← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

أن أوقافهم أعنى الملوَك والخلفاء إذا وقعت على وجه الصحة والأوضاع الشرعية لمصالح المسلمين أنها تنفَّذُ، ولا يجوز لأحد أن يتناول منها شيئا إلا من قام بشرط الواقف، ولا يجوز للإِمام أن يطْلِق ذلك الوقف بعد ذلك لمن لم يَقُمْ بذلك الشرط، إذ قد صار ذلك الشرط لازِمًا للمسلمين والإمام كسائر الأوقاف، ولا يجوز للإِمام تحويلُه عن تلك الجهة، فإنْ وقَفَ الملوكُ على غيْر الأوضاع الشرعية كأن يُوقِفوا على أولادهم وحَرَسِهمْ، حوزا لدنيا لَهم (١٩) لم ينفذ هذا الوقف، وحرم على من وُقِف عليه تناوُله، وللإِمام انتزاعُه وصرْفُه له أو لغيره على حسب ما تقتضيه مصالح المسلمين، وأمّا وقفُ الوالي فباطل (٢٠). فإن قلتَ (٢١): فَإنْ وَقَفَ على ولده بعضَ أراضى المسلمين وقُراهم أو على أحد من أقاربه واشترَى ذلك من ماله الذي اكتسبه في زمن مملكته، هل يصح ذلك الوقف أم لا؟ قلت: أكثرُ الملوك، فقراءُ قَدْ رَكِبَهُم الدَّينُ (٢٢) بسبب ما جَنوْا على المسلمين من تصرفاتهم في بيت مال المسلمين بالهَوى في أبنية الدور العالية والمراكب النفيسة والأطعمة الطيبة وإعطاء الأصدقاء وغير ذلك من التصرفات المنهي عنها شرعا، فهذه ديون عليه، فتكثُر مع طول الأيام، فيتعذر بسببها أمرانِ:

стр. 667

أحدُهما الأوقافُ والتبرعات على مذهب مالك ومن وافقه، فإن تبرعاتِ المِدْيانِ، المتأخرةَ عن تقرير (٢٣) الدين عليه، باطلة. ثانيهما الإِرث، لا ميراث مع الدَّين اجماعا، فلا يورَثُ عنهم شيء. وما تركوه من المماليك لا ينفَّذ عتق المالِكِ الوارث فيهم، بل هُمْ أموال بيت المال مستحَقُّون بسبب الدَّين، وإنما يُنَفَّذ عتق المتوَلّى لبيت المال على الوجه الشرعي. قال: فإن وقفوا رَبْعا على وجْه البِرِّ والمصالح العامة، ونَسَبُوهُ لأنفسهم فلا، لِأن المال الذي في بيت المال يعتقدون أنه لهم، كما يعتقد في ذلك بعض الملوك من كل وقْف، فلا يصحُّ، الَّا أن يعتقدوا أن المال للمسلمين، والوقف للمسلمين، أمّا أن المال لهم والوقف لهم فَلا، وهو كمَن وقف مال غيره على أنه له، لا يصح ذلك الوقف، كذلك هُنا. المسألة الخامسة: المصْرُوف من الزكاة للمجاهد ليس أجْرةً، بل رزْقٌ خاصٌّ (٢٤) من مالٍ خاص. وهل يتعَيَّن صرفُه لهذه الجهة؟ يُخَرَّجُ على الخلاف بين الشافعية والمالكية، وليس بإجارة، وذالك بَيِّنٌ من حيث انه لا يُشترط فيه مِقدارٌ من العمل، ولا مدةٌ معلومة لتعْيِين العمل، ولا غيرُ ذلك من شروط الاجارة. ويصح الفرق بينه وبيْن أصْلِ الأرزاق أن أصْل الأرزاق يَصح أن يَبقى في بِيت المال

стр. 668

ولا يُصرَف في هذا الوقف، وهذا يجِبُ صرفه (٢٥) إما في جهة المجاهدين او غيرهم من الجهات الثمانية، لأن جهة هذا المال قد عيَّنها الله تعالى كالخُمُس، فتَتعَيَّنُ المبادرة إلى صرْفه بحسبِ المصلحة. وأمّا ما يورَث عن الموْتى (٢٦) من أموال بيت المال أو يُحازُ عن الغائب المنقطع خبرُه فهذا لا جهة له إلا ما يَعْرِضُ من المصالح. المسألة السادسة: ما يُصرف للْقسام للْعقار بين الخصوم وغير ذلك مما يشبهه كالترجمان بين يدي الحاكم، كلها أرزاق لا إجارة، إذ تجْري عليها احْكام الارزاق لا أحْكامُ الاجارات. القاعدة السابعة: في الفرق بين تمليك الانتفاع وتمليك المنفعة . (٢٧) فاعلم أن تمليك الانتفاع نريد به أن يباشِر هو بنفسه فقط، وتمليكُ المنفعة أعم وأشْمَلُ، فيباشِرُ بنفسه، ويمكن غيرَه من الانتفاع بعوض كالاجارة، وبغير عوض كالعارية. مثال الأول سكنى المدارس والرُّبطِ (٢٨) والحبُسِ والجوامع والأسواق ومواضع النُّسُكِ كالمطاف والمسْعى ونحو ذلك، فهذه المواضع ينتفع بها المُمَلَّك بنفسه فقط، وليس له أن يواجِر غيرَه أو يعاوِضه بطريق من طرق المعاوضة.

стр. 669

ومثال الثاني كمن استاجر دارًا أو استعارها فله أن يُسكِنَها غيرَه بأي وجهٍ أراد، ويتصرف في هذه المنفعة تصرف المُلَّاك في أملاكهم، وهو تمليكٌ مطلَق، لكنه في زمن خاص، وتمليك هذه المنفعة كتمليك الرقاب. وها هنا أربعُ مسائلَ: المسألة الأولى: النكاح من باب تمليك الانتفاع لا تمليكِ المنفعة، إذْ ليسَ له أن يُمَكّن غيره من تلك المنفعة، ولا هو مالك لِلْمنفعة ولا البُضْع، ولكنه ملَك أن ينتفع خاصة. المسألة الثانية: الوكالة بغيرِ عوض، من باب تمليك الانتفاع لا تمليك المنفعة، وأمّا الوكالة بعوض فيمْلِك بها المنفعةَ، إذ هي إجارةٌ، فلهُ بيْعُ ما ملك، ويمكِّنُ منه غيرَه ما لم يكن الموَكَّلُ عليه لا يَقبَل البدَل. المسألة الثالثة: القِرَاضُ يقتضي عقدُهُ أنّ ربَّ المال مَلَك من العامل الانتفاع لا المنفعة، بدليل أنهُ ليس له إلا أن يقتصر على الانتفاع بنفسه على الوجه الذي اقتضاه عند القراض، وكذلك المُساقاة والمغَارسَة، وأمّا مِلْك العامل في القراض والمساقاة فهذا مِلْكُ عيْنٍ لا مِلْكُ منْفَعَة ولا انتفاع، وتلك العَيْنُ هي ما خرج من ثمرهِ أوْ ما يَحْصُلُ من رِبْح في القِراض. المسألة الرابعة: إذا وقف وقْفًا على أن يُسْكَن أو على السُّكنى ولم يزد على ذلك، فظاهر اللفظ أن الواقف إنما ملَّكَ الموقوفَ عليه الانتفاعَ بالسكنى دون المنفعة، فليس له أن يُسكِنُه غيرَه بوجه من الوجوهِ، وهذا من حيث إنه إِذا صدَرَتْ صيغةٌ وشكَكْنا في مقتضاها هل هي تمليك الانتفاع أو المنفعةِ حملناها على أقل الرُّتَبِ (٢٩) وذلك الانتفاعُ، وكان هذا من حيث إن الاصل بقاءُ الاملاك

стр. 670

على أربابها ولا تنتقل عنهم إلا ببيانٍ، لكنه إذا كانت هناك عادةٌ فيما فيه تمليكُ الانتفاع من حيث اللفظ، عمِلنا أيضا بحسب العادة، وهذا كالمدارس يجوز أن يُسْكِنَ المُمَلَّك إيّاهُ غيرَه المدةَ اليسيرة، ولا يجوز المدةَ الكثيرةَ، فالعادة جرَتْ أن الضيف يَرِدُ على الساكن بالمدرسة ويُنزله في بيت له فيها، وصاحب الوقف يعرف هذا، واستمرت به العادة، فكان ذلك دليلا على سمْح الواقف في مثل هذا لا في أزيَدَ منه، ومثْلُ هذا أن يختزن في البيتِ الشىِء اليسير لا الكثير. ومِثْلُ هذا، الضيفُ، لَيْس له أن يعْطِىَ غيْرَهُ من ذلك الطعام إلّا ما جرت به العادة مثلُ السَنَّوْر. ومثل هذا حُصُرُ الوقف ليْس له أن يعطيها ولكن يفرشها، وكذلك زيتُ الوقيدِ ليس له أن ياكله، وهذا وإن كان قد مَلك عيْنه لا منفعتَه فهو من الشيء الذي قُصِرَ على شيء خاص، فلا يَخْرُجُ عن ذلك إلا بعادة كانت معروفةً إن كانت، والله أعلمُ. قلت: ولْنذْكُرْ مسائل تليق بكتاب الاجارة وهي ثلاث (٣٠): المسألة الأولى. قال مالك: يجوز إجارة المدَبَّرِ ولا يجوز إجارة أم الولد، والكُّلُ ممنوع من بيعه، فلِمَ كان ذلك؟ . فالجوابُ أنَّ عِتْق أم الولد أقوى ما بيّنّاه، ويكفى في ذلك أن البطْلان يتوجَّهُ إلى عتق المدَبَّر (٣١) دون أمِّ الولد، وأيضا فعتْقُ أمِّ الولد يتنجَّزُ على الحال، وإنما بقي

стр. 671

له فيها المنفعة، والمدَبَّر (٣٢) خلاف ذلك، فحكمُه حكم الوصية في كثير من أحكامه. المسألة الثانية: قال مالك: إذا أخطأ الدليلُ كان له أجرتُه، وإذا غَرِقت السفينة فلا أجرة، والمقصودُ في الجميع البلوغ، فلِمَ كان هذا الفرق؟ . فالجواب أن أجرة الدليل إنما هي أجرة على اجتهاد موجود، والاجتهاد موجود في حال الخطأ كوجوده حالة الإِصابة، إذ ليس عليه أكثر من الاجتهاد، ولهذا كان المُصَلي لغير القِبْلة عن اجتهاد كالمصلي لها، (٣٣)، وأما الأجرة في السفينة فهى على حصول المنفعة، فإذا بطلت المنفعة تعذر استحقاق الأجر، والله أعلم. المسألة، الثالثة. قال مالك: لا بأس بجذاذ النخل على أن لِلعامل رُبعَ الثمرة أو جزءًا منها، قَلَّ أوْ كثُرَ، ولا يجوز ذلك في نفض الزيتون، وفي كلا الموضعيْن هي إجارةٌ بجزءٍ من الثمرة، فلم كان هذا؟ فالجواب أن ثمرة النخل معروفة، وما يُجَذُّ منها معلوم، فجازتْ الاجارة بجُزْءٍ منها، لأن الاجارة حينئذ تكون معلومة، وليس كذلك الزيتون، فإنه غير معلوم، فتكون الاجرة غير معلومة، فافترقا.

стр. 672

الضمان وفيه قاعدتان: القاعدة الأولى: نقرر فيها ما بِهِ يكون الضمان ، (١) فأقول: إعْلَمْ أن أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة أشياء لا رابعَ لها: أحدها العُدْوان، كالقتل والإحراق وهدْم الدُّور وأكل الأطعمةِ، وغيرِ ذلك من الأسباب لِتلَف الأموال الممَوَّلات، فيجبُ الضمانُ بذلك، (٢) والمضمونُ المِثْلُ إن كان مِثْلِيًّا، أو القيمةُ إن كان لا مِثْلَ له، أو غيرُ ذلك من الجوابر على ما تقدم في قاعدةِ الفرق بين الزواجر والجوابر. وثانيها التسبُّبُ للإِتلاف، كحفْر بئر في طريق حيوانٍ (٣) يحْفرها غيرُ مالِكِها، أو مالِكُها إذا قصَدَ تلف الحيوان بها. وأمثلة السبب كثيرة، ولكنها منها متّفَقٌ عليه، ومنهَا مخَتَلَفٌ فيه كتقْطيع الوثيقة بالحق، مالك يقول بالضمان لمَا فيها، والشافعي لا يَرَى إلا بضمانِ ثمَن الورقة خاصة.

стр. 673

وثالِثُها وضعُ الْيَد التي ليست بمؤتَمَنَةٍ. وقَوْلِى: ليست بمؤْتَمَنَة، خيرٌ من قولى: اليدُ العادية (٤) فإن العادية تختص بالسُّرَّاقِ والغُصَّابِ ونحوهم، وتَبقى الموجِبة للضمان بغير عدْوانٍ، بل بإذن المالك، كقبض المشترى للمبيع بيعًا فاسدا فيُتْلِفُهُ أو يَتْلفُ بآفة سماوية عند مالك، أو بحوالَةِ الأسواق. ووضْعُ اليد عند مالكٍ في الاجارة يختلفُ، فهو عنده على الأمانة كالقراض والوديعة والمساقاة، وأيدي الأوصياء على أموال الايتام والحكام على ذلك، وأموال الغائبين والمجانين، فهذه لا ضمان فيها. وخرج مِن الإِجارة صورتانِ قال بالضمانِ فيهما: الواحدة: الأجِيرُ الذي يؤَثِّر بصنعته في الأعيان كالخَيَّاط والصَّباغ والقصَّارِ، (٥) لأنَّ السلعة إذا تغيَّرت بصنعتها لا يعرفها ربُّها إذا وجَدَها قد بيعت في الأسواق، فكان الأصلحُ للناس تضمينَ الأجراء في ذلك، وهو من باب الاستحسان (٦)، ولم يَرَهُ الشافعى، بل طردَ قاعدة الأمانة في الإجارة.

стр. 674

الثانية: الأجيرُ على حمْل الطعام الذي تتشوف النفوس إلى تناوله كالفواكه والأشربة والأطعمة المطبوخة، والشافعي طَرَدَ ما قاله في الاجارة كما قلنا قبل هذا، فَلم يقُلْ بالضمان في شيءٍ أصْلًا من هذا الباب، أعنِى بابَ الاجارة، وقد تقدم في الاجارة ذِكْر الصورتيْن، فهذا ما به يقعُ الضمان. فإذا اجتمع سَبَبَاَنِ: المباشِرُ والسببُ من جهتينَ غُلِّبَ المباشرُ فكان الضمان به، كَمَنْ حفر بئرًا ليقع فيها حيوان، فجاء آخَرُ وألْقاه فيها (٧)، الضَّمان على الذي ألقاه لا على الحافِرِ، لأن شأن الشريعة تقديمُ الرَّاجح، إلا أن يكون المباشِرُ مامورًا كقْتلِ المكرَه، فإن القصاصَ يجب عليهما، أو يجبُ على المسبِّب وحده دون المباشِر كشهود زور فينَفِّذُ الحاكم الحكومة ثم يعترفون، فالضمانُ على الشهود دون الحاكم، ووقع في الباب مسائلُ كثيرة مختلَفٌ فيها، والقاعدة هي ما قرّرنا في أسباب الضمان وعدمه، والله أعلم. قلت: وذَكَرَ شهاب الدين ﵀ فرقا آخَرَ وهو هذا بعينه، لكنه زاد فيه مسألتين، رأيت ذكْرَ المسألتين فقط هنا مع شيء يسير من الخلاف الواقع بين الفقهاء لا غيرُ. من الخلاف أولًا أنّ أبا حنيفة لا يرى أن السبَبَ يوجب الضمان إلّا في الزِّرّ إذا حلّه فيَبْدُو ما فيه، وأمّا غيْرُ هذه الصورة كفتْح قَفَصٍ فيه طائر فيطيرُ، لا ضمان عنده فيه ولا في غيره إلّا ما ذُكر. ومالِكٌ يرى الضمان في هذا وفي

стр. 675

غيره، فيقول بالضمان للطائر مطلقا، سواءٌ طار عقب الفتح أو بعْدَ ذلك، والشافعي يقول: إن طَارَ عقِبَ الفتح ضِمنَ وإِلا فَلَا. لنا أن هذه الصورة سببُ الإتلاف عادةً فتُوجبُ الضمان كسائر صُوَرِ التسَبُّبِ المجمع عليها (٨). احتجوا بأنها إذا اجتمع المسبِّب والمباشِر اعتُبِرتْ المباشَرَةُ دونه، والطيرُ مباشِرٌ باختياره لحركة نفسِهِ، والحيوان قصْدُه معتبَر، بدليل جوارح الصّيْد، إن أمسكت لنفْسها لَا يُوكَلُ، أو للصائد أُكِلَ. والجواب لا نُسَلِّمُ أن الطير كان مختارًا للطيران، ولعَلَّه كان مختارًا للإقامة، لانتظار العَلف أو خوف الجوارح، وانما طار خوفا من الفاتح، وإذا احتمل هذا والسببُ معلومٌ، فيضاف الضمان إليه، كحافر البئر يقع فيها حيوان مع إمكان اختياره لنزولها. (٩) ولا نسلِّم أن الصيد لا يُوكل إذا أكَل منه الجارحُ، (١٠) سلمناه،

стр. 676

لكن الضمان متعلق بالسبَب الذي تَوَصَّلَ به الطائرُ لقصده، كمن أرسَلَ بازيًا على طائر غيره فقتله البازي باختياره، فإنَّ المُرْسِل يَضْمَنُ. وهذه المسألة تنقض اختيار الحيوان. وأيْضا لا نسلِم أن الفتح سببٌ مجردٌ، بل هو في معنى المباشرَة، لِما في طبع الحيوان من النُّفورِ من الآدَمي. وها هنا مسألتان: (١١) المسألة الأولى: متى يضمن الغاصب؟ فعندنا يومَ الغصب، وعند الشافعي يعتبر الأحوال كلها فيضمن أعْلى القيمة. وتظهر فائدة الخلاف إذا غصَبها ضعيفة مُشَوَّهَةً معِيبَة بأنواع من العيوب فزالت تلك العيوبُ عنده، فعندنا القيمةَ الأولى، وعنده الثانية، لاعْتِبَارِه الأعلى. ولنا قاعدة أصولية، وهي أن ترتب الحكم على الوصف يدُلَّ على عِلّية ذلك الوصف لذلك الحكم (١٢)، ورسولُ الله ﷺ قد رتَّب الضمانَ على الأخذ باليد، فيكونُ الأخذ هو سببَ الضمانِ، فمن ادَّعى غيرَه سبباً فعليه الدليل. وقوله أيضا ﵇: "على اليد ما أخذَتْ حتى تردَّه" (١٣) يدل على سببية الأخذ، وهو في أثناء الغصب لا يصْدُق عليه أنه أخَذَ الآن، بل أخذ فيما مضى، فوجَب أن يختَص السَّبَبُ بما مضى.

стр. 677

ولنا قاعدة أخرى أصولية فقهية، وهي أن الأصل توقُّفُ المسبَّبات على أسبابها من غير تراخٍ، فترتَّبَ الضمان حِينَ وضع اليد لا بعد ذلك، والمضمون لا يُضمَن، لأنه تحصيل الحاصل. احتجوا بأن الغاصب في كل وقت مامورٌ بالرَّد، فهو مامورٌ بردّ الزيادة، وما رَدَّها، فيكون غاصِبًا لها فيضمنها. وأيضا فإن الزيادة نشأت على مِلكه وفي مِلكه، فتكون مِلْكَهُ ويدُ العُدْوان عليها، فتكون مغصوبة، فتُضْمَن كالعَيْن المغصوبة، ولأنه في الحمالة الثانية ظالمٌ، والظلْمُ عِلَّة الضمان، فيضمن. والجواب عن الكل أنا لَا نسلم أنها سبب الضمان بل سبَبُه وَضْع اليد. هكا يقتضي لفظ صاحب الشرعِ صلوات الله عليه، وأفْهَمَ أن غيرَ وضع اليد ليس بسبب، فلابُدَّ من دليل على المسألةِ، غَيْرِ ما ذكرناه، وما ذكرتموه لا دليل فيه. المسألة الثانية: إذا ذهب جُلُّ منفعة العين كمن قطع ذَنَب بغلة القاضي ونحو ذلك، فعندنا يضمن الجميع، وهو فرعٌ اختلَفَ فيه المذهب وتشعَّبَت فيه الآراء وطرُق الاجتهاد، فقال أبو حنيفة في الثوب والعبد كقولنا في الأكثر، فإن ذهب الصِف أو الأقَل باعتبار القيمة عادةً فليس له إلا ما نقصَ. وقال الشافعي وابن حنبل: ليس له في الجميع إلّا ما نقصَ، لأن الأصل بقاءُ ما بَقي على مِلكه، فإن قُطِع يَدا العبد أو رِجْلاه، فوافقَنَا أبو حنيفة في تخيير السيد في تسْليم العبد وأخْذِ القيمة كاملةً، وبَيْنَ إمساكه ولا شيء له. وقال الشافعي: تَتَعَينُ القيمة كاملةً، خلاف قوله في المسألة الأولى، وهذا لأن الضمان الذي هو سبب العدوان لا يوجب مِلْكًا، لأنه سببُ التغليظ لا سببُ الرِّفْق. وعندنا المِلكُ يضاف للضمان لا لسببه، وهو قدْرٌ مشتَرَكٌ بين العُدْوان وغيره. واعْلَم أن النقص عند العلماء على ثلاثة أقسام: تارةً يُذهب العَيْن بالكُلية، فله طلب القيمة اتفاقا، وتارة يكون النقص يَسيرًا فليس له إلزامُ القيمة اتفاقا، وتارة يكون الذاهب مُخِلا بالمقصود، فهو مَحَل الخلاف. وقال الشيخ أبو الحسنِ اللخمى: التَّعدِّي أقسام: يسِيرٌ لا يُبطل الغرضَ المقصود منه، ويسيرٌ

стр. 678

يبطله، وكذلك كثير لا يُبْطل المقصود، كثيرٌ يُبْطله، فهذه أربعة أقسام متقابلة. أمّا القِسْم الأولُ وهو اليسير الذي يبطل المقصود فلا يضمن العين، وكذلك الكبير الذي لا يبطل المقصود وهو القسم الثالث، وأمّا القسْم الرابع فيخَيَّرُ فيه كما تقدم. وعلى القول بتضْمينه القيمةَ إذا أراد ربُّهُ أخْذَهُ وما نقصَه فذلك له عند مالك وابنِ القاسم. وقال محمد: لا شيء له، لأنهُ ملَك أن يضمنه فامتنع بذلك رضًا بنقصه. وأمّا القسم الثاني، وهو اليسير الذي يُبطِلُ المقصود عادةً، فذلك يقتضي تضمينه كما تقدم في ذنَبِ بَغْلةِ القاضي، قال: ويستوي في ذلك المركوبات والملبوسات، هذا هو المشهور. وعن مالك لا يضمنُ بذلك. وفرَّق ابن حبيب بين الذَنَبِ فيَضمَنُ، وبيْن الأذُنِ فلا يَضمنُ، لاختلاف السببيْن في ذلك. واتفقوا في حوالة الاسواق (١٣ م) على عدم التضمين، لأنها رغَبات الناس، فالنقص في رغبات الناس لا في المقصود.

стр. 679

القاعدة الثانية: فيما يتعلق بالصائِل (١٤) فأقول: دفْعهُ إن أدّى إلى هلاكه لا ضمان يتعلق به إذا كان القصد الدفع فقط، والموجِبُ لإِسقاط الضمان، العدوانُ. ثمّ إن الدافع إن كان قد اختُصَّ بإسقاط الضمان هنا فله أيضا خاصة أخرى، وهي أن الدفع لا يتعيَّن عليه، بل له الخِيَارُ في ترْك الدفع، أو الدفعِ، ولا إثمَ عليه في ترْك الدفع وإن آل إلى قتله، بل هو الأرجح في بعض المواضع، وذلك إذا كان في دفعِهِ بالقتل فتنةٌ عامة وموتُ خَلْقٍ. وهذا المعنى الذي صار إليه عثمانُ ﵁، وإن لم يكن الامرُ كذلك فالامر على السواء، أو يقال: يُؤثر أيضا تركُ الدفع، فهذا الذي اختاره أحدُ ابنَيْ آدم، وهو الظاهر من إطلاق

стр. 680

النبي ﷺ في قوله: "كُن عبد الله، المقتوَل، ولا تكنْ عبد الله القاتل" (١٥). ووافقنَا الشافعيُّ أنه لا يَضمن الفحلَ الصائل، (١٦) والمجنونَ والصغيره وقال أبو حنيفة: يباحُ له الدفعُ ويَضمن، واتفقوا إذا كان ذميّاً بالغا عاقلا أنهُ لا يَضمن. لنا وجوه: الأول أن الأصل عدم الضمان. الثاني القياس على الآدمي، الثالث القياس على الدابة المعروفة بالأذَى أنها تُقْتَلُ ولا تُضمَنُ إجْماعا.

стр. 681

واحتجُّوا بوجوه: الأول أن مُدْرَكَ عدَم الضمان، إنَّما هو إذْنُ المالك لَا جوازُ الفعل، لأنه لَوْ أذِن له في قتل عبدهِ لا يضمَن، ولوْ أكلَه لمجاعة ضَمِنَهُ. الثاني أن الآدمي له قصد واختيار، فلذلك لم يَضمَنْ، والبهيمة لا اختيار لها. الثالث قوله ﵇: "جَرْحُ العجماء جُبَارٌ" (١٧)، وذلِكَ يقتضي نفْيَ الضمان فيها. الجواب عن الأول أن الضمان يتوقف على عدم جواز الفعل، بدليل أن الصائل (١٨) إذا صال على محرَّم لم يَضمَنْهُ. وعن الثاني أنَّ البهِيمة لها اختيار اعتبره الشرع، وذلك ظاهر في باب الصيْد. وعن الثالث أن الهدْر (١٩) يقتضي عدم الضمان مُطلقا، وأنتم لا تقولون به.

стр. 682

مسألة: الماشية إن أفسدتْ شيئا بالنهار حين إرسالها للرَّعي وانفلاتها فلا ضمان في ذلك، إلا أن يكون صاحِبها معها فلا يمنعُها، ويتركُها لذلك الفساد، وما افسدتْه بالليل فيه الضمان. وقال الشافعي: هذا في الزرع، ليْلاً كان أو نهاراً. ولَنا وجوه: الأول أنه قضاء سليمانَ ﵇، إذْ النفْش رَعْيُ الليل (٢٠). الثاني أنه فرّط فيضمن كما لو كان حاضرا. الثالث أن (٢١) بالنهار يمكن التحفظ دون الليل، فلذلك كان الضمان فيه دون النهار. وقد اعتبرتم ذلك في قولكم: إن رَمتْ الدابة حَصَاةً كبيرة فأصابت

стр. 683

انسانا، ضَمن الراكب، بخلاف الصغيرة، لأن الصغيرة لا يمكنه التحفظ منها، ويتحفّظ من الكبيرة بالتنكب عنها. احتجوا بوجوه: الأول قوله ﵊: "جَرْحُ العجماء جُبَارٌ". الثاني القياس على النهار. وما ذكرتموه في الفرق بالحراسة باطل، لأنه لا فرق بين من حفِظ ماله فأتلفه إنسان أو أهمله فأتلفه، أنه يضمن في الوجهين. الثالث القياس على جناية الانسان على نفسه وماله، وجنايته على أهل الحرب أو مالِهِمْ. والجواب عن الأول أن الجَرْحَ عندنا جُبَارٌ، (أي هَدَرٌ)، وإنما النزاع في غير الجرح. وقد اتفقنا على تضمين السائق والراكب. وِعن الثاني الفرق المتقدم. وعن الثالث أنه قياس خَالَف الآية. وأيضا فهو بالليل مفَرّط، وبالنهار ليس مُفرّطاً. سؤال في قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ يقتضي أن حكمه كان أقربٌ إلى الصواب، مع أن حكم داود ﵇ لو وقع في شرْعنا أمْضيناه، لأن قيمة الزرع يجوز أن تُوخَذ فيها غَنَم، لأن صاحبها مفْلِسٌ مثلا، وغيرُ ذلك، وأمّا حكم سليمان ﵇ لو وقع في شرعنا من بعض القضاة ما أمضيناه، لأنه إيجابٌ لقيمةٍ مؤجَّلَةٍ، ولا يلزم ذلك صاحبَ الحرْثِ، لأن الأصل في القيَم الحلولُ إذا وجبتْ في الاتلافات، ولأنه إحالة على أعيان لا يجوز بيعها، وما لا يُبَاع لا يُعاوَضُ به في القيم، فُلزم أحدُ الأمرين: إما أن لا تكون شريعتنا أعمَّ في المصالح (*)، أو يكون

стр. 684

داود ﵇ فهِمَ دون سليمان ﵇، وظاهر الآية خلافه، وهذا موضع مشكل. ووجْهُ الجواب أن المصلحة التي أشار إليها سليمان ﵇ يجوز أن تكون أعمّ باعتبار ذلك الزمن، بأن تكون مصلحة زَمانهم كانت تقتضي ألا تَخْرُجَ عيْنُ مال الانسان من يده، إمّا لقلة الأعيان، وإما لعدم ضرر الحاجة، وتكون المصلحة الأخرى باعتبار زماننا أتَمَّ، فيعْتَبر الحكْم. قلت: ولْنَذْكر هنا خمْس مسائل: (٢٢) المسألة الأولى: قال مالك: مَن استهلك شيئا ممّا يكال أو يوزن كان عليه مِثلُه، وإن استَهلك شيئا من العُروض كان عليه قيمتُه، فلِمَ كان هذا التفريق؟ فالجواب أن ما استُهلك لابد فيه مِن بدَل، فإذا كان ممّا له مِثْلٌ كان أقربَ في معنى البدل الواجب، لأنه أسهَلُ من القيمة، فالقيمة تحتاج إلى اجتهاد، فما صِيرَ إلى القيمة إلَّا لتعذر المِثل الذي هو أسْهَلُ وأحَقُّ في معنى البدلية. المسألة الثانية: قال مالك: إذا جَنى الغاصب على العين المغصوبة جِنايةً، فإن رَّبَّها مَخَيّرٌ بين أخذِها وأخذِ ما نقصَتْهُ بجنايته، وإذا أصابها أمرٌ من السماء أو غيرُ ذلك من غير فعل الغاصب فربُّها مخيَّرٌ، إن شاء أخَذَها ناقِصة، وإن شاء لم يأخذْها، فلم كان هذا؟ . فالجواب أنه إذا كانت الجناية من فعل الغاصب فقد تَعدَّى، فوجَبَ أن يوخَذ بتعدِّيه كما لو تعدَّى غيرُ الغاصب، وإذا كانت الجناية من غيرِ فعْله لم يُوجَدْ

стр. 685

منه تعَدٍّ، والعَينُ المغصوبة قائمةٌ، فوجبَ أن يكون ربّها مخيَّراً، كما ذَكَرَ مالك ﵀. المسألة الثالثة: إذا غصب دابة فعَجِفتْ (٢٣) كان ذلك فوْتاً، وإذا غصب عبداً فعَجِفَ لم يكن ذلك فوتا، والكل عَجْفٌ في حيوان، فلِمَ كان ذلك؟ . فالجواب أن الدواب إنما ترَادُ للقوة، لأن الغرض منها الحمل، والرقيق ليس كذلك.

стр. 686

المسألة الرابعة: إذا غصَب رجلٌ خلخاليْن فكسرهما فليس عليه إلَّا ما نقص الكسْرُ فقط، سواء كانتْ (٢٤) فضة أو ذهبا، وإذا غصب دنانير أو دراهم فكسَرَهَا، فربُّها مخَّير، إن شاء ألزمه مثلَها، وإن شاء أخذها كذلك، ولا يلزَمُهُ ما نقَصَ الكسرُ، والكلّ ذهبٌ وفضة كُسِرت على وجْهِ التعدي. فالجوابْ أن الحَلي يُقتنَى لأجْل منفعته، فإذا اتْلَفَ ذلك الصنعةُ. (٢٥) وجبَ عليه بدلُها ليصِل ربُّها إلى غرضه كما لو أتْلَف عليه طَسْتاً، وليس كذلك الدينار والدراهم، لأنها لا تُتَّخَذُ لصنعتها وإنما تُتخَذُ لأعيانها، فإذا أتلفَ العيْنَ (٢٦) وجب أن يكون على الجاني مثلُها. المسألة الخامسة: مَن غصَبَ دارا أو أرضا فسكن الدارَ وزرع الارض فعليه أجرُ ما انتفع به، وإذا غصَبَ دابة أو عبداً فاستغل ذلك فلا شيء عليه، فلِم كان هذا؟ .

стр. 687

فالجواب أن الحيوانَ لا يبقى على حالة واحدة لسرعة التغير إليه، فَجُعِل فيه الخراجُ بالضمان (٢٧)، والدُّور والارضُون (٢٨) لا تكاد تتغيَّر مع القرب، فلم يكن فيها الخراجُ بالضمان، لأن الغالب سقوط الضمان فيها، والله تعالى أعْلَمُ، وبه التوفيق.

стр. 688

القسمةُ، والمسَاقاةُ، والقِراضُ، والمرافقُ، والإِحيَاء، والتوكيل، واللّقَطَةُ، والإِقرار، (١) والاستحقاق، وفي ذلك ثمانُ قواعد: القاعدة الأولى في بيان ما يَقْبَلُ القِسْمة: (٢) إعْلَمْ أن الذي يقبل القسمة ما عَرِىَ (٣) عن أربعة أشياءَ:

стр. 689

الغرر كمشروعية (٤) القرعة في المختلفات، فإن الغرَرَ يعْظُمُ. الثاني الربا، كقسمة الثمار بشرط التاخير إلى الطِّيبِ، لما يدخله من بيع الطعام بالطعام غيرَ معلوم التماثل، إذْ القسمة بيع، فإنْ تَباينَ الجنس الواحد بالجودةِ والرداءة ففى جوازه بالقرعة قولان، حكاهما اللخمي. الثالث إضاعة المال، كالياقوتة.

стр. 690

الرابع لحق آدمي (٥) كالحمّام والخشبة والثوب، فهذا القَسْمُ يجوز بالتراضي، لأن للآدمي إسقاطَ حقّهِ، بخلاف حق الله وإضاعةِ المال. ومنع أبُو حنيفة والشافعي وأحمد قسمة ما فيه ضررٌ أو تغيير نوع المقسوم، ومنع أبو حنيفة قَسْم الرقيق، وأجازه الشافعي. واحتج أبو حنيفة بأن منافعه مختلفة بالفعل والشجاعة وغيرهما، فلا يمكن فيه التعْديل. جوابه لو امتنع تعديله لامتنع بيعه وتقويمه، لأنهما مبنيان على معرفة القيم، والله تعالى أعلم، وبه التوفيق.

стр. 691

القاعدة الثانية: ما يجوز التوكيل فيه مما لا يجوز . (٦) إعْلَمْ أن الأفعال قسمان: منها مالا تحصل مصلحتُه الا بالمباشرةَ، فلا يجوز التوكيل فيها، لفوات المصلحة بالتوكيل، كالعبادة ومصلحة الوطء، ومقصودُ الأيمَان واللعانِ اظهارُ الصِدق في الدعوى، وحَلِفُ زيد ليس دليلا على صدق عَمْرو، وكذلك الشهادة مقصودها الْوُثُوقُ بعدالة المتحمِّلِ، وذلك لا يَحْصُل إذا أدَّى غَيْرُه. ومقصودُ المعاصى إعدامُها فلا يُشرع التوكيل فيها، لأن شرع التوكيل فيها فرْعُ تقريرها شرعا. وضابطُ الفرق أن مقصود الفعل متى كان يحْصُلُ من الوكيل كما يحصل من الموّكل، وهو مما يجوزُ الإِقدام عليه، جازتْ الوكالة فيه، وإلَّا فلا. القاعدة الثالثة: في الفرق بين الأملاك الناشئة عن الإِحياء وبين الاملاك الناشئة عن غَير الإِحياء . (٧) والمعروفُ عندنا أن المِلكً الناشيء عن الإِحياء إذا مات وذهب الإِحياءُ عنه كان لغيره أن يُحييَه ويَملِكه. وقال سحنون والشافعي: لا يزول الملك للذي أحياه أولا، واستدلوا على هذا بأشياء:

стр. 692

مِنْها قوله ﷺ : "مَنْ أحْيَى أرضا ميتة فهي له" (٨)، فجَعَل ﵇ المِلْك له، والاصلُ عدمُ إبْطاله، واستصحابُ مِلْكِه. (٩) الثاني قياس الإِحياء على البيع والهبةِ وسائر أسباب التمليك. الثالث القياس على مَن تَمَلكَ لُقَطةً ثم ضاعت منه، فإنَّ عوْدها إلى حال الإِسقاط لا يُسقِط مِلْكَ متملِّكها. والجواب عن الأول أن الحديث يدل لنا، بسَبب أن القاعدة أن ترتب الحكم على الوصفِ يدل على عِلّيّة ذلك الوصف لذلك الحكم، وقد رتَّب المِلك على وصف الإِحياء، فيكون الإِحياء سببَاَ له وعِلَّتَه، والحكم ينتفي لانتفاء علته، فَيَبْطُلُ المِلْك بهذا الحديث. (١٠) قلت: مُطْلُقُ الإِحياء هو عِلَّةُ الحكم لا دَوامِه، وقد حصل وما انتفَى، والذي انتفى دوامُهُ، وليس هو العِلَّه. (١١)

стр. 693

قال شهاب الدين: سلَّمْنا ما قلتم، غيرَ أنَّ قوله ﵇: "فهي له" لفظ يقتضي مطلق المِلك، فإن "لَهُ" ليس من صِيغ العموم، بل دَليلٌ على أصل ثبوت المِلك، ونحن نقول بموجبه. فإذَن إنما ثَبَت مطلَقُ الملك زمنَ الإِحياء، وإنما يحصل مقصود الخصم أنْ لَوْ اقتضَى الحديثُ المِلكَ على وجْهِ الدوام، وليس كذلك (١٢). قلت: إذا ثَبت المِلك له بتثبيتِ الشارع فأصلُهُ أن ييقى له حتى يدل دليل على زواله عنه. قال شهاب الدين: وعن الثاني، الفرقُ بأن الإِحياء سبب فِعْل تُمْلَك به المباحاتُ، وهو سببٌ ضعيف لِوُرُودِه على غير ملكٍ سابق (١٣). وعن الثالث أن تَملُّكَ الملتقِط ورَد على ما تقدمَ فيه المِلك، وتَقَرر، فكان تأثير السبب فيه أقوى. ويؤكّده أن الاسباب القولية ونحوها تَرفع مِلك الغير كالبيع ونحوه، فهي في غاية القوة. وأما الفعل بمجرده فليس له قوةُ رفع ملك الغير، بل ييْطل ذلك الفعل كمَن بَنَى في ملك غيره (١٤). قلت: وكذا من باع مِلك غيره لا أثر له، والأظهر ما قاله سحنون.

стр. 694

القاعدة الرابعة: في تقرير ما يوجبُ استحقاقُ بعضه إبطالَ العقد في الكُلِّ ممّا لَا . (١٥) إعْلَمْ أنهُ إذا استُحِقَّ بعضُ الشيء فله أحوال، لأنه إما أن يكون مِثْليَا أو مقوّماً، وإما أن يكون معَيَّناً أوْ شائعا. أما المِثْلى فهُوَ المكيل والموزون. فإن استُحِقَّ قليلُه لزم الباقي، لأنَّ القليل لا يُخِلَّ بمقصود العقد، والأصلُ لزومُ العقد، بخلاف ما إذا استُحِق الأكثرُ، ولذلك يكون له الخيار بَيْن أن يَرُد، لذهاب مقصود العقد، أو يُمسك الباقي بحِصَّتِهِ من الثَّمَن. وأمّا المتقَوَّم، فإن استُحق الأقلَّ فَكَما في الثاني، وإن استحِقَّ الاكثرُ - الذي هو وجْهُ الصفقة- اختلّ البيع وانتقض كله، لفوات مقصود البيع. ويَحْرُم التمسكُ بما بقى، ليس كما قلنا في المثلي، وهذا لأن حِصته لا تُعرَف حتي يُقَوَّم، وهذا مما يتعلق بالعين. وأما الشائع إذا استحق جزء منه وهو مما لا يَنقسم فيخَيَّرُ في التمسك بالباقي بحصته مِنْ الثمن، لأن حصته معلومة بغير تقويم. القاعدة الخامسة (١٦) في حكم اللُّقَطَة (١٧) قال اللخمي: قد يكون الالتقاط واجِباً ومستحَبا، أو مكروها ومحرَّما، ومباحا بحسب حال الملتقط وحالِ الزمن وأهلِه ومقدار اللّقَطَة. فإن كان الواجد

стр. 695

مأموناً ولا يَخْشى السلطانَ إذا أشهرها، وهي بين قوم أمناءَ لا يُخشى عليها منهم ولها قدْرٌ، فأخْذُها وتعريفُها مستحَبُّ، وإن كانتْ بين قوم غيِر أمناء، والسلطانُ أمينٌ، وجب أخْذُها، وإن كان غيرَ أمين بيْن قوم أمناء، والسلطان غير أمين، حَرُم أخذها. وإن كانت قليلة كُرِه أخذها، لأن الغالبَ عدم المبالغة في تعريف الحقير، وذلك كالدِرْهم ونحوه. وقال الشيخ أبو الوليد في المقدمات: في اللَّقَطَة ثلاثة أقوال: الأفضل ترْكها من غير تفصيل، والأفضل أخذها، لأن فيه صونَ مالِ الغير، وأخْذُ الجليل أفضل، وترك الحقير أفضل. وهذا إذا كانت بيْن قوم مامونين، والإِمامُ عدْلٌ، أمّا بين الخَوَنة ولَا يُخشَى السلطان إذا عُرِّفَتْ فالأخذ واجب اتفاقا، وبين خَوَنة ويُخشى من الإِمام، يخَيَّرُ بيْن أخذها وترْكِها بحَسَبِ ما يَغلب على ظنه في أي الخَوْفَيْن أشدُّ. ويُستثنَى لُقَطة الحاج، فلا يجرى هذا الخلاف فيها، فهي بالتّرْك أوْلى، لأن ملبتقطها يدخل قُطرَه وهو بعيد، فلا يحصل التعريف بها.

стр. 696

ثم إذا قلنا بالفَرْضية من حيث القاعدةُ التي هي الأمر بحفظ الأموال، فذلك فرض الكفاية. وذكر الشافعي أنها تكون واجبة مرّةً، وذلك عند خوْف الضياع، وقد يكون ذلك مندوبا، وكذلك جاء عن أبي حنيفة، وأما ابن حنبل فكَرِه لقْطَها، لما في الالتقاط من التعرضِ لأكْل الحرام، وذلك كتولّي مال اليتيم. قال شهاب الدين: ولمْ أرَ أحداً فصَّل وقسَّم اللقطة إلى الأحكام الخمسة إلّا أصحابَنَا. (١٨)

стр. 697

القاعدة السادسة: لِتمييز ما يُرَدُّ من القراض الفاسد إلى أجْرة المثل ممّا يُرَد إلى قراض المثل ، فأقول: (١٩) الأصل الرّد إلى قِرَاض المثل كسائر أبواب الفقه، ولكنه (٢٠) قال القاضى عياض في التنبيهات: القراض الفاسد يُرَد إلى أجرة المِثل إلا في تسْع مسائلَ: القِراض بالعُروض، وإلى أجَل، وعلى الضمان، والمُبْهَم، وبِدَين يَقْتضيه من أجبنبي، وعلى شِرْك في المال، وعلى أنه لا يشترى إلا بالدَّيْن فاشتَرَى بالنقْدِ، وعلى أنه لا يشترى إلّا سلعة معَيَّنة ممّا لا يكثُر وجُودُه فاشترى غيرها، وعلى أن يشترِيَ عبْدَ فلان بمالِ القراض ثم يبيعَه ويتَّجر بثمنِه، وألْحِقَ بذلك عاشِرةٌ من غير - الفاسد، وهي في الكتاب: إذا اختلفا وأتيا بما يُشِبِهُ فَله قراض المثل.

стр. 698

والضابط: كلُّ منفعة اشترطها أحدُهما على صاحبهِ ليْسَت خارجة عن المال (٢١) ولا خالصةً لمشترطها فقراض المثل. ومتى كانت خارجة عن المال أو كانت (٢٢) غَرَراً حراماً فأجْرَةُ المثل، فعَلى هذه الامور الثلاثة تدور المسائل، وعن مالكٍ قراض المثل مطلقا. وقال الشافعى وأبو حنيفة وعبْد الملك بالإِجارة مطلقا، نظراً لاستيفاء العَمل بغير عقْدٍ صحيح. ومنشأ الخلاف أمرانِ: أحدهما: المستثنَيات من العقود إذا فسَدت، هل تُرَدُّ إلى صحيح أنفسِها (٢٣) وهو الأصل كفاسِد البيع، أو إلى صحيح أصْلِها؟ الأمر الثاني: أسْبابُ الفساد إذا تأكدت في القراض أو غيره بطلت حقيقة المستثنى بالكلية فتتعين الإِجارة، وإن لم متأكد اعْتُبر القراض، ثم يبقى النظر بعد ذلك في المُفسِدِ (٢٤)، هل هو متأكد أم لا، نظراً في تحقيق الْمنَاط (٢٥).

стр. 699

القاعدة السابعة: في تقرير ما يُرَدُّ إلى مساقاة المثل ممّا يُرَدُّ إلى أجرة المِثْلِ منها . (٢٦) قال أبو الطاهر في كتابِ النظائر: يُرَدَّ العامِل إلى أجْرة المثل، إلّا في خمس مسائل فله مساقاة المثل: إذا ساقاه على حائط فيه تمْر قد أطْعَم، وإذا شرطَ العملَ معه، واجتماعُها مع البيْع، ومساقاةُ سَنَتَيْن على جزءين مختِلفين، ويَلزم عليهِ حائطان على جزءَيْن مختِلفين، واذا اختلفا وأتَيَا بما لا يُشْبِهُ فحلفَا علي دَعْوَاهُما أوْ نَكَلا. وسبب الخلاف ما ذكرناه في القِراض بعَينه، فالقواعد واحدةٌ فيهما. القاعدة الثامنة: في تقرير الإِقرار الذي يَقبَل الرجوعَ عنه وتمييزِه عما لا يَقبَل الرجوعَ عنه ، (٢٧) فأقول: الأصلُ فيه اللزوم. ثم ضابط ما لا يجوز الرجوع عنه هو الرجوع الذي ليس فيه عذر عادى، وما يجوز له الرجوع عنه هو أن يكون له في الرجوع عذر عادى. وهذا كما إذا أقرَّ الوارث للورثة أنّ ما تَركَه أبوه ميراث بينهم على القانون الشرعي، ثم جاء شهود أخبروهُ أن أباهم أشهدَهُمْ أنه تصدق عليه في صغره بهذه الدار وحَازَها له، فإنه إذا رجع عن إقراره يُقبل رجوعه، لِأنه أقرَّ، بناءً على العادة، ولا يكون إقراره السابق مكذِّباً للبينة، لأن هَذَا عذرٌ عادِي يُسْمَعُ مِثلُهُ.

стр. 700

ومثْلُ هذه المسألة أن يقول: له علي مائةُ درهم إن حلف، أو إذا حَلَف، أو متى حلف، أو حتَّي يحلف، أو مع يمينه أوْ بعْدَ يمينه، فحلف المُقَرُّ له فنكَلَ المُقِر وقال: ما ظننت أنه يحلف، لا يَلزَمه شيء. ومثال ذلك أن يقول: له عندي مائة من ثَمن الخَمْر أو ميتة، فإنه لا يلزمه شيء، لأن الكلام بآخِرِه. (٢٨). قلت: ولْنَذْكرْ مسائل وإن كانت الواحدة منها قد ذُكِرتْ، لكني أزيدها بسْطاً. (٢٩): المسألة الأولى، قال مالك: إذا قارَضَهُ على أن يُسلِف أحدُهما الآخَر كان للعامل أجْرَة مِثله، وإذا قارضه إلى أجل أو بشرط الضمان وجب فيه قراض المثل، وفي كلا الموضعيْن قد شرَط كل واحد منهما في القراض ما ليس منه، فلم كان ذلك؟ . فالجوابُ أنه اذ اقارضه إلى أجلٍ أو بِشرط الضمان فالقراض لم يَنْضمَّ اليه غيْرُه ولم ينقله عن حكم القِرَاض، وليس ذلك في شرط السَّلف، لأنه من غير

стр. 701

القراض، إِذ هو معنى انضمَّ إِليه من غيره فنَقله عن حكمه. وأيضاً، فالسلف زيادة ازدادها أحدهما على الآخَرَ، والقراض إذا دخلْته الزيادة أفسدتْهُ، وليس كذلك في الأجَل، والضمانُ ليس بزيادة ازدادها أحدهما على الآخر، فلم ينقُل القِراض عن حكمه. قلت: وما ذكرناه من الفرق الكلي في القراض كافٍ. (٣٠) المسألة الثانية، قال مالك: لا يجوز أن يدفع إليه مالَيْنِ بِربْحَيْن مختلفَيْن على أن كل واحد على حِدَة، واذا دفع إليه مالاً فاشترَى به سلعة فجائزٌ أن يدفع إليه مالا آخر. ويُشترط ألّا يَخلطه بالأول، سواء اتفق الربحُ أو اختلف، وفي كِلا الموضعين مالَانِ بربْحَيْن مختلفين، فلِمَ وقعَ هذا؟ فالجواب أنه إذا دفع إليه ماليْن وشرَط أن يخلط أحدَهما بالآخر واختلف الربح فهو غَرَرٌ، لأنه يجوزُ أن يربَحَ في أحدهما ويخسَر في الآخَر، فيكون قد خسر أحدهما فيذهب عمله باطلا فيما لا يربحُ فيه، وياخذ ربح المال الآخر، فدخل الغَبْنُ على رب المال، لأن ربَّ المال دخل على أنه يربح في كل مالٍ، ولا يستبد العامل في منفعة أحد المالَيْن دون الآخَر. وليس كذلك إذا اشترى بالمال الأول السِّلعَ، لأنه قد حصل له حكم نفيسه، امَّا من ربْح أو خسارة، فلا يدخل هاهنا الغرر كما دخل في الأول، إذ قد استحق العامل منفعة المال الأول إن كان فيه منفعة او كان فيه خُسْرانٌ، فهو على رب المال، لا تعلُّق لأحد الماليْن بالآخر، فافترَقا. المسألة الثالثة، لا يجوز للمودَع أن يُودِع الوديعةَ عند غيره إلا من ضرورة، ويجوزُ أن يودِع اللقطة من غير ضرورة إذا كان في مثل أمانته، والكلُّ مالٌ للغير. فلِمَ كان هذا الفرق؟

стр. 702

فالجوابُ أن المودِع إنما رضي بالمودَع، فلم يكن له أن يدفعها لغيره إلا من ضرورة، واللُّقَطة لم يَرْضَ صاحبُها أن تكون عند الملتقِط ولا اختَاره، وإنما الغرض منها الحفظ، فكان له دفْعُها إلى غيره. المسألة الرابعة، إذا تعدَّى المودَعُ على الوديعة فاشترى بها تجارة، فربح فيها، كان له بح، وإذا تعَدَّى المُقَارَض في مال القِراض، فاشترى غير الذي أمره بشرائه كان رب المال مخيَّراً بين أن يضمنه وبين أن يقره على القراض ويقاسمه الربح، وفي كِلَا الموضعين، فالتعدي موجود. فالجواب أن الوديعة لم يقصِد بها رَبُّها التنمية، وإنما قصد بها الحفظ، ولمْ يَزُلْ غرضه بتعَدِي المودَع عليها، لانَّ الحفظ موجود فيها على كل حال، وليس كذلك القراض، لأنَّ رب المال قصد به التنمية، فلو لم يكنْ له الخيَارُ لكان العامل قد منعَه غرضَه، وليس كذلك، فافترقا. المسألة الخامسة، قال مالك: إذا استهلك العبدُ لُقَطَةً قبل عام كانتْ في رقبته، واذا استهلكها بعْد السنة كانتْ في ذمته، واذا استهلك الحر لقطةً كانت في ذمته مطلقا، فلِمَ كان هذا؟ فالجواب أن الاستهلاك إذا كان للعبد قبل السنة كان تعدِّيا، والعبدُ إِذا تعَدَّى على مال الغير كان ذلك في رقبته، وإذا كان بعدَ السنة لم يكن متعديا، لأنه ماذون له في إنفاقها فكانت في ذمته، دون رقبته، والحرُّ أحوالُه متساوية، فهي في ذمته أبداً.

стр. 703

الدعاوى والشهادات وما ألحِق بذلك، وفيه تسعَ عشرةَ قاعدةً: القاعدة الأولى: في تمييز الدعوى الصحيحة من الدعوى الباطلة . (١) إعْلم أن ضابط الدعوى الصحيحة هو أنها طلبُ معَيَّنٍ، أو ما في ذمة معَيَّن، أو ما يترتب عليه أحدهما، معتَبَرٌ (٢) لا تُكَذِبه العادة شرعا.

стр. 704

فالأول كدعْوَى أن السلعة المعَيَّنة اشتراها أو غُصبت منه (٣). والثاني كالديون والسَّلَم. ثم المعَيَّن الذي يُدَّعَى في ذمته قد يكون معَيَّناً بالشخص كزيد، أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة، (٤) والقتلِ على جماعة، أو أنهم أتلفوا له أموالا. والثالث كدعوى المرأة الطلاقَ أو الرِّدَّةَ على زوجها، وقولنا: معتبر (أو معتبرة) شرعا، احترازا من دعوى عُشُر السمسمة (٥)، فإن الحاكم لا يَسْمَعُ مثل هذه الدعوى، فإنه لا يترتب عليها نفع شرعي، ولهذه الدعوى (الصحيحة) أربعة شروط: أن تكون معلومَة، محقَّقة، لا تُكَذبها العادة، يتعلق بها غرض صحيح. وفي الجواهر: لو قال: لي عليه شيء، لم تُسمَع دعواه، لأنها مجهولة، وكذلك: أظن، لي عليه ألف (٦). وقال الشافعى: لا تصح دعوى المجهول إلا في الإِقرار والوصية، لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال، والمال غيرُ معلوم، وصحةِ المِلك في الاقرار بالمجهول من غير حكم، ويُلزمه الحاكم التعيين، وقاله أصحابنا، (٧) ويَذكر في غير الأعيانِ الصفاتِ المعتبَرةَ في السَّلَم، وذِكْرُ القيمة

стр. 705

مع الصفات أحْوَطُ. ومالا تضْبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد، ويَذكر في الارض والدراهم (٨) الصُّقْعَ والبلَدَ، وفي السيف المحلَّى بالذهب قيمتَه فضةً، وبالفضة قيمتَه ذهباً، وإن كان بهما قوَّمَه بما شاء منهما، لأنه موْضع ضرورة، ولا يَلزَم ذِكر سبب مِلْك المالِ، بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم ها هنا -دون المال- بالعمد والخطأ، وهل قتَله وحدَه أو مع غيره؟ ، وهذا كله لا يخالفه أصحابنا، غيْرَ أنَّ قولهم وقوْل أصحابنا: إن من شرطها أن تكون معلومة، فيه نظرٌ، فإن الانسان لو وجَد وثيقة في تركةِ موْروثِهِ، أو أخبَرَهُ عدْلٌ بِحَقٍّ له، فالمنقول جوازُ الدعوى بمثل هذا، والحَلفِ بمجرده عندنا وعندهم، مع أن هذه الأسباب لا تُفيدُ إلا الظن. وتكميلُ البيان في هذا المقصود بمسألتين. (٩) المسألة الأولى: تُسمَع الدعوى عندنا في النكاح وإن لم يقُل: تزوجْتُها بولي وبرضاها، بل يقول: هي زوجتى، ويكفيه، وقاله أبو حنيفة. وقال الشافعي وابن حنبل: لَا تُسمَعُ حتى يقولَ: بولي وبرضاها وشاهِدَيْ عدْل، بخلاف دعوى المال وغيره. لنا القياس على البيع والرِّدّة والعِدَّةِ (١٠)، ولأن ظاهر عقود المسلمين الصحة. احتجوا بوجوه:
следующие страницы →