← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

القاعدة الثامنة عشرة فيما يتعلق بالطِيَرة والفال، فأقول: (٢١١) يقال: تطيَّر وطيَّره، فالطِّيَرَة. الظن السيء الكامِنُ في القلب، والتَطُّير الفعل المرتَّبُ على سوء الظن من فرار أو غيره. وأمّا الفالُ فهو ما يُظَنُّ عنده الخير، عكس الطِيَرة والتطير. غير أنه، تارةً يتعيَّن الخبر للخير، وتارة يكون مترددا بينهما. فالمتعين للخير مثل الكلمة يسمعها الرجل من غير قصد، نحو، يا مسعودُ، ومنه تسبية الولد أو الغلا، بالاسم الحسَن، حتى مه ى سُمِعَ استبشَر القلب، فهذا فالٌ حسن مباح، وعليهما قول ﵇: "كَان يحِبُّ الفال الحسن" (٢١٢). وأما الفال الحرام فقال الطرطوشي في تعليقه: انَّ أخذ الفال في المصحف، وضَرْبَ الرمَّل والقرعة، والضرب بالشَّعير، حرامٌ جميعُ ذلك، لأنه من باب الاستقسام بالأزلام، فهو مثل الأعْواد التي كانت للجاهلية، مكتوبٌ على أحدها إفْعَلْ، وعلى الآخَر، لا تفعل، وعلى آخَر غفْل، فمتى خرج الذي غُفِلَ أعاد حتى

стр. 947

يخرج الذي عليه افعَلْ، فيمتَثِل، أو لا تفعل، فيفعل على كراهية أو يترك، (٢١٣) فمثله مَنْ أخَذَ الفال في المصحف، وما حهي في ذلك خلافا، وهذا هو المتردِّد بين الخير والشر، والأول يتعين للخير، فالاْول يبعث على حسن الظن بالله، والثاني بصَدَد اْن يكتسب سوء الظن بالله. والطِيَرة والتطير مكروهان: (٢١٤) أما الطِيَرة فلأنها من باب سوء الظن بالله. ثمّ المتَطيِّرُ هذا لا يكاد يَسْلمُ مما يتطير منه إذا فعله، وغيرُهُ لا يصيبه شيء من ذلك، وهذا لأنه أساء الظن بالله، وغيرُهُ لم يكن له ذلك. وقال الله تعالى (أيْ في الحديث القدْسي): "أنا عند ظن عبدي بي فليظُنَّ بي ما شاء"، وفي بعض الطرق: فلْيظُنَّ بي خيرا. (٢١٥) ثم ان هذا المَقام يحتاج إلى تفريق فيقال: إذا ظن ذلك لغير سَبب يقتضيه عادة فحينئذ يكون الامر كذلك، وإلَّا فَمَنْ خاف مما جرت العادة بأنه مُؤذٍ كالسموم والسباع والولاء ومعاداة الناس، وما هو من هذا النوع لا يكون حراما، لأنه خوْف من سبب محقَّقٍ في مجرى العادة. وقد نقل صاحب القبس عن بعض العلماء أن قول النبي ﷺ : "لا عَدْوى" ليْس

стр. 948

على إطلاقه في بعض الأمراض، لأجْل تحذيره من القُدوم على الوباء، (٢١٦) وهذا هو الشأن في مضي القلب على الحكم بمجْرَى العادات، ومن لم يمض على ذلك آل به الأمرُ إلى أن من لم يُقطع رأسه لا يموت، وما أشبه هذا، وذلك يجرُّ إلى الخروج عن نمط العقلاء، وهذا لأن الأكثريَّ كالمطرد الذي لا ينخرم، يتبعهما العقلاء، ولا مذمة تلحقهم على ذلك شرعا، بَلْ المذمَّة تَلحقهم لمخالفتها. وهذا القسم كشراء الصابون يوم السبت ونحو هذا من هذَيان العوام. ومن الأشياء ما هو قريب من أحد القسمين ولم يتمحض، كالعدوَى في بعض الأمراض ونحوه، فالورَع ترْك الخوف منه حذراً من ألطِيرة. ومن ذلك، الشؤمُ الوارد في الأحاديث، ففي الصحاح أن رسول الله ﷺ قال: "إن الشؤم في ثلاث: في الدار والمرأة والفَرَس" (٢١٧)، وفي بعضها: "إن

стр. 949

كان الشؤم ففي الدار والمرأة والفرس". قال صاحب المنتهي (٢١٨): يَحتمل أن يكون معناه إن كان الناس يعتقدون الشؤمَ فإنما يعتقدونه في هذه الثلاث، أو إن كان الشؤم واقعاً في نفس الامر ففي هذه الثلاث، وقد قال ﵇: "لا عدْوَى ولا هامَ ولا صَفَر، ولا يَحُلَّ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ، ولْيَحُلَّ المُصِحُّ حيث شاء. فلا عدوى، معناه لا يتضرر مريض بمريض. وكانت العرب تقول: إذا وقعت هامةٌ على بيت خرجَ منه ميت، وقيل: معناه إن العرب كانت تقول: إذا قُتِل أحَدٌ خرج من رأسه طائر لا يزال يقول: إسقُوني إسقوني حتى يُقتَلَ قاتِلُهُ، ولا صَفَرَ، هو الشهر الذي كانت الجاهلية تحَرِّمُ فيه صفر لتبيح المحرَّم. وقيل: كانت الجاهلية تقول: هو داء في الجوف يقتُلُ. والممْرِض على المصح، قيل: معناه لا يَحُلُّ المجذوم على الصحيح وان كان لا يُعْدي، فالنفس تكرهه، فهو من باب إزالة الضرر لا من العدوى، وقيل: هو ناسخ لقوله ﵇ "لا عدْوى". القاعدة التاسعة عشرة في الرؤيا التي تُعْبَرُ من التي لا تُعْبر . (٢١٩)

стр. 950

قال صاحب القبَس: (٢٢٠) تقؤل: رأيته رؤية إذا عاينتَه ببصرك، ورأيت رأياً إذا اعتقدت بقلبك، ورأيت رؤْيا بالقَصْر إذا عاينتَ في منامك. قال الكِرماني في كتابه الكبير: الرؤيا ثمانية أقسام: سبعة منها لا تُعَبَّرُ، وواحدة فقط هي التي تعبَّرُ. فأربعة نشأت عن الأخلاط الأربعة، فمن غلب عليه الصفراءُ رأى ما يناشها، وكذا في بقية الأخلاط. (٢٢١) القسم الخامس حديث النفس، ويُعْلم ذلك بكثرة الفكر فيه في اليقظة. القسم السادس من الشيطان، ويُعرَفُ بأن يكون فيه حثٌّ على ما تكرهه الشريعة وتُنكره ولَوْ بالمآل. والقسم السابع ما كان فيه احتلام. والقسم الثامن ما خرج عن هذه، وهو من ملك الرؤيا من اللوح المحفوظ. (٢٢٢)

стр. 951

وهنا سبع مسائل: المسألة الأولى. قال ﷺ : "الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، (٢٢٣)، فهل هذا التقسيمُ من حيث إنه ﷺ بقي ثلاثا

стр. 952

وعشرين سنة ينزل الوحي إلَيْه فيها، ومن جملتها ستة أشهر، ما كان ياتيه فيهاللا النوم، فكان يَرَى الرؤيا فتخْرُجُ كفلَقِ الصبح، (٢٢٤) ورَدَّ ابن العربي هذا وقال: يَرِدُ على هذا القول الاختلاف في العدد، فجاء سبعون، وجاء أقل من ستة وأَربعين، وجاء خمس وستون، وغيرُه هذا، وارتضَى القاضي أبو بكر ما قاله الطَّبري من أن التجربة هي بحسب اختلاف الرائين ومقاماتهم. وكَرِه مالكٌ أن يعْبُرَ الرؤيا من لا عِلْمَ له بها وقال: أيتلاَعب بالنبوة؟ ! لَمَّا قيل له: الرجلُ يَعلَم فيها الشر فيفسرها بالخير. وفي الموطأ: "الرؤيا الصالحة من الله، والحُلْمُ من الشيطان، فإذا رأى أحدُكم الشر فلينفِثْ عن يساره ثلاثَ مرات إذا استيقظ، ولْيتعوذْ بالله من شرها فإنها ليست تضره إن شاء الله". قال الباجي: يحتمل أن يريد بالصالحة المبَشِرةَ، ويحتمل الصادقةَ من الله، ويريد بالحُلْم ما يُحْزِن، ويحتمل أن يريد به الكاذب. قال ابن وهب: يقول في الاستعاذة إذا نَفَثَ عن يساره: أعوذ بمن استعاذت به ملائكة الله ورسلُه من شر ما رأيتُ في منامي هذا أن يصيبني منه شيء أكرَهه، ثم يتحول على جانبه الآخَر. قال الشيخ أبو الوليد في المقدِّمات: الفرق بين رؤيا الانبياء وغيرهم أن رؤيا غيرهم إذا أخطأ في تَاويلها تَخْرج كما أُوّلَتْ، (٢٢٥) بخلاف رؤيا الانبياء.

стр. 953

المسألة الثانية. المعتزلة تقول في الرؤيا: هي تخاييل لا حقيقةَ لها، وأصحابنا لهم ثلاثة أقوال: قال القاضي (٢٢٦): هي خواطر واعتقادات، وقال الاستاذ أبو اسحاق: هي إدراك بأجزاءَ لم تحلَّها آفة النوم، وقيل: هي إدراك روحاني، وما يُرى من الصور فهي أمثلة تُضرَب له على ذلك. (٢٢٧)

стр. 954

قلت: قال الإِمام فخر الدين: إن الحِسّ المشترَك تنطبع فيه الصورة الظاهرة في الخارج والصور الحاصلة في الباطن، فتارةً تَرِد عليه من داخل، وتارة من خارج، وهو قابل لما يَرِد من الموضعين، والادراك لا يتعلق بما في الخارج ولا بما في الباطن، وانما يتعلق بما انطبع في الحس المشترَك من أي جهة كان انطباعه، لكنْ إيرادُ الحواس الظاهرة أقوى من إيراد الأمور الباطنة، ولهذا إذا كان الانسان متيقظا تتعطّلُ عليه الايرادات الباطنة إلا القليلَ من الناس وهُم الفضلاء من الخلْق، حتى إذا كان النَّومُ وُجِدتْ الامورُ الباطنية، للايراد على الحس المشترك لتعطيل الحواس. ومن هذا إيرادُها عند المرض، وهذا لِضَعْف حواس المريض، وكذا الأمْرُ فيما يَرِدُ حال الخوف الشديد. ثم قال: الصُّوَرُ التي تُرَكِّبها القُوى الخيِّلة قد تكون كاذبة وقد تكون صادقة. فالكاذبة لأسباب ثلالة: الأول: إذا أحَسَّ الانسان وثبتتْ الصورة المحسوسة في الخيال بعْد النوم ترتسم في الحس المشترك.

стр. 955

الثاني أن القوة المفَكِّرة إذا ألَّفَتْ صورةً حفِظَتْها القوة الخيالية، فعند النوم تَرُدُّها على الحس المشترَك. الثالث: تغيُّرُ مِزاجِ الرُّوحِ للقوة التخيلة يوجب تغَير أفعالها بِحسب تلك التغيرات. وأمَّا الصَّادقة فتنبَنِي على مقدمتين: الواحدة أن جميع ما كان ويكون، معلومٌ للبارى تعالى والعقل والنفوس. (٢٢٨) الثانية أن النفوس الناطقة شأنها الاتصال بتلك المبادئ، وانما يعوق ذلك استغراق النفس في تدبير البدن، فإذا حصل لها أدنى فراغ كما يكون في النوْمِ حصل اتصال انطاعها بتلك المبادئ فينقطح فيها من الصور الحاصلة هنالك ما هو أليقُ بتلك النفس من أحْوالها وأحوال ما يَقْرُبُ منها من الأهْلِ والوَلد والْبَلَد. ثمّ إن المتخيلة تُحَاكِي تلك المعاني الكلية بصور جزئية فتنطبع تلك الصورٍ في الحس المشترك، فيصيرُ مشاهَدَة. ثم إن كانت تلك الصوَرُ الجُزئية مناسبةً للكلية حتى لم يقع الفرق إلّا بما بين الجزئي والكلي لم تحْتَجْ إلى تغيْير، وإلَّا

стр. 956

احتاجت، فإن كانت المناسَبَة بوجْهٍ ما حاصلةً فهى رؤياه والا فهي أضغاث أحْلامٍ. (٢٢٩) المسألة الثالثة قال الاستاذ أبو اسحاق ﵁: الإِدراك يُضاده النوم اتفاقا، والرؤيا إدراك المِثْلِ، فكيف تجتمع مع النوم؟ . وأجاب بأن النفس ذاتُ جواهر، فإنْ عَمّها النومُ فلا إدراك ولا منام، وإن قام عَرَضُ النوم ببعضها أمْكن قيام إدراك المنام بالبعض الآخَرِ، وكذلك اكثر المنامات آخر الليل عند خِفّة النوم. المسألة الرابعة: إذا كان المُدرَك إنما هي المُثُل، وبه خرَجَ الجوابُ عن رسول الله ﷺ يُرَى في الآن الواحدِ في مكانين، فإنّ المرئي في مكانين مثالان ولا إشكال حينئذ. وأمّا إشكال أن يكون الواحد في مكانين في زمان واحد فأجاب

стр. 957

الصوفيةُ بأنه ﵇ كالشمس يُرَى في أماكن عِدَّةٍ وهي واحدة، وهو باطل، فإنَّ رسول الله ﷺ يراه زيدٌ في بيته، ويراه عمْرٌو، كذلك ويراه في بيته بجملتِه، والشمس إنما تُرى من أماكن عِدة وهي بمكان واحد، فلو رِيئَتْ داخل بَيْتٍ بِجِرْمها استحال رؤية جِرمِها داخِل بيتٍ آخر، وهذا هو الذي يوازي رؤية رسول الله عدرو: في بيتين، والاشكال لم يَرِدْ في رؤيته في مواضع عدة، وإنما ورد بحسَب ما قلنا، فلا يتجه الجواب إلا بإثبات المُثُل وتعدادها. (٢٣٠) قلت: أبو حامد الغزالي من الصوفية وهو قائل بأن الرؤية تعلَّقت بالمثال، وأنكر غيره، وبَلَّدَ من لَمْ يقل به، وهذا هو معنى قوله ﵇: "فقد رآني حقاً"، أي رأى مثالي فإن الشيطان لا يتمثل بي، وأن الخبر شهِد بعصمة المِثال من الشيطان. المسألة الخامسة. قال شهاب الدين: قال العلماء: إنما تصِحُّ رؤية التي ﷺ لأحدِ رجلين: أحدُهما صحابي رآه فعلم صفته فانطبع في نفْسِهِ مثالُهُ، وثانيهما رجل تكرر عليه عاع صفاته بالنقل حتى انطبعت في نفسه صفته ﵇ ومثاله المعصوم، كما انطبع لمن رآه، (٢٣١) فهذان ينتفي عنهما اللبْسُ والرّيْبُ،

стр. 958

وغيرهما لا يحصل له الجزم، بأنه راه ولو وجد في نفسه أن المرئي هو النفس أو يقول له قائل: هذا النبيُّ. قلت: لقد ضيَّقت واسعا، وما علَى الذي قلتَه دليل ولا برْهانٌ إلا مجرد دعوى الحق في خلافها. ثم الذي عليه المعَبِّرون خلاف هذا. ثم هذا الاشتراط يُعَطِّلُ زؤية الله ورؤية الملائكة، فإنه يلزمك أن لا تصح رؤية الحق تعالى لأنه لا صورة له، حتى يتمثل لنا صورةً كصورته (٢٣٢). والله أعلم. قال شهاب الدين: "فَرْع " لَو أنَّ رجلا رأى النبي ﷺ ، وأخبَره بأن امرأته طالقٌ ثلاثا، وهو جازم بأنه لم يُطلّقها، ماذا يصْنَعُ؟ فقال: يُقدِم حال اليقظة على حال النوْم، فلا تُطَلَّق عليه، وهذا لتَطرق الاحتمال للرائي بالغلط في ضبط المثال، وتطرّقُ الاحتمال إلى النوم أقربُ من تطرق الاحتمال لِحَال اليقظة. (٢٣٣)

стр. 959

المسألة السادسة: رؤية الله تعال في النوم تصح، (٢٣٤)، ولذلك أحوال: ١) أحدها أن يراه في النوم على النحو الذي دل عليه العقل والنقل من صفات الكمال، والسلامة من الصفات الدالة على الحدوث، من الجسمية وغيرها، فهذا نجوّزه في الدنيا كما نجوّزه في الآخرة، ونجزمُ بوقوعه في الدار الآخرة للمومنين، (٢٣٥) ولكن من ادَّعى هذه الحالة وهو من غير أهْلها كالعصاة والمقَصّرين كذَّبناه، أَو من الأولياء المتقين لا نُكذّبه، ونُسَلِّم له حالَهُ.

стр. 960

وقَوْلُهُ تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، (٢٣٦) فيه تاويلات، وهو عموم يقبَل التخصيص، وخَبَرُ العدل مقبول في تخصيص العموم، ونحن نقبل خبر الأولياء في خوارق العادات التي هي الكرامات، فكيف لا نَقبَله في تخصيص العمومات. وثانيها أن يراه سبحانه في سورة مستحيلة عليه ، كمن يقول: رأيته في سورة رجل ويَفْهَم الرائي من تلك الصورة أنَّها خَلْقٌ من خلق الله تعالى تَرَآءى له الموَلَى فيها، فهذه الحالةُ أيضا صحيحة جائزة. الحالة الثالثة أن يَرَى هذه الصورة الجسْمية ويَعتَقِد أنَّها الله حقيقةً، ولا يَخْطرٌ له في النوم معنى المجاز البتَّة، فهذه يحتَمل أن تكون رؤيا صحيحة، وكان الغلط ح ذلك للرائي، ويحتمل أن تكون كذبا، والشيطان خَيَّل له ذلك ليُضلّه، فلو اعتقد في اليقظة أن الذي رآه حق ولا شك فيه أىى من الجسمية المرئية لكان كافراً، وقد تكون تلك الصورة، فيها من الحقارة ما يكون سببا لأن يكَفره الحَشْويَّةُ الذين يقولون بالجِسْميَّةِ. المسألة السابعة في تحقيق مُثُل الرؤيا. إعْلَمْ أن أدلة هذه المُثُل على المعاني كدلالة الألفاظ الصوفية والرقوم الكتابية عليها. واعْلَمْ أنه يقع فيها جميع ما يقع في الألفاظ من المشترك. والمتواطِئ، والمترادِف والمتبايِن، والمجاز، والحقيقة، والمفهوم والخصوص، والمقيَّد، والتصحيف،

стр. 961

والقلب، والجمع بينهما، والصريح والكناية، والمعاريض حتي يقع فيه ما يقع في الألفاظ من قولهم: أبو يوسف أبو حنيفة، (٢٣٧) وزيدٌ زُهيرٌ (٢٣٨) شِعْراً. فالمشترَكُ كالفيل هو مَلِكٌ أعجميٌّ، وهو الطلاق الثلاث. لأن عادة أهْل الهند إذا طلّق أحدٌ ثلاثا ألْقوْه على فيل، فلمّا كان من لوازم الطَّلاق عُبِّر به عن الطلاق، والمتواطئ كالشجرة وهي رجلٌ، أيَّ رجُلٍ كان. ثمّ إن كانتْ تنبت في العجم فهو رجل أعْجَمي، أو عند العرب فهو عربي أو لا ثمر لها فلا خير فيه، أوْلها شَوْك فهو كثير الشر، أوْلها ثمر له قِشر فلهُ خيْرٌ لا يوصل اليه إلا بعْد مشقة، وهذا هو المُطْلَقُ والمقَيَّدُ، فحصلتْ القيود بالأمور الخارجة، كالصَّاعد على المنبر، الصعود ولاية، وهي مشترَكة بين الولايات ومطلقةٌ،

стр. 962

فإن كان الرَّائي فقيها كانت الولاية قضاءً، أو أميرًا فَوالٍ، أو من بيت المُلك فملِكٌ إلى غير ذلك. وكذلك ينصرف للخير بقرينة الرائي وحاله، وإن كان ظاهره الشر فينصرف للشر بقرينة الرائي وحاله، كمن رأى أنه مات، فالرجُل الخيِّر ماتت حظوظه وصلحت نفسه، والرَّجُل الشريرُ ماتَ قلبُهُ، والمترادفة كالفاكهة الصَّفراء تدل على الهَمِّ، وحَمْلُ الصغير يدل عليه أيضا. والمتبايِن كالأخذ من الميت والدَّفع له، والمجاز والحقيقة كالبحر هو السلطان حقيقةً، ويعبَّر به عن سَعة العلم مجازا، والعموم كمن رى أن أَسنانه سفطت في التراب فإنه يموت أقاربه، فإن كان في نفس الأمْر إنما يموت بعض أقاربه قبل موته فهو عامّ أريد به الخصوص. وأما أبو يوسف أبو حنيفة فالرؤيا تُرَى لشخص، والمراد من يشبهه أوْ مَن يتسمى باسمه، وبَسْطُ هذه التفاصيل في كتب التعبير (أيْ تعبير الرؤيا وتأويلها). واعْلمْ أن للعبارة قوةً نفسية يخلقها الله على تلك الحالة، فبها يَقْدِر المعَبِّر على العبارة، فقد يكون ذلك لإِنسان بحسب الرؤيا فقط، وقد يكون ذلك لإِنسان آخرَ بحسب الرؤيا وغيرها، وذَلكَ أكمَلُ، ومن كانتْ له قوةُ نفسِ، ومعرفةٌ بالقواعد، وهو ذو علم، ينتفع بتعابِيره وتظهر منه العجائب في تفسيرها حتى إنه ليقال: إنه حديثٌ أخَذَه من الجن أوْلَهُ مُكاشَفة، والقوة النفسانية لا تُنال بسَعى كسْبٍ، وإنما هي موهبة من الله تعالى يهبها لمن يشاء من عباده (٢٣٨ م).

стр. 963

القاعدة العشرون: في تقرير ما يباح من عِشْرة الناس من المكارمة وما يُنهَى عنه مِنْ ذلك (٢٣٩) إعلَمْ أن الذي فيهاحُ من إكرام الناس قسمان: القسم الأول: ما وردت فيه نصوص الشريعة من إفشاء السلام وإطعام الطعام، وتشميت العاطس، والمصافحة عند اللقاء، والاستئذان عند الدخول،

стр. 964

وأنْ لَّا يجلسَ على تكرمته إلا بإذنه أيْ على فراشه، ولَا يؤمُّ منزلَه إلا بإذنه، ونحْو ذلك مما هو مبسوط في كتب الفقه (٢٤٠).

стр. 965

القسم الثاني: ما لم يَرد في النصوص ولا كان في السلف، لأنه لم تكن أسْبابُ اعتباره موجودةً حينئذ، وتحددت في عصرنا، فتعيَّن فعله لتحدُّدِ أسبابه، لَا لأنه شَرْعْ مستأنَفٌ، بل عُلِمَ من القواعد الشرعية أن هذه الاسبابَ لو وُجدتْ في زمنِ الصحابة ﵃ لكانت هذه المسبَّباتُ من فعلهم، فتأَخَّر الحكم لتأخر سببه. (٢٤١) ولا فرقَ بيْنَ أن يُعلَم ذلك بنص أو بقواعدِ الشرع. وهذا القِسم هو ما في زماننا من القيام للداخل من الأعيان وإحناء الرأس له، إن عَظُم قدْرُهُ جدًّا، والمخاطبةُ بجمال الدين وغير ذلك من النعوت، والإعراض عن الأعاء والكُنَى، والمكاتبات بالنعوت أيضا، كلَّ أحد على قدره، وتسطير اسم الكاتب بالمملوك ونحوه، والتعبير عن المكتوب إليه بالمجلس الناس في المجالس، والجناب، ونحو ذلك من الأوضاع الغَرِبيةِ، ومن ذلك ترتيب الناس في المجالس، فهذا لم يكن عند السلف، ونحن اليوم نفعله، وهو جائز مامور به مع كونه بدعة. وبهذا أفتى عزّ الدين بن عبد السلام، وكان لا تاخذه في الله لوْمةُ لائمِ، حيث

стр. 966

كُتبتْ (وقُدِّمَتْ) إليه في هذا الشأن فُتْيا، فقال: "قال رسول الله ﷺ : "لا تَبَاغَضُوا ولا تَحاسَدوا ولا تدَبَروا ولا تقَاطَعوا وكونوا عباد الله إخوانا" (٢٤٢)، وترْكُ القيام في هذا الوقت يُفضى للمقاطعة، فلو قيل بوجوبه ما كان بعيداً، هذا نصُّ ما كَتَبَ جوابا عن الفتيا، بغير زيادة ولا نقص، وهو معتى قول عمر بن عبد العزيز: "تُحْدَثُ للناس أقضيةٌ بقَدْر ما أحْدثوا من الفجور"، أي يُحْدِثون أسبابا فتُرتَّبُ أحكامٌ على نسبة ذلك، الشرعُ يجيزها، لا أنه يُحْدَثُ شرعٌ لم يكن، وهذا بشرط أن لا يستبيحَ محرَّما ولا يتركَ واجبا. ثم القيام قد يكون محرّماً إن فُعِلَ تعظيما لمن يحبه تجبراً من غير ضرورة، ومكروها إذَا فُعِل تعظيما لمن لا يحبه، لأنه يُشبِه فعل الجبابرة ويوقع فساد قلب الذي يقام له، وهو مباح إذا فُعِلَ إجلالا لمن لا ريده، ومندوبٌ للقادم مِنْ السَّفَر. (٢٤٣).

стр. 967

وها هنا مسائلُ: المسألة الأولى: المصافَحَة: ففي الحديث عن رسول ﷺ : "إذا تلاقَى الرجلان فتصافَحَا تحاثَّتْ ذنوبُهما، وكان أقربُهما إلى اللهِ أقربَهما بِشْراً"، وهذا يقتضي أن المصافحة إنما شُرِعت عند اللقاء لا عند الفراغ من الصلاة، وذُكر عن مالك كراهةُ المصافحة، والمشهور أنها مستَحبة، قاله أبو الوليد بن رشد (٢٤٤).

стр. 968

المسألة الثانية: المعَانَقة، كرِهها مالك، لأنها لم تُرْوَ عن رسول الله ﷺ إلَّا مع جعفر، ولم يَجْرِ العمل بها من الصحابة بعده. قال أبو الوليد في كتاب البيان: لأن النفوسَ تنفر عنها، لأنها لا تكون إلا لوازع مِن فَرْط ألَم الشوق أو مع الأهل. ودخل سفيان بن عُيينة على مالك ﵁ فصافحهُ مالك وقال: لولا أن المعانقة بدعة لعانقتُك، فقال سفيان: عانَقَ مَن هو خيرٌ مني ومنك: عانقَ النبيُّ ﷺ جعفراً حين قدِم من الحبشة، قال مالك: ذلك خاص بجعفر، قال سفيان: بل عامٌّ، ما يسعُ جعفراً يسَعُنا إذا كنا صالحين، أفتأذنُ لي أن أحدِّث في مجلسك؟ قال: نَعم يا أبا محمد، قال: حدَّثني عبد الله بن طاوس عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: لَمَّا قدِم جعفر بنُ أبي طالب من أرض الحبشة إعتنقه النبيُّ ﷺ وقبَّلَه بيْن عينيه (٢٤٥). وقال: جعفر أشبهُ الناس بنا خَلْقا وخُلُقاً. يا جعفرُ، ما رأيتَ بأرض الحبشة؟ قال: يا رسولَ الله، بَيْنَا أنا أمشِي في بعض أزقتها، إذا سوداء، على رأسها مَكْتَل، فيه بُرٌّ، فصدَمها رجل على دابته، فوخ مكْتَلُها وانتشَر بُرّها، فاقبلَتْ تجمعه من التراب وهي تقول: ويْلٌ للظالم من دَيَّانِ يوم القيامة، ويلٌ للظالم من المظلوم يوم القيامة، ويل للظالم إذا وُضِعَ الكرسي للفصل يوم القيامة، فقال النبي ﷺ : لا يُقَدِّس الله أمّة لا تاخذ لضعيفها من قويهاحقَّه غيرَ متعتعٍ".

стр. 969

ثم قال سفيان: قد قدِمتُ لِأصَلِّيَ في مسجد رسول الله ﷺ وأبشرَك برؤيا رأيتها، فقال مالك: نامتْ عينُك (٢٤٦)، خيراً إن شاء الله، قال سفيان: رأيتُ كأن قبر رسول الله ﷺ انشق، فأقبل الناس يهرعون من كل جانب، والنبي ﷺ يَرُدّ بأحسنِ ردّ، قال سفيان: فإني بِكَ، واللهِ، أعرفك في منامِي كما أعْرفك في يقظِتي، فسَلَّمْتَ عليه فردَّ عليك السلام، ثم رمَى في حِجْرك بخاتم نزعه منْ أصبعه، فاتقِ الله فيما أعطاك ﵇، فبهي مالك بكاء شديدا. قال سفيان: السلام عليكم، قال (٢٤٧): خارجٌ الساعةَ؟ قال: نعم، فودّعه مالك، وخرج. المسألة الثالثة: تقبِيلُ اليد. قال مالك: إذا قَدِمَ الرجلُ مِنْ سفرِه فلا باس أن يُقَبل بنتَه وأخته في خدها. (٢٤٨) قال شهاب الدين: وقول مالك انه يقبل خدَّا بنتِهِ، محمول على ما إذا كان هو وغيره عنده سواء، أمّا متَى حصل الفرق في النفْس صار استمتاعا حراما، والانسان يطالع قلبه ويحَكِّمه في ذلك (٢٤٩).

стр. 970

المسألة الرابعة: اختلَف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. قال ابن عَطية في تفسيره: قيلَ إنَّ أو للتنويع لا للتخيير، وقيل: للتخيير، ومعناه أنَّ الانسان مخيَّرٌ في أن يَرُدَّ أحسنَ أو يقتصر على لفظ المبتدئ إن كان قد وقف دون البركات، وإلا بطل التخيير، لِتَعَيُّن المساواة. وقيل: لابد من الانتهاء إلى لفظ البركات مطلقا، وحينئذ يتعين تنويع الردّ إلى المثل إن كان المبتدئ انتهى للبركات، وإلى الأحسن إن كان المبتدئ اقتصر دون البركات، فهذا معنى التخيير والتنويع. القاعدة الحادية والعشرون: في بيان ما يجب النهي عنه من المفاسد وما يَحرُمُ وما يُندَبُ . (٢٥٠) قال ﷺ : "لَتامُرُنَّ بالمعروف ولَتَنْهَوُنَّ عن المنكر أو ليوشكَنَّ أن يبعث الله عقابا منه ثم تدْعونه فلا يستجابُ لكم" (٢٥١).

стр. 971

ثم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروط: الأول: أن يَعلَم (الامر والناهي) ما يامُرُ به وينهَى عنه، فالجاهل بالحكم لا يحِل له النهي عمّا يرَاه ولا الأمر به. الشرط الثاني: أن يأمَنَ من أن يؤَدي إنكارُهُ إلى منكَر أكثرَ منه، مثل أنْ ينهى عن شرب الخمر فيؤولَ نهيه عنه إلى قتل النفس أو نحوه. الشرط الثالث: أن يغلب على ظنه أن إنكاره المنكَرَ مُزِيل له، وأن أمْرَه بالمعروف مؤثِر في تحصيله. فعَدَمُ أحدِ الشرطين الأوليْن يوجب التحريم، وعدم الشرط الثالث يُسقِط الوجوبَ وهي الجواز والندب. ثم مراتب الإِنكار ثلاثة: أقواها أن يغير بيده، وهو واجب عَيناً مع القدرة، فإن لم يَقدر على ذلك انتقل للتعبير بالقول وهي المرتبة الثانية، وليَكُنْ ذلك برفق، لقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ (٢٥٢)، فإن عجز عن القول انتقل للمرتبة الثالثة وهي الإِنكار بالقلب، وهي أضعفُها. قال ﷺ : "من رأى منكم منكراً فلْيُغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإِيمان". (٢٥٣) الحديث ... الخ.

стр. 972

وقال شهاب الدين: قوله ﵇: "ليس وراءَ ذلك من الايمان حبَّةُ خردل" (٢٥٤)، مراده الايمان الفعلي الوارد في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (٢٥٥)، فأقوَى الايمان الفعلي ما كان باليد، وبعده ما كان بالقول، وأضعَفُهُ ما كان بالقلب، ولم يتعرض للايمان المطلق. وهنا ست مسائل: المسألة الأولى: الوالدان يُومَرَانِ بالمعروف ويُنهَيَانِ عن المنكر، ويُخفَضُ لهما جناحُ الذل من الرحمة (٢٥٦).

стр. 973

المسألة الثانية: قال بعض العلماء: لا يشترط في النهي عن المنكَرِ أن يكون ملابِساً معصيةً، بل يُشتَرَطُ أن يكون ملابِسا لمفسدة واجبة الدفع، أو تاركا لمصلحةٍ واجبة الحصول، وله أمثلة: أحدُهَا: أمْرُ الجاهلِ بمعروف لا يعرفه، ونهْيُهُ عن منكر لا يعرف أنه منكر كنهْي الانبياء ﵈ أمَمَهُم أوّلَ بعثتهم. وثانيها: قِتال البغاة وهم على تأويل. (٢٥٧). وثالثها: ضرب الصبيان (٢٥٨) على ملابَسة الفواحش، ومنه ضرب البهائم للتعليم والرياضة. المسألة الثالثة: قال العلماء: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على الفور إجماعا، فمن أمكنه أن يامُر بمعروف وجب عليه. المسألة الرابعة: إذا رأينا مَنَ فعَلَ شيئا مختلَفا في تحريمه وتحليله وهو يعتقد تحريمه أنْكرنا عليه، وإن اعتقد تحليله لم يُنكَر عليه، إلا أن يكون مُدْرَك التحليل

стр. 974

ضعيفا جدا يُنفَض قضاءُ القاضي بمثله، لبطلانه في الشرْع، كوطء الجارية بالِإباحة، معتقِداً لِمَذْهب عطاء (٢٥٩). المسألة الخامسة: المندوبات والمكروهات يدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الارشاد للورع ولِما هو أوْلى، من غير تعنيف ولا توبيخ، بل يكون ذلك من باب التعاون على البِّرِ والتقوى (٢٦٠). المسألة السادسة: قولُنَا في شروط الامر بالمعروف والنهي عن المنكر: ما لَمْ يُؤدّ إلى مفسدة هي أعظم، هذِه المفسدة قسمان: تارة تكون إذا نَهَاهُ عن منكَر، فَعَلَ ما هو أعظَمُ منه في غير الناهى، وتارة بفعله في الناهى، بأن ينهاه عن الزنى فيقتله، أعْني، الناهي يقتله الملابس للمنكَر. والقسم الأول اتفق الناس عليه، وأنه يحرم النهي عنه حينئذ. والقسم الثاني اختلفوا فيه، فمنهم من سَوَّى بينهما، ومنهُمْ من فَرَّق وقال: هذا لا يمنع، والتغرير بالنفوس مشروع في طاعة الله، قال ﷺ : "أفضل الجهاد كلمةُ حق عند سلطان جائر" (٢٦١)، ومعلوم أنه عرّض نفسه للقتل بمجرد هذه الكلمة.

стр. 975

القاعدة الثانية والعشرون فى الفرق بين الرياء في العبادات وبين التشريك فيها . (٢٦٢)

стр. 976

إعلَمْ أن العامل إذا عمِل عمَلًا لا يريد به وجْه الله البتَّة، بل الناسَ، فهذا القِسْم يسمَّى رياءَ الإِخلاص، فإن أراد به وجه الله والناسَ بأن يعظموه فيصِلَ إليه نفعهم، أو يدفعَ عنه ضرَّهم، فهذا. يسمّى رياءَ الشركاء. والاول لا كلام فيه، إذْ ليس له عمل يُنظَر فيه بأنه فسَدَ أم لا، وإنما الكلام في الثاني، وهو باطل لا اعتدادَ به، لقوله تعالى (في الحديث القدسى): "أنا أغنَى الأغنياء عن الشِرك، فمن عمِل عملا أشركَ فيه غيري تركتُهْ لَه"، (٢٦٣) ولقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾. (٢٦٤) وأغراض الرياء ثلاثة: التعظيم، وجلبُ المصالح، ودفع المضار، والأول هو الاصل، فإذا حصل جاَءتْ المصالح واندفعتْ المضار. (٢٦٥) فأمَّا مطلَقُ التشريك

стр. 977

فلا يحصُلُ، كمنْ جاهد لتحصل له الغنيمة والأجْر، وهذا جائز بإجماع. وإنما الذي يَحْرم، أن يجاهد للاجر وليقال، أو ليعظمه السلطان ويعطيه أكثر مما يعطي غيره، وهذا بسبب أن الريَاءَ أن يعمل ليراه غيرُ الله تعالى مِنْ خلقِه، والرؤية لَا تصح إلا من الخلق، فمن لا يرى ولا يبصر لا يقال في العمل بالنسبة إليه رياءٌ، والمال الماخوذ من الغنيمة لا تصح منه رؤية. وكذلك من حج وشَرَّك في حَجِّهِ المتْجَر، لهذه العلة التي ذكرنا، (٢٦٦) وكذلك من صامَ ليَصحَّ جسَدُهُ أو ليحْصُلَ له زوالُ مرض من الأمراض، فيكون الصوم مقصوداً له مع التداوِي، فقد قال ﵇: "فمن لم يستطع فعليه بالصوم، فإن الصومَ له وجاءٌ"، (٢٦٧) ولو كان ذلك قادحا لم يامر به ﵇.

стр. 978

ومن ذلك أن يجدد وضوءه ليحصل له التبربد والتنظيف، فظهر بهذا، الفرقُ بين الرياء والتشريك في العبادات. (٢٦٨) نعم، لاشك أن هذه الاغراضَ المخالفة للعبادة قد تنقص الأجر، وأن العبادة إذا تجردتْ عنها زادَ الأجر، أما البطلان والإِثم فلا، والله أعلم. القاعدة الثالثة والعشرون: فِيما به يكون التفضيل . (٢٦٩) إعلم أنه يكون بوجوه مختلفة:

стр. 979

الأول: تفضيل الشيء على غيره بذاته، وهذا كالواجب لذاته، له الفضل على غيره، وكالعلم يفضُلُ الجهلَ لذاته، وكالحياة تَفضُلُ الموت لذاته. (٢٧٠) الثاني: التفضيل بالصفة الحقيقية القائمة بالمفضَّل، وهذا كتفضيل العالِمِ على الجاهل، بالعلم، كتفضيل القادر على العاجز بسبب القدرة القائمة به (٢٧١). الثالث: التفضيلُ بطاعة الله تعالى كتفضيل المومن على الكافر، كتفضيل أهل الكتاب على عَبَدة الاوثان، كتفضيل الشاهد على غيره، كتفضيل العالم علَى الشهيد. (٢٧٢)

стр. 980

الرابع: التفضيل بكثرة الثواب الواقع في العمل المفضَّل، كالإِيمان أفضلُ مِنْ جميعِ الأعمالِ، كصلاةِ الجماعة أفضلُ من صلاة الفذ. (٢٧٣) الخامس التفضيل بشرف الوجوب ككلام الله القديم، فهو أشرف من سائر كلام النفوس كشرف موصوفه على كل موصوف. (٢٧٤) السادس: التفضيل بشرف الصدور، كشرف ألفاظ القرآن على غيرها من الألفاظ، لكون الرب تعالى هو المتوفي لِرَصْفه ونظامه في نفس جبريل على وفق إرادته تعالى دون إرادة جبريل. وهذا الذي ذكرناه هنا مما تمتاز به ألفاظ القرآن عَنْ سائر الالفاظ، وامتاز القرآن الكريم أيضا بوجوه أخرى من الإِعجاز على. جميع الكتب المنزلة البيت هي كلام الله تعالى كالتوراة والانجيل. (٢٧٥)

стр. 981

السابع: التفضيل بشَرف المدلول، وهذا كتفضيل الأذكار الدالة على ذات الله تعالى وصفاته العلى وأسمائه الحسنى، كتفضيل الآيات الدالة على التوحيد على الآيات المتعلقة بذم أبي لهب وفرعونَ ونحوهما. الثامن: التفضيل بشرف الدلالة لا شرف المدلول، كالحروف الدالة علَى الاوصاف الدالة على كلام الله تعالى. التاسع: التفضيلُ بشرف التعلق كتفضيل العلم على الحياة، فإن الحياة لا تتعلق بشيء، بل لها موصوف فقط، والعلم له موصوف ومتعَلَّقٌ، وليس في الصفات السبع ما لا تَعَلَّقَ لها إلَّا الحياةُ. (٢٧٦) العاشر: التفضيلُ بشرف المتعلَّق به، كتفضيل العلم المتعلِّق بذات الله تعالى على غيره. (٢٧٧)

стр. 982

الحادي عشر: التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل علم الله على قدرته. (٢٧٨)

стр. 983

الثاني عشَرَ: التفضيلُ بالمجاوَرة كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محْدِثٌ، ولا غيرُ ذلك من الأحكام المتعلقة به. الثالثَ عشر: التفضيل بالحلول كتفضيل قبره ﷺ على جميع بقاع الارض، حكى القاضي أبو الفضلِ الاجماعَ في ذلك في كتاب الشِّفَا له، ولمَّا خَفي هذا المعنى على بعض الفضلاء أنكرَ الاجماع الذي ذكره أبُو الفضل وقال: التفضيل إنما هو بكثرة الثواب على الأعمال، والعملُ على قبر رسول الله ﷺ محرَّم، والصوابُ ليس معه، لحصره التفضيلَ وليس بمنحَصِر. الرابع عشر: التفضيل بسبب الإضافة، كقوْلهِ تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ (٢٧٩)، ؛ أن الإهانةَ بقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾، وممَّا ذكرناه بيتُ الله، وحَرَمُ الله

стр. 984

الخامس عشر: التفضيل بالأنساب والأسباب، كتفضيل ذريته ﵇ على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله ﷺ . السادس عشر: التفضيل بالجدوَى والثمرة كتفضيل العالم على العابد، لأن العالِم يُفيضُ خيرَه على غيره، والعابدُ قصرَ خيره على نفسه. (٢٨٠). السابع عشر: التفضيل بأعظمِ ثمرة وأكثرِها، وهذا كثمرة النحو واللغة، لكن النحو أعظم فائدة. (٢٨١)

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →