← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

للعقلاء ولا تصح المعاوضة عليها، فإن صحة المعاوضة حكمٌ شرعي، يتوقف على دليل شرعي، ولم يدل دليل عليه يوجب نفيه. المسألة الخامسة في الشرط التاسع، وهو منع السَّلَم الحَالِّ. وجوزه الشافعي وجعله من باب الأحْرَى والأوْلى، ولكنه لا يصح مع قوله ﵇: "مَن أسْلَمَ فليُسْلِم إلى أجل معلوم". المسألة السادسة في الشرط الثاني عشر. يجوز السَّلَمُ فيما ينقطع في بعض الأجل، ومنعه أبو حنيفة، واشترط استمرار وُجُودِ المُسْلَمِ فيه من حين العقد إلى حين القبْضِ محتجا بوجوهٍ. الأول احتمال موْتِ البائع فيحُل السّلَم بموته فلا يوجَدُ المسلَم فيه. الثاني، إذا كان معدُومًا قبل الأجل وجبَ أن يكون معدوما عنده، عملا بالاستصحاب فيكون غَررا، فيمتنع إجماعا. الثالث أنه معدوم عند العقد فيمتنع في المعدوم كبيع الغائب على الصفة إذا كان معدومًا الرابع أن العدم أبْلغُ من الجهالة فيبطل، قياسا عليها بطريق الأولى، لأن مجهول الوجود هو نفيٌ مَحْضٌ. الخامس أن ابتداء العقودِ آكدُ من انتهائها، بدليل اشتراط أجل معلوم فيه وهو المنفعة، فينافي التحديدُ أولَهُ دون آخره، وكذلك البيعُ يُشترط فيه أن يكون المبيع معلوما مع شروط كثيرة، ولا يشترط ذلك بعْدُ، فكل ما ينافي آخر العقل ينافي أولَهُ من غير عكس، والعدم ينافي آخر الأجلُ فينافي أول العقد بطريق الأولى. والجواب عن الأول أنه لو اعتُبِر لكان الأجلُ في السَّلَم مجهولا، لاحتمال الموتَ، فيلزم بطلان كل سَلمٍ، وكذلك ابيح بثمن إلى أجل، بل الأصل عدم تغير ما كان عند العقد، وبقاءُ الانسان إلى حين التسليم، فإن وقع الموت وُقِفَتْ التَّركةُ إلى الإبَّانِ، فإن الموتَ لا يُفسد البيع.

стр. 632

وعن الثاني أن الاستصحاب معارَض بالغالب، فإن الغالب وجودُ الأعيان في إبانها. وعن الثالث أن الحاجة إلى العدم في السَّلم بخلاف الغالب لا ضرورة تدْعو إلى ادعاء وجوده بل تجعله سَلَمًا. وعن الرابع أن المالية منضبطة مع العدم بالصفات، وهي مقصودُ عقود السَّلم (٩٩)، بخلاف الجهالة، ثم ينتقض ما ذكرتمْ بالاجارة تمنعها الجهالة دون العدم. وعن الخامس أنا نُسلم أن ابتداء العقود آكَدُ في نظر الشارع، لكن آكد من استمرار آثارها، ونظَرُهُ (١٠٠) ها هنا بعد القبض، وإلا فكلُّ ما يُشترَط من أسباب المالية عند العقد يشترط في المعقود عليه عند التسليم، وعدم المعقود عليه عند العقد مع وجود المعقود عليه عند التسليم لا مدخل له في المالية البتة، بل المالية مصونة بوجود المعقود عليه عند التسليم، فهذا العدم - حينئذ - طردي، فلا يُعتَبر في الابتداء ولا في الانتهاء، بل يتأكد مذهبنا بالحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قدِمَ المدينة ووجدهم يُسْلِمون في الثمار السنةَ والسنتين والثلاث، فقال ﵇: "من أسلَف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (١٠١)، وهو يدل من حيث إن ثَمَرَ السنتين معدوم، ومن حيث إِنهَ أطلق ولم يفرق، ومن حيث إن الوجود لو كان شرطا لبَيَّنه ﵇، لأن تأخر البيان عن وقت الحاجة ممنوع. واعْلم أن القرض خالف القواعد الشرعية من ثلاثة أوجه: ١) قاعدة الربا إن كان في الربويات كالنقدين والطعام، ٢) وقاعدة المزابنة،

стр. 633

وهي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه إن كان من الحيوان ونحوه من غير المثليَّات، ٣) وقاعدة ما ليس عندك في المِثليات. وسبب مخالفة هذه القواعد مصلحة المعروف للعباد، فلذلك متى خرج عن المعروف امتنع. سؤال: العارية معروفٌ (١٠٢) كالقرض، وإذا وقعت إلى أجل بعوض، جازت وإن خرجت بذلك عن المعروف فلم لا يكون القرض كذلك إذا خرج بالقصد إلى نفع المقرض عن المعروف يجوز؟ جوابه: إذا وقعت العارية بعوض صارت إجارة، والاجارة لا يُتصوَّر فيها الربا ولا المفاسد المذكورة في القرض، والقرض بالعوض بيعٌ فيُتصَوَّر فيه، وكذلك إذا وقع القرض في العروض هو ربًا، فلا يجوز، للآية، إلا ما خصَّهُ الدليل. القاعدة الثامنة عشرة في الصلح (١٠٣) إعلَمْ أن الصلْحَ في الأموال دائر بين خمسة أمور: البيع إن كانت المعاوضة

стр. 634

عن أعيانٍ، والصَّرْفِ إن كان فيه أخْذُ أحَدِ النقديْنِ عن الآخَرِ، والإِجارةِ إن كان عن منَافع، ودَفع الخصومة إن لم يتعيَّن شيءٌ من ذلك، والإحسانِ وهو ما يعطيه المُصَالِح من غيْر الجاني، (١٠٤)، ومتى تعيَّن أحدُ هذه الأبواب رُوعيت فيه شروط ذلك الباب، لقوله ﵇: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صُلْحا أحلَّ حراما أو حرَّم حلالا" ويجوز عندنا وعند أبي حنيفة على الإقرار والإِنكار، وقال الشافعي: لا يجوز على الإِنكار (١٠٥). والعجَب منه أنه يقول: للمدعي أن يدخل دار المدعَى عليه بالليل وياخذَ قدْر حقه، فكيف يمنع مع الموافقة من الخصم على الأخذ. نعَمْ، إن كان يعلم أنه ما طلبَ إلا باطلا فلا يحل له الأخذُ. القاعدة التاسِعة عشرة: في تقرير حكم الأهوية وتقرير حكم ما تحت الأبنيَّة . (١٠٦).

стр. 635

إعلم أن الأهْوِية يجرى عليها ما يجري على الأبنية، فالملوك لشخص معَيَّنِ، هواؤه كذلك، والمسجدُ هواؤه للمسجد، والوقْفُ هواؤه كذلك، فلا سبيل لأحدٍ أن يتعدى على شيء من ذلك بالبناء عليه، ولم يخرج عن هذه القاعدة إلَّا فرعٌ واحد. قال صاحب الجواهر: يجوز إخراج الرواشن (١٠٧) والأجنحة على الحيطان إلى طريق المسلمين إذا لم تكن مستندة، فإذا كانت مستنِدة لم يَجُزْ إلا برضا أهلها كلهم. وسبب خروج الرواشن عن هذه القاعدة أن الابنية هي بقية المواتِ الذي كان قابلا للإحياء، مُنعَ الإحياء فيه لضرورة السلُوكِ ورَبْطِ الدوابِّ وغير ذلك، ولا ضرورة في الهواء، فبقي على حاله مباحا في السكة (١٠٨) النافذة، وأما المستندة فلا، لحصول الاختصاص، وتعيُّن الضرر عليهم. (١٠٩) وأما ما تحت الأبنية الذي هو عكس الأهوية التي جهة السفل فظاهر المذهب أنه مخالف لحكم الابنية، ولهذا قال صاحِبُ الطراز: إنَّ المسجد إذا حُفِرَ تَحتَه مطمورة يجوز أن يَعبُرَهَا الجنُبُ والحائض. وقال: لو أجزْنا الصلاة في الكعبة وعلى ظهرها لم نُجزْها في مطمورة تحتها، فهذا تصريح بمخالفة الأهوية لما تحت الأبنية، إذْ لا يجيزون أن يَمرّ الجنب في أهوية المساجد، ولهذا اختلفوا، مَن ملك أرْضًا هل يملك ما فيها وما تحتها أوْ لا، ولم يختلفوا في ملك ما فوق البناء في الهواء (١١٠).

стр. 636

والفرق كان، (١١١) لأن الناس تتوفر دواعيهم على العلو لأجل النظر إلى المواضع البعيدة من الأنهارِ وغيرها، ولمقاصد جمَّةٍ، ولا يتشوفون في السفل إلا إلى الأساس فقط. وقاعدة الشرع أنه إنما يُمَلِّك لأجل الحاجة، وما لا حاجة فيه لا يشرَعُ فيه المِلك، فلهذا لم يُمَلِّك ما تحت الأبنية، (١١٢) ومن رأي تملك ما تحت الارض فقد استدل بقوله ﵇: "من غصَب شبرًا من ارض طوِّقَه يوم القيامة إلى سبع أرَضِين" (١١٣).

стр. 637

وأجاب شهاب الدين عن هذا بأن قال: تطْويقه إنما كان عقوبة، لَا لأجل مِلك صاحب الشِّبرِ فيه، ولا يلزم من العقوبة بالشيء أن يكون مملوكا لغير الله تعالى. (١١٤) قلت: لا يتحقق العدل الَّا على ما قاله المستدل، وقاعدة العَدْل تُنقَض على شهاب الدين، ﵀ تعالي، والله أعلم. القاعدة العشرون: أقرر فيها ما معنى الذمة وما معْنَى أهلية المعاملة (١١٥) فأقول: من الناس من يعتقد أنهما بمعنى واحد وليس كذلك، بل كل واحد منهما أعم من الآخر بوجه وأخص بوجه، إذ قد يوجدان معا، وقد يوجد أحدهما دون الآخر كالحيوان والأبيض، فالصبيان المميِزُون يصح بيعهم وشراؤهم، ويقف اللزوم على إجازة الولي. والشافعي يقول: لا يجوز ولا ينعقد أصلا. وابن حنبل يقول: ان أذن له الولي ثم عقَدَهُ صح، وإلَّا فلا. واتفق الجميع على عدم الذمة في حقه،

стр. 638

فهذا قد وجد فيه عندنا وعند أبي حنيفة وابن حنبل أهليَّة التصرف ولم توجد فيه الذمة، وتوجد الذمة بدون أهلية التصرف، كالعبيد، فإنهم محجور عليهم لحَق السادات، وإن قلنا: إنهم يملكون، فلا يجوز لهم التصرف إلا بإذن السيد، سَدًّا لذريعة إفساد مالِهِم، ولَوْ جنَوْا جناية ولم يقع الحديث فيها ولا الحكم كانت متعلقة بذمتهم، إذا عَتَقُوا طولبوا بها، بحلاف الصبي إذا بلغ، لا يطالَب بما تقرر في ذمته قبل البلوغ، لكن بما تقدم سببُه قبل البلوغ يطالَبُ به الان، والعبدُ يُطالَب بما تعلقَ بذمته قَبل العِتْق، فيكون قد تقدم في حق العبد السببُ واللزوم، وفي حق الصبي السبب دون اللزوم. وتوجد أهلية التصرف والذمة معا في حق الحر البالغ الرشيد، فظهر ما قلناه من أنهما متغايران، وأن أحدهما أعمُّ من الآخَر بوجهٍ وأخصُّ منه بوجهٍ آخَرَ. فإن قلت: قولك أعمُّ وأخص حكْمٌ على الذمة والأهلية، والحكم عليهما ثانٍ عن معرفتهما، إذْ الرَّدُّ والقَبول فرعٌ عن كون الشيء معقولا. (١١٦). قلت: العبارة الكاشفة عن الذمة أنها معنى شرعي مقدر في المكلف، قابلٌ للالتزام واللزوم، وهذا المعنى جعله الشرع مستتبعا أشياء خاصة:

стр. 639

منها البلوغ)، ومنها الرشد، فمن بلغ سفيهًا لا ذمَّةَ له، ومنها ترْك الحِجر، فمنْ اجتمعتْ له هذه الشروط رتَّب الشرعُ عليها تقديرا في المكلف، (١١٧)، يَقبَلُ إلزامُه أرُوشَ الجنايات وأجْر الاجارات وأثمانَ المعاملات ونحو ذلك من التصرفات، ويَقبَل التزامَه إذا التزم شيئا اختيارا من قِبَلِ نفسه لزمه، واذا فُقِد شرط من هذه الشروط لم يقدّر الشرع هذا المعنى القابل لما ذُكر، وبهذا المعنى المقدَّر في الانسان يصح سائر الالتزامات والإِلزامات، وبِعَدَمه لا يصح شيء من ذلك. وأما أهلية التصرف فحقيقتها عندنا قَبولٌ يقدره صاحب الشرع في المحل. وسبَبُ هذا القبولِ المقدَّرِ، التمييزُ عندنا، وعند الشافعي التمييز مع التكليف. وهذا القَبولُ الذي هو أهلية التصرف لا يُشترطَ فيه عندنا الإِباحة، فإن الفضولي، عندنا له أهلية التصرف، وتصرُّفه حرام، وللمالك عندنا إمضاء ذلك التصرفِ من غير تجديد عقد آخر. ثم إن أهلية التصرف قد توجد في النكاح الذي لا يثبت في الذم كتصرف الأولياء فيما لهم عليه الولاية. (١١٨).

стр. 640

وأنواع التصرفات كثيرة مما لا يثبت في الذمة، فالفرق بينهما من حيث إن التكليف شرط في الذمة بلا خلاف، وفيه الخلاف في الأهلية، والأهلية قبول بلا إلزام ولا التزام، والذمة فيها الإِلزام والالتزام. (١١٩) فإن قلت: هُما من خطاب الوضح أو من خطاب التكليف (١٢٠)؟ قلت: الذي يظهر أنهما من خطاب الوضع، ويرجعان إلى التقادير الشرعية، وهي إعطاءُ الموجود حكمَ المعدوم، أو إعطاء المعدوم حكم الموجود، وأهلية التصرف من القسم الثاني، وهُوَ إعطاء المعدوم حكمَ الموجود، لأن النسبة لا وجود لها، وهي قدَّرها صاحب الشرعِ موجودةً عند وجود سببها.

стр. 641

القاعدة الحادية والعشرون: أقرر فيها ما معنى المِلْكِ وما معْنَى التصرف ، (١٢١) ويَظْهَرُ الفرق أيضًا بذلك بينهما، وهُمَا غيرانِ، لأن المحجور يَملِك ولا يتصرف، والولى يتصرف ولا يملك. وقَد يوجدانِ كالحر البالغ الرشيد يملك ويتصرف. وحقيقة المِلْكِ أنه حُكْم شرعي مقدَّر في العَيْن أو المنفَعةِ يقتضي تمكينَ من يضاف إليه مِن انتفاعه بالمملوك، والعِوَض عَنْه من حيث هذا كذلك. (١٢٢). أما قولنا: هو حكم شرعي فبالاجماع، ولأنه يتبع الأسباب الشرعية (١٢٣). وأما أنه مقدرَّ فلأنه يرجع إلي تعلُّقِ إذنِ الشرع، والمُعَلَّقُ عَدَمِيٌّ ليس وصفًا حقيقيا بل يقدَّر في العين أو المنفعة عند تحقيق الاسباب المفيدة للمِلْك. (١٢٤).

стр. 642

وقولنا: في العين أو المنفعة فإن الأعيان تُمْلَكُ كالبيع، والمنافع كالإجارة. (١٢٥) وقولنا: يقتضي انتفاعه بالمملوك، ليخرج التصرف بالوصيةِ. والوكالة، وتَصَرُّفُ. القضاةِ في أموال الغائبين والمجانينِ (١٢٦). وقولُنَا: والعوض عنه، يخرج عنه الإباحات في الضيافات، فإن الضيافة مأذونٌ فيها وليست مملوكة على الصحيح. وكذلك يخرج الاختصاصات بالمساجد والاوقاف وما أشبه ذلك، فإنه لا مِلك فيها لأحَدٍ، مع المُكْنة الشرعية من التصرف في هذه الامور (١٢٧). وقولنا: من حيث هو كذلك، هو إشارة إلي أنه قد يتعذر ذلك لعارض كالمحجور عليه، ولا تَنَافىَ بين القَبول الذاتي والاستحالةِ من خارج، فالمِلْكُ يقتضِى التصرفَ، والحِجْر يقتضي المنع منه. (١٢٨)

стр. 643

ثم المِلْك، الظاهرُ أنه من خطاب التكليف، فإنه، إباحةٌ خاصةٌ في تصرُّفات خاصة، وأخذُ العوض عن ذلك المملوك على وجه خاص، (١٢٩) وخطاب الوضع هو نَصْبُ الأسباب والشروط والموانع والتقادير الشرعية.

стр. 644

وقال المازري: قول الفقهاء: المِلْكُ يحصل في الأعيان وفي المنافع ليس على ظاهره، بل الأعيانُ لا يملكها إلا الله تعالى، لأن المِلك هو التصرف، ولا يَتصرف في الاعيان بالايجاد والإعدام الا اللهُ تعالى، وتصرُّفُ الخلْق إنما هو في المنافع فقط. القاعدة الثانية والعشرون (١٣٠) رجّحَ مالِكٌ ﵀ مُعامَلَة المسلمين على معاملة الكفار وقال: أكْرَهُ الصرف من صيارفة أهل الذمة، وجوَّز أبو حنيفة الرِّبا الحربيِّ، لقوله ﵇: "لَا رِبَا إلَّا بين المسلمين" (١٣٠ م)، والحرْبِىُّ ليس بِمُسْلمٍ - وقال اللخمي وغيرُهُ: إذا ظهر الربا بين المسلمين فمعاملة الذمي أولى، لوجهين: الأول أنهم ليسوا بمخاطَبين بالفروع على قول، ولم يَقَعْ خلاف في أن المسلِمَ مخاطَب بالفروع. الوجه الثاني أن الكافر إذا أسلم ثبتَ مِلْكُه على ما كسب بالربا والغصب وغيره، وإذا تابَ المسلم لا يثبت مِلْكُه على شيء من ذلك، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾، (١٣١)، وما هو بصدد الثبوت أولى مما ليس كذلك.

стр. 645

القاعدة الثالثة: والعشرون: أقرر فيها ما مصلحته من العقود في اللزوم وما مصلحته عدم اللزوم ، (١٣٢) فأقول: إعلَمْ أن الأصل في العقود اللزومُ، لأن العقد إنما شُرِع ليحصُلَ المقصود من المعقود به أو المعقودِ عليه، ودفعُ الحاجات يناسِبُ ذلك اللزوم، دفعًا للحاجة وتحصيلا للمقصد. ثم ان العقود بعد هذا أنقسمت قسمين: أحدهما كذلك، كالبيع والإجارة والنكاح والهبة والصدقة وعقود الولايات، فإن التصرف المقصود بالعقدِ يحصل عقِب العقد، والقسم الآخَرُ مصلحتُه مع الجواز لا مع اللزوم، وهذه خمسة عقود: الجعالة، والقراضُ، والمغارسة، والوكالة، وتحكيم الحاكم، ما لم يشرعا في الحكومة. فالجعالة لو جُعِلت على اللزوم لكان فيها ضرر عظيم، فإنما بُنيتْ على الجهل، فلو اطَّلعَ على بُعد الآبِقِ مثلا لكنا قد طوَّقناه المضرَّةَ حينئذ، كذلك المقارِض قد يتَّصل به أن السلع متعذرة أو لَا ريح فيها، فلوْ ألزمناه ذلك لأضررنا بالعامل، وكذلك الغارس قد يطلع على تعذر ذلك العمل وأنه لا يفيد فائدة. وكذلك الوكالةُ قدْ يَطلع فيما وُكِّل عليه على تعذرٍ أو ضرَرٍ، فجُعلت على الجواز، وتحكيم الحاكم خطرٌ على المحكوم عليه، (١٣٣) فجُعلت هذه على الجواز لا على اللزوم. القاعدة الرابعة والعشرون: أقرِر فيها ما يُمنَع فيه الجهالةُ وما يُشترَطُ فيه الجهالة بحيث لو فقِدت فَسَد . (١٣٤)

стр. 646

أما ما تُفسده الجهالة فالبياعات وكثيرٌ من الاجارات، ومن الاجارة قسم لا يجوز تعَيُّن الزمان فيه، يل يُترَك مجهولا كخياطة، بأن يقول: اليوم، لأن ذلك موجِب للغرر، يل مصلحته أن يبقى مطلقا. وكذلك الجعالة لا يحوز أن يكون العمل فيها محدودا، لأن ذلك يوجب الغرر، كأنْ لا يجد الآبق في ذلك الوقت، فالجهالة في هذين القسمين شرط، وفي غيرهما هي مانع. وقد نبّهَنا على ما يقال له: جمعُ الفرق، وذلك أن يكون المعنى المناسِبُ يناسب النفىَ والإثبات، ويناسِبُ الضِدَّين فيترتبان عليه في الشريعه، وهو قليل في الفقه. (١٣٥) القاعدة الخامسة والعشرون: أقرر فيها ما يَثْبُتُ في الذمم وما لَا ، (١٣٦) فأقول: إعلم أن المعَيَّنات المشخَّصاتِ في الخارج، المرئية ـ لا تثبُتُ في الذمم، وكذلك من اشترى سلعةً معه فاستُحِقَّت انفسخ العَقْدُ، ولو كانت متعلقة بالذمة ما انفسخ، وانما يثبت في الذمه الكُلِّيُّ، حتى يسقط بوجود شخص من ذلك الكلي، أن كان المطلوب ثبوتَه لا نفيه ولهذا كان متى استُحِق ذلك المعيَّنُ الذي دُفع فيمَا يتعلق بالذمة لا يُفْسَح العقد، بل يتَعيَّنُ عليه أن يعطي مثل ذلك (١٣٧).

стр. 647

غير أن المالكية خالفتْ هذا اللفظ في النقود فإنها لا تتعَيَّنُ وإن عينَت، وهي متعلقة بالذم، إلا أن يكون هناك ما يُعَينها كأن يكون حلالا طيبا لا يوجد مثلها، أوْ مِنْ سكَّةٍ طيبة لا يوجَدُ مثْلُها. وكذلك خالفت هذا إذا كان لأحدٍ دَيْنٌ على رجل فأخذ منه ما يتأخر قبضُه كدار يسكنها. قال ابن القاسم: لا يجوز ذلك لأنه فسخ دَين في دَين، وشهاب الدين ﵀ ذكر فرقا بين الفسخ والانفساخ فقال: الفسخ قلبُ كل واحدٍ من العوضين لصاحبه، والانفساخ انقلاب كل واحد من العوضين لصاحبه، فالأول فعل المتعاقدين أو الحكَّام، والثاني صفة العوض. (١٣٨) - قلت: ولْنَذْكُرْ مسائلَ هي مشكلة من كتاب البيوع، تكملةً لهذه القواعد (١٣٩):

стр. 648

المسألة الأولى. قال مالك: لا يجور بيْع الآبق والجمَل الشارد، ويجوز بيْعُ مِلْك الغير، ويُوقَفُ على إجازة ربِّه، وفي كلا الموضِعَيْن الغَررُ، فلم كان ذلك؟ فالجوابُ أن الآبِق والجمَلَ الشارد غيرُ مقطوع على وجودهما حال العقد، ولا مقدورٍ على تسليمها، فلم يَجُزْ بيعهما، وليس كذلك بيْعُ ملك الغير، لأنه موجود حال العقد، ووقوفُ نفوذ البيع على إجازة ربه لا يمنع جوازه، لأنه كالخيار الذي لا يمنع صحة البيْع، هذا قاله بعض أصحابنا. قلت: هذا ضعيف، لأنَّ قوله في ملك الغير إنه موجود، إنْ أراد أنه موجود في نفسه فكذلك الآبقُ، هو موجود نفسه، وليس لهذا الوجود اعتبار، وإنما الاعتبار لوجود ذلك بِيَدِ البائع، وذلك مقصود فى الوجهين فلا فارقَ: وقال بعض الفقهاء: الأجْوَدُ أن يقال إن بيع الآبق والجمل الشارد إنما لم يَجُزْ، لأنه على مِلِّكِ ربه فى حكم التلف، وما هذا سبيلُه فلا يصح بيعُه، وليس كذلك بيع ملك الغير، لأن هذا المعنى غيرُ موجود فيه. المسألة الثانية: قال الفقهاء: الأمُر ببيع سلعة من السلع هو أمرٌ بقيضِ ثمنها مع بيعها، وقالوا في المرأة تأذَن لوليها في التزويج: ليس ذلك إذْنًا في قبض صداقها، وكلاهما عقدُ معاوضة، فَلِم كان هذا؟ فالجواب أن عقد البيع مفتقِر إلى ذكر الثمن، فكانَ الْإذن بالبيع إذنا له بالقبض. قلت: وهذا الفرق ليس بظاهرٍ عندي، بل الأوْلى أن يقال: عقدة (١٤٠) النكاح تتوقف على الزوج والزوجة والولى، ولم يُجعل الولىُّ نائبا

стр. 649

عنها مطلقا حتى لا يحتاج إليها كما الأمر في الوكيل في البيع، فكأنها لذلك ما جعَلَتْ، إلا الإِعطاءَ فقط دون القَبْضِ. المسألة الثالثة: قال مالك: إذا بيع مِلْك الغير وقف البيع على إجازة ربه، فإن مات ربُّه فانتقل المبيعُ إلى البائع كان له من الرد والإِمضاء ما كان لمالكه. وإذا باع العبد شيئًا مما يملكه وُقفَ البيعُ على إجازة سيده، فإن أعتقه قيل علمه بذلك لزمه البيع ولم يكن له الخيار، وفي كلا الموضعْين، العقد موقوف على الإِجازة، فلِمَ كان ذلك؟ ، فالجواب أن العبد إنما مُنِع من إمضاء اليبع لِحَقِّ السيد، فإذا أعتِق زال حقه فزال المنْعُ بزواله، وليس كذلك ملك الغير، لأنه موقوف على إذنه، فإذا مات انتقل الإذن إلى مستحق المييع، فيُثبُتُ له من ذلك ما كان ثابتا لمالكه، فكان له أن يجيز أو يرُدَّ، لأنه غير مالكٍ له أولًا، بخلاف العبد، فافترقا. المسألة الرابعة: قال ابن عبد الحكم: من أمَرَ رجلا يقضي عنه نصف دينار لغريم فقضى عنه دراهم كان أمرُه بالخِيار، ان شاءَ دفع اليه نصفَ دينار، وإن شاء دفع اليه دراهمَ، ولو دفع عرضا في نصف الدينار كان على الآمر أن يدفع اليه نصف الدينار، وفي كلا الموضعين قد دفع ما أمر به، فلِمَ كان الفرق؟ . فالجواب أن الدراهم والدنانير ينوب بعضها عن بعض، لأنها قِيَمُ المُتلَفات وأروش الجنايات، فكان مخيَّرًا في الدراهم، لأن أحدهما كالآخر، وليس كذلك في العروض، لآنها لا تنوب عن الذهب ولا تقوم مَقامه، فإذا دفع عنه سلعة فكأنه باعه إيَّاها ينصف الدينار الذي أمَرَه بدفعه، فلهذا لم يكن مخَيَّرًا، والله أعلم. المسألة الخامسة قال مالِك: إذا اشترى أحدٌ شِقصًا بعبدٍ فهلَكَ العبدُ ثم قام الشفيع يطلب الشفعة فالقول قول المشتري في قيمة العبد، واذا غاب الرهن الذي يُغابُ عليه عند المرتهن، فاختلف الراهن والمرتهِن في صفته، فإذا وصفه

стр. 650

حلف على تلك الصِفَة ثم لزمه قيمتُها، وفي كِلا الموضعين، المستَحق قيمةٌ. فلِمَ كان ذلك؟ . الجواب أن الشفيع مُدعٍ على المشترى، فكان القول قولَ المشترى في قيمة العبد، فإن شاء الشفيع أخذ، وإن شاء تَرَك، وليس كذلك الرهن، لأن القيمة إنما تجب عند ثبوت صفته، لِأن الاختلاف إنما هو في الصفة، فلهذا لم يكن بُدٌّ من وصْفه. المسألة السادسة: إذا وَضع العبد الماذون له في التجارة من الثمن جاز إذا قصد بذلك وجْه التجارة، وكذلك الوكيل المفوّض اليه، وإذا باع الوكيل غيرُ المفوض اليه فوَضع من الثمن لم يَجُزْ، والإذن في البيع موجود في الجميع، فلم كان الفرق؟ فالجواب أن العَبْدَ الماذون له، والمفوَّضَ اليه، مفوَّضن اليهما التدبير، فكل ما رَأياهُ وجْهَ التدبير جازَ، وليس كذلك غيرُ المفوَّض اليه، لأنه لم يفوَّض إليه التدبيرُ، فَلَمْ يجزْ وضْعُهُ من الثمن. فإن قيل: فقد فوض اليه المصلحة في بيع هذه السلعة، فكل ما رآه وجها للبيع والمصلجة فيجب أن يَجُوزَ، قيل لهُ: ما ذكرته غير لازم، لأنه وإن كان مفوَّضًا اليه التدبيرُ في هذه السلعة فليس منها الوضع في الثمن، لأنه لا يرجو بذلك شيئا، وليس كذلك الماذون والمفوَّض اليه، لأنهما يرقبَانِ بالوضع المصلحةَ فيما بعْدُ. المسألة السابعة: قال مالك: تجوز البرآة في الرقيق دون غيره، والجميع برَآة من عيب، فلِمَ كانتْ التفرقة؟ . فالجواب أن البرآة إنما جازتْ في الرقيق لأجل الضرورة، وهي أن العيوب في الرقيق تخفَى، وفي غيره لا تخفَى، فلم تكن ضرورة في بيعه بالبرآة.

стр. 651

المسأله الثامنة: روى ابن القاسم عن مالك أن الولد أذا حدَثَ في أيام الخيار كان للمشتري إذا اختار الإمضاء وأذا وهب لها أوْ جُرِحتْ فأخذ عوضا لذلك الجرح لم يكن له إذا اختار الإمضاء، والجميع فيما وُجِدَ في أيام الخِيار، فلم كان ذلك؟ . فالجواب أن الولد وقع عليه البيع، فكان له أذا اختار الامضاء، لأنه كعضو منها، ألا ترى أنه لعصى لعتقها، وغيرُ الولد يقع عليه عقد البيع، لأنه منفصل منها. المسأله التاسعة: قال: لا يجوز الخيار في النكاح، ويجوز في البيع، وكلاهما عقد معاوضة، فلِمَ كان هذا الفرق؟ فالجواب أن الخيار في البيع إنما جُعل لِيُختَبَرَ المبيع، وهذا المعنى غير موجود في النكاح، لأنَّ الاختيار لا يوجد فيه، وذلك لأنه لا يوجَدُ إلا مع رفع الخيار، ولأنَّ البيع مبني على المكايَسة، فيحصل الخيار فيه، لئَلا يدخل الغبن علي أحد المتبايعين، والنكاحُ مبني على الوصلة فلم يُحتَجْ فيه للخيار. المسألة العاشرة: قال مالك: إذا ادَّعى أحد متبايعين في الخيار الإمضاء وإدعَى الآخَر الردَّ كان القول قوْلَ مدَّعي الرَّد، واذا ادَّعى أحدُ المتبايعيْن فساد البيع وادَّعَى الآخَرُ الصحةَ كان القول قولَ مدعي الصحة منهما، وفي الجميع كلُّ واحدٍ مدِّع تقضَ البيع، فلمَ كان ذلك؟ فالجواب أن في الخيار مدعي الإلزام مدعٍ على مدّعِي الرد، فكان القول قول الذي ادعى الرَّد لأن الأصل برَآة ذمته، ومدّعي الفساد للبيع مدَّع لبراءة ذمته، ولاصل شغْلُها، فلم يكن القولُ قولَه، وكان القول قولَ مدّعي الصحة، لأنهُ مدّعى عليه. المسأله الحادية عشرة: قال مالك فيمن باع دابة واستثنى ركوبها: إن كان يسيرا مثل اليوم واليومين جاز، وإن كان كثيرا لم يَجُز، ولوْ اشترط المشتري ركوبها

стр. 652

جاز، قليلا كان أو كثيرا، وفي كلا الموضعين فهو ركوبٌ مُنْضَمٌّ إلى البيع، فلِمَ كان ذلك؟ . فالجواب أنه إذا اشتثنى الركوبَ وكان كثيرا دخل البيعَ الغَرَرُ، لأن المشترى لا يُسَلَّمُ الدابةَ إلا بعْدَ أن تنقضي مدة الركوب فيها فيدخلها التغير، وهي باقية على مِلكه، وليس كذلك إذا اشترط الركوب، لأن المشتري يتسلم الدابة، وانما يجعل ذلك إجارة وبيْعًا، والإجارةُ والبيعُ يجوز اجتماعهما، لأنهما عقدانِ غيرُ متنافييْن. المسألة الثانية عشرة: قال مالك: يجوز ببع الشاة، واستثناءُ أطْرافِها في السفر، ولا يجوز ذلك في الحضَر، وفي كلا الموضعيْن قد وجِدَ الاستثناءُ للأطرف، فلِمَ كان هذا؟ . فالجواب أن السفر لا قيمةَ للأطرافِ فيه، فيحصل، كالذى لا حكْم له، وفي الحضر لها قيمةٌ وبَالٌ، فيدخُلُ ذلك المخاطَرَةُ. المسألة الثالثة عشرة: قال مالك: إذا أقرَضَ طعاما أو غيْرَهُ الي أجَلٍ من الآجالِ، فأُتي به قبْل محل الآجال لزِمه أخْذُهُ، ولا يَلْزَمه في السَّلَمِ قبل محل الآجال، وفي كلا الموضعين فالذِّمة تبرأ مما كانتْ مُشْغَلة بِهِ، فلِم كان ذلك؟ . فالجواب أن الأجل في القرض حق للمستقرِض دونَ المقْرضِ، فإذا قدّم ذلك قبل مَحَلِّ الأجل فقد رضي بإسقاط حقه، فلزم ربَّ المال أخْذُهُ، لأنه لاحقَّ له في الأجَل، والأجَلُ في السَّلَم حقٌّ للجميع، المسلِم والمسلَمِ إليه، فإذا اختار أحدُهما اسقاط حقه لم يَلزمَ للآخَرِ اسقاطُ حقه، هذا قوْل بعض شيوخِنَا. فان قيل: ومنْ أين كان الأجل في المرض للمُقْرَضِ دون المقْرِض، وفي السَّلَم حق للجميع؟ قيل: لأن المنفعة للمقرَض دون المقرِضِ، ألا تَرَى أنه متى حصَلتْ فيه المنفعة للمقْرِض لم يَجُزْ، فلهذا كان الأجل حقا له، والمنفعة في السَّلَم للجميع، لأنه إنما يُسْلِمُ اليه لِمَا يَرْجُوهُ من نَفَاقِ تلك السلعة عند تغيُّر الأسْواق، وينتفعُ المسلِمُ بتقديم المسْلَمِ إليه، للثَّمَن، فكل واحد منهما له منفعة.

стр. 653

وأيضا فإنما قدَّم الثمنَ ليسترخِص تلك السلعةَ إذا أتته عند محل الأجل، فإذا قُدمَتْ قبلَه بطَل هذا الغَرَضُ. المسألة الرابعة عشرة: إذا أقْرض منه شيئا فرد إلَيه أفضلَ منه جَازَ، وإن ردَّ أزيَدَ منه لمْ يَجُزْ، وفي كِلا الموضعيْن فقد وجِدَ الفضلُ، فلِمَ كان ذلك؟ فالجواب أن الزيادة في المثل تخْرجُ عن حدِّ المثل، وليس كذلك تغيُّرُ الصفة، لأن المماثَلة حاصلة معه، وفَرَّقَ بعض أصحابنا بما رُوِي عن رسول الله ﷺ أنه أقْرِضَ بَكْرًا فرَدَّ جَمَلًا رباعيا أفضلَ مما أخذَ، وفي هذا الفَرق نظرٌ، من حيث إنه دليل على المِثلِية دون الفرق، وانما الفرق ما ذَكَرْنا، وهذا دليل عاضِدٌ لما ذكرناه، وأيضا فإن التهمة تَقْوَى في الزيادة في المثْلِ دون الصفة، والله أعلم. المسألة الخامسة عشرة: قال مالك: يجوز بيْعُ تراب المعدنِ، ولا يجوز بيْع تراب الصاغة، وفي كلا الموضعيْن فالعين المشتَرَاةُ مرْئِية، فلِمَ كان هذا؟ . فالجواب أن تراب المعدن إنَّما جاز بيعه، لأن ما فيه من الذهب والفضة معروفٌ، (أي عند اهل البَصَرِ)، وتراب الصاغة لا يُعْلمُ ما فيه. وفرق بعضُ أصحابنا بأن قال: ترابُ المعدِن لا يَدْخله غِش، لأنه صنعة الخالق تعالى، وتراب الصاغة يدخله الغش لأنه صنعةُ خلوق، وفيه نَظرٌ. المسألة السادسة عشرة: قال مالك: يجوز بيع تراب المعدنِ ولا يجوز بيع الضريية، وهو بْيع ما يُخْرَجُ من المعدن في اليوم، وفي كلا الموضعين هو تراب معدن، فلِم كان هذا؟ فالجواب أن. الضَّريية مجهولة غيرُ معروفة، لأنه لا يُعْلَمُ ما يخرج في ذلك اليوم، ليس الامر كذلك في التراب لأنه معلوم غير مجهول. المسألة السابعة عشرة: قال مالك ﵀: من دفع إلى مالك غَزْلا، وقال: أنسجْهُ ثوْبا ولك نصْفُ الثوب لم يَجُز، وإن قال له: أنسجه ولك نصف الغزْلِ جاز، وفي كلا الموضعيْن فهو إجارة بنصف ما وقعَ، فلِمَ كان ذلك؟ .

стр. 654

فالجواب أنهُ إذا جعل نصْفَ الثوب أجْرَةً لعمله حصلت الإِجارة بأجرة مجهولة، لأن الثوب في الحال غيرُ معلوم، واذا استاجرَه بنصف الغزْل، حصلَتْ الإِجارة معلومةً.

стр. 655

الإِجارة وفيه سبع قواعد: القاعدة الأولى: أقرر فيها ما يملك من المنفعة بالاجارة وبيْن (١) ما لا يُملَكُ منها بالإِجارة (٢) فأقولُ: متى اجتمعت في المنفعة ثمانية شروط مُلِكَت بالإجارة، ومتى انخرَمَ شْرط لا تُمْلَكُ: الأول الإِباحة، احترازًا من الغِناءِ وآلات الطرب. الثاني كون المنفعة للعوض، احترازا من النكاح. الثالث كون المنفعة متقَوَّمة، احترازا من التافه الحقير الذي لا يقابَلُ بالعوض، واختُلِف في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب، فمنَعَه ابن القاسم. الرابع أن تكون مملوكة، احتِرازا من الأوقاف على السكنى كبيوت المدارس.

стр. 656

الخامس أن لا تتضمن استيفاءَ عَيْن، احترازا من إجارَة الاشجار لثمارها أو الغَنَم لنتاجها. واستُثنِيَ من هذه إجارة المرضع للبنها، للضرورة في الحضانة. السادس أن يُقْدرَ على تسليمها، احترازا من استئجار الأخرس للكلام. السابع أن تحصُلَ (٣) للمستاجِر، احترازا من الإِجارة على العبادات كالصوم ونحوه. الثامن كونها معلومة، احترازا من المجهولات من المنافع، كمن استاجر آلة لا يَدْري ما يَعمل بها، ودارًا غير معلومة، فهذه الشروط إذا اجتمعت جازت المعاوضة وإلَّا فلا. القاعدة الثانية: أقرر فيها ما للمستاجِر أخْذُهُ من ماله بعد انقضاء الإجارة مِمّا ليس له أخْذُه (٤)، فأقول: هذا يتبين بقاعدة، وهي أن الشرع لا يَعتبر من المقاصد إلا ما تعلق به غَرَضٌ صحيح مُحَصِّلٌ لمصْلحَةٍ، أوْ دارِءٌ لمَفسَدة، ولذلك لا يَسمع الحاكم الدعْوى في الأشياء التافهة الحقيرة التي لا يتشَاحُّ العقلاء فيها عادَة ونحوها، فلهذه القاعدة أيضا لا يُقبَل قولُ المستأجِر في قلع الشجرة التي لا قيَمة لها بعد القلع وإن كانتْ عظيمة المالية قبْل القلع، وكذلك البناء الذِي لا قيمة له

стр. 657

بعْد الهدم وإن عظمتْ قيمتُهُ قبل الهدم، وكذلك المستحَقُّ منه، والغاصب ونحوُهما، الجميع في ذلك سواءٌ، لأن قَلْعَهُ لمُجَرَّدِ الفسادِ لا لحصول مصلحة تحصل للقالع ولا لدرء مفسدة عنه، فيتعين بقاؤه في الارض المستاجَرة، يَنْتَفع به صاحب الارض، لأنها مالية مستهلَكة على وَاضعها شرعا، والمستهلَكُ شرعا لا تجب فيه قيمة، ويؤيد ذلك نهْيُهُ ﵇ عن إضاعة المال (٥)، فوجب المنع منه، ولهذه القاعدة أجَمع الناس على أن العروض تتعين بالتعيين، وكذلك الحيوان والطعام، لأنَّ لهذه الأشياء من الخصوصات والأوصاف ما تتعلق به الأغراض الصحيحة لما في المعيَّنات من الملاذِّ الخاصةِ بتِلْك الأعْيان. ومقتضى هذه القاعدةِ أنهُ إذا عَيَّن صاعا من صُبْرة وبَاعَه أنه لا يتعين، لأن الاغراض الصحيحة مستوية في الصُّبْرة، غيرَ أني لا أعلم أحدًا قال بعدم التمييز. واختلفوا في الدنانير والدراهم إذا عُينَتْ هل تتعيَّنُ أم لا؟ ثلاثة أقوال: ثالِثُها إن عيَّنها الدافع تعينت، لأنه أملَكُ بها وهو مالكُها، وإن عيَّنها القابض لا تتعيَّنُ، إلا أن تختص بصفةِ حِلِّ أو سكَّة راجحَةٍ (٦) فإنها تتعيَّن اتفاقا. القاعدة الثالثة: أقرر فيها ما يضمنه الأُجَرَاءُ عند الهلاك مما لا يضمنونه . (٧) إعْلَمْ أنَّ الهلاك على خمسة أقسام:

стр. 658

الاول: ما هلك بسبب حامله مِن عِثار أو ضَعْف حَبْلٍ لم يُغَرَّ (٧ م) بِه، أو ذهابٍ دابة أو سفينة بما فيها فلا ضمان ولا أجْرة، ولا عليه أن ياتي بمثله لِحَمْلِهِ، قاله مالك. وقال غيره: ما هلك بعثار كالهلاك بأمر سماوي. وقال ابن نافع: لِرَبِّ السفِينَةِ بحسابِ ما بلَغتْ. الثاني: ما غُرِّر فيه بِضَعف حَبْل، يَضْمَنُ القيمة بموضوع الهلاك، لأنه موضع أثَرِ التفريط، وله من الكراء بحسابه، وقيل: بموضوع الحمْل منه لأنه منه ابتدأ التعدِي. الثالث: ما هلك بأمْرٍ سماوي بالبينة، فله الكراء كُلَّهُ، وعَليْه حمْلُ مثلِه من موضوع الهلاك، لأن أجرة المنفعة مضمونة عليه. الرابع: ما هلك بقولهم من الطعام لا يُصَدَّقون فيه لقيام التهمة، ولهم الكرأء كله، لأنَّ شأن الطعام امتداد اليدِ إليه، لأنهم استحقُّوهُ بالعقد. الخامس: ما هلَكَ بأيديهم من العروض يُصَدَّقون فيه لبُعْد التهمة، ولهم الكراء كله، وعليهم حمْلُ مثِله من موضع الهلاك، لأنهم لمّا صُدِّقوا أشبهَ ما هلَك بأمر سماوي، وقال ابن حبيب: لهم من الكراء بحساب ما بلغوا، ويُفسَخ الكراء، لأنه لمّا كان لا يُعْلَمُ إلا من قولهم أشبَهَ ما هلك بِعِثار. قلت: لم يذكر إجارة الصُّناع على عمَلٍ في السلعة يُغَيّرها كالصَبْغ وأمثالِه، فإنه عند مالك يضمَنُ فيه الأجِيرُ، وهو بمنزلة الطعام الذي تمتد الأيدي إليه (٨).

стр. 659

القاعدة الرابعة: أقرِّرُ فيها ما للأجير إذا لم يعمل جميعَ العمل، (٩) فأقولُ: بأخذ بنسبةِ ما عَمِل، غيرَ أنه قد يقع الغلط في هذا. وبيان ذلك من حيث إنّ من استوجِرَ على خياطة ثوبيْن فخاط ثوبا واحدا وهو نصف ذلك العمل فله نصفُ الأجْرة، وهذا لا كلامَ فيه، ويقع الغلط فيمن استاجر رجُلا على أن يَحْفِر له بئرا: عشرةً في عشرة أذرعٍ، تكون مربَّعة، من كل جهةٍ عشرةٌ، يكون عمقها عشرةً في عشرة، فيعمل خمسةً في خمسة، أو استوجر على أن يعمل صندوقا عشرة في عشرة، فعمل خمسة في خمسة، قد يُظَنُّ هنا أن لهذين نِصفَ الأجرة، ولكن قال الفضلاء: له في مسألة البئِر الثُّمُن، وفي مسألة الصندوق الرُّبعُ، فلم يَجْرُوا على قاعدة الإِجارَة، ولمْ يَجْرُوا أيضا في المخالفة على نمط واحد. (١٠)

стр. 660

ووَجْهُ صحة ما قالوه أن البئر كلما تَنَزَّلَ فيها ذراعا فقد شَالَ من التراب ما مساحتة عشرة في عشرة، وذلك مائة، فكل ذراع ينزله في البئر - إذَنْ - مائة، والأذرُع عشرة، وعشرة في مائة بألف، والمستاجَرُ علَيه الفُ ذراع، فلمّا عمل خمسة في خمسة شال في الذراع الأول ترابَ خمسة في خمسة، وذلك خمسة وعشرون، فَكلُّ ذراع في هذا المعمول خمسة وعشرون، والأذرع المعمولة خمسة، وخمسة في خمسة وعشرين بمائة وخمس وعشرين، وذلك ما عَمِلَه، ونسْبتُهُ إلى الألف نسبة الثُّمُن، فيستحِق الثُّمُن. وأمّا الصندوق فليس فيه قعْر، وإلَّا استوت المسألتان، بل الألواح يُلَفِّقها، فهو استاجره على ستة ألواح، كل ناحية منها عشرة، وذلك دائرُهُ أربعة، وقَعْرُه وغطاؤُه، فكل لوح عشرة في عشرة، فهو مائة ذراع، والألواح ستة، فالمستاجَر عليه ستمائة، عَمِلَ منها خمسة في خمسة، فيكون كل لوح منها خمسة وعشرين المتحصِّلةَ من ضرب خمسة في خمسة، وخمسة وعشرين في ستة، مائة وخمسين، ونسبتُها إلى ستمائة نسبةُ الربع.

стр. 661

القاعدة الخامسة: أقرر فيها ما يُضمَن بالطرح من السفن وما لا يُضْمَن . (١١) قال مالك: إذا طُرِح المتاعُ رَجاءَ السلامةِ تَشَارَكَ في ذلك جميعُ أهلٍ المركب الذين لهم الأمْتعة، واختُلِف في الذهب إذا كان عند بعضهم، وفي العبيد إذا كانوا نواتيه (١٢) وكانوا للتجارة، هل يدخُلون في حساب ذلك أو لا؟ فقيل: لا يدخل العبيد ولا الذهب، وقيل بالتفريق، إلا أنْ يكون الذهب للتجارة فيدخل، وكذلك اختُلف في السفينة هل يُعمل حسابُها في المطروح أو لا؟ ، القولان موجودانِ، فقيل: إن خيف أن يصدم قاع البحر فطُرح لذلك دخلتْ في القيمة، وإلَّا فَلَا، وأهْل العراق يقولون: تدخُلُ، وجميع ما فيها ممّا هو للتجارة أو القِنْية من عبيد وغيرهم، لأنَّ أثر المطروح سلامةُ الجميع. وأجيبُوا بأن شأن المركَب أن يصِل برحاله سالِما التي البَرِّ، وإنما يُغْرِقهُ ما فيه عادةً، وإزالةُ السبب المُهلِك لا تُوجب شركة، بل فِعْلُ السَّبَبِ المنْجي، وهو فَرْقٌ حسَنٌ، فإن فاعل الضَّررِ شأنُهُ أن يَضمن، فإذا زال ضررُه نَاسَبَ أنَ لا يضمن، لعدم سَبَبِ الضمان، وفاعل النفع محَصِّل لِعَيْن المال، فناسَبَ أن يستحقه

стр. 662

أو بعضَه، لِأن مُوجِدَ الشَّىْء شأنُه أن يكون له، ويُبْدأ في الطرح بالأمتعة، ثم الْبَهَائِم لشَرَف النفوس. قال: والطَّرحُ عند الحاجة واجبٌ لا يجري فيه القولان اللذان للعلماء في دفع الداخل عليك البيتَ لطلَبِ النفس، أو مَن اضْطرَّ إلى أكل الميتة، فَفيهما قولان: أحدُهُما يجب الدفعُ والأكل، وثانيهما لا يجِبَانِ، لقصة ابنْي آدم، (١٣) ولقوله ﵇: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل (١٣ م)، وعليه اعتَمد عُثمان ﵁. والفرق بيِّنٌ، من حيث إن التَّرْك هُنا لاقتناء الأموال، وليس واجبًا، وهنالِك من حيث قتْل النفس، وهذا الترك واجب عليه، لأن القتل محرَّم (١٤). وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يضمن منِ أهل السفينة أحدٌ، إلا الطارحُ إن طرح مال غيره، وإن طرح مال نفسه فمُصيبته منهُ وإن استدعى غيرُهُ منْه ذلك.

стр. 663

القاعدة السادسة: في الفرق بين الإِجارة والرزق، (١٤ م) فأقول: إنهما اشتركا في أنهما وقع فيهما بذْل مال بإزاءِ منافعَ، غيرَ أنَّ بَاب الأرزاق أدْخَلُ في باب الِإحسان، وبابُ الأجارة أدْخَلُ في باب المكايَسَة. ويظهر تحقيق ذلك بسِتِّ مسائل: المسألة الأولى: القضاة، يجوز أن يكون لهم أرْزاقٌ من بيت المال على القضاء إجماعا، ولا يجوزُ أن يُستَاجَروا على القضاءِ إجماعا، بِسبَب أن الأرزاق إعانةٌ عمَّا وجبَ عليهم من تنفيذ الاحكام عند قيام الحِجاج ونهوضها، ولو اسْتُوجِرُوا على ذلك لدخلت التهمة في الحكم. (١٥) ويجوز في الأرزاق أن تُرْفع وأنْ يُزَادَ فيها وأن يُقلَّل وأن يُقطَع، ولو كان ذلك إجارةً لوجبَ تسليمها نفسِها من غير زيادةٍ ولا نقْصِ، لأن الإِجارةَ عقْدٌ، والوفاء بالعقود واجسب، والأرزاق معروف، والأجرة في الإِجارة تورَث، والْأرزاق لا تُورَث. المسألة الثانية: رزْق المساجد والجوامع يجوز أن يُنقل عن جهاتها إذا انقطعت أوْ وُجدتْ جهة هي أَوْلى لمصلحة المسلمين من الجهة الأوُلى، ولو كان ذلك وقفًا أو إجارة لَتعذَّر ذلك فهِا، لأن الوقف لا يجوز تغييرُه، والوفاء بعقد الإِجارة واجب. وأيضا فللإِمام أن يستنيبَ دائما، وتكونَ له الأرزاق على النظر لا على القيام بالوظيفة، بسبب أن الأرزاق معروف يدُورُ مع المصالح كيف دَارت، والوقْفُ لا يصح فيه شيءٌ من ذلك، بل إذا كان على الإِمامةِ فلا ياخذُه إلَّا مَن يقومُ بها على شرط الواقفِ، فإن استناب غيره دائما في ذلك الأمْر فلا أحدَ يستحق ذلك الوقف، لا الإِمامُ ولا النائبُ عنه، لأن الإِمام لم يَقم بشرط الوقف،

стр. 664

والمستنابُ كذلك، لأن ولايته لم تكن ممن له الولاية، والاستنابة في أيام الأعذار لَا تُسقِطُ حقه في الوقف، وله أن يعطي النائبَ في تلك الأيام ما أحبَّ. ثم الرزق إذا كان من الإِمام على أشياءَ كالإمامة رالتدريس وغير ذلك فلا يَحِل إلا لمن كان أهْلا للقيام بذلك وقام بها، إلا أن يكون الإِمام قد جعل تلك الأرزاق لأحَدٍ من هؤلاء بعد معْرفته به وعدم قيامه بذلك فإنه ياخذه إن كان أعطاهُ لمصلحة أخرى ظهرت له في ذلك، ولو كَان وقْفًا لم يَجُزْ للإِمام أنْ يُطْلِقَه له لتلك الخطَّة إذا عَلِم أنه لا يقوم بها. (١٦): قال شهاب الدين: وكثير من الفقهاء يغلط في مسألة الأرزاق ويقول: إنَما جاز تَنَاوُل الأرزاق على الإِمامة بناءً على القوْلِ بإجازة الإِجارة على الإِمامة في الصلاة، (١٧) ويَتَوزَعُ عن تناول الرزق لأجْل الخلاف في جواز الإجارة، وليس الأمر كما ظنَّه، بل الارزاق مَجمَعٌ على جوازها، لأنما إحسانٌ ومعروف وإعانة لا إجارةٌ، وإنما وقع الخلاف في الإِجارة، لأنها عقدُ مكايَسة ومُغَابَنَة، ومن باب المعاوضَة التي لا يجوز أن يُجعَل العوضانِ فيها لشخص واحد، فإنَّ المعاوضة إنما شُرِعت لينتفع كلُّ واحد من المتعاوضيْن بما بُذِلَ له، وأجْرُ الصلاة له، فلو أخذ العوض عنها

стр. 665

لاجتمع له العوضان، والأرزاق ليست بمعاوَضةٍ الْبتةْ، لجوازها في أضيق المواضع المانِعة من المعاوضة وهو القضاء والحكْمُ بين الناس، فلا ورَعَ حينئذ في تناولِ الرزق على الإمامة من هذا الوجْه، وإنما يقع الورَعُ من جهة قيامه بالوظيفة خاصة، فإن الارزاق لا يجوز تناولها إلا لمن قام بذلك الوجه الذي صرح به الإِمام في إطلاقه. المسألة الثالثة: الإقطاعات التي تُجْعَلُ للأمراء والأجناد، من الأراضي وغيرها، (١٨) هي أرزاق من بيت المال وليست إجارة لهم، ولذلك لا يُشترط فيها عليهم مقدارٌ من العمل، ولا أجَل ينتهِي اليه كالإِجارة. نعَمْ لا يجوز تناولهُ إلّا بما قاله الإِمام من الشرط، وهو التهيُّؤ للحرب ولقاءِ العدو والمناضلَة على الدّين ونَصْر كلمةِ الإسلام، والاستعدادُ بالسلاح والخيْل، ومن لم يفَعَلْ ما شُرِطَ عليه في ذلك فلا شيء له، لأن مال بيت المال لا يُستحَق إلا بإطلاق الإِمام على ذلك الوجه الذي أطلقه. المسألة الرابعة: وقع في كتاب البيانِ والتحصيل لابنِ رشدٍ ما ظاهِرُه أن للامام أن يُوقِفَ وقْفا على جهة من الجهات، ووقع للشافعية مثلُ ذلك، ومقتضَى ذلك

стр. 666

أن أوقافهم أعنى الملوَك والخلفاء إذا وقعت على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين أنها تنفَّذُ، ولا يجوز لأحد أن يتناول منها شيئا إلا من قام بشرط الواقف، ولا يجوز للإِمام أن يطْلِق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يَقُمْ بذلك الشرط، إذ قد صار ذلك الشرط لازِمًا للمسلمين والإمام كسائر الأوقاف، ولا يجوز للإِمام تحويلُه عن تلك الجهة، فإنْ وقَفَ الملوكُ على غيْر الأوضاع الشرعية كأن يُوقِفوا على أولادهم وحَرَسِهمْ، حوزا لدنيا لَهم (١٩) لم ينفذ هذا الوقف، وحرم على من وُقِف عليه تناوُله، وللإِمام انتزاعُه وصرْفُه له أو لغيره على حسب ما تقتضيه مصالح المسلمين، وأمّا وقفُ الوالي فباطل (٢٠). فإن قلتَ (٢١): فَإنْ وَقَفَ على ولده بعضَ أراضى المسلمين وقُراهم أو على أحد من أقاربه واشترَى ذلك من ماله الذي اكتسبه في زمن مملكته، هل يصح ذلك الوقف أم لا؟ قلت: أكثرُ الملوك، فقراءُ قَدْ رَكِبَهُم الدَّينُ (٢٢) بسبب ما جَنوْا على المسلمين من تصرفاتهم في بيت مال المسلمين بالهَوى في أبنية الدور العالية والمراكب النفيسة والأطعمة الطيبة وإعطاء الأصدقاء وغير ذلك من التصرفات المنهي عنها شرعا، فهذه ديون عليه، فتكثُر مع طول الأيام، فيتعذر بسببها أمرانِ:

стр. 667

أحدُهما الأوقافُ والتبرعات على مذهب مالك ومن وافقه، فإن تبرعاتِ المِدْيانِ، المتأخرةَ عن تقرير (٢٣) الدين عليه، باطلة. ثانيهما الإِرث، لا ميراث مع الدَّين اجماعا، فلا يورَثُ عنهم شيء. وما تركوه من المماليك لا ينفَّذ عتق المالِكِ الوارث فيهم، بل هُمْ أموال بيت المال مستحَقُّون بسبب الدَّين، وإنما يُنَفَّذ عتق المتوَلّى لبيت المال على الوجه الشرعي. قال: فإن وقفوا رَبْعا على وجْه البِرِّ والمصالح العامة، ونَسَبُوهُ لأنفسهم فلا، لِأن المال الذي في بيت المال يعتقدون أنه لهم، كما يعتقد في ذلك بعض الملوك من كل وقْف، فلا يصحُّ، الَّا أن يعتقدوا أن المال للمسلمين، والوقف للمسلمين، أمّا أن المال لهم والوقف لهم فَلا، وهو كمَن وقف مال غيره على أنه له، لا يصح ذلك الوقف، كذلك هُنا. المسألة الخامسة: المصْرُوف من الزكاة للمجاهد ليس أجْرةً، بل رزْقٌ خاصٌّ (٢٤) من مالٍ خاص. وهل يتعَيَّن صرفُه لهذه الجهة؟ يُخَرَّجُ على الخلاف بين الشافعية والمالكية، وليس بإجارة، وذالك بَيِّنٌ من حيث انه لا يُشترط فيه مِقدارٌ من العمل، ولا مدةٌ معلومة لتعْيِين العمل، ولا غيرُ ذلك من شروط الاجارة. ويصح الفرق بينه وبيْن أصْلِ الأرزاق أن أصْل الأرزاق يَصح أن يَبقى في بِيت المال

стр. 668

ولا يُصرَف في هذا الوقف، وهذا يجِبُ صرفه (٢٥) إما في جهة المجاهدين او غيرهم من الجهات الثمانية، لأن جهة هذا المال قد عيَّنها الله تعالى كالخُمُس، فتَتعَيَّنُ المبادرة إلى صرْفه بحسبِ المصلحة. وأمّا ما يورَث عن الموْتى (٢٦) من أموال بيت المال أو يُحازُ عن الغائب المنقطع خبرُه فهذا لا جهة له إلا ما يَعْرِضُ من المصالح. المسألة السادسة: ما يُصرف للْقسام للْعقار بين الخصوم وغير ذلك مما يشبهه كالترجمان بين يدي الحاكم، كلها أرزاق لا إجارة، إذ تجْري عليها احْكام الارزاق لا أحْكامُ الاجارات. القاعدة السابعة: في الفرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة . (٢٧) فاعلم أن تمليك الانتفاع نريد به أن يباشِر هو بنفسه فقط، وتمليكُ المنفعة أعم وأشْمَلُ، فيباشِرُ بنفسه، ويمكن غيرَه من الانتفاع بعوض كالاجارة، وبغير عوض كالعارية. مثال الأول سكنى المدارس والرُّبطِ (٢٨) والحبُسِ والجوامع والأسواق ومواضع النُّسُكِ كالمطاف والمسْعى ونحو ذلك، فهذه المواضع ينتفع بها المُمَلَّك بنفسه فقط، وليس له أن يواجِر غيرَه أو يعاوِضه بطريق من طرق المعاوضة.

стр. 669

ومثال الثاني كمن استاجر دارًا أو استعارها فله أن يُسكِنَها غيرَه بأي وجهٍ أراد، ويتصرف في هذه المنفعة تصرف المُلَّاك في أملاكهم، وهو تمليكٌ مطلَق، لكنه في زمن خاص، وتمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب. وها هنا أربعُ مسائلَ: المسألة الأولى: النكاح من باب تمليك الانتفاع لا تمليكِ المنفعة، إذْ ليسَ له أن يُمَكّن غيره من تلك المنفعة، ولا هو مالك لِلْمنفعة ولا البُضْع، ولكنه ملَك أن ينتفع خاصة. المسألة الثانية: الوكالة بغيرِ عوض، من باب تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة، وأمّا الوكالة بعوض فيمْلِك بها المنفعةَ، إذ هي إجارةٌ، فلهُ بيْعُ ما ملك، ويمكِّنُ منه غيرَه ما لم يكن الموَكَّلُ عليه لا يَقبَل البدَل. المسألة الثالثة: القِرَاضُ يقتضي عقدُهُ أنّ ربَّ المال مَلَك من العامل الانتفاع لا المنفعة، بدليل أنهُ ليس له إلا أن يقتصر على الانتفاع بنفسه على الوجه الذي اقتضاه عند القراض، وكذلك المُساقاة والمغَارسَة، وأمّا مِلْك العامل في القراض والمساقاة فهذا مِلْكُ عيْنٍ لا مِلْكُ منْفَعَة ولا انتفاع، وتلك العَيْنُ هي ما خرج من ثمرهِ أوْ ما يَحْصُلُ من رِبْح في القِراض. المسألة الرابعة: إذا وقف وقْفًا على أن يُسْكَن أو على السُّكنى ولم يزد على ذلك، فظاهر اللفظ أن الواقف إنما ملَّكَ الموقوفَ عليه الانتفاعَ بالسكنى دون المنفعة، فليس له أن يُسكِنُه غيرَه بوجه من الوجوهِ، وهذا من حيث إنه إِذا صدَرَتْ صيغةٌ وشكَكْنا في مقتضاها هل هي تمليك الانتفاع أو المنفعةِ حملناها على أقل الرُّتَبِ (٢٩) وذلك الانتفاعُ، وكان هذا من حيث إن الاصل بقاءُ الاملاك

стр. 670

على أربابها ولا تنتقل عنهم إلا ببيانٍ، لكنه إذا كانت هناك عادةٌ فيما فيه تمليكُ الانتفاع من حيث اللفظ، عمِلنا أيضا بحسب العادة، وهذا كالمدارس يجوز أن يُسْكِنَ المُمَلَّك إيّاهُ غيرَه المدةَ اليسيرة، ولا يجوز المدةَ الكثيرةَ، فالعادة جرَتْ أن الضيف يَرِدُ على الساكن بالمدرسة ويُنزله في بيت له فيها، وصاحب الوقف يعرف هذا، واستمرت به العادة، فكان ذلك دليلا على سمْح الواقف في مثل هذا لا في أزيَدَ منه، ومثْلُ هذا أن يختزن في البيتِ الشىِء اليسير لا الكثير. ومِثْلُ هذا، الضيفُ، لَيْس له أن يعْطِىَ غيْرَهُ من ذلك الطعام إلّا ما جرت به العادة مثلُ السَنَّوْر. ومثل هذا حُصُرُ الوقف ليْس له أن يعطيها ولكن يفرشها، وكذلك زيتُ الوقيدِ ليس له أن ياكله، وهذا وإن كان قد مَلك عيْنه لا منفعتَه فهو من الشيء الذي قُصِرَ على شيء خاص، فلا يَخْرُجُ عن ذلك إلا بعادة كانت معروفةً إن كانت، والله أعلمُ. قلت: ولْنذْكُرْ مسائل تليق بكتاب الاجارة وهي ثلاث (٣٠): المسألة الأولى. قال مالك: يجوز إجارة المدَبَّرِ ولا يجوز إجارة أم الولد، والكُّلُ ممنوع من بيعه، فلِمَ كان ذلك؟ . فالجوابُ أنَّ عِتْق أم الولد أقوى ما بيّنّاه، ويكفى في ذلك أن البطْلان يتوجَّهُ إلى عتق المدَبَّر (٣١) دون أمِّ الولد، وأيضا فعتْقُ أمِّ الولد يتنجَّزُ على الحال، وإنما بقي
следующие страницы →