← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

القراض، إِذ هو معنى انضمَّ إِليه من غيره فنَقله عن حكمه. وأيضاً، فالسلف زيادة ازدادها أحدهما على الآخَرَ، والقراض إذا دخلْته الزيادة أفسدتْهُ، وليس كذلك في الأجَل، والضمانُ ليس بزيادة ازدادها أحدهما على الآخر، فلم ينقُل القِراض عن حكمه. قلت: وما ذكرناه من الفرق الكلي في القراض كافٍ. (٣٠) المسألة الثانية، قال مالك: لا يجوز أن يدفع إليه مالَيْنِ بِربْحَيْن مختلفَيْن على أن كل واحد على حِدَة، واذا دفع إليه مالاً فاشترَى به سلعة فجائزٌ أن يدفع إليه مالا آخر. ويُشترط ألّا يَخلطه بالأول، سواء اتفق الربحُ أو اختلف، وفي كِلا الموضعين مالَانِ بربْحَيْن مختلفين، فلِمَ وقعَ هذا؟ فالجواب أنه إذا دفع إليه ماليْن وشرَط أن يخلط أحدَهما بالآخر واختلف الربح فهو غَرَرٌ، لأنه يجوزُ أن يربَحَ في أحدهما ويخسَر في الآخَر، فيكون قد خسر أحدهما فيذهب عمله باطلا فيما لا يربحُ فيه، وياخذ ربح المال الآخر، فدخل الغَبْنُ على رب المال، لأن ربَّ المال دخل على أنه يربح في كل مالٍ، ولا يستبد العامل في منفعة أحد المالَيْن دون الآخَر. وليس كذلك إذا اشترى بالمال الأول السِّلعَ، لأنه قد حصل له حكم نفيسه، امَّا من ربْح أو خسارة، فلا يدخل هاهنا الغرر كما دخل في الأول، إذ قد استحق العامل منفعة المال الأول إن كان فيه منفعة او كان فيه خُسْرانٌ، فهو على رب المال، لا تعلُّق لأحد الماليْن بالآخر، فافترَقا. المسألة الثالثة، لا يجوز للمودَع أن يُودِع الوديعةَ عند غيره إلا من ضرورة، ويجوزُ أن يودِع اللقطة من غير ضرورة إذا كان في مثل أمانته، والكلُّ مالٌ للغير. فلِمَ كان هذا الفرق؟

стр. 702

فالجوابُ أن المودِع إنما رضي بالمودَع، فلم يكن له أن يدفعها لغيره إلا من ضرورة، واللُّقَطة لم يَرْضَ صاحبُها أن تكون عند الملتقِط ولا اختَاره، وإنما الغرض منها الحفظ، فكان له دفْعُها إلى غيره. المسألة الرابعة، إذا تعدَّى المودَعُ على الوديعة فاشترى بها تجارة، فربح فيها، كان له بح، وإذا تعَدَّى المُقَارَض في مال القِراض، فاشترى غير الذي أمره بشرائه كان رب المال مخيَّراً بين أن يضمنه وبين أن يقره على القراض ويقاسمه الربح، وفي كِلَا الموضعين، فالتعدي موجود. فالجواب أن الوديعة لم يقصِد بها رَبُّها التنمية، وإنما قصد بها الحفظ، ولمْ يَزُلْ غرضه بتعَدِي المودَع عليها، لانَّ الحفظ موجود فيها على كل حال، وليس كذلك القراض، لأنَّ رب المال قصد به التنمية، فلو لم يكنْ له الخيَارُ لكان العامل قد منعَه غرضَه، وليس كذلك، فافترقا. المسألة الخامسة، قال مالك: إذا استهلك العبدُ لُقَطَةً قبل عام كانتْ في رقبته، واذا استهلكها بعْد السنة كانتْ في ذمته، واذا استهلك الحر لقطةً كانت في ذمته مطلقا، فلِمَ كان هذا؟ فالجواب أن الاستهلاك إذا كان للعبد قبل السنة كان تعدِّيا، والعبدُ إِذا تعَدَّى على مال الغير كان ذلك في رقبته، وإذا كان بعدَ السنة لم يكن متعديا، لأنه ماذون له في إنفاقها فكانت في ذمته، دون رقبته، والحرُّ أحوالُه متساوية، فهي في ذمته أبداً.

стр. 703

الدعاوى والشهادات وما ألحِق بذلك، وفيه تسعَ عشرةَ قاعدةً: القاعدة الأولى: في تمييز الدعوى الصحيحة من الدعوى الباطلة . (١) إعْلم أن ضابط الدعوى الصحيحة هو أنها طلبُ معَيَّنٍ، أو ما في ذمة معَيَّن، أو ما يترتب عليه أحدهما، معتَبَرٌ (٢) لا تُكَذِبه العادة شرعا.

стр. 704

فالأول كدعْوَى أن السلعة المعَيَّنة اشتراها أو غُصبت منه (٣). والثاني كالديون والسَّلَم. ثم المعَيَّن الذي يُدَّعَى في ذمته قد يكون معَيَّناً بالشخص كزيد، أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة، (٤) والقتلِ على جماعة، أو أنهم أتلفوا له أموالا. والثالث كدعوى المرأة الطلاقَ أو الرِّدَّةَ على زوجها، وقولنا: معتبر (أو معتبرة) شرعا، احترازا من دعوى عُشُر السمسمة (٥)، فإن الحاكم لا يَسْمَعُ مثل هذه الدعوى، فإنه لا يترتب عليها نفع شرعي، ولهذه الدعوى (الصحيحة) أربعة شروط: أن تكون معلومَة، محقَّقة، لا تُكَذبها العادة، يتعلق بها غرض صحيح. وفي الجواهر: لو قال: لي عليه شيء، لم تُسمَع دعواه، لأنها مجهولة، وكذلك: أظن، لي عليه ألف (٦). وقال الشافعى: لا تصح دعوى المجهول إلا في الإِقرار والوصية، لصحة القضاء بالوصية المجهولة كثلث المال، والمال غيرُ معلوم، وصحةِ المِلك في الاقرار بالمجهول من غير حكم، ويُلزمه الحاكم التعيين، وقاله أصحابنا، (٧) ويَذكر في غير الأعيانِ الصفاتِ المعتبَرةَ في السَّلَم، وذِكْرُ القيمة

стр. 705

مع الصفات أحْوَطُ. ومالا تضْبطه الصفة كالجواهر فلا بد من ذكر القيمة من غالب نقد البلد، ويَذكر في الارض والدراهم (٨) الصُّقْعَ والبلَدَ، وفي السيف المحلَّى بالذهب قيمتَه فضةً، وبالفضة قيمتَه ذهباً، وإن كان بهما قوَّمَه بما شاء منهما، لأنه موْضع ضرورة، ولا يَلزَم ذِكر سبب مِلْك المالِ، بخلاف سبب القتل والجراح لاختلاف الحكم ها هنا -دون المال- بالعمد والخطأ، وهل قتَله وحدَه أو مع غيره؟ ، وهذا كله لا يخالفه أصحابنا، غيْرَ أنَّ قولهم وقوْل أصحابنا: إن من شرطها أن تكون معلومة، فيه نظرٌ، فإن الانسان لو وجَد وثيقة في تركةِ موْروثِهِ، أو أخبَرَهُ عدْلٌ بِحَقٍّ له، فالمنقول جوازُ الدعوى بمثل هذا، والحَلفِ بمجرده عندنا وعندهم، مع أن هذه الأسباب لا تُفيدُ إلا الظن. وتكميلُ البيان في هذا المقصود بمسألتين. (٩) المسألة الأولى: تُسمَع الدعوى عندنا في النكاح وإن لم يقُل: تزوجْتُها بولي وبرضاها، بل يقول: هي زوجتى، ويكفيه، وقاله أبو حنيفة. وقال الشافعي وابن حنبل: لَا تُسمَعُ حتى يقولَ: بولي وبرضاها وشاهِدَيْ عدْل، بخلاف دعوى المال وغيره. لنا القياس على البيع والرِّدّة والعِدَّةِ (١٠)، ولأن ظاهر عقود المسلمين الصحة. احتجوا بوجوه:

стр. 706

الأول أن النكاح خطيرٌ (١١)، والوطء لا يُستدرَك، فأشبه القتل. الثاني أن النكاح لمّاَ اختص بشروط زائدة على البيع من صداق وغيره خالفت دعواه الدعاوى، قياسا للدعوى على المدعَى به. الوجه الثالث أن المقصودَ من جميع العقود يدخله البدل والإِباحة، بخلافه، فكان خطيرا، فيحتاط فيه. والجواب عن الأول أن غالب دعوى المسلم الصحةُ، فالاستدراك حينئذ نادر، والنادر لا حُرْمَةَ له، والقتل خطرُه أعظم من النكاح، وهو الفرق المانع من القياس. وعن الثاني أن دعوَى الشيء تتناول شروطه، بدليل المنع، فلا يحتاج إلى الشروط، كالبيع له شروط لا تُشترَط في دعواه. وعن الثالث أن الردة والعِدَّة لا يدخلهما البدَل والإِباحة، ويكفي الإِطلاق فيهما. المسألة الثانية: في بيان قولي: "لا تكذبها العادة": الدعاوَى ثلاثة أقسام: قسم تصدقه العادة كدعوى القريب الوديعَةَ. وقِسْم تكذبه العادة كدعوى الحاضِر الأجنبي مِلْكَ دارٍ في يد زيد، وهو حاضر، يراهُ يبنى ويَهْدم ويؤاجِر مع طول الزمان، من غير وازع يزَعه عن الطلب من رغبة أو رهْبة، فلا تُسمع دعواه لظهور كذبها.

стр. 707

والقسم الثالث لم تقْضِ العادة بصدقها ولا كذبها، كدعوى المعاملة، وتُشترط فيه الخلْطة يكون بعد هذا -إن شاء الله- في بيان قاعدة من يَحلف ومن لا يحلف. وأما ما تُكَذِبُهُ العادة فقال مالك في الأجانب: سنين، ولمْ يَحُدَّه بعَشْر، وقال غيرهُ: عشْرُ سنين تَقْطَعُ دعوى الحاضر، إلا أن يقيم بينة أنه أكْرى أو أسْكن أو أعارَ، ولا حيازة على غائب. وعن رسول الله ﷺ أنه قال: "من حَاز شيئاً عشْرَ سنين فهو له" (١٢)، ولقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، فكلُّ شيء كذبه العرف وجَبَ ألَّا يُومَرَ به، بل يؤمَرُ بالمِلْك لحائزه. وقال ابن القاسم: الْحِيازة من الثمانية إلى العشرة، وقال مالك: مَن أقامتْ بيده دارٌ سنين يُكري ويَهْدِمُ ويبْنى، ثم أقَمْتَ بينةً أنها لك أو لأبيك أو لجدك، وثبتَت المواريث وأنتَ حاضر تَراه يفعل

стр. 708

ذلك فلا حجة لك، فإن كنت غائبا فلك إقامة البينة، والعُروضُ والحيوانَ والرقيق كذلك. وأما في الاقارب فقال مالك: الحيازة المكَذِّبة للدَّعوى في العقار نحوُ الخمسين سنة، يتسامحون بيْن القرابة أكثر من الاجانب. وخالفَنَا الشافعي وسمِح الدعوى في جميع هذه الصور، ولنَا ما تقدم. القاعدة الثانية: في تمييز المدَّعي من المدعَى عليه . (١٢) إذْ هُمَا مُلْتبسان، لأنه ليس كلُّ طالِبٍ مُدَّعيا، ولا كلّ مطلوب مدّعىً عليه. وضابط المدعِي والمدَّعَى عليه، للأصحاب فيه عبارتان: إحداهما أن المدعي هو أبعَدُ المتداعيْين سَبَباً، والمدَّعَى عليه هو أقرب المتداعيَيْن سبباً، والعبارة الثانية - وهي توَضِحُ الأولى - المدعى مَن كان قولُهُ على خلاف أصْل أو عُرْف، والمُدعَى عليه مَن كان قولُه على وفْق أصْل أو عُرْف. وبيَانُ ذلك بالمثال أن اليتيم إذا بَلغ وطلبَ الوصىَّ بماله فإنهُ مدَّعىً عليه، والوصىُّ مدَّعِ، علَيه البينة، لأن الله تعالى أمَرَ الأوصياء بالإِشهاد على اليتامى إذا دفعُوا إليهم أمْوالهم (١٣)، فلم يأتمنهم على الدفع بل على التصرف والإِنفاق خاصة،

стр. 709

وإذا لم يكونوا أمناءَ كان الأصْل عدَمَ الدفع، فهذا طالب واليمين عليه، لأنه مدّعىً عليه، والوصى مطلوبٌ، وهو مدّعِ.

стр. 710

وإنما قلنا: اليمين عليه، لقولِهِ ﵇: "البينةُ على المدعي، واليمين على من أنكرَ" (١٤). ونظائر هذا كثير، (١٥) فيكون الطالب فيها مدعى عليه، ويعتمدُ -أبدا- الترجيحَ بالعوائد وظواهِر الاحوال والقرائن.

стр. 711

ومن هذا الباب إذا تداعي: قزَّازٌ (١٦) ودبَّاغ جِلْدا، كان الدباغ مدَّعىً عليه، أو قاضِ وجُندي رُمْحاً كان الجندي مدَّعىَ عليه. وعلى هذا مسألة الزوجيْن إذا اختلفا في متاع البيت أنَّ القول قَوْلُ الرجل فيما يُشبِه قماش الرجُلِ، والقولُ قولُ المرأة فيما يُشبه قِماش النساء، وقد تقدم هذا وخلاف الشافعي لنا فيه. وأما الأصل وحده من غيرِ ظاهر الحال ولا عُرْفٍ، كمن ادَّعَى على شخص دَيْنا أو غصبا أو جناية ونحوَها، فالأصل عدم هذه الأمور، ويكون القولُ في ذلك قول المطلوب، مع يمينه، لأن الأصل يُعَضده ويخالف الطالب، وهذا مجمع عليه، إنما الخلاف فيما قَبْلَه. (١٧) وظهر لك، بهذا قولُ الأصحاب: إنَّ المدعِي هو أضعف المتداعيين سببا، والمدّعَى عليه هو أقوى المتداعييْنِ سبباً. "تنبيه". ما ذكزناه من ظاهر الحال ينتقض بما اجتمعت عليه الأمَّة، من أن الصالح الْبَرَّ، التَّقي، العظيمَ الشأنِ في العلم والدِين مثلَ أبي بكر وعمرَ بن الخطاب، لو ادعى على أفْسَقِ الناس وأرذَلِهِم لا يُصَدَّقُ فيه، وعليه البينةُ، وهُوَ مدَّعِ، والمطلوبُ مدَّعىً عليه، والقول قولهُ بيمينه، وعكْسُه لو ادعى الطَّالح على الصالح كان الامر كذلك. وبهذا احتج الشافعي علينا، وينقُض علينا الحدود المتقدمة المذكورة. (١٨)

стр. 712

"تنبيه" قال بعض القضاة: قول الفقهاء: إذا تعَاَرض الأصل والغالب يكون في المسألة قولانِ، ليسَ على إطلاقه. بل اجتمعت الأمة على اعتبار الأصل وإلْغاء الغالب في دعوى الدَّين ونحوه، فالقول قول المدعي عليه وإن كان الطالبُ أصلَحَ الناسِ وأتقاهم لله. ومن الغالب عليه ألَّا يَدَّعِي إلا مالَهُ، فهذا الغالب مُلْغىً إجماعا. واتفق الناس على تقديم الغالب وإلغاء الأصل في البينة إذا شهِدَتْ، فإنَّ الغالب صِدْقُها، والأصل برَآة ذمة المشهود عليه، وإلْغاءُ الأصل ها هنا بالاجْماع عكس الأول، فليس الخلاف على الاطلاق. "تنبيه" خولفت قاعدة الدعاوى في خمس مواضع يُقبَل فيها قولُ الطالب: أحدُها اللِعانُ يُقْبَل فيه قولُ الزوج، لأن العادة أن الرجل ينْفي عن زوجته الفواحشَ، فحيثُ أقدم على رمْيها بالفاحشة مع إيمانه قدَّمه الشرع. (١٩) وثانيها القَسامة، يُقْبَلُ فيها قول الطالب لترجيحه باللَّوث (٢٠).

стр. 713

وثالثها قول الأمناء في التَّلف، لَئِلَّا يَزْهَدَ الناسُ في قَبول الأمانات، فتفوت مصالحها المرتَّبة على حفظ الامانات. ورابعها يُقْبَلُ قولُ الحكام في التجريح والتعديل وغيرها من الأحكام، لِئَلَّا تفوتَ المصالح المرتَّبة على الولاية للأحكام. وخامسها قَبول قول الغاصِب في التلف ع يمينه لضرورة الحاجة، لِئَلَّا يُخَلَّدَ في الحَبْس. قلت: التنبيه الأول قد نُجيبُ عن إشكاله بأن نقول: ظواهر الأحوال التي ذكرناهَا، جليَّةٌ بينةٌ، غير خائفين من تَبَدُّلِها. وما نُقِضَتْ به من دعوى البَرِّ التقى على الفاسق، يَطرُقُنا الشك في هذه الظواهر، فإن القُلوبَ بيَدِ الله يقلِّبها كيف يشاء (٢١)، فيكون تَقِياً، الزَّمنَ الطويل ثم ينعكس، وبالعكس. ومعرفة هذا من الأمر الخفى، فألْغِى هذا الظاهر هنا ولم يُعتَبَرْ، بخلاف الظواهر التي ذكرناها لا يَطوُقُها ما طرقَ هذا، فاعتُبِرت، وترتَّبَ الحكم عليها. قلت: والتنبيه الثاني إنما الغى الغالبَ الذي هو صِدْقُ البرّ التقِي، لِما قلناه من أن القلوب بيد الله يُقَلبُها كيف يشاءُ، فليْسَ هذا الغالبُ بمعتبَر أصْلا كما قلنا في التنبيه الذي قبله. وكلام الفقهاء في الغالب الذي لا يطرقه مثل هذا كجِلدٍ يدعيه قزَازٌ ودَباغ، الغالب أنه للدباغ، ففى مثل هذا الغالب قولان.

стр. 714

وما قاله في البينة إذا شهدت، فإن الغالب صدْقها، ما كان هذا من ترجيح الغالب على الاصل، بَلْ من باب العمل بالخبر الذي لا يصحُّ خلافُه، وهو قوله ﵇: "شاهِداك أو يمينه". (٢٢) قلت: وعَدُّ اللعانِ فيما ذُكر ليسَ بظاهر. لأنه إنما كان يُقبَلُ قولُه لو كان يُقضَى بصحة قوله عند يمينه، وليسَ الأمر كذلك، بل الأمرُ يتوَقَّفُ على يمين المرأة، فإن حلفت بطلت الدعوى، وإن نكلت تحقَّقت الدعوى، وليسَ في اللِّعَان غيرُ ابتِداء الرَّجل باليمين. القاعدة الثالثة: في الفرق بيْن ما يحتاج للدعوى وبين ما لا يحتاج إليها . (٢٣) وتلخيص الفرق أن كل أمرٍ مُجْمَعٍ على ثبوته، وتعَيَّنَ الحقُّ فيه، ولا يؤدِى أخذه لفتنةٍ ولا تشاجُرٍ ولا فَسَادٍ، فيجوز أخْذه من غير رفع للحاكم. فمن وجَدَ المغصوبَ أو غيرَه ممّا هو له، وسلِم ممّا ذُكر، فياخذه ولا يحتاج للحاكم. والذي يحتاج إليه خمسة أنواع: النوع الأول، المختلَفُ فيه، هل هو ثابت أم لا؟ ، لابد في هذا من الرفع للحاكم حتى يَحْكُم فيه بحكم نوع (٢٤) المسائل المختلَف فيها بيْن مالك والشافعي.

стр. 715

النوع الثاني: ما يحتاج للاجتهاد كتقويم الرقيق في عتاق (٢٥) البعض، وتقدير النفقات الزوجات والأقارب، والطلاق على المُولي بِعَدم الفَيئة. (٢٦). النوع الثالث، ما يؤدي أخذُه للفتنة، كالقِصاص في النفس، والأعْضاء، فيُرفعُ ذلك للأئمة (٢٧). النوع الرابع ما يؤدي إلى فساد العِرض وسوء العاقبة، كمن ظفِرَ بالعَيْن المغصوبة، (٢٨) فخاف - إن أخذها - أن يُنسَبَ إلى السَّرقة. النوع الخامس ما يؤدي إلى خيانة الأمانة، (٢٩) وقد قال ﵇: "ادِّ الْأمانة إِلى من ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك". (٣٠) وأجازه الشافعي، لحديث

стр. 716

هند بنت غتبة: امرأةِ أبي سفيان، حيث أجازَ لها أن تاخذ من مال أبي سفيان ما يكفيها وأولادَها. (٣١) ومنهم من فصّلَ بين جنس الحق وغير جنسه. (٣٢). القاعدة الرابعة: في تقرير اليد المعتبَرة المرجِّحة لقول صاحبها . (٣٣) إعْلَمْ أن اليد إنما تكون مرجحَةً إذا جُهِل أصلُها، أو عُلِم أصلها الحَقّ. أمَّا إذا عُلم أخها بِغَصْبٍ أو عارية، أوَ غير ذلك من الطرق المقتضية وضْعَ اليد من غير مِلك، فإنها لا تكون مُرْجِّحَة الْبَتَّةَ. تنبيه: اليد عبارة عن القرب والاتصال، وأعظمُها ثياب الإِنسان التي عليه، ونعْلُه ومِنطَقَتُه، ويليه البِساط الذي هو جالس عليه، والدابة التي هو راكبُها، ويليه الدابة التي هو سائقها أو قائدها، ويليه الدار التي هو ساكنها، فهي دون الدواب لعدم استيلائه على جميعها. قال بعض العلماء: وتُقدَّم أقوى اليدين على أضعفهما، والمتساويتَانِ (٣٤) يُقسَم ذلك بينهما بعْدَ أَيْمَانِهما.

стр. 717

"فرع". قال ابن أبي زيد (في النوادر): إذا ادَّعياها في يد ثالث، فقال أحدُهما: أجَرْتهُ إياها، وقال الآخَرُ: أوْدَعْتُه إيّاها، صُدِّق من عُلِمَ أنه أسْبَقُ. (٣٥) ويُستصحبُ الحال له والمِلكُ، إلا أن تشهد بينة الْآخَرِ أنه فَعَل ذلك بحيازة عن الأول وحضوره، ولم ينكر، فيُقضَى له، فإن جُهِل السابق قُسِمَتْ بينهما. قال أشهب: فلو شهِدت بينةُ أحدهما بغصْبِ الثالث منه، وبينّةَ الآخَرِ أن الثالث أقر له بالإِيداع قُضِيَ لصاحب الغصْب. "فرع". قال في النوادر: لو كانتْ دار في يد رَجُلَيْن، وفي يد عَبْدٍ لأحدهما، فادعاها الثالث قُسم ذلك بينهم أثلاثا إن كان العبد تاجرا، وإلا فنصِفين، لأن العبد في يد موْلاه. القاعدة الخامسة: في تقرير ما تجب إجابة الحاكم فيه إذا دُعِي إليه ممّا لا تجب (٣٦). فاعلم أنه إذا دُعى إليه من مسافة العَدْوَى فما دُونَها وجَبَتْ الاجابة، وإنْ كان أبْعَدَ لا تجب، وإن لم يكن له عليه حقّ لم تجب الاجابة، أوْلَهُ عليه حق ولكن لا يقف على الحاكم لا تجب أيضا. ثم إن كان قادراً على أدائه لزِمَهُ أداؤه، ولا يذهبُ إليه، ومتى عَلِمَ خصْمُه إعسارَه حَرُمَ عليه طلبُهُ ودعواه إلى الحاكم، (٣٧)، وإن دعاه وعلم أنه يحكم عليه

стр. 718

بجوَر لم تجبْ عليه الإِجابة، وتحرُمُ في الدماء والفروجِ والحدودِ وسائر العقوبات الشرعية. وإن كان الحقُّ موقوفاً على الحاكم وجبتْ عليه الإِجابة، إلا أن يفعل ما يحكم به عليه كأجَلِ العِنِّينِ، يُخيَّرُ الزوجُ بين الطلاق فلا تجبُ عليه الإِجابة، وبيْن الإِجابة فلا يمتنع منها، ومَتى طوُلب في حقٍ مُختَلَفٍ فيه، والخصم يعتقد ثبوته، وجبتْ الإِجابة، فلو اعتقد عدمَ ثبوته لم تجب الإِجابة، ومتى طولب بحقٍ، وجب عليه على الفور، كرد الغُصوب. ولا يحِلُّ له أن يقول: لا أدفعه إلا بالحكم، لأن المطْلَ ظُلْمٌ، (٣٨) ووقوفُ الناس عند الحاكم صعْب. وأما النفقات فيجب الحضور فيها عند الحاكم لتقديرها إن كانت للأقارب، وإن كانتْ للزوجة أو الرقيق خُيِّرَ بيْن العتق، والطلاق والاجابة. القاعدة السادسة: في الفرق بين قاعدة ما يُشْرَع فيه الحَبْسُ وبين قاعدة ما لا يُشَرع (٣٩). المشروع من الحبْسِ ثمانية أقسام: (٤٠) الأول الجاني، لِغَيبة المجنى عليه، حفظاً لمحل القصاص. الثاني حَبْس الآبِق سنةً، حفظاً للمالية، رجاء أن يُعْرَفَ ربُّه. الثالث حبْس الممتنع من دفع الحق، إلجاءً إليه. الرابع حبس من أشكل أمْرُهُ في العُسْر واليسْر، اختبارا لحاله، فإذا ظهر حاله حُكِم بموجبه عسراً أو يُسْرا.

стр. 719

الخامس حبْس الجاني، تعزيراً ورَدّاً عن معاصي الله. السادس حبْسُ من امتنع من التصرف الواجب الذي لا تدخله النيابة، كحبْس من أسْلَمَ على أختيْن وامتنعَ من التعيين. السابع من أقرَّ بمجهولٍ عُيِّنَ أو في الذمة وامتنع من تعيينه، يُحْبَسُ حتى يعينه، فيقول في المعَيَّن: هذا هو الثوب، ويقول فيما في الذمة: هو دينارٌ مثلا. الثامن، يُحبس الممتنع من حق الله تعالى، الذي لا تدخله النيابة عند الشافعي كالصوم، وعندنا يُقْتَل، كالصلاة، وما عدا هذه الثمانيةَ لا يجوز الحبس فيها، ولا يجوز الحبْسُ في الحق إذا تمكن الحاكم من استيفائه. (٤١). سؤال: كيف يَخلَّدُ في الحبْس من امتنع من دفع درهم يَقْدِر على دفعِه، وعجْزنَا عن أخذه منه، لأنها عقولة عظيمة في جناية حقيرة، وقواعدَ الشرع تقتضي تقدير العقوبات بقدْر الجنايات؟ . جوابه أنها عقولة صغيرة بإزاء جناية صغيرة فلم نُخالفْ القواعدَ، لأنه في كل ساعةٍ يمتنع من أداء الحق، فيعامَلُ في امتناعه بحبْسه. (٤٢). القاعدة السابعة: في تقرير من يَلْزَمه الحلف . (٤٣) إعلم أنَّهُ كل من توجهت عليه دعوى صحيحة مُشْبِهة.

стр. 720

فقولنا. "صحيحة" تحرزا من الباطلة، وقد تقدم تبْيينُ الدعوى الصحيحة. وقولنا: "مشبهة"، احترازا من التي يُكَذبها العرف، وقد تقدم أن الدعوى ثلاثة أقسام: ما يكذبها العرف، وما يشهد بها، وما لم يتعرض لها بكذب ولا غيره. فما شهد بكذبه كدعوى غريبٍ وديعةً عند جاره، فيُشرع التحليف هنا بغير شرْط، وباتفاق بين الأئمة في ذلك، وما شهد بأنها غير مشبهة كدعوى دَيْن لرجُل في حال صحته على من ليس متعَرضا (٤٤) للتجارة ولا للصنعة، فلا يُستحْلَف هذا الا بإثبات الخُلْطة. قال ابن القاسم: وهي أن يُسالفه أَو يبايعه مراراً وإن تَقَابَضَا من ذلك الثمن والسلعة. وقال سحنون: لا بدّ من البيع والشراء بين المتداعيين. وقال الشيخ أبو بكر الأبهري. هي أن تكون الدعوى تشبه أن يُدَّعى مثلها على المدعى عليه وإلا فلا يحلف، إلا أن يدعي المدعي بلطْخ. (٤٥) وقال الشافعي وأبو حنيفة: يحلف على كل تقدير. لنَا ما راه سحنون أن رسول الله ﷺ قال: "البينةُ على من ادعى واليمين على من أنكر"، إذا كانت بينهما خلطة، وزيادة العدل مقبولة، ولأنه بذلك قضى عليٌّ ﵁، ولم يُعْلم له مخالِفٌ من الصحابة في ذلك، (٤٦)، ولأن عمل أهل المدينة كذلك، ولولا ذلك لتجرأ السفهاء على ذوي الأقدار بتبذيلهم عند الحاكم

стр. 721

بالتحليف، وذلك شاقٍّ على ذوي الهيآت، ورُبّما التزموا ما لا يَلزمَهم، فرارا من اليمين (٤٧)، وقد يصادفه عقب الحلف مصيبة، فيقال: هي بسبب الحلف. (٤٨). احتجوا بالحديث السابق بدون زيادة، وهو عامٌّ في كل مدعى عليه، فسقط اعتبار ما ذكرتموه من الشروط، ولقوله ﵇: "شاهداك أو يمينُهُ، (٤٩) ولم يذكر مخالطة، ولأن الحقوق قد تثبت بدون الخلطة، فاشتراطها يؤدي إلى ضياع الحقوق، وتختل حِكمة الحكام. والجواب أن الزيادة جاءت من عدل فوجب العمل بها. وعن الثاني أن الحديث بيانُ من عليه البينة ومن عليه اليمين لا بيانُ حال من تَتَوجَّه عليه، والقاعدة أن اللفظ إذا ورد لمعنى، لا يحتج به في غيره، لأن المتكلم مُعْرِض عن ذلك الغير. وعن الثالث أنه معارَض بما ذكرناه من تسليط السَّفَلة (٥٠) على الأتقياء الأخيار بالتحليف عند القضاة. وهاهنا ثلاث مسائل (*)

стр. 722

المسألة الأولى: أن الخُلطة حيث اشتُرِطت فهي تَثبُت بإقرار الخصم، والشاهديْن، والشاهد واليمين، لأنها أسبَابُ الأموال، فتُلحَقُ بها. (في الحِجَاج). وقال ابن لُبابة: تَثْبُتُ بشهادة رجل واحد وامرأة، وجَعَله من باب الخبَر، وروي عن ابن القاسم. المسألة الثانية: إذا دَفع الدعوى بعداوة، المشهور أنه لا يحلف، لأن العدواة مقتضاها الِإضرار بالتحليف، وقيل: يحلف، لظاهر الخبَر. المسألة الثالثِة: قال أبو عمران: خمسة مواطن لا تعتبر فيها الخلطة، الصانع، والمتهمَ بالسرقة، والقائل عند موته: لي عند فلان دَيْن، والضيفُ عند الرجل فيدَّعِي عليه، والعاريةُ والوديعة. القاعدة الثامنة في تمييز المعصية التي هي كبيرة مانعةٌ من قَبول الشهادة من التي ليست كذلك . (٥١) إعْلَم أن إمام الحَرَمَيْن منع من اطلاق صغيرة على شيء من معاصي الله تعالى، وكذلك قال جماعة من العلماء. وقال غيرُهم: يجوز ذلك. واتفقوا أن العاصى تختلف بالقدْح في العدالة، وأنه ليس كلّ معصية يَسقط بها العدْل عن مرتبة العدالة، فالخلاف على هذا إنما هو في الاطلاق فقط، وقد ورد إلكتاب العزيز بالاشارة إلى الفرق في قوله تعالى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ (٥٢)،

стр. 723

فجعل للمعْصية رُتَباً: كُفْراً، وفُسوقا وهو الكبيرة، وعصيانا وهو الصغيرة. ولو كان المعنى واحداً لكان اللفظ في الآية متكررا، وهو خلاف الأصل. إذا تقرر هذا فنقول: الصغيرة والكبيرة في المعاصي ليس من جهة من عصَى، بل من جهة المفْسَدة الكائنة في ذلك الفعل. فالكبيرة ما عظُمَتْ مفسدتها، والصَّغيرة ما قلّتْ مَفْسدَتها، ورُتَبُ المفاسد مختلفة، وأدنى رُتبها يترتب عليها الكراهية، ثم تترقى حتى تكونَ أعظم رَتب الكراهَة دون الأدْنى من رتب المحرَّمات، ثم تترقى حتى تكون أعلى رتَب الكبائر، يليها الكفر. إذا تقرر هذا فالكبيرة تُرَدُّ بها الشهادةُ، وهي ما ثَبت أنها كبيرة بالكتاب أو السُّنة أو بالإِجماع، أو كان قد رُبِط بها حدّ من الحدود، كقطع السرقَة وجَلْد الشرُّب ونحوِهما، أو ما كان فيه وعيد صريح من الكتاب أوْ السنة، فإذا كان (٥٣) هكذا نَنْظر ما ليس فيه هذا، فإن تساوى أدناه (مفسدةً) ورجح عليه في المفْسدة ألحقناه به ورددْنا به الشهادة، وما وجدناه قاصراً عن أدنى الكبائر جعلناه صغيرة لا تَقْدَح. (٥٤) في العدالة، ولا تُوجب فسوقا إلا أن يُصِرّ عليها فتكون كبيرة. وهناَ أربعُ مسائل (٥٥):

стр. 724

المسألة الأولى. ما هو الإِصرار الذي يُصَيُرُ الصغيرةَ كبيرةً؟ فقال بعض الناس: هو أن يتكرر الذنبُ منه، كأنَ يَعزم على العَود أم لا؟ وقال بعضهم: إنْ تَكَررَ من غير عزم لم يكن إصرإراً، وإنما يكون إصرارا إذا فعَل الذنب وهو عازم على معاودته، فيقال: فُلَان مُصِرٌّ على العدواة، أي مصمم عليها بقلبه، وعلى مصاحبتها ومداومتها، وهذا هو المفهوم من عُرف الاستعمال، وهو الأرجَحُ. (٥٦) المسألة الثانية: ما ضابط التكرار في الإصرإر الذي ما يُصَيِّر الصغيرةَ كبيرةً؟ قال بعض العلماء: يُنظَر إلى ما يحصل من ملابسة أدنى الكبائر من عدم الؤثوق بملابستها في أداء الشهادة، والوقوفِ عند حدود الله تعالى، ثم يُنظَرُ لذلك التكرار في الصغيرة، فإن حصل في النفس من عدم الوثوق به ما حصل من أدنى الكبائر كان هذا الِإصرارُ كبيَرةَ تُخِل بالعدالة، (٥٧) وهذا يؤكد أنه لابد فيه من العزم. (٥٨).

стр. 725

وبهذا الضابط أيضا، يُعْلَمُ المباح المُخِلُّ بقبول الشهادة، كالأكل في الأسواق، بِأنْ يَصْدُرَ منه صدوراً (٥٩) يوجب عدم الوثوق به في حدود الله تعالى، كان ذلك مُخِلاً. (٦٠) وذلك يختلف بحسب الأحوال المقترنة وصورة الفاعل وهيئة الفعل، والمعتَمَدُ في ذلك على ما يوجَد في القلب السالم عن الأهواء، المعتدِل المزاج والعقل والديانة، العارف بالأوضاع الشرعية، فهذا هو المعنى لوَزْنِ هذه الأمور. (٦١) ومتى تخللت التوبةُ الصَّغَائرَ فلا خلافَ أنها لا تقدحَ في العدالة، وكذلك ينبغى إذا كانت من أنواع مختلفة، وإنما يحصل اللَّبْس إذا كانت متكررة من نوع واحد.

стр. 726

المسألة الثالثة. المشهور عندنا قَبول شهادة القاذف قبْل الجَلْد وإن كان القذف كبيرة باتفاق، وقال به أبو حنيفة، وردَّها عبد الملك ومطرِّف والشافعي وابن حنبل ﵃. لنَا أنه قبل الجَلْد غيرُ فاسق، لأنه ما لم يُفْرَغْ من جَلْده يجوز رجوع البيِّنة، أو تصديقُ المقذوف له، فلا يتحَقق الفِسقُ، إلّا بعْدَ الجَلْد. والأصل استصحاب العدالة، إذ هي الحالة السابقة. احتجوا بوجوهٍ: الأول، أن الآية اقتضت ترتيب الفسق على القذف، وقد يتحقق القذف فيتحقق الفسق بتحققه، سواءٌ جُلِد أوْ لا. الثاني، أن الجَلْدَ فرع ثبوت الفسق، فلو قلنا: الفسق يتوقف على الجلد لَزِمَ الدَّوْر. (٦٢) الثالث، أن الأصل عدم قبول الشهادة إلا حيث تيقَّنَّا العدالة، ولم تُتَيقن، فَتُرَدُّ. والجواب أن الآية اقتضت صحة ما ذكرنا لا ما ذكرتم، لأن الله تعالى قال: " ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦٢ م) فرَتَّب الشهادة والقَبول على الجلد. قلت: هذا بعيد، وليس في الآية ما يدل عليه، بل رتب الجَلْد وعدمَ قبول الشهادة، والفسقَ على القذف، فانه قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾، كذا كذا، وهذا لا خفاءَ به.

стр. 727

قال شهاب الدين: وعن الثاني أن الجَلدَ فرع ترتيب الفسوق، ظاهرٌ ظهوراً ضعيفاً، (٦٣) لجواز رجوع البينة أو تصديق المقذوف، فإذا أقيم الجلد قوِي الظهور، وحينئذ نقول: إنّ مُدْرَكَ رَدِّ الشهادات إنما هو الظهور القوي لأنه المُجْمَعُ عليه، والأصل بقاء العدالة السابقة. قلت: الحق أن الجَلْد والفسق ليس أحدهما فرعاً للآخَر، ولا الآخرُ أصْلاً له، بل هما فرعانِ للقذف ولَازِمانِ له، وكذا اقتضت الآية كما تقدم. المسألة الرابعة. قال الباجى. قال القاضى أبو إسحاق والشافعي: لابُدّ في توبة القاذف من تكذيبه لنفسه، لأنَّا قضينا بتكذيبه في الظاهر لَمَّا فسَّقْنَاه، فلو لم يُكَذب نفْسه لكان مُصِراً على الكذب الذي فسَّقناه لأجْله. وعليه إشْكالان: أحدهما أنه قد يكون صادقا في قذفه، فتكذيبه لنفسه كذِبٌ، فكيف يُشترَطُ المعصية في التوبة؟ وثانيهما أنه إنا كان كاذبا في قذفه فهو فاسق، أو صادقا فهو عاص، لأن تعيير الزاني بزناه معصية، فكيف ينفعه تكذيبُهُ نفسَه مع كونه عاصياً بكل حال؟ . والجواب عن الأول أن الكذِبَ للحاجة جائز، ككذِب الرجل لإصلاحه بين الناس، (٦٤) وهذا التكذيب فيه مصلحة السَّترِ على المقذوف، وتقليلُ الأذِيَّة، ورفْعُ الفضيحة، وقَبولُ شهادته في نفسه، وعَوْدُه إلى حالة الكمال.

стр. 728

وعن الثاني أن تعْيِير الزاني صغيرةٌ، ولايمنع الزاني (٦٥) شهادته. وقال مالك: لا يُشترَطُ في قبول توبته ولا قَبول شهادته تكذيبُهُ لنفسه، بل صلاحُ حاله بالاستغفار والعملِ الصالح كسائر الذنوب. القاعدة التاسعة: في تقرير التهمة التي ترَدُّ بها الشهادة بعد العدالة من التي لا تُرَد بها الشهادة . (٦٦) إعْلَمْ أن الأمَّةَ مُجْمِعَةٌ على ردِّ الشهادة بالتهمة من حيث الجملة، لكن وقع الخلاف في بعضِ الرُّتَب. وتحرير ذلك أن التهمة تنقسم ثلاثة أقسام: مُجْمَعٌ على اعتبارهَا لقُوّتها، ومُجمَعٌ على إلغائها لضَعفها، ومتوسطة بين ذلك، ففيها الخلاف. فأعلاها شهادة الإِنسان لنفسه، وقعَ الإِجماع على ردِّها. وأدناها شهادة الإِنسان لرجل من قبيلته، أجمِعَ على اعتبارها وبطلانِ هذه التهمة. ومن المتوسط بين الرُّتبتين شهادة الانسان لأخيه أو لصديقه الملاطِف، وكذلك أيضا تُعْتَبَرُ تهمةُ العداوة، ولكن في الدنيا لا في الدين، وقال أبو حنيفة: العداوة مطلقا، وكذلك من رُدَّت

стр. 729

شهادته لفسقه أو كُفرهِ أو صِغره، ثم أدَّاها بعد زوال هذه الصفات، فإنه يُتَّهَمُ هنا. وقيل: يُقبَل الكُلُّ إلا الفاسقَ. (٦٧) ومن المتوسط شهادة أهل البادية - إذا قُصِدوا في التحمل دون أهل الحاضرة - في البيع والنكاح والهبة ونحو ذلك، لأن العدول إليهم مع إمكان غيرهم تهمة. وقال ابنُ حنبَل: لا يُقبَلُ بَدَويٌّ مطلقا على قروي. وقال أبو حنيفة والشافعي: يُقبل مطْلقا، فحملنا الحديث (٦٨) على مَوضىح التهمة، جمْعاً بينه وبين العمومات الدالة على قبول الشهادة. وحملهُ (٦٩) أبو حنيفة والشافعي على الأعراب الذين لا تُعْلمُ عَدالَتُهم. وقولنا نحن أوْلَى، لأنه لو كان ردُّها لأجْل عدم العدالة لم يكن للتخصيص بصَاحب القرية فائدة، بل إنما هو للتهمة، والله أعلم. ثم ممّا يُقوي ذلك أنّا نَقْبَله في الهِلال (٧٠) لعدم التهمة، وكذلك نقبله في الجراحات، لأن التهمة تضْعُفُ هنالك، والجِراح يُقصَد لها الخلَوات، بخلاف المعاملات.

стр. 730

القاعدة العاشرة: في ذِكر ما يَصْلُحُ أن يكون مستنَداً للشهادات . (٧١) قال صاحب المقَدِّمات: كلُّ مَن عَلِم شيئا بوجهٍ من الوجوه الموجِبةِ للعلم، شهد به، فلذلك شهدتْ هذه الأمة لنوح ﵇ ولغيره، (٧٢) وصحَّت شهادة خُزَيمة ولم يَحْضُرْ شراءَ الفرس. وَمَدَارِكُ العلم أربعة: العقل، والحواس، (٧٣) والنقْل المتواتر، والاستدلال، وشهادةُ خُزَيمة كانتْ بالنظر والاستدلال. ومِثْلُهُ أنَّ عُمَرَ لمّا قال لأبِي هُرَيْرَةَ في رجُل شَرِب خَمْراً شهِدَ أنه شربها، فقال: أشْهَدُ أنه قاءها، فقال عمر ﵁: ما هذا التعمق؟ فَلَا وربّك ما قاءها حتى شرِبها. والشهادة بالتواتر كالنسَب وولايةِ القاضي وعَزْله. والْأصل في الشهادة العِلْمُ، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٤).

стр. 731

ثم قد تجوز بالظن، والسماع، قال صاحب القَبَسِ: (٧٥) ما اتسع أحدٌ في شهادة السماع اتساعَ المالكية، فهىَ عندهم في مواطنَ كثيرة، الحاضر منها خمسة وعشرون موضعا: الأحباس، المِلْك المتقادِم، الولاء، النَّسَبُ، الموت، الولاية، العَزْل، العدالة، الجرْح، ومنعَ سحنون ذلك فيهما. قال علماؤنا: وذلك إذا لم يدرك زمانَ المجرَّح والمعدَّل، فإن أدرك فلابد من العلم، الإِسلام، الكُفر، الحمْلُ، الولادة، الرُّشد، السَفَه، الصدقة، الهبة، البيع في حالة التقادم، الرضاع، النكاح، الطلاق، الضرر، الوصية، إبَاقُ العبد، وزاد. بعضهم البُنُوة، الأخوّة. فهذه مَوَاطِن رَأى الأصحاب أنها مواضع ضرورة، فيجوز تحمُّل الشهادة فيها بالظن الغالب. وقال صاحبُ الجواهر: الإِعسار يُلغَى فيه الظن القريبُ من اليقين، وليس مُدْرَكاً بالحِسِّ، بل متلقّىً بالقرائن. وأمّا اختلاف العلماء في شهادة الأعمى والشهادة على الخط فليس خلافاً في الشهادة بالظن، بل الكلام في ذلك في تحقيق مناط. فالمالكية يقولون: الأعمى قد يحصل له القطع بتمييز بعض الأقوال، ويتحصل القطع للبصير ببعض الخطوط فيشهد بلا، والشافعية يقولون: لا يحصل القطع بذلك، لالتباس الأصوات وكثرة التزوير في الخطوط. "تنبيه" إعلمْ أن قول العلماء: لا تجوز الشهادة إلا بالعلم، ليْسَ على ظاهره، فإن ظاهرَهُ يقتضي أنه لا يجوز أن يؤدِي إلا ما قطع به، وليْس كذلك، بل حالة الأداء دائما عند الشاهد، الظن الضعيف، في كثير من الصور، بل المراد بذلك أن

стр. 732

يكون أصْل المُدْرَك عِلْماً فقط، فإنهُ يشهَد بالدّين على مَن عليه الدَّين، ولعلهُ قد دفعه إليه، فما شهد إلا أنه استصْحب الحال الأول، والاستصحابُ لا يفيد إلا الظن الضعيف، وله نظائر كثيرة. (٧٦). القاعدة الحادية عشرة: في تقرير ما هو حُجَّةٌ عند الحكام . (٧٧) قد تقدم الفرق بين الأدِلة والأسباب والحِجَاج. (٧٨) ثم هي سبع عشرة: الشاهدان، والشاهدان واليمين، والأربعة في الزنى، والشاهد واليمين، والمرأتان، واليمين،

стр. 733

والشاهد والنكول، والمرأتان والنكول، واليمين والنكول، وأربعة أيمان في اللعان، وخمسون يمينا في القَسامة، والمرأتان فقط في العيوب المتعلقة بالنساء، واليمين وحدها وإن تحالفا، وتُقسم بينهما فَيقضَى لكل واحد منهما بيمينه، والإِقرار، وشهادة الصبْيان، والقافةُ، وقُمُطُ الحيطان، وشواهدها، واليد. فهذه هي الحجاج التي يقضي بها الحكام، وما عداها لا يُقضَى به عندنا، وفيه خلاف أُنَبِهُ عليه، فأذْكُرُ ذلك حجةَ حُجّة بانفرادها: الحجة الأولى: الشاهدانِ، والعدالة فيهما شرط عندنا وعند الشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة: العدالة حق للخصم، فإن طلبها فحص الحاكم عنها وإلا فلا. وعندنا، هي لله تعالى يجب على الحمام ألّا يحكم حتى يحققها. وقال متأخرو الحنَفِية: إنما كان قول المجهول مقبولا في أول الإِسلام، حيث كان الغالب العدالة، فحُكِمَ بالغالب وتُرِك النادر، وأمّا اليومَ فالغالب الفِسق، فلا يحْكُمُ إِلّا بعْدَ البحث عن العدالة. والمعروفُ عن الحنفية القولُ الأول، واستثنُوْا الحدود، فلا يُكْتَفَى فيها بمجرد الإِسلام، بل لابُدَّ من العدالة، لأنها حقٌّ لله (٧٨ م) لَنَا إجماع الصحابة على ما قلناه، من حيث إنَّ عُمَرَ طَلَب التعويف برجَليْن مُسْلِميْن، فقال ﵁، لا أعرفكما، ولا يضرُّكما أن لا أعرفكما، وسأل المعروفَ عن سفَره معهما، وعن مجاورته لهما، وعن معاملته لهما، (٧٩) والظاهر أنه ما سأل عن تلك الأسباب إلا بعدَ علمه بإسلامهما، لأنه لم يَسأل عن إسلامهما. ولنا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٨٠)، إذْ لوْ كان الإِسلام كافِياً لمْ يَبقَ في تَقييده بِالعدْل فائدة.

стр. 734

ولنا قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾، (٨١) ورِضَى الحاكِم بهم فرعُ معرفتِهِ بهم، وبالقياس على الحدود، وبالقياس على طلب الخصم للعدالة. احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، ولم تُشترَط العدالة. وقَبِلَ رسولُ الله ﷺ شهادة الأعرابي بعْدَ أن قال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فلم يَعتبر غيْرَ الإِسلام، (٨٢)، ولأنه لَوْ أسلمَ كافر بحضرتنا جاز قَبُوله، مع أنه لا يتحقق منه إلا الإِسلام، ولأن البحث لا يؤدي إلى تيقُّن العدالة، وإذا كان المقصودُ الظاهرَ فالإِسلام كافٍ في ذلك لأنه أتَمُّ وازِعٍ.

стр. 735

والجواب عن الأول أنَّهُ مُطْلق، فيُحمَل على قوله تعالى ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ويتقيد به. وعن الثاني أن السؤال عن الإِسلام لا يدل على أنه لم يسأل عن غيره، فلعله سأل، أو كان غيرُ هذا الوصف معلوما عنده. وعن الثالث أنَّا لا نَقبَله حتى نعلَمَ سَجَاياه. وعن الرابع أنّا نكتفي بما ظاهره العدالة. مسألة. لا تُقْبَلُ عندنا شهادة الكافر على المسلم، ولا في وصيةِ ميتٍ مات في السفر ولم يحضره المسلمون، ولا على غير المسلمين، وتُمْنع شهادةُ نسائهم في الاستِهلال والولادة، ووافقَنَا الشافعي، وقال أحمد بن حنبل: تجوز شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرُهم، وهُم ذِمّة. ويحلفان بعد العصر ما خَلَطَا ولا كَتَما ولا اشتريا به ثمناً ولو كان ذا قُربَى، ولا نكنم شهادة الله، إنَّا إذنْ لمِن الآثمين، وهذا عملٌ بالآية عنده، ولا يُقبل في غير هذا عند أحمد. (٨٣) وقد اخْتُلِف في فهْم الآية. وقال أبو حنيفة: يُقبَل اليهودي على النصراني، والنصراني على اليهودي مطلقا، لأن الكفر ملة واحدة. وعن قتادة وغيرِهِ، يُقبل على ملته دون غيرها.

стр. 736

لنا قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٨٤). وقال ﵇: لا تُقْبَلُ شهادةُ عدُوٍ على عدُوِّه، (٨٥) وقياسا على الفاسق، بل بطريق الأولى، ولقوله تعالى: ﴿وأشهِدوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولأنه جاء في الحديث "لا تُقبلُ شهادة أهل دِين على غير أهْل دينه إلا المسلمون، فإنهم عدولٌ عليهم وعلى غيرهم". إحتجوا بقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. الآية، وإذا جازت على المسلم جازتْ على الكافر بطريق الأولى، وبأنه رُوي عن الشعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن شهد منكم أربعة رجَمْتُهُما"، وخطابه لأهل الكتاب. (٨٦) والجواب أن الحسَن قال: "مِن غيْر عَشِيرتكم"، وأيْضاً فالآيةُ تدل على التخيير بَيْن المسلمين وغيرهم، ولم يَقُلْ به أحَدٌ، فدل على نسخ ذلك. وعن الثاني أن الصحيح منهما اعترفا بالزنى، فكان الرجم بالاعتراف، ولمْ يصِحَّ أَمْرُ الشهادة في ذلك.

стр. 737

"فرع" قال ابْنُ أبي زيد: لو رضى الخصم بحكم الكافر أو المسخوط لمْ يحْكَمْ له به، لأنه حق لله تعالى. الحجة الثانية، الشاهدان واليمين، ما علمتُ عندنا ولا عند غيرنا خلافاً في قبول شاهديْن مسلميْن عدْلين في الدماء والديون. وقال مالك ﵀: إنْ شهِدَا لَهُ برِبَاع (٨٧) في يدِ أحَدٍ لا يستحقُّها حتى يَحلف ما باع ولا وهبَ ولا خرجتْ عن يده بطريق من الطُّرُق المُزِيلَةٍ للملْك، وهذا الذي عليه الفُتْيَا والقضاءُ عندنا. وعلَّلَهُ الأصحابُ بأنه يجوز أن يكون باعها لهذا المدّعَى عليه، أو لمن اشتراها هذا المدعَى عليه منه. ومع قيام الاحتمال لابُدَّ من اليمين، وهذا مُشْكِلٌ بالديون، فإنه يجوز أن يَكون أبْرأهُ من الديون، أو دفَعَه له وعاوضه عَليه, ومع ذلك فلا اعتبارَ بهذه الاحتمالات، وإذا قبِلْناهُما في القتْل، ويُقتَلُ بهما مع جواز العفو، فلَأنْ يُقْضَى بهما في الأموال أوْلَى. وبالجملة, اشتراطُ اليمين مع الشاهديْن حيث ذُكر، صعبٌ (٨٨)، لا سيما وهو يقول ﵇: "شاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ" (٨٩) وكذلك ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فالظَّاهرُ أن الشهادة كما ذكر حجَّة تامَّةٌ لا حاجة إلى اليمين مع الشاهِديْن، وكذلك قال الشافعي وغيرُهُ، سوى مالِك، وهو الصحيح.

стр. 738

الحجة الثالثة: الأربعة في الزنى، لقوده تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (٩٠). قال أبو عُمَر: يُشترط اجتماع الشهود عند الأدَاء في الزنى والسرقة، ولا يُشترط في غيرهما ذلك، ولا أعرف دليلا يدل على ذلك، (٩١) والمناسبات (٩٢) بمجردها لا تكفي في اشتراط الشروط، بل لابدَّ من قياس صحيح أو نص صريح. (٩٣) الحجة الرابعة. الشاهدُ واليمين، قال به مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة، ليس بحجة، ويُنقَضُ الحكم إن وقع، وهُوَ بِدْعة، وأول من قضى به معاوية، وليس كما قال. (٩٤) لَنَا وجوه: (٩٥) الأول ما جاء في الموطأ أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، وقال ابن عباس: ذلك في الأموال.

стр. 739

الثاني إجماع الصحابة على ذلك. وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأُبَيّ ابن كعب، وعددٍ كثير من غير مخالف، قاله النيسابوري وغيره. الثالث: ولأن اليمين شُرِعَتْ في حق من ظهر صدقُهُ وقوِيَ جانبه، وقد ظهر ذلك في حقه بشاهده (٩٦) , وقياسا على اليد (٩٧) حيث كان معها اليمين، وقياسا على المرأتين حيث كان الحلف معهما. (٩٨). واحتجوا بوجوه: (٩٩) الأول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، وهذا يقتضي الحصر في الرجُل والمرأتين حال عدم الرجلين. الثاني قوله ﵇: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، فهذا يبين لنا ألّا يَمِينَ على المدعي، وأن اليمين محصورة في المُنكِرِ. والجواب عن الأول أنّا لا نُسَلِّمُ الحصْرَ، بل أثبَتَ الرجل والمرأتين، وسكَتَ عن غيرِ ذلك، وعن الثاني أنا لا نُسَلمُ الحصر أيضًا.

стр. 740

"تنبيه". قال بعض العلماء: يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالكٍ، أربعةُ: الأموالُ، والكفالة، والقِصاص في جِراح العمد، والخُلْطة التي هي شرط في التحليف في بعض الأحوال. (١٠٠) والذي لا يثبت بالشاهد واليمين: النكاح، والطلاق، والعتق، والولاء، والأحبَاس، والوصايا لغير المعَيَّن، وهلال رمضان، وذو الحجة، والموتُ، والقذف، والايصاء، ونقلُ الشهادة، وترشيد السفيه. والمختَلَف فيه هل يَثْبُت أم لا؟ . الوكالة، ونكاح امرأة ماتت، والتجريح، والتعديل. تنبيه: قول مالك ﵀ بالشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد، اعتمادا على أنها يُصالَحُ عليها بالمال في بعض الأحوال، مشكِل جدّا، فإنه ألغَى الاصل واعتبرَ الطوارئَ البعيدة، (١٠١) وذلك لازم له في النفس أيضًا، وهو خلاف الإِجماع. ويُشكل أيضًا من حيث إنه لم يقل بذلك في الاحباس ح أنها منافع، ولا في الولاء، ومآلهُ إلى الإِرث وغيرِ ذلك ممّا مآله إلى المالِ. الحجة الخامسة، المرأتان واليمينُ حجّةٌ في الأموال. وقاله أبو حنيفة، ومنعه الشافعي وابن حنبل.
следующие страницы →