← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وفي القاعدة أربع مسائل: (١٦٩)

стр. 772

المسألة الأولى: الشهادةُ قد يكونُ مقصودُها الإِثبات فقط، فيقْتَصَرُ على اللَّفظ الدال على ذلك، نحو أشهد أنه باع، ونحوه، وقد يكون مقصودها الحَصْرَ، فلا بدَّ من الجمع بين النفي والإِثبات، ويصرح بذلك في العبارة. قال مالك في التهذيب: لا يكفي أنه ابن للميت حتى يقول: لا نعْلَمُ له وارثاً غيره، وكذلك هذه الدار لأبيهِ أو جدِّه، لا يكفي حتى يقول: ولا نَعلم خروجَها عن مِلكه إلى الموت. فلَو أن الشهود شهدوا بأنه واحد من ورثته ولا يعلَمون عددَهم لم يُقضَ لهذا بشيء من مِلْك إن كان تركَةَ الميت، لعدم تعْيينه، وتبقى الدار أو غيرها بيدِ من هي بريده حتى يَثْبُتَ الوزنة، لئلا يؤدي لنقض القسمة وتشويش الأحكام. المسألة الثانية. قال مالك: إذا قال الشاهد: هذا العبْدُ لفلان، ما بَاعه ولا وهَبه، لا يُجْزئه، لأن جزمه بذلك مِنْ أيْنَ له به، بل يقول: لا أعلَمُ أنه باعه ولا وهبه. وقال عبد الملك: بل يجزم ويقول: ما باعه ولا وَهَبَه، لأن الشهادة بغير جزم لا تجوز. وقال أبو الوليد بن رشد: قول عبد الملك أظهر. وفي الجواهر: لو شهد أنه مَلَكَه بالأمس ولم يتعرض للحال لم يُسمَعْ، حتى يقول: لم يَخرُجْ عن ملكه في علمي، ولَوْ شهِدَ أنه أقرّ بالأمس، ثبت الإِقرار واستصحب موجبه، ولو قال المدعي: كان ملكه بالأمس، نزِع من يده، لأنه أخبر عن تحقيق له فيستصحب، كما لو قال الشاهد: هو ملكه بالأمس بشراء من المدّعى عليه بالأمس. ولو شهدوا أنه كان بيد المدعي بالأمس لم يُفِدْ حتى يشهدوا أنه ملكه. ولو شهدت أنه غصَبَه، جُعِل المدّعي صاحب اليد، ولو ادعت مِلكا مطلقا فشهدت بالملك والسبب لم يَضُرَّ، لعدم المنافاة. المسألة الثالثة: قال ابن يونس: لَو شهدوا بالأرض ولم يحُدُّوها، وشهد آخَرون بالحدود دُونَ المِلْكِ، قال مالك: تمَّتْ الشهادة، وقُضِيَ بهم، لحصول المقصود من

стр. 773

المجموع. قال ابن حبيب: إنْ شهدتْ بغصْب الارض ولمْ يحدُّوها، قيل للمدّعي: حُدَّ ما غُصِب منك واحْلِفْ عليه. قال مالك: فإن شهدت بالحق وقالت: لا نعرف عدده، قيل للمطلوب: أقِرَّ بحَقٍ واحلِفْ عليه، فتُعْطيه، ولا شيء عليه غيْرُه، فإن جحدَ قيل للطالب: إن عرفْتَه إحلفْ عليه وخُذْه، فإن قال: لا أعرفُهُ، أو أعرفُهُ ولا أحلف عليه، سجِن المطلوبُ حتى يُقِر بشيء ويحلف عليه، وإن كان الحق في دار، حِيلَ بينه وبينها حتى يحلف، ولا يُحْبَسُ، لأن الحق في شيء بعينه: قال الباجي في المنُتَقَى: وعند مالكٍ تُرَدُّ الشهادة بنسيان العدد وجهْلِه، لأنه نقصٌ في الشهادة. قال الباجي: نقصان (١٧٠) بعْض الشهادة يمْنع من أداء ذلك البعض، إلَّا في عقد البيع والنكاح والهبةِ والحُبُسِ والإِقرار ونحوه مما لا يلزمُ الشاهدَ حفظُه. المسألة الرابِعَة: جَرَى على ألْسِنَةِ الفقهاء أن الشهادة على النفيْ غيرُ مقبولة، وفيه تفصيل، فإن النفي قد يكون معلوما بالضرورة أو بالظن الغالبِ الناشيءِ عن الفحص، وقد يَعْرَى عنهما، فهذه ثلاثة أقسام: أمّا القسْم الأول نجوز به الشهادة اتفاقا، كالشهادة بأنه ليس في البقعة التي بين يديه فرس ونحوه، فإنه يقطع بذلك. والثاني تجوز الشهادة به في صُوَرٍ: منها التفليس وحَصْرُ الورثة، فإن الحاصل فيهِ إنما هو الظن الغالب، لأنه يجوز - عَقلا - حصول المال للمفلس وهو يكتمه، وحصول وارث لا يُطَّلَعُ عليه.

стр. 774

ومنها قول المحَدِّثين: ليس هذا الحديث بصحيح, بناء على الاستقراء. ومنها قول النحويين: ليس في كلام العرب اسمٌ آخِرُهُ واوٌ قبْلَها ضمَّة، ونحو ذلك. القسم الثالث، نحوُ أن زيدا ما وفَّى الدَّيْن الذي عليه، أو ما باع سلعته أو نحوُ ذلك، فإنه نفْيٌ غيرُ منضبط، وإنما يجوز في النفي المنضبط قطعا أو ظَناً، وكذلك يجوز أن زيْداً لمْ يَقتُلْ عمراً أمسِ، لأنه كان عنده في البيت، أو أنه لم يسافرْ، لأنه رآه في البلد، فهذه كلها شهادة صحيحة بالنفي، وإنما يمتنع غير المنضبط، فظهر أن إطلاق قول الفقهاء ليس بصحيح، (١٧١) والله أعلم. القاعدة السادسة عشرة: في الفرق بين الفتوى والحكم . (١٧٢) وفائدة معرفة هذا الفرق أنه ينبني عليه تمكين غيره من الحكم بغير ما قال في الفتوى في مواضعِ الخلاف، بخلاف الحكْم. ثم لِتَعْلَمْ أن العباداتِ كلَّها على الاطلاق، لا يدخلها الحكم، بل الفُتْيا فقط، فكلُّ ما وُجدَ فيها من الإِخبارات فهي فُتْيا فقط، إذ ليْسَ للحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاةَ صحيحة أو باطلة فَيَحْرُمُ بعدَ حكمه مُخَالَفَتُهُ (١٧٣)، ويُلْحَقُ

стр. 775

بالعباداتِ أسبابُهَا، فإذا شهد بهلال رمضان شاهدٌ واحدٌ، فأثبتَه حامك شافعي، ونادَى في المدينة بالصوم، لَا يلزَم ذلك المالكيّ، لأن ذلك فتوى، ليس بحكْم. (١٧٤)، وكذلك الأمر في جميع الاسباب للعبادات والعادات، ولا في موانعها ولا في شروطها، فتصح المخالفة بعد ذلك للمخالِفِ. (١٧٥) وبهذا يظهر أن الإِمام إو قال: لا تقيموا الجمعة إلا بإذني لم يكن ذلك حكماً، وإن كانت المسألة قد اختُلِف فيها، هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم لا؟ وللناس أن يقيموها بغير إذن الإِمام، إلا أن يكون في ذلك صورةُ المُشَاقَّة، فيمتنع إقامتها إلا باذنه، لأجْل أنه موطن خلاف اتصل به حكْمُ حاكمٍ، وقد قاله بعض الفقهاء، وإيس بصحيح، (١٧٦) بل حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأه في مسألةِ اجتهادٍ تتقاربُ فيها المَدارك لأجل مصلحة دنيوية. فاشتراطُ قيد الانشاء، احترازٌ من حكمه في مواضع الإجماع، فإن ذلك إخبارٌ وتنفيذٌ مَحْضٌ، (١٧٧) وفي مواضع الخلاف ينشئ حكما، وهو إلزام أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة، (١٧٨) ويكون إنشاؤه إخباراً خاصا عن الله تعالى في تلك الصورة ومن ذلك الباب، (١٧٩)،

стр. 776

فيكون أخصَّ من الدليل العام المخالف لذلك الحكم، فيرجع إليه، ويخصص ذلك العام به، ويبقى ذلك العام معمولا به في تلك الصورة التي حُكِم بها، وهذا هو معنى الإِنشاء. (١٨٠) وقُلْنا في مسألة اجتهادية: احترازاً من مواضع الإِجماع، فإن الحكْم هنالك ثابت بالاجماع، فيتعذر فيه الإِنشاء، لتعينه وثبوتِهِ إجماعا. (١٨١) وقولنا: تتفاوت مداركها، احترازاً من الخلاف الشاذ الصادر عن المُدْرَك الضعيف، فإنه لا يرفع الخلاف، بل يُنقَض في نفسِهِ إذا حَكم بالفتوى المبْنيَّة على الضعيف. (١٨٢)

стр. 777

وقولنا: لأجْل مصالح الدنيا، احترازا من العبادات كالفتوى بتحريم السباع وطَهارة الأواني، وغير ذلك مما يكون اختلافُ المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة، بخلاف المنازَعة في العقود: الإِيلاء، والرهون، والاوقاف ونحوها، التي هي لمصالح الدنيا. (١٨٣). قال صاحب الجواهر: ما قُضِيَ به من نقل الأملاك وفسْخ العقود هو حُكمٌ، فإن لم يفعل أكثر من تقرير الحادثة لَمَّا رُفعَتْ إليه، كالمرأة زوَّجتْ نفسها بغير إذن وإيها، فأقرَّه وأجازه ثم عُزل، وجاء قاضٍ بعده. قال عبد الملك:

стр. 778

ليسَ بحكم، ولغيره فسْخه. "قال ابن القاسم: (١٨٤) هُوَ حكْمٌ، لِأنه أمضاه، والإِقرار عليه كالحكْم بإجازته فلا يُنْقَضُ. واختاره ابن محرز، وقال: إنه حُكْمٌ في حادثة باجتهاه، ولا فرق بين أن يكون حكمه فيه بإمضائه أو فسخه، أما لو رُفع إليه هذا النكاح، فقال: أنا لا أجيز هذا النكاح بغير وليٍّ، من غير أن يحكم بفسخ هذا النكاح بِعَينه، فذلك فتوى وليس بحكم. قال: ولا أعْلمُ في هذا الوجه خلافا. قال: وإن حكمَ بالاجتهاد فيما طريقُهُ التحريم والتحليل، وليس نقلَ مِلْك لأحد الخصمين إلى الآخر، مثل رضاع كبير يحكم بأنه رضاعُ تحريمٍ، ويَفسَخ النكاح من أَجْله .. فالفسخ والتحريم في المستقبل لا يثبت بحكمه. وهذه القاعدة تظهر أن الثبوت غير الحكم، وأن الثبوت أعمّ من الحكم، فقد يثبت الشيء ولا يكون حُكْماً، والأعَمُّ غيرُ الأخص ولا بد، وهذا كما قلنا في الامور التعبدية كالصلاة والطهارة تثبت فيها أحكام، ويقال: إنها ثبوت، ولا يقال: إنها حُكم، (١٨٥) واللهُ أعلم.

стр. 779

القاعدة السابعة عشرة (١٨٦) في تقرير ما ينفَّذ من تصرفات الوُلَاة والقضاة مِمَّا لا يُنَفَّذُ. إعْلَمْ أن كل من ولي ولاية الخلافة فما دونها إلى الوصية، لا يحل له أن يتصرف إلا بِجلب مصلحة أو دَرْءٍ مفسدة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (١٨٧)، ولقوله ﵇: "مَن وَلي من أمْرِ أمتي شيئا ولم يجهَد لهم، ولم ينصَحْ، فالجنةُ عليه حرام" (١٨٨)، فالولاةُ معزولون عمّا ليس بأحسنَ.

стр. 780

ثمّ عدم تنفيذ الحكم قد يكون لِأسْبَاب: الأول من ذلك: أن يحكم الحاكِمُ الذي لمْ يُجعَل له ذلك، ولا ولَايَةَ له، ويلحَق بهذا، القضاءُ من القاضي بغير عَمَلِهِ، فإنه لم تتناوله الولاية. وفي الجواهر: إن شَافَهَ قاض قاضياً لم يكْفِ في ثبوت ذلك الحكم، لأن أحدهما بغير عمله، فإنه لم تتناوله الولاية، ولا يؤثر إسماعه وسَمَاعُه إلا إذا كانا قاضيَيْن ببلدة واحدة، أو تحادثا ذلك في ولايتهما، فيكون ذلك أقوى من الشهادة على كتاب القاضي، فيُعتمَدُ. القسم الثاني: ما تتناوله الولاية، لكن حَكَم فيه بمستند باطل، فهذا يُنقَض، لفساد المُدْرَك لا لِعَدء الولاية، وهو الحكم الذي خالفَ أحَدَ أربعة أمور إذا حَكَمَ على خلافِ الإجماع يُنقَض قضاؤه، أو خلافِ النص السالم عن المعارض، أو القياسِ الجَليّ السالَم عن المُعارِضَ، أو قاعدة من القواعد السالمة عن المعارض. ولابدَّ في الجَمع من اشتراط السلامة عن المعارض. ونقل ابن يونسَ عن عبْد الملك أنه قال: يُنقَضُ عند مالك قضاءُ القاضي لمخالفة السُّنة، كالقضاء باستسعاء العبد لِعِتْقِ بعضه، فإن الحديث ورَدَ بأنه يستسعي، وكالشفعة للجار أوْ بعدَ القسمة، لقوله ﵇: "الشفعة فيما لم يُقسَمْ" (١٨٩)، أو يحكم بشهادة النصراني، لقوله تعالى: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أو بميراث العمة أو الخالة أو المَوْلى الأسْفَل، لقوله ﵇: "ألحِقُوا الفرائضَ بأهْلِها، فما أبْقَتْ فلأوْلى عَصَبَةٍ ذكَرٍ". (١٩٠) وخالَفَ ابنُ عبد الحكم، وقالَ: لا تُنقَضُ شفعةُ الجار، وما ذُكِر معَه من الفروع، لضعف موجب النقض عنده، وجمهورُ الأصحاب على خلافه. وفي النوادر لأبي محمد، قال محمد: ممّا يُنقَض

стр. 781

نَقْضُ ما لا يُنقَض. فإذا قضَى قاض ثان بنقض حُكْم الأول - وهو ممّا لا يُنقَض - نَقَض الثالث حكم الثاني، لأن نقضه خطأ، ويُقِرُّ الأولَ. وكذلك لو تصرَّف الصفيه الذي تحت حِجْر القاضي بالبيع والنكاح وغيرهما فرَدّهُ، فجاء قاض ثانِ فأنفَذَهُ، نقَضَ الثالثُ هذا التنفيذَ وأقَرَّ الأول، وكذلك لو فسخ الثاني الحكم بالشاهد واليمين لَرَدَّه الثالث، لأن النقض في مواطن الاجتهاد خطأ، ونَقضُ الخطأ يتعَيَّنُ. القسم الثالث: ما حَكَمَ به على خلاف السبب، والقسْم الذي قَبْلَهُ على خلاف الدليل، وقد تقدم الفرق بين الأسباب والأدِلة والحِجَانَ، وأن القضاة يعتمدون الحجاج، والمجتهدين يعتمدون الْأدِلة، والمكلَّفين يعتمدون الأسباب , فاذا قضَي القاضي بالقتل على مَن لم يَقْتُلْ، أو بالبيع على من لم يبع، أو بالطلاق على من لم يُطَلِّق، فهذا قضاءُ على خلاف الأسباب، فمتى أطُّلع على ذلك وجَبَ نقضه عند الكل، إلا قِسْماً (١٩١) منه خالَف فيه أبو حنيفة، وهو ما كان فيه عقدٌ أو فسخ، فيُجْعل (١٩٢) حكم الحاكم كالعقد فيما لا عقد فيه، أو كالفسخ فيما لا فسخ فيه، فإذا شهدَ عنده شاهدَا زُور بطلاق امرأة، فحَكَم بطلاقها، جاز لذلك الشاهِد أن يتزوجْها، مع علمه بكذب نفسِه، لأن حكم الحاكم فسْخٌ لذلك النكاح، وكذلك إذا شهِد عنده ببيع جارية فحَكَم ببيعها، وكذلك كل ما فيه عقد أو فسْخٌ.

стр. 782

وأمّا الدُّيون وما يجري مجراها ممّا لا عقد فيه ولا فسخ، فيوافقنا فيه، وأنه باق على ما كان عليه قبل الحكم، وهذا معنى قول المالكية والشافعية والحنابلة: حكْم الحاكم لا يُحِلُّ حراما ولا يُحِلُّ حلالا في نفس الأمْر، خلافا لأبي حنيفة، ووافقَنا ايو حنيفة - أيضا - فيما إذا قضى بنكاح الأختِ أو ذاتِ مَحْرَمٍ، بأنها لا تَحِلُّ له، لأن المقْضِي له، لو تزوجها لمْ تحِلَّ له، لفوات قَبول المحل. وكذلك وافقنا إذا تبيَّن أن أحد الشهود عبْدٌ، والحُكْم في عقد نكاح (١٩٣). لنا قوله ﵊: "إنما أنا بَشرٌ مثلُكُمْ، وإنكم لتختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أنَ يكون ألْحنَ بحجته من بعص، فأقضىَ له على نحو ما أسْمع، فمن قضَيت له بشيء من حق اخيه فلا يأخذَه، فإنما أقطع له قطعة من نارٍ" (١٩٤)، وهو عامٌّ في جميع الحقوق. (١٩٥) احتجوا بقضية هِلال بن أمية في الصحيح، أن النبي ﷺ فرق بينه وبين امرأته في اللعان، قال: إن جآت به على صفةِ كذا فَهُوَ لشَريك، فجاءت به على تلك الصفة (١٩٦)، وبقي الامر على ما قال هلال، وأن الفُرْقَة لم تكن موجودةً، ومع

стр. 783

ذلك لم تُفسخ تلك الفُرقة وأمْضاها، فَدَلَّ ذلك على أن حُكْم الحاكم يقوم مقام الفَسخ والعقد، وأيضا فجاء عن علي ﵁ ما يدل على ذلك. (١٩٧) والجواب عن الأول أن الفُرقة في اللعان ليست بسبب الصدق الذي للزوج، بدليل أنه لو قامت البينة بكذبِه لمْ تَعُدْ إليْه، وإنما كانت بِسَبب أنهما وصَلا إلى أسْوَأ الأحوال في المقابَحَة، فلمْ يَرَ الشارع اجتماعَهما بعد ذلك، وما ذُكرِعن عَليّ لا نُسَلِّمُ صحته. القسم الرابع: ما تناولته الولاية وصادف فيه الحجّة والدليلَ والسبب، غيرَ أنه مُتَّهَمٌ (١٩٨) فيه كفضائه لنفسه، وهو مردود إجماعاً، وأدْني رُتَبِ التُّهَمِ غير مردودٍ إجماعا، كقضائه لأهْل جيرانه وأهلِ صَقْعِهِ وقبيلته، والمتوسط من التهم مختلَف فيه، هل يُلحَقُ بالأول او الثاني.

стр. 784

والأصل في التُّهم قول رسول الله ﷺ : "لا تُقْبَلُ شهادةُ خصم ولا ظنين" (١٩٩) أي متَّهَم. قال ابن يونس في الموازية: كل من لا تجوز شهادته له لا يجوز حكمه له. وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ﵃: لِأن حكم الحاكم لازِمٌ للمقضىّ عليه، فهُوَ أوْلى بالرَّد مِن الشهادة، لأن فوق الشاهِد من ينظر عليه، فيضْعُف معه الاقدام على الباطل، فتَضْعُفُ التهمة، قال: ولاَ لعمِّه، إلَّا أن يكون مبرِّزا. وجَوَّزه أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل ﵁، وقال عبد الملك: لا يَحْكُم لولده الصغير ولا ليتيمه ولا لامرأته، ويجوز لغيْرِ هَؤلاء الثلاثة كالأب والابن الكبير. وإن امتنعت الشهادة فإن منصب القضاء أبْعَدُ عن التهم، لعِظم مَنصِبِ القضاء. وقال أصبغ: إن قال: ثبت عندى ولا يَعْلَمُ أثبتَ أم لا؟ ، ولم يَحضره الشهود، لمْ ينفَّذ، فإن حضر الشهود وكانت شهادة ظاهرة بِحق بيِّنِ جاز فيما عدا الثلاثة المتقدمة، لأن اجتماع هذه الأمور يُضْعف التهمة، وهو الفرق بينه وبين الشهادة. وعن أصبغ، الجواز في الولد والزوجة والأخ والمُكاتب والمدَبَّر. وإن كان من اهل القيام بالحق صَحَّ الحكم. وقد يحكم للخليفة وهو فوقه، وتُهْمَتُهُ أقْوَى. ولا ينبغي له القضاء بيْن أحدٍ من عشيرته وخصْمه وإن رضي الخصْمُ، بخلاف رجُلَيْن رضِيا بحكم رجل أجنبي، فينفَّذ ذلك عليهما. ولا يَقضي بينه وبين غيره وإن رضي الخصْم بذلك، فإن فعل. فليُشهِدْ على رضاه ويجتهد في الحق، وان قضى لنفسه أوْ لمن يمتنع قضاؤه له، فلْيذكر القِصَّة كلَّها، ورِضَى

стр. 785

خَصْمِه، وشهادةَ من شهِدَ برضى الخصم، واذا فعَلَ ذلك ورَأى أفضلَ منه فالأحسن نسخُه، فإن مات أو عُزِلَ فلا يفسخه غيره إلا في الخطأ البيِّن، فإن اجتهح في القضية حقُّه وحق الله تعالى كالسرقة، قال محمد: يَقطعه. وقال ابن عبد الحكم: يَرفعه لمن فوقه، وأمّا مَالَهُ فلا يحكم فيه. القسم الخامس: ما اجتمع فيه أنه تناولتْه الولاية وصادَف السببَ والدليل والحجة، وانتفتْ التهمة فيه، غير أنه اختلف فيه من جهة الحُجَّة هل هوَ حجة أمْ لا؟ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: القضاء بعلم الحاكم، عندنا وِعند ابن حنبل يمتنع. وقال أبو حنيفةْ: لا يحكم في الحدود بما يُشْاهِدُهُ من أسبابها إلا القذف، ولا في حقوق الآدميين فيما (٢٠٠) عِلمَه قبل الولاية دون ما بَعْد الولاية. (٢٠١) ومشهورُ مذهب الشافعي جواز الحكم في الجميع. واتفق الجميع على جوازِ حكمه بعلمه في التعديل والتجريح. لَنَا وجوه: الأول: قول رسولِ الله ﷺ ."إنما أنا بشرٌ مثلُكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعَلَّ بعضكم أن يكونَ ألْحَنَ بحجته من بعض فأقضيَ له على نحو ما أسمع (٢٠٢) ... الحديث، فدل ذلك على أن القضاء يكون بحسب المسموع لا بحسب المعلوم. قلت: صحيح أنه دَلَّ على أنه يكون بحسب المسموع، وأمّا أنه يدل على. أنه لا بحسب المعلوم فغير صحيح.

стр. 786

قال: الثاني قوله ﵊: "شاهِدَاك أو يمينه ليس لك إلا ذلك"، (٢٠٣) فحصَر الحجة في البينة واليمين دون عِلْم الحاكم وهو المطلوب. قلت: يقول الخصم: حصْرُ الحجة فيما ذكرتهُ على الإِطلاق ليس يَدُل عليه الحديث، فإنه قال لهذا الرَّجل هَذا، لأنه لم يكن عالِماً بحاله مع خصمه، ولعله يكون عالِماً بحال آخَرَ فيكون علمه حجةً له. قال: الثالثْ: أنه قال: أخْطُبُ (٢٠٤) وأعْلِمُ الناسَ برضاكم"، لقوم كان لهم شِجَاجٌ، فأعطاهم النَّبي ﷺ الأرْشَ، فقالوا: نعَمْ، فخطَبَ، ثمَّ أعْلَمَ برضاهم، فقالوا: لا، ثم زادهم، وخطب فأعلَمَ برضاهم، بَعْدَ أن قالوا: رضِينا، فقلوا حين أعْلمَ برضاهم: نعَمْ، وذلك دليل على أنه لا يَحكُمُ بعلمه. قلت: وهذا الآخِرُ أضعفُ ممَّا قبله في الدلالة على المقصد. الرابع قوله ﵇: "لو كنتُ راجِماً بغير بينَةٍ أحداً لرجمتها" (٢٠٥)، وأمّا غير ذلك وهو العلم فلم يتعرض له بنفي ولا إثبات.

стр. 787

قال: الخامس: قَولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾، (٢٠٦) فأمَرَ بجَلدهم عند عدم البينة وإن اعترفت المرأة بالزني، وهذا باطِلٌ، بل لَمْ يتعرض له، وكذلك حال العلم أيضا لم يتعرض له. قال: السادس: أن الحاكِمَ غيرُ معصوم، فَيُتَّهَمُ بالقضاء بعلمه على عدُوٍّ أوْ لصديق، ونحن لا نعرف ذلك، فحسَمْنا ذلك، صوناً لمنصب القضاء عن التُّهم. السابع: قال أبو عُمَر بن عبد البَرّ في الاستذكار: إتفقوا على أن القاضي لو قتل أخاه لِعِلْمه بأنه قاتلٌ أو أنه كالقاتل عمداً لا يرث منه شيئا، للتهمة في الميراث، فنَقيسُ عليه بقيَّةَ الصُّور بجامع التهمة. احتَجُّوا بوجُوهٍ: أحَدُها أن رسولَ الله ﷺ قضى لزوجة أبي سفيان بعلمة، حيث قال: "خُذِي لك ولولَدِكِ بِالمعروف" (٢٠٧). قلت: ظاهرٌ أنه ليسَ هذا بحكْم، وإنما هُوَ فتوى أفتاها بها، هل أخْذُها بغَيْرِ إذنه يجوز أم لا لضررها بشُحِّهِ؟ فقال لها - جوابا عن ذلك -: يضرُّكِ الزائد ولا يَحِلُّ لك، وقدْرُ نفقتِك ونفقةِ أولاده لا إثمَ عليك فيه. قال: وثانيها أن عُمَرَ ﵁ قضى بعلمه على أبي سفيان في حقٍّ أوصى به، فإنه لمّا شكا إليه المظلومُ قال: إني لَأعْلَمُ ذلك. (٢٠٨)

стр. 788

قلت: لا أسَلِّم أن حكم عمرَ ضىِ الله كان مرتَّباً على علم عمَر، فلعل البينةَ كانَتْ، ولكنه ذكر علمه معها، تزكيةً لشهادةِ الشهود. قال: وثالثُها قوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ (٢٠٩)، وقد علِمَ القسطَ فيقُومُ به. قلت: ليس في الآية تعرضٌ لِمَا يحكم به ولكنه لصفة الحكم، وذلك أن يكون بالعدْل لا بالجَوْر. قال: ورابعُها أنه إذا جاز أيضا الحُكْم بالظن الناشئِ عن قول البينة فبالعِلم أوْلى، ومِن العجب جَعْل الظن خيرًا من العِلم. قلت: لا عجَبَ فيه من حيث إن ذلك العلم إذا جُعلَ الحكْمُ مستنِدا إليه تطرقتْ التُّهَم للقاضي، فسُدَّ، حسماً للباب كُلِّه. قال: وخامسها أن التهمة قد تدخل عليه من قِبَل البينة فيَقَبْلُ من لا يُقبل. قلت: ليست التهمة على الاطلاق بمرعِيَّة، بل هي -كما قلنا- ثلاثة أقسام: قوية، وضعيفة، ومتوسطة، وقد مضَى حكْم الأقسام الثلاثة، فليسَت التهمة اللاحقة له عن العلم كالتهمة الاحقة له في قَبول شهادة الشهود.

стр. 789

قال: وسادسها أن العمل بالمسموع آكَدُ على السامع من العمل بما رُوي (٢١٠). ثمَّ الأمر في الحكم هل هو أحْرى بذلك من الرواية، لأن الرواية تُثْبت شيئا عامًّا، والقضاء متعلق بشخص خاص، فَخَطَرُهُ أقَلّ. قلت: قد مضى في قاعدةِ الخبر والانشاءِ والفرقِ (٢١٠ م) بين الخبر والشهادة، ما يبطِل هذا الأحْرَى، والوجهُ الذي من أجله كانت الشهادة يُشترَط فيها أشياءُ لا تُشْترط في الرواية. قال: وساْبعها أنه لَوْ لم يحكم بعلمه لَفُسِّقَ في صُوَر: منها أن يَعلم ولَادة امرأة على فراش رجلٍ، فيُشهَدُ عنده بأنها مملوكته، فإنْ قبِلَ البينة مكَّنَهُ من وطئها وهي ابنته، وهو فاسق، وإلَّا حَكَم بعلمه وهو المطلوب. ومها أن يَعلم قتل زيد لعمرو، فيشهدُ عنده بأن القاتل غيره، فإن قَبِلَهُ قَتَل البرِيء، وذلك فسق، وإلَّا حكم بعلمه وهو المطلوب. ومنها لو سَمعه يطِلِّق ثلاثا فأنكر، فشهدت البينة بواحدةٍ، فإن قبل البينة مكَّنَه من الحرام، وإلَّا حكَمَ بعلمه. قلت: يَتْرُكُ الحكمَ في الصور كلها، وترْكُ الحكم ليس بحُكْمٍ، ويَخْلُصُ بذلك من الفسق. قال: وثامنها أن رسول الله ﷺ اشترى فرسا، فجحده البائع، فقال: من يَشهَدُ لي؟ فقال خزيمةُ: أنا يارَسولَ الله، تخبرنا عن خبر السماء فنصدقك،

стр. 790

أفلّا نصدِّقك في هذا؟ فسمَّاه رسول الله ﷺ ذا الشهادتين. (٢١١)، فهذا - وإن استدل به المالكية على عدم القضاء بالعلم، فهو دليل لنا من جهة حكمه ﵇ لنفسه، فجوَّز أن يحكم لغيره بعلمه، لأنه أبْعَدُ في التهمة من القضاء لنفسه بالإِجماع. قلت: لا دلالة في الحديث على أنه أخذ الفرس وحكَم لنفسه، وقد قال الخطابي: سمَّى النبي ﷺ خزيمة ذَا الشهادتيْن، مبالغة لا حقيقة، قالوا؟ وبالقياس على التجريح والتعديل. قال أبو محمد في المعُونة: ليس هذَا حُكْماً. قلت: ولو سلَّمنا أنه حكْم لكان مستثنىً للضرورة، من حيث إنه يؤدِي إلى التسلسل، لأنَّهُ محتاج لبينة بجرح أوَ تعديل، وكذا الأمر. المسألة الثانية: وهي مرتَّبة على الأولى. قال أبو الحسن اللخمي: إذا حكم بما كان عنده من العلم قبْل الولاية أو بعْدها في غيْر مجلس الحكومة أو فيه، فللقاضى الثاني نقضُهُ، فإن أقرَّ الخصم بعد جُلوسهما للحكومة، أو أقرَّ بشئٍ قبل أن يتقدَّما للحكومة ثم أنكَرَ، قال محمد: يَنقض هو ذلك دون غيره من

стр. 791

القضاة، لأنه إلزام بالعلم بالإِقرار، إلا أن يكون يقلد من يرى ذلك، أو من أهل الاجتهاد. (٢١٢). قال شهاب الدين: فقدْ صرَّح بأن القضاء بالعلم يُنقَضُ، وإن كان مُدْرَكا مخْتلَفاً فيه، والذي ينقضُهُ لا يعتقده، فالحكم عنده وقع بغير مُدْرَك، والحكمُ بغيْرِ مُدْرَكٍ يُنقَضُ، ويَلزمُهُ على هذا، نقضُ الحكم إذا وقع بالشاهد واليمين عندَ من لا يعتقده. وقد نصَّ على نقضه أبو حنيفة، وقال: هو بِدْعة، أوَّلُ من قضى به معاوية، وقد تقدَّم أنه ليس كما قال، بل أكثرُ العلماء قضى به. وكذلك الحكمُ بشهادة امرأتين، قال الشافعي: لا يجوز إلا بأربع، لأن الحكم عند المخالف بغير مُدْرَك، وإن كان المستنَدُ في نقض القضاء بالعلم ليس كونه مدركا مختلفا فيه، وأنا لا نعتقده مُدْرَكا، بل مستَنَدُ النقض التهمة كما ينقضه إذا حكم لنفسه، (٢١٣)، فهذه الأقسام الخمسة هي ضابط ما يُنْقَضُ من قضاء القاضي، وما خرج عن هذه الخمسة لا يُنقَض، وهو ما اجتع فيه ثبوت الولاية له، والدليل، والسبب، والحُجّة، وانتفت فيه التهمة، ووقع على الأوضاع الشرعية، كان مُجْمَعاً عليه أو مختلَفاً فيه.

стр. 792

القاعدة الثامنة عشرة في تمييز ما تُشترَطُ فيه العدالة مِمَّا لا تُشترَط فيه . (٢١٤) إعْلَمْ أنه قد تقرَّر في أصول الفقه أن المصلحة إمَّا في محلِّ الضرورة، وإمَّا في محلّ الحاجة، وإمَّا في مَحَلِّ التَّتمّة، وما عدَا ذلك مستغنىً عنه. والفرق ها هنا بين ما يُشترط فيه العدالة ممّا لا يُشترط مبني على هذه القاعدة، فاشتراطُ العدالة في محل الضرورة كالشهادة، فإن الضرورة تدعو لحِفْظ دماء الناس وأموالهم وأبْضاعهم وأعْرَاضهم عن الضَّيَاعَ، ولو قُبِلَ فيها قوْلُ الفَسَقة ومن لا يوثق به لضاعت، وكذلك الولايات كالإِمامة والقضاء، وغير ذلك من الولايات التي هي في معني ما ذُكر، ولو فُوِّضت لمن لا يُوثَق به لضاعتْ المصالح وكثرت المفاسدُ. ولم يَشترط بعضهم في الإِمامة العُظْمى العدالةَ، لغَلَبةِ الفسوق على وُلاتها. (٢١٥)

стр. 793

فلو اشْتُرِطَتْ لتعطلت التصرفات الموافقة للحق في تَوْليَة من يُوَلونه من القضاة والولاة وغير ذلك، وفيه ضَرَرٌ عظيم أقبحُ من فوات عدالة السلطان، قال: واذا نَفَذتْ تصرفات البغاة بالإِجماع، فأوْلَى نفوذ تصرفات الولاة والائمة مع غلبة الفجور عليهم. ومحل الحاجة كالإِمامة في الصلاة، فإن الأئمة شفعاء، والحاجة داعية لِإصلاخ حال الشفبع عند المشفوع عنده، (٢١٦) وإلَّا لا تقبل شفاعته، فيشترط فيهم العدالة، وكذلك المؤذِّن الذي يُعْتَمَد على إعلامه بدخول الوقت، ولم يقع خلاف في المؤذن المذكور، بخلاف المؤذن لنفسه، ولا اعتمادَ على أذانه من حيث الغير، فلا يشترط فيه شرط. ووقع الخِلاف في اشتراطها في الامام، فالشافعي لا يشترطها، ومالكٌ يشترطها. وسببُ الخلاف أن الشافعي لا يرى بالربط بين الإِمام والمأموم، فصحَّ أن يكون إماما، فإنه لنفسه صلَّى، كما تصح صلاة الفاجر إن أتَى بشروطها، أو تفسد عليه وحده إن أخَلَّ بشئٍ من شروطها وأركانها. ومالك يرى بالربط، فاشترط ذلك، إذْ فساد صلاته يسْري إلى صلاة الماموم. وأمّا محَلّ التتمة فكالولاية في النكاح، فلا تُشترط فيها العدالة، لأن الوازع الطبيعي الذي عندَ الولي من الشفقة على وليته ولحَاقِ الضرر به يمنعه من أن لا يوقع بها إلا المصلحة، (٢١٧) فلم يُحْتَج إلى اشتراط العدالة، وهذا كالإِقرار لقيام

стр. 794

الوازع الطبيعي فيها، غير أن الفاسق قد يوالي أهلَ شيعته، فيؤثرهم بوليته: أختِه أو بنته، فتحصل لها المفسدة العظيمة، فاشتَرِطت العدالة لذلك، وكان اشتراطها تتمة، لا حاجيةً ولا ضروريةً، لأجل تعارُض هاتين الشائبتين، وهذا التعارض بين هاتين الشائبتين هو سبب الخلاف بين العلماء في اشتراط العدالة في ولاية النكاح، وهل تصِحُّ ولاية الفاسق أو لا؟ وفي مذهب مالك قولان. وكذلك اشتراط العدالة في الأوصياء من باب التَّتمَّةِ أيضا، لأن الغالب على الانسان أنه لا يوصي على ذُريته إلا مَنْ يثِق بشفقته، فوازعه الطبيعي يكفي في تحصيل مصلحة الاولاد. ثم الْأمر فيه كما قلنا في ولي النكاح سواءٌ بسواء، وما عدا ذلك فلا تشترط فيه العدالة، كالإِقرار فإنه يُقْبل فيه قول البَرِّ وَالفاجِر، وهذا لأن الوازع الطبيعي معه، فهو لا يسوقه إلى مضرّة نفسه، وكذلك مسألة الدعاوى يصح فيها البَرُّ والفاجر، والمسلم والكافر، وإنْ كانت عكسَ الإِقرار، فإنه في الإِقرار يعترف بالحق عليه، وهنا يطلب غيره بشيء يقول: هو له، وقامت البينة هنا مَقام الوازع الطبيعي هنالك، بل كَان الرُكُون إليها أوْلى من العدالة، لأن، العدالة قد تتغيَّر في أقربِ وقت، ونحنْ لا نطلع على ذلك، فيوصَل بذلك إلى المضرّة، فاشْتُرطت البينةُ على المدَّعي، وسائرُ ما يقوم مقام البينة، والله أعلم. القاعدة التاسعة عشرة: في ضَمِّ الشهادات (٢١٨). قال اللخمي: قيل: تضَم الشهادتان في الأفعال والأقوال، أو إحداهما والأخرى فعلٌ، وقيل: لا يُضَمَّان مطلقا، وقيل: تُضَمان في الأقوال فقط،

стр. 795

وقيل: تضمانِ إذا كانتا على فعل، فإن كانت إحداهما على قوْل والأخرى على فعل فَلا، وهذه الأقوالُ كلها لمالك ﵁. واعتمد الأصحاب في الفرق بين الأقوال والافعال أن الأقوال يمكن تكررها، ويكون. الثاني خبرا عن الأول، والأفعال لا يمكن تكرُّرُها إلّا مع التعَدُّد. وهذا الفرق فيه بحْث. (٢١٩) وذلك أن الأصل في الاستعمال الانشاءُ، وتعديدُ المعاني بتعدد الاستعمال حتى يدل دليل على التاكيد، ومقتضَى هذه القاعدة عدَمُ ضمِّ الأقوال والأفعال، (٢٢٠) لكن عارَضَ هذه القاعدةَ قاعدةٌ اخرى، وهِيَ أن أصْلَ قولنا: أنتِ طالق، وأنتَ حُرٌّ، الخبرُ عن وقوع الطلاق والعَتاق قبل زمن النطق، وكذلك بعْتُ واشتريتُ وسائر صيغ العقود، وإنما ينصرف لاستحداث هذه المعاني بالقرائن أو النقل العرفي، فحُمِل القول الثاني على الِإخبار في المرَّة الثانية، عملاً بقاعدة ترجيح الاصل الذي هو الخبر، والحَمْلُ على الأصل أوْلى (٢٢١)، ولذلك شبّهَهُ الأَصحاب بما لو أقرَّ بمال فِى مجالسَ فانه لا يتعدد عليه لقربه. (٢٢٢) أمّا لو فرضنا كل واحد من الشاهدين صمَّمَ على الإِنشاء فيما سمِعه كانت الأقوال كالأفعال،

стр. 796

وبالجُمْلة، من غلب عليه مُلاحظةُ الانشاء لم يَضُمَّ في الأقوال، ومتى لاحَظَ الانشاءً ولاحظَ الخبر، وأنه الأصْل ضَمَّ في الأقوال. وأمّا الافعالُ فبيَّنَ أنه لا يمكن أن يكون الثاني عَيْنَ الأول. (٢٢٣) لأنه لا يصح أن يكون خبرا عنه، فإن الخبر من خصائص الأقوال، فصار مشهوداً به آخر. وأمّا عدم الضمّ إذا كانت إحداهما قولا والأخرى فعلا، فلأن الضم إنما يكون في جنس واحد، وضمُّ الشيء إلى جنسه أقربُ من ضمِّه إلى غير جنسه (٢٢٤).

стр. 797

"تفريع". قال اللخمي: لوْ شهِد أحَدُ الشهود بالثلاث قبْلَ أمس، والثاني باثنتين أمْسِ، والثالث بواحدةٍ اليومَ. لزم الثلاثُ، لأن ضمَّ الثاني للأول يوجبُ اثنتين قبل سماع الثالث، فلمَّا سمع الثالث ضُمَّ لهما، فلزمت الثلاث. وكذلك لو شهدَ الثاني بواحدة والآخَرُ باثنتين، لأن الثاني صح الأول طلقتان، فتضم إليهما طلقة الآخَر. وكذلك لو شهِد الأول باثنتين، والثاني بثلاث، والآخر بواحدة. هذا كله إذا عُلِمَت التواريخ، فإن جُهلت فيختلف في لزوم الثلاث او اثنتين، لأن الزائد عليهما من باب الطلاق بالشك. وقال أبو حنيفة: إذا شهِدَ أحدُهما بطلقة والآخَرُ بأكْثر لمْ يحْكَم بشيء، لِعَدَم كمال الشهادة. فلو شهِد أحدُهما ببائنة والآخَرُ برجْعيَّة ضُمَّتْ الشهادتان، لأنَّ الاختلاف ها هنا إنما هو في الصفة. قال مالك في المدَونة: إذا شَهِدَ أحَدهما أنه قال: إن فعلت كذا فامْرأتِي طالق، وشهِد الآخَرُ أنه قالَ ذلك في صَفَر، وشهِدا عليه، أو غيرهما بالفعل بعد صفر طُلِّقتْ، لاتفاقهما على التعليق والمعَلَّقِ والمعلَّقِ عليه، كما لو اتفقا على المُقَرِّ به واختلفا في زمن الاقرار. وإن شهدا في مجلس على التَّعليق، وشهِدَ أحدهما أنه فعل يوم الجمعة الشرْط، والآخرُ أنه فعله يوم السبت طُلِّقتْ، لاتفاقهما على التعليق ووقوع الشرْط، وكذلك لَوْ نَسَبَا قوله إلى مكانيْن، وِهذا بناء على أن القول الثاني خبر لا إنشاء، فلو صمّم كل واحد من الشاهدين على الانشاء لمْ يكنْ ضَم.

стр. 798

كتاب الحدود وما في معناها وفيه ستُّ قواعد: القاعدة الأولى: في تقرير (*) ما هو شُبْهةٌ يُدْرَأُ بهَا الحدُّ ممَّا لا (١). واعْلَمْ أن الشبهاتِ ثلاث: شهة في الواطيء، وشبْهَةٌ في الموطوءةِ، وشبْهة في الطريق. فالشبهة الأولى كاعتقاده أن هذه الأجنبيَّةَ امرأتُهُ، أو مَمْلوكتهُ ونحوُ ذلك، وشبهة الموطوءة كالأمةِ المشتَرَكة إذا وطئها أحد الشريكَيْن (٢)، والشبهة الثالثة كاختلاف العلماء في إباحة الموطوءة بنكاح المتعة، (٣) ثم أمْرُ الكفارات فيما بسقطها كسائر الحدود.

стр. 799

ثم إن إسقاطَ الحدودِ وإسقاط الكفارات بما ذُكر يكون مشروطا بشرط هو اعتقاد مقارنة السبب المبيح. قال مالك في كتاب الصيامِ من المدونة: إذا جامع في رمضان ناسيا فظن أن ذلك ييطل صومَه، فتعَمَّدَ الفطر ثانيةً، أو امرأةٌ رأتْ الطُّهْر ليلاً في رمضان فلم تغتسل حتى أصبحتْ، فظنَّتْ أنه لا صوم لمن لم يغتسل قبل الفجر فأكلت، أوْ مسَافرٌ قدِمَ إلى أهله ليْلا، فظن أن من لم يدخل نهارا قبل أن يمسي أن صومه لا يُجْزئه، وأن له أن يفطر فأفطر، أوْ عَبْدٌ بعثَهُ سيده في رمضان، يرعى غنما له على مسيرة يوميْن أو ثلاثة، فظن أن ذلك سفرٌ فأفطر، فليس على هؤلاء إلا القضاءُ بِلا كفارةٍ. قال ابن القاسمِ: وما رأيتُ مالكا يجعل الكفارة في شيء من هذه الوجوه على التأويل، إلا امرأةَ قالت: اليومَ أحيض، وكان يوم حيضها، فأفطرتْ أوَّل نهارها، وحاضتْ في آخره، والذي يقول: اليومُ يومُ حُمّايَ فياكل في رمضان متعمدا أولَ النهارِ، ثم يَمرض في آخره مرضا لا يقدر على الصوم معه، فقال: عليهما القضاء والكفارة.

стр. 800

ووجه الفرق بين الصورتين (٤) وسائرِ الصور التي لا كفارة فيها أن تلك المسائلَ اعتقدَ فيها المُقْدِمُ عليها اقترانَ السبب البيح، وفي هاتين اعتقدَ بأنه سيقع، فأوقعت الاباحةً قبل سببها (٥) بِعذر من كان يعتقد مقارنة السبب (٦) وإن كان مخطئا، ولم يُعذَر من لم يعتقد مقارنة السبب، وهذا لأن تقديم الحكم على سببه، بُطْلانه بيِّن، غير ملتبِس في الشريعة، فلا صلاة قبل الزوال، ولا صوم لرمضان قبل الهلال، ولا عقوبة قبل الجناية، وهذا كتير لا يعدُّ، وبيّنٌ لا يخفى، بخلاف اشتباه صور الأسباب المبيحة وتحقّقِ شروطها ومقاديرها لا يعلمه إلا الفقهاء، فكان اللبْسُ فيه عذْراً. (٧) ونظير الحائض والمريض المذكورين في الكفارات في الحدود أن يشرب خمراً يعتقدُ أنه (٨) يصير خَلاً، أو يَطأ امرأة يعْتَقِدُ أنه سيتزوجها فإن الحدّ لا يَسقط،

стр. 801

لعدم مقارنة السبب، بخلاف أن يعتقد أنه في الوقت الحاضر خَلٌ، وأنها امرأته أو جاريته، فهذا لَاحدّ فيه، ثم ما خرج عما ذُكِر، فيه الحدُّ والكفارة. قال شهاب الدين ﵀: قلت لبعض الفضلاء: الحديث الذي يَستدل به الفقهاء، وهو ما يرْوى: "إدْرأوا الحدودَ بالشهات" (٩) لم يصحَّ، واذا لم يكن صحيحا، ما يكونُ معتمَدَنا في هذه الأحكام، ؟ فأجابني بأن قال لي: يَكفينا أن نقول: حيث أجمعنا على إقامة الحد كان سالما عن الشبهة، وما قصَر عن محل الإِجماع لا يُلحق به، عملا بالأصل، حتَّى يدُلَّ الدليل على إقامة الحد في صوَر الشبهات، وهو جوابٌ حسَن. قلت: فيَلْزَمُ على هذا أن المسْتنَدَ في الحدودِ الإِجماعُ لا غيْرُهَ من الأدلة، وذلك باطل.

стр. 802

القاعدة الثانية: في الفرق بين القذف يقع بين الزوجين، وبين الأجانب . (١٠) قال مالك وأبو حنيفة: إذا وقع القذف من الزوج للزوجات فاللعان يتعدد بتعددهن، كان ذلك في مجلس واحد أو مجلسيْن، وإذا وقع من أجنب فحَدٌّ واحدٌ يُسقِط كلَّ قذف قبله. وقال الشافعي: إنْ عَدَّدهُن بكلمات مفترقات فعليه لكل واحدة حدٌّ. وقال ابن حنبل، وبكلمة واحدةٍ، للشافعي فيها قولان. وكذلك لأحمد. فالحَنَفِيَّة قالوا: هو حقٌّ لله تعالى، فتداخل. والشافعية قالوا: هو حقٌّ لآدَمي فيتعدَّد. وَيلزَمنا أن يكون عندنا قولان، بناءً على أن حدَّ القذف لله تعالى أو للادمي، لأن لنا في هذه القاعدة قوْليْن. (١١). ودليلُنا أن هلال ابن أميَّة رمى امرأته بشَريك، فقال له النبي ﷺ : "حَدٌّ في ظهرك أو تَلْتعن" (١٢)، ولم يَقُل: حَدَّانِ. وأيضا فإن عمر جلَد شهود الغيرة الذين شهِدوا عليه بالزني حداً واحداً لا حدَّيْن. وأيضا، فحَدَّ رسولُ الله ﷺ القاذفين لعائشة حداً واحداً، (١٣) ولمْ يحُدَّهم حدَّين، الواحدُ لعائشة، والآخَرُ لصفوانَ.

стр. 803

احتجوا بالقياس علي الزوجات الأربع، فإنه يحتاج لِلعانات أربعٍ. الجواب أنها أَيمان، والأَيمان لا تتداخل، بخلاف الحدود، فلوْ وَجَبَ عليه أيْمانٌ لجماعة، لم تتداخَلْ. قلت: ظاهر هذا الجواب يخالف ما قرره أولا من الخلاف، إذ يقتضي هذا أنه لا تداخلَ في الأيمان عند أحدٍ، والتداخل فِى الحدودِ عند كل أحد، سواء كان الحدُّ لله او للآدمي، وقد قال: الخلاف فِى ذلك ينبني على أنه حق لله أو حق للآدمي، وقد كان ينبغي أن يكون الخلاف عندنا في المسألة، لأن الخلاف عندنا في القاعدة هذه. ثم إنه يقال: إمّا أن يكون اختلاف اللعان يوجب اختلاف الحدود أو لا، فإن لم يوجبه فذِكْرُهُ الفرقَ بين اللعان يتكرر ولا يتداخل، وبين الحدِّ يتداخل، عَيٌّ، فإن الفرق ثانٍ عن الجمع، وحيث لا جمع فلا فرقَ، وإن أوجب ذلك اختلاف الحدود صحَّ قياسُهُم، والله أعلم. قال شهاب الدين ﵀: تَخَيَّلَ بعض أصحابنا وجماعةٌ من الفقهاء أن قوله تعالى: " ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ... الآية، دلَّ على أن القاذف لجماعة يُحَدُّ حدًّا واحدا، قال: وليس كذلك، لأن مقابَلَةَ الجمع بالجمع، تارة تتوزع الأفرادَ على الأفراد، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. (١٤)

стр. 804

فلا يصح إلا التوزيع من كل واحد ممن يومَرُ به، كقولنا: الدنانير للورثة، وتارة يَرِدُ لا على ذلك، ومع الاحتمال المذكور فلا دليل (١٥)، (والله أعلم). القاعدة الثالثة: أقرَرُ فيها الفرقَ بين الحدِّ والتعزيز ، (١٦) فأقول:

стр. 805

ذلك من وجوه: أُحدهما أن التعزير غيرُ مقَدَّر، والحدُّ مقَدَّرٌ. ثم إنه وقع الاتفاق على عدم تحديد أقَلِّهِ، واختلفوا بحسب أكثره، فعندنا هو غير محدود، بل بحسب الجناية والمجْني عليه. وقال أبو حنيفة: لا يُجاوَز به أقلُّ الحدود، وهو أربعون، حدُّ العبد، بل ينقَصُ منه سَوْط، وللشافعي في ذلك قولان. لنا إجماع الصحابة، من حيث إن مَعْنَ بن زائدهَ زوَّرَ كتاباً على عُمَر فجلَدَه مائةً وسجَنَه، فشَفع فيه قوم، فقال: "أذْكَرُوني الطعْنَ كنتُ ناسيا"، (١٧)

стр. 806

فجلده مائةً أخرى، ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى، ولم يخالفه أحدٌ، فكان ذلك إجماعا، وأيضاً، فالأصل مساواة العقوبات للجنايات. إحتجوا بما في الصحِيحَيْن أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجلِدوا فوق عشْر جلدات في غَيْر حدٍّ من حدود الله". أجاب أصحابنا في هذا بأن قالوا: لا يصح أن يكون دليلا على مذهبهم، فإنهم يروْن بالزيادة على العَشْر. وأيضا فلأنه محمول على طباع السلف، ثم حدثت أشياء، فأحدث عمر لهم ما يليق بهم، لا أنه نسْخ، بل تَغَيَّرَ السبب بتغير حكمه، وهذا هو معني قول عمر بن عبد العزيز: "تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور". ولا نسخَ وَرَدَ، إذ لا يصحُّ. الثاني من الفروق أن الحدود واجبة الِإقامة على الأئمة، واختلفوا في التعازير. فالشافعي يقول: لا تجب عليه، ومالك يقول: لا تَجِبُ عليه إلا أن يكون حقا لله فَتَجبُ إقامتُه كالحدود، ومثلُ هذا قول أبي حنيفة. إحتج الشافعي بقضية الزبير مع الرجل الذي قال للنبي ﷺ : "أن كَانَ ابنَ عمتك"، (١٨) فإنه تركَه النبي ﷺ . وأجابَ أصحابُنا بأنه ما تركه إلا لأنه كان حقاّ له، ولو كان حقاً لله لَأقَامَهُ.

стр. 807

الثالث من الفروق أن التعزير تأديب يتبع المفاسد، وقد لا يصحبها العصيان في كثير من الصور، كتأديب الصبيان والمجانين استصلاحا لهم مع عدم المعصية. قال شهاب الدين: وجاء في هذا الفرق فرع، وهُو أن الحنفي إذا شرب النبيذَ ولم يَسْكَر، قال مالك ﵀: أحُدُّه ولا أقبل شهادته، لأن تقليده

стр. 808

في هذه المسألة لأبي حنيفة لا يصِحُّ، ولمنافاتها للقياس الجلِيّ على الخمر، ومخالفةِ النصوص الصحيحة: "ما أسْكَرَ كثيرُهُ فقليلُه حرام". (١٩). وقال الشافعي ﵁: أحُده وأقْبَلُ شهادته. أما حدُّه فللمفسدة الحاصلة من التوسل لِإفساد العقل، وأما قَبول شهادته فإنه لم يَعْصِ، بناءً على صحة التقليد عنده، قال: والعقوباتُ تتبع المفاسد لا المعاصي، فَلَا تَنَافِيَ بينَ "عقوبته وقَبول شهادته. ويَيْطُل عليه قولُه من جهةِ أن هذا إنما هو في التعازير. أمّا الحدودُ المقدرة فَلمْ توجد في الشرع إلَّا في معصية، عملا بالاستقراء، فالحقَ مع مالك ﵁. قلت: هذه مصادره، فمحلُّ النزاع هو، هل هذا في التعزيرات فقط، أوْ فيها وفي الحدود إذا كان فيها مثلُ ما ذكرنا من التقليد، والله أعلم: قال: الرابع أن التعزير قد يسقط إن قلنا بوجوبه. قال إمام الحرمَيْن: إذا كان الجاني من الصبيان أوْ المكلفين حِين جنى جناية حقيرة، العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردْعا، والعظيمة التي تؤثر فيه لا تَصلُح لهذه الجناية، سَقط تادبيه مطلقا، العظيمة لعدم موجبها، والحقيرة لعدم تاثيرها. الخامس من الفروق: أن التعزير يسقط بالتوبة بلا خلاف، والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح، إلا الحرابة، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. (٢٠)

стр. 809

قال شهاب الدين ﵀: هنا سؤال وهو: مَفْسدة الكفر أعظم المفاسد، والحرابة أعظم المفاسد، وهاتان المفْسدَتان العظمتان تَسْقطان بالتوبة، والمؤثر في سقوط الأعلى أوْلى أن يؤثر في سقوط الأدْنَى، وهو سؤال قوي يقَوِّي قولَ من يقول بسقوط الحدود بالتوبة، قياسا على هذا المُجمع عليه بطريق الأولى. وجوابه من جوه: أحدُها أن ذلك كان ترغيبا في الاسلام (٢١)، وثانيها أن الكُفْر يقع لِشُبُهَات (٢٢) فيكون فيه عذر عادي، ولا يُؤثِرُ أحدٌ أن يكفر لهواه، ولا يزني أحدٌ إلا لهواه، فناسب التغليظ. وثالثها أن الكفر لا يتكرر غالبا، وجنايات الحدود تتكرر غالبا، فلو أسقطاها بالتوبة لتجرأ الناس عليها أكثر. وأما الحِرَابة فلأنا لا نسقطها إلا إذا لم نتحقق المفسدة بالقتل وأخذِ المال، أمَّا متى قَتَلَ قُتِل (٢٣)، وإذا أخذ المال وجَبَ الغُرْم وسقط الحَدُّ، لأنه حدٌّ فيه تخير، بخلاف غيره فإنه محَتَمٌ، والمُحَتَم آكدُ من المخيّر فيه. السادس من الفروق أن التعزير يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه، والحدُّ ليس كذلك. السابع أن التَّعْزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فَرُبَّ تعزيز في بلد يكون إكراما في آخر، كقطع الطيلسان (٢٤) إكرامٌ في الشام، وتعزيزٌ بمصر.

стр. 810

الثامن أن التعزير يتنوع إلى حق الله وإلى حق العبد (٢٥)، والحدودُ كلها حق لله إلا القذف، ففيه خلاف. (٢٦). ولنذْكُرْ هاهُنا أن قتال البُغاة وقتْلَهم، إنما هو زجْرٌ لاحَدٌّ. (٢٧) والبغاة هم الذين يَخرجون على الإِمام ييغون ضَلْعَه أو منع الدخول في طاعته، أومنع حق واجب، بتأويل في ذلك كله، وبه قال الأئمة، وما في اشتراط التاويل خلاف، (٢٨) وبه يمتازون عن المحارِبين. (٢٩). قال شهاب الدين: ويَفْتَرق قتالهم من قتال المشركين بأحَدَ عشر وجْها: أن يُقصد بالقتال ردْعُهم لا قتْلُهُم، ونكُفُّ عن مُدبرهم، ولا يُجْهَزُ على جَريحهم، ولا تُقْتَل أسْراهم، ولا تُغْنَمُ أموالُهم، ولا تُسْبَى ذَراريهم، ولا يُستعان على
следующие страницы →