← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

من الاستثناء بإرضاع عائشةَ كبيرا فَحَرُمَ عليها وما أنكرَ عليها أحدٌ ذلك، ولو كان حراما مَا فعَلَتْهُ. (٢٢)

стр. 597

قلت: لا دليل في هذا، وإنما الدليل في أمر النبي ﵇ بإرضاع سالمٍ، والضرورةُ مفقودة هناك، إذْ كانَ كبِيراً.

стр. 598

المسألة الثانية: بيعُ الفضولي (٢٣). قال صاحب الجواهر: مقتضَى ما حكاه الشيخ أبو إسحاق أن هذا الشرط. شرط في الصحة، وقاله الشافعي وابن حنبل، وقال أبو حنيفة: هو شرط في الشراء دون البيع. وقال ابن يونس: يُمنَعُ أن يشتريَ من رجُل سِلعةً ليستْ في مِلكه ويوجب على نفسه تحْصيلَ ثَمَنِها، لأنهُ غَرَرٌ. وقال سحنون: إن قول ذلك يُلزمهما إمضاءَ البيع، كمن غصَبَ سِلعة والمشتري يَعْلمُ بالغَصْب، ومنعَ أشهبُ ذلك مِنْ الغاصب للدخول على الفسَاد والغرر.

стр. 599

قال شهاب الدينِ: وظاهر النقل يقتضِي أن إطلاق الأصحاب محمولٌ على ما إذا كان المشتري غَيرَ عالِم بعَدَم المِلك، فالمشهور حينئذ أن لهُ الإِمضاء، أمَّا إذا علِمَ فلا. وتمسَّك الشافعي بقوله ﵇: "لا بيعَ ولا طلاقَ ولا عتاق فيما لا يملك ابنُ آدم". (٢٣ م) ونحن نحمِلهُ على ما قبلَ الإِجازة، لأن العامَّ في الأشخاص، مطْلق في الأحْوال. وأيضا فهو معارَضٌ بأنه ﵊ دَفَع لعروة البازقي ديناراً ليشتريَ له به أضحيته، فاشترى به أَضْحيتَيْن، ثم باع إحْداهما بدينارٍ، وجاء بأضحيةٍ ودينارِ إلى رسول الله ﷺ ، فقال له: باركَ الله لك في صفقة يمينِكَ، فكانَ إذا اشترىَ الترابَ ربح فيه. (٢٤). فرع: إذا قلنا: إنَّ بَيْعَ الفضولي يصح، ويوقَف على الإجازة، هل يجوز الإِقدام عليه ابتداءً؟ ، قال أبو الفضل عياض في التنبيهات: إنه حرامٌ، لِعَدِّهِ إيّاه معَ ما يقتضي الفساد. وظاهر كلام صاحبِ الطراز، الجواز، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٢٥).

стр. 600

القاعدة السادسة: في بيانِ ما تُؤَثِّر فيه الجهالةُ والغرَرُ مما لا تؤَثِّرُ ، (٢٦) فأقول: جاء عن النَّبِيِّ ﷺ أنه نهى عن بيع الغرر وعن بيع المجهول، فاختلف العلماء بعد ذلك، فمنهم من حمَل النهي على التصرفات كلِّها، وهو الشافعي، ومنهم من فصَّل، وهو مالك. وقاعدةُ ما يُجتَنَبُ فيه الغرر والجهالة عنده هو باب المماكسات (٢٧) والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال. وقاعدة ما لا يُجتَنَبُ فيه عنده مما لا يُقصد لذلك. ثم التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طَرَفانِ، وواسطةٌ. فالطرفان أحدهما معاوَضَةٌ صِرْفَةٌ، فَيُجْتَنَبُ فيه ذلك إلا ما دَعتْ الضرورة إليه. وثانيهما إحسانٌ صِرْفٌ كالصدقة، فالجهالةُ هنا والغررُ لا تاثير لهما، ولا يَمنَعان من شيء. والثالث الوسَط، النكاحُ. فمن جهةِ أن المال ليس مقصوداً وإنما المقصود المودة والألْفة، يقتضي جواز الجهالة والغرر مطلقا. ومن جهة أن صاحبَ الشرع اشترط فيه المال، لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ (٢٨)، يقتضي امتناع الجهالة والغرر فيه. ولوجود الشَّبَهيْن فيه توسَّطَ مالك ﵀، وقالَ: يجوز الغرَرُ والجهالة فيه، لكن القليلُ دون الكثير، نحو عبد من غير تعْيين، وشَوْرة بيت، (٢٩)، والله تعالى أعلم، وبه التوفيق.

стр. 601

القاعدة السابعة: نقرر فيها ما يجوز بيعه جزافا مِما لا يجوز، (٣٠) فنقول: ما يجوز بيعه جزافا (٣١) هو ما اجتمع فيه شرائط ستةٌ: الأول: أن يكون معَيَّنا للحِسِّ حتى يُستَدَّل بظاهره على باطنه. الشرط الثاني: أن يكون البائع والمشتري جاهلين بالكَيْل، خلافا للشافعي وأبي حنيفة، وهذا لقوله ﵇: "مَن علِم كَيْل طعام فلا يبِعْهُ جزافا حتى يُبَيِّنةُ". (٣١ م) الثالث، أن يكونا اعتادا الحزْر، فإن لم يعتادا ذلك ولا أحدُهما فلا يجوز، خلافا للشافعي في اكتفائه بالرؤية. وجوابُه أن الرؤية لا تنفي الغرر من المقدار. الرابع أن يكون المبيع مما يكال أو يوزَّن، ولا يجوز في المعْدود إلَّا صِغارُ الحيتان والعصافير، فإن مالكا أجاز بيعَها جزافا، وما يُقْصَد آحادُ جِنسِهِ لا يجوز بيع ذلك جزافا، كالثياب. الخامس ما يُتوقع معه الربا، فلا يباع أحد النقدين جزافا، ولا طعامٌ بطعام من جِنْسِه جزافا.

стр. 602

السادس عَدَمُ المزابنة، كَبيْع صُبْرةِ جيرٍ وجِبْس بمكيلهِ من ذلك الجنس، لأنه بيعُ المعْلُوم بالمجهول من جنسه، وذلك المزابنة المنهي عنها. (٣٢) فإذا اجتمعتْ هذه (الشروط)، جاز البيع جزافا، وإلا فلا. القاعدة الثامنة: أبين فيها ما يجوز بيعه على الصفة وما لا يجوز ، (٣٣) فأقول: ما يجوز بيعه على الصفة هو ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: أحدها ألَّا يكون قريباً جدا يمكن رؤيته من غير مشقة، فإنه عدول عن اليقين إلى توقع الغرر. والثاني ألَّا يكون بعيدا جدًّا، لتوقُّع تغييره قبل التسليم، ولتعذر تسْليمه.

стр. 603

الثالث أن يصفه بصفاته التي تتعلق الْأغْراضُ بها، وهي شروط السَّلَمِ (٣٤) ليكون مقصود المالية حاصلا، فإن لم يذكر الجنس امتنعَ إجماعا، وإن ذكر الجنس جوزه أبو حنيفة إذا عيَّنه بمكانه فقط، كأن يقول: بعتك ثوبا من مخزني بالبصرة، أو بعْتك ثوبا في كُمّي. ومنعَ بيعَ ثوب من أربعةٍ، وأجازه من ثلاث أثواب، لِاشتماله على الجيد والدُّونِ والوسَط. ومنع الاقتصارَ على الجنس مالكٌ وابن حنبل، لبُعْد العقد عن اللزوم بسبب توقع مخالفة الغرض عند الرؤية. وأبو حنيفة يقول: لا ضرَرَ عليه، لأن لَه الخيار، بل أجَاز له الخيار مطلقا، وإنْ جاء على وفق الصفة، بخلاف مالك، فإنه إذا جاء على وفق الصفة فلا خيار له بل يلزم البيعُ. ومنع أبو حنيفة بيعَ الحيوان على الصفة، لأنها لا تضبطه، والصفة عنده في غير الحيوان -كما قلنا- توجِبُ الصحة دون اللزوم، وعند الشافعي لا توجبها، وعندنا تُوجبها. حجةُ أبي حنيفة أن الجهل إنما وقع في الصفات دون الذات، ونهْيُه ﵇ عن بيع المجهول، إنما هو فيما جُهلتْ ذاتُهُ لا صِفتُه، لأن الجهل بالذات أقوى، ولقوله ﵇ "مَنْ اشترى ما لم يَرَهُ فهو بالخيار إذا رآه" (٣٥) ولأنه عقدُ معاوضةٍ، فلا تُشترط فيه الصفة كالنكاح وباطنِ الصُّبْرَةِ، والفواكه في قِشرها. والجواب عن الأول أن تفاوت المالية إنما هو بتفاوت الصفات دون الذاتِ، ومقصودُ الشَّرع حفظ المال عَنْ الضِّياع.

стр. 604

وعن الثاني، قال الدارقطني: هو موضوع. وعن الثالث أنا نقْلِبُهُ، فنقول: عقد معاوضة، فلا يثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح. حجة الشافعي القياسُ على السَّلَم في المعيَّن وإن وُصِف، ونهيُه ﵇ عن بيع المجهول. والجواب عن الأول أن السَّلَمَ، مِن شرطه أن يكون في الذمة، والمعيَّنُ لا يكون في الذمة. وعن الثاني أن الصفة تنفي الجهالة، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٣٦). القاعدة التاسعة: أقَرر فيها ما به يجوز بيع الربوي بجنسه وما به لا يجوز ، (٣٧) فأقول:

стр. 605

ثبتَ عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الذهبُ بالذهب ... " فذكر ستة أشياء من الربويات (٣٨)، واشترط في بيع بعضها ببعض مِن المِثليات التماثلَ والتَّناجُزَ، فقال: "مِثْلا بمِثْلٍ، هَابِهَا، في كل واحد من الستة إذا بيعَ بجنسه. ولمَّا كان هذا الحديث قد خرج باشتراط المماثلَة في بيع الجنس بجنسه عَرَضتْ حالتان: حالة واحدة، فيها تَحقُّقُ عدَم المماثَلةِ، فوقع الاتفاق على أنهَا لا تجوز، وذلك إذا كانَ الرِبويَّانِ مستوييْن في المقدار، ومعَ أحدِهما غيْرُ الآخَرِ كدينار بدينارٍ وزيادة. وكان الاتفاق على عدم جوازها، من حيث إن الحديث نصَّ على منعها، وحالة اخرى، الزيادة فيها ليست محقَّقة، وذلك كبيع ديناريْن بدينارٍ في قرطاس، فيمكن هنا أن يقال: القِرطاس في مقابَلة الدِينار الواحد، والدينار الآخر في مقابَلة الدينار الآخر، فلم تَحْصُلْ الزيادةُ بِتَحْقيق، (٣٨ م) وكذا قال أبو حنيفة، ومنع مالك من ذلك، لأن المماثلة شرط في الجواز، وحصولُها ليس بمحقَّقٍ. وحديث مسلم في أمر النبي ﵇ بتفصيل القلادة، حينئذ تُبَاع، دليل على ما قاله مالك. (٣٩).

стр. 606

وأجاب الحنفية عنه بأن قالوا: قضية القِلادة واقعةُ عيْنِ، لم يتعين المنع فيها، لما ذكرناه من الجهل بالزِّنة. (٤٠) وقال الحنفية: ظاهر حال المسلمين يقتضي الظن بحصول المماثلة، والظَّنُّ كافٍ في ذلك كالطهارة وغيرها. وقالَتْ المالكية: الرِّبَا شديد فِى الدّين، فلا يكفي فيه الظنُّ كما قلتم في الطهارة. (٤١). ثم إذا قلنا باشتراطِ المُمَاثَلة فبأىِ شيء تُعتبرُ؟ فنقول: أما الحُبُوبُ الْجَافَّةُ فما اعتبره صاحب الشرع من كيل أو وزن، وما ليس فب مِعْيارٌ له شرعيٌّ، اعتُبِرت فيه العادة العامةُ: الكَيْلُ أوْ الوزن، فإن اختلفتْ العوائد فَعَادةُ البَلَدِ، فإن جرتْ العادة بالوجهيْن خُيِّرَ فيهما، وقال الشافعي: ما كان يكال أو يوزَن اعتبر بتلك الحالة في الحجاز، وما تعَذَّرَ كيله اعتُبِر فيه الوزن، وإن أَمكن فيه الوجهانِ اعتُبِر بمشابَهته في الحجاز، فإن شابَه أمرْين نُظِر إلى الاغْلَب، فإن استويا غُلِّبَ الوزن لأنهُ أخص. وقيل: يجوز الوجهانِ، نظراً للتساوي، وقيل: يتعذر بيعُهُ لتعَذر الترجيح. (٤٢). ثم ما به يُعْرف اتحاد الجنس وعدم اتحاده، (٤٣) فاعلَمْ أن الشارع صلوات الله عليه يعتبر ما هو عمادُ الأقوات، ويُلغيِ تفاوتَ الجوْدة والرداءَة لأنه داعية

стр. 607

السرف، وترتيب الاحكام عليْه خلاف الوضح الشرعي والقانون الحكمي، فلهذا تساوتْ الالوانُ من الاطعمة في الجنسية، لأن مهمتها الإِدام، وتساوتْ الأخْبَاز، لأن مهمتها الاغتذاءُ. (٤٣ م) وقاعدةٌ أخرى في الفرق، (٤٤) قال أبو الطاهر بن بَشير: الصنعة إذا كثرتْ أو بَعُدَ الزمان صيرتْ الجنس الواحد جنسيْن، وإن قَلَّتْ أو قَرُب الزمان لم تصيره جنسيْن، وإن كانتْ بنار وبِنَقْص الْمُقتاتِ (٤٥) بغير إِضافة شئٍ لم تصيره جنسيْن كشيِّ اللَّحْم وتجفيفه وطبخه بغير مرقة، وبإضافة شيء إليه صيرتْهُ جنسيْن، كتجفيف اللحم بالإِبزار وطبخه بالمرقة. وان كانتْ الصناعة بغير نار وطال الزمان فقولان: المشهور تاثيرُها كخلِّ كالنبيذ من التمْر. والنظرُ في. ذلك كله إِلى الأَغراض من التساوي في المقاصد والتفاوت فيها. (٤٦).

стр. 608

القاعدة العاشرة: أقرر فيها ما يدخله ربا الفضل وما لا يدخله ، (٤٧) فأقول: قيل: يُضبط بالاقتيات والادخار في الجِنس الواحد، فهذا لا يجوز فيه ربا الفضل. وعن مالك في الموطأ: الأكْلُ والادخار مع اتحاد الجنس، فيجرِي الربا على هذا في الفواكه اليابسة، وعلى القول الآخَر لا يحْرُم فيها. وعلى هذا يُختَلَف فيما يقِل ادخاره كالخوخٍ والرُّمان، فأجْرى ابن نافع فيه الربا، نظراً لجنسِه، وأجازَهُ مالك في الكتابِ، نظراً للغالب. وعلى هذا فلا يجْرِي

стр. 609

الربا في الرَّطْب مِن هذه الفواكه، وإنما يجْرِي في اليابسة منها. وقيل: العلةُ الاقتيات فقط، فيمتنع الربا في البيض دون الفواكه اليابسة، وأبو حنيفة جعل العِلَّة الأكلَ اتحاد الجنس، والشافعي جعَل العِلةَ الكيل والوزن اتحاد الجِنْس. وقال ربيعة: الضابط لِرِبَا الفضل أن يكون مما تَجب فيه الزكاة. وقال ابن سِيرِينَ: الجنس الواحد هو الضابط في علة منع الربا، فلا يجوزُ التفاضُلُ في جنس واحد، كان طعاما أو غيره، وأصحابُ الظاهر قصَرُوا ذلك على الأجناس المذكورة في الحديث، ولا يكون في غيرها. هذا من منع ربا الفضل. وجاء عن ابن عباس أنه أجازه، لِقوله ﵇: "إنما الربَا في النسيئة". (٤٧ م) قال شهاب الدين: وجوابُ هذا أن رسولَ الله ﷺ سُئل عن مبادلة الذهب بالفضة، والقمحِ بالشعير، قال: لا يحْرُمُ ما ذُكر، إنما الربا في النسيئه فسمع الراوي الجوابَ دون السؤال. ولأصحابنا في المِلح ثلاثة أقوال: منهم من علّله بالاقتياتِ وإصلاح القوتِ، فألْحَقُوه بالتوابل، وقيل: بالأكل والادِّخار، وقيل: بِكونه إداماً فلا يُلحق به الفُلْفلُ ونحوُه. وألْزَمَنَا الشافعية على تعليل المِلْح بإصلاح الأقوات جَرَيانَ الربا في الأفاويه (التوابل) والأحطاب، لأنها مُصلحة الأقواتِ. وجوابهْ أنا لا نقتصر على مطلق الاصلاح، بل نقول: هو قوتٌ مصلح، وهذه ليستْ قُوتاً. واختلَف الأصحاب هل اتحاد الجنس جُزْءُ عِلة أو شرْطٌ في اعتبار العِلة لعُرُوِّه عن المناسبة، وهو الصحيحُ، لَنَا أنه ﵊، اشترَط المماثلة، وليست في الجنس، لاختلاف صفاته، فتعيَّنَ المقدارُ، وهذه الأربعة هي أقواتُهم بالحجاز.

стр. 610

وأيضا فَذَكَرَ البُرَّ، فنبَّه به على ما فيه الرفاهية، وذكر الشعير، فنبه به على الأدنى الكائن عند الشدة، وذكر التمر فنبهَ به على ما فيه التفكه مع الاقتيات، وذكر المِلح، فنبه به على ما فيه إصلاح الطعام، واشتركت كلها في الاقتيات والادخار والطعْم، وهي صفاتُ شرفٍ، تُناسب أن لا يبدَّل الكثير منها بالقليل منها، صوْنا للشريف عن الغبْن فيذهب الزائد هدَراً، ولأن الشرف يقتضي كثرة الشروط، كما أن الملوك لا تُكْثِر الحُرَّاسَ إلَّا على الخزائن النفيسة، فكُلَّمَا عظُمَ شرَفُ الشيء عَظُم خطَرُهُ عقلا وشرعاً وعادة، وجاز التفاضل في الجنسيْنِ (٤٨) وإهدار الزائد، لمكانِ الحاجة في تحصيل المقصُود (٤٩) وامتَنع النَّسَاءُ، إظهاراً لِشَرَفِ الطعام والنقود التي هي حاكمة على جميع الأشياء، وبذلك كان شرفها أيضا، (٥٠) وعِلة مالِكٍ أرجحُ من علة أبي حنيفة بالكيل، لسبعة أوْجُه:

стр. 611

أحدها أنها صفة ثابتة والكَيْلُ عارض، وأنها صفة مختتصة، والطعم وغيرهُ غيرُ مختص، وأنها المقصودة عادَةَ من هذه الأعيان، وغيرُها ليس كذلك، وأنها جامعة للأوصاف المتناسِبة كلها، وأنها سابقة على الحكم، والكيل لاحِقٌ، وأنها جامعة للقبيل والكثير كما في النقديْن، والكيلُ يمنع في التمرة والتمرتين، وأنها تختص بحاليةِ الربا دون حالة كون الحبوب حشيشا ابتداء، ورماداً انتهاء، والكَيْلُ غيرُ مختص. تنبيه: القياس في الرِّبويات، اختُلف فيه، هل هو قياسُ شَبَهٍ (٥١) أو قياسُ عِلّة، والأظهرُ أنه قياسُ عِلّةِ، لأن قياس العِلّة ما كان الجاح فيه وصفا مناسبا. وضابطُ المناسِب ما يُتَوَقع من ترتيب الحكم عليه حصولُ مصلحة، أو درْءُ مَفْسدة. كترتيب تحريم الخمر على الإِسكار، لِدَرْءِ مفسدة ذهاب العقل. والمناسَبَةُ هنا من كون هذه الأعْيان شريفة، لأنها يُقتات بها، أو لأنها رووس الأموال وقِيَمُ المُتْلَفات. تنبيه: قال أبو الوليد بن رشد في كتاب القواعد: الذين قصَروا الربا على النسيئة، إمّا أنهم ينكرون القياس، وهُم الظاهرية، وإمّا أنهم منكرون لقياس الشبَه خاصةً،

стр. 612

والقياس في هذا الباب قياسُ شبَهٍ، وهذا هو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، فلذلك لم يُلحِق بما ذُكر في الحديثَ إلا الزبيبَ، كأنه من باب لا فارقَ وهو قياسُ المعنَى، وهو غير قياس الشبه وقياسِ العلة. القاعدة الحادية عشرة: أقرّرُ فيها معنى الجهل ومعنى الغرر حتى يظهر بذلك اختلافهما . (٥٢). إعلَمْ أن العلماء يستعملون أحد المعنَييْن مكانَ الْآخَر. وأصْلُ الغرر هو الذي لا يُعرَف، هل يَحْصُلُ أولا، (٥٣) كالطير في الهواء، أو السمكِ في الماء، وأمّا ما عُلِم حصولُه وجُهِلت صفته، فهو المجهول كبيعه ما في كُمِّه، فهو محصَّل قطعا، لكن لا يُعرَف أيُّ شيء هو. فالغرر والمجهول، كلُّ واحدٍ منهما أعم من الآخر من وجه، وأخصُّ منه من وجه، يوجَدُ كل واحد منهما مع الآخر وبِدونه. وأما وجودُ الغرر بدون الجهالة فكشراء العبد الآبِقِ. المعلوم قَبْلَ الإباق، والجهالةُ بدون الغرر كشرِاء حجَر يَراهُ، لا يُعرف أزُجَاجٌ هو أو ياقوت، فمشاهدتُهُ تقتضي القطع بحصوله، فلا غرر، وعدمُ معرفته يقتضي الجهالة، وأما اجتماعهما فكالعبد الآبق المجهول الصفةِ قبْل الإِباق. ثم الغرر والجهالة يقعان في سبعة أشياء: في الوجود كالآبق، والحصولِ - وإن علم الوجودُ- كالطير في الهواء، وفي الجِنس كسلعة يسميها، وفي النوع كعبدٍ لم يُسَمِّه، وفي المقدار كالببح إلى مبْلغ رمْي الحصاة، وفي التعْيين كثوبٍ من ثوبيْن مختلِفَيْن، وفي البقاء كالثمار قبل بُدُوِّ صلاحها.

стр. 613

ثم الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير، ممتنعٌ إجماعا، كالطير في الهواء، وقليلٌ، جائز إجماعا، كأساس الدار، ومتوسطٌ اختلف فيه، هل يُلحق بالقليل أو الكثير، فلِارتفاعه عن القليلِ أْلْحِق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير أْلْحِق بالقليل. فائدة: قال أبو الفضْل عياض: الغَرَرُ مالَه ظاهرٌ محبوب وباطِنٌ مكروه، ومنه سُمّيتْ الدنيا متاعَ الغرور. (٥٣ م). وقد يكون من معنى الخديعة، ومنه قيل للرجل الخَدَّاع: غِرٌّ بكسر الغيْن، ويقال للرَّجُلِ المخدوع أيضا، ومنه قوله ﵇: "المُومِن غِرٌّ كريم". (٥٤). القاعدة الثانيةَ عشرة: أقرِّرُ فيها خيار المجلس وخيار الشرط، (٥٥) فأقولُ: خِيارُ الشرط عارضٌ للبيع، يَحْصُلُ عند اشتراطه وينتفي عند انتفاء شرطه، بخلاف خيار المجلس عند من يقول به، فإنه يقول: هو من خواص البيعِ وما في معناه من غير شرط، بل من لوازمه. واعْلَمْ أن الأصل في العقود، اللزُومُ، (٥٦) لأن العقود أسبابٌ لتحصيل المقاصِدِ من الأعيان، والأصل تَرَتُّبُ المسبَّبات على أسبابها، فلهذا لا نقول بخيار المجلس، لأنه جاء على غير الأصل، خلافا لابن حنبل والشافعي، فإنهما قالا بخيار

стр. 614

المجلس حتى يفْترقَا أو يختارا الإِمضاءَ، حكاه أَبو الطاهر عن ابن حبيب مِنَّا، وكذا كل شيء هو في معنى البيع كالإِجارَة والصرف والسَّلَم والقِسمة. واحتجّ الشافعي بقوله ﵊: "المتعاقدان بالخيار ما لم يفترقا (٥٧) .. " الحديث. ولأصحابِنا الجوابُ عنه من وجوه: (٥٨) منها أن قالوا: المراد بالمتبايعَيْن، المشتغِلار بالبيع، والافتراقُ، المراد به بالأقوال. والشافعي يقول: المتبايِعان، الرادُ به الذي صدر منهما التبايُعُ، والافتراقُ عنده بالأجسام، فهُو حمَلَ الافتراق على المعنى الحقيقي، من حيث إنه حمله على الأجسام، ونحن حملناه على المعنى المجازى الذي هو بالأقوال. ثم إنَّا نحن قضينا بالمتبايَعين على حالة التبايع، وذلك الأصل في اسم الفاعل، وهو حَمَلهُ على الماضي، وذلك مجاز، فليس ترجيح أحد التاويلين على الآخر بأوْلى من العكْس، فيكون مجمَلا، ويَسقُطُ به الاستدلال.

стр. 615

قلت: بل هو مَجَازٌ على التبايع ومجاز على الافتراق، كما قلت من حيث إن إطلاق المتبايعيْن على المتساوِمَيْن مجاز، وإطلاقُه على من أبرمَ العقد حقيقة. قال شهاب الدين: ومنها قوله ﵇ في بعض الطرق، في أبي داود والدارقطني: "المتبايعان، كُلُّ واحد منها بالخيار ما لم يتفرقا، إلَّا أن يكون (البيع) صفقةَ خيارٍ، ولا يحِلُّ له أن يفارق صاحبه خشيةَ أن يستقيله"، ولو كان خيار المجلس مشروعاً ومالَمْ يُحتَجْ للإِقالة. (٥٩). ومنها عمَلُ أهل المدينة، وهو مقدَّم على خبر الواحد. (٦٠) قال شهاب الدين: ونذكر وجْهاً آخر ندعي الدلالة للخبر على بطلان خيار المجلس، (٦١) عكس ما تدعيه الشافعية، وذلك مَبْنيٌّ على ثلاث قواعد (٦٢):

стр. 616

القاعدة الأولى أن اسم الفاعل حقيقة في الحال، مَجَاز إذا مضى معناه على الأصح. الثانية: أن ترتب الحكم على الوصف يقتضى عِلّيةَ ذلك الوصفِ لذلك الحكم، نحو، أُقتُلُوا الكافِرَ. القاعدة الثالثة أن عدم العلة علة لِعَدَم المعلول، فَعَدَمُ الإِسْكَارِ علةٌ لِعَدَمِ التحريم. إذا تقررت هذه القواعد، فنقول: الحديث يدل على عدم خيار المجلِس لا على ثبوته. بيانُه أن المتبايِعيْنِ حقيقةٌ على حالة الملابَسة، عملا بالقاعلة الْأولى، ووصفُ المبايَعة هو علة الحيار، عملاً بالقاعدة الثانية، فإذا انقضت أصواتُ الإِيجاب والقَبُول انقطعَتْ المبايَعَةُ، فتكون العلة قد عُدِمت، فيُعْدم الخيار المرتب عليها، فلا يبقَى خيارٌ بعدُ، عملا يالقاعدة الثالثة، وهذه القواعد كما دلت على عدم خيار المجلس، فهى تدل على أن المتبايعيْن، المرادُ بِهِما المتساومان، فإن الخيار على هذا التقدِير لا يَثبت إلا في هذه الحالة، وينقطع بعدها، وهذا يؤكد ما قلناه أولا. القاعدة الثالثة عشرة: نُقَرر فيها ما يجوز اجتماعه مع البيع وما لا يجوز . (٦٣)

стр. 617

إعلم أن الفقهاء جمعوا أسماء العقود التي لا يجوز اجتماعها مع البيع في قولك جِصٌّ مُشَنَّق، فالجيم للجَعَالة، والصاد للصرف، والميم للمساقاة، والشين للشركة، والنون للنكاح، والقاف للقراض. والسِرُّ في عدم اجتماع هذه، التضادُّ الواقعُ بينهَا. ولمّا كانتْ العقود أسبابا، كانت - ولابدَّ - مناسبة لمسبَّباتها. والشيء الواحدُ لا يناسبُ متضاديْن، وما لا تَضادَّ فيه يجوز اجتماعهما كالبيع مع الاجارة، ولم يَجُزْ مع الجعالة، للزوم الجهالة في عمل الجعالة. كذلك النكاح لا يجتمع مع البيع لتضادِّهما من حيث المكايسةُ في البيع والمسامحةُ في النكاح، وكذلك الصرف مبنى على التشديد وامتناع الخيار والتأخر، وأمور كثيرة هي منتفية في البيع، والمساقاةُ والقِراضُ فيهما الغررُ والجهالة كالجعالة، والشركةُ فها صَرْف أحدِ النقدين بالآخر من غير قبض، فظهر التضادُّ فيما لا يجتمع، وما لا تضادَّ فيه جازَ اجتماعه. القاعدة الرابعة عشرة: أقررُ فيها ما يتعين من الأَشياءوما ل يتعين في البيع ونحوه . (٦٤) إعْلَم أن العقود ثلاثة أقسام: الأول: يَرِدُ على الذمم، فمُتَعَلَّقه الأجناسُ الكُلّية دون أشخاصها، فيحصل الوفاء بمقتضاها بأي فرد كان من ذلك الجنس، إذا كان ذلك الفرد مطابقا بَرئ به، وإلا فلا. (٦٥)

стр. 618

القسم الثاني مبِيع مشخَّص، فهذا معَيَّن، وخاصَّتُهُ أنه إذا فات ذلك المشخص قبْلَ القبض انفسخ العقد اتفاقا. واستُثنِي من المشخَّصَات صورتان: النقْدَانِ إذا شخِّصَا وتعيَّنا للحِس، هل تَتَعَيَّنُ أمْ لَا (٦٦)؟ ثلاثة أقوال: أحدها تتعَيَّنُ بالشخْصِ على قاعدة المشخَّصَاتِ، قاله الشافعي وابن حنبل. وثانيها أنَّها لا تتعين، وهو مشهور مذهب مالك، وقال به أبو حنيفة. وثالثها تتعيَّن إن شاءَ بائعها، لأنه أمْلكُ لَها، ولا مشيئةَ لقابضها، فإن اختص النقد بصفةٍ كالحِلْي تعينت اتفاقا. واحتجّ الشافعي بأمور: منها أن الدَّين يتعين فلا يجوز نقله إلى ذِمة أخْرى، فوجب أن يتعين النقدان بالقياس على الدَّين. ومنها أنَّ ذواتِ الامثالِ كأرطال الزيت من خابية واحدة، وأقفزة القمح من صُبْرة واحدة، لا يتعلق بخصوصية، بل كلُّ قَفيزٍ منها يسُدُّ مسد الآخر عند العقلاء، ومع ذلك فلو باعه قفيزاً من ذلك أو رِطْلًا من ذلك، وجعَلَه مَوْردَ العقدِ وعيِّنَه لم يكن له إبدالُه بِغيره، بَلْ يتعيَّن بالتعْيين مع عدم الغرض، فكذلك النقدانِ. والجوابُ أن الدَّين إِنما يتَعيَّن ولم يَجُزْ نَقْلُهُ، لأن الذمة تختلف باللَّدَدِ وَقُرْبِ الإِعْسار (٦٧)، فلذلك تَعيَّن، ولو حصل في النقدين اختلافٌ لتعيَّن أيضا ذلك اتفاقا، وإنما الكلام عند عدم الاختلاف.

стр. 619

وعن الثاني أن السِلَع وإن كانت ذواتِ أمثالٍ فهي مقاصِدُ، والنقدانِ وسيلتان لتحصيل المُثمَّنات، والمقاصدُ أشرف من الوسائل إجماعا، فبِشَرَفِهَا اعتُبِر تشخُّصُها (٦٨). في القاعدة - لمالك على مذهبه - ثلاثُ مسائل: المسألة الأولى: على مقتضَى مذهب مالك، أن خصوصَ النقدين لا يُمْلَكان البتَّةَ، بخلاف خصوصيات المثليات، ولهذا منْ غَصَب دينارا لآخَر، فليس يَسْتَحِقُّ عندهُ إلا دينارا. وأمّا خصوص ذلك الدينار فَلا، إلا أن يكون الدينار الذي أخِذ له حلالاً فأعطاه حراما، أو كان من ذهب طيّب "فأعطاه ذهبا لطيفا"، (٦٩) وإلا فالمستحَقُّ دائما هو الجِنس والمقدار دون خصوص ذلك الفرد. (٧٠) المسألة الثانية: قال بعض الفقهاء: لا تتعين الدنانير والدراهم في مذهب مالك إلا في مسألتين: الصرف والكراء، وقال الشيخ أبو الوليد في المقدِّمات: النقدان يتعينان بالتعْيِين في الصرف عند مالك وجُمهور أصحابه، وإن لم تُعَيَّن تعينَت بالقبض وبالمفارقة، ولذلك جاز الرضا بالزائِف في الصرف. (٧١) واعلَمْ أن استثناء هاتين المسألتين يُحْوِج لذكر الفرق بينهما وبين سائر المسائِل. أما الصرف فيُمْكن أن يقال: إن قال مالك فيه بالتَّعْيين فلِضَيْقِ بَابِه وأمْر الشرع بسُرْعة القبضِ، وذلك مناسب للتعْيين، فيحْصُل مقصود القبْضِ ناجزاً،

стр. 620

بخلاف ما إذَا قلنا: إن الصرْفَ إنما ورد على الذمة. وأمّا الكراءُ فصعْبُ الفرقِ بينه وبين غيره. وغايته أن يُقَال فيه: إن الكراء يِرِدُ على المنافع المعدومة، فلو كان النقدانِ لا يتعينان لكان الكِراء أيضا في الذمة، فيشبه بيعَ الدين بالدين، وهو حرام. غير أن هذا الفرق مشكل بأنه يُجَوِّزُ الكراء على الذمة تصريحا، وتَعَيُّنْهُ بعد ذلك. المسألة الثالثة: إذا جرى غيرُ النقدين مَجراهما كالفلوس وغيرها، قال سَنَدٌ: مَن أجْرى الفلوس مَجْرى النقدين في تحريم الربا جعلها كالنقدين، ومَنَعَ البدلَ في الصرف إذا وُجد بعضها رديئاً، وفيها ثلاثة أقوال: التحريم، والاباحة، والكراهة. الصورة الثانية المستثْناةُ من المُشخَّصات: ما قاله ابن القاسم في المدونة، إذا كان الدينُ لأحَد فلا يجوز أن ياخذ فيه سكنى دارٍ، أو خدمةَ عبدٍ، أو ثمرةً يتأخر قبضها، وإن عَيَّن جميع ذلك، وأجْرَاه مَجْرى فسخ الدين في الدين، وهو أوْجَهُ. (٧٢) وقال أشهب: يجوز ذلك لأجْل التعيينِ، والمعيَّنُ لا يكون في الذمة (٧٣)، وما لا يكون في الذمة لا يكون دَيْنا، فليس ها هنا فسخُ الدين فيِ الدين، وهو أوْجَهُ.

стр. 621

القسم الثالث من أصل التقسيم، الآخِذُ شَبَهاً من الطرفين، وهو بيْعُ الغائب على الصِفة. فَمِنْ جهةِ أنهُ غير مَرْئي أشْبهَ ما في الذمة، ولذلك قُبِلَ ضمانهُ من البائع، ومن جهة أن العقد لم يقع على جنس، بلْ على شخص، أشبه المعَيَّن، ولهذا قبِل ضمانه من المشترِي. (٧٤) القاعدة الخامسة عشرة: أقرر فيها ما يجوز بيعه قبل قبضه وما لا يجوز (٧٥). قال صاحب الجواهر: لا يمتنع شيء من التصرفات قبْل القبض إلا البيعَ، فيُمْنَع (٧٦). وقال الشافعي وأبو حنيفة: يمتنع التَّصرفُ قبل قبض المبيع مطلقا. ثم هل هذا خاص بالطعام أولا؟ ، مالك يجعله خاصا به، وأبو حنيفة والشافعي يجعله عاما في كل شيء، غيرَ أن أبا حنيفة يستثني العقار، فإنه يجَوِّزُ بيعه عنده قبل قبضه، ولم يستثن الشافعي شيئا. فمالكٌ أخذ بقول الصحابي: "نهى رسول الله ﷺ عن بَيْع الطعام قبل قبضه، " (٧٧)، والشافعي أخذ بالحديث الذي فيه النهي عن ربْح ما لم يُضْمَن (٧٨) وبحديث آخر، فيه النهي عن بيع ما لم يقبض (٧٩)، وبالقياس على الطعام

стр. 622

قلت: قد مضى في تقييد المطلق ما تقرر معه أن مَذْهَبَ الشافعي أقوى في هذه المسألة من مذهب مالك، واللهُ أعْلَمُ. قال شهاب الدين (٨٠): يجوز بيع الطعام قبل قبضه في خمسةِ مواضع: الهِبةِ، والميراثِ على اختلاف، والاستهلاكِ، والقَرض، والصكوك، وهي أْعطَيَاتُ الناس من بيت المال. ووقعت الرخصة في الشركة في الطعام قبل قبضه، وفي الإِقالة، والتوليةِ، تنْزيلا للثاني منزلة الاول، بِشرطِ ألَّا يفترق العقدانِ في أصلٍ أو مقدار أو غيرهما، ومنعَ الشافعي وأبو حنيفة وأحمد جميعَ ذلك، نظراً للنقل والمعاوضة. القاعدة السادسة عشرة: أقرر فيها ما يتْبَعُ العقدَ عُرفا ومالَا ، (٨١) فأقول:

стр. 623

قال صاحب الجواهر وغيره: إذا قال: أشركتُكَ معي في السلعة يُحْمَل على النِصْف. ثم الأرضُ يندرج في بيعها الأشجارُ والبناءُ والحجارةُ المخلوقةُ فيها دون المدفونة. وكذلك يندرج في بيعها الزرعُ الكامن، بخلاف الزرع الذي ظهرَ. ويندرج أيضا في الارضِ المعدنُ، بخلاف الكنْز. وقال الشافعي: لا يندرج في الارض البناءُ الكثِيرُ ولا الغرس، وكذلك الدار يندرج فيها المعدِنُ دون الكنز، والأحجار الخلوقة دون المدفونة، والأبوابُ، والخوابي المدفونة، والرفوف المسمَّرة، والسُّلَّم المتنقل. وقال ابن حنبل كقولنا. وعندنا أيضا إذا باعه البناءَ يندرج فيه الارضُ والتوابيتُ ومرافق البناء كالأبواب والرفوف والسُّلم المثبوتِ دون المنقول. ولفظ الشجر تَتْبَعُهُ الارض. وقال ابن حنبل: لا تندرج الارض في لفظ الشجر. ولفْظُ المرابحة (٨٢) عندنا يقتضي أن كل صنعة قائمهَ كالصبغ والخياطة والكماد (٨٣) والطرز والغَسْل يُحسَبُ، ويحسَبُ له ربح. (وما ليس عينا قائمة ولا

стр. 624

يُنَمي السلعة في نفسها كنفقة الرقيق يحسَب ولا يُحسَبُ له ربحٌ)، (٨٤) وما ليس له عين قائمة ولا يُنْمي السلعة ذاتا ولا سوقا لا يحسب ولا يحسبُ له ربح، لأنه لم ينتقل للمشتري، فلا يقابَلُ بشيء، وهذِه الاحكام تتبع قوله: بعتك هذه السلعة مرابَحةً، للعشرة أحَدَ عشر، وما أشبهَ هذا القولَ، ولفظ العبد تتبعه ثيابه التي عليه إذا أشبهت مهنته دون ماله، وهذه الامور مبنية على العوائد، ولولاها لكان ما ذكرناه تحكما. وممَّا يُشْبِهُ هذه الاشياءَ وليس مبنيا على العوائد، بل مُسْتَنَدُه النص، قوله ﵊: "من باع نخلا قد أبِّرَتْ فثمرتها للبائع، إلَّا أن يشترطها المبتاع". (٨٥) ومفهومُه يقتضي أنها - إذا لم تؤَبَّرْ فللمبتاع، لأنه ﵇ جعلها للبائع بشرط الإِبَّار، فإذا انتفَى الشرط انتفى المشروط، فالأول مفهوم الصفة، والثاني مفهوم الشرط. والحنفية يقولون: هي للبائع مطلقا، (أَيْ كانتْ مُؤبَّرَةً أم لَا)، ولا يصح الاحتجاج عليهم بالمفهوم فإنهم لا يقولون به، ويقيسون الثمرة على الجنين إذا خرج لم يَتْبَع، وإلَّا تَبِعَ، (٨٦) وكذلك على الَّلبَن في الضرع.

стр. 625

القاعدة السابعةَ عشْرةَ: أقرر فيها ما يجوز به السَّلَمُ ويصح ، (٨٧) فأقول:

стр. 626

السَّلَمُ الجائز ما اجتهح فيه أربعةَ عَشَرَ شرطا: الأول: تسليمُ جميع رأس المال، حِذاراً من الدَّين بالدين. الثاني: السلامةُ من السلف بزيادة، فلا يُسْلِم شاةً في شاتين متقاربَتَيْ المنفعة. الثالث: السلامة من الضمان بِجُعْلٍ، فلا يُسْلَم جِذعٌ في نصف جذع من جنسه. (٨٨). الرابع: السلامة من النَّسَأ في الربوى، فلا يُسْلِم النقدين في تراب المعدن. الخامس أن يكون المسلَمُ فيه يمكن ضبطه بالصِفات، فيمتنع سَلَمُ خشبَة في تُراب المعادن. السادس أن يَقبل النقلَ حتى يكونَ في الذمة، فلا يجوز السَّلَمُ في الدُّور. السابع أن يكون معلومَ المقدار، فلا يُسْلَمُ في الجزاف. الثامن: ضبط الأوصاف التي تختلف الماليةُ باختلافها، نفْياً للغرر. التَّاسِعُ أن يكون مؤجَّلا، فيمتنع السَّلَم الحَالُّ. العاشر أن يكون الأجل معلوما، نفيا للغرَر. الحادي عشر، أن يكون الاجل زمان وجود المسْلَم فيه، فلا يُسلِمُ في فاكهة الصيف لياخذها في الشتاء. الثاني عشر: أن يكون مامونَ التسليم عند الأجل، نفْياً للغرر، فلا يُسلم في البستان الصغير. الثالثَ عشر أن يكون دينا في الذمة، فلا يُسْلِمُ في مُعَيَّن، لأنه متعين يتأخر قبضه وهو غرَرٌ.

стр. 627

الرابعَ عشرَ تَعيين مكان القبض باللفظ أو العادة، نفْيا للغرر، فمتى انخرَم شرط من هذه، فهو السَّلَمُ الممنوع. قال شهاب الدين: ولَمْ أر واحداً وصَّلها لعشرة، وهي أربعة عشر كما ترى، وفروع المدونة شاهدة لها، وفي الشروط ست مسائل (٨٩): المسألة الأولى (٩٠): الحَذَرُ من بيع الدين بالدين، أصلُه نهيه ﵇ عن بيع الكالئ بالكالئ (٩١) وكان هذا، لأن صاحب الشرع ما جاء إلا برفع الشغب وتقليلِ النزاع إن لم يستطح على رفعه، والكالئ بالكالئ مما يقَوِّي النزاع ويثيره، إذْ هُو طلَبٌ من الجهتين. ثم الكالئُ قد يكون من الكلاءة التي هي الحفظ والحراسة، وكل واحد من المتداينين وُراقب صاحبه ويحفظه لأجْل دَينه الذي له قِبَلَه، فهو اسم فاعل، وفي الكلام حذف، تقديره: النهي عن بيع مالِ الكالئ بمال الكالئ، لأن الرجلين لا يباع أحدما بالآخر، ويكون بمعنى اسم المفعول كالماء الدافق (٩٢)، ويُسْتَغْنَى عن الحذف، وقد يكون اسما للدينين ويُسْتَغْنى أيضا عن الحذف.

стр. 628

المسألة الثانية في بيان عِلة تحريم جَرِّ السلف للنفع للمُسْلِف، وذلك أن الله شرعَ السلف قَرْيَةً للمعروف، ولذلك استثناه من الربا المحرَّم، فيجوز دفع دِينارٍ لياخذ عوضه ديناراً إلى أجل قرضا، ترجيحا لمصلحة الإِحسان على مفْسدة الربا، (٩٣)، وهذا من الصور التي قدَّم الشرع فيها المندوبات على المحرَّمات، وهي من الصور التي تقتضي مصلحتها ترتيب الإِيجاب، لكن ترك الشرع ترتيب الإِيجاب عليها، رفقا بالعباد (٩٤). ويدلك على أن مصلحة السلف تقتضي الايجابَ معارضتُها للمحرم، بل أعظم من الايجاب لو كان، فإن المحرم يقدم على الواجب عند التعارض على الصحيح (٩٥)، فإذا وقع القرض ليجُرَّ نفعا، بطلت مصلحة

стр. 629

الإِحسان بالمكايَسة، فتبقى مفسدة الربا سليمة عن العارِض، فيترتَّب عليها التحريمُ.

стр. 630

المسألة الثالثة في الشرط الثاني. قال أبو الطاهر في ضبط هذا الشرط: المُسْلَم فيه إن خالف الثَّمَنَ جنسا ومنفعةً جاز لبُعْد التهمة (٩٦)، أو نفعا، امتنع، إلا أن يُسْلِم الشيءَ في مثله، فيكون قرضا بلفظ السَّلم فيجوز، واذا كانت المنفعة للدافع امتنع اتفاقا، وإذا دارتْ بين الاحتماليْن .. فكذلك، لعدم تَعَيُّنِ مقصود الشارع، فإن تمحّضَتْ للقابض فالجوازُ وهو ظاهرٌ، والمنع لصورة المبايعة، وللمسلفِ ردُّ العَيْن. وها هنا اشترط الدافع ردّ المِثل، فهو غرَضٌ له، وإن في اختلف الجنس دون المنفعة فقولان: الجوازُ، للاختلاف، والمنعُ، لأن مقصَود الأعْيان (٩٧) منافعها، وإن اختلفتْ دون الجنس، جاز لِتحقق المبَايَعَةِ. المسألة الرابعة في الشرط الثالث وهو الضمان بجُعْل: في بيان سره، وذلك ببيان قاعدةٍ، وهي أن الأشياء ثلاثة أقسام: قسم اتفق الناسُ على أنَه قابل للمعاوضة، وقسم اتفق الناس على عدم قبوله للمعاوضة كالدَّم والخنزير ونحوهما من الأعيان، والقُبَل والعِناق من المنافع. ويدل على ذلك أنه لا قيمة لها عند الجناية عليها، ومنها ما اختُلِفَ فيه هل يَقبل المعاوضة أم لا كالأزبال وأرْواث الحيوان من الأعيان، والأذان والإِمامة من المنافع، فقيل بالجواز، وقيل بالمنع (٩٨). إذا تقررت هذه القاعدة فالضمان في الذم من قَبيل ما منع الشرعُ المعاوضة فيه، وإن كان منفعة مقصودة للعقل كالقُبَلِ، وأنواع الاستمتاع مقصودة

стр. 631

للعقلاء ولا تصح المعاوضة عليها، فإن صحة المعاوضة حكمٌ شرعي، يتوقف على دليل شرعي، ولم يدل دليل عليه يوجب نفيه. المسألة الخامسة في الشرط التاسع، وهو منع السَّلَم الحَالِّ. وجوزه الشافعي وجعله من باب الأحْرَى والأوْلى، ولكنه لا يصح مع قوله ﵇: "مَن أسْلَمَ فليُسْلِم إلى أجل معلوم". المسألة السادسة في الشرط الثاني عشر. يجوز السَّلَمُ فيما ينقطع في بعض الأجل، ومنعه أبو حنيفة، واشترط استمرار وُجُودِ المُسْلَمِ فيه من حين العقد إلى حين القبْضِ محتجا بوجوهٍ. الأول احتمال موْتِ البائع فيحُل السّلَم بموته فلا يوجَدُ المسلَم فيه. الثاني، إذا كان معدُومًا قبل الأجل وجبَ أن يكون معدوما عنده، عملا بالاستصحاب فيكون غَررا، فيمتنع إجماعا. الثالث أنه معدوم عند العقد فيمتنع في المعدوم كبيع الغائب على الصفة إذا كان معدومًا الرابع أن العدم أبْلغُ من الجهالة فيبطل، قياسا عليها بطريق الأولى، لأن مجهول الوجود هو نفيٌ مَحْضٌ. الخامس أن ابتداء العقودِ آكدُ من انتهائها، بدليل اشتراط أجل معلوم فيه وهو المنفعة، فينافي التحديدُ أولَهُ دون آخره، وكذلك البيعُ يُشترط فيه أن يكون المبيع معلوما مع شروط كثيرة، ولا يشترط ذلك بعْدُ، فكل ما ينافي آخر العقل ينافي أولَهُ من غير عكس، والعدم ينافي آخر الأجلُ فينافي أول العقد بطريق الأولى. والجواب عن الأول أنه لو اعتُبِر لكان الأجلُ في السَّلَم مجهولا، لاحتمال الموتَ، فيلزم بطلان كل سَلمٍ، وكذلك ابيح بثمن إلى أجل، بل الأصل عدم تغير ما كان عند العقد، وبقاءُ الانسان إلى حين التسليم، فإن وقع الموت وُقِفَتْ التَّركةُ إلى الإبَّانِ، فإن الموتَ لا يُفسد البيع.

стр. 632

وعن الثاني أن الاستصحاب معارَض بالغالب، فإن الغالب وجودُ الأعيان في إبانها. وعن الثالث أن الحاجة إلى العدم في السَّلم بخلاف الغالب لا ضرورة تدْعو إلى ادعاء وجوده بل تجعله سَلَمًا. وعن الرابع أن المالية منضبطة مع العدم بالصفات، وهي مقصودُ عقود السَّلم (٩٩)، بخلاف الجهالة، ثم ينتقض ما ذكرتمْ بالاجارة تمنعها الجهالة دون العدم. وعن الخامس أنا نُسلم أن ابتداء العقود آكَدُ في نظر الشارع، لكن آكد من استمرار آثارها، ونظَرُهُ (١٠٠) ها هنا بعد القبض، وإلا فكلُّ ما يُشترَط من أسباب المالية عند العقد يشترط في المعقود عليه عند التسليم، وعدم المعقود عليه عند العقد مع وجود المعقود عليه عند التسليم لا مدخل له في المالية البتة، بل المالية مصونة بوجود المعقود عليه عند التسليم، فهذا العدم - حينئذ - طردي، فلا يُعتَبر في الابتداء ولا في الانتهاء، بل يتأكد مذهبنا بالحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قدِمَ المدينة ووجدهم يُسْلِمون في الثمار السنةَ والسنتين والثلاث، فقال ﵇: "من أسلَف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (١٠١)، وهو يدل من حيث إن ثَمَرَ السنتين معدوم، ومن حيث إِنهَ أطلق ولم يفرق، ومن حيث إن الوجود لو كان شرطا لبَيَّنه ﵇، لأن تأخر البيان عن وقت الحاجة ممنوع. واعْلم أن القرض خالف القواعد الشرعية من ثلاثة أوجه: ١) قاعدة الربا إن كان في الربويات كالنقدين والطعام، ٢) وقاعدة المزابنة،

стр. 633

وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه إن كان من الحيوان ونحوه من غير المثليَّات، ٣) وقاعدة ما ليس عندك في المِثليات. وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف للعباد، فلذلك متى خرج عن المعروف امتنع. سؤال: العارية معروفٌ (١٠٢) كالقرض، وإذا وقعت إلى أجل بعوض، جازت وإن خرجت بذلك عن المعروف فلم لا يكون القرض كذلك إذا خرج بالقصد إلى نفع المقرض عن المعروف يجوز؟ جوابه: إذا وقعت العارية بعوض صارت إجارة، والاجارة لا يُتصوَّر فيها الربا ولا المفاسد المذكورة في القرض، والقرض بالعوض بيعٌ فيُتصَوَّر فيه، وكذلك إذا وقع القرض في العروض هو ربًا، فلا يجوز، للآية، إلا ما خصَّهُ الدليل. القاعدة الثامنة عشرة في الصلح (١٠٣) إعلَمْ أن الصلْحَ في الأموال دائر بين خمسة أمور: البيع إن كانت المعاوضة

стр. 634

عن أعيانٍ، والصَّرْفِ إن كان فيه أخْذُ أحَدِ النقديْنِ عن الآخَرِ، والإِجارةِ إن كان عن منَافع، ودَفع الخصومة إن لم يتعيَّن شيءٌ من ذلك، والإحسانِ وهو ما يعطيه المُصَالِح من غيْر الجاني، (١٠٤)، ومتى تعيَّن أحدُ هذه الأبواب رُوعيت فيه شروط ذلك الباب، لقوله ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صُلْحا أحلَّ حراما أو حرَّم حلالا" ويجوز عندنا وعند أبي حنيفة على الإقرار والإِنكار، وقال الشافعي: لا يجوز على الإِنكار (١٠٥). والعجَب منه أنه يقول: للمدعي أن يدخل دار المدعَى عليه بالليل وياخذَ قدْر حقه، فكيف يمنع مع الموافقة من الخصم على الأخذ. نعَمْ، إن كان يعلم أنه ما طلبَ إلا باطلا فلا يحل له الأخذُ. القاعدة التاسِعة عشرة: في تقرير حكم الأهوية وتقرير حكم ما تحت الأبنيَّة . (١٠٦).

стр. 635

إعلم أن الأهْوِية يجرى عليها ما يجري على الأبنية، فالملوك لشخص معَيَّنِ، هواؤه كذلك، والمسجدُ هواؤه للمسجد، والوقْفُ هواؤه كذلك، فلا سبيل لأحدٍ أن يتعدى على شيء من ذلك بالبناء عليه، ولم يخرج عن هذه القاعدة إلَّا فرعٌ واحد. قال صاحب الجواهر: يجوز إخراج الرواشن (١٠٧) والأجنحة على الحيطان إلى طريق المسلمين إذا لم تكن مستندة، فإذا كانت مستنِدة لم يَجُزْ إلا برضا أهلها كلهم. وسبب خروج الرواشن عن هذه القاعدة أن الابنية هي بقية المواتِ الذي كان قابلا للإحياء، مُنعَ الإحياء فيه لضرورة السلُوكِ ورَبْطِ الدوابِّ وغير ذلك، ولا ضرورة في الهواء، فبقي على حاله مباحا في السكة (١٠٨) النافذة، وأما المستندة فلا، لحصول الاختصاص، وتعيُّن الضرر عليهم. (١٠٩) وأما ما تحت الأبنية الذي هو عكس الأهوية التي جهة السفل فظاهر المذهب أنه مخالف لحكم الابنية، ولهذا قال صاحِبُ الطراز: إنَّ المسجد إذا حُفِرَ تَحتَه مطمورة يجوز أن يَعبُرَهَا الجنُبُ والحائض. وقال: لو أجزْنا الصلاة في الكعبة وعلى ظهرها لم نُجزْها في مطمورة تحتها، فهذا تصريح بمخالفة الأهوية لما تحت الأبنية، إذْ لا يجيزون أن يَمرّ الجنب في أهوية المساجد، ولهذا اختلفوا، مَن ملك أرْضًا هل يملك ما فيها وما تحتها أوْ لا، ولم يختلفوا في ملك ما فوق البناء في الهواء (١١٠).
следующие страницы →