← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

الأمْرَ أنُفٌ، (٦٤) وهو مذهب باطل. وكذلك أيضا: اللهمّ اقضِ، (٦٥) إذ معناهما واحدٌ. وأورد شهابُ الدين اعتراضاً على هذا القسم بما جاء في حديث الاستخارة حيث قال: "واقْدُرْ لي الخيرَ حيث كان"، فأجاب بأن المراد بهذا اللفظ تيسيرُه، والناطق بهذه الكلمة يريد بها معْنى التيسير، فيجوز له إطلاقها، فإن لم يَنْوِ ذلك فلا يجوز، لِمَا قُلْنا. (٦٦)

стр. 877

قلت: بل الأوْلى أن يقال: لَمَّا كان الداعي لا يعرف ما قدَّره الله، هل إثباتُ ذلك الشيءِ أو نفْيُهُ؟ طلبَ تقديره إن كان مرادَه، بمعنى إبرازِه للوجود، أوْ عدمَ تقديره إن كان لم يُرده، بمعنى أنه لا يبرزه للوجود. وصَحَّ هذا وإن كانت الأشياء كلها قد فَرغ الحق سبحانه منها، فعَلِم ما يقع ولا يتغير، وعَلِم ما لا يقع ولا يتغير أيضا، وليس فيه طلبُ تحصيل الحاصل، ولا طلبُ المحال من حيث غيبته (أيْ عَنْ الداعي) وعدمُ علمه بالمقضيّ. القسم العاشر الدعاءُ بالألفاظ العجمية، لجواز اشتمالها على ما ينافي جلال الله تعالى. ويدل على تحريمه قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. (٦٧)

стр. 878

قلت: الاستدلالُ بالآيةِ على ما ذُكِر ليس بظاهر، لأن المراد بالآية إنما هو لا تسألَنى قضيةً تظن أنها مصلحة، وظنُّك ليسَ بصائِبٍ، بل هي مفسدة. فنُوحٌ ﵇ توجهَ بلفظه وباطنه نحو قضية معلومة، وانتفى علمه عنها من حيث ما ذكرناه، إلّا أنه أتى بلفظ لم يَعْرف معناه. ثم هذا القسم العاشر، منه ما يكتبه الناس يوم الجمعة بعد العصر آخرَ جمعة من رمضان من الحفَظة التي فيها (لغسلمون)، وقد كَرِه كثير من الفضلاء كَتْبَهَا، لأجل تلك اللفظة العجمية كما قال شهاب الدين ها هنا ﵀. القسم الحادي عشر: الدعاء على من ليس بظالم، لأنه سعْيٌ في إضرارٍ غير مستحَقٍ، فيكون حراما كسائر المضَرَّاتِ والسَّعْي فيها. فإن قيل: اللهُ تعالى عالمٌ بأحوال العباد فيعلَم الظالم والمظلوم، فلا يجيب الدعاء في غير الظالم، قيل: بل يُؤثر الدعاءُ بإرادة الله تعالى وإن كان المدعو عليه غير ظالم، لذُنوب اقترفها من غير جهة الدّاعي، بل لوجوزنا برآته من الذنوب لجوزنا جواز الإِجابة فيه لرفع درجاته. (٦٨) وأما الدعاء على الظالم فجوزه مالك وجماعة من العلماء غيرِهِ، وإن كان الْأحسَنُ الصبر والعفو، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾، (٦٩) ولقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٧٠). وإن زادهُ الإِحسانَ فذلك

стр. 879

أجلّ شيء في مكارم الأخلاق، لقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. (٧١) قال شهاب الدين: وينبغي أن يُنظَر لحال الظالم، فإن عُلِمَ منه أنه إذا عَلِمَ أنهُ لا يُدْعَى عليه يزيد طغيانا، فأظهِرْ له ما فيه صلاحُهُ إن كان على ما ذكرنا أو على الضدِ. (٧٢)

стр. 880

ثم إذا كان الدُّعاء عليه فلا يدْعَى عليه بمعصية ولا بكفْرٍ، فإن إرادة المعصية معصية، وإرادة الكفر كُفْر. (٧٣) قلت: هذا غيرُ مسلّم، لقول موسى ﵇: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. (٧٤) القسم الثاني عشر: ما استفاد التحريمَ من مُتَعَلَّقِهِ، وهو المدعو بهم لكونه طلبا لوقوع المحرمات، كأن يقول: اللهم اسقِه خمراً أو أعِنْه على المَكْس أوْ وطْء الاجنبية الفلانية، أو يطلب ذإك لغيره، إمّا لعدوِّهِ وإمّا لصديقه، وجميع ذلك محَرَّم تحريم الوسائل. وُيروى: "من دعا لفاسقٍ بالبقاء فقد أحبّ أن يُعْصَى اللهُ تعالى، ومحبةُ معصية الله تعالى محرَّمة، ودلَّ ذلك على أن الدعاء المحرَّم محرَّم. (٧٥)

стр. 881

قال شهاب الدين: فهذا ما حضرني بنِ الأدعية المنهيّ عنها، وما عداها ليس بمحَرّم، عَمَلا بالاستقراءِ، وهذه الأقسام قلّ أن تُوجد في الكتب. القاعدة الرابعة: في تمييز ما يُكْره من الدعاء مما ليس بمكروه . (٧٦). إعْلَمْ أن أصل الدعاء من حيث هو دعاءٌ، الندبُ. ويَعْرضُ له من جهة متعَلَّقه ما يقتضي التحرينم، وقد تقدَّم، وما يقتضي الكراهة، ولذلك أسباب خمسة: الأول الأماكن، كالدعاء في الكنائس والحَمَّامات ومواضع النجاسات والقاذورات، ومواضع اللهو واللعب والمعاصي والخالفات، وكذلك الأسواق الت ى يغلب فيها وقوع العقود الفاسدة والأيمان الحانثة، فكُرِه الدعاءُ فيها من أجل أن القُرْبَ إلى الله ينبغي أن يكون على أحسنِ الهيآت في أحْسن البقاع والأزمان. وقد دل على هذا المعنى نهيُهُ ﵇ عن الصلاة في المجزرة والمزبلة وقارِعَة الطريق. (٧٧) السبب الثاني الكراهة، للهيآت، كالدعاء مع النعاس وفرْطِ الشبِع ومدَافعة الأخبَثَيْن. (٧٨)

стр. 882

السبب الثالث كونُه سببا لتوقع فساد القلوب وحصول الكبرباء والخُيَلاء، كما كره مالك وجماعةٌ الدعاءَ لأئمة المساجد عَقِبَ الصلوات المكتوبات جهرا للحاضرين. ولهذا قال عمر ﵁ لمن طلب منه الإِذن في ذلك: أخاف عليك أن تبلغ الثُّرَيَا. السبب الرابع أن يكون مكروها، لأن متعلَّقه مكروه، كالدعاء بالإِعانة على اكتساب الرزق بالحجامة والعمل في الحمامات، وغيرِ ذلك ممَّا يُكره. الخامس عدمُ تَعيُّنِه قُرْبةً، بل يُطْلَقُ على سبيل العادة والاستراحة في الكلام كما يفعله السماسرة، (٧٩) إلا أن يغلب على ذلك اللفظِ استعمالُهُ في العرْف لغير

стр. 883

الدعاء فلا يُكرَه، ويصِيرُ مستعمَلا لغير الدعاء، وهذا كقوله ﵇: "تربَتْ يداكِ"، (٨٠) ولقوله: "والله يُغفرُ لك"، كما جاء في حديث جابر عند تبايُعَه في الجمل الذي اشتراه منه ﵇. وفي الحديث: "وهي كلمة كانوا يقولون". القاعدة الخامسة: في تمييز ما يجب تعلُّمُه من النجوم ممَّا لا يجب . (٨١) ظاهر كلام أَصحابنا أن التوجّه للكعبة لا يسوغ فيه التقليد مع القدرة على الاجتهاد، ونَصّوا على أن القادر على التعلّم يجب عليه التعلم. ومعْظَم أدلة

стр. 884

القبلة في الكواكب يجب تعلّم ما تُعْلَمُ به القِبلة، كالفرقدَيْن والجَدْي (٨٢) وما يجري مجراهما في معرفة القِبلة. وظاهر كلامهم أن تَعلّم هذا فرض عَيْنٍ على كل أحد. وقال صَاحب المقدّمات: يتَعَلّم من أحْكام النجوم ما يَستَدِل به على القِبلة وأجزاء الليل وما مضى منه وما يهتَدي به في ظلمات البَرّ والبحر، فيعَرِف مواضعها من الفلك، وأوقات طلوعها وغروبها، وهو مستحَبٌّ، لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. (٨٣)

стр. 885

يجوز التقليد في أوقات الصلوات إلا الزوالَ، لِأنه ضروري يُستغنَى فيه عن التقليد، ومن جهة أن معرفة الأوقات واجبة يكون ما تعرَفُ به الأوقات فرضَ كفاية، ويَكُونُ قؤاطنُ الاستحباب هو ماِ يُعِين على الأسفار ويُنجي من ظلمات البر والبحر. وقال صاحب المقدّمات: وأما ما يُفْضي إِلى معرفة نقصان الشهر ووقت رؤية الهلال فمكروه، لأنه لا يعتمَد عليه في الشرع، وهو اشتغال بما لا فائدة فيه: قال: وكذلك ما يُعْلَمُ به الكسوفات، (٨٤) لأنه لا يغني شيئا، ويُوهِم العامة

стр. 886

أنه يعلم الغيب بالحساب، فيُزْجَر عن الإِخبار بذلك ويؤدَّبُ عليه. (٨٤ م). وأما ما يُخْبِرُ به المنجم من الغيب كنزول الأمطار أو غيْر ذلك، فقيل: ذلك كفْرٌ، يُقْتَلُ بغير استتابة، لقوله ﵇: "أصبَحَ من عبادي" ... الحديث، (٨٥) وقيل: يستتاب، فإن تاب وإلّا قُتِل، قاله أشهب. وقيل: يُزْجَرُ عن

стр. 887

ذلك ويؤدَّب، وليس اختلافا في قول، بل هو اختلاف في حال، (٨٦). فإن قال بأن الكواكب مستقلة بالتاثير قُتل ولم يُستَتَبْ إن كان يسِره لأنه زنديق، وإن أظهره فهو مرتد، يستتاب. وإن اعتقَدَ أن الله تعالى هو الفاعل عندها زُجرَ عن الاعتقاد الكاذب، لأنه بدعة تُسقِط العدالة، فلا يحل للمسلِمِ تصديقُهُ. (٨٧) قال: والذي

стр. 888

ينبغي أن يُعتَقَدَ فِيمَا يُصيبُونَ فيه أن ذلك على وجه الغالب، لقوله ﵇: "إذا نشأتْ بحْرِيَّةٌ ثم تشآمت فتلك عينٌ غَدِيقة"، (٨٨) فهذا يبين ما يجب ويَحرُمُ مِن تَعَلَّمِ أحكامِ النجوم. القاعدة السادسة في تمييز الغيبَة التي لا تَحرُمُ من التي تحرم (٨٩)، فأقول أولاً: الغيبَةُ أن يُذكَر المرءُ بما يَكْره أن يسمعه، قاله ﵇، فقيل له: يا رسولَ الله، وإن كان حقاً، قال: "إن قلتَ باطلا فذلِك البتهان". (٩٠) وأعطانا

стр. 889

هذا أنه لا يكون ذلك غِيبة إلا إذا كان غائبا، لقوله أنْ يسمعه، فدَلّ على أنه ليس بحاضر. واستُثتى من الغِيبةِ ستُّ صُورٍ: الأولى النصيحة، لقوله ﵇ لفاطمة بنتِ قِيس: "أما معاويةُ فصعلوك لا مالَ له، وأمّا أبو جَهْم فهو لا يضعُ عصاهُ عن عاتقه. (٩١) ويُشترَط في هذا القسم أن تكون الحاجة الخاصة ماسة لذلك، وأن يقتصر الناصح من العيوب على ما يُخِل بتلْكَ الصلحة خاصة، التي حصلت المشاورة بها، أو التي يعتقد الناصح. أن المنصوح شَرع فها أو هو على عزم ذلك، فينصحه وإن لم يستشرْه، فإنَّ حفْظ مال الانسان وعرضه ودمِه عليك واجب، وإن لَمْ يَعرض لك بذلك. (٩١ م)

стр. 890

الثانية: الجرح والتعديل في الشهود عند الحكام، وأمّا عند غيْر الحكَّام فيحْرُمُ، وكذلك رُواة الحديث يجوز وضع الكتب في ذلك، والإخبارُ به. ويشترط في هذين القسمين أن تكون النية خالصة لله تعالى في نصيحة المسلمين وعند حكامهم وفي ضبط شرائعهم، وأمّا إذا كان للهوى فذلك حرام، وإن حصلت به المصالح عند الحكام وللرّواة. واشتُرِط أيضا في هذا القسم الاقتصارُ على القوادح المخلة بالشهادة أو الرواية، فلا يقول: هو ابن زِنىً، ولا غيرُ ذلك من المؤلمات التي لا تَعَلَّقَ لها بالشهادة والرواية. الثالثة: المُعْلِن بالفسوق كقول امرئ القيس: فمثلَكِ حُبْلى قد طرَقتُ ومرضعاً، (٩٢) ................. فلا يضر أن يحكى ذلك عنه، لأنه لا يتآلم إِذا سمعه، كذا من أعلن بالمَكْس، وهكذا كلّ من لا يتألم بمعصية.

стр. 891

الرابعة: أرْبَاب البدع والتصانيف المضِلة ينبغي أن يُشهَر في انناسِ فسادها وعيبها، وانهم على غير الصواب ليحذرها الضعفاءُ وينفرَ (٩٢ م) عن تلك المفاسد التي فيها، بشرط أن لا يتعدّى فيها الصدقَ ولا يفتري على أهلها من الفسوق ما لم يفعلوه، بل يقتصر على ما فيهم من المنفرات خاصة، فلا يقال عن المبتدع: إنه يشرب الخمر ولا إنه زنى، ولا غيرُ ذلك مما ليس فيه. ومن مات من أهل الضلال ولم يتْرُك شيعة ولا كتباً، وستَره الله يُسْتَرُ عليه فيتْرَكُ ذِكرُهُ، ولا يذكَرُ لهُ عيبٌ البتَّة. وقد قال ﵇: "لا تذْكُرُوا أمواتكم إلّا بخير". (٩٣). الخامسة: إذا كنتَ أنت والمغتابُ عنده قد سبق لكما العلم بالمغتاب فيه، فإن ذِكْرَه بعد ذلك لا يحُط قدْرَ المغتاب عند المغتاب عنده، لتقدم علمه بذلك. السادسة: الدعوى عند وُلَاة الامور، يجوز أن فلاناً أخذ مالي وغصَبَني إلى غير ذلك من القوادح، لضرورة دفع الظلم. قلت: نَقَصَه أن يكون معروفا بذكر اسم يُكْرَهُ، كالأعمش، والأعرج، ونقَصَه الاستعانة على تغيير المنكر. وحديثُ "لا غِيبةَ في فاسقٍ".

стр. 892

قال شهاب الدين: سألت عن جماعة من المحدثين فقالوا: لم يَصِحَّ. (٩٤) قلت والنميمة أيضا محرَّمة، (٩٥) وهي أن تنقل اليه عن غيره أنه يتعرض لأذاه. وحُرِّمَتْ، لقوله ﵇: "لا يدخل الجنة نمّام" (٩٦)، ولما فيها من البغضية بين الناس. ويُستثنى منها أيضا النصيحة، كأن يقول له: إن فلانا يقصد قتلك، فهو من النصيحة الواجبة. القاعدة السابعة: في الفرق بين الحسد والغبطة (٩٧)

стр. 893

فاعلم أنهما اشتركا في أنهما طَلبٌ من القلب، غيرَ أن الحسد تمنِّي زوال النعمة عن الغير، وحصولها للحاسد، والغِبْطَةُ تَمنِّي زَوالِهَا من غير طلبِ حصولها للحاسد. ثم الحسد حسدان: حسد تَمَنى زوال النعمة وحصولها للحاسد، وتمَنَّي زوالها من غير طلب حصولها للحاسد، وهو شرّ الحسَدين، لأنه طلب المفسدة الصِّرفة من غير معارض عادي طبعي (٩٨). ثم حكْمُ الحسد التحريمُ، وأمَّا الغِبطةُ فالاباحة. قلت: إلَّا ان يكون في خير فالندْبية، لقوله ﵇: "لا حسد إلّا في اثنتين: رجُلٍ أعطاه الله قرَانا فهو يقوم به ليلا ونهارا، ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفق منه سراً وجهاراً" (٩٩). وأدلة تحريم الحسد كثيرة، فمنها قوله ﵇. "لا تحاسدوا" (١٠٠)، والاجماع منعقد على ذلك. القاعدة الثامنة: في الفرق بين التكبر والتجمل بالملابس، وبين الكِبْر والعُجْب (١٠١).

стр. 894

إعلم أن الكِبْر بَطر الخقّ وغَمْطُ الناس، كذا قال ﷺ (١٠٢)، ثم يَحْسُنُ على أعداء الله إذا كان لله. ومعتى بطرْ الحق رَدُّه على قائله، وغمْطُ الناس احتقارهم. ويقوّي ما قلناه قولُهُ تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. (١٠٣). والكِبْرُ من الكبائر. يكفي في الدليل على ذلك قوله ﵇: "لا يدخل الجنةَ كن في قلبه مثقال ذَرّةٍ من كِبْر" (١٠٣ م).

стр. 895

ثم الكِبْرُ قد يكون واجبا على الكفار في الحرب وغيره (١٠٤)، وقد يكون مندوبا كالكبر على المبتدعين، وقد يكون حراما، والاباحة فيه بعيدة. وأمَّا التجمل بالملابس فهو من أفعال، لجوارح لا من دعل القلب، فينقسم إلى الأحكام الخمسة بحسب ما. قُصدَ له ذلك التزيين. ثم ما يقع به الفرق ايضا أن أصْل التجمل الإِباحة، لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ (١٠٥) حتى يوجد ما يدل على التحريم أو غيرِه، وأصل الكبر التحربم حتى يوجد ما يدل على خلاف ذلك.

стр. 896

وحيث علِمتَ الكِبرَ فاعلَم أن العُجْبَ (١٠٦) رؤية العبادة واستعظامُها، فلا تُفسد العبادة، لأنها تقع بعدها، بخلاف الرياء فإنه يقع معها فيفسدها. قلت: قد ذكر العلماء أن الرياء إذا طرأ بعد العمل بأن يتكلم بالعبادة الماضية ويتحدث بها رياءً يفسدها. قلت: قال أبو حامد في الكِبر: هو رؤية الانسان نفسَه فوق رؤية المتكبِّرَ عليه. قال: والعُجْبُ استعظام النعمة والركونُ إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم. قال شهاب الدين: الكِبْر راجع للخلْق (أي للمخلوق) والعباد، والعُجْبُ راجع للِعبادة ... قال شهاب الدين: ومن حيث كان العجب عملاً قلبيا ظهر الفرق بَيْنَهُ وبين التسميع فإنه عمل لساني، اممنهما اشترَكا في أَنهما يكونان بعد العبادة لا معها، بخلاف الرياء فإنه يكون مع العبادة. القاعدة التاسعة في تقرير المداهنة الجائزة وتمييزِها عن التي لا تجوز . (١٠٧)

стр. 897

معنى المداهنة معامله الناس بما يحبون من القول (١٠٨). واعْلَمْ أنها تختلف بحسب اختلاف الاحكام الخمسة، فقد تكون حراماً كشكْر الظلَمَةِ، لأنها وسيلة لتكثير الظلم، وقد تكون واجبا إذا توصل به لدفع ظلم حرّم أو محرمّات لا تندفع الا بذلك، وقد تكون مندوبا إن كانت وسيلة لمندوب، وقد تكون مكروهاً، إن كانت عن ضَعف لا لضرورة تتقاضاه، أو تكون وسيلة للوقوع في مكَروه، وقد تكون مباحاً، وذلك بأن يشكَر من يَتقي شرّه بأن يذكر ما فيه من الصفات الحسنة ويُعْرض عن مساوئه (١٠٨ م). القاعدة العاشرة: في تمييزِ المعصية التي هي كفر عن المعصية التي ليست كفْراً . إعْلَمْ أن النهي يَعتمد المفاسد كما أنَّ الأوامر تعتمد المصالح. فأعْلى رتب المفاسد الكُفْرُ، وأدناها الصغائر، والكبائرُ متوسطة بين المرتبتين (١٠٩).

стр. 898

أكثَرُ التباس الكفر بالكبائر، فأعلى رتبةِ الكبائر يليها أدنى رتبة في الكفر (١١٠). والكفرُ انتهاك خاص بحُرمة الربوبية، إمَّا بالجهل بوُجُود الله وصفاته العُلى، (١١١) وإمَّا بِفِعْلٍ، كرمي المصحف في القاذورات، والسجود للصنم، والتردد للكنائس في أعيادهم، وإمّا جحْدُ ما عُلِمَ من الدين بالضرورة. فقولنا: انتهاك خاص، احترازاً من الكبائر والصغائر، فإنها انتهاك وليست كفْرا، (١١٢) وسيأتي بيان هذا الخصوص إن شاء الله تعالىِ. وجحدُ ما عُلِمَ

стр. 899

من الدين بالضرورة كجحد الصلاة والصوم، أو جَحْدِ أنّ الله لم يُبحْ التّين والعنب. (١١٣) ثمّ الجهل بالله تسعة أقسام: أحدها لم نومَر بإزالته أصْلا ولا نُواخَذُ ببقائه، لأنه لازم لنا لا يمكن الانفكاك عنه، وهو جلال الله تعالى، وإليه الاشارة بقوله ﵇: "لَا أحْصى ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك"، (١١٤) وقوْلُ الصّديق ﵁: العجْز عن دَرك الإِدراك إدراكُ. (١١٥)

стр. 900

القسم الثاني أجْمع المسلمون على أنه كُفْر. قال القاضي عياض في كتاب الشفا: (نعقد الاجماع على تكفير من جحَدَ أن الله تعالى عالم أو متكلم وغيرُ ذلك من صفاته الذاتية، فإن، جَهِل الصّفة ولم ينفها كفَّره الطبري وغَيْرُهُ. وقيل: لا يكَفَّرُ، واليه رجع الأشعري. ويعَضَّده حديث السوداء لمّا قال لها رسول الله ﷺ أيْن ربّك؟ فقالت: فيِ السَّماء. (١١٥ م) قال شهاب الدين: فنَفي الصفات، والجزمُ بنفيها هو المجمع عليه، وليس معناه نفي العلمِ أو الكلام أو الِإدراك ونحو ذلك، بل العالم والمتكلم والمريد هو المجمع على كفره، وهذا هو مذهب جمع، كثير من الفلاسفة والدَّهرية دون أرباب الشرائع. (١١٦)

стр. 901

القسم الثالث اختُلِف في التكفير به وهُوَ مَن أثبتَ الأحكام بدون الصفات فقال: الله عالمٌ بغير علم، ومتكلم بغير كلام، ومُريدٌ بغير إرادة، وكذا في بقية الصفات، وهو مذهب المعتزلة، فللأشعري ولمالك والشافعي وأبي حنيفة والقاضي في تكفيرهم قولان. (١١٧) القسم الرابع اختلف أهلُ الحق فيه، هل هو جَهْلٌ تجب إزالته، أمْ هو حقٌّ لا تجبْ ازالته؟ فعلى القول الأول هو معصية، وما رأيت من يُكَفّر به، وذلك كالقِدم والبَقاء، هل يجب أن يعتقد أن اللهَ باق ببقاء وقديمٌ بقِدَم، ويعْصِي من لم يعتقد ذلك، أوْ يجب ألّا يعتقد ذلك، واعتقادُ خلافِ هذا جهْل، عكس المذهب الأول؟ والصحيح أن البقاء والقدم لا وجود لهما في الخارج، بخلاف العِلْم والإرادة وغيرهما من الصفات السبعة التي هي العلم والإرادة والقدرة والحياة والكلام والسمع والبصر. (١١٨) القسم الخامسُ جهْل يتعلق بمتعَلَّق الصفات لا بالصفات، كتعلق إرادة الله تعالى ببعض الأشياء دون بعض من الكائنات وهو مذهب المعتزلة.

стр. 902

والمذهب الحقُّ تَعلَّقُ إرادة الله تعالى بتخصيص جميع الكائنات، وفي تكفير المخالف لهذا قولان، الصحيح عدم تكفيرهم. (١١٩) القسم السادس جهْل يتعلق بالذات لا بصفة من الصفات الاعتراف بوجودها، كالجهل بسلب الجسمِيَّة والجِهة والمكان، وهو مذهب الحشوية. ومذهب أهل الحق استحالة جميع ذلك على الله تعالى. وفي تكفير الحشوية بذلك قولان، الصحيح عدَمُ التكفير. (١٢٠) وأما سَلْبُ البُنُوّة والأبوة والحلول والاتحاد ونحو ذلك مما هو مستحيل على الله تعالى من هذا القبيل، فأجمع المسلمون على تكفير من يجوز ذلك عليه تعالى، بخلاف تجوبز غيره من المستحيلات كالجهة ونحوها ممّا تقدَّم ذكرُه. والفرق بين القسمين أن القِسْم الأول الذي هو الجسمية ونحوها، فيه عذْر عادى، فإن الانسان ينشأ عُمُرَه وهو لا يُدرك موجوداً إلا في جهة وهو جِسْم أو قائم بجسم، فكان هذا عذْراً، بحلاف ما ذكرنا، فإنه رأى موجودات كثيرة لم تلِد ولم تولد، كالأفلاك والأملاك والارض والجبال والبحار، فلمّا انتفت الشبهة الموجِبة للضلال هنا انتفى العذر فكُفِّرَ هنا، بخلاف ما ذكِرَ من الجسمية وما أشبهها (١٢١).

стр. 903

القسم السابع: الجهل بقِدَم الصفات لا بوجودها وتَعَلّقها كقول الكَراميَّة بحدوث الارادة ونحوِها، وفي التكفير أيضا بذلك قولان، الصحيحُ عدم التكفير. (١٢٢) القسم الثامن: الجهل بما وقع أو يقع من متعلَّقات الصفات وهُوَ قسمان: أحدُهما كُفْرٌ إجماعا، وهو المراد هنا كالجهل بأن الله تعالى أراد بعثة الرسل وأرسَلَهُم لحلقه بالرسائل الربانية، وكالجهل ببعثة الخلائق يوم القيامة، وإحيائهم من قبورهم، وجزائهم على أعمالهم، على التفصيل الوارد في كتاب الله تعالى وسُنَّةِ رسولهِ، فالجهل بهذا كفْر اجماعا. (١٢٣) القسم الثامن: الجهل بما وقع من متعَلّقات الصفات وهو تعلقها بإيجاد مالا مصلحة فيه للخلق، هل يجوز هذا على الله تعالى أم لا؟

стр. 904

فأهل الحق يجوزون ويقولون: كل نعمةٍ منه فضلٌ، وكل نقمَةٍ منه عدل، ولا يُسَأل عَمَّا يَفْعَلُ. وفي تكفير المعتزلة بذلك قولان، والصحيح عدمُ تكْفيرهم. (١٢٤) وأمّا ما يتعلق بالجُرأة على الله تعالى فهو المجال الصعب في التحرور، وذلك أن الصغائر والكبائر وجميع المعاصي كلها جُرْأة على الله، لأن مخالفة أمر الملك العظيم جرأة عليه كيف كان، فتمييزُ ما هو منها كفْرٌ مبيح للدم صعْبٌ عسير. والطريق فيه أن يكثر النظر فيما قاله أهْل العِلم والفتوى. فما وجده قد صرح به اهل العلم والأئمة الذين يُقْتدَى جمهم، نَقَله في ذلك، كفراً أو غيْرَه، ومَا لَمْ يجدْ فيه شيئا وأشكل عليه أمْرُهُ توقَّف فيه ولا يفتي فيه بشيء. (١٢٥)

стр. 905

مسألة. اتفق الناسُ على كفر إبليس لقضيته مع آدم ﵇، وليس ذلك لكبيرة ولا لمخالفة الامر، وإلّا لزم أن يكون كل من اتصف بشيء من ذلك كافرا، بل لنسبة الله تعالى إلى الجَوْر. قال ذلك في قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾. (١٢٦) مسألة. أطلَق مالكٌ وجماعةٌ سِواه الكفرَ على الساحر، وأنْ السِّحْر كفْرٌ. (١٢٧) والصواب ألَّا يُقْضَى بهذا حتى يتبين معقولُ السحر، إذْ السحر يقال على معانٍ مختلفة.

стр. 906

ولْنَذْكر السحر ما هو فأقول: قال الإِمام فخر الدين الرَّازى قدّس الله روحه: استحداثُ الحوارق، إن كان لمجرد النفس فهو السحر، وان كان على سبيل الاستعانة بالفلكياتِ فذلك دعوة الكواكب، وإن كان على سبيل تخرج القُوى السماوية بالقوى الأرضية فذلك الطلْسمات، وإن كان ذلك على سبيل اعتبار النِسَبْ الرياضية فذلك الحِيل الهندسية، وان كان على سبيل الاستعانة بالأرواح الساذجة فذلك العزيمة، فهذا ما للامام. وقال شهاب الدين ﵀: السِحر يقع على حقائق مختلفة (١٢٨)، وهي: السيمياء، والهيميا، وخواص الحقائق من الحيواناتِ وغيرها، والطلسمات، والأوفاق، والرُّقَى، والعزائم، والاستخدامات. (١٢٩)

стр. 907

فالسيمياء عبارة عما تَركَّب من خواصَّ أرضية كدهن خاص، أو مائعات خاصة، أوْ كلمات خاصة توجب تخيلات خاصة، وإدراكَ الحواس الخمس أو بعضها الحقائق خاصةً من المأكولات والمشمومات والمبصَرات والملموسات والمسموعات. وقد يكون لذلك وجُود يخلقه الله اذ ذاك، وقد يكون لا حقيقة له بل هي تخيُّلاتٌ. والهيمياءُ (١٣٠)، امتيازها عن السيمياء بأن الآثار الصادرة عنها تضاف للآثار السماوية من الاتصالات الفلكية وغيرها من أحوال الأفلاك، فيَحْدُثُ جميع ماتقدم ذكره، فخصَّصوا الواحد بالسيمياء والآخرَ بالهيمياء من حيث هذا الاختلاف. والخواصُّ للحيوانات وغيرها، ذلك كثير: (١٣١) فذكروا أنه يوخذ سبعةُ أحجار ويُرْجم. بها كلْبٌ، شأنه إذا رُمي بحجر عضه، فإذا رُمي بسبعة أحجار وعضَّها كلها لُقِطتْ بعد ذلك وطُرحتْ في ماءٍ، فمن شرب منه ظهرت فيه آثار عجيبة خاصة نصَّ عليها السَّحَرة، (ونحو هذا النوع من الخواص المغَيِرة لأحوال النفوس)، فهذا يُنسَبُ للسحر، وليس ما يذكره الأطباء من الخواص للنباتات وغيرها من هذا القبيل. (١٣٢)

стр. 908

ولاشك في الخواص في هذا العالَم، فمنها ما يُعلَم كاختصاص الماء بالرى والنار بالإحراق، ومنها ما لا يُعلمُ مطلقا، ومنها ما يَعلَمه الأفراد من الناس كالحجر المكرئم وما يُصْنع منه الكيمياء ونحو ذلك، كما يقال: إن في الهند شجراً إذا عُمل منه دهن ودُهِن به انسان لا يقطع فيه الحديد، وفيه شجر آخَرُ، إذا استُخرِج منه دهن وشُرِبَ على صورة خاصة مذكورة عندهم في العمليات، استُغْنِي عن الغذاء أوْ أمِنَ من الامراض والأسقام، ولا يموتُ بشيء من ذلك، وطالت حياته أبدا حتى يأتي من يقتله، أمّا موته بالاسباب العادية فلا. (١٣٣)

стр. 909

وخواص النفوس لا شك فيها (١٣٤)، فليس كل أحدٍ يوذِي بالعين، والذين يوذون بها تختلف أحوالهم في ذلك، فمنهم من يعيد بالعين الطير من الهواء، ويُقْلِع الشجر العظيم من الثَّرَى، وآخَرُ إنما يصل للتمريض الضعيف اللطيف. ومن الناس من طبع على صحة الحَزْر (١٣٥) ولا يخطئ في الغالب، ثم نجد واحِداً له خاصة في علم الكشف، وآخرُ في الرمل، وَآخَرُ في النجْم. ومن خواص النفوس ما يقتُلُ. في الهند جماعة إذا ركبوا نفوسهم لقتل شخص مات، ثم إنْ شُقَّ صدره في الوقت لا يُوجَدْ، بل انتزعوه من صدره بالهمة والعزم وقرة النفس، ويجرِّبُون بالرُّمان فيجمعون عليه همتهم فلا توجدُ فيه حبة، وخواصُّ النفوس كثيرة. (١٣٦)

стр. 910

والطلسمات نفس أسماءٍ، خاصة، لها تعلّق بالافلاك والكواكب على رغم أهل هذا العلم في أجسام من المعادنِ وغيرها، فلا بدَّ في الطلسم مِنْ هذه الاسماءِ الخصوصة، وتعلقِها ببعض أجزاء الفلك، وجَعْلِها في جسم من الاجسمام. ولابد مع ذلك من قوة نفس صالحة لهذه الاعمال، فليس كل النفوس مجبولة على ذلك. (١٣٧)

стр. 911

والأوفاق ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعْلها على شكل مخصوص، وهذا كأن يكون شكل من تسع بيوت يبلغ العددُ في كل جهة خمسة عشر، وهو لتيسير العسير وإخراج المسجون ووضع الجنين وكل ما هو من هذا المعنى. وضابطه: (ب. ط. د) (ز. هـ. جـ)، (و. ا. ح). فكل حرف منها، له عدد، إذا جمع ثلاثة منها كان مثل عدد الثلاثة، فالباء باثنين، والطاء بتسعة، والدال بأربعة، صار الجميع خمسة عشر. وكذا تقول: الباء باثنين، والزاي بسبعة، والواو بستة، صار الجمبع خمسة عشر، وكذلكم القُطْرُ من الركن إلى الركن: الباء باثنين، والهاء بخمسة، والحاء بثمانية، الجميع خمسة عشر، وهذه صورته: وكان الغزالي ﵀ يعتني به كثيرا حتي إنه لينسَبُ إليه. (١٣٨) ب ط د ز هـ جـ وا حـ والرُّقَى ألفاظ خاصة يَحْدُثُ عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ الرقى على ما يُحدِث ضررا، بل ذلك يقال له السحر. وهذه الالفاظ (أيْ الرقَى)، منها مشروع كالفاتحة والمعوِّذتين، ومنها غير مشروع

стр. 912

كرقَى الجاهلية والهند وغيرهم، وربَّما كان كفرا، ولذلك نهى مالك ﵀ عن الرقى بالعجمية. (١٣٩) والعزائم كلمات يزعم أهل هذا العلم أن سليمان ﵇، لَمَّا أعطاه الله المُلْكَ وجَدَ الجان يعبثون بالناس في الأسواق ويخطفونهم في الطرقات، فسأل الله تعالى أن يُوَلي على كل قبيل من الجق مَلِكأ يضبطهم عن الفساد، فولَّى الله تعالى الملائكة على قبائل الجان، فمنعوهم من الفساد ومخالطةِ الناس، وألزمهم سليمان ﵇ سكنى القفار والخراب من الارض دون العامر ليسلَمَ الناسُ

стр. 913

من شرهم (١٤٠). فإذا عثا (١٤١) بعضُهُمْ وأفسد، ذكَر المعَزِّم كلماتٍ تعظمها الملائكة، ونرعمون أن لكل نوع من الملائكة أسماءَ أمرت بتعظيمها، ومتى أقسم

стр. 914

عليها اطاعت وأجابت، وفعلت ما طُلِب منها. فالمعزم بتلك الاسماء على ذلك القبيل من الجان الذي طلبه او الشخص منهم يحكم بينهم بما يريد، ويزعمون أن هذا الباب إنما دخله الحلل من جهة عدم ضبط تلك الاسماء فإنها عجمية لا يُدْرَى هل هي مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة، وربَّما أسقط النساخ بعض حروفه من غير علم فيختل العمل، فإن المقسَمَ به لفظ آخرُ لا يعظمه ذلك المَلَكُ، فلا يجيبُ ولا يحصُلُ مقصودُ المعزِّم. (١٤٢) والاستخدامات قسمان: الكواكب، والجَانُّ، فيزعمون أن للكواكب إدراكات، فإذا قوبلت الكواكب ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور، وربّما تقدمت منه أفعال خاصة، منها ما هو محرَّم في الشرع كاللواط، ومنها ما هو كفر صريح، يناديه بلفظ الالاهية ونحو ذلك، ومنها ما هو غير محرم. فإذا حصلت تلك الكلماتء البخور مع الهيآت المشروطة كانت روحانية ذلك الكوكب مطيعة له، متى أراد شيئا فعلته له على زعمهم، وكذلك القول في ملوك الجآن على زعمهم إذا عمِلوا لهم تلك الاعمال الخاصة، فهذا هو الاستخدام على زعمهم، والغالب على الَمشتغل بهذا، الكُفرُ، ولا يشتغل بهذا مفْلح ولا مسدَّد النظر وافِرُ العقل. (١٤٣)

стр. 915

قال شهاب الدين: وها هنا اربع مسائل: المسألة الاولى. قال الامام فخر الدين في كتاب الملخص. السحر والعين لا يكونان في فاضلٍ، لأن من شروط السحر الجزَم بصدور الأثر، وكذلك اكثر الاعمال من شرطها الجزم، والفاضل الممتلئ علما يرى وقوع ذلك في الممكنات التي يجوز أن توجد وأن لا توجد، فلا يصح له عمل أصْلا. وأمَّا العيْنُ فلابد فيها من شرط التعظيم للمرْمي. والنفس الفاضلة لا تصل في تعظيم ما تَراه إلى هذه الغاية، فلذلك لا يصح السحر إلا من العجائز والتركمان والسودان، ويجوز ذلك من أرباب النفوس الجاهلة. (١٤٤) المسألة الثانية السحر، له حقيقة، وقد يموت المسحور أو يتغير طبعه وإن لم يباشره، وقاله الشافعي وابن حنبل، وقالت الحنفية: إن وصل إلى بدنه كالدُّخان ونحوه جاز أن يؤثر وإلا فلا، وقالت القدَرية: لا حقيقة للسحر، وهذا لا يصح، فإن ما لا حقيقة له لا يؤثر. وقد سُحِر النبيّ ﷺ : (١٤٥) وقد سحَرتْ عائشة ﵂ جارية اشترتها، وأطبقت الصحابة على صحة ذلك.
следующие страницы →