← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

فجلده مائةً أخرى، ثم جلده بعد ذلك مائة أخرى، ولم يخالفه أحدٌ، فكان ذلك إجماعا، وأيضاً، فالأصل مساواة العقوبات للجنايات. إحتجوا بما في الصحِيحَيْن أن رسول الله ﷺ قال: "لا تجلِدوا فوق عشْر جلدات في غَيْر حدٍّ من حدود الله". أجاب أصحابنا في هذا بأن قالوا: لا يصح أن يكون دليلا على مذهبهم، فإنهم يروْن بالزيادة على العَشْر. وأيضا فلأنه محمول على طباع السلف، ثم حدثت أشياء، فأحدث عمر لهم ما يليق بهم، لا أنه نسْخ، بل تَغَيَّرَ السبب بتغير حكمه، وهذا هو معني قول عمر بن عبد العزيز: "تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور". ولا نسخَ وَرَدَ، إذ لا يصحُّ. الثاني من الفروق أن الحدود واجبة الِإقامة على الأئمة، واختلفوا في التعازير. فالشافعي يقول: لا تجب عليه، ومالك يقول: لا تَجِبُ عليه إلا أن يكون حقا لله فَتَجبُ إقامتُه كالحدود، ومثلُ هذا قول أبي حنيفة. إحتج الشافعي بقضية الزبير مع الرجل الذي قال للنبي ﷺ : "أن كَانَ ابنَ عمتك"، (١٨) فإنه تركَه النبي ﷺ . وأجابَ أصحابُنا بأنه ما تركه إلا لأنه كان حقاّ له، ولو كان حقاً لله لَأقَامَهُ.

стр. 807

الثالث من الفروق أن التعزير تأديب يتبع المفاسد، وقد لا يصحبها العصيان في كثير من الصور، كتأديب الصبيان والمجانين استصلاحا لهم مع عدم المعصية. قال شهاب الدين: وجاء في هذا الفرق فرع، وهُو أن الحنفي إذا شرب النبيذَ ولم يَسْكَر، قال مالك ﵀: أحُدُّه ولا أقبل شهادته، لأن تقليده

стр. 808

في هذه المسألة لأبي حنيفة لا يصِحُّ، ولمنافاتها للقياس الجلِيّ على الخمر، ومخالفةِ النصوص الصحيحة: "ما أسْكَرَ كثيرُهُ فقليلُه حرام". (١٩). وقال الشافعي ﵁: أحُده وأقْبَلُ شهادته. أما حدُّه فللمفسدة الحاصلة من التوسل لِإفساد العقل، وأما قَبول شهادته فإنه لم يَعْصِ، بناءً على صحة التقليد عنده، قال: والعقوباتُ تتبع المفاسد لا المعاصي، فَلَا تَنَافِيَ بينَ "عقوبته وقَبول شهادته. ويَيْطُل عليه قولُه من جهةِ أن هذا إنما هو في التعازير. أمّا الحدودُ المقدرة فَلمْ توجد في الشرع إلَّا في معصية، عملا بالاستقراء، فالحقَ مع مالك ﵁. قلت: هذه مصادره، فمحلُّ النزاع هو، هل هذا في التعزيرات فقط، أوْ فيها وفي الحدود إذا كان فيها مثلُ ما ذكرنا من التقليد، والله أعلم: قال: الرابع أن التعزير قد يسقط إن قلنا بوجوبه. قال إمام الحرمَيْن: إذا كان الجاني من الصبيان أوْ المكلفين حِين جنى جناية حقيرة، العقوبة الصالحة لها لا تؤثر فيه ردْعا، والعظيمة التي تؤثر فيه لا تَصلُح لهذه الجناية، سَقط تادبيه مطلقا، العظيمة لعدم موجبها، والحقيرة لعدم تاثيرها. الخامس من الفروق: أن التعزير يسقط بالتوبة بلا خلاف، والحدود لا تسقط بالتوبة على الصحيح، إلا الحرابة، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾. (٢٠)

стр. 809

قال شهاب الدين ﵀: هنا سؤال وهو: مَفْسدة الكفر أعظم المفاسد، والحرابة أعظم المفاسد، وهاتان المفْسدَتان العظمتان تَسْقطان بالتوبة، والمؤثر في سقوط الأعلى أوْلى أن يؤثر في سقوط الأدْنَى، وهو سؤال قوي يقَوِّي قولَ من يقول بسقوط الحدود بالتوبة، قياسا على هذا المُجمع عليه بطريق الأولى. وجوابه من جوه: أحدُها أن ذلك كان ترغيبا في الاسلام (٢١)، وثانيها أن الكُفْر يقع لِشُبُهَات (٢٢) فيكون فيه عذر عادي، ولا يُؤثِرُ أحدٌ أن يكفر لهواه، ولا يزني أحدٌ إلا لهواه، فناسب التغليظ. وثالثها أن الكفر لا يتكرر غالبا، وجنايات الحدود تتكرر غالبا، فلو أسقطاها بالتوبة لتجرأ الناس عليها أكثر. وأما الحِرَابة فلأنا لا نسقطها إلا إذا لم نتحقق المفسدة بالقتل وأخذِ المال، أمَّا متى قَتَلَ قُتِل (٢٣)، وإذا أخذ المال وجَبَ الغُرْم وسقط الحَدُّ، لأنه حدٌّ فيه تخير، بخلاف غيره فإنه محَتَمٌ، والمُحَتَم آكدُ من المخيّر فيه. السادس من الفروق أن التعزير يختلف باختلاف الفاعل والمفعول معه، والحدُّ ليس كذلك. السابع أن التَّعْزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فَرُبَّ تعزيز في بلد يكون إكراما في آخر، كقطع الطيلسان (٢٤) إكرامٌ في الشام، وتعزيزٌ بمصر.

стр. 810

الثامن أن التعزير يتنوع إلى حق الله وإلى حق العبد (٢٥)، والحدودُ كلها حق لله إلا القذف، ففيه خلاف. (٢٦). ولنذْكُرْ هاهُنا أن قتال البُغاة وقتْلَهم، إنما هو زجْرٌ لاحَدٌّ. (٢٧) والبغاة هم الذين يَخرجون على الإِمام ييغون ضَلْعَه أو منع الدخول في طاعته، أومنع حق واجب، بتأويل في ذلك كله، وبه قال الأئمة، وما في اشتراط التاويل خلاف، (٢٨) وبه يمتازون عن المحارِبين. (٢٩). قال شهاب الدين: ويَفْتَرق قتالهم من قتال المشركين بأحَدَ عشر وجْها: أن يُقصد بالقتال ردْعُهم لا قتْلُهُم، ونكُفُّ عن مُدبرهم، ولا يُجْهَزُ على جَريحهم، ولا تُقْتَل أسْراهم، ولا تُغْنَمُ أموالُهم، ولا تُسْبَى ذَراريهم، ولا يُستعان على

стр. 811

قتالهم بمشرك، ولا تُنصَبُ عليهم الرعادات، (٣٠) ولا تُحْرق عليهم المساكن، ولا يُقطع شجرهم. ويمتاز قتالهم عن قتال المحارِبين بأن المحارِبين يُقتَلون مدْبِرين، ويجوز تعمد قتلهم، ويطالَبون بما استهْلَكوا من دم أو مال في الحرب وغيرها، ويجوز حبس أسراهُم، لاستبراء حالهم، وما أخذوه من الخَراج والزكوات لا يسقط عمن كان عليه، كالغاصب. وذكر صاحب الجواهر في هذا الفرع قولا فقال: إن وَلَّى البغاة قاضيا، وأخذُوا الزكاة، وأقامُوا حداً، نفذ ذلك كُله، عند عَبْدِ الملك للضرورة مع التاويل، وردَّه ابن القاسم كله لعدم الولاية، وبقَوْل عبد الملك قال الشافعية. القاعدة الرابعة: في الفرق بين الحصانة لا تعود بالعدالة، والفسوقِ يعود بالجناية . (٣١) إعْلَمْ أن الانسان، إذا حُكم له بالفسوق ثم تاب، ذهب القضاء عليه بالفسق، فإذا جنَى بعد ذلك كبيرة عاد عليه اسمُ الفسق، ولو كان محْصَنا بعد مباشرة الزني ثم زني، ذهَب الإِحصان الذي هو شرط في حد القذف، فمن قذف من ليس بمحْصَنِ فلا حدَّ عليه، فإذا صار بعد الزني عَدْلاً لمْ تَعُدْ الحصانة بالعدالة كما عاد الفسق بالجناية. وقد وجِد الضدُّ بعْد الضدِ المنافي لحكمه ظاهرا

стр. 812

في الموضعين، (٣٢) فلِم كان الفرق؟ والقياسُ الجَليُّ، يوجب أن العِرْض إذا عاد مثلوما بمعاودة الجناية، أن يصير معصوما بمعاودة العدالة. وأيضا ففيه إشكال من حيث إن أذية المومن لا تحِل ولا تُتْرَكُ سُدىً، (٣٣) فلَمَّا لم يُترك عِرْض المحْصَن الذي لم يتقدم له زني، لصفة العدالة التي انطوى عليها فكذلك من كان على تلك الصفة في العدالة وقد تاب عن زنىً سَبَقه، فقال شهاب الدين: البحث ها هنا يظهر بقاعدتين: الأولى أن الله تعالى إذا نصَبَ سبباً لحكمه عِلَة للحكم، هل يجوز ترتيب الحكم على تلك الحكمة حيث وجِدَتْ، لأنها الأصل في اعتبار ذلك السبب، أو لا يجوز، لأن الله تعالى لم يَنْصِبْها سببا للحكم لعدم المناسبة؟ ألا تَرى أن خوف الزني سبَبُ وجوب الزواج، والزواج سببُ وجوبِ النفقة، ولا يناسِبُ أن يكون خوف الزني سبَبَ وجوب النفقة، ونظائره كثيرة، وَهذا هو الصحيح عند علمائنا. ولهذا يُقْطَع السارق لأجل أخذه للمال، ولا يُقْطعُ كلَّ من أخذ المال لغيره، ونَصَبَ الزني سببا للرجْم، لحكمةِ حِفظ الأنساب، لئلا تلتبس. فمن سعى في التباس الأنساب بغير الزني بأن يجمع الصبيان ويُغَيِّبهم صغارا، وياتي بهم كباراً فلا يعرفهم آباؤهم، فلا يجوز رجمُهُ لذلك، ولهذا البحث وقع الخلاف في اللبن

стр. 813

المستهْلَك هَلْ يؤثر تحْريما أم لا؟ (٣٤)، فمن علّل بالحكمة أوقع به الحِرمة، قاله مطرف من أصحابنا، وقال مالك في المدونة: لا تقع به الحِرمة، إعراضا عن التعليل بالحكمة، وقاله الشافعي وأبو حنيفة: . فمسألتنا، إنْ لاحَظْنا الحِكمة دون السبب حَسُنَ إعادةُ الحدّ، وإن اقتصرنا على حصول السبب فلا يجب الحدُّ، لأنه اشتِرط فيه الاحصان، وَهُوَ يتخفف بعدم مباشرة الزني، فإن النقيضين لا يَصْدُقان، (٣٥) وَالعدالة بعد ذلك لا تُنَافِي كونه مباشِراً.

стр. 814

ثمّ إن الحدود يغلب عليها التَّعَبُّد من جهة مقاديرها، وإن كانت معقولة المعتى من جهة أصولها. والتعبُّدُ لا يُجيز التصرف، فظهر أنه لا يلوم من الاستواء في الأذية الاستواءُ في الحدِّ، ولكن يعزَّرُ في حق الواحد، ويُحَدُّ في حق الآخر. القاعدة الثانية: قاعدةُ حمْل المطْلَق على المقيَّد، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية، فجاَت هذه مطْلَقَةً، وجآت ايةٌ أخرى مقيَّدةً، وهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾، (٣٦) ومن زَنَى ليس بغافل، فيُرَدُّ المطلق إلى المقيد. ومفهوم هذِه (الآية) المقيَّدة أن من لم يكُن غافلا لاحدّ على الانسان في قذفه، وإن كان التعزير يلحق. بسببه. (٣٧) وأمَّا عَوْد الفسوق بِعَوْدِ الجناية فإن الأمة مجمِعة على أن سبب الفسوق ملابَسة الكبيرة، أو الإِصرار على الصغيرة من غير قيْدٍ ولا شرْط، فحَيْث وُجد، وجبَ القضاء بالفسق من غير استثناء صورةٍ من صورة، عملا بطردِ العلة ووجُوبِ الموجِبِ.

стр. 815

القاعدة الخامسة: في القصاص (٣٨) إعْلَمْ أن القصاص أصلُهُ من الْقَص الذي هو المساواة، فهو شرط، إلَّا أن يؤدي إلى تعطيل القصاص قطعا أو غالبا، ولهُ مثُلٌ: أحدُها: التساوي في أجزاء الأعضاء، وسَمْكِ اللَّحم في الجاني، لو اشتُرط لما حَصَل إلا نادراً، بخلاف الجراحات في الجسد. وثانيها: تَسَاوي منافع الأعضاء وثالثها: العقول. الرابع: الحواس. الخامس: قتْلُ الجماعة بالواحِدِ، وقطحُ الأيَدي باليد، لو اشتُرِطَ الواحد لتساعَدَ الأعداء (٣٩) وسقط القِصاص. السادس: الحياة، كالشيخ الكبيرء الشاب، ومنْفوذِ المقاتل (٤٠) على الخلاف.

стр. 816

السابع تفاوت الصنائع والمهارة فيها، وهاهنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قَتْلُ الجماعة بالواحد إذا قتلوه عمدا، أو تعاونوا على قتله عمداً بالِحرابَةِ (٤١). وغيرها حتى يُقْتَل، عندنا الناطوَر (٤٢) وغيره، ووافقَنَا الشافعي وأبُو حنيفة في أحد المشهورْين من قوله من حيث الجملة أنه تقتَلُ الجماعة بالواحد. وعند أحمد وجماعة من التابعين والصحابة أن عليهم الدية، وعن الزهري وجماعة أنه يُقتَل منهم واحدٌ، وعلى الباقي حصصهم من الدية، لقوله تعالى:

стр. 817

"النفس بالنفس" (٤٣)، ولأن تفاوت الأوصاف كالحر والعبد يمنع من القصاص، فالعدَدُ أوْلي بالمنع. لنا إجماع الصحابة ﵃ أجمعين - على قتل عمر ﵁ سبعةً من أهل صنعاء برجُل واحد، وقال: "لو تمالَأ عليه أهل صنعاءَ لَقتلتهم"، وقَتَلَ عليٌّ ﵁ ثلاثة ولا يُعرَفُ له مخالِف في ذلك الوقت. المسألة الثانية: وافَقَنَا الشافعي وأحمد بن حنبل افي أنه لا يُقتلُ مسلم بذمى، وقال أبو حنيفة: يُقتل المُسْلِمُ بالذمى. لنا ما في البخاري: "لا يُقتَلُ مسلم بكافر". احتجوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾، (٤٤) وبقوله تعالى: "النفسُ بالنفس". وجوابنا أن دليلنا خاص ودليلهم عالم، فيقدَّم الحاص على العمومات ويخصَّصُ به، جمعاً بين الأدلة. المسألة الثالثة: خَالَفَنَا الشافعي وأبو حنيفة في قتل الممسك وقالا: يُقتل القاتلُ وحده. لنا ما تقدم من قضاء عمر وعلي، وقال عمر ﵁: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتُهُم، وأيضا فهو مقيس على المُمسك للصيْد المحرَّم، فإن عليه الجزاءَ. ولنَذكرْ ها هنا خصوصيةَ العينين (٤٥)

стр. 818

فكُلُّ اثنين في الجسد، فيهما دية واحدة كالأذنين وغيرهما إلا العينين، ففي عين الأعور الديةُ كاملةً. ووافقَنا أحمد. وقال الشافعي وأبو حنيفة: نِصف الدّية. لنا أن عمرَ وعثمان وعلياً وابنَ عمر ﵃ قضَوا بذلك من غير مخالف، فكان إجماعاً. الثاني أن الْعينَ الذاهبة يرجع ضوْؤها للعين الباقية، لأن مجْراهُمَا واحد كما شهد به علم التشريح، وكذلك الصحيح إذا أغمض احدى عينيه اتسع ثقب الأخرى بسبب ما اندفع لها من العين الأخرى، ولا يوجد ذلك في غيرهما. إحتجوا بقوله ﵇: "في العين خمسون من الإِبل"، ولأنه قال: "في العينين الدية"، (٤٦) وذلك يقتضي أن الدية كاملةً إنما تكون فيهما، ونحن نقول: ذلك محمول على العيْن غير العوراء. القاعدة السادسة: نقرْ الفرق بين المسكرات والمفسدات والمرقِّدات (٤٦ م)، فنقول: المتناوَلُ من هذه إما أن تَغِيب معه الحواس أوْ لَا، فإن غابت معه الحواس فهو المرَقِّدُ، وان لم تغب معه الحواس فلا يخلو، امَّا أن تَحْدُثَ معه نشوْة وسرور وقوةُ نفس أولا، فإن حدث ذلك فهو المسكِر، وإلَّا فهو المفسد.

стр. 819

والمُسكِر هو المغيِّبُ للعقل مع نشوة وسرور وقوة نفْس في الغالب، والمفْسِدُ هو المشَوش للعقل مع عدم السرور في الغالب، وهذا يُظهر أن الحشيشة مفسدة وليست بمسكِرة، لوجهين: أحدُهما أنها تثير الخلط السوداوي، فيكون لذلك عند أكلها سُبَاتٌ وصَمْتٌ وجَزَعٌ، وصاحبُ الدم يَحْدُث له سرور ونشوة، وهو بعيدٌ عن البكاء والصمت. (٤٧) الثاني أن شُرَّاب الخمر تكثُرُ عرابيدهم، (٤٨) وهذا لقُوّة نفوسهم، وأصحاب الحشيشة ليسَ لهم ذلك، بل لو سُلِبتْ ثيابهم ما تحركوا، قد لزموا الصَّمت والهدوء، فهو لهذا من المفسدات لا من المسكرات، فلا حدّ فيها، ولا تَبطُلُ الصلاة بها. وأقول: تنفرد المسكرات عن المفسدات بثلاثة أحكام: الحد، والتنجيس، وتحريم اليسير، والمرقِّدات والمفسدات لَاحدَّ فيها ولا نجاسة، ويجوز تناول اليسير منها.

стр. 820

قلت: ولنذكر مسائلَ تتعلق بها الحدود والبابُ الذي قبله، هي لائقة بهذا الكتاب مما يحتاج إلى إبداء الفارق فيها. (٤٩). المسألة الأولى: إذا أمضى الحاكم قضيةً ثم بان له أن الشهود عبيد لَزمه غرم ما أتلف، وإذا بان أنهم من غير أهل العدالة لم يكن عليه غُرْم، وفي كلا الموضعين تَبيَّن أن إمضاء الحكم بتلك الشهادة غير جائز، فلم كان الفرق؟ . فالجواب أن أمْر العدالة يخفى، وإنما يُتوصَّل إليه بالاجتهاد على ظاهر الأمْر، فإذا شهد عنده من رأى أنهُ من أهل العدالة فقد عمل ما لزمه من إمضاء الحاكم، والعبودية أمْرٌ ظاهرٌ لا يخفَى، فإذا حكم بشهادتهم فقد فرَّط، ولو اجتهد لبَانَ له ذلك، فلزمه الغرم لتفريطه. المسألة الثانية: إذا شهد شاهدان على رجُلٍ بعتق عبده فرُدَّت شهادتهما، فلا يجوز لواحدٍ منهما أن يملك العَبْد، فإن ملكَه عتَقَ عليه، واذا أعتق المفْلِس عبداً له، فَرَدَّ الغرماءُ عتقه، فإنه إن إشتراه مِن بَعْدُ لم يلزمه فيه عتق، والعتق من الجميع لم يمْضِ، فلِمَ كان الفرق؟ . فالجواب أن عتق المفلس قد بطل ببيع السلطان، وبعد حكمه لم يلزَمه عتق إن عاد إليه، لأنَّ العتق قد بطَل، والشهودُ لم يَيْطلْ العتقُ المشهودُ به عندهم، لأنهم يعتقدون أن ذلك العبْدَ قد صار حُرًّا، وأن تملَّكه لا يجوز، ويعتقدون أن الحاكم غلط في ذلك، وأشْهَبُ لم يفرق بين مسألة الشهود والمفلس، والقياسُ ما قاله ابن القاسم. المسألة الثالثة: إذا قال أحَدُ الخصمين: رضِيتُ بما شهِد علىَّ به فُلان وفلان، فما شهدا به فهو الحق، كان له أن يرجع عن ذلك بعد شهادتهما فلا يلزمه ما شهدا به، وإذا قال: رضِيت يمينَك , وخُذْ ما تَدَّعيه لم يكن له أن يرجع

стр. 821

عن ذلك، وقد لزمه الحق متَى حلفَ خصْمُه، وفي كِلا الموضعين فهو رِضاَ بما يكون من جهةِ الغَيْر، فلم كان الفرق؟ فالجواب أنه كان له الرجوع في الشهادة، لأنه يقول: إنما رضيت بشهادتهما، لأنني ظننت أنهما لا يشهدان إلا بالحق، وأمَّا بالباطل فلا أرضَى، فحجته بهذا صحيحة، وليْسَ كذلك في اليمين، لأنه لا يدعى هذا المعنى فيها، ولأنَّ اليمين لا يخلو أن تكون في جهة المدعى عليه أوْ المدعى، فإن كانت في جهة المدعَى عليه، فقال المدعى: أحْلف، كان ذلك نُكولا منه عن اليمين، فلم يكُنْ له الرجوع عن ذلك، لأنه بنكوله قد تزتبت اليمينُ في جهة خصمه، وإن كان اليمين في جهة المدعِى فيقول المدعَى عليه: إحلف، فقد نكل عن اليمين، فيكون كما قلنا في الذي قَبله، وليسَ رضاه بالشهادة نكولا منه عن شيء وجب عليه، فافترقا. المسألة الرابعة: إذا نِسى الحاكم قضية قضاها، فشهد عنده بذلك شاهدان، وجبَ عليه إمضاؤها، واذا شهِد شهود الفرع ونسي الشهادةَ شهودُ الأصل لم تُقبل شهادتهم، وفي كلا الموضعين فهو نقْلٌ عن الغير، فَلِمَ كان ذلك؟ فالجوابُ أن الشهادة على الْحُكْم شهادةٌ بحقٍ على الحاكم، وليست بنقل شهادتهم، وشهادة الفرع إنما يثبت حكمها بثبوت شهادة الأصل، لأنها نقْلٌ، والنقل مفتقر إِلى صحة المنقول عنه، فإذا نسي شاهدا الأصل الشهادة لم تُقبلْ شهادِةَ الفرْع. المسألة الخامسة: إذا نسى شاهدُ الأصل الشهادة لم تقبل شهادة الفرع، وإذا نسى المخبِر الخبرَ جاز لمن روى عنه أن يخبِر بذلك، وفي كلا الموضعين فهو نقل عن الغير. فالجواب أن شهادة الفرع إنما يثبت حكمها بثبوت شهادة الأصل، لأنها فرع له، وليس كذلك الخبرُ، لأن الراوي ليس بفرع للمروي عنه، فلم يفتَقر في ثبوتهِ إلى ثبوته، ولأنَّ المُخْبَرَ لما جاز له أن يُخبِر بذلك الخبر وإن كان المخبِر قد

стр. 822

نسيه، ولَمَّا لم يكن لشاهد الأصل أن يَشهد بتلك الشهادة وإن شهد بها عند شهود الفرع، لم يكُنْ لشهود الفرع أن يَّشْهَدوا بتلك الشهادة إذا نسيها شاهدا الأصل، ولأنه لمَّا لم يَجُزْ أن يشهد شاهدا الفرع مع وجود شاهديْ الأصل لم يَجُزْ أن يشهد حالَ نسيانه بتلك الشهادة، وَلمَّا جاز لِنَاقِلِ الخبر أن يرويه مع وجود راويه كان له أن يرويه مع نسيانه، والله أعلم. قلت: هذه الفروق كلها غيرُ بَيّنة، والظاهر أن الفرق هو من حيث إن الخبر خُفِّفَ في أمره من حيث إن متعلقه ليس بمشخَّص، والشهادة يشدَّد فها من حيث إن متعلَّقها شخص بعينه، فكانت التهمة في أحدِ البابيْن دون الآخَر، والله أعلم. المسألة السادسة: قال الفقهاء: يُحْكَمُ بأعدل البينتين فيما عدا النكاحَ، ولا يُحكَم بذلك في النكاح، فلِمَ كان ذلك؟ فالجواب أن النِكاح لا يصح فيه التداعي، إذْ المرأة لا يصح أن يملكها شخصان، وليس كذلك غير النكاح، لأنَّ التداعي يصِح فيه بصحة ملْكِ الشخص له، لِأنه لمَّا لمْ يجُز أن يَحكم فيه باليمين إذا عُدِمَتْ البينة، فيستحق كل واحد من المتداعيين بينهما من المَحْلوف عليه، المرأة لا تصحُّ قسمتها، فلم يُجْز لذلك أن يُحْكم فيه بأعدل البينّتيْن، وليس كذلك ما عداه، لأنه يحكم فيه بالأيمان عند عدم البينة، ولصحة وقوع القسم فيه، ولأن البُضْع لا يجوز أن يُقَرَّ على الشك، وفي الحكم بأعْدله البينتين إقرارٌ له على الشك. المسألة السابعة: إذا حلف على شْيء - ألَّا يفعلة (٥٠) - بالطلاقِ، فشهدت بينة بأنه قد فعله، (٥١) لزِمه الطلاق، ولوْ شهدتْ بينةٌ أنه فعل شيئاً مَّا،

стр. 823

فحلف عليه بالطلاق أنه ما فعله، لمْ يلزمه الطلاق، وفي كلا الموضعين، فالبَيِّنَة قدْ قامت على فعل ما حلف عليه. فالجواب أنَّه إذا حلف بالطلاق أنه لا يفعل شيئا فقد ترتبت اليمينُ عليه، فإذا قامت البينة بفعل ذلك الشيء توجَّه عليه الحكم باليمين المرتبة عليه، وليس كذلك إذا حلف بعد الشهادة أنه ما فَعَل مَا شهدا به، لأنه لم يترتب عليه حكمٌ قَبْلَ الشهادة، فحصل بذلك تكْذيبٌ لشهادتهم. المسألة الثامنة: قال مالك: إذا ارتضيا بأنْ حكَّما بينهما رجُلاً، لزمهما ما يَحكم به عليهما، ولم يكن لأحدهما الرجوع عنه، وإذا ارتضيا شهادة شاهدٍ لم يلزمهما ذلك وكان للمشهود عليه الرجوع، وفي الجميع فالحكم موجود. فالجواب أن إمضاء الشهادة إنما هو استدعاء لما يَعْلَمانِه (٥٢)، فإذا ادعيا خلاف ذلك كان لهما، ولمن ادعاه منهما الرجوع، لأنه يقول: لمْ يات بما أعْلَمُهُ، وليْس كذلك التحكيم، لأنه استدعاء لما لاْ يعلمانِه، فلم يكن فيه الرجوع، لأنه لا يصح أن يكون فيه تكذيب من المحكوم عليه، والله أعلم. المسألة التاسعة: قال مالك: إذا ادَّعى المرتهن تلَفَ الرَّهن وهو ممّا يغاب عليه لم يُقْبَل قولُهُ، ولزمه الغرم، وإذا ادَّعى المودَع تلَفَ الوديعة. كان القول قوله، وفي كلا الموضعين فالدعوى فيما يغاب عليه موجودةٌ. فالجواب أن المرتهن غير أمين، فلم يقَبل قوله فيما يغاب عليه، والمودَعَ مؤتمَن، فيُقبل قوله في التلَف، لأن الأصول مبينة على هذا، إن كان مؤتمنا قبِل قوله فيما يدَّعيه إلا أن يوجَد خلافه. وأيضا فإن الرَّهن إذا كانَ مما يغاب عليه حصل في ذمة المرتهِن، لأنه قبضه لحق نفسه، فلم يُقبَل قولُه في تلَفه، لأنه مدّعِ لبرآة ذمته، إذ هي في الأصل

стр. 824

مشغولة، والوديعة لم تتعلق بذمة المودَع، لأنه قبضها لمنفعة رب المال دون منفعة نفصه، فكان القول قوله في التَّلَف. المسألة العاشرة: قال مالك: إذا قَبَضَ المودَعُ عنده الوديعة ببينةٍ لم يُقبل قوله في ردها إلا ببينة، وإذا ادّعَى تلفها قُبِل قوله في ذلك، سواء كان قبضها ببينة أو بغير بينة، وفي كلا الموضعين هو مدَّع لإِخراجها عن يده. فالجواب أنه إذا قبضها بغير بينة قُبِل قوله في ردها، لأنه مؤتمن على الرد، وإذا قبضها ببينة لم يُقبل قوله في ردها، لأنه غيرُ مؤتمن على الرد، وفي التَّلف القول قول لأنه مؤتَمَنٌ عليها، والتَّلفُ لا يمكنه الإِشهاد عليه، ويُمْكِنُه ذلك في الرِّدِّ. المسألة الحادية عشرة: إذا أوصَى لرجُلٍ بحائطه، فأثمر النخل قبل موتِ الموصي، فإنه للموصِي. وكذلك إذا أوصَى بعتق الجارية فولَدَتْ قَبْل موته، فإن الولد للورثة، وإن وَلَدت بعد الموت كات تبعاً، والكلُّ وُجِدَ في الموصَى به. فالجواب أنَه قبل الموت جميع ذلك على مِلْك الموصي ثابث لم يَزُل عنه، لأنه له تغييرُ ذلك ونقلُهُ إلى غير من أوصَى له به، (٥٣) فكان له النماء الموجودُ قبل الموتِ، لأنه نماء شيء هو مِلْكُه، وبَعْدَ الموتِ فقد خرج ذلك عن مِلْكِه، وصار للموصَى له بِه، فكان النَّماءُ لِمن له المِلْكُ. المسألة الثانية عشرةَ: قال مالك: لَا يُقْبَلُ دفع الوصي مالَ اليتيم بلا إشهاد، ويُقْبَل قوله في النفقة، وفي الجميع هو مدَّعِ لإِخراج المال عن يده.

стр. 825

فالجواب أن النفقة لا يُمْكنه الإِشهاد علَيها، لأنه لو تكلَّف ذلك لضرَّ به الضررَ الشديدَ، قَقُبِل قوله فيها، والدفع يمُكنه الِإشهادُ عليه، فَلَمْ يكن فيه ضرورةٌ كالنفقة. المسألة الثالثةَ عشرة: إذا شهِد شاهد على قتل الخطأ أقسَمَ معَهُ واستحَقَّ الدِيَة، وإذا شهد شاهدٌ على إقراره بالقتْلِ لم يُقسِمْ معه، والكُلَّ شهادة على قتْلٍ. فالجوابُ أنه إذا أَقسَمَ مع الشاهد الواحد فذلك لأنه لوْث، (٥٤) واللوْث يُقبَلُ فيه الشاهد الواحد، وأمَّا الإِقرار فلا يُقبَل منه إلا اثنان كسائر الإِقرارات. المسألة الرابعة عشرة: إذا أقر العبد بالزني أو السرقة قُبِل إقراره وَحُدَّ، وإنْ أكذبه السيد، واذا أقر بدَيْن لِإنسان أو بغصْبٍ لم يُقبَلْ قوله إذا أكذبَهُ السيّد، والكل إقرار، فلم كان الفرق؟ . فالجواب أن إقرارَه بالسرقة والزني لا يلحقه فيه تهمة أن يكون أراد الاضرار بسيده، قَقُبِل إقرارُه، وليس كذلك الإِقرار بالدَّين، للتهمة فيه مع إنكار السيِّد. المسألة الخامسةَ عشرةَ: قال مالك: يقيم السيد على عبده حدّ الزني، بخلاف حدّ السرقة، والكُل حدّ لله تعالى، فلِمَ كان التفريق؟ ، فالجواب أنه يُتَّهَم في السرقة أن يُريد به التمثيل، وجَعَل السرقةَ علة لذلك، بخلاف حدّ الزني.

стр. 826

المسألة السادسه عشرة: إذا أقرَّ بقتل الخطأ ثم رجع عن إقراره قُبِل منه، وإذا أقرّ بقتل العَمْد لم يُقبَل منه، وفِى كِلَا الموضعيْن هو رجوعٌ عن إقرار. فالجواب أن المستحَقَّ بِقَتْل الخطأ الدِيةُ، وهي إنما تُستَحق على غير المُقِرِّ وهُم العَصَبَة، فإذا أقر بذلك كان إقراراً على غيره، فكان كالشهادة على الغير، فإذا رجع قُبِل منه، لأنه كالشاهد إذا رجع عن شهادته. وقتْلُ العمدِ، المستَحَقُّ فيه الْقَوَد، (القصاص)، والقود إنما يستحق على القاتِل، فالمُقِرُّ به مقِر على نفْسه، فلمْ يُقْبَل منه الرجوعُ عنه لذلك، إذْ الأصول مبْنيةْ على أنَّ من أقرَّ على نفسه بِحقٍ، فلا يُقبلُ منه الرجوع عنه، إلا أن يكون له وجْهٌ في ذلك. المسألة السابعةَ عشرَةَ: الواجب في شجاج (٥٥) العبد الأرْبع من قيمته بقَدْر ما في الحُرِّ من ديته، وفيما عداها من الجِراح ما نقَصَ من قيمته، وفي كِلَا الموضعين فهى جراح بِعَبْد. فالجواب أن هذه الجراح الأربع لمَّا كان فيها شيء مُسَمى في الحُرِّ وجَبَ أن يكون ذلك فيها في العبد، وأيضاً فإنا لو لم نعتَبر ذلك بالحُرِّ لَأدّى إلى هدرها،

стр. 827

لأنها تَبرأ وتزولُ حتى كأنْ لم تكن، وليس كذلك ما عداها من الجراح، لأنها لابدَّ ممَّا تؤثر تاثيرا مَّا (٥٦) المسألة الثامنة عشرَةَ: الواجبُ في عين الأعور الدية كاملة، والواجب في إحدى اليَدَيْن إذا كانت الأخْرى مقطوعة أو شَلَّاءَ (٥٧) نصف الدية. فلِمَ كان هذا؟ فالجواب أن المنفعة توجَدُ بإحدى العينين كوجودها بالجميع، فإذا أتلف عليه منفعتها كأنه أتلف منفعة كاملة توجد بالعينين، فوجبت الدية كاملة، لأن المنفعة كاملة، وليس كذلك في سائر ما بالبدن ممّا فيه شيآن. قلت: وقد تقدم وجْة آخرُ من الفرق في القاعدة الأخيرة، فانظره. المسألة التاسعة عشرة: إذا اختلف أولياء المقتول، فقال بعضهم: قُتل خطأ، وقال بعضهم: لا عِلْمَ لنا، كان لِمن ادَّعى قتل الخطأ أن يُقسِم، ويستحقّ نصيبَه من الدية، وإذا قال في العمد بعضهم: لا عِلْم لنا، لم يكن لمن ادعى القتلَ أن يحلف ويستحق الدَّم، وفي الموضعين، فالاختلافُ موجود.

стр. 828

فالجواب أن قتْل الخطأ أخْفَضُ رتبةً من قتل العمد، لأنَّ المستحَقّ به مالٌ، والمستحَقُّ بالعمد نفْس، فجاز في الخطأ ما لم يجُزْ في العمد. وأيضا فإن المستحًق، بقتل الخطأ الدية دون القَوَد، فكان لكل واحد من الأولياء أن يحلف، ويستحقَّ نصيبه من الدية، لأنه إنما يحلف على مال، فهو بمنزلة جماعة، لهم قِبَلَ إنسَانٍ دَيْنٌ، فتوجهت عليهم اليمين، فلِمَن لم يَنْكُلْ أن يحلف، ويستحقَّ نصيبَه، وليْسَ كذلك العمد لأن الواجب فيه القَود، وِالقودُ لا يُستحَقُّ إلا باجتماع الأولياء. وكان الشيخ الأبْهري يقول: القياسُ ألَّا يفرَّق بينهما. المسألة العشرون: قال مالك: إذا سَرَقَ من متاع أهْل الحرب فلا حدَّ عليه، وإذا وَطئ الحربية فعليه الحد، وفي كلا الموضعين فهُوَ انتفاع بمال الحرب. فالجواب أن أموال أهْل الحرب مباحة، فجاز الانتفاع بها، ولا حدَّ في سَرقتها، وليس كذلك الوطء، لأنه لا يَحِل إلا بنكاح أو مِلْكِ يمين، وإذا وطئ الحربيةَ قبل حصول أحَدِ هذين الوجهين فقد زني، وعليه الحَدُّ. المسألة الحادية والعشرون: قال مالك ﵀: إذا وطِئ أحَدُ الشريكين جارية بيْنَه وبيْن غيره فلا حدَّ عليه، وإذا سَرَقَ أحدُهُما من مال الشركة مما قَدْ أحرِزَ عنه فوق حقِه بثلائة دراهم قُطِع، وفي كلا الموضعين فهُوَ حدٌّ تجبُ إقامته، وله شُبْهَة في الماليْن. فالجواب أن الوطْء لا يتبعَّض، وله شبهة في الجارية، إذْ هو مالِك لبعضها، فدرأ عنه الحدَّ للشبهة، وليس كذلك السرقة، لأن الحدَّ يجب إذا وُجد القدارُ المحدود، وذلك موجود إذا سرقَ من مال الشركة فوق حقّه بثلاثة دراهم. فإن قيل: أليس قد قال مالك: إنه يُقطح إذا سرَق من المغنم، ولمْ يُرَاعِ أن يَسرق فوق حقه بثلائة دراهم في النصاب، فلِمَ رَاعاه ها هنا؟ . فالجواب أن حقه في المغْنَم غير معلوم، فلهذا لم يُراعِه، وليس كذلك في مال الشركة، لأن حقه معلوم، فلهذا راعاه، فافترقا.

стр. 829

المسألة الثانية والعشرون: إذا سرق زعفَراناً فصَبغ به ثوْبا، فإن ربَّه أحَقُّ بالثوب حتى يستوفي حق الزعفران. قال مالك: وإذا أخذ الثوبَ من الصَّبَّاغ قبل أجْرته فباعَهُ، فلا سبيل للصباغ إليه، وفي كلا الموضعين كلّ واحد منهما مستحق فيه الصَّبْغ. فالجواب أن السارق مُتَعَدٍّ في صبغه، غيرُ مأذونٍ له، فكان ربُّ الزعفران أحقَّ بالثوب حتى يأخذ منه حقه، وليس كذلك الصَّبَّاغ إذا دفع الثوب قبل أخذ الأجرة، لأنه قد سلَّطهُ وأذِن له في الانتفاع به، فلم يكن له إلى الثوب سبيل. المسألة الثالثة والعشرون: إذا أوصى لرجل بجارية، فوطئها قبل موت الموصِى، قال مالك: عليه الحدُّ، وإن وطئها بعد موته فلا حدَّ عليه، سواء كان له مالٌ مأمون أوْ لَمْ يكن، وفي كِلا الموضعين فقدْ وطئ من أوصِيَ له بها. فالجواب أن الوصية إنما يثبت حكمها بالموتِ، إذْ للموصِى أن يرجع فيها، فإذا وطئ قبل الموت فقد وطئ من لا شبهة له في ملكِه، وليس كذلك بَعْد الموت، بل الشبْهة قائمة، فلمْ يكُنْ عَلَيْه حدٌّ، وإن جَازَ ألَّا تكون له. المسألة الرابعة والعشرون: لا تجوز الكفالة في الحدود، وتجوز في سائر الحقوق، والكُلُّ كفالة بحَقٍّ على المكفول. فالجوابُ أن موضع الكفالة غيرُ الحدود، لأنها يجوز أخذها من الكَفيل، والحدودُ لا يجوز أخذها من الكفيل، وإنما تؤخذ مِمَّن وجَبَتْ عليه.

стр. 830

المسألة الخامسة والعشرون: لا ينتفى ولَد الحرَّة إلا بلعَانٍ، وينتفى ولدُ الأمَة بلا لعان، والفراشُ في الجميع موجُودٌ، (٥٨) فلِمَ كان هذا الفرق؟

стр. 831

فالجوابُ أن الحرَّة أعلى مرتبةً من الأمة، فكان حكمها خلاف حكم الأمة. المسألة السادسة والعشرون: إذا أتَتْ المملوكة بولدٍ لم يُلحَق بالسيد، إلا أن يُقِر بالوطء، وإذا أتت الزوجة بولدٍ لَحِقَ بالزوج وإن لم يقر بالوطء، وفي كلا الموضعين فالوطءُ مباح له. فالجواب أن الزوجة تصير بالعقدِ فراشا له، فلَحِق ولدُها، لثبوت الفراش، والأمةُ لا تصير فراشا إلا بإقرار السيد بالوطء، لأن المِلْك لا يوجب لها فراشا، إذ الِإنسان يَمْلك من لا يجوز له وطؤها، ولا يجوز له أن يتزوج من لا يجوز له وطْؤُهَا. (٥٩)

стр. 832

الفرائض ثلاث قواعد (١) القاعدة الأولى في تقرير ما ينتقل إلى الأقارب من الأحكام . (٢) رُوِي عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من مات عن حق فلورثته" (٣). وهذا اللفظ ليس على عمومه، بل من الحقوق ما ينتقل إلى الوارث، ومنها ما لا ينتقل، إذْ مِنْ حقِ الإِنسان أن يُلاعِن عند سبب اللعان، (٤) وأن يفئ بعْدَ

стр. 833

الإِيلاء، (٥) وأن يعُودَ بعد الظِهار، (٥ م) وأن يختار أرْبَعاً من أكثرَ إذا أسلم عليهن (٦)، ومن حقِّهِ ما فُوِّضَ إليه من الولايات والمناصِب. (٧) وجميع هذه الحقوق لا ينتقل إلى الوارث منها شيء وإن كانتْ ثابتة. والضابط لما ينتقل إليه ما كان متعلِّقا بالمال، أو يدْفع ضرراً عن الوارث في عِرضه أو يخفِّفَ ألَمَهُ. فَقَوْلي: يدفع ضرراً عن الوارث في عِرضه، أو يخَفِّفَ ألمه، هاتان الصورتان منْتقلتانِ للوارث، وهُما ليستا بماِل: حَدُّ القذف، وقصاص الأطراف والجراح والمنافع في الأعضاء، (٨)، وكان ذلك لأجْل شفاء الغليل للوارث بما دخل على عِرضه من قذْف موروثه أو الجناية عليه. وأمّا قصاص النفس فإنه غير موروث، إذ لم يكن للمورِث، وما يَثْبث إلَّا بعد موته، وهو فرع زهوق النفس، وما كان متعِلقا بنفس الموروث وعقله وشهواته لا ينتقل للوارث، وإنما يرثون المتعِلّق بالمال، وهذا لأن الورثة يرثون المال فيرثون ما

стр. 834

تعلَّق به تبَعاً له، ولا يرثون عقله ولا شهوته ولا نفسه، فلا يرثون ما يتعلق بذلك. (٩) فما يُورَث يورَث ما يتعلق به، وما لا يورث لا يورث ما يتعلق به. فينتقل للوارث خيارُ الشرط في البياعات، خلافا لأبى حنيفة وابنِ حنبل، وينتقل له خيار الشفعة عندنا، وخِيار التعْيين إذا اشترى موروثُهُ عَبْداً من عبدين على أن يعَيّن - باختياره - الذي يريده منهما، وخيارُ الوصية إذا مات الموصَى له بعد موت الموصى، وخيارُ الإِقالة والقَبول إذا أوجبَ البيع لزيد، فلوارثه خيار القَبول والرد، وخيارُ الهبة، وفيه خلاف، ومنع أبو حنيفة خيار الشفعة، وسلّم خيار الرد بالعيب، وخيار نقد في الصفة، (١٠) وحق القصاص وحقّ الرّهْن.

стр. 835

القاعدة الثانية في تقرير الفرق بين أسباب التوارث وأجزاء أسبابها العامة والخاصة . (١١). قال شهاب الدين: إنى رأيت كتب الفرائض، فلم يختلف منهم اثنان أن أسباب التوارث ثلاثة: نسَبٌ، وولاء، ونكاح، وهو في غاية الإِشكال، لأن المراد بالثلاثة: إمَّا الأسباب، وإمَّا أجزاء الأسباب، والكُلُّ غيرُ مستقيم. وبيان ذلك أنهم يجعلون أحد الأسباب القرابة، والأم لم ترث الثلث فِى حالة والسدسَ فِى أخرى بمطلق القرابة، وإلَّا لكان ذلك ثابتا للابن والبنت، لوجود القرابة بينهما، بل بخصوص كونها أمّاً مع مطلقِ القرابة، وكذلك البنت ترث النصف ليس بمطلَق القرابة، وإلَّا لثبتَ ذلك للجد أو الأختِ للأم، بل لخصوص كونها بنتاً مع مطلق القرابة، فحينئذ لكل واحد من الورثة سببٌ تامٌّ يخصه، تَرَكَّبَ من جُزْءيْن: من خصوص كونه بنتا أو غيره، وعموم القرَابة، وكذلك للزوج النصف، ليس بمطلق النكاح، وإلَّا لكان للزوجة النصف، لوجود مطلق النكاح فيها، بل

стр. 836

بخصوص كونه زوجاً مع عموم النكاح كما تقدم، فسببه مركَّبٌ، وكذلك الزوجة. (١٢) إذا ظهر ذلك، فإن أرادُوا حَصْر الأسباب التامةِ في ثلاثة فهي أكثر من عَشرة بالإِجماع، أو الناقصة التي هي أجزاء الأسْباب، فالخصوصات - كما رأيت - كثيرة، فلا يستقيم الحصْرُ مطلقا لا في التام ولا في الناقص، فتنبّه لهذا، فهو حسَن لم أر أحداً لخصَهُ ولا تَعَرَّضَ له. (١٣) وحينئذ أقول: إن أسباب القرابة وإن كثرت فنحن لا نريدها، ولا نريد الناقصة التي هي الخصوصات، بل الناقصةَ التي هي المشترَكات، وهي مطلق القرابة، ومطلق النكاح، ومطلق الولاء. (١٤).

стр. 837

والدليل على حصر التامة في هذه الثلاثة أن الأمر العام في جميع الأسباب التامة إما أن يمكن إبْطاله أوْ لا، فإنْ أمْكن إبطاله، فهو النكاح، لأنه يبطل الطلاق، وإنْ لم يمكن إبطاله فإما أن يقتضي التوارث من الجانبين غالبا وهو القرابة، أو لا يقتضي إلا من أحد الجانبين وهو الولاء، يرث الموْلى الأعْلى الأسفلَ، ولا يرث الأسفَلُ الأعلى. وقولنا: غالبا، احترازاً من العَمّة ونحوها، فإنها يرثها ابن أخيها ولا تَرثه. (١٥). القاعدة الثالثة في تقرير أسباب التوارث وشروطِهِ وموانعه . (١٦).

стр. 838

أما الشروط فهى ثلاثة: تقدُّمُ موتِ الموروث على الوارث، واستقرار حَيَاةِ الوارث بعده كالجنين، والعلمُ بالقرب والدرجة التي اجتمعا فيها، احترازا منْ موت رجل من مُضَرٍ أوْ من قريشِ، لا يُعلَم له قريب، فإن ميراثه لبيت المال، معَ أن كل قرشى ابنُ عَمّه، ولا ميراث لبيت المال مع ابن عَمٍّ، لكنه فات شرطهُ الذي هو العلم بدرجته منْه، فما من قُرَشىٍّ إلا ولَعَلَّ غَيْرَه أقربُ منه. (١٧). فهذه شروط لا يؤثر وجودُها إلا في نهوض الأسباب لترتب مسبَّباتها عليها، فيلزَم من عدمها العدمُ، ولا يَلزَم من وجودها من حيث هو وُجود ولا عدَمٌ، بل الوجود إن وقع فهو لوجود الأسباب لَا لَها، وإن وقع العدَم عند وجودِها فلعدم السبَبِ أو لوجود المانع (١٨). وأما الموانع فغالب الناس ذكروا أنها ثلائة: الكفر، والقتل، والرِّق. وزاد بعضهم الشكَّ، احترازا من أهل السفينة أو الرّدْم، واللعانَ، لأنه يمنع من إرث الأب والإِرث منه. والأسباب كما تقدم ثلاثة: نسبٌ، وولاءٌ، ونكاح. قلت: ولنذكر هنا مسائل متعلقة بالعتق نختم بها ما تقدم من الكتاب. المسألة الأولى: قال مالك: إذا أعتق العبد قبل أن يوقع شيئا من الطلاق

стр. 839

كمل له، وإذَا أوقع بعضَه وعتق بقى على حِسابِ العبد، والحرية قد وجدت في الجميع، فلمَ كان هذا؟ فالجواب أنه إذا أوقع بعضَه فقد ترتب عليه الحكم بالطلاق الذي هو طلاق عبد، فكان ما بقى على حكم ما تقدم. وليس كذلك إذا لم يوقع شيئا، لأنه لم يترتب عليه حكمٌ من جهة الطلاق، ألَا تَرى أن الحُرَّ إذا طلق زوجته دون الثلاث فتزوجتْ ثمّ عادتْ إليْه، فإنها تعودُ عنده على ما بقي من الطلاق، ولو طلقها ثلاثا لعَادتْ عنده على مِلْكٍ مستأنَف، لزوال حقه في الطلاق الأول. المسألة الثانية: قال مالك: إذا وُطئتْ المعتقَةُ قبل عِلمٍ بالعتق لم يُسقط ذلك خيارَها، وإذا وُطئتْ وقد عَلِمتْ بالعتق، وجَهِلَتْ أن لها الخيار سقَط خيارُها، فلم كان هذا الفرق؟ . فالجواب أنها تُعذَرُ بجهلها بالعتق، ولا تُعْذَر بجهلها أن الخيار لها، فإنها لا تقدِرُ أن تحترز من هذا الجهل، وتقْدِرُ أن تحترز من الآخَر بالتعلم. المسألة الثالثة: إذا عتقت الأمَةُ عَتَقَ ما في بطنِها، وإذا عَتَقَ الحملُ لم تَعتِق الأمَةُ بعتقه، فلم كان هذا الفرق؟ فالجواب أن الحرة لا يَصِح أن تَحمِل بمملوك، فلأجْل ذلك يعتق ما في بطنها بعتقها، والْأمَة يَصِحُّ أن تحمِل بحُرٍّ. وأيضا فالحمْل كالعضْو من أمّه، فيكون تابعا في الحرّية لأمِّهِ، وليسَتْ الأمُّ بعضاً منه، فلا تكون تابعة في الحرية. المسألة الرابعة: قال مالك: يجوز إجارة المدَبِّر ولا يجوز إجارة أمّ الوَلَد، والكُلُّ ممنُوعٌ من بيعه، موقوف نفوذُ عتقه على الموت، فلِمَ كان الفرق؟ فالجواب أن عتق أمّ الولد أقوى، والتدبِيرُ أخفَضُ رتبةً منه. ألَا تَرَى أن البطلان تَوَجَّه إليه دون أمّ الولد، ولأن عتق أمّ الوَلَد يَتَنَجَّز في الحياة، وإنما تبقى له المنفعة فقط، والمدَبِّر إنما يتم عتقه بالموت.

стр. 840

المسألة الخامسة: إذا باعَ أمَّ الولد فُسِخَ البيع، ورُدَّ الولد، وإن كان المشتري قد أعتقها، وإذا باع المدَبَرّ فَأعتقه المشتري نَفَذَ البيعُ على إحدى الروايات، وكِلاهما ممنوع من بيعه، فلم كان هذا؟ ، فالجواب أن ذلك لتأكّد حرية أمّ الولد وضَعْفِ حرية المدَبِّر. المسألة السادسة: إذا عجَّلَ عتق أمّ الولد على مالٍ تدفعُهُ إليه، فمات السيدُ قَبْل أن يقبضه منها، فعليها دفعه إلى الورثة، وإذا كاتَبَها على مالٍ فمات قبل أن تؤدّي الكتابَة سقَط ذلك وعتقتْ من رأس المال، وفي كلا الموضعين هي أمُّ ولَدٍ تَعْتِق بموته. فالجوابُ أنه إذا عجَّل عتقها بِعِوَضٍ في ذمتها فقد حصل العتق قبل موته، وحصلتْ (١٨ م) كاملة الحرية، ولم يستفد ذلك إلّا بذلك العوض، فلزمها دفعه إلى الورثة، لأنه كدَين للميتِ على غريمه، وليس كذلك إذا كاتبها، لأنها لم تعتِق في حياة السيد وإنما تعتق بالأداء، فإذا مات السيد قبْل الأداء مات وهي على مِلْكِه، فعتَقَتْ بموته. المسألة السابعة: إذا كاتَبَ عبْداً وله أمَةٌ حاملٌ منه لم يدْخُلْ الولَد في الكتابَة إلا أن يشترطه. وكذلك لو كان له ولدٌ منفصل من أمَّهِ، وإذا كانت أمةً وهي حامل، دخل الولد في الكتابة من غير شرط، وفي كلا الموضعين هو وَلدُ مُكَاتَبٍ. فالجواب أن ولد العبد منفصل منه، فلم يدخل معه في الكتابة إلا بالشرط، وليس كذلك الأمَةُ مع حملها، إذْ هو كعضوٍ منها. المسألة الثامنة: إذا عتَقَ العبدُ تبِعه ماله إلا أن يستثنيه السيدُ، وإذا بيعَ لم يتبعه ماله إلَّا أن يشترطه السيد المبتاع، والجميعُ انتقال مِلْكٍ إلى غير مالك، فلم يفتقر إلى تعيين المالك.

стр. 841

المسألة التاسعة: إذَا أعْتَق عبْداً في ظِهار كان الوَلَاءُ لهُ، وإذا أعتقه في زكاة ماله كان الولاء للمسلمين، والجميعُ حقّ لله. فالجواب أن العتق في الظِهار واجبٌ عليه وجوباً متعينا، فَحَصَلَ معْتقاً لمالِكه، والولاء تابع للعتق، والزكاة ليس العتقُ فيها متعينا، لأن العتْق في الزكاة إخراج جزء من المال، وذلك الجزء حقٌّ للمساكين. فإذا اشترى به عبْداً وأعتَقَهُ لم يكن الولاء له، لأن المال لغيره، فهو معتَق بمِلْك غيره. قلت: كيْفَ يصحُّ هذا والمساكين أحدُ الاجزاء الثمانية؟ ، وإنما يصح هذا الذي قاله هنا لو كان الحقُّ لهم بالأصالة، ثم ينصَرِفُ فيما عداهم بطريق العِوض عنهم والنيابة، وليس كذلك، ولكنه لَوْ اقتصَرَ في التعليل على أن يقال بالتعيين في الظهار، وبِعدم التعيين في الزكاة لَكفى، لكنه قد لا ينهض تاماّ، والله أعلَمُ. المسألة العاشرة: جَرُّ الولاء يكون بالجَدِّ دون الأخ، (١٩)، ولو اجتمع جَدٌّ وأخ كان الأخ أحقَّ بالولاء، فلم كان هذا؟ فالجواب أن طريق جَرِّ الوَلاءِ بالنَّسَب، والنسَبُ بالجد دون الأخِ، واستحقاقُ الولاء، طريقُة قوة التعصيب، والأخ أقوى تعصيبا من الجد، لأن تعصيب الأخ مستفادٌ من جهةِ البنوة، وتعصيب البنوة أقوى من تعصيب الأبُوّة. المسألة الحاديَةَ عشرة: إذا اجتمع جد وأخٌ كان الميراث يُستحق لأنه لا مدخل للرَّحم فيه. ولمَّا كان تعصيب الأخ أقوى من الجَدّ، لِدُنُوه بالبنوة كان أولى من الجد بالولاء.

стр. 842

المسألة الثانية عشرة: إذا اشترى زوجته وهي حامل منه كانت بذلك أمّ ولد، وإن كانت غير حامل منه لم تكن بذلك أمَّ ولد، (٢٠) وإنما كان ذلك من حيث إنها إنما تكون أمّ ولد من جهة الابن الذي في جوفها، فإن كانتْ حُرِّيةُ الابن من جهة الأب كانت بذلك أم ولد، وإن كانَتْ من جهة غيره لم تكن بذلك أمّ ولد. فإذا ثبت هذا فجارية ابنه (٢١) لمَّا اشتراها وهي حامل منه فالوَلد قد عتق على جدّه وَهو أبُو الأبِ، فلم تكنْ بذلك أمّ ولد، لأن العِتْقَ من غير جهةِ الْأبِ. المسألة الثالثة عشرة: قال مالك: لا يجوز وطء المكاتَبةِ، ويجوز وطء المدَبِّرة، والعتقُ في الجميع إلى أجل، فلِم كان ذلك؟ فالجواب أن المكاتَبة عاوَضت على نفسها لتمْلِك نفسها دون السيد، فلم يكن له وطؤها، والمدَبَّرَةُ لم تعاوِض على نفسها فكان له وطْؤها. ويصح أن يقال: إن المدبِّرة إنما جاز وطؤها لأنها لا تتعلق بوقتٍ تحرُمُ عنده، لأن عتقَها بعد موت السيد لا يوصَف بأنهُ حَرُمَ عليه شيء ولأجَل، لأن ذلك صفات الحيِّ، والمكاتَبَةُ عِتْقها متعلِق بوقتٍ يَحْرُمُ وطؤها بوجوده. المسألة الرابعة عشرة: إذأ أسْلَمَتْ أمُّ ولدِ الذمى، ثم أسلَمَ بعدها، كان أحقَّ بها، مَا لم يُحْكم ببيعها أو عتقها، على الخلاف، ويعود الولاء إليه، وإذا أسلمت جارية الذمى، فوطئها بعد الإسلام فحملتْ، ثم أسلم، كانت كالتى قبل الإِسلام، ولا يعودُ فيه الولاء، وكلتاهما أم ولد الذمي. فالجوابُ أنها إذا حملتْ قبل الإِسلام في الكفر، فقد ثبت له حرْمة الاستيلاد في حالةٍ يثبت له عليها الولاء فيها، فرجع إليه إذا أسلم، وليس كذلك إذا أوْلَدَها بعد الإِسلام، لأن الاستيلادَ حصل منها في حال لا يصح أن يثبت له عليها ولاء، فلذلك لم يثبتْ له عليها ولاء إذا أسْلَمَ.

стр. 843

المسألة الخامسة عشرةَ: إذا أعتقَ العبدُ عبداً له فأجاز السيد ذلك له، ثمَّ عَتَقَ العبدُ بعد ذلك، فلا يعود ولاء عبده الذي أعتقهُ وأجازه السيد إليه، وإذا أعتق المكاتَب عبداً فأجاز سيده العتق، ثمَّ عتَق المكاتَب، فإن ولاء العبد الذي أعتقه يَعُودُ إليه، والكُلُّ عتقٌ صارَ من عبْدٍ، وولاؤه عليه. فالجواب أن العبد لمَّا أعْتَقَ عبْدَهُ فعتقُهُ غير نافِذ، فَلمَّا أجازه فكأنه هو المعتِق للعبدِ، لأنهُ لو أراد انتزاع ماله كان له، فصارَ إنفاذُ ذلك منه انتزاعا للعبد، وعتقاً نفذ من جهته، فكان الولاء له، ولم يعد إلى المعتِق لأنه لم يصْدُرْ العتق منه، إذْ عِتْقُهُ له غير نافذ. والمكاتَب لما أعتق عبده، فأجازه السيد، فالعتق لم يصْدُرْ من جهة السيد، لأنه ليس له انتزاع مال المكاتَب، وإنما هو محجورٌ عليه حتى يوفى ما عليه، فإذا وفّى زال الحجْر عنه. المسألة السادسة عشرة: قال مالك: إذا دبَّر في مرضه جماعةَ عبيد في كلمة واحدة لم ييدأ أحدهم على صاحبه، وعتَقَ من كل واحد ثُلُثُهُ إذا لم يَكُنْ مَالٌ غَيْرُهُم، ولا يُقْرَع بينهم، وإذا أوْصى بعتق عبيد له أقرعَ بينهم ورَقَّ باقِيهِمْ، والكل عتْق لا ينفَّذُ إلا بعد الموت، فَلِم كان هذا؟ فالجواب أن التدبير ليس للمدبَّر إبطالُهُ ولا تغييرُهُ، فكان حكمُه أقوى من غيْره، والوصيَة بالعتقِ، لهُ إبطالُها وتغْيِيرُها، فكان حكْمُها أخْفَضَ من حكم التدبير، ولأن التدبير لا يدخله الِإقراع بوجْه والعتق يدخله. ألَّا تَرى أن المريضَ إذا اَعتَق عدَّة عبيده وليس له مالٌ غيرُهم فإنه يُقْرَع بينهم. المسألة السابعة عشرة: لا يجوز لسيد المدَبَّرِ أن يبيعه ممن يعتقه، ويجوز له أن يأخذ مالاً من رجُل ويُعَجّل بعتقه، والعِتق في الموضعين موجود مع العِوَض. فالجواب أن الْبيع في التدبير إنما لم يجُزْ لأنه قد ثبت للسيد عليه الولاء، ونقْلُ الوَلاءِ غيرُ جائز، وإذا أخذ مالاً من رجُلٍ وعجّل عتقه فهو لم ينقل الولاء، فجازَ.

стр. 844

المسألة الثامنة عشرة: قال مالك: يجوز للسفيه أن يوصى بالعتق، ولا يجوز له أن يَعْتِق بتْلاً، والكل عتقٌ. فالجواب أن السفيهَ إنَّما حُجِّر عليه لئَلا يضيع ماله ويبقى فقيرا لا مال له، وما خُشى منه يوجد في تبتيل العتق، ولا يوجد في الوصية بالعتق. المسألة التاسعة عشرة: إذا أعتقتْ المرأة ذاتُ الزوج عبدا هو أكثرُ من ثلث ماله فللزوج أن يَرُدَّ الجميع، وإذا أوصى الميتُ بأكثرَ من ثلثه فليس للورثة أن يَرُدوا إلا ما زاد على ثلثِهِ، وكِلاهما له التصرف في ماله. فالجواب أن الزوج إنما كان له الرَّدُّ في الكل، لأن المرأة قادرة على أخذ حقها من بعدُ، وهو الثلث، فجُعِلَ ذلك تأديبا لها، لترتدع عن إخراج فوق الثلث مما نفَذَ، وليس كذلك الورثةُ. المسألة العشرون: إذا اشترى بعضَ منْ يَعتِقُ عليه عتقَ عليه كلَّهُ إن كان موسِراً، وإذا ورِثَ بعضَه لم يكن عليه عتقه، فلم كان هذا الفرق؟ فالجواب أن في الشراء اختيارَ دخوله في مِلكه، فلزمه التكميل، لأنه بمنزلة من أعتق نصْفَ عبد بينه وبين شريك وهو مُوسِرٌ، وفي الميراث لم يُجبَرْ على ذلك، ففارقَه. والله تعالى أعلم، وبه التوفيق (٢٢). تمت قواعد الفرائض وما ناسبها بحمد الله تعالى، يتلوه إن شاءَ الله تعالى قواعد الجامع (٢٣).

стр. 845

الجامع (١) وفيه تسع وعشرون قاعدة
следующие страницы →