← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والأوفاق ترجع إلى مناسبات الأعداد وجعْلها على شكل مخصوص، وهذا كأن يكون شكل من تسع بيوت يبلغ العددُ في كل جهة خمسة عشر، وهو لتيسير العسير وإخراج المسجون ووضع الجنين وكل ما هو من هذا المعنى. وضابطه: (ب. ط. د) (ز. هـ. جـ)، (و. ا. ح). فكل حرف منها، له عدد، إذا جمع ثلاثة منها كان مثل عدد الثلاثة، فالباء باثنين، والطاء بتسعة، والدال بأربعة، صار الجميع خمسة عشر. وكذا تقول: الباء باثنين، والزاي بسبعة، والواو بستة، صار الجمبع خمسة عشر، وكذلكم القُطْرُ من الركن إلى الركن: الباء باثنين، والهاء بخمسة، والحاء بثمانية، الجميع خمسة عشر، وهذه صورته: وكان الغزالي ﵀ يعتني به كثيرا حتي إنه لينسَبُ إليه. (١٣٨) ب ط د ز هـ جـ وا حـ والرُّقَى ألفاظ خاصة يَحْدُثُ عندها الشفاء من الأسقام والأدواء والأسباب المهلكة، ولا يقال لفظ الرقى على ما يُحدِث ضررا، بل ذلك يقال له السحر. وهذه الالفاظ (أيْ الرقَى)، منها مشروع كالفاتحة والمعوِّذتين، ومنها غير مشروع

стр. 912

كرقَى الجاهلية والهند وغيرهم، وربَّما كان كفرا، ولذلك نهى مالك ﵀ عن الرقى بالعجمية. (١٣٩) والعزائم كلمات يزعم أهل هذا العلم أن سليمان ﵇، لَمَّا أعطاه الله المُلْكَ وجَدَ الجان يعبثون بالناس في الأسواق ويخطفونهم في الطرقات، فسأل الله تعالى أن يُوَلي على كل قبيل من الجق مَلِكأ يضبطهم عن الفساد، فولَّى الله تعالى الملائكة على قبائل الجان، فمنعوهم من الفساد ومخالطةِ الناس، وألزمهم سليمان ﵇ سكنى القفار والخراب من الارض دون العامر ليسلَمَ الناسُ

стр. 913

من شرهم (١٤٠). فإذا عثا (١٤١) بعضُهُمْ وأفسد، ذكَر المعَزِّم كلماتٍ تعظمها الملائكة، ونرعمون أن لكل نوع من الملائكة أسماءَ أمرت بتعظيمها، ومتى أقسم

стр. 914

عليها اطاعت وأجابت، وفعلت ما طُلِب منها. فالمعزم بتلك الاسماء على ذلك القبيل من الجان الذي طلبه او الشخص منهم يحكم بينهم بما يريد، ويزعمون أن هذا الباب إنما دخله الحلل من جهة عدم ضبط تلك الاسماء فإنها عجمية لا يُدْرَى هل هي مضمومة أو مفتوحة أو مكسورة، وربَّما أسقط النساخ بعض حروفه من غير علم فيختل العمل، فإن المقسَمَ به لفظ آخرُ لا يعظمه ذلك المَلَكُ، فلا يجيبُ ولا يحصُلُ مقصودُ المعزِّم. (١٤٢) والاستخدامات قسمان: الكواكب، والجَانُّ، فيزعمون أن للكواكب إدراكات، فإذا قوبلت الكواكب ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور، وربّما تقدمت منه أفعال خاصة، منها ما هو محرَّم في الشرع كاللواط، ومنها ما هو كفر صريح، يناديه بلفظ الالاهية ونحو ذلك، ومنها ما هو غير محرم. فإذا حصلت تلك الكلماتء البخور مع الهيآت المشروطة كانت روحانية ذلك الكوكب مطيعة له، متى أراد شيئا فعلته له على زعمهم، وكذلك القول في ملوك الجآن على زعمهم إذا عمِلوا لهم تلك الاعمال الخاصة، فهذا هو الاستخدام على زعمهم، والغالب على الَمشتغل بهذا، الكُفرُ، ولا يشتغل بهذا مفْلح ولا مسدَّد النظر وافِرُ العقل. (١٤٣)

стр. 915

قال شهاب الدين: وها هنا اربع مسائل: المسألة الاولى. قال الامام فخر الدين في كتاب الملخص. السحر والعين لا يكونان في فاضلٍ، لأن من شروط السحر الجزَم بصدور الأثر، وكذلك اكثر الاعمال من شرطها الجزم، والفاضل الممتلئ علما يرى وقوع ذلك في الممكنات التي يجوز أن توجد وأن لا توجد، فلا يصح له عمل أصْلا. وأمَّا العيْنُ فلابد فيها من شرط التعظيم للمرْمي. والنفس الفاضلة لا تصل في تعظيم ما تَراه إلى هذه الغاية، فلذلك لا يصح السحر إلا من العجائز والتركمان والسودان، ويجوز ذلك من أرباب النفوس الجاهلة. (١٤٤) المسألة الثانية السحر، له حقيقة، وقد يموت المسحور أو يتغير طبعه وإن لم يباشره، وقاله الشافعي وابن حنبل، وقالت الحنفية: إن وصل إلى بدنه كالدُّخان ونحوه جاز أن يؤثر وإلا فلا، وقالت القدَرية: لا حقيقة للسحر، وهذا لا يصح، فإن ما لا حقيقة له لا يؤثر. وقد سُحِر النبيّ ﷺ : (١٤٥) وقد سحَرتْ عائشة ﵂ جارية اشترتها، وأطبقت الصحابة على صحة ذلك.

стр. 916

ومن حجتهم قولُه تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، (١٤٦) ولأنه لو كانت له حقيقةُ لأمكن الساحِرَ أن يدعي النبوة، فإنه ياتي بالخوارق على اختلافها. والجواب أن السحر أنواع: فبعضه هو تخييل، وعن الثاني أن إضلال الخلق ممكن، ولكن الله تعالى أجرى العادة بضبط مصالحهم، فما يسَّر ذلك على الساحر. وكم من ممكن يمنعه الله من الدخول في العالم، لأنواع من الحِكَم، مع أنَّا سنبين الفرق دين السحر والمعحزة من وجوه فلا يحصل اللبسُ. المسألة الثالثة، قال الطرطوشي: قال مالك وأصحابه: الساحر كافر فيُقتَل ولا يستتاب، سَحَر مسلما أو ذمّيا، كالزنديق (١٤٧). قال محمد: إن أظهره قُبِلت توبته، قال أصبغ، إن أظهره ولم يتُبْ فقتل، فماله لبيت المال، وان استتر فلورثته من المسلمين، ولا آمرهُم بالصلاة عليه، فإن فعلوا فهم أعلم. قال: ومن قولِ علمائنا القدماء: لا يُقتَل حتى مع يَثْبُتَ أنه من السحر الذي وصفه الله تعالى بأنه كُفْرٌ. قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعرف حقيقته، ولا يلي قتلَهُ إلأ السلطانُ، ولا يُقتل الذميُّ الا أن يَضر المسلمَ بسحره فيكون نقْضاً فيُقتَل،

стр. 917

ولا يُقبل منه الاسلام، وإن سحر أهل ملته أدّب، إلا أن يقتُلَ أَحداً فيقتل به، وقال سحنون: يُقتل، إلا أن يسلم، وهو خلاف قول مالك. (١٤٨) ويؤدَّبَ من تردد إلى السَحرة إذا لم يباشر سحْراً ولا عَمله، لأنه لم يكفر ولكن ركنَ للكفَرة. قال: وتعلّمه وتعليمه عند مالك كُفْرٌ. وقال الحنفية: إن اعتقد أن الشياطين تفعل به ما يشاء فهو كافر، وإن إعتقد أنه تخيُّلٌ وتمويه لم يكفر. وقال الشافعية: يصفه، فإن وجدنا ما فيه كفراً كالتقرب للكواكب ويعتقد أنها تفعل ما يُلتمَسُ منها فهو كفر، وان لم نجد فيه كفراً، فان إعتقد إباحته فهو كفر، قال الطرطوشي: وهذا متفق عليه، لأن القرآن نطق بتحريمه. واحتجّ من لا يقول بأن تعلمه كفر أن تعلم الكفر ليس بكفر، فإن الأصولي يتعلم جميع أنواع الكفر ليحذر منه ويقدح في شبهاته ومآخذه، فالسحر أوْلى أن لا يكون كفْراً. قال شهاب الدين: هذه المسألة في غاية الإِشكال على أصولنا، فإن السحرة يعتمدون أشياء تأبى قواعد الشريعة أن. تكفرهم بها كفعل الحجارة المتقدم ذكرها قبل هذه المسألة، وكذلك يجمعون عقاقير ويجعلونها في الأَنهار والآبار، أو في قبور الموتى أو في باب يفتح إلى المشرق، ويعتقدون أن تلك الآثار تَحدُث عند تلك الامور بخواص نفوسهم التي طبعها الله تعالى على الربط بينها وبين تلك الآثار عند صدق العزم، فلا يمكن تكفيرهم بجمع العقاقير ولا بوضعها في الآبار ولا باعتقادهم حصول تلك الآثار عند ذلك الفعل، لأنهم جربوا ذلك فوجدوه لا ينخرم عليهم لأجل خواصّ نفوسهم، فصار ذلك الاعتقاد كاعتقاد

стр. 918

الأطباء حصول الآثار عند شرب الأدوية. (١٤٩) وخواصُّ النفوس لا يمكن التكفير بها لأنها ليست من كسبهم، ولا كفرَ بغير مُكْتَسَب. وأما اعتقادهم أن الكواكب تفعل ذلك بقدرة الله تعالى فهذا خطأ، لأنها لا تفعل ذلك، وإنما جآت الآثار من خواص نفوسهم التي ربط الله بها تلك الآثار عند ذلك الاعتقاد، فيكون ذلِك الاعتقاد (١٥٠) في الكواكب، كما إذا اعتقد طبيب أن الله تعالى أودَع في الصِّبْر والسقمونيا عقل البطن وقطْع الإِسهال، وأما تكفيره بذلك فلا. (١٥١) وإن اعتقدوا أن الكواكب تفعل ذلك والشياطينَ بقدَرها لا بقدرة الله تعالى فقد قال بعض علماء الشافعية: هذا مذهب المعتزلة من استقلال الحيوانات بقدرها دون قدرة. الله تعالى، فكما لا نكفر المعتزلة بذلك لا نكفر هؤلاء. (١٥٢). ومنهم من فرَّق بأن الكواكب مَظِنة العبادة، فاذا انضَم إلى ذلك اعتقاد القدرة والتأثير كان كفرا. (١٥٣) وأجيب بأن هذا الفرق بأن تاثير الحيوان في القتل والضرر والنفع في مجرى العادة مشاهَدٌ من السباع والآدميين وغيرهم. (١٥٤)

стр. 919

وأما كون المشتري أو زُحَلٍ يوجب شقاوة أو سعادة فإنما هو حَزْرٌ وتخمين للمنجّمين لا حجة في ذلك (١٥٥). وقد عُبِدت البقر والشجرُ، فصار هذا الشيء مشترَكا بين الكواكب وغيرها. (١٥٦) والذي لا مِرْيةَ فيه أنه كفر إن اعتقد أنها مستقلة بنفسها لا تحتاج إلى الله تعالى، فهذا مذهبُ الصابِئَةِ، وهو كفْرٌ صراح، لا سيما إن صرح بنفي ما عداها. (١٥٧) وأما قول الأصحاب: إنه علامة الكفر فمشكل، لأنا نتكلم في هذه المسألة باعتبار الفتيا، ونحن نعلم أن حال الانسان في تصديقه لله تعالى ورسله بعد عمل هذه العقاقير كحاله قبل ذلك. (١٥٨) وإذا أرادوا الخاتمة فمشكل، لأنا لا نكَفر في الحال بكفرٍ واقع في المَآل (١٥٩). والذي يستقيم في هذه المسألة ما حكاهُ الطرطوشي عن قدماء أصحابنا أنا لا نكفره حتى يَثْبُتَ أنه من السحر الذي كفَّر اللهُ به، أوْ يكونَ

стр. 920

سحراً مشتملا على كفر كما قاله الشافعي. وقولُ مالك إنَّ تعلمه وتعليمه كفر، في غاية الإِشكال، (١٦٠) إذ هو خلاف القواعد (١٦١).

стр. 921

المسألة الرابعة في الفرق بين المعجزاتِ للأنبياء وبين السِحر للسحَرة، وغيره مما يُتَوهَّمُ أنه خارق للعادة. (١٦٢) هذه مسألة عظيمة الوقع في الدّين، وأشكَلَتْ على جماعة من الأصوليين. (١٦٣).

стр. 922

والفرق بينهما من ثلاثة أوجُه: فرْقٌ في نفس الأمر، وفرقان باعتبار الظاهر. أما الفرق الواقع في نفس الأمر فهُوَ إن السحر والطلسمات والسيمياء وجميعَ هذه الأمور ليس فيها شيء خارق للعادة، بل هي عادة جرَتْ من الله بِترتب مسبباتٍ على أسبابها، غيرَ أنَّ تلك الاسبابَ لم تحصل لِلْكثير من الناس، بل لِلقليل منهم، كالعقاقير التي تُعْمَلُ منها الكيمياء، والحشائش التي يُستعمل منها النفط الذي يُحرق الحصون، والدهن الذي مَنْ دَهَنَ به لم يقطع فيه حديد، والسمندل الحيوان الذي يأوى إلى النار ولا تعدو عليه، فهذه كلها في العالم أمور غريبة قليلة الوقوع، وإذا وجِدت أسبابها جرتْ على العادة فيها، وكذلك أسْبَابُ

стр. 923

السِّحر إذا وُجِدَتْ حصلَ، وكذلك السيمياء وغيرها، كلها جارية على أسبابها العادية، غيرَ أن الذي يعرف تلك الأسباب قليل في الناس. وأما المعجزات فليس لها سببٌ في العادة أصْلا، فلم يجعل الله في العالَم عَقاراً يَفلِق الْبَحْرَ أو يُسَيِّر الجبَل ونحو ذلك، فنريد بالمعجزة ما خلقه الله في العالم تحَدِّيًا للانبياء ﵈ على هذا الوجه، وهذا فرق غظيم. غيرَ أن الجاهل بالأمرين يقول: وما يُدْريني أن هذا له سببٌ والآخَرُ لا سببَ له، فيُذْكَرُ له الفرقان الآخَران: أحدهما أن السِحر وما يجري مجراه يختص بمن عُمِلَ له، حتَّى إن أهل هذه الحِرف إذا استدعاهم الملوك ليضعوا لهم هذه الامور يطلبون منهم أن تُكتَبَ أسماء كل من يحضر ذلك المجلس، فيضعون صنعتهم لمن سمِّيَ لهم، فإن حضر غيرهم لا سَرى شيئا ممّا رآهُ الذين سُمُّوا. قال العلماءُ: وإليه الاشارة بقوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ (١٦٤)، أي لكل ناظر ينظُر اليها، ففارقت بذلك السحرَ والسيمياء.

стр. 924

وهذا فرق عظيم (١٦٥). الفرق الثاني في قرائِنِ الأحوال المفيدة للعلم القطعى الضروري، المحْتَفَّة بالانبياء ﵈، المفقودة فى حق غيرهم، فنجد النبي ﵊ أفضلَ الناس نسباً وموْلدا وشرفا، وخَلْقا وخُلقا، وصدْقا وأدبا، وأمانةً وزهادة واشفاقا ورِفقا، . وبُعْداً عن الدناءة والكذب والتمويه. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾. (١٦٦) ثم أصحابه يكونون في غاية العنم والنور والبركة والتقوى والديانة، فأصحابُ رَسول الله ﷺ كانوا بحراً فى العلوم على اختلاف أنواعها من الشرعيات والعقليات والجنايات والسياسات والعلوم الباطنة والظاهرة، حتى إنَّهُ رُوِيَ أن عليا جَلَسَ ابن عباس ﵃ في الباء من بسم الله، من العشاء إلى أن طلع الفجر، مع أنهم لم يدرسوا ورقةً ولا قرأوا كتابا ولا تفرغوا من الجهاد (١٦٧). ولقد قال بعض الأصوليين: لو لم يكن شاهدٌ لرسول الله ﷺ إلا أصحابُهُ لكَفَوْا في إثبات نبوته، وكذلك أيضا ما عُلم مِنْ فَرْطِ صدقه حتى يقال: محمد الْأمّي.

стр. 925

وما مِنْ نبي إلّا وله في هذه القرائن الحالية والمَقاليةِ العجائب، والساحِر على العكس من ذلك كله. (١٦٨) القاعدة الحاديةَ عشرةَ: في تقرير معْنَى الزهد . (١٦٩) إعلم أن االزهد ليس عدَمَ المال، بل عَدَمُ احْتفال القلب بالأموال وإن كانت في مِلْكه، وعلى هذا قد يكون أغْنى الناس زاهداً، ويكونُ أفقرُ الناس عَرِياً عن ذلك إذا كان حريصا.

стр. 926

ثم الزهد في المحرَّمات واجب، وفي الواجبات حرامٌ، وفي المندوبات مكروةٌ، وفي المباحات مندوب، لأن الميل إلَيْها يُفْضِي لارتكاب المحرمات أو المكروهات. قلت: لا يقال الزهدُ بِحَسَب العُرف على ترْك الواجبات، ولا على ترْك المندوبات، ولا على ترْك المكروهات، ولا على ترْك الحرام، وإنما يُستعمَلُ بحسَب المباح إذا تُرِك، وهذا الزهدُ الذي يُعتبر فيه الترْكُ هُوَ الزهد الظاهر، وللزهد الظاهر زهذ باطن، وهو -كما قلنا- عَدَمُ احتِفال القلب، وبه يقعُ الفرق بين الزهد والورَع، وباعتبار الظاهر يقع اللبْسُ بينهما. (١٧٠) والورَعُ ترك ما لاباس به مخافة ما به بأسٌ، (١٧١)، وهو مندوب إليه. ومنه (أيْ من الورَع) الخروجُ عن خلاف العلماء بحسب الإمكان، كأن يختلف العلماء في شيء هل هو حرام أو مُباح؟ فالورع التركُ، أو هو مباح أو واجب فالورع الفعلُ. وإن اختلفوا هل هو مشروع أو غيرُ مشروع فالورَع الفعل، لأن القائل بالشرعية مثبِتٌ لأمْرٍ لم يطاح عليه النافي، والمثْبِتُ مقدَّمٌ على النافي، كتعارض البينات، وذلك كاختلاف العلماء في شرعية الفاتحة في صلاة الجنازة، وكالبسملة، قال مالك: هي في الصلاة مكروهة، وقال الشافعي: واجبة، فالورعَ

стр. 927

الفعلُ، للخروج عن عُهْدَة ترْك الواجب، (١٧٢). فإنْ اختلَفُوا هل هو حرام أو واجب فالعِقابُ متوقَّعٌ على كل تقدور، فلا ورَع، إلا أن يقال: إن المحرَّم إذا عارضه الواجب قُدِّم على الواجب، لأن رعاية درْء المفسدة أولى من رعاية حصول المصلحة، فيكون الورَع التركَ، وان اختلفوا هل هو مندوب أوْ مكروه فلَا ورَعَ لتساوي الجهتيْن، ويمكن ترجيح المكروهِ بما تقدَّم، في المحرّم، أما إذا كان أحدُ

стр. 928

المذهبين ضعيفَ الدلالة بحيث لو حَكم به حاكم لنقضناه لم يَحْسُن الورع في مثله، وانما يحسن إذا كان يمكن تقرير شرعيته (١٧٣).

стр. 929

وها هنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: أنكر جماعة من الفقهاء دخولَ الورع في مسح الشافعي - مَثَلاً- جميع رأسِه، لأنه ان اعتقد الوجوبَ فقد ترك الندبَ، فلم يجمع بين المذهبين، بل هذا مذهبُ مالكٍ فقط، وإن لم يعتقد الوجوب لمْ يُجْزِه المسحُ بنيَّة الندْب، فما حصل الجمعُ، وكذلك المالكي إذا بَسْملَ، وكلُّ موْضع اختلف فيه، فعلى هذا النوع يُوردون فيه السؤال، وليس بوارد، بسبب أنا نقول: يعتقد في مسح رأسه كله الندب على رأي الشافهي، والوجوبَ على رأي مالك، وليس في ذلك الجمعُ بينَ الضّدَّين، لأن الجهح بين الضدين إنما يمتنع إذا اتحد المتعلَّق مع اتحاد المحلِ، أمّا اتحادُ المحل فقَطْ فلا يمنع الجمعُ، لأن الصداقة ضِدُّ

стр. 930

العدواة، والبغضة ضد المحبة، ويُمْكِنُ أن يَجمع في القلب العداوة للكافرين، والصداقةَ للمومنين، كذلك هاهنا اختلفت الاضافة فأقول: إعتقدَ هذا الفعلَ واجبا على مذهب مالك، ومندوبا على مذهب الشافعي، فجمعهما في ذهنه باعتبار جهتين، (١٧٤)، وعلى هذا التقدير يُتصوَّرُ الجمعُ بين المذاهب جملى وجْهٍ يحصل الإِجزاءُ والاستيفاء للمقاصد، والورعُ والخروج عن العهدة من غير تناقُضٍ، فتأملْه، قال شهاب الدين بهذا، وقال: ولقد نازعني فيه جمعٌ من الفضلاء. (١٧٥)

стр. 931

قلت: الإِنكار ظاهرٌ، وما قاله خفِيٌّ جدا، فإن الفعل الواحد لا يُتصَورُ أن يُقْصَدَ به الوجوبُ والندبُ معاً لتضَادّهما. المسألة الثانية: كثير من الفقهاء يعتقد أن المالكي يعتقد بطلان مذهب الشافعي إذا لم يدْلُكْ في غسله أو يمسَحْ جميع رأسه ونحوه، وأن الشافعي يعتقد بطور صلاة المالكي إذا لم يُبَسْمِل، وأن الجمع بين المذاهب والورع في ذلك إنما هو لِصَوْن الصلاة ونحوها عن البطلان على قول الخالِف، ليس كذلك، فالورع ليس لتحصيل صحة العِبادة، بل عبادةُ كُلِ مقلّدٍ لإِمام معتبَرٍ، صحيحةٌ بالإِجماع. وأجمعَ كل فريق مع خصمه على صحة تصرفاته وعبادته. فإن قلت: فإذا كانتْ العبادةُ صحيحة بالإجاع فما فائدة الورَع؟ كيف يُشْرع الورعُ بعد ذلك؟ . (١٧٦) قلتُ: فائدة الورع، وسبَبُ مشروعيته، الجمعُ بين أدلة الختلفِين، والعملُ بمقتضَى كلِ دليل، فلا يبقى في النفس توهُّمُ أنه قد أهمَلَ دليلا يُعمَل بمقتضاه هو الصحيح، فالجمعُ ينفي ذلك بأبر الجى بين المذاهب في جميع مقتضيات الأدلة في صحة العبادة والتصرف (١٧٧)، ولو كان المالكي يعتقد بطلان صحة الشافعي وبالعكس لكانت كل طائفة عند الأخرى من أعظم الناس فسقا، لِترْكها الصلاةَ طولَ عمرها، ولا تُقبَلُ لها شهادةٌ، وهذا ما لم يقُلْ به أحد. المسألة الثالثة: اختلَف الفقهاء هل يَدخلُ الورَعُ والزهد في المباحات أمْ لا؟ فادَّعى ذلك بعضُهم، ومنعه بعضهم، فقال الأبهري (١٧٨): لا يدخل

стр. 932

الورَع فيها، لأن الله تعالى سوَّى بين طرفيها، والورع مندوبٌ، والندب مع التسوية متعذر. وقال غيرُه: يدخل الورعُ في المباحات، وما زال السَّلف (الصالح) على الزهد في المباح. قال شهاب الدين: والفريقان على الصواب، وطريق الجمع بينهم أن المباحات لا زهد فيها ولا ورَع من حيث هي مباحات، وفيها الزهد والورع من حيث ان الاستكثار من المباحات يُحْوجُ إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد يوقع في المحرَّمات، وهو أيضا يُفْضِي إلى بطْرِ النفوس، فالتوسع في الدنيا سببُ الْمَهْلُكة لِكَثيرٍ من الناس كما اتفق لنمرود وفرعون وغيرهما، مَا جَاءهُما ما جاءهما إلا من تلك الجهة. القاعدة الثانية عشرة: في التوكل (١٧٩) فال أبو حامد: هو اعتماد القلب على الوكيل وحده، وهو يحصُلُ لاعتقاد كمال علمه وقدرته. ثم ما لا يحصل له فذلك إمَّا لضعف النفس بهذه الأوصاف، وإما لضعف القلبِ بسبب الأوهام الغالبة عليه، كالذي يييت مع الميت في بيت واحد. وذكر شهاب الدين أن قوماً قالوا: لَا يصحُّ التوكلُ إلَّا مع ترك الأسباب، فهو عندهم تركُ الأسباب، والاعتمادُ على الله. وقال آخَرون: لَا ملازمةَ بين التوكل وتركِ الأسباب، بل يصح الأسباب وملابستها، وهو الأحسن لمن قوِي

стр. 933

عليه، (١٨٠) لِقوله ﵇: "إعقِلْها وتوَكلْ" (١٨١)، ولأنه تعالى أمر بالتوكل والحذَر ممّا ينبغي أن يُحْذَرَ، وكوصية يعقوب لبَنِيه حيث قال: "لا تَدخلوا مِن باب واحد"، (١٨٢) ثم قال: "عليه توكلت"، ورسولُ الله ﷺ سيدُ المتوكلين، وكانَ يطوف على القبائل ويقول: "مَن يعصمني حتى أُبلِّغَ رسالاتِ ربي"؟ ، وكان

стр. 934

ياخذ سلاحه للحرب، وأيضا فلله عادةْ أجراها في خلقه، فالأدب المُضي على تلك العوائد وهي الالتباس بالأسباب، والترْكُ لها سوءُ أدَبٍ. ثم إن الخلائق انقسَمُوا في هذا المقام ثلاثةَ أقسام، فقِسْمٌ عاملو الله باعتماد قلوبهم على قدرته تعالى مع إهمال الأسباب، (١٨٣)، وقسم لَاحظوا الأسباب وانهمكوا فيها، وهؤلاء لا خير فيهم بالنسبة للآخَرين، وقِسْمٌ اعتبروا المسبَّب والاسباب، ولاحظوا البابيْن، وهولاء أفضلُ الناس، وهذا موطن الأنبياء ﵈. القاعدة الثالثة عشرة: في الكلام على الرضَى بالقضاء . (١٨٤) إعْلَمْ أن شهاب الدين ﵀ بيَّنَ الرضَى بالقضاء وبيَّن الرضا بالمقضي فقال:

стр. 935

والفرق بين القضاء والمقضِيّ أن الطبِيب إذا وصف للعليل دواءً مُرّا أو قطحَ يده المتآكلة، فإن قال المريض: بِيس ترتيبُ الطيب ومعالجتُهُ، وأيسَرُ من هذا يقوم مقام هذا، فهو سُخْط بقضاء الطيب، بحيث لو سمعه الطيب كره ذلك وشق عليه، ولو قال: هذا دواءٌ مرُّ قاسَيتُ منه شديدا، فهذا سخط بالمقضي الذي هو الدواء والقطْعُ، لا بالقضاء الذي هو ترتيب الطبيب، ولا يؤلمه إذا سمع ذلك، بل يقول له: صَدَقت، الأمر كذلك. فعلى هذا، المريضُ إذا تألم في المرض بمقتضَى طبعه فهذا عدم رضى بالمقضِي لا بالقضاء، فلو قال: أيُّ شيء عملتُ حتى أصابني مثلُ هذا وما كنت أستاهل هذا فهذا عدم رضا بالقضاء، فنحن مامورون بالرضى بالقضاء، ولا نتعرض لربنا إلَّا بالاجلال والتعظيم، ونحْذَرُ أن نتعرض لربنا إلَّا بالإِجلال والتعظيم، ونَحْذَرُ أن نعترض عليه في ملكه، وما أمِرْنَا أن يطيب لنا البلاء، (١٨٥) فالرضى

стр. 936

بالقضاء واجب. (١٨٦) وأما المقضي فإن كان واجبا وجب الرضى به، وإن كان حراما حَرُمَ الرضي به، وإن كان مندوبا فهو مندوب، أو مكروها فمكروه، فالرضى بالكفر كُفْرٌ. فعلى هذا، العبدُ إذا قدر عليه بالكفر فهو غير راض بالكفر الذي هو المقضي، ولا يحل له الرضَى به، وواجب عليه الرضَى بقدر الله السابق عليه، ومتى سخِط كان ذنبه من جهة الكفر، ومن جهة السخط بالرضَى. وعلى هذا الرضَى بالقضاء يحصل من كل مسلم، وليس ممّا يختص به الأولياءُ. (١٨٧). وَمَا سبب هذا إلا أنهم لا يفرقون بين الرضى بالقضاء وبين الرضى بالمقضى. ولاشك أن الرضَى بالمقضي الذي يخالف الطبعَ حتى لا يكون معه خير مِن ألمه، أمْرٌ عزيز، ويكاد أنه ما حصل للانبياء، فكيف يحصل لغيرهمْ، فالصواب التفريق، واللهُ أعلم (١٨٨).

стр. 937

قلت: ما ذكره شهاب الدين هنا ليس ببيّن، فإن واحداً من الفضلاء لا يرى الفضيلة أوْ عدمها من حيث الشعور بالألم الطبيعي أو فقْدُهُ، وإنما الفضيلة من حيث غلبة النظر في المسبَّب، وملاحظةُ فِعْله بِعين الكمال، فهو لذلك رَاضٍ، أوْ مِنْ حيث غلبةُ النظر للأسباب، والذهول عن المسبب، فإذا جآءه ما يخالف طبعه لم يكن راضيا، فكان ناقص الدرجة عن الذي قبله، وهذا -والله أعلمُ- هو الحق لا ما ذكره شهاب الدين ورأى أنه أغربَ به، والله أعلم. القاعدة الرابعة عشرة في تمييز المكَفِّرات عن أسباب المثوبات . (١٨٩) فاعْلَم أن المثوبة تُرَتَّبُ على ما هُوَ من كسْب العبد ومقدورة، فما لا كَسْبَ فيه ولا هو من مقدوره لا مثوبةَ فيه، وهذا لقوله تعالى: "وأن فيس للانسان إلا ما سعى" (١٩٠)، ولِشَرْطٍ ثانٍ (١٩١) أن يكون المكتسَبُ مامورا به، فما لا آمرَ فيه لا ثواب فيه كالافعال قبل البعثة، وكأفعال الحيوانات التي لا تُقْتَلُ، وكذا الموتى

стр. 938

يسمَعُون المواعظ والقرآن والذكر ولا ثواب لهم، لأن الأوامر ليسَتْ متعلقةً بهم. (١٩٢) وأمّا المكَفِّرات فلا يُشترَط فيها شيء من ذلك، بل قد تكون كذلك وقد لا تكون، كالمصائب التي تصيب الانسان حتى الشوكة، فالمصيبة مكَفِّرةٌ، اقترن بها السخط أوْ الصبر (١٩٣)، فإنْ اقترن بها الصبر فله الثواب من حيث الصبر، وله

стр. 939

التكفير من حيث المصيبة بإطلاق، وما كان سبباً للثواب يكون سببا للتكفير، وليس ما كان سببا للتكفير يكون سببا للثواب ولابد، وهذا لِأجْلِ ما شرطنا في سبب المثوبة من الشرطين المذكوريْن. ثم ذلك الشخص الذي يصحب المصيبة قد يكون ما ترتَّب عليه أكثرُ ممّا يترتب على المعصية من التكفير، وقد يكون أقلّ، وقد يكون مساويا. وقال شهاب الدين هنا: والتكفيرُ مِن حيث المصيبةُ إنما كان لأجل الألم اللاحق. ولما كان كذلك فالتكفير حسب قدْر الألمِ، فيَعْظُم لعظمته وبالعكس، وكذلك يعظم لعظم الولد وبالعكس، فلو فرضنا ولداً لا يتألم بفقده والده لما كان له عليه شيء. (١٩٤).

стр. 940

ثم قال: ولما كانَ التكفيرُ مرتَّبا على المصائب لم يَجُزْ أن يقال للمريض: اللهم اجعل له هذا المرض كفارةً، فإنه نخصيل للحاصل، وفيه قلةُ أدب، وهذا لا يجوز كما تقرر في الأدْعية (١٩٥). قلت: قد مضى ما في الأدعية من الصواب في ذلك. قلت: وهذا الذي قاله في هذه القاعدة يرده الحديث الصحيح، قال ﵇: "ما من مسلم تصيبه شوكة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطِيئَةً". والحديث أخرجه مسلم، ﵀، والله أعلم. القاعدة الخامسة عشرة: في تمييز الخوف من غير الله الذي لا يحْرُم من الذي يحرم منه (١٩٦). إعلم أنه جاءت المَدْحةُ (١٩٧) بأن يكون العبدُ لا يخشَى إلا اللهَ، وجاء

стр. 941

النهي عن خشية الناس، فقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾، (١٩٨) وقال تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾، يقال: المراد بهذا الخوفِ المنهي عنه أن يُؤْثَرَ على خوف الله [تعالى] حتى يُترَكَ به واجب أوْ يُفعلَ به حرام.

стр. 942

قلت: لا يصح حمل الآية الكريمة التي هي ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ على ذلك، لمنصب النبي ﷺ . وأما إذا لم يكن سبباً لشيء من هذا، فلا مذمةَ فيمن خاف غير الله كخوف الأسُودِ والحيَّات والعقارب والظَّلَمة. القاعدة السادسة عشرة: في تقرير ما يَلزَم الكفار إذا أسلم وما لا يَلزمه (١٩٩) إعلم أن أحوال الكفار مختلفة إذا أسلم، فيلزمه ثمن المبيعات، وأجر الاجارات، ودفع الديون التي اقترضها ونحوُ ذلك، ولا يلزمه من حقوق الآدميين القصاصُ، ولا الغصْبُ والنهب إن كان حربيا، وأما الذِّمي فيلزمه جميعُ المظَالِمِ وردُّها، لأنه عقَدَ الذِمة وهو راض بمقتضى عقد الذمة، وأما الحربي فلم يرض بشيء، فلذلك أسقطْنا عنه الغُصُوبَ والنهوب والغاراتِ ونحوَها. وأما حق الله تعالى فلا يلزمه وإنْ كان ذميا، لقوله ﵇: "الإِسلام يجُبُّ ما قبله". (٢٠٠) وضابط الفرق أنَّ حقوق العباد قسمان: منها ما رَضِيَ به حالةَ الكفر واطمأنت نفسه بدفعه لستحقه، فهذا لا يسقط بالإِسلام، لأن إلزامه إياه ليس منَفِراً له عن الإِسلام لرضاه به، وما لم يرضَ بدفعه لمستحقه كالقتل والغصب ونحوه فإن هذه الأمور إنما دخل عليها متعَمِّدا أنه لا يُوفيها أهلَها، فهذا كله يَسقط، لأن

стр. 943

في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيراً له عن الإِسلام، فقُدِّمت مصلحة الإِسلام على مصلحة ذوِي الحقوق. وأما حقوق الله تعالى فتسقط مطلقا، رضي بها أم لا. والفرق بين الحقيْن من وجهيْن: أحدهما أن الإِسلام حق لله تعالى، والعبادات ونحوها حق الله تعالى، فلما كان الحقان لجهة واحدة ناسَبَ أن يقدّم أحدهما على الآخر، أما حق الآدميين فجهةٌ للآدميين، والِإسلام ليس حقا لهم، فناسب أن لا يُسقِط حقُّهم تحصيلَ حق غيرهم. وثانيهما أن حق الله سقط لكرمه، ولا يَسقط للعبد إلا ما تقدم الرضى به. القاعدة السابعة عشرة: في الكذِب وفي الوعد وفي خُلْف الوعْد . (٢٠١) أمّا الوعد فاختلَف الفقهاء، هل يجب الوفاء به شرعا أم لا؟ فقال مالك: لا يَلزَمُ، وقال سحنون: (٢٠٢) الذي يلزم من الوعد: إهدِمْ دَارَكَ وأنا أسْلفك ما تبني به، أو أخرُجْ إلى الحج وأنا أسلفك، أو إشتر سلعة، أوْ تزوَّجْ، لأنك أدخلته بوعدك في شيء ما كان يدخله، وأما مجرد الوعد فلا يلزم

стр. 944

الوفاءُ به، بل الوفاء به من مكارم الاخلاق. وقال أصبغ: يُقْضَى عليك به، تزوجَ الموعود أمْ لا. وكذلك؟ أسْلِفني لأشتريَ سلعةَ كذا، لزمك، تسبَّب في ذلك أمْ لَا، وإنما الذي لا يَلزَمُ من ذلك أن يَعِدَه من غير ذكر سبب، كأن يقول: أسلفني كذا، فيقول: نعمْ، (٢٠٣) وإن وعَدتَ غريمك بتاخير الدَّين لزِمَك. (٢٠٤) واعْلَمْ أن مِن الفقهاء من قال: الكذِبُ يختص بالماضي والحاضر، والوعْدُ إنما يتعلق بالمستقبل، فلا يدخلُهُ الكذب، (٢٠٥). ومنهم يقول: لَمْ يتعين عدم المطابقة في الستقبَل ولا المطابقَةُ، وانما تتعَّينُ المطابقة أو عدمُها بحسَب الماضي والحاضر، فيكون صدقاً أوْ كذِبا، (٢٠٦) والذي في الوعد قبول المطابقة لا المطابقة، وكذلك قبولُ عدم المطابقة لا عدَمُها، ومنهم من يقول: الكُّلُ يدخله الكذِب، وإنما شُومِحَ في الوعد، تكْثيراً للعِدَة بالمعروف (أيْ الوعد به)، وعلى هذا القول لا فَرق بين الوعد والكذب، والظاهِرُ الاول، لِعَدَم تعيُّن المطابقة وعدَمها. (٢٠٧) وهذا يُعَضِّدُهُ "أن رجلاً جاءَ لرسول الله ﷺ فقال له: الكْذِبُ لامْرَأتِي؟ فقال له: لا خيرَ في الكذب، فقال لرسول الله ﷺ : أفَأعِدُها؟

стр. 945

فقال: لا جناح عليك"، (٢٠٨) فمنعه من الكذِب وأذِنَ له في الوعد، وهو يدل على أن خِلاف الوعد لا يُسمَّى كذبا، فجعلهُ قسيم الكذب ولا ذِمة فيه، ولو كان القصود الوَعْدَ الذي يفي به لما كان فيه إشكال ولا احتاج للسؤال عنه. وفي كتاب أبي داود: "إذا وعَدَ أحدم أخاه وفي نيته أن يَفي فلم يف فلا شيء عليه" (٢٠٩)، فهذا يدل على أن الاذن في خلف الوعد وارد إذا لم يكن بفَى عليه، وأن الكذب لا يُسْمَحُ فيه. (٢١٠)

стр. 946

القاعدة الثامنة عشرة فيما يتعلق بالطِيَرة والفال، فأقول: (٢١١) يقال: تطيَّر وطيَّره، فالطِّيَرَة. الظن السيء الكامِنُ في القلب، والتَطُّير الفعل المرتَّبُ على سوء الظن من فرار أو غيره. وأمّا الفالُ فهو ما يُظَنُّ عنده الخير، عكس الطِيَرة والتطير. غير أنه، تارةً يتعيَّن الخبر للخير، وتارة يكون مترددا بينهما. فالمتعين للخير مثل الكلمة يسمعها الرجل من غير قصد، نحو، يا مسعودُ، ومنه تسبية الولد أو الغلا، بالاسم الحسَن، حتى مه ى سُمِعَ استبشَر القلب، فهذا فالٌ حسن مباح، وعليهما قول ﵇: "كَان يحِبُّ الفال الحسن" (٢١٢). وأما الفال الحرام فقال الطرطوشي في تعليقه: انَّ أخذ الفال في المصحف، وضَرْبَ الرمَّل والقرعة، والضرب بالشَّعير، حرامٌ جميعُ ذلك، لأنه من باب الاستقسام بالأزلام، فهو مثل الأعْواد التي كانت للجاهلية، مكتوبٌ على أحدها إفْعَلْ، وعلى الآخَر، لا تفعل، وعلى آخَر غفْل، فمتى خرج الذي غُفِلَ أعاد حتى

стр. 947

يخرج الذي عليه افعَلْ، فيمتَثِل، أو لا تفعل، فيفعل على كراهية أو يترك، (٢١٣) فمثله مَنْ أخَذَ الفال في المصحف، وما حهي في ذلك خلافا، وهذا هو المتردِّد بين الخير والشر، والأول يتعين للخير، فالاْول يبعث على حسن الظن بالله، والثاني بصَدَد اْن يكتسب سوء الظن بالله. والطِيَرة والتطير مكروهان: (٢١٤) أما الطِيَرة فلأنها من باب سوء الظن بالله. ثمّ المتَطيِّرُ هذا لا يكاد يَسْلمُ مما يتطير منه إذا فعله، وغيرُهُ لا يصيبه شيء من ذلك، وهذا لأنه أساء الظن بالله، وغيرُهُ لم يكن له ذلك. وقال الله تعالى (أيْ في الحديث القدْسي): "أنا عند ظن عبدي بي فليظُنَّ بي ما شاء"، وفي بعض الطرق: فلْيظُنَّ بي خيرا. (٢١٥) ثم ان هذا المَقام يحتاج إلى تفريق فيقال: إذا ظن ذلك لغير سَبب يقتضيه عادة فحينئذ يكون الامر كذلك، وإلَّا فَمَنْ خاف مما جرت العادة بأنه مُؤذٍ كالسموم والسباع والولاء ومعاداة الناس، وما هو من هذا النوع لا يكون حراما، لأنه خوْف من سبب محقَّقٍ في مجرى العادة. وقد نقل صاحب القبس عن بعض العلماء أن قول النبي ﷺ : "لا عَدْوى" ليْس

стр. 948

على إطلاقه في بعض الأمراض، لأجْل تحذيره من القُدوم على الوباء، (٢١٦) وهذا هو الشأن في مضي القلب على الحكم بمجْرَى العادات، ومن لم يمض على ذلك آل به الأمرُ إلى أن من لم يُقطع رأسه لا يموت، وما أشبه هذا، وذلك يجرُّ إلى الخروج عن نمط العقلاء، وهذا لأن الأكثريَّ كالمطرد الذي لا ينخرم، يتبعهما العقلاء، ولا مذمة تلحقهم على ذلك شرعا، بَلْ المذمَّة تَلحقهم لمخالفتها. وهذا القسم كشراء الصابون يوم السبت ونحو هذا من هذَيان العوام. ومن الأشياء ما هو قريب من أحد القسمين ولم يتمحض، كالعدوَى في بعض الأمراض ونحوه، فالورَع ترْك الخوف منه حذراً من ألطِيرة. ومن ذلك، الشؤمُ الوارد في الأحاديث، ففي الصحاح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشؤم في ثلاث: في الدار والمرأة والفَرَس" (٢١٧)، وفي بعضها: "إن

стр. 949

كان الشؤم ففي الدار والمرأة والفرس". قال صاحب المنتهي (٢١٨): يَحتمل أن يكون معناه إن كان الناس يعتقدون الشؤمَ فإنما يعتقدونه في هذه الثلاث، أو إن كان الشؤم واقعاً في نفس الامر ففي هذه الثلاث، وقد قال ﵇: "لا عدْوَى ولا هامَ ولا صَفَر، ولا يَحُلَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ، ولْيَحُلَّ المُصِحُّ حيث شاء. فلا عدوى، معناه لا يتضرر مريض بمريض. وكانت العرب تقول: إذا وقعت هامةٌ على بيت خرجَ منه ميت، وقيل: معناه إن العرب كانت تقول: إذا قُتِل أحَدٌ خرج من رأسه طائر لا يزال يقول: إسقُوني إسقوني حتى يُقتَلَ قاتِلُهُ، ولا صَفَرَ، هو الشهر الذي كانت الجاهلية تحَرِّمُ فيه صفر لتبيح المحرَّم. وقيل: كانت الجاهلية تقول: هو داء في الجوف يقتُلُ. والممْرِض على المصح، قيل: معناه لا يَحُلُّ المجذوم على الصحيح وان كان لا يُعْدي، فالنفس تكرهه، فهو من باب إزالة الضرر لا من العدوى، وقيل: هو ناسخ لقوله ﵇ "لا عدْوى". القاعدة التاسعة عشرة في الرؤيا التي تُعْبَرُ من التي لا تُعْبر . (٢١٩)

стр. 950

قال صاحب القبَس: (٢٢٠) تقؤل: رأيته رؤية إذا عاينتَه ببصرك، ورأيت رأياً إذا اعتقدت بقلبك، ورأيت رؤْيا بالقَصْر إذا عاينتَ في منامك. قال الكِرماني في كتابه الكبير: الرؤيا ثمانية أقسام: سبعة منها لا تُعَبَّرُ، وواحدة فقط هي التي تعبَّرُ. فأربعة نشأت عن الأخلاط الأربعة، فمن غلب عليه الصفراءُ رأى ما يناشها، وكذا في بقية الأخلاط. (٢٢١) القسم الخامس حديث النفس، ويُعْلم ذلك بكثرة الفكر فيه في اليقظة. القسم السادس من الشيطان، ويُعرَفُ بأن يكون فيه حثٌّ على ما تكرهه الشريعة وتُنكره ولَوْ بالمآل. والقسم السابع ما كان فيه احتلام. والقسم الثامن ما خرج عن هذه، وهو من ملك الرؤيا من اللوح المحفوظ. (٢٢٢)
следующие страницы →