← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

المسألة التاسعة: إذَا أعْتَق عبْداً في ظِهار كان الوَلَاءُ لهُ، وإذا أعتقه في زكاة ماله كان الولاء للمسلمين، والجميعُ حقّ لله. فالجواب أن العتق في الظِهار واجبٌ عليه وجوباً متعينا، فَحَصَلَ معْتقاً لمالِكه، والولاء تابع للعتق، والزكاة ليس العتقُ فيها متعينا، لأن العتْق في الزكاة إخراج جزء من المال، وذلك الجزء حقٌّ للمساكين. فإذا اشترى به عبْداً وأعتَقَهُ لم يكن الولاء له، لأن المال لغيره، فهو معتَق بمِلْك غيره. قلت: كيْفَ يصحُّ هذا والمساكين أحدُ الاجزاء الثمانية؟ ، وإنما يصح هذا الذي قاله هنا لو كان الحقُّ لهم بالأصالة، ثم ينصَرِفُ فيما عداهم بطريق العِوض عنهم والنيابة، وليس كذلك، ولكنه لَوْ اقتصَرَ في التعليل على أن يقال بالتعيين في الظهار، وبِعدم التعيين في الزكاة لَكفى، لكنه قد لا ينهض تاماّ، والله أعلَمُ. المسألة العاشرة: جَرُّ الولاء يكون بالجَدِّ دون الأخ، (١٩)، ولو اجتمع جَدٌّ وأخ كان الأخ أحقَّ بالولاء، فلم كان هذا؟ فالجواب أن طريق جَرِّ الوَلاءِ بالنَّسَب، والنسَبُ بالجد دون الأخِ، واستحقاقُ الولاء، طريقُة قوة التعصيب، والأخ أقوى تعصيبا من الجد، لأن تعصيب الأخ مستفادٌ من جهةِ البنوة، وتعصيب البنوة أقوى من تعصيب الأبُوّة. المسألة الحاديَةَ عشرة: إذا اجتمع جد وأخٌ كان الميراث يُستحق لأنه لا مدخل للرَّحم فيه. ولمَّا كان تعصيب الأخ أقوى من الجَدّ، لِدُنُوه بالبنوة كان أولى من الجد بالولاء.

стр. 842

المسألة الثانية عشرة: إذا اشترى زوجته وهي حامل منه كانت بذلك أمّ ولد، وإن كانت غير حامل منه لم تكن بذلك أمَّ ولد، (٢٠) وإنما كان ذلك من حيث إنها إنما تكون أمّ ولد من جهة الابن الذي في جوفها، فإن كانتْ حُرِّيةُ الابن من جهة الأب كانت بذلك أم ولد، وإن كانَتْ من جهة غيره لم تكن بذلك أمّ ولد. فإذا ثبت هذا فجارية ابنه (٢١) لمَّا اشتراها وهي حامل منه فالوَلد قد عتق على جدّه وَهو أبُو الأبِ، فلم تكنْ بذلك أمّ ولد، لأن العِتْقَ من غير جهةِ الْأبِ. المسألة الثالثة عشرة: قال مالك: لا يجوز وطء المكاتَبةِ، ويجوز وطء المدَبِّرة، والعتقُ في الجميع إلى أجل، فلِم كان ذلك؟ فالجواب أن المكاتَبة عاوَضت على نفسها لتمْلِك نفسها دون السيد، فلم يكن له وطؤها، والمدَبَّرَةُ لم تعاوِض على نفسها فكان له وطْؤها. ويصح أن يقال: إن المدبِّرة إنما جاز وطؤها لأنها لا تتعلق بوقتٍ تحرُمُ عنده، لأن عتقَها بعد موت السيد لا يوصَف بأنهُ حَرُمَ عليه شيء ولأجَل، لأن ذلك صفات الحيِّ، والمكاتَبَةُ عِتْقها متعلِق بوقتٍ يَحْرُمُ وطؤها بوجوده. المسألة الرابعة عشرة: إذأ أسْلَمَتْ أمُّ ولدِ الذمى، ثم أسلَمَ بعدها، كان أحقَّ بها، مَا لم يُحْكم ببيعها أو عتقها، على الخلاف، ويعود الولاء إليه، وإذا أسلمت جارية الذمى، فوطئها بعد الإسلام فحملتْ، ثم أسلم، كانت كالتى قبل الإِسلام، ولا يعودُ فيه الولاء، وكلتاهما أم ولد الذمي. فالجوابُ أنها إذا حملتْ قبل الإِسلام في الكفر، فقد ثبت له حرْمة الاستيلاد في حالةٍ يثبت له عليها الولاء فيها، فرجع إليه إذا أسلم، وليس كذلك إذا أوْلَدَها بعد الإِسلام، لأن الاستيلادَ حصل منها في حال لا يصح أن يثبت له عليها ولاء، فلذلك لم يثبتْ له عليها ولاء إذا أسْلَمَ.

стр. 843

المسألة الخامسة عشرةَ: إذا أعتقَ العبدُ عبداً له فأجاز السيد ذلك له، ثمَّ عَتَقَ العبدُ بعد ذلك، فلا يعود ولاء عبده الذي أعتقهُ وأجازه السيد إليه، وإذا أعتق المكاتَب عبداً فأجاز سيده العتق، ثمَّ عتَق المكاتَب، فإن ولاء العبد الذي أعتقه يَعُودُ إليه، والكُلُّ عتقٌ صارَ من عبْدٍ، وولاؤه عليه. فالجواب أن العبد لمَّا أعْتَقَ عبْدَهُ فعتقُهُ غير نافِذ، فَلمَّا أجازه فكأنه هو المعتِق للعبدِ، لأنهُ لو أراد انتزاع ماله كان له، فصارَ إنفاذُ ذلك منه انتزاعا للعبد، وعتقاً نفذ من جهته، فكان الولاء له، ولم يعد إلى المعتِق لأنه لم يصْدُرْ العتق منه، إذْ عِتْقُهُ له غير نافذ. والمكاتَب لما أعتق عبده، فأجازه السيد، فالعتق لم يصْدُرْ من جهة السيد، لأنه ليس له انتزاع مال المكاتَب، وإنما هو محجورٌ عليه حتى يوفى ما عليه، فإذا وفّى زال الحجْر عنه. المسألة السادسة عشرة: قال مالك: إذا دبَّر في مرضه جماعةَ عبيد في كلمة واحدة لم ييدأ أحدهم على صاحبه، وعتَقَ من كل واحد ثُلُثُهُ إذا لم يَكُنْ مَالٌ غَيْرُهُم، ولا يُقْرَع بينهم، وإذا أوْصى بعتق عبيد له أقرعَ بينهم ورَقَّ باقِيهِمْ، والكل عتْق لا ينفَّذُ إلا بعد الموت، فَلِم كان هذا؟ فالجواب أن التدبير ليس للمدبَّر إبطالُهُ ولا تغييرُهُ، فكان حكمُه أقوى من غيْره، والوصيَة بالعتقِ، لهُ إبطالُها وتغْيِيرُها، فكان حكْمُها أخْفَضَ من حكم التدبير، ولأن التدبير لا يدخله الِإقراع بوجْه والعتق يدخله. ألَّا تَرى أن المريضَ إذا اَعتَق عدَّة عبيده وليس له مالٌ غيرُهم فإنه يُقْرَع بينهم. المسألة السابعة عشرة: لا يجوز لسيد المدَبَّرِ أن يبيعه ممن يعتقه، ويجوز له أن يأخذ مالاً من رجُل ويُعَجّل بعتقه، والعِتق في الموضعين موجود مع العِوَض. فالجواب أن الْبيع في التدبير إنما لم يجُزْ لأنه قد ثبت للسيد عليه الولاء، ونقْلُ الوَلاءِ غيرُ جائز، وإذا أخذ مالاً من رجُلٍ وعجّل عتقه فهو لم ينقل الولاء، فجازَ.

стр. 844

المسألة الثامنة عشرة: قال مالك: يجوز للسفيه أن يوصى بالعتق، ولا يجوز له أن يَعْتِق بتْلاً، والكل عتقٌ. فالجواب أن السفيهَ إنَّما حُجِّر عليه لئَلا يضيع ماله ويبقى فقيرا لا مال له، وما خُشى منه يوجد في تبتيل العتق، ولا يوجد في الوصية بالعتق. المسألة التاسعة عشرة: إذا أعتقتْ المرأة ذاتُ الزوج عبدا هو أكثرُ من ثلث ماله فللزوج أن يَرُدَّ الجميع، وإذا أوصى الميتُ بأكثرَ من ثلثه فليس للورثة أن يَرُدوا إلا ما زاد على ثلثِهِ، وكِلاهما له التصرف في ماله. فالجواب أن الزوج إنما كان له الرَّدُّ في الكل، لأن المرأة قادرة على أخذ حقها من بعدُ، وهو الثلث، فجُعِلَ ذلك تأديبا لها، لترتدع عن إخراج فوق الثلث مما نفَذَ، وليس كذلك الورثةُ. المسألة العشرون: إذا اشترى بعضَ منْ يَعتِقُ عليه عتقَ عليه كلَّهُ إن كان موسِراً، وإذا ورِثَ بعضَه لم يكن عليه عتقه، فلم كان هذا الفرق؟ فالجواب أن في الشراء اختيارَ دخوله في مِلكه، فلزمه التكميل، لأنه بمنزلة من أعتق نصْفَ عبد بينه وبين شريك وهو مُوسِرٌ، وفي الميراث لم يُجبَرْ على ذلك، ففارقَه. والله تعالى أعلم، وبه التوفيق (٢٢). تمت قواعد الفرائض وما ناسبها بحمد الله تعالى، يتلوه إن شاءَ الله تعالى قواعد الجامع (٢٣).

стр. 845

الجامع (١) وفيه تسع وعشرون قاعدة

стр. 846

القاعدة الأولى: في تقرير ما يحرم من البِدع ويُنْهَى عنها ممَّا ليس كذلك . (٢) قال شهاب الدين: إعْلَمْ أن الأصحاب - فيما رأيْتُ - متفقون على إنْكار البِدَع، نصَّ على ذلك ابن أبي زيد وغيرُهُ. والحَقُّ التفصيل، وأنها خمسة أقسام: قِسْم واجب، وهو ما تَنَاولَتْهُ (٣) قواعد الوجوب وأدلتُه من الشرع، كتدوين القرآن والشرائع إذا خيف عليها الضَّيَاعُ، فمِثْلُ هذا لا ينبغِي أن يُختلَفَ في وجوبِه.

стр. 847

الثاني محرَّم، وهو كل بدْعة تناولتْها قواعد التحريم وأدلتُه من الشريعة، كالمُكُوس (٤) والمُحْدَثاتِ من المظالم. القِسْم الثالث من البِدَع مندوبٌ إليه، وهو ما تناولتْهُ قواعدُ الندب أو أدلَّتُه، كصلاة التراويح (٥)، وإقامةِ صُوَر للأئمة والقُضَاةِ ووُلَاةِ الأمر، على خلاف ما كان عليه الصحابة. فقد جاء عُمَر الشامَ ووجدَ معاويةَ قد اتخذَ الحُجَّاب والمراكبَ النفيسة والثياب العالية، وسَلَك ما سلكه الملوك، فأنكر عليه عُمَرُ، فقال: إنَّا بأرض يحْتاج إلى هذا في سياسة الناس، فقال له عمر بعد ذلك: لا آمرُك ولا أنهَاك، أيْ أنتَ أعْرَفُ بحالك وحالِ هؤلاء الناس، فإن كان كذلك جاز وإلا فلا. القسم الرابع بِدع مكروهة، وهي ما تناولته أدلة الكراهة في الشريعة وقواعِدِها، كتخصيص الأيام الفاضلة أَو غيرها بنوع من العبادة، ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ نهى عن تخصيص يوم الجمعة بصيام، (٦) أو ليلة بقِيَام.

стр. 848

ومن هذا البابِ الزيادة في المندوبات المحدودات، كما ورد في التسبيح عقب الصلاة تسعا وتسعين (٧) فيفعل مائةً، ووردَ صاعٌ في زكاة الفطر، (٨)، فيزيد هو في هذا، وذلك استظهارٌ على الشارع، وقلةُ أدَب معه، بل شأنُ العظماءِ من أهل الدنيا إذا حدَّدوا شيئا أن يوقَفَ عنده، والخروج عنه قلة أدب، والزيادة في الواجب أشد في المنع، لأنه سبب لأن يُعتقَدَ أن الواجب الأصْلُ والمزيدُ عليه.

стр. 849

الحامس: البدع المباحة، وهي ما تناولته أدلة الإِباحة وقواعدُها من الشريعة كاتخاذ المناخِل للدقيق (٩)، لأن ليْن العيْش وإصلاحَه , من المباحات، فما يُوصِلُ إليه مباح. فالبِدعة إذا عُرِضَتْ على قواعد الشرع انقسمت إلى الأقسام الخمسة، وإن نُظِر إليها من حيث الجملة مع قطْع النظر عما يتقاضاها وأنها بدعة كُرِهَتْ، فإن الخيْرَ كلَّه في الاتِّباع والشرَّ في الابتداع، ولبعض السلف من أهل الأندلس: ثلاث لوْكُتِبْنَ في ظُفْرٍ لَوَسِعَهُنَّ، وفيهن خير الدنيا والآخرة: اتَّبع لا تبتدعْ، اتَّضع لا ترتفع، مَنْ ورِعَ لا يتَّسِعْ. (١٠)

стр. 850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 852

القاعدة الثانية: في الفرق بين ما هو من الدعاء كُفْرٌ وبين ما ليس بكفر . (١١) إعْلَمْ أن الدعاء الذي هو الطلب من الله تعالى، لهُ حكْمٌ باعتبار ذاته من حيث هو طلَبٌ من الله تعالى، وهو الندْبُ، (١٢) لخضوعه لرَبه وإظهارِ ذُله وافتقارِه

стр. 853

إليه سبحانه. ثم قد يَعْرِضُ له من مُتَعَلّقاته ما يُوجبه أوَ يُحَرِّمه، والمحرَّم قد ينتهى إلِى الكفْر وقد لا ينتهى إليه، والذي ينتهي إلى الكفر أربعةُ أقسام: الأول نَفْيُ ما دَلَّ السمعُ القاطع من الكتاب والسُّنَّة على ثبوته، وله أمثلة: الأول أن يقول: اللهمَّ لا تُعَذِّبْ من كَفَرَ بك، أو إغْفِرْ له. وقد دَلَّتْ القواطع على تعْذيب كل واحد ممّن مات كافراً بالله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١٣)، فيكون ذلك كُفْراً، لأنه طلبٌ لتكذيب الله تعالى ممَّا أخْبَرَ به، وطلبُ ذلك كفْرٌ، فهَذا الدُّعاء كُفْرٌ. الثاني أن يقول: اللَّهمّ لا تُخلّد فلانا الكافرَ في النار، وقد دلت الأدلة القاطعة على تخليده. الثالث أن يسأل الداعى اللهَ تعالى أن يُريحَهُ من التَّعب حتى يستريح من أهوال يوم القيامة، وقد أخبرَ اللهُ عن تعَب كلِّ أحدٍ من الثَّقَلَيْن، (١٤)، فيكون هذا الدُّعاء كفراً، لأنه طلبٌ لتكذيب الله تعالى في خبره. القسم الثاني أن يطلب الداعى من الله تعالى ثبوتَ ما دلَّ القاطع السمعي على نفيه، وله أمثلة: الأول أن يقول: اللهم خلِّد فلانا المسلمَ عَدُوِّي في النار ولَمْ يُرِدْ سُوءَ الخاتمة، وقد أخْبر اللهُ أنه لا يُخلِّد مؤمنا في النار، ولابُدَّ له من الجنة، فيكون مستلِزما للتكذيب، وذلك كفْرٌ.

стр. 854

الثاني أن يقول: اللهم أحْيِنِي أبداً حتى أسْلَمَ من سَكَرات الموت، والله أخبر بأن كل نفسِ ذائقةُ الموت. الثالث أن يقول: اللَّهُمَّ اجعل إبليس مُحِباً لي ناصحا ولبنى آدم أبدَ الدهِر حتى يَقِل الفساد، والله قد قال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ (١٥). قلت: لِقائل أن يقول: بل هذانِ القسمان من طلبِ ما لا فائدة في طلبه من حيث العلم بعدم حصول ذلك، ولا كفرَ يلزمُ منهما، ولازمٌ لهما أحدُ المعنيَيْنِ، وليس إلزامُ الكفْرِ بأولى من إِلزام الإِلزام الآخَر، بل إلزام ما قلناه أوْلى، استصحابا للإيمان المعلوم منه بأشياء كثيرة وبالصريح. القسم الثالث أن يطلب الداعي من الله تعالى نفْيَ ما دل القطع العقلي على ثبوته ممّا يُخِلّ بإجْلال الرُّبوبية، وله أمثلة: منها أن يسأل اللهَ سلبَ قدرته العظيمة حتى يأمَن المؤاخَذَة، (١٦). ومنها أن يَسأل اللهَ تعالى ارتفاع قضائه وقدَرِه. (١٧) القسْمُ الرابع أن يطلب من الله تعالى ثبوتَ ما دلَّ القاطع العمَلي على نفيه ممَّا يخِل بجلال الربوبية، ولهُ مُثُلٌ:

стр. 855

منها أن يَعْظُمَ شوق الداعي إلى ربه، يسأله أن يَحُلَّ في بعض مخلوقاته حتى يجتمع به. (١٨) ومنها أَن يسأل اللهَ تعالى أن يجعل له التصرف في العالم بما أراد. وقد وقع هذا لِجماعةٍ من جُهَّال الصوفية، ويقولون: فُلَانٌ أعْطِى كلمةَ كُنْ، ويَسألونَ أن يُعْطَوْا كَلِمة كُن، التي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١٩). وما يعلمون معْنى هذه الكلمة في كلام الله تعالى، ولا يعلمون ما معنى أعطاها إن صَحّ أنها أعطيتْ، (٢٠) ومُقتضى هذا طلبُ الشركة في المُلْكِ،

стр. 856

وهو كفْرٌ، والحلُوُل كفر. (٢١)

стр. 857

ومنها أن يسأل ربَّه أن يجعل بينه وبينهُ نَسَباً يكون له به الشرف على الخلائق. وقد قام البرهان القاطع على استحالةِ ذلك عليه، وطالبُ هذا قد طلب الاستيلاد، وَهو كفر. (٢٢) قلت: إلزامه الكفر للصوفية من حيث قولهم: "أعطِىَ فلانٌ كلمةَ كن"، غيرُ صحيح، فإن هذا الكلام يصدق على من خَرَق الله له العادة مرَّةً أو مرتين، بأن طلب من ربه شيئا، أوْهَمَّ بشيء يُتصَوَّر (٢٣) مطلوبه على وفْق مرادِه بغير تدريج بل دَفعةً, وهذا القدر صحيحٌ وجوده، ولا يلزم منه الشِّركة لله في المُلْك، ولا بأكثر من ذلك. قال شهاب الدين ﵀: وقد قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: إِن بناء الكنائس كفر إذا بناها مسلم، ويكون رِدّةً في حقه، لاستلزامِه إرادة الكفر (٢٣) , ولذلك أفتى بأنَّ المسلم إذا قتَل نبياً يعتقد صحة رسالته كان كافراً، لِإرادته إماتة شريعته، وإرادةُ إماتة الشريعة كفْرٌ (٢٤)

стр. 858

واعْلَمْ أن الجهل بما تؤدي إليه هذه الأدعية ليسَ عُذْراً للداعي عند الله تعالى، لأن القاعدة الشرعية دَلَّتْ على أن كُلَّ جهْل يمْكن المكلَّفَ رفْعُهُ، لا يكون حجة للجاهل، فإن الله تعالى بعث رسُله إلى خلقه برسائله، وأوْجَبَ عليهم كافةً أن يعْلَموها ثم يعمَلوا بها، فالعلم والعمل واجبان، فمَن ترك التعلم والعمل وبقي جاهلا فقد عصى معصيتين لتركه واجبْين، وإن علم ولم يَعْمَل فقد عصى معصية واحدةً، ومن علم وعمِل فقد نجا. نعَمْ، الجهل الذي لا يمكن المكلَّفَ رفْعُه بمقتضى العادة يكون عذْراً، كما لو تزوج أختَه يظنها أجنَبِيّةً، إذ لَوْ اشتُرِط اليقينُ في هذه الصورة وشبهِها لشَقّ ذلك على المكلَّفين، وأصْلُ هذا الفسادِ الداخل على الانسان في هذه الأدعية إنما هو الجهل. فاحذَرْ منه واحْرِص على العِلم، فهو النجاة، كما أن الجهل هو الهلاك. (٢٥) القاعدة الثالثة: في انقسام مَا ليس بكفر من الدَّعاءِ إلى مُحرَّم وغيرِ مُحرَّم . (٢٦) قال شهابُ الدين: وقد حَضرني من المحرَّم الذي ليس بكفر اثنا عشر قِسما، ثَبتَ الحصر فيها بالاستقراء، وما عداها ليس محرَّما بالاستقراء، فمن ظفِر بقِسْمٍ آخَر أضافه لهذه الأقسام، وأنا أمثل كلَّ قسْم بِمُثلِهِ اللائقة بِهِ.

стр. 859

القسم الأول أن يطلب الداعى من الله المستحيلات التي لا تُخِلُّ بجلال الربوبية، كأن يسأله أن يجعله في مكانين متباعدَين في زمن واحد، فهو سوء أدَبٍ مع الله، لأنه لا يُطلَبُ من الملوك إلّا ما يُعْلَم أنهُ في قدرتهم، ومن فعَل غير ذلك فقد عرَّضهم للعجز، (٢٧) وكأن يسأله الاستغناء في ذاته عن الأعْراض ليسْلَم طولَ عمْره من الألم والأسقام، وقد دَلَّتْ العقول على استحالة جميع ذلك. (٢٨)

стр. 860

فإذا كانت هذه الأمور مستحيلة في حقه عقْلا كان طلبها من الله سوءَ أدب، لأن ذلك يُعَدُّ فى العادة تلاعُبًا وضحكا على المطلوب منه، والله تعالى يجبُ له من الإجلال فوق ما يجب لخلقه، فما نافى إِجْلالَ خلقه أوْلى أن ينافي جلاله، تعالى عن كل نقص، (٢٩) بل قد عاب الله تعالى جميعَ خَلْقه بقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٣٠) أي ما عَظَّموه حق تعظيمه. وقال ﷺ : "لا أُحْصي ثناءً عليك أنت كما أثنيتَ على نَفْسك"، أي ثناؤك المستحَق ئناؤك على نفسك. (٣١). القسم الئاني من المحرَّم الذي لا يكون كفْراً، أن يسأل المستحيلات العاديةَ، إلا أن يكون نبيا، فإن الله يخرق العوائد لهم، كسؤال نزول المائدة من السماء، (٣٢) وخروج الناقة من الصخرة الصماء، (٣٣)، أو يكون ولياً، لهُ مع الله

стр. 861

عادةٌ بذلك، فلا يكون هذا سوء أدب من الفريقين , أو يكون يريد بسؤاله ذلك أن يجعله وليا، فلا يكون أيضا قلةَ أدب. (٣٤). ومثال المحرَّم أن يسأَلَ الله تعالى الاستغناءَ عن التنفس ليسلَم من الاختناق، والعادة دلتْ على استحالة ذلك. (٣٥) ومن ذلك أن يسأل الله العافية من المرض أبد الدهر لينتفع بقواه وحواسِّه أبد الدهر، وقد دلت العادة على استحالة ذلك. ومن ذلك أن يسأل اللهَ الولَد من غير جماع، والثمارَ من غير أشجار. ومن هذا اللهم أعطنا خيرَ الدنيا وخيرَ الآخرة، واصرِف عنا شر الدنيا وشر الآخرة، فهذا لا يجوز إلا أن يقصد به الخصوص، إذ لابُدَّ أن يدركه بعض الشر ولوْ سَكَراتُ الموت ووحشة القبر، وقِسْ على هذا نظائره. (٣٦) بل يجب على كل عاقلٍ أن يفهم عوائد الله تعالى في تصرفاته في خلقه، ورَبْطَ المسبَّباتِ بالأسباب في الدنيا والآخرة، مع إمكان صدورها عن قدرته بغير تلك الأسباب، فمن سأل غيرَ عادته في مملكته كان مسيئا الأدب عليه. (٣٧) ولذلك عاب العلماء وغلَّطوا

стр. 862

جماعة من العُبَّاد، حيث توسطوا القفارَ من غير زادٍ، وركبوا البحار في زمن الهول، طالبين من الله خرْقَ عوائده لهم في هذه الأحوال، وهم يعتقدون أنهم سائرون إلى الله تعالى بهذه الحالة من حيث تحقيق توكلهم عليه، وأن ما عدا هذه الحالة ينافي الاعتماد عليه، وهو غلطٌ. فقد دخل سيد المتوكلين محفوفا بالخيل والرجال والكَراع والسلاح، وكان مدَّخِراً لعياله قُوتَ سنة. (٣٨). وحقيقة التوكل أن يعلم المتوكل اعتماد القلب على الله تعالى فيما يطلبه من خير أو يكرهه من ضرِ، لأجل أنه المستولى بقدرته وإرادته على سائر الكائنات من غير مشارك له في ذلك. (٣٩) ومع ذلك فله عوائد في مُلْكه رَتَّبها بحكمته، فمقتضَى

стр. 863

شمول قدرته انقطاع القلب عن غيره، ومقتضَى عادته التماس فضله في عوائده، فيَحصُلُ الأدَبُ. (٤٠) وقد انقسمت الخلائق في هذا الباب ثلاثةَ أقسامْ: ١) قسم عاملوا الله بمقتضَى شمول القدرة فحصَّلوا على حقيقة التوكل، وأعرضوا عن الأسبابِ ففاتهم الأدب. وقسْمٌ لاحظوا الأسبابَ واستولتْ على قلوبهم فحجبَتْهُم عن الله تعالى، وهؤلاء فاتهُمْ التوكل والأدب، وفي هذا هلَكَ أكثر الخلائق. ٢) وقسمٌ عامَلُوا الله بمقتضى شمول القدرة وعوائده في مُلْكه، فهؤلاء جامعون بين التوكل والأدب، وهذا مَقام الأنبياء وخواصِّ العلماء والأصفياء. واعلم أن قليل الأدب خيرٌ من كثير من العمل، ولذلك هلك إبليس، وضاعَ عمله بقلة أدبِهِ. (٤١)

стр. 864

٣) القِسْم الثالث الذي ليس بكفْرٍ، وهو محَرّمٌ، أن يطلب الداعي من الله تعالى نفىَ أمْرٍ دَل السمع على نفيه، وهذا كأن ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. مع أن رسول الله ﷺ قال: "رُفع عن أمتِي الخطأ والنسْيَان" وما استُكرِهوا عليه"، فهو سوء أدبٍ مع الله تعالى لأنه طَلَبُ تحصيل الحاصل، وفيه استهزاءٌ. (٤٢).

стр. 865

فإن قيل: يَرِدُ عليك أن الله امتدَح قوماً بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٤٣) قلنا: إنما جاز لهم سؤال ما وعَدهم الله تعالى به، لأن حصوله لهم مشروط بالوفاة على الإِيمان، وهذا شرط مشكوك فيه، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط، فما طلَبوا معلومَ الحصولِ، (٤٤) بخلاف مسألتنا، فإنه عُلِمَ في الشريعة ترْكُ المؤاخَذَة بالخطأ والنسيان مُطْلقاً.

стр. 866

فإن قلتَ: فإذا جوزتَ ذلك بناءً على الجهالة بالشرط فجوِّزه ها هنا بناءً على الجهالة بالشرط، فإنّ رسول الله ﷺ لم يُخْبِرْ بذلك مطلقاً وإنما أخْبَرَ بالرفع عن أمته، وكون الدّاعي يموت وهو مِن أمته، مجهولٌ، فما طلَبَ إلَّا مجهولاً، بناء على التقدير المتقدِّم.

стр. 867

قلتُ: كونُه من الأمة ليس شرطا في هذا الرَّفع، ولا دلالةَ للخبَر على ذلك، وإنما هو من جهة المفهوم، ونحن نمنع كون المفهوم حجة، لاختلاف العلماء فيه، سلَّمْنا أنه حجة، لكنه مترُوكٌ هنا إجماعاً. وتقريرُه أن نقول: الكفارُ إمّا أن نقول: هم مخاطَبُون بفروع الشريعة أوْ لَا، فإن قلنا: ليْسُوا مخاطَبينَ فالرفع حاصل لهم في جميع الفروع: النسيانِ وغَيْرِه، فييْطُلُ المفهومُ، واستوَتْ الخلائق في الرَّفع حينئذ. وإن قلنا إنَّهم مخاطَبُون بالفروع فلا يكون قد شُرِع في حقّهم ما ليس سبباً في حقنا، بل كل ما هو سَبَبُ الوجوب في حقنا فهو سبب الوجوب في حقهم، وكذا الأمْر في جميع

стр. 868

الأحكام. (٤٥) فعَلَى هذا لا يكون خصوصُ الأمة شرْطا في الرفع، ولمْ يقل أحدٌ: إن الكفار في الفروع أشدُّ حالا من الأمّة، فظهرَ أن هذا المفهومَ باطل اتفاقا، فليس هنالك في النسيان والخطأ شرط مجهول، فيكون الشارع قد أخبر بالرفع فى هذه الأمور مطلقا، فيحْرُمُ الدعاء به. (٤٦) فإن قلتَ: إنَّ الله تعالى قد أخبَرَ عن قَوْم في الدار الآخرة أنهم يقولون إذا صُرِفتْ أبصارهم تلقاءَ أصحابِ النار: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. وهؤلاء ليسوا من أهل النار، لقوله تعالى: ﴿صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ﴾. (٤٧) وقد قامت الأدِلة على أن من يدخل الجنة أو يكون في الأعراف لا

стр. 869

يدخل النار، فهذا دعاءُ تحصيلِ الحاصل، ولم يذكره الله تعالى في بيان الذَّم لهم، مع أنهم سمعوا بتلك النصوص في الدنيا وعلِموا أن من سلِمَ من النار في أوَّل الأمر لا يدخلها بعد ذلك. قلت: (٤٧ م): قال المُفَسِّرون: هؤلَاءِ أصحاب الأعراف، وهُمْ على خوف من سوء العاقبة، وأحوالُ يومِ القيامة توجب الدهش عن المعلومات، فقد قيل للرُّسل ﵈: "ماذا أجِبتُمْ؟ قالوا: لا عِلْمَ لنا"، (٤٨) لاستيلاء الخوف من الله تعالى على قلوبهم، مع أن هؤلاء ليسوا مكلفّين، ولا ذمَّ إلَّا مع التكليف. (٤٩) قلت: هذا تكلّف بيِّنٌ، وقولٌ غريب بعيد عن المألوف في الشريعة. فمن البَيِّن أن هذا الدعاء أثبِت في كتابه العزيز لفوائدَ جمَّةٍ، ومنها أنْ يَدلَّ اللسان به ويُظْهِرَ به عبودية العبدِ لمولاه، فخيْرُ الدعاء ما جاء في القرآن، وهذا من جملته، وطلَبُ الحاصِلِ كثيرٌ مجيئُهُ لفوائد: منها: اللهم صل على محمد، وقد صلى الله عليه.

стр. 870

ومنها: "اللهمّ أعطه الوسيلة والدرجةَ الرفيعة، وابعثْه المَقامَ المحمود الذي وعدتَّهُ"، فتحريمه من حيث إن الاستهزاء فيه، لأنه طلب لتحصيل الحاصل، ممنوع، ويتقرر هذا المنع بأن لطلبه فوائد غير التحصيل، فسقط ما قاله، والله أعْلمُ. ثم القول بأنه حرام، لتحصيل الحاصل، ومن حيث الاستهزاء الذي يلزمه , نمنع أن الاستهزاء يلزمه، ونقول بأنه تحصيل الحاصل، وذلك لا يوجب عليه أن يكُون مُحَرَّماً. (٥٠) القسم الرابع: أن يسْألَ الداعى من الله تعالى ثبوتَ أمْرٍ دل السمعُ على ثبوته، كأن يقول: جعل الله لكَ موتَ من مات من أولادك حِجابا من النار. (٥١)

стр. 871

قلت: القولُ في هذا كالقول في الذي قبله حرْفاً بحرف. وما ذكره شهاب الدين من جواب على قوله: "وابْعَثْه المقَامَ المحمود"، لا يَصلُحُ أن يكون جوابا. القسم الخامس أن يطلب الداعى من الله تعالى نفْي ما دلَّ السمعُ الوارد بطريق الآحاد على ثبوته، وهذا كأنْ يقول: اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم، فقد دلَّتْ الآحاد على دخول طائفة من المسلمين النارَ. (٥٢). قال شهاب الدين: وهذا يخالفه (٥٣) ما عليه الناس في أدعيتهم من قولهم: اللهم اغفر لي ولجميع المسلمين، (٥٤)، فيقال: إنْ قصَدَ مغفرة الذنوب كلها فلا يجوز، وإن أراد لهم

стр. 872

المغفرةَ من حيث الجملة ولم يشركهم في جميع ما طلبه لنفسه جاز، وإن أراد. لنفسه المغفرة من حيث الجملة جاز أن يُشركهم أيضا فيها، لأنه يصح أن يغفِر له بعض الذنوب ويَدْخلَ النار ببعضِ آخر هو وغيره. (٥٥) قلت: هذا من التكلّف الذي لاخفاءَ به، ومِنْ أبْعدِ شيء في القول. ثم نقول: الدعاءُ شُرِعَ ليكون سببا لحصول المدعو به، وليَذِلَّ به الإنسان ويُظْهر به عبوديته ويطيع به ربه، فهذه فوائد غيرُ واحدة، فإذا لم يُتصوَّرْ فائدة واحدة تُصُورت الأخرى، فليس هو مما لا فائدة فيه بوجه، ويسقط هذا البحث الذي له في هذه الأقسام المتقدمة كلها، والله أعلم. (٥٦)

стр. 873

القسم السادس أن يطلب ثبوت أمر دل السمع الوارد بطريق الآحاد على نفيه، وهذا كأن يقول: اللهم اجعلني أوَّل داخلٍ الجنة، وكأن يقول: اللهم اجعلنى أول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة، وكأن يقول: اللهم اجعل الأغنياء يدخلون الجنة قبل الفقراء. (٥٧) قلت: الرَّد عليه في هذا كالرد عليه في الذي قبله. غيرَ أن طلب مثل هذا لا ينبغي، لعدم التأدُّب الذي فيه مع النبي ﷺ ، ولِاختياره مطلوبا غير مختار عند الله. القسم السابع. الدعاءُ المعلَّق على مشيئة الله تعالى، فلا يجوز أن يقول: اللهمَّ اغفر لي إنْ شئتَ، وهذا لاستشعاره عدمَ حاجةِ العبد إلى مولاه وَاستغنائه عنه، (٥٨) وفيه تحصيلُ الحاصل. (٥٩)

стр. 874

القسم الثامن، الدّعاءُ المعلَّق بشأن الله تعالى، وهذا كأن يقول: اللهم افعَلْ بي ما أنتَ أهْلُهُ في الدنيا والآخرة. وهذا الدعاء يعتقد جماعة من العقلاء أنه حسنٌ، وليس كذلك. وبيان ذلك أن الله سبحانه كما هو أهْلٌ للمغفرة في الذنوب هو أهلٌ للمؤاخَذَة عليها. ونسْبَة الأمرْين إلى جلاله تعالى نسبةٌ واحدة، فمن هلك من الخلق فبِعَدْله هلك، ومن نجا منهم فبفضله نجا، فالخلق بين فضله وعدله يتصرفون (٥٩ م)، فمن دعا بذلك فكأنه قال: إفعل معى الخير إن شئت، أو الشرَّ إن شئتَ، وهو معنى قوله ﵇: "لا يَقُلْ أحدُكُمْ: "اللهم اغفر لي إن شئتَ"، ولأن الدعاء على هذا التقدِير فيه إظهار الاستغناء وعدم الافتقار، (٦٠) إلا أن ينوي الداعى ما أنت له أهل من الخير الجزيل، (٦١) وإنما يستقيم هذا الدعاء، على رأي

стр. 875

المعتزلة الذين يقولون: إنه أهل للخير فقط، ولَا يُنسَب إلى شأنه إلا ذلك. (٦٢) قلت: العُرْف صيَّره إلى أن المراد به الخيرُ حتَّى إنه لا يحتاج إلى نية، ولهذا تجد الداعىَ أبدا يقول: اللهم افعل بي ما أنت أهْلُهُ ولا تفعل بي ما أنا أهْلُهُ، فهو يُريد الفضلَ والإحسانَ حيثُ قابلَه بما هو أهْل له من الإِساءة والنقص، فهو عامٌّ أريدَ به الخصوصُ. (٦٣) القسم التاسع الدعاءُ المحرَّم الذي ليس بكفرٍ، الدعاءُ المرتَّب على استئناف المشيئة، كأن يقول: اللهم قدّر لي الخير، والدعاءُ بوضعه اللغوي إنما يتناول المستقبَل دون الماضي لأنه طلبٌ، والطلبُ للماضي محالٌ، فيكون مقتضى هذا الدعاءِ أن يقع تقدير الله تعالى في المستقبل من الزمان، واللهُ يستحيل عليه استئناف التقدير، بل وقع جميعُه في الأزل. وهذا إنما يصح على مذهب من يرى أن

стр. 876

الأمْرَ أنُفٌ، (٦٤) وهو مذهب باطل. وكذلك أيضا: اللهمّ اقضِ، (٦٥) إذ معناهما واحدٌ. وأورد شهابُ الدين اعتراضاً على هذا القسم بما جاء في حديث الاستخارة حيث قال: "واقْدُرْ لي الخيرَ حيث كان"، فأجاب بأن المراد بهذا اللفظ تيسيرُه، والناطق بهذه الكلمة يريد بها معْنى التيسير، فيجوز له إطلاقها، فإن لم يَنْوِ ذلك فلا يجوز، لِمَا قُلْنا. (٦٦)

стр. 877

قلت: بل الأوْلى أن يقال: لَمَّا كان الداعي لا يعرف ما قدَّره الله، هل إثباتُ ذلك الشيءِ أو نفْيُهُ؟ طلبَ تقديره إن كان مرادَه، بمعنى إبرازِه للوجود، أوْ عدمَ تقديره إن كان لم يُرده، بمعنى أنه لا يبرزه للوجود. وصَحَّ هذا وإن كانت الأشياء كلها قد فَرغ الحق سبحانه منها، فعَلِم ما يقع ولا يتغير، وعَلِم ما لا يقع ولا يتغير أيضا، وليس فيه طلبُ تحصيل الحاصل، ولا طلبُ المحال من حيث غيبته (أيْ عَنْ الداعي) وعدمُ علمه بالمقضيّ. القسم العاشر الدعاءُ بالألفاظ العجمية، لجواز اشتمالها على ما ينافي جلال الله تعالى. ويدل على تحريمه قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. (٦٧)

стр. 878

قلت: الاستدلالُ بالآيةِ على ما ذُكِر ليس بظاهر، لأن المراد بالآية إنما هو لا تسألَنى قضيةً تظن أنها مصلحة، وظنُّك ليسَ بصائِبٍ، بل هي مفسدة. فنُوحٌ ﵇ توجهَ بلفظه وباطنه نحو قضية معلومة، وانتفى علمه عنها من حيث ما ذكرناه، إلّا أنه أتى بلفظ لم يَعْرف معناه. ثم هذا القسم العاشر، منه ما يكتبه الناس يوم الجمعة بعد العصر آخرَ جمعة من رمضان من الحفَظة التي فيها (لغسلمون)، وقد كَرِه كثير من الفضلاء كَتْبَهَا، لأجل تلك اللفظة العجمية كما قال شهاب الدين ها هنا ﵀. القسم الحادي عشر: الدعاء على من ليس بظالم، لأنه سعْيٌ في إضرارٍ غير مستحَقٍ، فيكون حراما كسائر المضَرَّاتِ والسَّعْي فيها. فإن قيل: اللهُ تعالى عالمٌ بأحوال العباد فيعلَم الظالم والمظلوم، فلا يجيب الدعاء في غير الظالم، قيل: بل يُؤثر الدعاءُ بإرادة الله تعالى وإن كان المدعو عليه غير ظالم، لذُنوب اقترفها من غير جهة الدّاعي، بل لوجوزنا برآته من الذنوب لجوزنا جواز الإِجابة فيه لرفع درجاته. (٦٨) وأما الدعاء على الظالم فجوزه مالك وجماعة من العلماء غيرِهِ، وإن كان الْأحسَنُ الصبر والعفو، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، (٦٩) ولقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٧٠). وإن زادهُ الإِحسانَ فذلك

стр. 879

أجلّ شيء في مكارم الأخلاق، لقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. (٧١) قال شهاب الدين: وينبغي أن يُنظَر لحال الظالم، فإن عُلِمَ منه أنه إذا عَلِمَ أنهُ لا يُدْعَى عليه يزيد طغيانا، فأظهِرْ له ما فيه صلاحُهُ إن كان على ما ذكرنا أو على الضدِ. (٧٢)

стр. 880

ثم إذا كان الدُّعاء عليه فلا يدْعَى عليه بمعصية ولا بكفْرٍ، فإن إرادة المعصية معصية، وإرادة الكفر كُفْر. (٧٣) قلت: هذا غيرُ مسلّم، لقول موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. (٧٤) القسم الثاني عشر: ما استفاد التحريمَ من مُتَعَلَّقِهِ، وهو المدعو بهم لكونه طلبا لوقوع المحرمات، كأن يقول: اللهم اسقِه خمراً أو أعِنْه على المَكْس أوْ وطْء الاجنبية الفلانية، أو يطلب ذإك لغيره، إمّا لعدوِّهِ وإمّا لصديقه، وجميع ذلك محَرَّم تحريم الوسائل. وُيروى: "من دعا لفاسقٍ بالبقاء فقد أحبّ أن يُعْصَى اللهُ تعالى، ومحبةُ معصية الله تعالى محرَّمة، ودلَّ ذلك على أن الدعاء المحرَّم محرَّم. (٧٥)
следующие страницы →