تسعةَ أشهر، فإن بانَ بها حمْل فذلك وإلَّا اعتدَّتْ بعد التسعة بثلاثة أشهر، ولأنهن بعد التسعة ييأسْنَ من المحيض، إذ لو كان لظهر غالبا. وقال الشافعي وأبو حنيفة: تنتظر الحيض إلى سنّ اليائسة.
فإذا تقرر هذا فيقال: ما الفرق بين المعتدة يمضي لَها تِسعةُ أشهر؟ ، يُقَالُ: قد انقضت عِدتها، وتُعتبَرُ الثلاثة بِمُضي التسعة، والمُرتابة في الاستبراء
стр. 568
تمضي لها تسعة أشهر لا يُعتبر لها ثلاثةُ أشهر في تلك التسعة، بل تُؤْمَرُ باستئناف ثلاثة أشهرٍ، تكملةَ السنة. فالجواب أن العِدَّة مُرتَّبَةٌ على سببها، وذلك الوفاة أوْ الطلاق لا على العلم بها، فلا يُحتاجُ إلى استئناف عِدة، بل تكون عدَّتها من حين الوفاة أو الطلاق وإن لم تعلم بها، لأن من شرط المسبَّب أن يتأخر عن سببه وقد حصل.
وأما مسألة الاستيراء فالعدة بالأشهر التي ارتابت، ما كان ذلك لها إلا بسبب اليَأس، ولم يحصل اليأس إلا بعدّ تسعةِ أشهر، فلأجْل ذلك استانفت ثلاثة أشهر. إذ سببُ العِدة بالأشهر اليأسُ، وهو لم يحْصلُ قَبْل تسعة أشهر. وإنما حصل بعد تمامِها. واللهُ أعلم، فظهر الفرق بينهما.
القاعدة الثانية والعشرون:
في الفرقِ بين العدة والاستياء حتَّى كانت العدة تجب وإنْ عُلِمَ برآةُ رحِمِهَا، والاستبراءُ لا يجب إذا عُلِمَ برآة رحمها، (١٢٠) فنقول:
كان ذلك من حيث إن الاستيراء معقُول المعنَى، ما شُرع إلا ليحصُل تحقق برآةِ الرحم، فإذا حصل فأيُّ حاجة فيه؟ وأما العِدَّة فَفِيها معْني تعبُّديٌّ، فالمرأة المعتدة، وان علمتُ برآة رحمها، لابُدَّ لها من العدة، للمعنى التعبدي الذي فيها، وإن كانت من حيث الجملة شُرِعتْ لبرآة الرحم وعدم اختلاط الأنساب، فهي من هذا الوجه كالاستبراء، ولكنها ما خَلتْ عن شائِبةِ التعبد، فلذلك كان هذا الفرق بينهما، والله أعلم.
стр. 569
القاعدة الثالثة والعشرون:
لِمَ كان قرْءٌ واحد يكفي في الاستبراء، وشهر واحد لمن لا تحيض لا يكفي في الاستبراء فلابد من ثلاثة أشهر، وثلاثةُ أشهر إنما جُعِلَتْ مكانَ ثلاثة قروءٍ ؟ (١٢١)
فالجواب أن القُرْءَ الواحد دالٌّ - عَادةٌ - على برآة الرحم، فإن الحيض لا يجتمع مع الحمل غالبا، والشهر الواحد، وإن كان عِوَضَ قُرْءَ واحد، لكنه لا تحصل برآة الرحم به وانما تحصل بثلاثة أشهر، فلذلك اعتُبرت ثلاثة أشهر في الاستبراء أو قُرْءٌ واحد فيه أيضًا.
القاعدة الرابعة والعشرون:
أقرر فيه الفرق بين خيار التمليك في الزوجات وتخيير الإِمَاء في العتق حتى كان يَلزم في الزوجات ولا يَلزم في الإماء . (١٢٢)
стр. 570
وهذا كأن يقول الرجل: إن فعلتُ كذا فأمُرُك بيدك، فتقول المرأة: متَى فعلت فقد اخترتُ نفسي، لزمه ذلك. ولوْ حلَفَ السيدُ بحُرِّيَّة أمَتِهِ، فقالتْ: إنْ فعلتَ فقد اخترْتُ نفسي لا يَلزَمُ.
والفرقُ أن الزوْجَ أذِنَ للحُرّة في القضاء الآن على ذلك التقدير، والحالفُ بحرية الأمَةِ لم يأذن، وإنما قصد حثَّ نفسِهِ باليمين على الفعل أو زَجْرَها عنه، وإنما يستويان إذا قالت الحرّة: إن ملكتني فقد اخترتُ نفسي.
ويردِّ عليه أن الله أذِنَ للأمَة في القضاء على ذلك التقدير (١٢٣) كما أذِن الزَّوْجُ.
وجوابُهُ أن إذن الله تعالى على التقادير لا يترتبُ عليه صحة التصرف قبل وجود التقدير، بدليل إسقاط الشفعة قبل البيع، والإِذن من الوارث في التصرف قبل المرض من الموت، وصرْف الزكاة قبل ملك النصاب، والتكفير قبْل الحنث في اليمين، فهذه التصرفاتُ باطلة، وإن كان الشارع رتبها وأذِن فيها على تلك التقادير، لأن القاعدة أن كل حكم وَقَعَ قبلي سببه وشرطِه لا ينفَّذ (١٢٤) إجماعا، وبعدهما ينفَّذ إجماعا، وبينهما، في النفوذ قولان، فالحُرّة وجدّ في حقها سبب، وهو قول الزوج مع إذن الشرع المقدَّر، والأمَةُ الموجودُ في حقها الإِذْنُ المقَدِّر فقط. وأيضا فإن حقوق العباد إنما تَسقط بإِذن العباد (١٢٥).
قال اللخمي: وسوَّى أصبَغُ الإماء بالزوجات، وسوَّي أشهبُ الزوجاتِ بالإِماء لعدَمِ ما يترتب عليه الاختيار.
стр. 571
القاعدة الخامسة والعشرون:
في الفرق بين التخْيير والتمليك . (١٢٦)
إعْلَمْ أن أصل التمليك عند مالكٍ الدلالةُ على أصْل الطلاق من غير إشعار بالعدد ولا بالبيونة، فلذلك يَقبل قضاءَ الزوجة بأيّ شيء شآءتْ، والتخييرُ للثلاث قبل البناء وبعده، فلذلك تُقبَل نية الزوج فيما دون الثلاثي قبل البناء، لحصول المقصود، وهُوَ البينونة بالواحدة حينئذ دون ما بعُد البناء، لأنه صريح في البَيْنُونةِ لا يقبل المجاز كالثلاث إذا نطق بها. واتفق الشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل على أنه كناية لا يلزمْ به شيء إلا بالنية، ولأن لفظ التخيير يحْتمل التخيير في الطلاق وغيره، وإن اراد الطلاق فيحتمل الواحدة وأكثرَ من ذلك، والْأصْلُ بقاءُ العصمة حتي ينوَّى.
وقد اعتمد الأصحاب على أشياءَ:
منها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (١٢٧) الْآية. وظاهرٌ أنه لا دلالة في الآيةِ بوجهٍ على ما قَالُوهُ، لوجوه:
منها أنَّهُ المُطَلِّق ﵇ لقوله: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ لو أنهُ كان مطَلِّقا.
ومما تمسكوا به أيضًا أن إحدى نسائه اختارت نفْسَها فكانت البتَّة.
стр. 572
قال اللخمي: وهو غير صحيح، بل الذي في الصحيح خلاف ذلك، وأن عائشة اختارت الله ورسوله، فَفَعَلَ سائر نسائه مثل ذلك (١٢٨)
ومنها أن هذا هُوَ المفهوم من هذا اللفظ عادة (١٢٩)، والْائمة المحالفون ينازعون في أن العادة ما ذكره الأصحاب.
قال شهاب الدين: والصحيح الذي يظهر لي أن الأئمة غيرَ مالك حملوا اللفظ على مقتضاه اللغوي، مالكٌ على عادة كانت في زمانه في بلده، وبهذا الاعتبار يظهر الفرق بين التخيير والتمليك.
غير أنه يقال: العادة تختلف، فلا ينبغي أن ياسمتمر الحكم ويكون واحدًا مع اختلافها، بل يختلف باختلافها، والله أعلم. انتهى ما علمتُه من القواعد في هذا الباب.
ولنذكر مسائل مشكلة وقعت في هذا الباب أيضًا ونذكر أجوبتها (١٣٠)
стр. 573
المسألة الأولى:
قال مالك: من نكح بعَبْدٍ مُطْلَق فنكاحه صحيح، (١٣١)، ولها الوسط من العبيد، ومن نكح بثَوبٍ مطلق لم يصح وفُسِخَ قبل الدخول، فأشْكَلَ من حيث إن المَوْضعين فيهما الصداق غير متعين.
فالجواب أن العبيد لا يكاد يقع بينها الْتِباسٌ (١٣٢) في الاختلاف الشديد كوقوعه في غيره، فلهذا خففه مالك، وليس كذلك الثياب، لأن التباين فيها شديد، فلم يصحّ الاطلاق فيها.
المسألة الثانية:
قال الفقهاء: يصح النكاح بعبد مطلق، ولا يصح البيع بعبد مطلق، ولا الإجارة، فأشكلَ ذلك أيضا، إذ الكُلُّ عقودُ معاوضةٍ.
فالجواب أن عقد النكاح ليس المبتغَى منه العوضُ، والبيعُ المبتغَى منه العوض، فصح الإطلاق في النكاح ولم يصحَّ في البيع، وكذلك دخَل الخيار في البيع والاجارة، ولم يدخل في النكاح.
المسألة الثالثة:
إذا تزوج العبد بغير إذن سيده جاز النكاح إذا أجازه سَيِّدُه، وانفسخ إذا رَدَّهُ. فإن قال - لَمّا عَلِم -: لا أرْضى، ثم كُلِّم في ذلك فقال: رضِيتُ، ولم يُرِدْ بقوله الأول لا أرضَي، فسخ النِكاحِ، صَحَّ النكاحُ برضاه الثاني. ولذا باع رجُلٌ سلعة رَجُلٍ بغير أمره فإن البيع يصح إن أجازه ربّ السلعة وينفسخ إن ردّه. فإن قال - لما علِمَ - لا أرضَى، ثم كُلّم في ذلك، فقال: قد رضيت صحّ، سواء
стр. 574
أراد بقوله الأول الفسخ أوْلًا، فلم كان هذا، والكلِّ عقدُ معاوضةٍ عقَدَه من ليس عقده بنافع، وهو مفتقِر في نفوذه إلى الغير؟ .
فالجواب أن البيع محمول من ربِّ السلعة الثاني على ابتداء عقْده، فلهذا صحَّ، يلتفت إلى الكلام الأول، وليس كذلك السيدُ، لأن العاقد هو العبد، ولا يُحمَلُ عقده الثاني على ابتداء عقد، فلهذا قلنا: إن أراد بالقول الأول فسخَ النكاح لم يصحَّ رضاه بعد ذلك، وذلك أن البيع أوسَعُ أمرًا في هذا المعنى من النكاح.
المسألة الرابعة
قال مالك: يصح عقد النكاح من غير ذكر مهر، ولا يصح عقد البيع إلا بذكر الثمن، فيقال: لم كان هذا، وكِلاهما عقدُ معاوضةٍ؟ .
فالجواب أن النكاح، المقصودُّ منه الألفة والوَصْلة دون المهر، فصح وإن لم يُذْكَر، والبيعُ، المقصودُ منه الثمنُ، لأنه مبني على المكايَسَة والمعايَنَة، فلم يَصِحَّ إلَّا بذكر الثمن، لأنه المقصود منه، فافترقا.
المسألة الخامسة:
يُفسخ نِكاح المرتد ولا يَرْتجِعُ وإنّ رجع إلى الإسلام، وإن أسلم الكافر ثبت على النكاح، فلِمَ كان هذا، وكلاهما إسلام من كُفْرٍ؟ .
فالجواب أن الرِّدة غُلِّظ في بابها ما لم يُغلَّظ في باب الكفر الأصلي، ألَا ترى أنه لا يُقر على ارتداده، بخلاف الكافر الأصلي
المسألة السادسة:
مالِكٌ يجوِّزُ (١٣٣) عَقْدَ الأبِ على نِصفِ صداقِ ابنته البِكر بعد الطلاق، ولا يُجَوِّز قبْلَ الطلاق، فلم ذلك وفي كلا الموضعين هُوَ عَفْوٌ عن صداق؟
стр. 575
فالجواب أن صنع الأب لا يَجُوزُ على (١٣٤) ابنته البِكر إلا إذا كان نظرًا لها، وإذا لم يكن نظرًا لها لم يَجُزْ. فقبْلَ الطلاق ليس بنظرٍ عفوُهُ عن الصداق، لأنه لا منفعة لابنته في ذلك، وبَعْد الطلاق هو نظرٌ، لأنّ فيه منفعةَ البنت، وذلك أن يكون داعيا لرغبة الأزواج بها (١٣٥) بِحُسْنِ الأحدوثة عنها بوضع الصداق عن الزوج.
المسألة السابعة:
إذا تزوج المرأةَ على خمر أو خنزير فُسِخ النكاح قبل الدخول، وإذا خالعها بذلك مضى الخلع وردِّ ما أَخذ، فلم كان ذلك وفي كلا الموضعين هو عقدٌّ؟ .
فالجواب أن الخلع طلاق لا يفتقر إلى عوض، لأن خروج البُضعِ عن مِلك الزوج لم يَفسد بفساد العوض، وليس كذلك عقد النكاح لأنه يفتقر إلى العوض، والخمر والخنزير ليس بعوض فلم يصحَّ العقد. وأيضا فإنَّ الخلع طلاق، والطلاق لا يمكن دفعه بعد وقوعه، وعقد النكاح يمكن دفعه بعد وقوعه، فافترقا.
المسألة الثامنة:
إذا غَرَّتْ المرأةُ ترَكَ لها ربعَ دينار إذا كان دخَل بها، وإن يي الغَارُّ الوليَّ رجع عليه بجميع الصداق، فيقال: ولِمَ، وفي كلا الموضعين كلّ واحدٍ منهما غارٌّ في النكاح.
стр. 576
فالجواب أن المرأة إذا كانت هي الغَارَّةَ فلابُدّ من ترك شيء لها من الصداق، لئلا يَعْرى البُضْعُ عن عوض، وليس كذلك الولي، لأن في الرجوع عليه بالصداق لم يَعْرَ البُضع عن عوضٍ، لأنه لا يرجع على المرأة بذلك، فافترقا.
المسألة التاسعة:
قال مالك: تُصْرَفُ كنايةُ الظِهار إلى الطلاق، ولا تُصرَف كناية الطلاق إلى الظهار، فلم ذلك وكلاهما كِناية؟
فالجواب أن الطلاق يفيد معني لا يفيده الظِهار، وذلك أنه يقطع العصمة، فكانت رتبتُه أرفع من رتبة الظهار، فلم يصح أن تنصرف كنايته إلى الظهار، لأنه دونه في الرتبة، وصحّ انصراف كناية الظهار إلى الطلاق، لأنه انصراف إلى ما هو أعْلى من رتبته.
فإن قيل: هذا المعني موجود في صريحه، ومع ذلك لا يَنْصرف إلى الطلاق.
قيل له: المعتَبر في الصريح اللفظ, واللفظُ لا يصح صرْفُهُ إلى غير ما وضع له إلا على طريق المجاز. والكِناية، المعتبرُ فيها معناها دون لفظها، والمعاني يصح نقلها إذا كانت فائدتها موجودة فيما نُقلت إليه، ولهذا لا تُصْرَف كناية الطلاق إلى الظهار، لأن المعني غير موجود فيه.
المسألة العاشرة:
إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي كظهر أمّي لزمه الظهار، وإذا قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق لم يلزمه ذلك وكان له أن يتزوج، فيقال: لِمَ ذلك والجميع مانع للوطء؟
فالجواب أن الطلاق لا يمكنه إسقاطه عن نفسه فلم يلزمه، لأنه يؤدي إلى منع الاستباحة وإلى الزنى الممنوع منه، الذي أباحَ اللهُ نكاح الإِماء لأجله،
стр. 577
والظهار يمكنه إسقاطه في نفسه بالكفارة ويصل إلى الاستباحة، فافترَقا. (١٣٦)
المسألة الحادية عشرة:
مالكٌ: إذا ظاهَرَ من أجنبية (١٣٧) لم يلزمه إلا بشرط التزوج، وإذا آلى منها لزمه الإيلاء متى تزوَّجَها، (١٣٨) وكلاهما يمنع الوطء، فلم كان ذلك؟
فالجواب أن حقيقة الظهار تشبيهُ محَلَّل بمُحَرَّم، وهذا المعني لا يوجد في الأجنبية لأنها محرَّمة، فيحصل تشبيه مُحرَّمة بمحرَّمة، وذلك غير ما وُضع له الظهار فلم يَلزمْ، وليس كذللك الإيلاء، لأنه يمين على ترك وطء، وهذا المعنى موجود في الاجنبية كوجوده في الزوجة، فافترقا.
стр. 578
المسألة الثانية عشرة:
يُجْبَرُ المطلق في الحيض على الرجعة ولا يُجْبَرُ المطلق في الطُّهْر الذي مَسَّ فيه على الرجعة، وكِلا الطلاقيْن ممنوع منه، فلِمَ ذلك؟
فالجواب أن المطلق في الحيض أدخلَ الضرر على المرأة، لأنه طوّل عليها العدة فعُوقب بالارتجاع، وهذا المعنى غير موجود في الطلاق في الطُّهر الذي مَسَّ فيه، لأنه لم يطوّل بِه عدةً عليها، إذْ تعتدُّ به قُرءا كاملا (١٣٨ م).
المسألة الثالثة عشرة.
قال ابن عبد الحكم: إذا قال لامرأته: كل امرأة أتزوجُها عليك فهي عليّ كظهر أمّي فعليه كفارة واحدة. وإذا قال: كل امرأة أتزوجها عليك فالمرأة التي أتزوجها عليك كظهر أمي، فكلما تزوج امرأة فعليه كفارة، وفي كلا الموضعين فقد علَّق الظِهار بالتزوج، فلِمَ وقع الفرق؟
فالجواب أنه إذا قال: كلُّ امرأة أتزوجها عليك، فقد جمع بينهن في الظِهار، فهو كما لو قال لنسوة: أنتُنَّ عليَّ كظهر أمي، فليس عليه إلا كفارةٌ واحدةٌ، لإشراكه بينهن في الظهار، وليس كذلك إذا قال: فالمرأة التي أتزوج عليك، لأنه أفرد كل واحدةٍ في الظهار ولم يُرِدُّ الاشتراك، فيكون بمنزلة من قال لأربع نسوة: أنتِ علي كظهر أمي، وأنت علي كظهر أمي، حتى أتى على آخرهن، فإن عليه أربعَ كفارتٍ، لأنه أفْرَدَ كل واحدة منهن بالظهار، ولم يُشْرِكْ بينهن كما تقدم، فافترقا.
стр. 579
المسألة الرابعة عشرة.
إذا طلَّق الرجُلُ امرأتَه، فأنفَقَتْ من ماله قبل علمها بالطلاق لم تُتَّبَعْ بما أنفقتْ، ولو أنفقتْ بعد موته وهي لا تَعلم بموت اتُّبِعَتْ بالنفقة، وفي كلا الموضعين هي نفقة بعدَ زوال العصمة عنها، فلِم الفرق في الجواب؟
فالجواب أن في الطلاق التفريطَ منسوب إلى الزوج، فلذلك لم تُتَّبَعْ بما أنفقتْ، لأنه كأنه أذِن لها في ذلك ورضي به، وليس كذلك في الموتِ، لأنه غير مُفِرّط، ولأن النفقة بعد الموت من مال الوارث، والزوجة لا تستحق نفقة على الورثة، فَقَدْ كانتْ متعدية بما أنفقت، فلزمها الضمان، والجهْل لا يُسْقِط ذلك عنْها، لأن التعدي على مالِ الغير يَستوى فيه الجهْلُ والعمد.
المسألة الخامسةَ عشرةَ:
إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهى طالق لم يلزمه طلاق وكان له أن يتزوج، وإذا قال: كُلُّ امرأة أتزوجها فأمرُها بيدها لزمه ذلك، وفي كِلا الموضعين طلاق، فلمَ كان هذا؟
فالجواب أن في الطلاق قدْ سَدَّ بابَ الإِباحة، فلم يلزمه، ليس كذلك في التمليك، لأنه لم يَسُدَّ على نفسه باب الإِباحة، لجواز أن تَختاره المرأة على الطلاق دون الاخرى، فافترقا.
المسألةُ السادسةَ عشرةَ:
قال الفقهاء: العِدة في الوفَاة قبل الاسْتِبراء، وفي الطلاق بَعدهُ، فلِمَ كان ذلك، وكِلاهما عِدَّةٌ؟
فالجواب أن العِدة في الطلاق أقْرَآءٌ، والشهورُ بدلٌ منها، ولا يصح الانتقال إلى الأبْدَال إلا عدم مبْدَلاتها، ولا يقدَّمُ البدَلُ في العِدّة (١٣٩) وهو الأقراء، إلا بعد
стр. 580
الاستبراء، لأنه بذلك يُعلَم أنها من أهل الشهور، والعِدة في الوفاة مُرُورُ زمان، وذلك غيرُ موقوف على شيء متوقَّع، ولأن العِدة في الوفاة، المقصودُ منها الشهورُ، والعدة في الطلاق، المقصود منها الاستبراء.
المسألة السابعة عشرة:
إذا قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثا، وأنت عليَّ كظهر أمِّي فلا ظهار عليه، وإذا قال: أنتِ على كظهر أُمي، وأنتِ طالق ثلاثا. فعليه الظِّهار إذا عادت إليه، والجميع ظهارٌ وجِدَ مع طلاق.
فالجوابُ أن الظِهَار لا يصح ولا يتوجَّه إلا بوجود حقيقته، وحقيقَتُهُ تشبِيهُ محلَّل بمحرَّم، ولا يلزم في الأجنبية، لأن معناه لا يوجدُ فيها، وإذا قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثا صارتْ أجنبية منه، فلا فرقَ بين ظهاره منها وبيْن غيْرها، فلم يتوجه حينئذ ظهار. وإذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمى فقد أوقَعَ الظهار وهي زوجة، فلزمه ذلك، فإذا حَدَثَ بعده طلاق لم يزُل بهِ ما قدْ ترتب عليه، فافترقا.
المسألةَ الثامنةَ عشْرةَ.
إذا قال المطلق الرجعي لِامرأته: إذا كانَ غدٌ فقد راجعتُك لم يكن رِجْعَةً، وإذا قال: قد كنتُ راجعتكِ بالأمس كان ذلك رِجعة، وفي كلا الموضعين هو إخبار عن رجعة:
فالجواب: إذا علَّق المراجعة بوقت ياتي فقد صار وعْداً، والوعدُ في النكاح لا يجوز، والرجعة نكاحٌ، فإذا أَخبر عن وقت قد مضى فليْسَ بوعد، وإنما هو إخبار عن مراجعة قدْ حدثَت له في العدِّة، فكأنه قال: قد راجعتُك في الحال.
المسألة التاسعَةَ عشْرَةَ:
إذا قال: قد راجعتُكِ فقالت: قد انقضتْ عدتي صُدِّقَتْ في الحال، فإنْ كان بعد ذلك قالتْ هذا، نُظِر إلى المُدة، فإن كان مثلها تنقضي فيها العدة
стр. 581
صُدِّقتْ، وإن كانتْ لا تنقضي في مثلها لَمْ تصَدَّق، وفي كلا الموضعَيْن هي مُدَّعِيَّة لانقضاء العدة.
فالجواب أنَها إذا كانت في الحالِ لم تُتَّهَمْ على كراهيةِ نكاحه، فلهذا نُظِر إلى ما تَدَّعيه، وإيس كذلك إذا أجابتْ بعد مدة مضَت من كلامه، لأنها تتَّهمُ على نكاحه أنها كارهة له، فلهذا لم يُنظَر إلى قَوْلها. وفرق ابن القاسم بينهما، بأنْ قال: إنَّ في السكوت قد ثبتتْ الرجعة فلم يُقبل قولها في بطلانها، وفي الأَولى لم تَثْبُتْ، فقُبِلَ قوُلهَا.
المسألة العشرون:
إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، إلا من قبيلة كذا ومن بني فلان، أو مِن قريَةٍ بعينها لزمه ذإك، إلا أن يكون المعَيَّنُ من القرية أو القبيلةِ ليس فيها ما (١٣٩ م) يَتزوج، لصغَر القرية وقِلّة القبيلة، فلا يلزمه اليمين. وإذا قال: كل امرأة أتزوجها من قبيلة كذا أوْ من قريةِ كذا لزمه اليمين، سواء كانتْ القبيلة قليلةً أو لم تكن، وكذلك القرية، وفي كلا الموضعين اليمين معلَّقة بهما،
فالجواب أن يمينه إذا كانت تَسُد على نفسه بابَ الإِباحة سقطتْ ولم تلزَمْ، وكان كمن عَمَّ النساءَ كلَّهن، وإذا لم تكن يمينه تسُدُّ على نفسه بابَ الإِباحة لزِمتْه، وفي الأول (١٤٠) قد وُجد السد فلم تلزمه، وفي الثانية لم يُوجد فلزمتْه اليمين.
стр. 582
المسألة الحادية والعشرون:
إذا حلَفَ لَيضربَن عبده لأجَلٍ سمّاه فَعَتَقَهُ، فادّعى ضربَه عند حلول الأجل، فأكذبَهُ العبدُ، فالقول قول السيد، وإذا حلف بالطلاق لَيَقضِينّ فلاناً حقَّه لأجلٍ سمّاه، فادعى عند حلول الأجَل القضاء، فأكذبه ربّ الحقِّ، لم يُقبَل قول الحالف، وفي كِلا الموضعين هُو مدّعٍ لإِسقاط اليمين مع كون الحق تعلَّقَ بغيره، أعني الطلاق والعتق.
فالجواب أن العادة جارية بأن السيد يضرب عبده أيَّ وقت شاء من غير إشهاد، فإذا ادّعى فِعله قُبِلَ قولُه، ولأنه بمنزلةِ أن يدعي العبدُ عليه العِتْقَ وينكر السيدُ، فالقول قول السيد، وليس كذلك قضاءُ الحق، لأن العادة جارية بالإِشهاد، ألا ترى أنّ مَنْ أمَرَ رجُلاً أن يدفع مالاً إلى رجل فادّعى إيصالَه فأنكره المبعوثُ إليه فعَلى الدافع البينةُ وإلّا ضَمِنَ.
المسألة الثانية والعشرون:
إِذا راجع المخالِعُ ثم طلَّق قبل أن يمَس، فإنَّها تبني على عدتها الأولى، وإذا راجعَ من له الرَّجعة ثم طلق قبل أن يمس، فإنها تستأنِف العدة، وفي كلا الموضعين قد وجد، الطلاق قبل الدخول.
فالجواب أن المخالِعُ يتزوج تزويجا (١٤١) مبتدَأً ويطَلِّق قبل الدخول، فأشبه غيره لو تزوج قبل الدخول، فإنها تبني على عِدتها الأولى، ليس كذلك المرتجِع، لأن الرجعة ليستْ بنكاح مبتدأ، لأن أحكام الزوجية باقية بينهما، فلهذا استانفت العدة.
стр. 583
المسألة الثالثة والعشرون:
قال ابنُ القاسم: عدة المريضة سَنةٌ، وعدةُ المرضِع ثلاث حِيَض، وفي كلا الموضعَيْن قدْ وُجِد المانع من الحيض.
فالجواب أن المانع في الرضاع يمكن دفعه بإزالة الوَلد عنها، فلهذا لم يكن بد من الحيض، لأن الأشهر إنما هي بَدل عن الحيض، ولا تنتقل إليها إلا مع عَدَمِه، وليْسَ كذلك المَرض، لأنه لا يمكن دفعُه، فانتقلت إلى الأشهر.
المسألة الرابعة والعشرون:
يصح شراء الأمة المعتدة، ولا يصحُّ عقد النكاح عليها، وفي كِلا الموضعَيْن فهو عقدُ معاوَضةٍ.
فالجواب أن المقصود من عقد النكاح الاستمتاع بالوطء، والاستمتاعُ ممنوع منه في العِدة، فلا يصِحُّ فيه عقد النكاح كما قلنا في المُحْرِمة: إنه لا يجوز العقد عليها ما كانت مُحْرِمَة (١٤٢)، لأن المقصود من العقد الاستمتاع، والاستمتاع ممنوع في حال الإحرام، ليسَ كذلك في الشراء، لأن البيع، المقصودُ منه المِلكُ، والمِلك يتضمن الانتِفاع بوجوه المنافِعِ كلِها، والاستمتاع داخِل فيها على سبيل التبَع لأنه هو المقصود، ألا ترى أنه يَصِح مِلك من لا يجوز له وطؤها مثْل أختهِ من الرضاعة وخالتِه وعمته من النسَب، وإن كان النكاح منفعة، ولا يصح عقد النكاح عليهن، ولأنَّ التزويج إنما مُنِع منه في العدة لأجْلِ فساد الأنساب، ولأنه لمّا جَاز بيْعُ الْأمة قبل أن يستَبْرِئها السَّيدُ من وطئه جازَ أن تُبَاع الأمَةُ من الزوج،
стр. 584
وإنَّما لم يَجُزْ أن يعْقِد عليها عقدَ النكاح في العِدة غيرُ الزوج، لأن العدة في حق الأزواج كالاستبراءِ في حق السيد.
المسألة الخامسة والعشرون:
يجب الإِحْدَاد على الأمَةِ المتوفَّى عنها زوجُها وعلى الحُرّة، هُمَا فيه سواءٌ، وعِدَّة الْأمَةِ نصْف عدةِ الحرة، فلِمَ سُوِّى بينهما في الإِحداد، وفُرِّق بينهما في العِدّة، والكل يجب على الزوج؟
فالجواب أن الإِحداد إنما هو الامتناع عن الطِّيب وَلَبْسِ المصْبَغات، وهَذا المعنى تستوي المدة الطويلة والقصيرة فيه، كما الأمرُ في الإِحرام، لمَّا مَنَع من الطيب إستوى في ذلك طويل الإِحرام وذلك الحجُّ، وقصيرُهُ وذلك العمرة، والعِدَّة في معاني الحدود، فلَمَّا تَنَصَّفتْ الحدودُ تنصفتْ العِدَدُ. (١٤٣)
стр. 585
النفقة
قاعدة واحدة (١٤٤).
إعلم أن مالكا أوجب النفقة لأولاد الصلب والأبوَيْنِ خاصة، وأوجبها الشافعي لكلِ من هو بعضٌ من الآباء والأمهات، وإنْ علَوْا، وللأولاد وإن سفلوا، لقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (١٤٥)، ولِقوله ﵇ في البخاري: "يقول لكَ ولدك: إلَى من تَكِلُني"، قال: والابن يصدق على ابْن الابن كما يصدق على الابن وإن سَفُل، وكذا الأب يصدق على الأبِ وعلى أبيه وان عَلَا. وقال أبو حنيفة: تجب النفقة لِكلِ ذي رحِمٍ مَحْرَمٍ، لقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ (١٤٦) -أجمعنا (١٤٧) على تخصيص من ليس بِمَحْرَم، بقي ما عداه على مقتضى العموم، ولقول تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١٤٨).
стр. 586
قال شهاب الدين: والجوابُ عَمّا قال الشافعي ألَّا نُسَلِّم أن لفظ الأب والأم يتناول غير الأدْنى، ويدل على ذلك أن الله فرض الأم الثلث، ولم تستحقّهُ الجدة، وحجَبَ الإِخوة بالأب ولم يحجبهم بالجد، وأن بنت الابن لَهَا السدس مع بنتِ الصُّلْبِ، بخلاف بنتِ الصلب مع أختها، فلو كانتْ هذه الألفاظ تتناول هذه الطبقات على اختلافها بطريق التواطؤ حقيقة لزم تعميم الأحكام فيها على السواءِ، وإلَّا يلزمْ تركُ العمل بالدليل، وهو خلافُ الاصل، فإذاً، اللفظ إنما يتناول ما قال الشافعي بطريق المجاز، والْأصْلُ عَدَمُهُ حتى يدل دليل عليه. (١٤٩)
والجواب عمَّا قال أبو حنيفة ان يقال: الله تعالى أمَرَ بِمَا هو حق لذَوي القُرْبَي، وكلامُنا في النفقة هَل هي حقٌّ لهم أم لا؟ ، فذلك محل النزاع، وأمّا قول تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، فحَمَلَهُ علَى أن المراد بالأولوية في النكاح أو في باب النُّصْرَة. وإذا حملنا الأولوية على ذلك وهي نكِرةٌ، سقط الاستدلال بمقتضاها، لأن المطْلَق يكفي في صِدْقِه صورةٌ واحدة مِنْ صُوَره. (١٥٠)(١٤٩) قال الفقيه المحقق ابن الشاط ﵀، معقِبا على جواب الإِمام القرافي ﵀:
قلت: لا دليل له فيما استدل به على مراده منْ أن لفظ الأب وما معه لا يتناول غير الأدنيْن إلا مجازاً، لاحتمال أن يكون الامر في تلك الالفاظ بعكس دعواه، وذلك أن يكون يتناول الأدنَينَ وغيرَهم، لكن وقع التجوز بقصرها على الأدنَيْنَ، فيحتاج إذاك إلى قرينة تخصها بالأدنين، أو إلى دليل يدل على أن هذا المجاز انتهى إلى أن صار عرفا"
(١٥٠) قال ابن الشاط ﵀: ما قاله القرافي ﵀ من الجواب عما قاله أبو حنيفة ﵀، مُسَلَّم صحيح. اهـ.
قلت: وقد ختم شهاب الدين القرافي ﵀ هذا الفرق بقوله:
"فظهر من هذه الاستدلالات وهذه الاجوبة صحةُ مذهب مالك، وتفضيلُه على غيره في هذه المسألة، وظهر الفرق أيضا من خلال ذلك ظهورا بينا"
غير أن الشيخ ابن الشاط ﵀ لم يُسَلم للقرافي بذلك فقال معقبا عليه: قلت: لم يظهر ما قاله، لاحتمال أن تكون تلك الالفاظ تتناول غير الأدنيْن بالوضع الاصلي، ووقع التجوز بقصرها على الأدنَيْن، واللهُ أعلمُ.
قلت: والذي يظهر عند التأمل في أجوبة القرافي على قول الشافعي وأبي حنيفة في الموضوع أنها ذات حظ من النظر، وأنها أقربُ إلى القبول والصواب، والى استساغَتِها نقلا ومنطقا، وبالتالي صحة مذهب مالك، وتفضيله على غيره في هذه المسألة كما قال القرافي، والله أعلم، فرحمهم الله ورضي عنهم أجمعين، وجزاهم خيرا عن العلم وخدمة الدين والمسلمين.
стр. 587
قواعد البيوع
وهي خمس وعشرون قاعدة:
القاعدة الأولى:
أقرر فيها أين يصح اجتماع العوضين لشخص واحدٍ، وأيْن لا يصح ؟ (١) فأقول:
أكْلُ المال بالباطل منهي عنه (٢)، وهو لا يصح، واجتماع العِوضين لشخص مما يؤدى إلى ذلك، فبِسببه، الأصل (٣) أن يكون العوض ياخذه أحدُ الشخصين عِوضا مما (٤). خرج من يده، فيرتفع الغبن والضَّررُ عن المتعاوضيْن، إلَّا أنه قد اسْتُثْنِيَ عن (٥) هذا الأصل للضرورة مسائلُ وُجدَ فيها العوض والمعوَّضُ لشخص
واحد:
стр. 588
المسألة الأولى: الإِجارة على الصلاة، فيها ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، والتفرقة بين أن يُضَمَّ إليها الأذأن أم لا، فتصح بضم الأذان، ولا تصح بدونه.
ووجه المنع أن ثواب صلاتِه له، ولو حصلتْ له الأجرة أيضا لحصل له المعوَّض منه والعِوض، وهو غيرُ جائز.
وحجة الجواز أن الأجرة بإزاءِ الملازمة في المكان المعيَّن، وهو غيرُ الصلاة.
ووجْهُ التفرقةِ أن الأذَان لا يَلْزَمُه، فيصح أخذ الْأجرة عليه، فإذا ضُمَّ إلى الصلاة قرب العقد من الصحة، وهو المشهور.
المسألة الثانية: أخْذُ الخارج في الجهاد من القاعد من (٦) أهل ديوانه جُعْلا (٦ م) على ذلك، أجازه مالك، ومنعه الشافعي وأبو حنيفة.
فوَجْهُ المنع أن ثواب الجهاد حاصل للخارج فلا يكون له غيرُه، مَخافةَ أن يجتمع (٧) العوضُ والمعَوَّضُ منه.
حجةُ مالكٍ عمَلُ الناسِ في ذلك للضرورة أن ينوب بعضهم عن بعض، (٧ م) لكن إذا كانوا أهلَ ديوان واحد، فإن تعددت الدواوين فلا يجوز، ويبقى العمل بموجب القاعدة المتَّفَقِ عليها.
стр. 589
المسألة الثالثة: المُسابَقةُ بين الخيل لا ياخذُ السابق ما جُعِل له، لأن السابق لَهُ اجرُ التَّسَبُّبِ للجهاد، فلو أخَذَهُ لأدى إلى اجتماع العوض والمعوض منه، وبسبب هذا المعنى اشترط العلماء الثالثَ، وهُو المحَلِّلُ لأخذِ العوض (٨).
القاعدة الثانية:
أقرر فيها الفرق بين من مَلَك أن يَمْلِكَ، هلْ يُعَدُّ مالكا أم لا، وبيْن من انعقد له سبب مطالبةِ التمليك، هل يُعَدُّ مالِكاً أمْ لا (٨ م) ؟ فأقول:
القاعدة الأولى يقول بها كثير من الفقهاء، ويُجْرُونَ عليها فروعا كثيرة، وهي باطلة لا تصح، إذْ تصْدق على منْ عنده مائة دينارٍ أن يكون ملَكَ أنْ يَملك العبْد الذي يساوي تِلك القيمة، فيقال: إنهُ ملَكه على قَوْل، وهكذا من ملك ثمن خادمٍ يَجْرِي الخلاف فيه، هَل عليه نفقتها قبل شرائها؟ ، لأنه ملَكَ أن يملكهإ، (٩) وأشباه هذه الاشياء، وذلك شيء لا يقول به أحد، فكيف يصح أن تُجعَل هذه قاعدةً شرْعية، بل القاعدة التي يمكن جرْيُ الخلاف عليها في بعض
стр. 590
فروعها لا في كُلها هي من جَرى لهُ سببٌ يقتضي المطالَبَة بالتمليك، هل يُعْطيَ حُكْمَ مَن مَلَك؟ ومالِكٌ قد يختلف في هذا الأصل بحسب بعض الفروع (١٠)
ولذلك مسائل:
المسألة الأولى:
إذا حيزت الغنيمة فقد انعقد للمجاهدين سبَبُ المطالَبة بالقسمة والتمليك، فهل يُعَدُّون مالكين لذلك أم لا؟ قولانِ: قيل: يَملِكون بذلك، وهو مذهب الشافعي، وقيل: لا يملكون بذلك، وهو مذهب مالك.
المسألة الثانية: العامل في القِراض (١١)، إن وُجِدَ في حقه سببٌ يقتضي المطالَبة بالقِسمة، فهل يُعَدُّ مالكا بالظُّهور أوْلَا يملك إلا بالقِسمة، وهو المشهور -؟ قولان في المذهب.
стр. 591
المسألة الثالثة: العامل في المساقاة (١٢) كذلك، قولان فى المذهب، والمشهور يَملك بالظُّهُور، عكس القراض.
المسألة الرابعة: الشريك فيما فيه الشفعة، إذا باع شريكُهُ تَحَقَّقَ له سبب يقتضى المطالبَة بأن يملك الشِقْص (١٣) المبيع بالشفعة، ولمْ أرَ خلافا في أنه غيرُ مالِكٍ.
المسألة الخامسة: الفقير وغيرُه من المسلمين له سبب يَتَقاضى (١٤) به المطالبة أن يملك من بيتِ المال ما يَستحقه بصفة فقره أو غيره من الصفات التي يُستَحَق بها شيءٌ من ذلك. فإذا سَرق هل يُعَدُّ مالكا فلَا يجبُ عليه الحد، لوجود سبب المطالبة بالتمليك، أو يجب عليه القطع، لأنه لا يُعَدُّ مالكا، وهو المشهور؟ ،
قولان.
ثم هذه القاعدة معَ هذا التقرير قد يُوجَدُ ما ينقصها. (١٥) وأمَّا القاعدة الأولى فلا ينبغي أن يُلتفَتَ إليْها. وما ذكروه من الخلاف في الفروع يمْشي على
стр. 592
قاعدة أُخرى لا عليها، كالماء يُوهَبُ، هل يُنظَرُ إلى يسارته فَلَا مِنَّة، أوْ تُلاحَظُ المِنَّةُ وهي ضررٌ، والضَررُ منفيٌّ عن المكلَّف. (١٦)
القاعدة الثالثة:
أقرر فيها الفرق بين النقل والإِسقاط ، (١٧) فأقول:
الأملاك ينقسم التصرف فيها إلى نقل وإسقاط، ثم النقل يكون بعوض وبغير عوض، والذِي هو بِعوض يكون في الأثمان ويكون في المنافع، فالأول كالبيع، والثاني كالإِجارة. والذي هو بغير عوض كالهدايا والوصايا. ثم الإِسقاط يكون بعوض كالخلع والعفوِ على مالٍ، وبغير عوض كالإِبرآء من الديون والقِصاص، وتُخَرَّجُ هنا ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: الإِبرَاء من الدَّين، هل يفتقِرُ إلى الْقَبُول فلا يَبْرَأ إلا بعدَ القَبول .. أو يَبْرأ وإن لم يَقبل؟ فِيه خلاف. وظاهر المذهب اشتراط القَبول. ومنشأ الخلاف، هل الإِبراء إسْقاط، والإِسقاط لا يحتاج إلى القَبول، أوْ هو تمليك لِما في ذمته كالمِديان، فيفتقر إلى القبول؟ كما لو ملك عيْناً بالهبة، ويتأكد ذلك بأن
стр. 593
المِنَن قد تعظُمُ في الإِبراءِ، وذوُو المُروآتِ يَضُرُّ ذلك بهم، لَا سِيَمَا في السَّفَلَة، فجعلَ الشارع لَهُمْ قَبُولَ ذلك ورَدَّه، نفيا للضَّرَرِ الحاصِلِ من المِنن.
المسألة الثانية الوقف:
الوقف، هل يفتقر إلى القبول أولا؟ بِناءً على أنه إسقاط المنافع، أوْ هو تمليك لها، وهذا إذا كان عَلَى مُعيَّنين، وأمَّا عَلَى غيْر مُعَيَّنين فلا يحتاج إلى القَبول، لتعذره. واتفق العلماءُ في المساجد أنها من باب الِإسقاط لا مِلكَ لأحد فيها، ولهذا تقام الجمعة فيها ولا تقام في الحوانيت.
المسألة الثالثة: إذا أعتق أحد عبيده اختار على المشهور، وقِيلَ: يَعُمُّ العتقُ الجميعَ، وإذا طلَّق إحدى نسائه يعُمُّ الطلاقُ النسوةَ على المشهور، وقيل: يختار. والفرق على المشهور أنَّ الطلاق إسقاط العِصمة، والعِتق قُربةٌ لا إسْقاطٌ، وإنْ لزِمَها الإِسقاط.
القاعدة الرابعة:
أقرر فيها بيان ما يَقبل المِلك من الأعيان والمنافع مما لا يقبله ، (١٨) فأقول:
إعْلمْ أن الأعيان، منها ما لا يَقبل المِلْك، وذلك إما لعدم اشتماله على منفعَة كالخشاش، أو لأن منفعته محرَّمة كالخمر، أو لأنَّ منفعته تَعلَّق بها حق الله كالحُر فإنه لا يَقْبَل المِلك لغيرِه، لأنه أحق بنفسه من غيره، أو تَعلَّقَ بها حق الله تعالى كالمساجد، أو تكون تلك المنفعة، تَرْكُ بيعِها يَحملُ على مكارم الاخلاق
стр. 594
ككلب الصيد (١٩) وإجارة الارض (٢٠)، وما سلِمَ من هذه الأشياء فهو كالقابِلِ للمِلك والتصَرُّفِ بأسباب المِلك على اختلافها.
القاعدة الخامسة:
أقرر فيها ما يجوز بيعه وما لا يجوز ، (٢١) فأقول:
ما يجوز بيعه هو ما اجتمعت فيه شروط خمسة، والشروط الخمسة هي:
стр. 595
١) - الطهارة، لقوله ﵊ في الصحيحين: "إن الله ورسولَه حرّم بيع الخمر والميتة والأصنام" (٢١ م)
٢) - الثاني أن يكون منتفَعا به، لتصح مقابَلَةُ الثمَن به.
٣) - الثالث أن يكون مقدورا على تسليمه، لنهيه ﵊ عن بيع الغرر.
٤) - الرابع ان يكون معلوما للمتعاقدَيْن، لنهيه ﵊ عن أكل المال بالباطل.
٥) الخامس أن يكون الثمَنُ والمبيع مملوكيْن للعَاقد والمعقود له، أو من أقيمَ مقامهما، فهذه شروط في جواز البصح دون الصحة، لأن بيع الفُضُولي وشراءه يحرم على قول، وسياتي.
وهنا مسألتان:
المسألة الأولى هي بحسب الشرط الثاني. قال صاحب الجواهر:
هي أصلُ المنفعة وإن قَلّتْ وقَلّتْ قيمتها، فيصح بيع التراب والماءِ ولبَن الأدميات. وقاله الشافعي وابن حنبل، قياسا على لَبَن الغَنَم. وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ أكْلُهُ ولا بيعُه، لأنه جزء حيَوانٍ، منفصلٌ عنه في حياته، فحرُمَ أكله، ويمتنع لذلك بيعُه، ويقول: أَستُثْنِي منه الرضاعُ لِلضرورة، وكان غيرُهُ من الحيوانِ ليس كذلك، اتِّباعا للحومها. وأيضا فذلك تشريف لابن آدم. وقد رُدَّ عليه ما ذُكر
стр. 596
من الاستثناء بإرضاع عائشةَ كبيرا فَحَرُمَ عليها وما أنكرَ عليها أحدٌ ذلك، ولو كان حراما مَا فعَلَتْهُ. (٢٢)
стр. 597
قلت: لا دليل في هذا، وإنما الدليل في أمر النبي ﵇ بإرضاع سالمٍ، والضرورةُ مفقودة هناك، إذْ كانَ كبِيراً.
стр. 598
المسألة الثانية: بيعُ الفضولي (٢٣).
قال صاحب الجواهر: مقتضَى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق أن هذا
الشرط. شرط في الصحة، وقاله الشافعي وابن حنبل، وقال أبو حنيفة: هو شرط في الشراء دون البيع. وقال ابن يونس: يُمنَعُ أن يشتريَ من رجُل سِلعةً ليستْ في مِلكه ويوجب على نفسه تحْصيلَ ثَمَنِها، لأنهُ غَرَرٌ. وقال سحنون: إن قول ذلك يُلزمهما إمضاءَ البيع، كمن غصَبَ سِلعة والمشتري يَعْلمُ بالغَصْب، ومنعَ أشهبُ
ذلك مِنْ الغاصب للدخول على الفسَاد والغرر.
стр. 599
قال شهاب الدينِ: وظاهر النقل يقتضِي أن إطلاق الأصحاب محمولٌ على ما إذا كان المشتري غَيرَ عالِم بعَدَم المِلك، فالمشهور حينئذ أن لهُ الإِمضاء، أمَّا إذا علِمَ فلا. وتمسَّك الشافعي بقوله ﵇: "لا بيعَ ولا طلاقَ ولا عتاق فيما لا يملك ابنُ آدم". (٢٣ م) ونحن نحمِلهُ على ما قبلَ الإِجازة، لأن العامَّ في الأشخاص، مطْلق في الأحْوال.
وأيضا فهو معارَضٌ بأنه ﵊ دَفَع لعروة البازقي ديناراً ليشتريَ له به أضحيته، فاشترى به أَضْحيتَيْن، ثم باع إحْداهما بدينارٍ، وجاء بأضحيةٍ ودينارِ إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: باركَ الله لك في صفقة يمينِكَ، فكانَ إذا اشترىَ الترابَ ربح فيه. (٢٤).
فرع: إذا قلنا: إنَّ بَيْعَ الفضولي يصح، ويوقَف على الإجازة، هل يجوز الإِقدام عليه ابتداءً؟ ، قال أبو الفضل عياض في التنبيهات: إنه حرامٌ، لِعَدِّهِ إيّاه معَ ما يقتضي الفساد. وظاهر كلام صاحبِ الطراز، الجواز، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢٥).
стр. 600
القاعدة السادسة:
في بيانِ ما تُؤَثِّر فيه الجهالةُ والغرَرُ مما لا تؤَثِّرُ ، (٢٦) فأقول:
جاء عن النَّبِيِّ ﷺ أنه نهى عن بيع الغرر وعن بيع المجهول، فاختلف العلماء بعد ذلك، فمنهم من حمَل النهي على التصرفات كلِّها، وهو الشافعي، ومنهم من فصَّل، وهو مالك. وقاعدةُ ما يُجتَنَبُ فيه الغرر والجهالة عنده هو باب المماكسات (٢٧) والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال. وقاعدة ما لا يُجتَنَبُ فيه عنده مما لا يُقصد لذلك.
ثم التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طَرَفانِ، وواسطةٌ. فالطرفان أحدهما معاوَضَةٌ صِرْفَةٌ، فَيُجْتَنَبُ فيه ذلك إلا ما دَعتْ الضرورة إليه. وثانيهما إحسانٌ صِرْفٌ كالصدقة، فالجهالةُ هنا والغررُ لا تاثير لهما، ولا يَمنَعان من شيء. والثالث الوسَط، النكاحُ. فمن جهةِ أن المال ليس مقصوداً وإنما المقصود المودة والألْفة، يقتضي جواز الجهالة والغرر مطلقا. ومن جهة أن صاحبَ الشرع اشترط فيه المال، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٢٨)، يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه. ولوجود الشَّبَهيْن فيه توسَّطَ مالك ﵀، وقالَ: يجوز الغرَرُ والجهالة فيه، لكن القليلُ دون الكثير، نحو عبد من غير تعْيين، وشَوْرة بيت، (٢٩)، والله تعالى أعلم، وبه التوفيق.