← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لنا قوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٨٤). وقال ﵇: لا تُقْبَلُ شهادةُ عدُوٍ على عدُوِّه، (٨٥) وقياسا على الفاسق، بل بطريق الأولى، ولقوله تعالى: ﴿وأشهِدوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولأنه جاء في الحديث "لا تُقبلُ شهادة أهل دِين على غير أهْل دينه إلا المسلمون، فإنهم عدولٌ عليهم وعلى غيرهم". إحتجوا بقوله: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. الآية، وإذا جازت على المسلم جازتْ على الكافر بطريق الأولى، وبأنه رُوي عن الشعبي أن رسول الله ﷺ قال: "إن شهد منكم أربعة رجَمْتُهُما"، وخطابه لأهل الكتاب. (٨٦) والجواب أن الحسَن قال: "مِن غيْر عَشِيرتكم"، وأيْضاً فالآيةُ تدل على التخيير بَيْن المسلمين وغيرهم، ولم يَقُلْ به أحَدٌ، فدل على نسخ ذلك. وعن الثاني أن الصحيح منهما اعترفا بالزنى، فكان الرجم بالاعتراف، ولمْ يصِحَّ أَمْرُ الشهادة في ذلك.

стр. 737

"فرع" قال ابْنُ أبي زيد: لو رضى الخصم بحكم الكافر أو المسخوط لمْ يحْكَمْ له به، لأنه حق لله تعالى. الحجة الثانية، الشاهدان واليمين، ما علمتُ عندنا ولا عند غيرنا خلافاً في قبول شاهديْن مسلميْن عدْلين في الدماء والديون. وقال مالك ﵀: إنْ شهِدَا لَهُ برِبَاع (٨٧) في يدِ أحَدٍ لا يستحقُّها حتى يَحلف ما باع ولا وهبَ ولا خرجتْ عن يده بطريق من الطُّرُق المُزِيلَةٍ للملْك، وهذا الذي عليه الفُتْيَا والقضاءُ عندنا. وعلَّلَهُ الأصحابُ بأنه يجوز أن يكون باعها لهذا المدّعَى عليه، أو لمن اشتراها هذا المدعَى عليه منه. ومع قيام الاحتمال لابُدَّ من اليمين، وهذا مُشْكِلٌ بالديون، فإنه يجوز أن يَكون أبْرأهُ من الديون، أو دفَعَه له وعاوضه عَليه, ومع ذلك فلا اعتبارَ بهذه الاحتمالات، وإذا قبِلْناهُما في القتْل، ويُقتَلُ بهما مع جواز العفو، فلَأنْ يُقْضَى بهما في الأموال أوْلَى. وبالجملة, اشتراطُ اليمين مع الشاهديْن حيث ذُكر، صعبٌ (٨٨)، لا سيما وهو يقول ﵇: "شاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ" (٨٩) وكذلك ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، فالظَّاهرُ أن الشهادة كما ذكر حجَّة تامَّةٌ لا حاجة إلى اليمين مع الشاهِديْن، وكذلك قال الشافعي وغيرُهُ، سوى مالِك، وهو الصحيح.

стр. 738

الحجة الثالثة: الأربعة في الزنى، لقوده تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ (٩٠). قال أبو عُمَر: يُشترط اجتماع الشهود عند الأدَاء في الزنى والسرقة، ولا يُشترط في غيرهما ذلك، ولا أعرف دليلا يدل على ذلك، (٩١) والمناسبات (٩٢) بمجردها لا تكفي في اشتراط الشروط، بل لابدَّ من قياس صحيح أو نص صريح. (٩٣) الحجة الرابعة. الشاهدُ واليمين، قال به مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وقال أبو حنيفة، ليس بحجة، ويُنقَضُ الحكم إن وقع، وهُوَ بِدْعة، وأول من قضى به معاوية، وليس كما قال. (٩٤) لَنَا وجوه: (٩٥) الأول ما جاء في الموطأ أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد، وقال ابن عباس: ذلك في الأموال.

стр. 739

الثاني إجماع الصحابة على ذلك. وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعلي وأُبَيّ ابن كعب، وعددٍ كثير من غير مخالف، قاله النيسابوري وغيره. الثالث: ولأن اليمين شُرِعَتْ في حق من ظهر صدقُهُ وقوِيَ جانبه، وقد ظهر ذلك في حقه بشاهده (٩٦) , وقياسا على اليد (٩٧) حيث كان معها اليمين، وقياسا على المرأتين حيث كان الحلف معهما. (٩٨). واحتجوا بوجوه: (٩٩) الأول قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، وهذا يقتضي الحصر في الرجُل والمرأتين حال عدم الرجلين. الثاني قوله ﵇: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر"، فهذا يبين لنا ألّا يَمِينَ على المدعي، وأن اليمين محصورة في المُنكِرِ. والجواب عن الأول أنّا لا نُسَلِّمُ الحصْرَ، بل أثبَتَ الرجل والمرأتين، وسكَتَ عن غيرِ ذلك، وعن الثاني أنا لا نُسَلمُ الحصر أيضًا.

стр. 740

"تنبيه". قال بعض العلماء: يثبت بالشاهد واليمين في مذهب مالكٍ، أربعةُ: الأموالُ، والكفالة، والقِصاص في جِراح العمد، والخُلْطة التي هي شرط في التحليف في بعض الأحوال. (١٠٠) والذي لا يثبت بالشاهد واليمين: النكاح، والطلاق، والعتق، والولاء، والأحبَاس، والوصايا لغير المعَيَّن، وهلال رمضان، وذو الحجة، والموتُ، والقذف، والايصاء، ونقلُ الشهادة، وترشيد السفيه. والمختَلَف فيه هل يَثْبُت أم لا؟ . الوكالة، ونكاح امرأة ماتت، والتجريح، والتعديل. تنبيه: قول مالك ﵀ بالشاهد واليمين في القصاص في جراح العمد، اعتمادا على أنها يُصالَحُ عليها بالمال في بعض الأحوال، مشكِل جدّا، فإنه ألغَى الاصل واعتبرَ الطوارئَ البعيدة، (١٠١) وذلك لازم له في النفس أيضًا، وهو خلاف الإِجماع. ويُشكل أيضًا من حيث إنه لم يقل بذلك في الاحباس ح أنها منافع، ولا في الولاء، ومآلهُ إلى الإِرث وغيرِ ذلك ممّا مآله إلى المالِ. الحجة الخامسة، المرأتان واليمينُ حجّةٌ في الأموال. وقاله أبو حنيفة، ومنعه الشافعي وابن حنبل.

стр. 741

لَنَا أن الله تعالى أقامَ المرأتين مُقامَ الرّجل، فَيُقْضَى بهما مع اليمين كالرجل. (١٠٢) ولنا أنه يحلف مع نكول المدّعْى عليه، فمَعَ المرأتين أوْلَى (١٠٣). إحتجوا. بأن الله تعالى إنما شَرَطَ شهادتهن مع الرجل، فإذا عُدِمَ الرجُل ألْغِيتْ. الثاني أن شهادة النساء ضعيفة، فتقوى بالرجل، واليمين ضعيفة، فلا يصحُّ ضمُّ ضعيف إلى ضعيف. (١٠٤) والجواب عن الأول، أنهُ تعالى أثبتَ شهادتهما مع الرجل، ولم ينْفِ شهادتهما بذلك مع اليمين، بل كان الأمر في الآية المذكورة قد سُكِتَ عنه، وقد دلَّ على شهادتهما مع اليمين الاعتبارُ الذىَ ذكرناه، فيُعْمَل بذلك. وعن الثاني: أنا لا نُسَلِّمُ ضَعف المرأتين، بل هما كالرَّجل. سلّمناه، لكنا لا نُسلم منْعَ ضم ضعيف إلى ضعيف، بل يصِحُّ أن تحصل القوة من حيث الضم المذكور. (١٠٥)

стр. 742

الحجة السادسة، النكول والشاهد حجة عندنا، خلافا للشافعي. لنا أن النكول سبب مُؤثّرٌ في الحكم يُحْكَم به صح الشاهد، وتاثيره أن يكون المدعَى عليه ينقل اليمين للمدَّعي. (١٠٦) احتجُّوا بوجُوهٍ: الأول, أن السنة إنما وردت بالشاهد واليمين، وهو تعظيم الله تعالى، والنكوُل لا تعظيم فيه. وثانيها, أن الحِنثَ فيه يوجبُ الكفارة، ويَدَعُ الديار بَلَاقِعَ (١٠٧) إذا أقْدَمَ عليها غَمُوساً، وليس كذلك النكوُل.

стр. 743

الثالث أن النكول لا يكون أقوى من حجة أصل الحق، وَجَحْدُهُ لا يُقضَى به مع الشاهد، فإنه يكون قضاء بالشاهد وحْدَهُ، وهو خلاف الإِجماع. والجواب أن التعظيم لا مدخل له هاهنا، بدليل أنه لو سبَّحَ وهلل ألْفَ مرة لا يكون حجة ح الشاهد، وإِنما الحجة في إقدامه على موجِب العقوبة على تقدير الكذب، وهذا كما هو وازع دينيِ فالنكول فيه وازع طبَعى، لأنه إذا قيل له: إنْ حلفتَ بَرئت، وإن نكلتْ غرِمْتَ، فنَكَل، كان ذلك في خِلاف الطبع، والوازع الطبيعي أقوى من الوازع الشرعي، بدليل أن الإِقرار يُقْبَلُ من البَرِّ والفاجر، لكونه على خلاف الوازع الطبعي، والشهادة لا تُقْبَلُ إلا من العدل، لأن وازعها شرْعي. وعن الثاني أن الكفارة قد تكون أوْلى من الْحق المختلَف فيه، وهو الغالب، فيُقْدِمُ على اليمين الكاذبة، فالوازع حينئذ إنما هو الوازع الشرعي، وقد تقدم أنه دون الوازع الطبعي.

стр. 744

وعن الثالث أن: سد الجحْد لا يُقْضَى به عليه، فلا يخافه، والنكول يُقضى به عليه بعدَ تقدُّم اليمين فيخافه، فظهر أن النكول أقوى من اليمين وأقوى من الجحد. الحجة السابعة: المرأتان والنكول عندنا، خلافا للشافعي، والمُدْرَك ما تقدم سؤالا وجوابا. الحجة الثامنة: النكول واليمين. وصُورَتُهُ أن يطالَب المطلوبُ باليمين الدافعة فينكُل، فيحلِفى الطالبُ، ويَسْتَحِقُّ بالنكول واليمين. فإن جَهِل المطلوبُ ردَّها فعلى الحاكم أن يخبره بذلك، ولا يَقضى حتى يردَّها، فإن نكل الطالب فلا شيء عليه. وقاله الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كانت الدعوى في مالٍ، كُرِّر عليه ثلاثا، فإن لم يحلف لزمه الحق ولا يَرُدُّ اليمينَ، وإن كانتْ في قَوَدٍ، (١٠٨) , فلا يُحْكَم بالنكول، بل يُحْبَسُ حتى يحلف أو يعترفَ، وفي النكاح والطلاق والنَّسَبِ وغيره لا مدخل لليمين فيه. وقال ابن أبي ليلَى: يُحْبَسُ في جميع ذلك حتى يحلف. لنا قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ (١٠٩)، ولا يمينَ بعد يمين إلّا ما ذكرناه. وظاهرُه مردود بالاجماع، فَتَعَيَّنَ حمْلُهُ على يمين بَعْدَ ردِّ يمين، وهو على حذف مضاف وإقامة المضافِ إليه مُقامَه.

стр. 745

الثاني أن الأنصَار جآت إلى النبي ﷺ ، وقالت: إن اليهود قتلت عبْد الله وطرحته في نقير، فقال ﵇: أتحْلِفون وتستحِقُّون دَمَ صاحبكم؟ قالوا: لَا، قال: فتحْلِفُ لكم يهودٌ، قالو: كيف يحلفون وهم كفار؟ (١١٠). الثالث ما رُوِي أن المقداد اقترضَ من عثمانَ ﵁ سبعة الآف درهم، فلَمّا كان وقتُ القضاء جآء بأربعةِ آلاف، فقال عثمان: أقرضتُكَ سبعةَ آلاف، فترافعا إلى عمر، فقال المقداد: يحلف وياخُذُ، فقال عمر لعثمان: لقد أنصَفَكَ، فَلَمْ يحلف عثمان، فنقل عمرُ اليمين إلى المدّعي، وتَوَافَقَ ثلاثتُهم على هذا، ولم يخالفهم غيرُهم، فكان إجماعا، ولَنا غيرُ هذه الوجوه، ذكرها الفقهاء (١١١).

стр. 746

إحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١١٢)، فمَنَع تَعَالى أن يستحِقَّ بيمينه على غيره حَقًّا، فلا تُرَدُّ اليمين، لئلَّا يَستحق بيمينه مالَ غيره. الثاني أن الملاعِنَ إذا نَكَلَ حُدَّ بمجرد النكول من غير يمين، ولهم أيضًا غيْرُ هذه (١١٣). والجوابُ عن الأول أن معْنى الآيةِ ألَّا يتعَمَّدَ (١١٤) اليَمينَ الكاذِبةَ ليقطَعَ بها مال غيره، وهذه ليست كذلك (١١٥). وعن الثاني أن اليمين للملاعن إنما كانت مسقطة للْحد الذي ترتَّبَ عليه من القذف، فالقذف موجِبٌ لِلْحَدِّ، فاذا فُقِدَ المانِعُ، وهو اليمين، عُمِل بالمقتضِي الذي هو القذف، والنكول عندهم مقتضىً، فلا جامعَ بينهما. وعن الثالث أنهُ لا حُجَّة في رأي أحدٍ من الصحابة. (١١٦) الحجة التاسعة: أيْمان اللعان، وهي متفَقٌ عليها من حيث الجملة، وإن اختلفوا من حيث التفاصيل. الحجة العاشرة: أيْمان القَسامةِ متفَق عليها أيضًا من حيث الجملة. الحجة الحاديةَ عشرة: المرأتان فقط، أمّا شهادةُ النساء فقد وقع الخلاف فيها في ثلاث مسائل:

стр. 747

المسألة الأولى: قال مالك والشافعي وابن حنبل: لا يُقْبَلْنَ في أحكام الأبدان، وقال أبو حنيفة: يُقبَل في أحكام الأبدان شاهدٌ وامرأتان، إلا في الجِراح الموجبة لِلْقَوَدَ في النفس والأطراف. لنا وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، (١١٧) ذلك في المدايَنَات، ومفهومه أنه لا يكون في غيرِها. قلت: هذا ضعيف، فإنَّ القول بالمفهوم ضعيف. ثمَّ إن كان فحقّه ألَّا يقالَ بشهادتهن إلا في المداينات، ولا يقال في الأموال مطلقا. وأيضا فقد استشهد الخصم بهذه الآية من حيث إنه أقام المرأتين والرجُلَ مُقامَ الشاهدَين، وذلك إمَّا عند عدم الشاهديْن، وهو باطل، لجوازهما إجماعاً، فتعَيَّنَ أنَّهما أقيمَا مَقامَهما في التسميةِ، (١١٨) فيكونان مُرَادَيْن بقوله: "وشاهِدَيْ عدْل". قال شِهاب الدين: افافي قولُهُ تعالى في الطلاق والرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١١٩)، وهو حُكْم بَدَنِي، فالأحكام البدنية كذلك بأجمعها. وكذلك قوله ﵇: "لا نكاحَ إلا بوَلي وشاهدَيْ عدْل منكم" (١٢٠). وللخصم حُجج (١٢١) وأجَلُّها ما ذكرناه في الاعتراض على حُجَّة المالكية. المسألة الثانية: خالفَنا أبو حنيفة في قَبول النساء منْفَرداتٍ في الرَّضاع. لنا أن معناها لا يطلع عليه الرجال غالبا، فجاز انفرادُهُنَّ فيه كالاستهلال والولادة. المسألة الثالثة: خالفَنَا الشافعي في قَبول امرأتين فيما ينفردن فيه، وقال: لابُدَّ من أرْبعٍ.

стр. 748

وقال أبو حنيفة إن كانت الشهادة ما بين السُّرَّة والرُّكْبَة قُبِلت فيه واحدةٌ. وقال أحمد بن حنبل: الواحدة مطلقا مما لا يطلع عليه الرجال. وعِنْدَنَا لابُدَّ من اثنتين وتكفيان. أمَّا أن الواحدة لا تكفي، فلِأنها لوْ كفَتْ لكان الرجل وحدَه أوْلى بأن يكون كافيا، وليس كذلك باتفاق. أمَّا أن الاثنتين كافيتان فلأِن الاكتفاء بالنساء ما كان إلا لموضع الضرورة، وطلبُ أربِعِ ضد القصد من ذلك. واحتجَّ أحمد بأن عُقْبةَ بن الحارث، شهِدتْ امرأةٌ بأنها أرضعتْهُ وأرضعت امرأةً كان قد تزوجها، وأدَّتْ الشهادةَ عند رسول الله ﷺ ، فَقَبِلَها وقضَى بشهادتها، وهو عُمدة أحمد (١٢٢). قلت: الظاهر الرجوع اليه، وترْكُ أدِلتنا في مقابلته. الحجة الثانيةَ عشرة: اليمين الواحدة: إذا تنازعا دارا ليست في أيديهما قسمت بينهما بعد يمينهما، فيقضَى لكل واحد بمجرد يمينه، وقاله الشافعي, (١٢٣) وكذلك إذا استوت البينتان والأيْدي، أو البيناتُ من غير يدٍ بأن يكون ذلك في يد ثالثٍ فإنها تُقْسَمُ بينهما (١٢٤). قال شهاب الدين: وإن قال الذي المتنازَعُ فيه بيده: لا أعلم أهِي لهما أو لغيرهما؟ ، فالموضىح موضىح نظرٍ وتَوَقُّفٍ، بخلافِ ما إذا قال: هي لا تَعْدُوهُما، فَهُنَا يحلفان كما مضى، وتُقسَم بينهما. قال شهاب الدين: واليمينُ فيما ذُكِر دافعةٌ لا جالبة، قال: وكثير من الفقهاء يَعتقد أنها جالبة، وأنها يُقضَى بالمِلك بها، وليس كذلك.

стр. 749

قلت: ما ذكره يصعب، كيف تكون دافعة في الصورة الْأولى وهي إنما كانت في يدِ غيرهما؟ ، بل الظاهر أنها جالبة، سواء قلنا بأن الذي كانت في يده قال: هي لا تَعْدُوهما، أو قال: لا أدْرى، وهي الصورة التي قال فيها: موضعُ نظر، واللهُ أعلم. الحجة الثالثةَ عشْرةَ: الإِقرار. من أقرَّ لغيره بحق أو عَيْنٍ، قُصي عليه بإقراره، كان الغيْرُ بَرأْ أو فاجِراً، فإن كان الْمُقَرُّ به عيْناً قضي على المُقِرِ بتسليمها للمُقَرِّ له إن كانت في يد المُقِر، ولا يُقْضَى بالمِلك، بل بالتزام التسليم، لاحتمال أن يكون الثالثُ، وإن كان المقَرُّ به بيد الغير لَمْ يُقْضَ به، وإنَّما يؤثِّر الإِقرارُ فيما بِيَد المُقِر، أو ينتقلُ بيده يوماً من الدهر، فيُقضَى عليه حينئذ بموجِب إقراره. الحجة الرابعةَ عشْرةَ: شهادة الصبيان بعضِهِم على بعض في القتل والجراح. ولقبولها عشرةُ شروط: الأول العقل، ليفهموا ما رَأوْا. الثاني الذكورة، لأن الضرورة لا تحضل في اجتماع الْإِناث. وروي عن مالك: تُقبل شهادتُهُنَّ، اعتباراً لهُنَّ بالبالغات لوْثاً في القسَامة. الثالث، الحرية، لأن العبد لا يشهد. الرابع الإِسلام، لأن الكافر لا يُقبَلُ في قتل أو جراح، لأن الضرورة إنما دعت لاجتماع الصِّبْيَانِ لأجْل الكفار. وقيل: يُقبَل في الجِراح، لأنها ضعيفة، فاقتُصِرَ بها على أضعَف الأمْريْن. الخامس أن يكون ذلك بينهم، لعدم ضَرورة مخالفة الكبير لهم. السادس أن يُسَمع ذلك فهم قبل التفرق، لئلا يُلَقَّنُوا الكذِب. السابع اتفاق أقوالهم، لأن الاختلاف يُخِلُّ بالثقة. الثامن أن يكونا اثنين فصاعداً، لأنهم لا يكون حالُهم أتَّمَّ من الكبار. هذا هُو نقْل القاضي في المعُونة. (١٢٥). زاد ابن

стр. 750

يونس: التاسع أن لا يحضر كِبَارٌ، فَمَتَى حضروا سقطت شهادة الصبيان، رجالا كانوا أو نساء، لأن شهادة النساء تجوز في الخطأ، وعَمْدُ الصبي كالخطأ. العاشر، قال شهاب الدين: رأيت بعضَ المعتَبَرين من المالكية يقول: لابُدَّ من حضور الجسد المشهودِ بقتله، وإلا فلا تُسْمع. ونقله صاحب البيان عن جماعةٍ من الأصحاب. قالوا: لابدَّ من شهادة العدول على رؤية البدن مقتولا، تحقيقا للقتل. ومنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأشهب من أصحابنا، وجماعة من العلماء، شهادةَ الصبيان. وقال بقبولهَا عليٌّ وابنُ الزبير، وعمر بن الخطاب ومعاوية، وخالفهم ابن عباس ﵃. لَنَا أن اجتماع الصغار، (١٢٦) واللعبَ بينهم بآلات الحرب، وصُنْع كل ما يكون فيه تدريب واستعداد لقتال الكفَرة الأعداء، مندوب ومامور به في الشرع، وقد يُتصور بينَهم قتلٌ أو جرح، فتركُهم دون أن يُقضَى بشهادتهم يؤدِّي إلى هدْر دمائهم، إذ ليس محل لعبهم خلاً يحضُر فيه كبير، فتقبل شهادة بعضهم على بعض بشروط، الغالب مع اعتبار تلك الشروط الصدق في الشهادة، فتُغَلَّبُ المصلحة الغالبةُ على المفسدة النادرة، لأنه دأبُ صاحب الشرع, كما جوَّزَ الشرع شهادة النساء منفرداتٍ حيث لا يكون الرجال بذلك الموضع. (١٢٧) ثمَّ إن الصحابة ﵃ قضَوا بذلك. ومن منَعَ احتج بأن العدالة اشتُرطتْ في الشهادة وهي غير موجودة، والنهي قد توجه قِبَلَ الشهود بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، وذلك

стр. 751

لا يتوجه إلا على مكلف. قالوا: وأيضا فَهُو لا يُعْتَبَر إقراره، فكذلك شهادته، بل شهادته أحْرى، لأن البَرَّ والفاجر يُقْبَلُ إقراره، بخلاف الشهادة. (١٢٨) قلت: الدليلان الأولان يرجعان إلى الاستدلال بالمفهوم، وفيه ما فيه وأمَّا النهي فلا نُسَلِّمُ أن الصغير لا يؤمَر ولا يُنهَى، بل يؤمر ويُنهى. غايةُ ما يقال: أن الأولياءَ يامرونهم وينهَوْنهم، فنقول: هَبْ أن الأمْرَ كذلك فقد أمِرُوا ونُهُوا. وأمّا الحمل على الإِقرار، فقد قلنا: إن شهادتهم كانت للضرورة مخافةَ هدْرِ الدّماءِ، والإِقرارُ بقي على أصله، فلا يُحمَل عليه الموضع الذي لحقت الضرورةُ فيه. الحجة الخامسة عشرة: القَافة (١٢٩) حُجَّة شرْعية عندنا في القضاء بثبوتِ الأنساب. ووافقَنَا الشافعي، وخالفَنَا أبو حنيفة وقال: الحكْم بها باطل.

стр. 752

قال ابن القصَّار: وإنما يجيزها مالِكٌ في ولد الْأمَةِ، يطؤها رجلانِ في طَهْرٍ، وتاتي بولدٍ يُشبِه أن يكون منهما. والمشهورُ عدم قبوله (١٣٠) في وَلَدِ الزوجة، وعَنْهُ قَبولُه. وأجازه الشافعي فيهما، وقد تقدَّم وجْهُ الدليل لمالك والشافعي وذكْرُ الأدلة على ذلك، وتقدم أيضًا ما لأبي حنيقة في ذلك، والجوابُ عنه، فلا نعيده، وفيما تقدَّم كفاية. الحجة السادسةَ عشرة: القُمُطُ وما أشْبَهَهَا، قال بها مالك والشافعي وجماعة من العلماء، وفيها مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن أبي زيد في النوادر: قال أشهب: إذا تداعيَا جدارا متصلا ببناء أحدهما وعليه جذوع الآخَر فهو لمن اتصل ببنائه، (١٣١) ولصاحب الجذوع موضع جذوعه، فلو كان لأحدهما عليه عَشْرُ خشبات وللآخَر مِثْلُهَا (١٣٢)، ولا شاهد لأحدهما، أو لا علاقة غيرُ ما ذكر قُضيَ لهما به نصفين. ولا يحصل لكل واحد منهما من الجدار ما تحت خشبه، بل النصف كما قلنا. قال القرافي: ولو كان عقده لأحدهما في ثلاثة مواضع وللآخر في موضع واحد، قُسِم بينهما على عدد العقود. وقال ابن عبد الحكم: إذا لم يكن لأحدهما عقد وللآخر عليه خشب ولو واحدة، فهو له، وإن لم يكن إلَّا كُوىً (١٣٣) غير

стр. 753

منفوذة، أو جبت الملك، وإن لم يكن إلا خُصُّ القصب (١٣٤) لأحدهما، فالقصب والطوب سواء. قال شهاب الدين: المُدْرَك في هذه الفتاوى كلها شواهد العادة، فمن ثبتَتْ عنده عادة، قضي بها. وعلى هذا إذا اختلفت العوائد في الأمصار والأعصار تختلف الاحكام، لاختلاف ما ثبتت عليه. المسألة الثانية: قال بعض العلماء: إذا تنازعتما (١٣٥) حائطا مُبَيَّضاً، هل منعطِفٌ لدارك أو لداره، فأمَرَ الحاكم بكشف البياض، ليُنْظرَ (١٣٦)، إن جُعلت الأجرة عليك في الكشف فمشكل، لأن الحق قد يكون لخصْمِك، والأجرة ينبغي أن تكون على منْ يقع لَهُ العمل ونفعه، ولا يمكن أن تقع الإِجارة على من يثبت له المِلك، لأنكما جزمتما بالمِلْكية، فما وقعت الاجارة إلا جازِمةً. قال: ويمكن أن لِقال: يُلزِم الحاكمُ كلَّ واحد منهما باستئجاره، وتَلزمُ الأجرةُ في الآخِر من يَثبُتُ له ذلك الحق, كما يحلف في اللعان وغيره، وأحدُهما كاذب. الحجة السابعة عشرة: اليَدُ، وهي ترجِّحُ لا أنَّها يُقضى بها. (١٣٧) فهذه هي الحجاج، وما عداها ليس كذلك. القاعدة الثانية عشرة: في تقرير ما يقع به الترجيح في البينات عند التعارض . (١٣٨)

стр. 754

إعلم أنه يقع الترجيح بأحد ثمانية أشياء، وقع منها في الجواهر أربعة، فقال: يقع الترجيح بزيادة العدالة، وقوة الحجة كالشاهدين يُقدَّمان على الشاهد واليمين، واليَدِ عند التعادل، وزيادةِ التاريخ، وقال ابن أبي زيد في النوادر: وتُرَجَّحُ البينة المفَصّلة على المجملة، والنظر في التفصيل والإِحمال مقدَّم على النظر في الأعْدلية، فإن استويا في التفصيل والإِجمال نُظِر في الأعْدَليَّة. السادس، قال ابن أبي زيد: أن تختص إحداهما بمزيد اطِّلاع، كشهادة إحداهما بحَوْز الرهن والأخْرى بعدم الحوز، لأنها مثْبتة للحوْز، وهو زيادة اطِّلاع. قاله ابن القاسم وسحنون. (١٣٩) وقال محمد: يُقضَى به لمن هو في يده. السابع استصحاب الحال والغالِبِ، ومنه شهادة إحداهما أنه أوصَى وهو صحيح، وشهِدت الاخرى أنه أَوصَى وهو مريض. قال ابن القاسم: تقدم بينة الصحة، لأنه الأصل والغالب. وقال سحنون: إذا شهدتْ بأنه زَنَى عاقِلا، وشهدت الأخرى بأنه كان مجنونا، إنْ كان القيام عليه وهو عاقل قُدِمت بينة العقل، وإن كان القيام عليه وهو مجنون قُدِّمتْ بينة الجنون، وهو ترجيح شهادة الحال، وهو الثامن. وقال ابن اللَّبَّادِ: يعتبر وقت الرؤية لا وقتُ القيام، فلم يَعتبر ظاهر الحال. ونُقِل عن ابن القاسم في إثبات الزيادة: أذا شهدت إحداهما بالقتل أو السرقة أو الزنى، وشهدت الاخرى أنه كان بمكان يَعبُد الله قُدِمت بينة القتل ونحوه، لأنها مُثْبِتةٌ زيادةً، ولا يُدرأ عنه الحد. قال سحنون: إلا أن يشهد الجمع العظيم كالحجيج ونحوهم أنه وقف بهم أو صَلَّى بهم العِيدَ في ذلك اليوم فلا يُحَدُّ، لأن هؤلاء لا يشتبه عليهم أمْرُهُ، بخلاف الشاهدين (١٤٠).

стр. 755

ثم وقع الخلاف في هذه الترجيحات بين العلماء، فعندنا يقدَّم صاحب اليد عند التساوي، أو معَ البينة التي هي أعْدَلُ، كانت الدعوى أو الشهادة بمطلق المِلك أو يضاف إلى سبب، نحو ولدتْ الدابة عندي في مِلْكِي، كان السبب المضاف إليه المِلكُ يتكرر كغرس النخل أو لا. وقال الشافعي به. وقال أبو حنيفة: تقدَّمُ بينة الخارج إن ادعى مطلق الملك، فإن كان مضافا إلى سبب يتكرر فادَّعاهُ كلٌّ منهما فكذلك، أو لا يتكرر كالولادة، وادَّعياه وشهدت البينة به، فقالت كلُّ بينة: ولِد عَلَى مِلكه, قدمت بينة صاحب الْيَد. وقال ابن حنبل: الخارج أولى، ولا تُقْبَلُ بينة صاحب اليد أصْلاً. لَنا على أحمد ما رُوي عن رسول الله ﷺ ، أنه تحاكَمَ إليه رجُلَان في دابة، وأقام كل واحد منهما بينةً أنَّها لَه، فقضَى رسول الله ﷺ لصاحب اليد، (١٤٠ م) ولأن اليد ترجحه كما لوْ لَمْ تكن بينة. ولنا على أَبي حنيفة ما تقدَّمَ، والقياسُ على المضاف إلى سبب لا يتكرر. احتجوا بوجوه (١٤١): الأول قوله ﵇: "البينة على من ادَّعى واليمين على من أنْكر". فالحديث جَعَل للمدَّعي الاحتجاج بالبينة، ولِلمدعَى عليه

стр. 756

بالإِنكار، ولأن صاحب اليد إذا لم يُقِم الطالبُ ببيِّنةً لا تُسمعُ بينته، وإذا لم تُسْمَعْ بينته في هذه الحالة، وهي أحسن حالتيه، ففى الأخْرى أحْرَى وأوْلَى. (١٤٢). وأما الأعدلية فمنع أبو حنيفة والشافعي وأحمد ﵃ الترجيحَ بها. لنا أن البينة إِنما اعْتُبِرَت، لما تثيره من الظن، والظن في الأعْدَل أقوى، فيقدَّم كأخبار الآحاد إذا رجَح أحدهما، ولأن الاحتياط في الشهادة مطلوب أكثر مما هو في الرواية، فوجَبَ أن لا يُعْدل عن الأعْدلِ، قياسا على الخبر، وبطريق الأولى والأحْرى. إحتجوا بأنّ الشهادة مُقَدَّرَةٌ في الشرع، فلا تختلف بالزيادة، كالدِّية لا تختلف بزيادة الماخوذ فيه، فَدِيَةُ الصغير والحقير كدِية الشريف العالم العظيم. وثانيها أن الجَمْعَ العظيم من الفَسَقَة يُحَصِّل الظن أكثر من الشاهدين، وهو غير معتَبر، فَعُلِم أنها تَعَبُّدٌ لا يَدْخلها الاجتهاد. وثالثها أنها لو اعْتُبِرَت زيادهَ العدالة لاعتُبِر زيادة العدد، وذلك باطل، فالآخَرُ مثلُه. والجوابُ عن الأول أن وصْفَ العدالة مطلوبٌ في الشهادة، وهو موكولٌ إلى اجتهادنا، وهو يتزايد في نفسه، فما رجَّحْنا إلا في موطن اجتهاد لا موضعِ تقدير. وعن الثاني أنَّا لا ندَّعي أن الظن كيف كان يُعتبر، بل نَدَّعي أن مزيد الظن بعد حصول أصْل معتبرِ، معْتَبرٌ, كما أن قرائنَ الأحوالِ لا تثْبُت بهَا الأحكام والفتاوَى، وإن حصَّلَتْ ظنا أكثر من البينات والأقيسة وأخبار الآحاد، لأن الشرع لم يجْعَلها مُدْرَكاً للفتيا والقضاء، ولمَّا جعل الأخبارَ والأقْيسة مدْرَكا

стр. 757

للفتوى دخلها الترجيح، فكذلك ها هنا، أصل البينة معتبَر بعْد العدالة والشروط الخصوصة، فاعْتُبِر فيها الترجيح. وعن الثالث أن الترجيح بكثرة العدد يُفْضِي إلى كثرة النزاع وطول الخصومات، بخلاف مزيد العدالة، وقد قرَّرنا ذلك فيما تقدم. (١٤٣). القاعدة الثالثة عشرة: في تقرير ما اعتُبر من الغالبِ وما أُلغي من الغالب . (١٤٤). إعْلَمْ أنه قد يُعتبَر الغالب وقد يُعتبَر النادر، وقد يُلْغَيَان معا. ثم الأصل اعتبار الغالب وتقديمُهُ على النادر، وهو كثير في الشريعة, كما الامر في طهارة المياه، وعقود المسلمين، والقَصر في السفر، والفِطر فيه، بناء على غالب الأحوال وهو المشقة. والقِسْم الذي يُلغَى فيه الغالب ينقسم قسمين: قسْم يُلْغَيَان معا: النادر والغالب، وقسم يُلغَى الغالب ويُعتَبَر النادر، وأنا أذكر من كل قِسمٍ مُثُلاً، ليتهذب بها الفقيه، ويتنبه إلى وقوعها في الشريعة، فإنه لا يكاد يخطر ذلك بالبال، لا سيما تقديم النادر على الغالب. القسم الأول ما ألغي فيه الغالب وقدِّم النادر عليه، وأُثْبِتَ حكمه دونه، رحمةً بالعباد، فأذكرُ منه عشرين مثالا:

стр. 758

فالأول: غالب الولد أن يوضَع لِتِسْعَةِ أشهر، فإذا جاء بعْد عشر سنين من امرأة طلقها زوجها، اعتُبر النادِر، ستْراً على العِباد، ولمْ يُحكَم بالغالب لمَا في ذلك من إثباتِ الزنى على المرأة. الثاني: إذا تزوجت فجاءت بوَلَدٍ لستة أشهُرٍ، احتمل أن يكون للزوج المطَلِّق وللثاني (١٤٥)، والغالب أنه للزوج الأول، ولكنه اعتبَرَ الشارع أيضًا النادر، لحصول الستر وصوْن العِرْض. الثالث: نَدَب الشرع للنكاح، رجاءَ أن يَخْرُجَ ولدٌ مسلم صالح من بين الزوجين، والغالبُ: الجهلُ بالله، والإِقدامُ على المعاصي، ومقتضَىْ هذا الغالب أن يُنْهَى عن النكاح، ولا سيما على مذهب من يرى أن من لم يعرف الله بالرهان فهو كافر، ولكنه حُكِمَ بالنادر، وغُلِّب على الغالب. (١٤٦)

стр. 759

الرابع: طين المطر، الواقعُ في الطرقات، قُضِيَ بطهارته، اعتباراً للحالة النادرة وإلغاءً للغالب، رفقا بالعباد. الخامس: الغالب على النَّعْل إذا أكثر المشي بها أن تتعلق بها النجاسات، ولكنها أجيزت الصلاة بها، اعتبارا للحالة النادرة، وترجيحا لها على الغالبة. السادس: الغالب على ثياب الصبيان النجاسة، لا سيما مع طول لبْسهم لها، والنادرُ سلامتُها، وقد ثبتَ في السنة الصحيحة أنه ﵇ صلَّى بأُمامَة. (١٤٧) فحمَلَها في الصلاة، فالغَى الغالب وعَمِل بالنادر.

стр. 760

السابع: ثياب الكُفَّار التي نسجُوها، كذلك ألْغِىَ الغالب واعتُبِر النادر. الثامن: مَا يضعه أهل الكتاب من الأطعمة في أوانيهم وبأيديهم، الغالب نجاسته، ومع ذلك ألْغِي هذا الغالب. التاسع: ما يصنعه المسلمون الذين لا يُصَلّون ولا يستنجون بالماء من الأطعمة. العاشر: ما ينسجه المسلمون المتقدمُ ذِكرهم، الغالب نجاستها. الحادي عشر: ما يصنعه أهل الكتاب، الغالب نجاستهُ كالكَفَرة. الثاني عشَر: ما يصنعه العوَام الذين لا يصَلُّون ولا يَحْتَرزون من النجاسات. الثالثَ عشر: ما يلبسه الناس ويباع في الأسواق، ولا يُعلمُ لابسه أكَافِرٌ هو أمْ مسلم. (١٤٨) الرابع عشر: الحُصُر والبُسُط التي قد اسودَّتْ من طول ما لبثتْ يمشي عليها الحُفاة والصِّبيان، والغالب نجاستها لذلك، ولكنه عُمل بالنادر وألْغِي الغالب. الخامسَ عشر: الحُفاة، جوَّز الشرْعُ صلاتهم، وإن لم يغسل (الحافي) رجليه.

стр. 761

السادسَ عشر: دعوى الصالح الولي التقي على الفاجر الشقي الغاصب الظالم دِرهماً، والغالىُ صِدْقه، والنادر كَذِبُهُ، ومع ذلك قدَّم الشارع حكم النادر، بأن جعل القولَ قولَ الفاجر، لطفا بالعباد، بإسقاط الدعاوى عنهم. (١٤٩) السابع عشر: عقد الجزية لتوَقع إسلام بعضهم وهو نادِرٌ، والغالب استمرارهم على الكفر. (١٥٠) الثامن عشر: الاشتغال بالعلم مامور به، مع أن غالب الناس الرياء وعدَمُ الاخلاص، والنادر الإِخلاص، ومقتضَى الغالب النهيُ، ولكنه رُجِّحَ النادر. التاسع عشر: المتداعيان: أحدهما كاذبٌ قطعا، والغالبُ أن أحدهما يُعلَمُ بكذبه، والنادر أن يكون قد وقعتْ لكل منهما شبهة. وعلى التقدير الأول يكون تحليفه سعياً في وقوع اليمين الفاجرة، فكان حرَاما. غايته أنه يعارضه أخْذُ الحق وإلجاؤه إليه، وذلك إمّا مباح وإمّا واجب، وإذا تعارَضَ المُحَرَّمُ والواجب قدِّم المحرَّم، ومعَ ذلك ألغى الشرعُ حكم الغالب وأثبت حكم النادر، لطْفا بالعباد في تخليص حقوقهم، وكذلك القول في اللعان، الغالبُ أن أحدَهُما كاذب. (١٥١)

стр. 762

العشرون: الموت في الشباب أغلب، ومعَ ذلك شُرع التعمير في الغائبين إلى سبعين سنة، إلغاءً لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر، لطفا بالعباد، ونظائر ما ذكرناه في الشرع كثيرة. فعَلى هذا ينْبغي لمن قَصد إثبات حُكْم الغالب دون النادر أن ينظر، هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أو لا؟ ، وحينئذ يعتمد عليه، وأمّا مطلق الغالب كيف كان في جميع صُوَرِهِ، فخِلافُ الإِجماع. "تنبيه" (١٥٢) ليس من باب تقديمِ النادر على الغالب حمْلُ اللفظ على حقيقته دون مجازه، وعلى العموم دون الخصوص، فإنه يُمْكِن أن يقال: إنه منه، لغلبة المجاز على كلام العرب، حتى قال ابنُ جِنِّى: إن كلام العرب كلُّه مجاز، وغَلَبَةُ التخصيص على العمومات, حتى رُوي عن ابن عباس ﵄ قال: ما مِن عَامٍّ إلا وقد خُصَّ، إلا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، فنقول: إنه وإن كَانَ كما قلتم، فليس من هذا الباب. وسببُه أن شرط الفَرْدِ المترددِ بين النادر والغالب فيحْمَلُ على الغالب، أن يكون من جنس الغالب، وإلّا فلا يُحْمَل على الغالب. بيانه بالمثال، الشَّقة (١٥٣) إذا جآت من القَصَّار، جاز أن تكون طاهرة، وهو الغالب، أو نجسة، وهو نادر، أن يصيبها بول فارِ أو حيوانٍ أو ما أشْبَهَ ذلك، فإنه يحكم بطهارتها، بناءَ على الغالب، لأنّا حكمنا بطهارة الثياب المقصورة، لأنها خرجت من القِصارة، (١٥٤) وهذا الثوب المتردد بين النادر والغالب خرَج من القِصارة، فكان من جنس الغالب يُلحق به. أمّاَ لو كنا لا نقضي بطهارة الثياب

стр. 763

المقصورة لكونها خرجت من القِصارة، بل لأنها تغسل بعد ذلك، وهذا الثوب المتردد بين الغالب والنادر لم يُغسل، فإنا كنا لا نقضى بطهارته لأجل عدم الغسل بعد القِصارة، الذي لأجله حكمنا بالطهارة، فهو حينئذ ليس من جنس الغالب الذي قضينا بطهارته، لأن ذلك مغسول بعد القصارة، وهذا الثوب غير مغسول. كذلك في الألفاط، فإنا لم نقضِ على لفظ بأنه مجاز أو مخصوص لمجرد كونه لفظاً، بلْ لأجل اقترانه بالقرينة الصارفة عن الحقيقة إلى المجاز، واقترانِ المخصِّص الصارف عن العموم للتخصيصَ, وهذا اللفظُ الواردُ ابتداءً، الذي حملناه على حقيقته دون مجازه، والعموم دون الخصوص، ليس معه صارف من قرينة صارفة عن الحقيقة، ولا مخصِّصٌ صارفٌ عن العموم، فهو حينئذ ليس من جنس ذلك الغالب، فلوْ حَملناهُ على المجاز أو الخصوص لحملناه على غير غالب، فإنه لمْ يوجدْ لفظ من حيث هو لفظ، حُمِل على المجاز ولا الخصوص البتَّة، فضلا عن كونه غالبا، بل هذا اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها، ليس فيها غالب ونادر، بل شيء واحدٌ وهو الحقيقة مطلقا، والعمومُ مطلقا، فتأمَّل ذلك (١٥٤ م). القسمُ الثاني: ما ألْغَى الشارع فيه الغالب والنادر معا، وأنا ذاكرٌ منه إن شاء الله عشرين مثالا. الأول: شهادة الصبيان في الأموال - إذا كثُرَ عددهم جدًّا - الغالبُ صدْقهم، والنادر كذبهم، ولم يعتبر الشارع صِدقَهم، ولا قضىَ بتكذيبهم، بل أهمَلَهُم. الثاني: شهادة الجمع الكثير من. جماعة النسوان في أحكام الأبدان، الغالبُ صِدْقُهُم، والنَّادرُ كذِبهم، لا سيماح العدالة، وقد ألغَى صاحب الشرع صدقهم فلم يحكم به، ولا حكمَ بكذِبِهم، لطفاً بالمدَّعَى عليه.

стр. 764

الثالث: الجمع الكثير من الكُفَّارِ والرُّهبان والأحْبَار - إذا شهدوا -، الغالبُ صدقهم، ولمْ يُحْكَم بصدقهم وكذبهم. الرابع: شهادة الجمع الكثير من الفَسَقة، الغالبُ صِدْقُهُمْ، ولم يَحْكم الشرع به لطفا بالمدعَى عليه، ولم يحكم بكذبهم. الخامس: شهادة ثلاثة عدول في الزنى، أيْضاً لم نقْضِ بصدقهم ولا كذبهم. (١٥٥) السادس: شهادة العدْل الواحد في أحكام الأبدان، الغالب صِدْقُهُ. السابع: حَلِفُ المدّعي الطالبِ، وهو من أهل الخير والصلاح، الغالب صدقه، والنادر كذبه، ولم يقضِ الشارع بصدقه فيُحْكَم له بيمينه، بل لابد من البينة، ولمْ يَحكم بكذبه. الثامن: رواية الجمع الكبير لخبر رسول الله ﷺ ، من الأحبار والرُّهبان المتدينين، المعتقدين تحريمَ الكذب في دينهم، الغالب صدقهم، ولم يعتبره الشارع، لُطفاً بالعباد، وسَداً لِذَريعة أن يَدْخل عليهم في دينهم ما ليس منه. التاسع: رواية الجمع الكثير من الفسقة بِشرب الخمر وقتل النفس، وهم رؤساء عظماء كالملوك ونحوهم، فالغالبُ عدم اجتماعهم على الكذب، ولكنه لم يُقبل ولمْ يُحْكَم بكذبهم. (١٥٦) العاشر: رواية الجمع الكثير من المجاهيل (١٥٧) للحديث النبوي، كذلك لم يُحكَم بصدقهم ولا كذبهم.

стр. 765

الحادي عشر: أخْذُ السُّرَّاق المتهمين بالتُّهم (١٥٨)، الغالب الصواب في أخذِهم، ولكنه لم يُحْكم بذلك ولا بالكذب أيضًا، بل لا يوخَذون إلا بالبينة على السرقة أنهم سرقوها. الثاني عشرَ: أخْذُ الحاكم بقرائنِ الاحوال وكثرة الشكوى والبكاء، مع كون الخصم مشهورا بالفساد، الغالبُ الصدق، ولكنه لم يَعْتبر الشرْع ذلك. (١٥٩) الثالثَ عشر: الغالبُ على من وُجِد بين فخذي امرأة، وهو متحرك حركة الواطئ، وطال الزمان في ذلك، أنه أوْلجَ، ولكن الشرع لم يعتبر ذلك أيضًا. الرابع عشر: شهادة العدْل المبرز لولده، الغالبُ صدقه، ولكن الشرع لم يعتبْره صدقا ولا كذبا. الخامس عشر: شهادته لوالده. السادس عشر: شهادته على عدُوِّه. الثامن عشر: حكمه لنفسه، وهو من أهْل العدْل والتقوى. (١٦٠) التاسع عشر: القرْء الواحد في العدد، الغالبُ معه برآة الرحم، والنادر خلافه، وقد ألغاه صاحب الشرع، بحسب الوجهين. العشرون: مَن غاب عن امرأته سنتين ثم طلقها أو مات عنها، الغالب برآة رحمها، والنادر خلافه، وقد ألغاهما صاحب الشرع، وأوجب عليهما استئناف العِدَّة بعد الوفاة والطلاق، لأن وقوع الحكم قبْل سببه غيرُ مُعْتَدٍّ به.

стр. 766

والمقصود من ذكر هذه الأمثلة من أجناس مختلفة أن يظهر لك أن إطلاق القول بترجِيح الغالب على النادر ممَّا لا ينبغي، بل ما يكون ذلك إلّا بعْدَ بحْثٍ شديد، ومعرفة الباحث بالمسائل الفقهية والدلائل الشرعية، واستقرائه لذلك كله، فَبَعْدَهُ يصحُّ أن يحكم بترجيح الغالب. (١٦١) وأيضا فلا ينبغي أن يقال: إذا تعارض الأصل والغالب فأيهما يرجَّحُ؟ قولان. فقد ظهر أجناس كثيرة، اتفق الناس فيها على تقديم الاصل وإلغاء الغالب، وذلك في القسم الاول الذي اعتُبِر نادِرُه، وقد اتفق الناس أيضا على تقديم الغالب على الأصل في أمْر البينة، فإن الغالب صدقها، والأصل برَآة الذمة، والتنبيه على هذا الغلط في الاطلاق هو المراد بهذه القاعدة. القاعدة الرابعة عشرة: في تمييز ما يصح الإِقراع فيه ممّا لا . (١٦٢)

стр. 767

إعلَم أنهُ لا يكونُ متى تعَيَّنتْ المصلحةُ أوْ الْحقُّ في جهة، وإنما يكون متى تساوَتْ الحقوق والمصالح، فحينئذ يكون دفعاً للضغائن والأحقاد، ورضاً بما جرتْ به الأقدار، وهىَ تُشْرَعُ بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية، وبَيْنَ الأئمة والمؤذِّنين، وفي التقدم للصف الأول عند الزحام، (١٦٣) وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء مع تساويهم، وبين الزوجات في السَّفر، والحاضنات، والقِسمة، والخصوم عند الحكام، وفي عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم ماتَ ولم يحملهم الثلثُ عُتِقَ مبلغ الثلثِ منهم بالقرعة، وإن لمْ يَدَعْ غيَرهم فثُلثهم أيضًا بالقرعة، وقاله الشافعي وابن حنبل ﵃. وقال أبو حنيفة ﵁: لا تجوز القرعةَ فيما إذا أوصى بهم، ويُعتَقُ من كل واحد ثلثٌ ويَستسعي (يسعَى) في باقي قيمته للورثة حتى يؤديَها فيَعْتِقَ. لنا أن رجُلاً أعتق عبيداً له عند موته، فأسْهم رسولُ الله ﷺ بينهم، وأعتق ثلثَ العبيد، ذكر ذلك في الموطأ، وقال: بلغت، أنه لم يكن لذلك الرَّجُلِ غيرُهُم. (١٦٣ م). الثاني أن رجلا أعتق ستة مماليك له في مرضه، لا مالَ له غيرهم، فأقرعَ النبي ﷺ بينهم، وعتق. بذلك اثنين، وأقرَّ أربعة في الرِّق، وعلى هذا كان التابعون.

стр. 768

احتج أبو حنيفة بأن قال: إن النبي ﷺ قال: "لا عِتْقَ إلا فيما يملك ابن آدم" (١٦٤) والمريض مالكٌ لثلث كل عبد، فينفذ عتقه. فيه، والحديث الذي ذكرتُم واقعة عيْنٍ لا عمومٌ فيها، ولأن قوله: "اثنين"، يحتمل شائعيْن لا مُعَيَّنَيْن، ويؤكده أن العادة تقتضي اختلافَ قِيم العبيد. وأيضا فالقرعة من الميْسِر، وأيضا فإنه لو أوصى بثلث كل واحد صحَّ، فينفَّذ ها هنا، قياسا على ذلك. وأيضا لو باع ثلث العبيد جاز، فالعتْقُ أوْلى. والجواب أنَّا نقول (١٦٤ م): سلَّمنا أن العتق لا يقع إلا فيما يَملك، ولا حُجَّة لك بالحديث علي المَطْلَب، فإن العتق وقعَ فيما يَمْلك على قوْلنا. وعلىَ صحة قولك: إنها قضية عيْن، قلنا: قال ﵇: "حكْمي على الواحد حكمي على الجماعة" (١٦٥)، وما ذكزته من احتمال الشياع باطل، إذْ القرعة لا معنى لها مع الشِّياع، والاتفاق في القيمة شائع كثير، لا سيَمَا وخْشُ الرقيق. وعن الثاني أن الميْسِرَ هو القمار، وتمييز الحقوق ليس منه في شيء.

стр. 769

وأيضا فقد أقرع رسول الله ﷺ بين نسائه، والقرعة استعْملها الانبياء قبل نبينا ﵇. قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾، (١٦٥ م) وقال: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. (١٦٦) القاعدة الخامسة عشرة: في كيفِيةِ أداء الشاهِدِ شهادتَه عند القاضي . (١٦٧)

стр. 770

إعلم أن المتَّبَعَ في هذا، العُرْفُ، فما كان العُرفُ عليه في ذلك الوقت عُمل عليه، ولا يجوز غيره، فإن كان العرف على شيء ثم صار لشيءٍ آخرَ، صِيرَ لِمَا صار إليه، والعُرْف الآن الذي لا يُعْرَف أنه انتقل أن يقول الشاهد: أشهَدُ عندك أيها القاضي بكذا، فهو إنشاء الشهادة، ولو قال: شهدتُّ، كان خبراً كذباً، وكذلك لو قال: أنا شاهِدٌ لا يكون إنشاءً للشهادة، فليس في العرف إلا المضارع، بخلاف البيع، فإن الموضوع للانشاء فيه، الماضي لا غيرُ، فلا يكون المضارع ولا اسْمُ الفاعل له، وأمّا االطلاق فيقع بالماضي وباسم الفاعل، ولا يقع بالمضارع، وهذه مُدْرَكُها العُرْفُ كما قدّمنا. ثم إن الشاهد لو أوْقع لفظ الخبر مكان لفظ أشهدُ، ما صحّ ولا جاز، سواء أتَى بالماضي, كأنْ يقول: اخبرتك, أو بالمضارع كأن يقول: أُخْبُرك بأني أشهد بكذا، فإنه وعْدٌ بأن يشهد، لا أنهُ شهد، وكذلك اسم الفاعل، كأن يقول: أنَا مُخْبِرك أيها القاضي بكذا، وكذلك إذا قال القاضي للشاهد: بأيِّ شئٍ تَشهد؟ قال: حضرت عند فلان فسمعته يُقرُّ بكذا، وأشهدَني على نفسه بكذا، أو شهدت بينهما بصدور البيع، أو غير ذلك من العقود، لا يكون هذا أداءَ شهادةٍ، ولا يجوز للحاكم الاعتمادُ عليه، بسبب أن هذا مخْبِرٌ عن أمْرٍ تقدَّم، فيحتمل أن يكون قد اطلع بعد ذلك على ما منعَ من الشهادة به من فسخ أو إقالة أو حدوث ريبَةٍ للشاهد تمنَعُ الأداء. (١٦٨)

стр. 771

وفي القاعدة أربع مسائل: (١٦٩)

стр. 772

المسألة الأولى: الشهادةُ قد يكونُ مقصودُها الإِثبات فقط، فيقْتَصَرُ على اللَّفظ الدال على ذلك، نحو أشهد أنه باع، ونحوه، وقد يكون مقصودها الحَصْرَ، فلا بدَّ من الجمع بين النفي والإِثبات، ويصرح بذلك في العبارة. قال مالك في التهذيب: لا يكفي أنه ابن للميت حتى يقول: لا نعْلَمُ له وارثاً غيره، وكذلك هذه الدار لأبيهِ أو جدِّه، لا يكفي حتى يقول: ولا نَعلم خروجَها عن مِلكه إلى الموت. فلَو أن الشهود شهدوا بأنه واحد من ورثته ولا يعلَمون عددَهم لم يُقضَ لهذا بشيء من مِلْك إن كان تركَةَ الميت، لعدم تعْيينه، وتبقى الدار أو غيرها بيدِ من هي بريده حتى يَثْبُتَ الوزنة، لئلا يؤدي لنقض القسمة وتشويش الأحكام. المسألة الثانية. قال مالك: إذا قال الشاهد: هذا العبْدُ لفلان، ما بَاعه ولا وهَبه، لا يُجْزئه، لأن جزمه بذلك مِنْ أيْنَ له به، بل يقول: لا أعلَمُ أنه باعه ولا وهبه. وقال عبد الملك: بل يجزم ويقول: ما باعه ولا وَهَبَه، لأن الشهادة بغير جزم لا تجوز. وقال أبو الوليد بن رشد: قول عبد الملك أظهر. وفي الجواهر: لو شهد أنه مَلَكَه بالأمس ولم يتعرض للحال لم يُسمَعْ، حتى يقول: لم يَخرُجْ عن ملكه في علمي، ولَوْ شهِدَ أنه أقرّ بالأمس، ثبت الإِقرار واستصحب موجبه، ولو قال المدعي: كان ملكه بالأمس، نزِع من يده، لأنه أخبر عن تحقيق له فيستصحب، كما لو قال الشاهد: هو ملكه بالأمس بشراء من المدّعى عليه بالأمس. ولو شهدوا أنه كان بيد المدعي بالأمس لم يُفِدْ حتى يشهدوا أنه ملكه. ولو شهدت أنه غصَبَه، جُعِل المدّعي صاحب اليد، ولو ادعت مِلكا مطلقا فشهدت بالملك والسبب لم يَضُرَّ، لعدم المنافاة. المسألة الثالثة: قال ابن يونس: لَو شهدوا بالأرض ولم يحُدُّوها، وشهد آخَرون بالحدود دُونَ المِلْكِ، قال مالك: تمَّتْ الشهادة، وقُضِيَ بهم، لحصول المقصود من

стр. 773

المجموع. قال ابن حبيب: إنْ شهدتْ بغصْب الارض ولمْ يحدُّوها، قيل للمدّعي: حُدَّ ما غُصِب منك واحْلِفْ عليه. قال مالك: فإن شهدت بالحق وقالت: لا نعرف عدده، قيل للمطلوب: أقِرَّ بحَقٍ واحلِفْ عليه، فتُعْطيه، ولا شيء عليه غيْرُه، فإن جحدَ قيل للطالب: إن عرفْتَه إحلفْ عليه وخُذْه، فإن قال: لا أعرفُهُ، أو أعرفُهُ ولا أحلف عليه، سجِن المطلوبُ حتى يُقِر بشيء ويحلف عليه، وإن كان الحق في دار، حِيلَ بينه وبينها حتى يحلف، ولا يُحْبَسُ، لأن الحق في شيء بعينه: قال الباجي في المنُتَقَى: وعند مالكٍ تُرَدُّ الشهادة بنسيان العدد وجهْلِه، لأنه نقصٌ في الشهادة. قال الباجي: نقصان (١٧٠) بعْض الشهادة يمْنع من أداء ذلك البعض، إلَّا في عقد البيع والنكاح والهبةِ والحُبُسِ والإِقرار ونحوه مما لا يلزمُ الشاهدَ حفظُه. المسألة الرابِعَة: جَرَى على ألْسِنَةِ الفقهاء أن الشهادة على النفيْ غيرُ مقبولة، وفيه تفصيل، فإن النفي قد يكون معلوما بالضرورة أو بالظن الغالبِ الناشيءِ عن الفحص، وقد يَعْرَى عنهما، فهذه ثلاثة أقسام: أمّا القسْم الأول نجوز به الشهادة اتفاقا، كالشهادة بأنه ليس في البقعة التي بين يديه فرس ونحوه، فإنه يقطع بذلك. والثاني تجوز الشهادة به في صُوَرٍ: منها التفليس وحَصْرُ الورثة، فإن الحاصل فيهِ إنما هو الظن الغالب، لأنه يجوز - عَقلا - حصول المال للمفلس وهو يكتمه، وحصول وارث لا يُطَّلَعُ عليه.

стр. 774

ومنها قول المحَدِّثين: ليس هذا الحديث بصحيح, بناء على الاستقراء. ومنها قول النحويين: ليس في كلام العرب اسمٌ آخِرُهُ واوٌ قبْلَها ضمَّة، ونحو ذلك. القسم الثالث، نحوُ أن زيدا ما وفَّى الدَّيْن الذي عليه، أو ما باع سلعته أو نحوُ ذلك، فإنه نفْيٌ غيرُ منضبط، وإنما يجوز في النفي المنضبط قطعا أو ظَناً، وكذلك يجوز أن زيْداً لمْ يَقتُلْ عمراً أمسِ، لأنه كان عنده في البيت، أو أنه لم يسافرْ، لأنه رآه في البلد، فهذه كلها شهادة صحيحة بالنفي، وإنما يمتنع غير المنضبط، فظهر أن إطلاق قول الفقهاء ليس بصحيح، (١٧١) والله أعلم. القاعدة السادسة عشرة: في الفرق بين الفتوى والحكم . (١٧٢) وفائدة معرفة هذا الفرق أنه ينبني عليه تمكين غيره من الحكم بغير ما قال في الفتوى في مواضعِ الخلاف، بخلاف الحكْم. ثم لِتَعْلَمْ أن العباداتِ كلَّها على الاطلاق، لا يدخلها الحكم، بل الفُتْيا فقط، فكلُّ ما وُجدَ فيها من الإِخبارات فهي فُتْيا فقط، إذ ليْسَ للحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاةَ صحيحة أو باطلة فَيَحْرُمُ بعدَ حكمه مُخَالَفَتُهُ (١٧٣)، ويُلْحَقُ

стр. 775

بالعباداتِ أسبابُهَا، فإذا شهد بهلال رمضان شاهدٌ واحدٌ، فأثبتَه حامك شافعي، ونادَى في المدينة بالصوم، لَا يلزَم ذلك المالكيّ، لأن ذلك فتوى، ليس بحكْم. (١٧٤)، وكذلك الأمر في جميع الاسباب للعبادات والعادات، ولا في موانعها ولا في شروطها، فتصح المخالفة بعد ذلك للمخالِفِ. (١٧٥) وبهذا يظهر أن الإِمام إو قال: لا تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ذلك حكماً، وإن كانت المسألة قد اختُلِف فيها، هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم لا؟ وللناس أن يقيموها بغير إذن الإِمام، إلا أن يكون في ذلك صورةُ المُشَاقَّة، فيمتنع إقامتها إلا باذنه، لأجْل أنه موطن خلاف اتصل به حكْمُ حاكمٍ، وقد قاله بعض الفقهاء، وإيس بصحيح، (١٧٦) بل حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأه في مسألةِ اجتهادٍ تتقاربُ فيها المَدارك لأجل مصلحة دنيوية. فاشتراطُ قيد الانشاء، احترازٌ من حكمه في مواضع الإجماع، فإن ذلك إخبارٌ وتنفيذٌ مَحْضٌ، (١٧٧) وفي مواضع الخلاف ينشئ حكما، وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة، (١٧٨) ويكون إنشاؤه إخباراً خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة ومن ذلك الباب، (١٧٩)،
следующие страницы →