Полный текст (1 044 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
السابع: التفضيل بشَرف المدلول، وهذا كتفضيل الأذكار الدالة على ذات الله تعالى وصفاته العلى وأسمائه الحسنى، كتفضيل الآيات الدالة على التوحيد على الآيات المتعلقة بذم أبي لهب وفرعونَ ونحوهما.
الثامن: التفضيل بشرف الدلالة لا شرف المدلول، كالحروف الدالة علَى الاوصاف الدالة على كلام الله تعالى.
التاسع: التفضيلُ بشرف التعلق كتفضيل العلم على الحياة، فإن الحياة لا تتعلق بشيء، بل لها موصوف فقط، والعلم له موصوف ومتعَلَّقٌ، وليس في الصفات السبع ما لا تَعَلَّقَ لها إلَّا الحياةُ. (٢٧٦)
العاشر: التفضيلُ بشرف المتعلَّق به، كتفضيل العلم المتعلِّق بذات الله تعالى على غيره. (٢٧٧) الحواشي
(٢٧٦) قال ابن الشاط: ما قاله القرافي في القاعدة السابعة والثامنة والتاسعة، كلّه صحيح.(٢٧٧) قال القرافي: وكتفضيل علم الفقه على علم الطب لتعلقه برسالات الله تعالى وأحكامه، وهذا القسم غير المدلول، فكل مدلول متَعَلِّقٌ، وليس كلّ متعلّقٍ مدلولا، لأن الدلالة والمدلول من باب الالفاظ والحقائق الدالة، كالصنعة على الصانع، فإنها تدل عليه، وأمّا العلم ونحوه فلا يقال له دالٌّ، بل مدلول في نفسه، وليس بدليل على غيره، بل له متعَلّقٌ خاص، وهو معلومه، وكذلك الإِادة المتعلقة بالخيور أفضل من الإِرادة المتعلقة بالشرور، والنيةُ في الصلاة أفضل من النية في الطهارة، لأنها متعلقة بالمقاصد، والثانية متعلقة بالوسائل، والمقاصد أفضل من الوسائل، والمتعلق بالافضل أفضلُ. =стр. 982
الحادي عشر: التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل علم الله على قدرته. (٢٧٨) الحواشي
(٢٧٨) قال القرافي هنا: لكون العلم متعلقا بجميع الواجبات والممكنات والمستحيلات، واختصاص =стр. 983
الثاني عشَرَ: التفضيلُ بالمجاوَرة كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محْدِثٌ، ولا غيرُ ذلك من الأحكام المتعلقة به.
الثالثَ عشر: التفضيل بالحلول كتفضيل قبره ﷺ على جميع بقاع الارض، حكى القاضي أبو الفضلِ الاجماعَ في ذلك في كتاب الشِّفَا له، ولمَّا خَفي هذا المعنى على بعض الفضلاء أنكرَ الاجماع الذي ذكره أبُو الفضل وقال: التفضيل إنما هو بكثرة الثواب على الأعمال، والعملُ على قبر رسول الله ﷺ محرَّم، والصوابُ ليس معه، لحصره التفضيلَ وليس بمنحَصِر.
الرابع عشر: التفضيل بسبب الإضافة، كقوْلهِ تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ (٢٧٩) ، ؛ أن الإهانةَ بقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾، وممَّا ذكرناه بيتُ الله، وحَرَمُ الله الحواشي
(٢٧٩) سورة المجادلة، الآية ٢٢.
قال القرافي: "أضاف الله إليه المومنين وحِزْبهم، ليُشرَفهم بالاضافة إليه، كما أضاف العصاة إلى الشيطان ليهينم بالاضافة إليه ويحقرهم".
ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، (سورة الحج، الآية ٢٦)، أضاف البيت إليه تعالى ليشرفه بالاضافة إليه، ومنه قوله تعالى:
﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، أضاف الله عبودية النبي ﷺ إضافَةَ تشريف" .. وذلك ما جعل القاضي عياض ﵀ يبهج ويسعد، ويعتز ويفرح بعبوديته كما هو شأن كل مسلم ومسلمة، فقال في ذلك بيتين مشهورين يرددهما بعض العباد الصالحين، وكنت أسمعهما بين الحين والآخر من أحدِ شيوخي الاتقياء في تخفيظ القرآن الكريم، وهو يرتجز بهما ويرددهما احيانا بصوت مرتفع او مع نفسه.
وممَّا زادني طَرَباً وتيها ... فكدتُّ بأخمصي أطأ الثرَيَّا
دخولي تحت قولك يا عبادي .. وأن صيَّرْتَ أحمدَ لي نبيا
ويشير بذلك إلى النداء بالعبودية في كثير من الآيات القرآنية، ومنها قوله تعالى في شأن عباده. المسلمين هوم القيامة، وتبشيرهم بدخول الجنة والتنعم. برضوان الله ونعمِه المقيم: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ(٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ(٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٧٠]стр. 984
الخامس عشر: التفضيل بالأنساب والأسباب، كتفضيل ذريته ﵇ على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله ﷺ .
السادس عشر: التفضيل بالجدوَى والثمرة كتفضيل العالم على العابد، لأن العالِم يُفيضُ خيرَه على غيره، والعابدُ قصرَ خيره على نفسه. (٢٨٠) .
السابع عشر: التفضيل بأعظمِ ثمرة وأكثرِها، وهذا كثمرة النحو واللغة، لكن النحو أعظم فائدة. (٢٨١) الحواشي
(٢٨٠) عن أبي الدرداء ﵁ قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: من سلك طريقا يبْتَغي فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لَتضَعُ أجْنجتها رضاءً لطالب العلم (أي تكريما له)، وإن العالم لَيَستغفِرُ له مَن في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء، فضْل العالِم على العابدِ كفضل القمَر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبباء، ان الأنبياء لم يُوَرِّثوا ديناراً وَلا درهما، إنما ورَّثوا العلم، فمن أخذ به أخَذَ بحظ وافِرٍ" (أيْ من أخذَ منهُ بقسطٍ وحظٍ أخذَ بنصيب عظيم ومكانةٍ عالية ودرجة رفيعة في الدنيا والاخرة. رواه أبو داود وكذا الترمذي، واللفظ له.(٢٨١) قال القرافي هنا ﵀: "وذلك بأن تكون الحقيقتان، كلّ واحدة منهما لها ثمرة، وهي مثمرة، غيرَ أن إحدى الحقيقتين ثمرتها أعظم، وجدواها أكثْرُ، فتكون أفضل، وله أمثلة: أحدها الفِقه والهندسة، كلاهُمَا مثمر أحكاماً شرعية، لأن الهندسة يستعان بها في الحساب والمساحات، والحساب يدخل في المواريث وغيرها، والمساحات تدخل في الإجارات وغيرها. ثم ذكر القرافي هنا مسألتين، رأيتُ من الأنسب ذكرهما تتميما للفائدة عن ما فيهما من طول، فقال:
"ومِن نوادر المسائل الفقهية التي يدخل فيها الحساب، المسألة المحكية عن علي بن أبي طالب ﵁.
١) رذلك أن رجلين كان مع أحدهما خمسة أرْغفة، ومع الآخَر ثلاثة، فجلسا ياكلان، فجلس معهما ثالثٌ ياكل معهما، ثمّ بعد الفراغ من الاكل دفع لهما الذي أكَلَ معهما ثمانيةَ دراهم، وقال: إقْسِما هذه الدراهمَ على قدر ما أكلتُهُ لكما. فقال صاحب الثلاثة: إنهُ أكلَ نصف أكْلِهِ من أرغفتى ونصفَ أكله من أرغفتك، فأعطني النصفَ أربعةَ دراهم، فقال له الآخر: لا أعطيك إلا ثلاثة دراهم، لأنّ لي خمسة أرغفة، فآخُذُ خمسةَ دراهم، ولك ثلاثة أرغفة تاخذ ثلاثة دراهم، فحلف صاحب الثلاثة لا ياخذ إلا ما حكم به الشرع، فترافعا إلى علي ﵁، فحكم لصاحب الثلاثة بدرهم واحد، ولصاحب الخمسة بسبعة دراهم، فشكَا من ذلك صاحبُ الثلاثة، فقال له علي كرم الله وجهه: الأرغفة ثمانية، وأنتم ثلاثة، أكَل كلْ واحد منكم ثلاثة أرغفة إلَّا ثلثا، بقي لك ثلث من أرغفتك أكله صاحب الدراهم، وأكل صاحبك من أرغفته ثلاثةً إلَّا ثلثا، وهي. خمسة، يبقَى له رغيفان وثُلُث، وذلك سبعة أثلاث أكلها صاحب الدراهم، فأكل لك ثلثا، وله سبعةَ أثلاث، فيكون لك درهمٌ، وله سبعةُ =стр. 985
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = دراهم. فهذه مسألة فقهية يحتاج إليها الفقيه المفتي، والقاضي الملزم، وهي لا تعلم إلا بدقيق الحساب كما ترى.
٢) ثم قال القرافي: ومن مسائل المساحة الغريبة المتعلقة بالفقه رجل استاجر رجلا يحفر له بئرا، عشرةً في عشرة طولا وعرْضا وعُمقا، جميعُ ذلك عشرة من كل وجه، فحفر له بئراً: خمسة في خمسة، فاخْتُلِفَ فيما يستحقه من الأجْرَة، فقال ضعاف الفقهاء: يستحِقُّ النِصفَ، لأنه عمل النصف، وقال المحققون: يستحق الثُّمُنَ، لأنه عَمل الثمُنَ. وبيانه أنه استاجره على عشرة في عشرة، وذلك ألفُ ذراع، بسبب أن الذراع الأول من العشرة لو عُمل وبُسط على الارض ومُسِحَ كان حصيرا، طوُله عشرة وعَرْضُهُ عشرة، ومساحته عشرة في عشرة بمائة، فالذراع الأول تُحَصلُ مساحته مائة، وهي عشرة أذرع في عشرة، ومائة في عشرة بألف، وعمل خمسة في خمسة، فالذراع الاول لو بسط على الارض ترابا على وجهه لكان خمسة في خمسة، وخمسةً في خمسة بخمسة وعشرين. فالذِراع مساحته خمسة وعشرون، وهي خمسة أذرع، وخمسة وعشرون في خمسة، بمائة وخمسة وعشرين، ٥ × ١٢٥, ونسبة مائة وخمس وعشرين إلى الألفِ نسبة الثُّمُن، فيستحق الثمُنَ من الأجرة، لأنه قد عمِل ثمن ما استؤجر عليه.
وهذه الدقائق من المسائل إنما تحصُل من الهندسة، فإن علِم الهندسة شمِل الحساب والمساحة وغيرها.
وهذه المسائل، وإن كانت كثيرةٌ، غير أنما بالنسبة إلى مسائل الفقه قليلة، فثمرة الفقه أعظم من ثمرة الهندسة، فيكون أعظم منها.
وثانيها: علم النحو والمنطق، كلاما له ثمرة جليلة، غير أن ثمرة النحو أعظم، بسبب أنه يستعان به على فَهْم كتاب الله تعالى وسنة رسول ﷺ وكلام العرب في نطق اللسان وكتابة اليد، فإن اللحن يقع في الكتابة، وفي اللفظ، ويستعان به في الفقه وأصول الفقه، وفي غير ذلك مما عُلِمَ في مواضعه.
وأما المنطق إنما يُحتاج إليه في ضبط المعاني المتعلقة بالبراهين والحدود خاصة، وقد كفي فيها الطبعُ السليم والعقل المستقيم، ولا يهدى العقل بمجرده لتقويم اللسان وسلامته من اللحن، فإنها أمور سَمْعيِّة، ولا مجالَ للعقل فيها عن سبيل الاستقلال، فلابدَّ من النحو، بالضرورة، فيها، والمنطقُ يُستغنَى عنه بصفاء العقل، فصارت الحاجةُ للنحو أعظمَ، وثمرتُه أكثرُ، فيكون أفضل.
وثالثها: علم النحو مع أصُول الفقه، كلاهما مثْمِرٌ، غير أن أصول الفقه يثمر الاحكام الشرعية، فإنها مِنه توخذ، فالشريعة من أولها إلى آخرها مبنية على أصول الفقه، والنحوُ إنما أثره في تصحيح الالفاظ وبعض المعاني، والالفاظ إنما هي وسائل، والاحكام الشرعية مقاصد، والمقاصِدُ أفضل من الوسائل.
قلت: والغاية من ايراد هاتين المسألتين الفقهيتين المتعلقتين بالحساب والمساحة، والهدف من إيراد بعض الامثلة في تفضيل بعض العلوم على بعض، وهي مسائل اختصرها الشيخ البقوري =стр. 986
الثامن عشر: التفضيل بالتاثير، وهذا كتفضيل قدرة الله تعالى على الْعِلم والكلام. (٢٨٢) الحواشي
(٢٨٢) قال القرافي مُبَيِّناً وجه ذلك: "فإن القدرة مؤثرة في تحصيل وجود الممكنات، والعلم والكَلام تابعان ليسا بمؤثرين، وكذلك السمع والبصر من قبل العلم، ومالَهُ التأثير أفضل مما لا تأثر له، وليس من صفات الله السبعة ما هو مؤثر إلا القدرة والإرادة فقط. =стр. 987
التاسعَ عشر: التفضيل بجودة البِنْية والتركيب، كتفضيل الملائكة ﵈ على الجَانِّ بسبب جودة أبنيتهم. (٢٨٣) الحواشي
(٢٨٣) قال القرافي مبينا ذلك، فإنهم خُلِقُوا من نور، ويسيرُ جبريلُ ﵇ مسيرة سبعة آلاف سنة في لحظة واحدة، ويحمل مدائن لوط الخمسةَ من تحت الارض على جناحه لا يضطرب منها شيء، بل يقتلعها من تحتها على هذا الوجه، ويصعدُ بها إلى الجوّ ثم يقلبُها، وهذا عظيم ...
قلت: وفي هذا إشارة إلى قوله تعالى في شأن إهلاك قوم لوط ومدينتهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ(٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. سورة هود. الايتان: ٨٢ - ٨٣.
وقد علَّق الشيخ ابن الشاط على ما جاء في هذه القاعدة عند القرافي، بقوله:
ما قاله في هذه القاعدة التاسعة عشرة، غيرُ صحيح، لأنه بنَى جميع قوله فيها على نسبة تلك الآثار التي ذكرَها إلى تأثير غير القدرة القديمة على ما ظهر من مساق كلامه، وألله أعلم. قلت: لم يذكر الشيخ البقوري ﵀ القاعدة العشرين كما ذكرَها القرافي، ولم يتعرض لها في قليل ولا كثير، فهي لا توجد في أيّة نسخة من النسخ المعتمدة عندنا في التحقيق والتصحيح، ولعلّه رأى أن يختصرها، نظرا لطولها، واكتفاءً بالقواعِدِ السابقة. ولأهميتها، وتتميما للفائدة رأيت أن أنقلها عن القرافي حيث جاء فيها قوله:
"القاعدة العشرون: التفضيل باختيار الرب تعالى لمن يشاء على من يشاء، ويحكم ما يريد، فيفضِّل أحد المتساويَيْن من كل وجْه على الآخَر، كتفضيل شاة الزكاة على شاة التطوع، وتفضيل فاتحة الكتاب داخل صلاةِ الفرض على الفاتحة خارج الصلاة، فإن والواجب أفضل مما ليس بواجب، وكذلك تفضيل حج الفرض على تطوعه، والأذكار في الصلاة على مثلها خارج الصلاة.
ثم قال: إذا تقررت هذه القواعد لأ أسباب التفضيل فاعلم أن هذه الاسبابَ الموجبة للتفضيل قد تتعارض، فيكون الأفضلُ منْ حازَ أكثره وأفضلها، والتفضيل إنما يقع بين المجموعات، وقد يختص المفضوُل ببعض الصفات الفاضلة، ولا يقدَحُ ذلك في التفضيل عليه، لقوله ﷺ : أقضاكمُ عَلِيٌّ، وأفرَضُكُم زيدٌ، وأقْرَؤكم أُبَيٌّ، وأعْلمُكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ﵃ أجمعين، مع أن أبا بكر ﵁ أفضل الجميع، وكاختصاص سليمان ﵇ بالمُلْك العظيم، ونوح ﵇ بالمئين من السنين، (إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ(١٤) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. سورة العنكبوت. الآيتان ١٤ - ١٥)، كتفضيل آدم ﵊ بِكونهِ أبا البشر، مع تفضيل محمد ﷺ على الجميع، فلولا هذه القاعدة، وهي تجويز اختصاص المفضول بما ليس للفاضل لَلَزِم التناقُضُ. واعلم أن تفضيل الملائكة والانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إنما هو بالطاعات =стр. 988
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكثرة المثوبات والأحوال السّنِيَّات، وشرَفِ الرسالات والدرجاتِ العليَّاتِ، فمن كان فيها أتمَّ فهو أفضل.
وكذلك التفضيل بين العبادات إنما هو بمجموع ما فيها، فقد يختص المفضول بما ليس للفاضل، كاختصاص الجهاد بثواب الشهادة، والصلاةُ أفضل منه، وليس فيها ذلك، والحجُّ أفضل من الغزو، وكذلك الجج، فيه تكفير الذنوب كبيرِها وصغيرها. وجاء في الحديث: "من حج فَلَم يرفث ولم يفسُق خرجَ من ذنوبه كيوم ولدتْه أمه"، وهو يقتضي الذنوب كلها والتْبعاتِ، لأنه يوْمَ الولادة كان كذلك. وقد ورد في بعض الاحاديث: "إن الله تجاوز لهم عن الخطيئات، وَضمِن عهم التْبعَات"، والصلاة ليس فيها ذلك، مع أنما أفضلُ من الحج، وما ذلك إلا لأنه يجوز أن يَختصْ المفضول بما ليس للفاضل، وقد تقدم أن الشيطان يفر من الأذانِ والاقامةِ، ولا يَفِرُّ من الصلاة، مع أنها أفْضَلُ منهما، وقد تقدّم تفضيلُهُ، وأنة يخرَّجُ على هذه القاعدة.
ثم اعلَمْ أن المفضولات، منها ما يُطْلَعُ على سبب تفضيله؛ ومنها ما لا يعلَمُ إلَّا بالسَّمْع المنقول عن صاحب الشريعة، كتفضيل مسجده ﷺ ، وأن الصلاة فيه خيرٌ من الف صلاة في غيره، وفي المسجد الحرام بألف ومائة، وفي بيت المقدس بخمسمائة صلاة، وهذه أمور لا تُعلَم إلا بالسمعيات، كتفضيل المدينة على مكَة عند مالك ﵀، ومكة على المدينة عند الشافعي ﵁، لا يُعْلَمُ ذلك إلا بالنصوص، وقد ذكرت في مواضعها من الفقه، وانما المقصود ها هنا تحرير القواعد الكليَّة، والتنبيهُ عليها، وأمّا جزئيات المسائل ففي مواضعها تنبيه يطّلعُ منه على تفضيل الصلاة علي سائر العبادات، فنقول:
تقررَ أن تصرف العباد على أربعة أقسام:
أحدُها: حقُّ الله تعالى فقط كالمعارف، وكالإيمان بما يجب ويستحيل ويجوز عليه .
وثانيها: حقُّ العبادِ فقط، بمعنى أنهم متمكّنون من إسقاطه، وإلا فكُلّ حق للعبد ففيه حق لله تعالى، وهو أمْرُهُ بإيصاله إلى مستحِقه، كأداء الديون وردّ الغصوب والودائع.
وثالثها: حق لله تعالى وحق للعباد، والغالبُ مصلحة العباد كالزكوات والصدقات والكفارات، وكالأموال المنذورات والضحايا، والهدايا والوصايا والأوقاف.
ورابعها: حق لله تعالى وحق لرسوله ﷺ وللعباد كالأذان، فحقه تعالى. التكبيراتُ والشهادة بالتوحيد، وحق رسوله ﷺ الشهادة له بالرسالة، وحق العباد الإرشاد للاوقات في حق النساء والمنفردِينَ، والدعاء للجماعات في حق المقتدين.
والصلاة مشتمِلَة على حق الله تعالى كالنية والتكبير والتسيح والتشهد والركوع والسجود، وما يصحبها من الحركات والترروكِ والكَفِّ عن الكلام كثير الافعال، وعلى حق النبي ﷺ كالصلاة عليه والتسليم عليه والشهادةِ له بالرسالة، وعل حق المكلّف، وهو دعاؤه لنفسه بالهداية والاستقامة على العبادة وغيرها، والقنوتُ ودعاؤه في السجود والجلوس لنفسه، وقولُهُ: السلام علينا وعلى عباد الله صالحين، والسلام على رسول الله ﷺ والتسليمُ آخرَ الصلاة على الحاضرين. ولهذه الوجوه ونحوها كانت الصلاة أفضل الاعمال بعد الإِيمان. =стр. 989
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وفي الحديث: أفضلُ اعمالِكم الصلاةُ، فهي من المفضَّلات التي عُلم سَبَبُ تفضيلها. وأما تفضيل مكة على المدينة أو المدينة على مكة فبأمور نعلمها وأمور لا نعلمها.
فمنِ المعلوم كونُ المدينة مهاجَرَ سيد المرسلين، ومَوْطِنَ أستقرار الدين، وظهورِ دعوة المومنين، ومَدفنَ سيد الأولين والآخرين، وبها كَمُل الدين واتضح اليقين، وحصل العز والتمكين، وكان النقل من أهلها أفْضَلَ النقول وأصحَّ المعتمَدَات، لأن الابناء فيه ينقلون عن الآباء، والأخلافَ عن الأسلاف، فيخرج النقل عن حيز الظن والتخمين إلى حيز العلم واليقين.
ومن جهة النصوص بوجوه:
أحدها: قوله ﷺ : "المدينة خيرَ من مكة"، وهو نص في الباب.
ويَردُ عليه أنه، وإن كان نصا في التفضيل، غيرَ أنه مطلقٌ في المتعلَّق، فيحتَمِل أنها خيرٌ من جهة سَعةِ الرزق والمتاجر، فما تعَيَّنَ محلّ النزاع.
وثانيها: دعاؤه ﷺ بمثل ما دعا به ابراهيمُ ﷺ لمكةَ ومثلِهِ معه.
ويردُ عليه أنه مطلق في المدعو به، فيحمَلُ على ما صرح له في الحديث وهو الصاع والمُدُّ.
وثالثها: قوله ﷺ : اللهم إنهم أخرجوني من أحَبِّ البقاع إليَّ، فأسنكِنِّي أحبَّ البقاع اليك، وما هو أحبُّ إلى الله يكون أفضلَ، والظاهرُ استجابة دعائه ﷺ ، وقد أسكنه المدينة، فتكون أفضل البقاع وهو المطلوب.
ويَردُ عليه أن السياقَ لا يَابَى دخول مكة في المفضل عليه، لإياسه ﷺ في ذلك الوقت، فيكون المعنى فأسكِنِّي أحبَّ البقاع إِليك مما عدَاها، واذا لم تدْخل مكة في المفضل عليه احتمل أن تكون أفضل من المدينة فتسقط الحجة، مع أنه لم يصح من جهة النقل، ولو صح فهو من مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه، كما قال: بلد طيب، أيْ هواؤُها، والارض المقدّسة أيْ قُدّسَ من فيها أو من دَخلها من الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم، لأنهم مقدسون من الذنوب والخطايا، وكذلك الوادى المقدّس، أي قُدّس فيه موسى ﵇، والملائكة- الحالون فيه، وكذلك صفتُهُ البقعةَ بالمحبة، وهو وصف لها بما جعله الله تعالى فيها ممّا يحبه الله تعالى ورسوله، وهُو إقامته ﷺ بها، وإرْشَادُ الخلْقِ إلى الحق، وقد اقتضى ذلك التبليغ وتلك القُربات، فبطل الوصف الموجب للتفضيل على هذا التقدير.
ورابعها: قوله ﷺ : لا يصبِرُ على لأوائها وشِدَّتها أحدٌ إلا كنتُ له شفيعا وشهيداً يوم القيامة".
ويَرِدُ عليه سؤالان: أحَدُهُما أنه يدل على الفضْلِ لا على الأفضلية، وثانهما أنه مطلق في الزمان، فيُحمَلُ على زمانه ﷺ والكونِ معه لنصرة الدين. ويعَضِّده. خروجُ الصحابة، رضوان الله عليم بعد وفاته إلى الكوفة والبصرة والشام وغيْر ذلك من البلاد.
وخامسُها: قوله ﷺ : إن الايمان لَيارِزُ إلى المدينة تأرز الحيَّةُ إلى جحرِها، أيْ تاوِى إليه). ويَرِدُ عَليه أن ذلك عبارة عن إتْيان المومنين لها بسبب وجوده ﷺ فيها حال حياته، فلا عموم له في الازمان، ولا بقاءَ لهذه الفضيلة بعْدَه، لخروج الصحابة ﵃ إلى العراقّ وغيره، وهمْ أهلُ الايمان، وخبَرُ رسول الله ﷺ حق، فيُحْمَلُ على زمانٍ يكون الواقع فيه ذلك، تحقيقا لِصدقه ﷺ . =стр. 990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وسادسها: قوله ﷺ : إن المدينة تَنفِي خبَثها كما ينفي الكِيرُ خبَثَ الحديد.
ويَرِدُ عليه أنه مطلق في الازمان، فيُحملُ على زمانه ﷺ لخروج الصحابة بعده، فيلزم أن يكونوا خَبَثاً، وليس كذلك.
وسابعها: قوله ﷺ "ما بين قبري ومنبري روضةٌ من رياض الجنة"
ويَرِدُ عليه أنه يدل على فضل ذلك الموضع لا المدينة.
وأما مكة شرَّفها الله تعالى ففضِّلتْ بوجوه:
أحدها: وجوب الحج والعمرة، على الخلاف في وجوب العمرة، والمدينَة يُندَبُ إتيانها ولا يجبُ.
وثانيها: أنَّ اقامة النبي ﷺ كانتْ بمكة بعد النبوة أكثر من المدينة، فأقام بمكة ثلاثَ عشرة سنة، وبالمدينة عَشراً.
غيرَ أنه يرد على هذا الوجه أن تلك العشرةَ كان كمالهُ ﷺ ، وكمالُ الدين فيها أتمّ وأوْفَرَ، فلعَلّ ساعة بالمدينة كانتْ أفضلَ من سنة بمكة أو من جملة الإقامة بها.
وثالثها: فُضِّلَتْ المدينةُ بكَثْرة الطارئين من عباد الله الصالحين، وفُضِّلت مكة بالطائفين من الانبياء والمرسَلين، فما من نبي إلا حجَّها: آدمُ فمَنْ سِواه، ولو كان لِملكٍ دارانِ فأوجب على رعاياهُ وخدَمِهِ أن ياتوا إحداما، ووعَدَهم على ذلك بمغفرة سيئاتهم ورفع درجاتهم دون الأخرى لَعُلِمَ أنها عنده أفضل.
ورابعها: أن التعْظيم والاستلام نوع من الاحترام، وما خاصان بالكعبة.
وخامسها: وجوبُ استقبالها يدل على تعظيمها
وسادسها: تميم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة يدل على تعظيمها، ولم يحصل ذلك لغيرها.
وسابعها: تحريمها يوم خلَقَ الله السماواتِ والارض، ولم تُحَرَّمْ المدينةُ إلا في زمانه ﷺ ، وذلك دليل على فضلها.
وثامنها: كونها مَثْوى إبراهيمَ واسماعيل عليهما الصلاة والسلام.
وتاسعها: كونها مولدَ سيد المرسلين ﷺ
وعاشرها: كونها لا تُدخَلُ إلا بإحرامٍ، وذلك يدل على تعظيمها.
وحادي عَشَرها: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
وثاني عشرها: الاغتسال لدخولها دون المدينة.
وثالث عشرها: ثناء الله تعالى على البيت الحرام، ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ الآية ٩٦. سورة آل عمران.
ثم زاد القرافي قائلا: واعلم أن تفضيل الازمان والبقاع قسمان:
تفضيل دنيوى كتفضيل الربيع عن غيره كتفضيل بعض البلدان بالثمار والانهار وطيبِ الهواء وموافقة الأهواء، وتفضيل ديني كتفضيل رمضان على الشهور، وعاشوراء على الأيام، وكذلك يوم عرفة، وأيامُ البيض، وعَشْرُ المحرّم، والخميس والاثنين، ونحو ذلك ممّا ورد الشرع بتفضيله =стр. 991
القاعدة الرابعة والعشرون:
فِيمن يُقَدّم للولاية ومن يتأخر عنها: (٢٨٤)
إعلم أنه يجب أن يُقَدَّم في كل ولاية من هُو أقْوَمُ بمصالحها على من هو دونه، فيقدَّم في ولاية الحروب من هو أعرفُ بمكايد الحروب وسياسةِ الجيوش الحواشي
(١١٣) .
وقد علق الشيخ ابن الشاط على بعض ما جاء عند القرافي في هذه القاعدة العشرين، فقال: قوله "وأمّا تفضيل مكة على المدينة أو المدينة على مكة فبأمور نعلمها وأمورٍ لا نعلمها"، لم يَزدْ على حكاية المذهبيْن، وإيراد الحجج عليهما، ولم يُعَيِّنْ الراجح، وفيه نظرٌ.
ومَا قاله القرافي من أن أسباب التفضيل كثيرة هو كما قال، وقوْلُ من ادعى حصْرَ التفضيل في الثواب غير صحيح كما ذكر، والله أعلم.
وما قاله من قصْدهِ الاختصار على ما يتعلق بالقواعد الفقهية، إن أراد أنه لم يَذْكر إلا ما هو من الفِقه فليس ما ذكره كذلك، وإن أراد أنه ذكر ما هو من الفقه وما يتعلق به بوجْهٍ مَّا فذلك صحيح، والله أعْلمُ.(٢٨٤) هي موضوع الفرق السادس والتسعين بين قاعدة من يتعَيَّنُ تقديمه وبين قاعدة من يتعيّن تاخيره في الولايات والمناصب، والاستحقاقات الشرعية". جـ ٢. ص.١٩٧.стр. 992
والصولة على الأعداء، ويقدَّم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية وأشدُّ تفطنا لحِجاج الخصوم وخداعهم، (٢٨٥) ، وكذا أيضا يقدَّم على الأيتام من هو الحواشي
(٢٨٥) زاد القرافي هنا قوله: "وهذا معنى قوله ﵊: أقضاكم عَلِيٌّ، أيْ هو اشد تفطنا لحِجاج الخصوم وخِدَاع المتحاكمين، وبه يظهر الجمع بينه وبين قوله ﵇: أعلَمُكم بالحلال والحرام معاذُ بنُ جبل. فالانساَن قد يكون شديد المعرفة بذلك، وهو يُخْدَع بأيْسَرِ الشبُهات، فالقضاء عبارة عن هذا التفطن، ولهذا قال ﵊: "إنَّما أنا بَشَر، وإنكم تختَصِمُون إليَّ، ولعَلْ بعضكم كون ألْحنَ بحجته من بعضٍ فأقضيَ له على نحو ما أسمع، فمن قضَيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليَتْركها"، فدَلّ ذلك على أن القضاء تبعّ الحجاج وأحوالها، فمن كان لها أشَدَّ تفطنا كان أقضى من غيره، ويقدَّم في القضاء. ويقدَّم في أمانة اليتبم من هو أعلم بتنمية أمْوال اليتامى وتقادير أموال النفقات وأحوال الكوافل والمناظرات عند الحكام عن أموال الأيتام، ويقدَّم في جباية الصدقات من هو أعرف بمقادير النُّصُبِ وأحكام الزكاة من الخُلْطة وغيرها".
قلت: وقد ذكَرَ الإِمام العلامةُ ابن فرحون في كتابه الشهر: (تبصرةِ الحكام في أصول الاقضية ومناهج الأحكام) المواصفات المطلوبة في القاضي، وأوردَها نقلا عن القاضي عياض في كتابه التنبيهات قائلا: وشروط القضاء التي لا يتم القضاء إلا بها، ولا تنعقد الولاية ولا يستدام عقدها إلَّا بها عشرة:
الاسلام، والعقل والذكورية، والحرية، والبلوغ، والعدالة، والعلم، وكونه واحداً، وسلامة حاسة السمع والبصر من العَمى والصَّمَمِ، وسلامةُ اللسانِ من البَكَمِ. فالثمانية الاول هي المشترطَة في صحة الولاية، والثلاثةُ الآخَرُ ليست شرطا في الصحة، لكنْ عَدَمُها يوجب العزل ... ". ومن ثَمَّ قال الشيخ خليل ﵀ في مختصره الفقهي المالكي:
باب: أهْلُ القضاء عدل، ذَكَر، فَطِنٌ، مجتهدٌ إن وُجدَ، وإلَّا فأمْثلُ مقلِّدٍ (أي أكملُ مقلد" .... الخ.
وقد جمَعَ الفقيه العلامة القاضي الشهير أبو بكر بن محمد ابن عاصم الغرناطي المالكي، ﵀ الشروط المطوبة في القاضي، وذلك في منظومته المشهورة والمتداولة بين العلماء في فقه القضاء والمسماة: تحفة الحكام في نُكَتِ العقُودِ والأحكام، فقال:
مُنَفْذٌ بالشرع للأحكام ... له نيابَةٌ عن الإِمام
واستُحسِنَتْ في حقه الجزالة ... وشَرْطُه التكليف والعدالة
وأن يكون ذَكراً حُراً سَلِم ... من فقد رؤية وسمْعٍ وكلِمْ
ويستَحبُّ العلم فيه والورَعْ ... مع كونهِ الاصولَ للفقه جَمَعَ
قال شراحها ﵏: المراد بالجزالةِ أصالَة الرأي، والإِتقانُ والإِحكامُ. والعلم مطلوب فيه لا على سبيل الاستحباب فقط، كما قد بتبادرُ من عبارة الناظم، وكما يراهُ بعض الفقهاء الأعلام ﵏، بل العلمُ بالاحكام الشرعية، والفهمُ الدقيق لها، من الشروط الواجبة في القاضي على ما ذكره بعض مشاهير الفقهاء الاعلام كالقاضي عياض، والقاضي أبي بكر ابن العربي المعافرى، والمازني وغيرهم، ﵏، فليرجع إلى الموضوع في محله ومظانه من رغب في زيادة الاطلاع والتوسع في ذلك.стр. 993
أعرف بمصالحهم، وعلى الإِمامة في الصلاة، (٢٨٦) وكذا سائر الخُطط، فتقدَّم المرأة في الحضانة على الرجال، لأنها أحسن قياما بالصغير من الرجل. (٢٨٧) الحواشي
(٢٨٦) أيْ مَنْ هو أعرَف بأحكامها، ويُوضح ذلك عبارة القرافي هنا ﵀ حيث قال:
"ويقَدَّم في الصلاةِ مَن هو أعرفُ بأحكامها وعوارض سَهوها واستخلافها، وغير ذلك من عوارضها ومصالحها حتى يكون المقدم في بابٍ، ربَّما أخّر في باب آخر، كالنساء مقدَّماتٌ في باب الحضانة على الرجال، لأنهن أصبَرُ على أخلاق الصبيان، وأشد شفقة ورأفة، وأخِّرنَ في الإمامة والحروب وغيرها من المناصب، لأن الرجال أقْوَمُ بمصالح تلك الولايات منهن". وقد عقب الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذا الكلام عند القرافي ففال: إن اراد بقوله من هو أقومُ بمصالحها، مَن هو متصِف بالأهلية لذلك وبمَن هو دونه من ليس متصفا بالاهلية لذلك فلا خفاء أنه يجب تقديم المتصف دون غيْره، وان أراد بمن هو أقْوَم بمصالحها من هو اُتم قياماً مع أن من هو دونه مِمنْ له أهلية القيام بها، ففى ذلك نظَرٌ، والأظْهرُ عند التأمل في ذلك أنه لا يجبُ وجوبَ حَتم، تقديمُ الأقْوَم بتلك المصالح، بل يجوز تقْديمُ غَيْرِ الأقْوَم بها، وتَقديمُ الأقْومَ أولى. ودليل ذلك أن المقصودَ بن تلك المصالح حاصل بكل واحد منهما، لأنَّه مُتَّصِفٌ بالأهلية لذلك، فلا وجة لتَعيُّن الْأقومَ إلَّا على وجه الأوْلويةِ خاصةً ... الخ.
قلت: ومما يدُلُّ على تقديمِ الأفقه والأصلح في أُمامة الصلاة، قوْلُ النبي ﷺ : "يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله (أيْ أحفظُهُم له)، فإن كانوا في القرآة سواءً فأعلَمُهم بالسُّنَّةِ، (أيْ بما سَنَّهُ ﷺ وبَيَّنَهُ لأمته من أحكام الصلاة قولا وفعلا)، فإن كانوا في السُّنَّةِ سواء فأقْدمُهُم هجرةً (أيْ
أقدمهم في الانتقال من مكة إلى المدينة)، وهذا خاص بزمان النبي ﷺ والصحابة في عهده، اذ لا هجرة بعد فتح مكة)، فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقْدَمُهُم سِنًّا (أي أكبَرُهمْ سِنًّا)، ولا يَؤمَّنَّ الرَّجلُ الرجُلَ في سلطانه (أيْ في خل ولايته، حاكما، كانَ أو إماما راتباً، أو صاحب دار، فلا ينبغي له أن يتقدم للإمامة في الصلاة به أو بمن معه إلا باذنه)، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا باذنه"، أي لا يقعد على بعض الاشياء والأثاث الخاصة بصاحب المنزل كالسرير والاريكة مثَلاً إلْا بإذنه، لأنه من الأدب الموجِبِ للألفة، والسلوكِ المحافظِ على دوام المودة والمحبة وصفاءِ القلوب): أخرجه عن أبي مسعود ﵁، كل من الايمة: مسلم، وأبُو داود، والترمذي والنَّسائي ﵏.(٢٨٧) تقديم النساء في الحضانة للاطفال والاولاد على الرجال هو موضوع الفرق الثامن والسبعين والمائة بين فاعدة الحضانة يقَدَّم فيها النساء على الرجال، بحلاف جميعِ الولايات يقَدَّم فيها الرجال على النساء)، وهو أن قاعدة الشرع أنه يُقدّم في كلّ موطن وكلّ ولاية من هو أقْوَمُ بمصالحها". جـ ٣. ص ٢٠٥. وهو من الفروق القصيرة عند القرافي، ذكر فيه أمثلة لتلك القاعدة الشرعية، ولم يعلق عليه بشيء، الشيخ ابن الشاط ﵀.
ونظرا لأهمية هذا الفرق واختصاره رأيت أن أنقله بتمامه وكماله عن القرافي ﵀، كما ذكره، لأنه مما ينير السبيل في تولية الولايات والخُطط الشرعية لمن يولونها، واختيار القائمين عليها، ويوضح أن علماءنا وفقهاءنا كانوا يبينون مقاييسَ شرعية لمن تُسْنَدُ إليهِا وظيفة من الوظائف، يتحقق بما ومن خلالها وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، كما يقال الآن. =стр. 994
ويقدَّم في الإِمامة الكبرى من كان جامعاً لخصال عظيمة، بها تحصل منه سياسةُ الخَلْق، (٢٨٨) الحواشي
(٢٨٨) عبارة القرافي هنا: ويظهر لك باعتبار هذا التقرير أن التقديم في الصلاة لا يلزم منه، من حيث هو تقديم في الصلاة، التقديمُ في الإِمامة العظمى، لأن الإِمامة العظمى مشتملة على سياسة الأمة ومعرفة معاقد الشريعة، وضَبْطِ الجبوش، وولاية الأكفاء، وعَزلِ الضعفاء، ومكافحة الأضداد والأعداء، وتصريف الاموال وأخذها من مظانها، وصَرفِها في مستحقاتها، إلى غير ذلك مما هو معروف بالامامة الكبرى. ولهذا أوردَ سؤالاً عن قول عمر لأبي بكر ﵄، رضِيَكَ رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاك لدنيانا، إشارة لتقديمه في الصلاة، فجعل عمر رضي الله عته ذلك دليلا على تقديمه ﵁ للإمامة الكبرى، وهذا في ظاهر الحال لا يستقيم، لأنه لا يلزم من التقديم في الصلاة، التقديم في الخلافة".
والجواب عن هذا السؤال من وجوه، إلى آخر ما ذكره القرافي هنا، واختصرة في ايجازه الشيخ البقوري، رحمهما الله.
وقد عقب الشيخ ابن الشاط على هذا بقوله: ما قاله من أنَّ من له أهلية القيام بإمامة الصلاة لا يلزم أن يكون له اهلية القيام بإمامة الخلافة، صحيح".стр. 995
وعلى هذا يرِد سؤال على قول عمر ﵁ لأبي بكر ﵁: رسولُ الله ﷺ ارتضاك لديننا فكيف لا نرتضيك لدنيانا؟ ! وهذا في ظاهر الحال لا يستقيم، لأنه لا يلزم من التقديم في الصلاة التقديمُ في الخلافة.
والجواب عنه بن وجوه:
الأول ما ذكره بعضُ العلماء أن رسول الله ﷺ كان يعلَم أن أبا بكر رضى الله عنه هو المتعيّن للخلافة، ولم يكن أن يفعلَ ذلك من قِبَلِ نفسه، لأنه ﵇ يتبع ما أنزل إليه من ربه، وما أنزل عليه في ذلك وحْيٌ يعتمد عليه، فعند ذلك وُكِل الامر فيه إلى الاجتهاد، فكان ﷺ يشير إلى خلافته بالإِيماء والثناء، كقوله ﵇: "يَأبَى اللهُ والمسلمون إلا أبا بكر". فمراد عمر ﵁ أن رسُول الله ﷺ رضيك لديننا الرضَى الحاضرَ، فيتعين علينا أن نرضاك للخلافة، وليس المراد مطلقَ الرضى.
الثاني أن عمر قصدَ بذلك تسكين الثائرة وردْعَ الأهواء، فذكرَ حجة ظاهرة ليسكن إليها أكثرَ الناس فيندفع الفساد.
الثالث أنَّا نحمل قول عمر ﵁: - رضِيَكَ رسولُ الله ﷺ لديننا - على ظاهره، ونجعل الإضافة على بابها موجِبةً للعموم، ففهِم عمر ﵁ من إشارته ﵇ أن الصِّديق ﵁ مَرضيٌّ لجميع حُرُمات الدين، ومن جملة ذلك أحوال الأمة، والنظرُ في مصالح الملة، فإنه من أعظم فروض الكفايات، فهو من الدين، ويكون قوله: "أفلا نرضاك لدنيانا" أي هؤلاء إنما يتنازعون - يعني الأنصار - في أمر رئاسة وعلو وحصول الامر والنهي من قِبلَهم، وهذا أمر دنيوي لا ديني، يكون خسيسا بالنسبة إلى الدين الذي به مصالح الأمة، والله أعلم. (٢٨٩) الحواشي
(٢٨٩) قال ابن الشاط معقبا على هذه الاجوبة عند القرافي: الجوابات لا باس بها، غير ما تَضَمنَهُ الجواب الاخيرُ من الحمل على الأنصار في قوله: "إنما قامُوا في منازعته لطلب العُلُو والرئاسة، وأنهم لما رأوا أنَّ الامر لا يصفو لهم طلبوا الشِركة"، فإن ذلك كله أمر لا يليق بهم، ولا تصح نسبتة لمثلهم، وليس الظن بهم إلا انهم طلبوا ذلك لتحصيل الاجور الحاصلة لمتولى أمر =стр. 996
القاعدة الخامسة والعشرون في الاستغفار . (٢٩٠)
إعلَمْ أنَّ الاستغفار طلبُ المغفرة، وهذَا إنما يحسُنُ من أسباب العقوبات كترك الواجبات وفِعل المحرمات، أما المكروهات والمندوبات فلا يحسُنُ الاستغفار فيها، لعدم العقوبات في فعلها وترْكها، وهذا أمر ظاهر لاخفاء به، غيرَ أنه وقع لمالك ﵁ فيمن ترك الإقامةَ أنه يستغفر الله تعالى.
ووجْهُ ذلك أن الله تعالى يُعاقِب المذنِبْ بأحدِ ثلاثة أشياءَ:
أحدها: المؤلمات كالنار وغيرها. (٢٩١)
وثانيها تيسير المعصية في شيءٍ آخَر. (٢٩٢) الحواشي
(٢٩٠) هي موضوع الفرق الثاني والتسعين بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرمات وبين قاعدة الاستغفار من تزكِ المندوبات". جـ ٢. ص. ١٤٦.
وقد علّق عليه الشيخ ابن الشاط رحمه الله تعالى بقوله: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح.(٢٩١) زاد الامام القرافي هنا ﵀ قوله: وهذا هو الامر الغالبُ في ذلك.(٢٩٢) قال القرافي موضحا ذلك: فيجتمع على العاصي عقوبتانِ: الأولى والثانية، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ سورة الليل، الآيات: ٨ - ٩ - ١٠، فجَعَل العُسْرى مسبَّبَةً عن المعاصي المتقدمة ... الخ.стр. 997
وثالثها: تفويت الطاعة، لقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. (٢٩٣) الحواشي
(٢٩٣) وتمَامُها قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ سورة الأعراف. الآية ١٤٦
ثم قال القرافي هنا ﵀: وبهذه المباحث أيضا يظهر ما قاله العلماء أن الإِمام إذا وجدَ في هِو أصْلحُ للقضاء ممن هو مُتَوَلٍّ الآن، عَزَلَ الاول وولى الثاني، وكان ذلك واجبا عليه، لئلا يُفَوَّت على المسلمين مصلحة الافضل منْهُما ... الخ.
وقد عقَّبَ ابن الشاط على هذا الكلام بقوله: ما حكاه القرافي عن العلماء من أن الامام إذا وجد من هو أصلح للقضاء عزل المتولي، ينبغي حملُهُ على أن المتولي مُقَصَّرٌ عن الاهلية. ودليلُ ذلك أن المصلحة المقصودة من القضاء تحصل من المفضول المتصف بالأهلية، كما تحصُل من الفاضل المتصِف بها فلا وجْه لعزله، وقياسُهُ على الوصى فيه نظر، واستدلاله بقوله ﷺ : "من وليَ من أمور أمتى شيئا ثم لم يجهد لهم ولم ينصَحْ فالجنة عليه حرام"، نقول بموجبه، ولا يتناول محل النزاع، فإن الكلام ليس فيمن لم يجهد ولم ينْصَحَ، وإنما الكلام فيمن يجهد وينصَحُ وهو أهل لذلك، غير أن غيره أمسُّ بالاهلية منه، انتهى كلام ابن الشاط ﵀.
قلت: وقد تناول علماؤنا ﵏ الكلام على موضوع الخلافة الكبرى والإمامة العظمى، وضرورتها للامة، وشروطها، والولايات والخطط التي تندرج تحتها وتخضع لها، وبَسَطُوا ذلك بسطا شرعيا ما عليه من مَزيدٍ، وفي مقدمتهم الامام العلامة ابو الحسن الماوردي، وابو يعلى الفَرَّاء، وابن تيمية، وابن خلدون ﵏، وغيرهم، في كتب الاحكام السلطانية، والسياسة الشرعية في الاسلام، فكان من ذلك ما قاله الماوردي في هذا الموضوع:
"الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وِعقدُها لمن يقوم بها في الامة واجب بالإجماع، واختُلِفَ هل هي واجبة بالعقل وٍ هو قول طائفةٍ من أهل العلم، لأنه لولا الولاية العظمى لكان الناس فوضى مهْمَلين، وهمجاً مضاعين، كما قال الشاعر الجاهلي الأفوه الأوْدِي:
لا يَصْلُحُ الناس فوْضَى لا سَراةَ لهم ... ولا سَراة إذا جهالهم سادوا
والسّراة بفتح السين جمع سَرِى وهو السيد في القوم لمكانته وعلمه ونسبه وغير ذلك.
وقالت طائفة أخرى: الإمامة واجبة بالشّرع. قال الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ففرضَ علينا الحق سبحانه طاعةَ اولي الامر فينا، وهم الحلفاء والائمة المتأمرون علينا". وتعرَّض العلماء لشروط الإمامة العظمى، وهي العدالة، والعلم المؤدى إلى الاجتهاد، وسلامةُ الحواس، وسلامةُ الاعضاء. وحسْن الرأي، والشجاعةُ، والنجدة، والنسبُ، والمرادُ به أن يكون الخليفة من قريش، لورود النصٌ به، وانعقادِ الاجماع عليه، لأن أبا بكر ﵁ احتج به يوم السقيفة على الانصار في دفعهم عَن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة، بِقول النبي ﷺ : "الأئمة من قريْش"، ، فأقلعوا عن =стр. 998
وكما يعاقب الله تعالى بأحد ثلاثة أشياء يثيب بأحد ثلاثة أشياء:
أحَدُها الأمور المستلَذَة. (٢٩٤)
وثانيها تيسيرُ الطاعة. (٢٩٥)
وثالثها تعْسير المعاصي عليه.
إذا تقررت هذه القاعدة، فإذا نسيِ قوله الانسان الإِقامة وغيرها من المندوبات دلَّ هذا الحرمان على أنه مسبَّبٌ عن معاصِ سابقةٍ. (٢٩٦)
وإذا كان ترْك الطاعة مسبَّباً عن المعاصي المتقدمة، فحينئذ إذا رأى المكلَّفُ ذلك سأل الله المغفرة من تلك المعاصي المتقدمة حتى لا يتكرَّر عليه مثلُ تلك المعصية، فالاستغفار على ترك الإِقامة لأجل غيْرها، لا أنه لها. (٢٩٧) الحواشي
(٢٩٤) كما في الجنّاتِ من الماكول والمشروب وغيرهما.(٢٩٥) أقوله فيجتمع للعبد مثوبتان، لقوْله تعالى: " ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] فجعل اليسرى (وهي فعل الخير) مسببة عن الاعطاء وما مَعَه.(٢٩٦) أي لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ(٣٠) ﴾ [الشورى: ٣٠]. قال القرافي: وفوات الطَاعة، مصيبتُها أعظم المصائب، فإن كلمات الأذان طيبة مشتملة على الثناء على الله تعالى، توجِبُ لقائِلِها ثوابا سرمديا خيراً من الدنيا وما فيها ... الخ.(٢٩٧) وحُكْم الإقامة للصلاة معروف، وهو السنية مثلُ الأذان، وفضْلُهُما وثوابهما عند الله تعالى كبير وعظيم. فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن الشيطان إذا سمعَ بالصلاة ذهبَ حتَّى يكون مكانَ الرَّوْحاءِ". وهو مكان على بعْدِ أرْبعين ميلا من المدينة تقريبا، رواه الامام مسلم ﵀.
وعن عبد الله بن عبد الرحمان بن أبي صعصعة أن أبا سعيد الخدري ﵁ قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتِك فأذَّنتَ بالصلاة فارفعْ صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدَى صوتِ المؤذِن جن ولا إنس إلا شهِد له يوم القيامة". رواه الامام احمد، والامام مسلم رحمهما الله. =стр. 999
وكذلك سائرُ المندوبات إذا فاتت يتعين على الانسان الاستغفار لأجْل ما دل عليه الترك من ذنوب سابقة، فهذا وجْهُ أمر مالِكٍ بالاستغفار في ترك المندوبات، لا أنه يعتقد أن الاستغفار مشروع في ترْك المندوبات، ولا إشكالَ على هذا، واللهُ أعلم (٢٩٨) الحواشي
(٢٩٨) قال القرافي ﵀ في ختام هذا، مبينا الغاية منه:
"فقد ظهر الفرق بين قاعدة الاستغفار من الذنوب المحرَّمات، وبين قاعدة الاستغفار من ترك المندوبات، وأنَّهُ في فعل المحرمات وتركِ الواجبات، لأجْلِها مطابَقة، وفي تَرْك المندوبات لأجْل ما دلَّتْ عليه بطريق الالتزام، لا أنهُ لها مطابقة.
وبهذا التقرير تُحَلَّ مواضع كثيرة مما وقع للعلماء من ذكر الاستغفار عن ترك المندوبات، فيُشكِل ذلك على كثير من الناس، وليس فيه كبير إشكال، بسبب ما تقدَّم من الفرق والبيان".
قلت: وبقطع النظر عن موقع الاستغفار ومكانه المناسب، وسببه الموجب له كما رأيناه لِائَمتنا وفقهائنا الأعلام، وكما ذكروه ﵃ ورحمهم اجمعين، فإن ذلكْ لا يتنافى ولا يتعارض مع كون الاستغفار مطوباً من المسلم والمسلمة في كل آن، مستحَبا منه على آية حال كان، من الطاعة والذكر وصالح الأعمال، لنيل فضله وثوابه، وتحصيل أجره وخيره، وادراك المغفرة والرحمة به من الله تعالى، مصداقا لقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ..
ومما يدل على ذلك ويرشد إِليه ما جاء في فضل الاستغفار، وذكَرهُ حجة الإسلام أبو حامد الغزالى ﵀ حيث جاء في كتابه الإِحياء قوله: قال الله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. وقال عبدٌ الله بن مسعود ﵁: في كتاب الله آيتان، ما أذنبَ عبدٌ ذنبا فقرأهما واستغفر الله إِلا غفر الله له: الأولى هي الآية السابعة من سورة آل عمران: ١٣٥، والثانية قوله : ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وقال سبحانه: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] وكان النبي ﷺ يكثر مِن قوله: سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، إنك أنت التوابстр. 1000
القاعدة السادسة والعشرون: في معنى الأفضلية والمزية (٢٩٩)
إعلم أنه لا يلزَمُ من كون العبادةِ لها مزيةٌ تختصُّ بها أن تكون أرجحَ مما ليس له تلك المزية.
فقد ورَدَ في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا أذن المؤذن ولى الشيطانُ وله ضُرَاط، وإذا فرغَ المؤذِنُ من الأذان أقبل، فإذا أقيمَتْ الصلاة أدْبَرَ، فإذا أحرمَ العبدُ بالصلاة جاء الشيطان فيقولُ له: أذكُر كذا حتى يضِلَّ الرجُلُ أن يدري (٣٠٠) كمْ صلَّى"، (٣٠١) فهذا يدل على أن الشيطان يفرُّ من الأذان والاقامة ولا يفرُّ من الصلاة، وليس بأفضلَ من الصلاة ولا بدَّ، لأنهما وسيلتان، والمقصِدُ أعظَمُ من الوسيلة، وقد قال ﷺ : "أفضل أعمالكم الصلاة". (٣٠٢) الحواشي
(٢٩٩) هي موضوع الفرق الواحد والتسعين بين قاعدة الأفضلية وبين قاعدة المزية والخاصية جـ ٢. ص ١٤٤. علق عليه ابن الشاط ﵀ بقوله: ما قاله القرافي في هذا الفرق صحيح".(٣٠٠) كذا في نسخة ع. وفي نسخة ح، وت: لا يدري. وعند القرافي في هذا الفرق: فلا يدري.(٣٠١) أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي ﵏.(٣٠٢) عن ثوبان ﵁ قال، قال رسول الله. ﷺ : إستقيموا ولن تُحصُوا، واعلَموا أن خَير أعمالكم الصلاةُ، ولن يحافظ على الوضوء إلَّا مومن". رواه الحاكم في كتابه "المستدرك على الصحِيحَيْن"، وقال: صحيح على شرطهما. ورواه الإِمام الطبراني ﵀ في كتابه "الأوسط" من حديث سلَمة بن الأكوع ﵁، وقال فيه: "واعلموا أن أفضل أعمالكم الصلاة"، وأورده الحافظ المنذري ﵀ في كتابه "الترغيب والترهيب".
قلت: ويعضِّدُهُ ويقَوِّيه أحاديث اخرى كثيرة وصحيحة في الموضوع، نقتصر منها على حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ : أيّ العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثمّ أي؟ قال: برّ الوالدين، قلت: ثمّ أيُّ؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: حدَّثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدته لزادني".
رَوَاهُ الشيخان: البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي ﵏، ورحم سائر الأئمة والعلماء وجميع المسلمين.стр. 1001
فعلى هذا قد يحصل للمفضول مزيَّةٌ ليستْ للأفضل، ولا يلزم بذلك أن يكون أفضلَ، وهذا؛ يقال: أبَيٌّ قوله أقرأ من أبي بكر، ومعاذٌ أعْلمُ منه بالحلال والحرام، وعليٌّ أقضىَ منه. ولنا مع هذا أنْ نقول: أبو بكر أفضلُ من كل واحد واحد من هؤلاء.
ومن هذا الباب قوله ﷺ لِعُمَر: ما سلكتَ فجًّا إلَّا سلك الشيطان فجاً غيرَ فجِّك". (٣٠٣)
وقال ﷺ : "إن عفريتا جآني ليفسد عليَّ صلاتي، ولولا دعوة أخي سليمانَ لأصبح مُوثَقاً يلعب به ولْدانُ أهلِ المدينة". (٣٠٤) وجآءه عفريت أيضا بشُعلة من نار، فاستعاذ منه ثلاث مرات حتى مدَّ يده .. " الحديث. الحواشي
(٣٠٣) نص الحديث بتمامه هو ما روى عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: إستأذن عمر على النبي ﷺ وعنده نسوة قريش يُكلمنه ويستكْثرنه، عاليةً أصواتُهُن على صوته، فلما استأذن عمرُ قُمنَ فبادرنَ الحِجَابَ (أي ظهر عليهن الخوف وأخذن يتأهبن للخروج)، ورسول الله ﷺ يضحك، فقال عمر: أضحك الله صوتك يا رسولَ الله، فقال رسول الله ﷺ : عجبتُ من هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي، فلما سمعنَ صوتك ابتَدرنَ الحجاب، قال عمر: أنت أحق أن يهبْنَ يا رسولَ الله، ثم قال لهن عُمَرُ: ياعَدُواتِ أنفسِهن، أتهبْنني ولا تهبنَ رسول الله ﷺ ، فقلْنَ: نعم، أنتَ أفظ أغْلظُ، فقال رسول الله ﷺ : إيهاً يا ابن الخطاب، والذي نفسى بيده، ما لِقيَكَ الشيطان سالكا فجًّا قط، إلا سلك فجا غير فجك". رواه الشيخان رحمهما الله.
والفج هو السبيل والطريق، ومنه قوله تعالى خطابا لنبيه ابراهيم ﵇ حين بني البيت الحرام، ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. سورة الحج. الآيات: ٢٧ - ٢٨ - ٢٩.(٣٠٤) نصه عند القرافي: "إنه قد تفَلتَ عليَّ الشيطان ليفسِدَ عليّ صلاتي، فلولا أنني قد تذكرت دعوةَ أخي سليمان لربطته بسارية من سَوَاري المسجد حتى يلعب به صبيان المدينة". قال القرافي، مبيِّناً الغاية من إيراده لهذا الحديث: "فلم ينفِر الشيطان من النبي ﷺ كما نفر من عمر ﵁.
قلت: وهذا الحديث بتمامه أخرجه الإِمام مسلم ﵀ في باب جواز لعن الشيطان أثناء الصلاة، والتعَوُّذِ منه، وجوازِ العمل القليل في الصلاة، من كتاب المساجد ومواضع الصلاة، فقال: عنِ أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن عِفْريتا من الجن جعل يَفتك عليَّ البارحة، لِيقطع عليَّ الصلاةَ، وإن الله أمكنني منه فدعَتُّه، فلقد هممتُ أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تُصبحوا تنظرون إليه أجمَعُكُم، ثم ذكرت قول أخيстр. 1002
وأين عمر من رسول الله ﷺ ؟ غير أنه يجوز أن يحصل للمفضول مالا يحصل للفاضل، ومثل هذا كثير، حتَّى إنه في الموجودات النباتية، فقد يوجد في الشعير من الفضائل مالا يوجد في البُرِّ، وفي المعدنية كالنحاس ما ليس في الذهب.
القاعدة السابعة والعشرون
في تمييز حقوق الله تعالى عن حقوق العباد . (٣٠٥)
فحقُّ الله تعالى أمرُه ونهيْه، (٣٠٦) وحقُّ العباد مصالحهم، (٣٠٧) .
والتكاليف على ثلاثة أقسام: حق الله تعالى فقط كالإِيمان وتحريمِ الكفر، (٣٠٨) وحقُّ العبيد فقط كالدُّيُون (٣٠٩) ، وقسم اختُلِفَ فيه، هل يغلَّبُ فيه الحواشي
(٣٠٥) هي موضوع الفرق الثاني والعشرين بين قاعدة حقوق الله تعالى وقاعدة حقوق العباد". جـ ١. . ص ١٠٤.(٣٠٦) علق الشيخ ابن الشاط على هذه الجملة عند الإِمام القرافي ﵀، فقال: "قلت: بَل حقُ الله تعالى مُتعلقُ أمره ونهيه، وهو عبادته. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال رسول الله ﷺ : "حق الله على العبادَ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا".(٣٠٧) قال ابن الشاط: إن أراد حقه (أي العبد) على الله تعالى فإنما ذلك مُلزِم عبادتَه إياه، وهو أن يدخله الجنة ويخلصه من النار، وإن أراد حقَه على الجملة، أي الأمر الذي يستقيم به في أولاه وأخراه، فمصالحه"، أي فذلك أو فتلك مصالحه، حيث يستقيم العبد في أموره وأحواله، ويسعد بذلك في دنياه ودينه، تفضلا من الله ونعمة منه سبحانه على عبده المومن المطيع.(٣٠٨) قال ابن الشاط: قد تقدَّم أن حق الله تعالى على عباده عبادتُهُم إياه، فإن أراد ذلك فصحيح، وإلا فلا.(٣٠٩) قال ابن الشاط: تمثيله هذا يُشْعِرُ لأنه يريد حقوق بعضهم على بعض، وقولُه قَبلُ: حقهُ (اي العبد او العباد) مصالحهم، يُشْعِر بأنه يريد حقوقهم على الجملة.стр. 1003
حق الله تعالى أوْ حقُّ العبْدِ كحد القذف. ونعْني بحق العبد، المحضَ الذي لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق الله تعالى، وهو أمرُهُ بإيصال ذلك الحق إلى مستحِقه، فيوجَد حق الله تعالى بدون حق العبد، ولا يوجد حق العبد بدون حق الله تعالى. (٣١٠)
وكثير من الحقوق التي لله تعالى وليس للعبد إسقاطها هي مصالح للعبد كتحريم الربا، وتحريمِ تضييع المال، (٣١١) وتحريمِ المسْكِرات، وتحريم السرِقَة، وتحريم القتل، وتحريم الغِيبة، فهذه كلها مشتملة على مصالح العبيد. (٣١٢) الحواشي
(٣١٠) قال ابن الشاط، بعْدَ أن قرر القرافي قبلُ، أن حقّ العبد مصالحه على الِإطلاق: قصَر كلامه على بعض ما يتناوله ذلك الإِطلاق من التفاصيل، وهو حَقُّ بعضٍ العباد على بعض، وترك الكلام على غير ذلك من مصالح العباد، فلم يكن كلامه منتظِما كما يجبُ.(٣١١) زاد القرافي قوله: ولو رضى العبد بذلك لم يُعْتَبر رضاه.
وقال ابن الشاط: ما قاله القرافي في ذلك صحيح.(٣١٢) عبارة القرافي ذكرت هذه الحقوق مع بيان حكمتها ومقاصدها، حيث جاء فيها قوله:
"وكذلك تحريمه تعالى السكراتِ، صونا لمصلحة عقل العبد عليه، وحرَّم السرقة صونا لماله، والزنى صونا لنسبِه، والقذْفَ صونا لعِرضه، والقتل والجَرح صونا لمهجته وأعضائه ومنافعها عليه، ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يُعتَبر رضاه ولم ينفَّذْ إسقاطه.
وعقب عليِه ابن الشاط بقوله: أما في القتل والجرح فرضاه معتبَر، وإسقاطه نافذٌ.
قلت: وبهذه العبارة والفقرة للقرافي يظهر نوع من الاختصار وجانبٌ من الايجاز عند البقوري ﵀، مما سأتناوله في دراسة لاحقة وخاصة بهذا العالم الجليل وكتابهِ هذا إن شاء الله وبعونه وتوفيقه، فقد اختصر فيه الإِشارة إلى القاصد التي لأجلها حرم الشرَع تلك الأمور ونهى عن ارتكابها والوقوع فيها.
وهي المقاصد الضرورية التي جاءت بها وبحفظها كلَّ ملة، وجمعتها الشريعة الإسلامية، واسْتوعبَتْها الملة المحمدية التي ختم الله بها النبوة والرسالة، وفي ذلك يقول بعضهم:
الدّين والنفس وعقلٌ ونسَبْ ... والمالُ والعرض فحفظُها وجَبْ
في كل ملة لحكمة أتتْ ... حُدُودها من أجْلها قد حُفِظتْ
وهو مضمون بيت عند الشيخ اللقاني في منظومته جرهرة التوحيد، حيث جاء فيه:
وحِفْظُ دين ثم نفسِ مالٍ نَسَبٍ ... ومثلُها عَقْلٌ وعِرضْ قد وجَبَ
وختم القرافي هذه الفقرة بقوله في هذه المسائل المشتملة على مصالح العباد عند التأمل واستعمال النظر، فقال: فتأمل ذلك بها ذكرتهُ لك من النظائر تجده، فتحجير اللهِ على العبد في هذه المواطن لطفا به، ورحمةً من الحق سبحانه.стр. 1004
قال شهاب الدين ﵀: في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ : قال: "حق الله على العبيد أن يعبُدوه ولا يشركوا به شيئا"، فهذا يقتضي أن حق الله تعالى نفس الفعل لا الأمرُ به، وهو خلاف ما قلناه. والظاهر أن الحديث أوِّلَ، وأنه من باب إطلاق الأمر على متعلّقه، فأطلق الحقَّ على متعلَّقه الذي هو الفعل. (٣١٣) الحواشي
(٣١٣) قلت: أورد القرافي ﵀ هذه الفقرة تحت عنوان "تنبيه"، فذكرَ أن ما تقدتم له من أن حق الله تعالى أمرُهُ ونَهْيه، أمر مشكِل، ثم أتي بالحديث المذكور إلى آخِرِ كلامه في هذه الفقرة عند البقوري ﵀.
وقد علق الشيخ ابن الشاط على ذلك بقوله:
جميع ما قاله القرافي هنا غير صحيح، وهو نقيض الحق وخلاف الصواب، بل الحق والصواب ما اقتضاه ظاهر الحديث من أن الحق هو غير العبادة، لا الأمرُ المتَعلِّق بها.
ثم زاد ابن الشاط قائلا: ومِنْ أعجب الأمور قوله: "فظاهره (اي الحديث) معارض لما حَرَّره العلماء من حق الله تعالى، كيفَ يحرر العلماء ما يخالف قول الصادق المصْدوق؟ !
ويَاليْتَ شعْرِي، مَنْ هؤلاء العلماء؟ كيف يصح القول بأن حقَّ الله تعالى هو أمرُه ونهْيُهُ، والحَقُّ معناه: اللازم له على عباده، واللازم على العباد لابدَّ أن يكون مكتسَباً لهم، كيف يصح أن يتعلق الكسْبُ بأمره، وهو كلامُه وصفتُهُ القديمة، وهذا كله كلام من ليس بن التحصيل بسبيل، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله.
قلت: يظهر - والله أعلم - أن كلام كل من هذين العالمين الجليلين، والفقيهين الفاضلين: القرافي وابن الشاط رحمهما الله يحتاج إلى تأمل ونظر، لعله يجد فهما صحيحا ووجهاً سليماً ومَحْمِلا مقبولا يجعل كلام كل منهما صائبا وسديدا يمكن معه التوفيق بينهما. وبيان ذلك أن يقال: حق الله تعالى على عباده هو أمره نهيه، كما قال القرافي وبعض العلماء، على اعتبار أن ذلك من حق الله سبحانه وأنه أهل له، فهو رب العالمين العليم الحكيم، خالق الكون والناس اجمعين، ومن حقه كذلك على عباده أن يعبدوه ويطيعوه بما أمرهم به من الواجبات، وما نهاهم عنه من المنهيات، وأن يخضعوا له بكل ذلك، ويخلصوا له الدين فيه، وكل دلالةٍ منفردةٍ. للحق بهذا المعنى، مُسَلَّمةٌ عند العلماء وغيرهم من كافة المسلمين، وعلى هذا، يصدق حق الله تعالى في دلالته على الأمرين معا وشموليته لهما، ويجمع بين أقوال العلماء في ذلك على هذا الأساس والفهم والتأويل القريب.
فالتحقيق الذي حرره العلماء في دلالة حق الله على أمره ونهيه سبحانه لعباده، وانتهوْا إليه نظريا، وحكاه القرافي عنهم، لا ينبغي أن يُفهَم على أنهم حرروا ما يخالف قول النبي ﷺ ، فهُم رضي الله عهم- في مُجْملهم وَجميعهم اكثر الناس ورَعا، وتقوى وخشية من الله، وهم أوسع. الناس وأدقهم فهماً لكماب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، وهم لذلك أبعد الناس على المخالفة والابتداع، وأحرصُهم على الموافقة والاتباع، والاقتداء بنبيهم سيدنا محمد ﵊، وهو الأسوة الحسنة لمن كان ورجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا. وما قد يصدر =стр. 1005
القاعدة الثامنة والعشرون
في تمييز حقوق الوالدين عن الأجانب . (٣١٤) الحواشي
(٣١٤) هي موضوع الفرق الثالث والعشرين بين قاعدة الواجب للآدميين على الآدميين، وبين قاعدة الواجب للوالدين على الأولاد خاصة، جـ ١. ص ١٤٢.
وقد بدأه شهاب الدين القرافي ﵀ بقوله: وهذا الموضع مشكل، بسبب أن كل ما وجب للأجانب (وهُم غير الاقارب) وجب للوالدين، وقد يجب للوالدين ما لا يجب للاجانب، فما ضابط ذلك الحق الواجب للوالدين الذي امتازوا به عن الأجانب؟ هذا موضع الإشكال، وأنا أقرب ذلك وألخِصُهُ بأيهر مسائل وفتاوي منقولة عن العلماء تختص بالوالدين، فيظهر بعد ذلك تقريب هذا الموضع إن شاء الله تعالى، وذلك بثمان مسائل: وقد أوردها البقوري كذلك هنا.
وقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على هذا الكلام عند القرافي إلى تمام المسألة الخامسة بقوله: أكثْرُ ذلك نقل لا كلامَ فيه، وما فيه من كلام فهو صحيح، غير قوله: قال الشيخ أبو الوليد الطرطوشي، فإنه ليستْ كنيته (أبو الوليد). وإنما كنيته أبو بكر.
قلت: وهو كذلك، واسمه محمد بن الوليد بن محمد بن خلَف بن سليمان بن ايوب الفهري، وينسب إلى طرطوشة بضم الطاءيْن: بلد بالاندلس، وكنيته أبو بكر كما ذكره الفقيه العلامة ابراهيم بن فرحون في كتابه الشهير: "الديباج المذهب في أعيان علماء المذهب"، ويُعرف بابْن أبي رُنْدقة، وكما أورده وذكره الفقيه العلامة محمد بن الحسن الحجوى الثعالِبي في كتابه القيم: "الفكر السامي في تاريخ الفقه الاسلامي"، نقلا له عن كتب التراجم، كالديباج، =стр. 1006
قال شهاب الدين: الحق الواجب للوالدين الذي امتازوا به عن الاجانب يظهر تقريبه بذكر ثمان مسائل:
المسألة الأولى: جاء رجل إلى مالك وقال له: يا أبا عبد الله، لي والدة وأختٌ وزوجة، فكلما رأت لي الوالدة شيئا قالت: أعطِ هذا لأختِك، فإنْ منعتُها سبَّتْتي ودَعتْ عليَّ، فقال له مالك: ما أرى أن تغايِظها. تخلَّصْ منها بما قدَرت عليه، وتخلَّصْ من سخطها بوُسعك.
المسألة الثانية: جاَء رجل إلى مالك فقال له: والدي في بلاد السودان كتب إليَّ أقْدَمَ أن أقْدَمَ عليه، وأمّي تمنعني من ذلك، فقال: . أطِع أباك ولا تعص أمّك. ورُوي أن الليث أمَره بطاعة الأمّ، لأن لها ثلُثي قوله البِر كما حكاه الباجي قوله، أن امرأة كان لها حقّ على زوجها، فأفتى بعض الفقهاء ابنَبها بأن يتوكل لها على أبيه وكان يخاصمه، وبعضهم قال له: هو عقوق، والحديث إنما دل على أن بِرَّه أقلّ من بِرّ الأم لا أنه يُعْصَى. (٣١٥) الحواشي
(٣١٥) قلت: البرور بالولدين مطوب شرعا وطبعا، ويعتبرُ أعظمَ أنواع البِر والخير، التي ينال بها العبد المسلم رضي الله ورضي العباد، ويكفى للدلالة على ذلك أن الله تعالى أمر بالإحسان اليهما في غير ما آية، وقرنَهُ بالأمر بتوحيده وعبادته، فقال تعالى في سورة النساء الآية ٣٦: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
وقال سبحانه في سورة الإسراء: الآية ٢٣، ٢٤، ٢٥ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾
كما أن النبي ﷺ أخبرنا أن رضَى الله في رضَى الوالدين، وأن سخطه في سخطهما، وقدَّم الرعاية لهما والعناية بهما في حَالة كبرهما ضعفهما وعجزهما على الخروج إلى الجهاد في سبيل الله، وجعل ذلك البرورَ بمنزلة الجهاد، فقال لأحد الصحابة رضوان الله عليهم وهو يريد الخروج إلى الجهاد: ألك أبوان؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهِدْ (أي جاهد في سبيلهما =стр. 1007
المسألة الثالثة: قال في "الموازية (٣١٦) ": إذا منعه أبواه من الحج فلا يحجُّ إلا بإذنهما إلا الفريضةَ، فنصَّ على وجوب طاعتهما في النافلة، وقال في المجموعة: الحواشي
(٣١٦) الموازية أو كتاب الموارية بفتح الميم، هو للففيه الجليل والعلامة الكبير محمد بن ابراهيم بن زياد الاسكندري المعروف بابن المواز، المتوفَّى سنة تسع وستين ومائتين هجرية (٦٢٩ هـ)، وهو من أبرز وجوه المدرسة المالكية، وفي أشهر رجالها وعلمائها الذين تفتخر بهم هذه المدرسة. وكتابه هذا (الموازية) يعتَبَرُ من أجَل كتب المالكية في الفقه، ومن أصحها وأوعبها مسائلَ، وأبْسطها كلاما وتعبيرا. وقد ظل هذا الكتاب عُمدة المالكية زمنا طويلا، واختفَى عن أنظار الدارسين في هذا العصر، ومنذ قرون سلفتْ. حيث لم يبِق منه إلا قطعة رَقية صغيرة من خمس وثلاثين ورقة في خزانة المرحوم الطاهر ابن عاشور، حسب إفادة صاحب كتاب تاريخ التراث (فؤاد سيزكين)، غير أن الجزء الأعظم منه ما زال محفوظا في كتاب النوادر والزيادات لمؤْلفه الشيخ ابن أبي زيد القيرواني ﵀، فقد احتفظ هذا الكتاب بنصوص كثيرة من الموازية لعلها تُشَكِل جُلَّ الكتاب.
وكان الذي أدخلَهُ إلى بلاد الغرب الاسلامي هو الفقيه العلامة درَّاس بن اسماعيل الفاسي، المتوفى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة (٣٣٧ هـ)، أدخلَهُ أولا إلى تونس ثم أدخلهُ الي المغرب. وعن هذا الكتاب (الموازية) يقول أخونا وصديقنا العزيز الاستاذ الجليل، الدكتور الفاضل عمر الجيدى الذي افتقدناه ﵀، وهو في أوج نضجه وعطائه العلمي واستيعابه للمذهب المالكي ومؤلفاته المخطوطة منها والمطبوعة، وفي دماثة اخلاقه ولطف معاشرته، وكريم تواضعه. قال ﵀ عن كتاب الموازية في كتابه القيم المفيد: "مباحث في المذهب المالكي بالمغرب": "وهو أحد الكتب الاربعة التي درج العلماء والفقهاء المالكية على تسميتها بالأمهات، وهي: المدونة، والواضحة، والعتبية أو المستخرجة، والموازية، وهي الكتب الفقهية التي شكلت الاسس التي قام عيها المذهب المالكي. ولقد وصَلَنَا ين هذه الأمهات كتابان هما: المدونة والعتبية، أما الواضحة والموازية، فلم يصلنا مهما إلا نُتَف يسيرَة موزعة في بعض المكتبات، وبحضها مبثوث في كتب الفروع، وبقدر ما نعتز بوجود المدونة والعتبية بقدر ما نأسف لضياع الواضحة والموازية". فليرجع إلى تلك المباحث ومَصَادرها من أراد التوسع في الموضوع.стр. 1008
يوافقهما في حجَّة الفريضة العامَ والعامين، وقال الأصحاب: لا يعصيهما في الخروج للغزو إلَّا أن يتَعيَّن بمفاجأة العدُوِّ. (٣١٧)
المسألة الرابعة: قال الغزالي في الإِحياء: (٣١٨) أكثرُ العلماءِ على أن طاعة الوالدين واجبة في الشبُهاتِ دون الحرام، وإن كرِها انفراده عنهما في الطعام وجب عليه موافقتهما وياكلُ معهما، لأن ترك الشبهة مندوب، وتركَ طاعتهما حرام، والحرام مقدَّم على المندوب، ولا يسافِرُ في نافلة ومباح إلّا بإذنهما، ولا يبادرُ لحج الاسلام إلا بإذنهما، (٣١٩) ولا يخرجُ لطلب العلم إلا بإذنهما، إلا عِلْمٍ هو فرض عليه متعيَن ولم يكن في بلده من يُعَلِّمه، لأنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق.
وقال الحسن: إذا منعَتْه أمه عن صلاة العِشاء في الجماعة شفقةً عليه فليعصها. قال الشيخ أبو الوليد الطرطوشي في كتاب بِرّ الوالدَيْن: لا طاعة لهما الحواشي
(٣١٧) فالجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة ونصره دينه الحنيف فرض كفاية على المكلف القادر، إذا دعا داعِيه، ونادَى مناديه لتلك الغاية، وأمر به من تجب طاعته من خليفة المسلمين وإمامهم الاعظم في أي عصر أو مكان كان، وحينئذ إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
ويكون فرض عين حالة فَجءِ العدو لبلد من بلاد المسلمين. قال الشيخ خليل ﵀. في ذلك: "وتعيَّنَ بِفَجْء العدو وإن على امرأة وصبي، وعلى مَن بقربِهِم إن عجزوا".(٣١٨) المراد به كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي رحمه إليه، وهو من ابرز كتبه القيمة، وأشهر مؤلفاته العلمية الذائعة الصيت، اشتمل على علم غزيز متنوع، من فقه وتصوف وآداب وأخلاق ... الخ، وهو كتاب مبارك نفع الله به المسلمين، ولا يكاد كتاب في العلوم الفقهية والإسلامية بصفة عامة، يخلو من ذكر كتاب الإحياء والإشارة اِليه، كما لا تكاد مكتبة عالمٍ فقيه أو متصوفٍ تخلوٍ من وجود كتاب الاحياء بينها لغزارة مادته وعلمه، ووفرة منفعته وفوائده، وخير وبركته، فقهاً وتصَوفاً، وفكراً وتوسّعاً، كما لا تكاد مكتبة عالم فقيه او متصوف تخلو من كتاب الشفا في التعريف بحقوق المصطفى للقاضي عياض وغيره من
المؤلفات القيمة لعلماء الاسلام ﵏.(٣١٩) حجُّ الإسلام أو حَجةُ الإسلام، ويسميها الفقهاء، حجة الصَّرورة (بالصاد) هي الحجة الفريضة الواجبة مرَّة واحدة في العمر علي من توفرت له الاستطاعة المالية من المسلمين، باعتبار الحج ركنا من أركان الدين، وقاعدة من قواعده الخمسة المعلومة من الدين بالضرورة لدى كل مسلم ومسلمة، مصداقا لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. سورة آل عمران، الآية ٩٧.стр. 1009
في ترك سُنةٍ راتبة (٣٢٠) وتركِ ركعتي الفجر والوتْر ونحوِ ذلك إذا سألاهُ ترك ذلك على الدوام، بخلاف ما لو دعواه لترْك أول وقت الصلاة، فإنه تجِبُ طاعتهما وإن فاتته فضيلة أول الوقت. (٣٢١)
المسألة الخامسة: في صحيح مسلم، حديث جُريج الراهبِ مع أمّه يدل على قطع النافلة لأجْلِ الأم، ويلزم من ذلك أن لا تكون واجبةً بالشروع، أو يقال: ما وجب بالشروع يُقْطَعُ للأبوين، بخلاف الواجب بالأصالة. (٣٢٢) ، الحواشي
(٣٢٠) السنن الراتبة أو الرواتب كما ذكرها علماء الحديث والفقه وعرفوها في كتبهم الفقهية هي: نوافل الصلاة التي كان النبي ﷺ يواظب ويداوم على صلاتها، إما قبل أداء الفريضة أو بعدها، ونجد ذكرها وتوضيحها في حديث أم حبيية ﵂ قالت: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول:
"ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم ثنتى عَشْرةَ ركعة تطوعاً غيرَ فريضة إلا بَنَى الله له بيتا في الجنة، قالت أم حبيبة: فما برحْتُ أصليهن". رواه الائمة: مسلم وأكثر أصحاب السنن. وفي رواية الترمذي: يُصَلِّي أرْبعاً قبل الظهر وركعتين بعْدَها، وركعتيْن بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر. وهناك روايات أخرى مقاربة لهذه في موضوع النوافل الرواتب من حيث اللفظ والمعنى، فليرجع إليها من يرغَبُ في استيعابها.(٣٢١) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: الوقت الأول (أي لأداء الصلاة فيه) رضوان الله، والوقت الآخِرُ عفو الله"، أي إن الصلاة في آخره تقصير، يرجو معه المصلى عفو الله وفضله، وقبوله بالجود والكرم، والاحسان منه سبحانه.(٣٢٢) الحديث أورده الامام مسلم ﵀ في باب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة وغيرها، من كتاب البرِّ والصلة والادب: قال: حدثنا شيْبان ابن فروخ، حدثنا سليمان بن المغيرة، وحدثنا أحمد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة ﵁ قال: كان جُرَيْجٌ يتعبد في صومعة، فجاءت أمه قال حُميد: فوصف لنا أبو رافع صفةَ أبي هريرة لصفةِ رسول الله ﷺ أمَّهُ (أي أمَّ جريج) حين دعتْه كيف جعلت كفها فوق حاجها ثم رفعتْ رأسها إليه تدعوه، فقالت: يَا جُريجُ، أنا أمك كلِّمْني، فصادفتهُ يصلي، فقالَ: اللهم أمي وصلاتي، قال: فاختار صلاتَه، فرجعَتْ ثم عادت في الثانية، فقالت: يا جريحُ أنا أمك فكلمني، قال: اللهم أمي وصلاتي، فاختارَ صلاته، فقالت: اللهم إن هذا جريج وهو ابني، وإني كلمته فأبَى أن يكلمني، اللهم فلا تُمِتْه حتي تُريهُ المومسات، قال: ولو دعَت عليه أن يفُتَنَ لفُتِنَ. قال (أي النبي ﷺ ): وكان راعي ضأن يأوي إلي دِيرهِ (أي مكان تعبُّدِ جُريح)، قال: فخرجت امرأة من القرية، فوقع عيها الراعي، فحملت، فولدت غلاما، فقيل لها: ما هذا؟ قالت من صاحب هذا الدير، قال: فجاءوا بفؤوسهم ومساحيهم، فنادوْه، فصادفوه يصلى فلم يكلمهم، قال: فأخذوا يهدمون دِيره، فلما رأى ذلك نزل اليهم، فقالوا له: سل هذه، فتبسم ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضأن.
قال الإِمام النووي ﵀: قال العلماء: فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدَمنَا من ديرك بالذهب والفضة، قال: لا، لكن أعيدوه ترابا كما كان" اهـ.стр. 1010
غيرَ أن الاستدلال بالحديث فيه نظر، إذ ليس فيه إلا إجابةُ دعائِهِما، وذلك لا يلزم منه وجوبُ حقٌ الداعي وأنه مظلوم، فإن الظالم قد يجاب دعاؤه على المدعو عليه المظلوم، ويكون ذلك بسبب ذنب يسبقُ للمظلوم فعله فيعاقبه الله بهذا.
وهذا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) ﴾ [الشورى: ٣٠].
ومما يدل على تقديم طاعتهما على المندوبات ما في مسلم، أن رجلا قال: يارسول الله، أبايِعُك على الهجرة والجهاد، فقال له: هل من والديك أحد؟ قال: نَعَم، كِلَاهما، قال: فتبتغى الأجْرَ من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسِنْ صحتهما" (٣٢٣) . فجعل ﵇ الكونَ مع أبويه أفضلَ من الكون معه ومِنْ الجهاد في أول الاسلام. وَمع. أنه لم يقل في الحديث: إنهما منعاه، بل هما موجودان فقط، فأمَرَهُ ﵇ بالأفضلِ. وهذا الحديث أحسنُ شيء في حَق الوالدين، وإذا قَدَّم ﵇ حقَّهما على فروض الكفايات فأنْ يُقدَّمَ على النفلِ أوْلى وأحق. (٣٢٤) وحديث جُريج يروَى في بعض طرقه أن النبي ﷺ : "لو كان جُريج فقيها لَعَلم أن إجابة أمّه أفضل من صلاته". وعلى التقدير يكون ذلك دليلا صحيحا.
ومما يدل على تحريم أصل العقوق قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٣٢٥) . وإذا حرُمَ هذا حرم ما فوقه بطريق الأولى. ويدل على مخالفتهما (٢٣٢) أخرجه الإِمام مسلم ﵀ في باب البر بالوالدين وأنهما أحق به، (من كتاب البر والصلة والأدب الحواشي
(٣٢٤) وقد علق الشيخ ابن الشاط ﵀ على ما جاء في هذه المسألة الخامسة بقوله:
جميع ما قاله القرافي في ذلك من نقل وغيره صحيح، غير قوله: "وإذا قَدَّم خدمتها على فروض الكفايات فعلى النفل بطريق الأولى"، فإنه لقائل أن يقول: ليس ذلك في النفل أولى، لأن تركه فرضَ الكفاية مع قيام غيره به لا تفُوتُ يه مصلحة، وترك النفل تفوت به مصلحة نك النفل، قال ابن الشاط: ويمكن الجوب بأن مصلحة النفل إنما هي مجرد الثواب، وكذلك مصلحة فرض الكفاية في حق من هو زائد في العدد على ما يحصل به المقصود من ذلك الفرض، لكن ثواب فرض الكفاية أعظم. فتتحققت الأولويَّةُ.(٣٢٥) سورة الإسراء، الآية ٢٣، وقد سبق ذكرها والإِشارة إليها.стр. 1011
في الواجبات قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. (٣٢٦) .
وفي الآية فائدتان:
الفائدة الأولى: أن الأبوين يجب بِرُّهما ويَحرُمُ عقوقهما وإن كانا كافريْن، فإنه لا يامر بالشرك إلا كافرٌ، ومع ذلك فقد صرَّحَتْ الآية بوجوب برهما.
الفائدة الثانية: أن مخالفتهما واجبة في أمرهما بالمعاصي، ويؤكد ذلك قولُهُ ﵊: "لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق". (٣٢٧)
المسألة السادسة: قال الطرطوشي ﵁: أمّا مخالفتهما في طلب العلم، فإن كان في بلده يجد ذلك ثم أراد أن يسافر إلى بلد آخر هو مثل بلده، لَمْ يجُزْ له السفر إلا باذنهما، لأن إذنهما لا يجوز إلا لضرورة، ولا ضرورة هنا، وإن أراد الخروج لمعرفة الكتاب والسُّنة والأدلة والنصوص إلى الاجتهاد، وإن لم يكن ذلك في بلده وكان ذلك في البلد الذي أراد السفر إليه خرج، ولا طاعة لهما إذا منعاه، لأن تحصيل درجات المجتهدين فرضُ على الكفاية، قال سحنون: من كان أهْلا للإِمامة ففرضٌ عليه أن يطلبها، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ﴾. (٣٢٨) الحواشي
(٣٢٦) وتمامها قوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. سورة لقمان الآية ١٥.
ومثلها قوله تعالى تأكيدا على البرور بالوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: ٨](٣٢٧) أورده الإِمام السيوطي ﵀ في كتابة الجامع الصغير، رواية ونقلا عن الإِمام أحمد بن حنبل في المسند، والحاكم في كتابه المستدرك، ورمز له بالصحة. وأوردَ له نصا آخر بمعناه عن علي ﵁ وهو "لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" متفق عليه. وفي معناه الحديث الصحيح عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: السمعُ والطاعة على المرء المسلم فيما أحبَّ أو كَرِه، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أَمِرَ بمعصية فلا سمعَ ولا طاعة" رواه الشيخان، أكثرُ أصحاب السنن ﵏.(٣٢٨) ونصُّ الآية بتمامها: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]стр. 1012
قال شهاب الدين: قد تقدم أن مخالفتهما في الجهاد الذي هو فرض كفاية لا تجوز، لما تبين في الحديث، وهذه الفتوى من أبي الوليد وسحنون بخلاف ذلك، فقال في الجواب: العِلْمُ وضَبْطُ الشريعة وإن كان فرضَ كفايةٍ، غير أنه يتعيَّن له طائفة من الناس، وهم الذينٍ جَادَ حِفْظُهُم، ورَاقَ فهمُهُم، وحسُنَتْ سيرتهُم. وإذا كانت هذه الطائفةُ متعينة بهذه الصفات فطلَبُ العلم عليها فرض عين، فلعل هذا هو معنى كلام سحنون وأبي الوليد. (٣٢٩)
قلت: هذا تكَلَّفٌ بعيد، فالتصريح قد وقع من أبي الوليد في مخالفتهما في فروض الكفاية، وأيضا فكيف يصيرُ متَعَيّنا على من كانت فيه تلك الصفات التي ذكَر، بل لا يزال فرض كفاية إلا أن يُفرَضَ أنه ليس على وجه الارض أحدٌ هو على ذلك الوصف من التهيؤ غيرُهُ، وهذا لا يتأتى ولا يُتصوَّرُ صحة فرضه، والله أعلم.
المسألة السابعة: إن أرادَ سفراً للتجارة يرجو به ما يستعين به على الاقامة (٣٣٠) فلا يخرج إلا بإذنهما، كان رجا أكثر من ذلك وهو في كفاف، وإنما الحواشي
(٣٢٩) المراد بأبي الوليد هنا هو العلامة الطرطوشي، كما ذكره القرافي، وقد سبق أشرت في تعليق سابق أن ابن الشاط نبه قبل هذه المسألة وعندها، هنا إلى أن الصواب في كنيته هو أبو بكر، وأنه بذلك ذكرته كتب التراجم، وكما صححه ابن الشاط فيما سبق وفي التعليق الآتي: ٣٣٠. ثم قال القرافي، في نهاية هذه الفقرة: والجهادُ يَصلح له عموم الناس فأمرُهُ سهْلٌ، وليس الرَّمْي بالحجَر، والضربُ بالسيف كضبط العلوم، فكل بليد أو ذكي يصلح للاول، ولا يصلح للثاني إلا من تقدم ذكرُه، فافهم ذلك.
وكلام سحنون كما ذكره القرافي هو قوله: من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلها، لقول الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، ومن لا يعرف المعروف كيْفَ يامرُ به، أو لا يعرف المنكر كيف ينهي عنه" اهـ كلام سحنون كما ذكرِه القرافي ﵏ جميعا
قلت: ومن ذلك قول إلله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(١٢٢) ﴾ [التوبة: ١٢٢].(٣٣٠) كذا في جميع النسخ الثلاث المعتمد في هذا الترتيب والاختصار عند البقوري. وعبارة القرافي: قال أبو الوليد: إن أراد سفرا للتجارة يرجو به ما يحصل له في الاقامة فلا يخرج إلا بإذنهما". وعقب الشيخ إبن الشاط على ما جاء في هذه المسألة السابعة بقوله: ما قاله القرافي في ذلك صحيح، غير قوله. قال أبو الوليد، فإنه أبو بكر، كما سبق ذكره قربيا التعليق ٣١٤ ص ٥٢٥.стр. 1013
يخرج تكاثراً، فهذا لو أذِنَا لهُ نهينَاه، وإن كان المقصود منه دفع حاجات نفسه أوْ أهلِه، بحيث لو تركَه تأذَّى بتركه، كان له: مخالفتهما، لقوله ﵇: "لا ضرَر ولا ضرار" (٣٣١) . وكما نمنعه من أذيتهما نمنعهما من أذيته، بل ضرورته الحواشي
(٣٣١) رواه الإِمام مالك ﵀ في الموطأ مرسَلا في ترجمة القضاء في المرفق من كتاب الأقضية عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه يحيى بن عُمَارة أن رسول الله ﷺ قال:
"لا ضرر ولا ضِرار"، أيْ لا يضُرُّ الانسان أخاه فينْقصُه شيئا من حقه، ولا يجازى من ضَرَّه يإدخال الضرر عليه، بل يعفو. فالضرر فعلُ واحد، والضِرَار فعل اثنين. فالاول إلَحاق مفسدة بالغير مطلقا، والثاني الحاقها به على وجه المقابلة، أيْ كل منهما يقصد ضرر صاحبه بغير جهة الاعتداء بالمثل.
ثم زاد الشيخ الزرقاني ﵀ في شرحه على الموطأ قائلا: لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث كما في التمهيد، ورواه الداروري عن عمرو بن يحيى عن أبيه في أبي سعيد الخدرى ﵁، موصُولا، بزيادة: "من ضارَّ أضَرَّ اللهُ به، ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه". أخرجه الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر والحاكم. ورواه الإِمام احمد ﵀ برجال ثِقَاتٍ، وابن ماجةُ ﵀ من حديث ابن عباس وعُبادةَ بن الصامت ﵄. وأخرجه ابن أبي شبية وغيره ﵏، من وجه آخر أقوى منه. وقال فيه الامام النووي ﵀: حديث حسن، وله طرق يُقوي بعضها بعضا، وقال العلائي ﵀: لَهُ شواهد وطُرق يرتقى بمجموعها إلى درجة الصحة، وذكره الامام النووي في أحاديثه المعروفة بالأربعين النووية، وذكر أبو الفتوح الطائي ﵀ في الاربعين أن الفقه يدور على خمسة أحاديث، هذا أحدها.
قلت: ومن جلتها ما نقله الامام السيوطي ﵀ في أول كتابه: "الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية" عن أبي داود ﵁، وهي أحاديث: "الأعمال بالنيات" "والحلال بيين والحرام بين"، و "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه".
وقال الإِمام احمد: أصول الإسلام تقوم على ثلاثة أحاديث: "الأعمال بالنية"، و"ومن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ" أي مردود عليه، وغير مقبول منه، و "الحلال بين والحرام بين"، وقال أبو داود: مدار السنة على أربعة أحاديث: "الأعمال بالنيات" و "مِن حُسْن اسلام المرء تركه مالا يَعنيه"، و "الحلال بين، والحرام بيين"، "وإن الله تعالى طيب لا يقبَلُ إلا طيبا"وفي لفظ آخر له: "لا يكون المومن مومنا حتى يرضى لأخيه ما يَرْضى لنفسه".
وذكر الإِمام الدارقطني أن الحديث الرابع هو: "إزهَدْ في الدنيا يحبَّك الله".
وذكر الخفافُ من علماء الشافعية أن مدار الأحاديث على أربعة: "الأعمال بالنيات"، و "لا يحِل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث"، و "بُني الاسلام على خمس" و "البينةُ على المدعى واليمين على من أنكر"، إلى غير ذلك مما قاله العلماء في هذا الموضوع من أن حديث "الأعمال بالنيات" يدخل في ثلاثين بابا من العلم، وقيل في سبعين بابا من العلم والعمل، فلْتُحفَط هذه الأحاديث، ليكن العيلُ بها كلها، فإنها أصول الدين والفقهِ الذي نتَعَبدُ الله به، ونرجو منه القبول بمنه وفضله سبحانه، فهو الجواد الكلام، ذو الفضل العظيم.стр. 1014
تُقَدَّم عليهما. (٣٣٢)
قال: فإن قلتَ: قد قال مالك: إذا بلغَ الغلامُ ذهبَ حيث شاء، قال: قلتُ: هذا في الحضانة، لأنه قبل البلوغ كان تصرفه بإذن كافله، فإذا بلغ ذهب حِجْر الحضانة ويحَجَّر حَجْر البِّر، (٣٣٣) ويؤكدُ ذلك قولُ مالك في الذي دعاه أبوه من بلاد السودان ومنعتْهُ أمُّه، فمنعه مالك من الخروج بغير إذن الأم، (٣٣٤) فهو بعدَ البلوغ يمشى في البلد حيث شاء دون السَّفَرِ، فإن لحقتْهُما إذايةٌ في تصرفه في البلد منعاه مطلقا. (٣٣٥) الحواشي
(٣٣٢) عبارة القرافي هنا تبدو أظهر وأوضح، حيث مثل لذلك بقوله: "فإنه لو كان معه طعام إن لم ياكله هلك، وان لم ياكلاه هلكَا، قُدِّمتْ ضرورته عليهما".
قلت: ويستحضر المرء هنا ما يمكن أن يوحى بأولوية تقديم الابن للابوين على نفسه وأولاده في مثل هذه الحال ويستفاد منه ذلك، وهُوَ حديث النفَر الثلاث الذين لجأوا إلى غار ودخلوه، فانسدَ عليهم بابه بصخرة عظيمة عجزوا عن إزاحتها وتحريكها، فتوجهوا إلى الله بالدعاء، وتوسلوا إليه سبحانه بأعمالهم الصالحة، الخالصة لوجهه الكريم، وكانوا كما توسل بعضهم بذلك انفرجت فرجة في باب الغار يرون منها النور والسماء، وكان من جملة دعاء أحدهم وتَوَسُلِهِ إلى ربه العلى القدير أنه قال: اللهم إنه كان لي والدانِ شيخان كبيران، ولي صبية صغار كنت أرعَى عليهم، فإذا رحتُ عليهم حلَبتُ، فبدأت بوالدَي أسقيهما قبلَ بَنيّ، وإني استاخرتُ ذاتَ يوم فلم آتِ حتى أمسيْتُ، فوجدتهما نائمين، فحلبت كما كنتُ أحلب، فقمت عند رأسهما أكْرَه أن أوقظهما، وأكرَهُ أن أسْقِي الصبْيَةَ، والمحبيَةُ يتضاغَوْن عند رِجْلي (أي يبكون من الجوع) حتى طلع الفجر، فإن كنتَ تعلم أني فعلته ابتغاءَ وجهك فافرُجْ لنا فُرجة نرى منها، ففرجَ اللهُ، فرأوا السماء ... ". وهذا الحديث صحيح أخرجه الإِمام البخاري عن ابن عمر ﵄، ويذكره العلماء والمحدثُون في فضل إخلاص النية والعبادة لله تعالى، وفي فضل البرور بالولدين.(٣٣٣) كذا في نسخة وفي نسخة ح: يجدَّدُ. وفي نسخة ت: وتجرد، وهُوَ تصحيف في الفعل: تجدد، كما تدل عليه عبارة القرافي هنا: وهي قوله: "وتجدَّد حِجْرُ البِرِّ" بعنى دام واستمَرَّ.(٣٣٤) تمام كلمة الإِمام مالك كما هي عند القرافي: "أطِع أباك، ولا تعْصِ أمَّك".(٣٣٥) عبارة القرافي: فهو بَغد البلوغ يمشي في البلدِ حيث شاء دُون السفر, إلَّا أن يكون في ربيةٍ وهُما يتَأذيان، فيمنعانه مطقا.
قَلت: وقد أورد القرافي في آخر هذه المسألة السابعة سؤالا وجوابا اختصرهما الشيخ البقوري، ورأيت أن اذكرهما، نظراً لاختصارهما وتميماً للفائدة منهما فقال:
(سؤال): قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. [سورة البقرة الآية: ٢٣٢)، والنكاح مباح، وقد نهى الأبَ عن منع ابنتِه منه، فلا تجب طاعُتُه في تركِ المباح، وفي تَرك المندوب بطريق الْأولى؟ =стр. 1015
المسألة الثامنة في بيان الواجب من صلة الرحم.
قال الشيخ أبو الوليد (٣٣٦) الطرطوشي: قال بعض العلماء: إنما تجب صلة الرحم بين كل شخصين لو كان أحدهما ذكراً والاخَرُ أنثى لم يتناكحا، كالآباء والأمهات، والأخوات والِإخْوة، والأجْداد والجدات وإنْ عَلوْا، والأولادِ وإن سفلوا، والأعمامِ، والعمات، والأخوال والخالات، فأما أولاد هؤلاء فليست الصلة بينهم واجبة لجواز المناكحة بينهم. ويدل على صحة هذا القولِ تحريمُ الجمع بين الأختين، وبين المرأةِ وعمَّتِها، وخالتِها (٣٣٧) لما فيه من قطيعة الرحم، ويجوز الجمع بين بنتي العَمّ، وبنْتي الخال، وإن كُنّ يتغايَرْن ويتقاطعْنَ، وما ذاك إلا أن صلة الرحم بينهم ليست بواجبة. الحواشي
(٣٣٦) سبق تنبيه ابن الشاط إلى أن الصواب هو أبو بكر. وأنه كذلك في كتب التراجم، كالديباج المذهب وكالفكر السامي، وغيْرهما.(٣٣٧) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: لَا يُجمعُ بين المرأة وعمتها ولا بيْن المرأة وخالتها"، رواه الإِمام مالك في الموطأ، وأخرجه الشيخان وأغلبُ أصحاب السنن ﵏، وقد نقل الزرقاني في شرحه على الموطأ أن القاضي عياضا ﵀ قال: أجْمعَ المسلمون على الأخذ بهذا النهي، إلا طائفة من الخوارج لا يُلتَفَتُ إليها، واحتجت هذه الطائفة يقول الله تعالى في المحرمات بالنسَب "وأن تَجمعُوا بين الأختين" (أي حُرم عليكم الجمع بين الأختين في عصمة النكاح)، وبقوله سبحانه: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾، وقالوا: الحديث خبَرُ واحد، والآحادُ لا تخصّصُ القرآن ولا تنسَخُهُ، وهي مسألة خلاف بين الأصوليين. والصحيح جواز الأمرين، لأن السنة تُبَيِّنُ القرآن الكريم، ولأن علة المنع من الجمع بين الأختين، وهىَ ما تحمل عليه الغيْرَة من التقاطع والتدابُرِ، موجودة في ذلك، وقاسَ بعض أهل السَّلَف عليه جُملة القرابة، فمنع الجمعَ بيْن بنتَيْ، العم وبنتَيْ العمة، والخالَة، والجمهور على خلافه، وعلي قصر التحريم على ما وردَ فيه نص، أو ما ينطلق عليه من لفظه، من العمات والخالات وإن عَلَوْن كما قال ابن شهاب في الصحيحين، فيرى عمةَ أبيها، وخالَة أبيها بتلك المنزلة، وهو صحيح، لأن كلا فهما يطلق عليه اسم عمة وخالة، لأن العمة هي كل امرأة تكون أخْتاً لرجُلٍ، له عليك ولادة، فأختُ الجد للاب عمة، وأختُ الجد للأم خالة. وقال النووى: العمة حقيقة، إنما هي أختُ الأب، وتُطلَقُ مجازاً على أختِ الجد أوْ أبي الجد وإن على، والحالة أخت الأم، وتطلق على أخت أم الأم أو أمَّ الجد، سواء كانتْ الجدة للأب أو الأم. =стр. 1016
"سؤال": قوله ﵊: "صِلُةُ الرحم تزيد في العمر"، وقد ﵇: "من سَرَّة السَّعة في الرزق والنَّماء في الأجَل فلْيصِلْ رحمه" (٣٣٨) ، كيف يكون هذا والأمورُ قد فُرِغ منها في الأزل (٣٣٩) .؟
فمن العلماء من قال: إنما ذلك بزيادة البركة. وقال شهاب الدين: هذا لا ينبغي، لأن تلك البَركة داخلة في القَدَر، وهذا الجواب يُوهِمُ أنها ليست داخلة فيه. وأيضا ففيه فساد من حيث إن القصد بالحديث التحريضُ على هذا الخير، والحثُّ على صلة الرحم، فإذا سمع أحدٌ أنه لا رزيد إلا البركةَ كَسَل عن الحواشي
(٣٣٨) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَن سَرة أنْ يُبسَطَ له في رزقه، وأنْ يُنْسَأ له في أثَره (أيْ أن يُزَادَ له في أجَله) فليَصِلْ رَحِمَه" رواه الشيخان وأبو داود ﵏.(٣٣٩) عن عبد الله بن مسعود ضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق، قال: "إن أحدكم يُجمعَ خَلقُهُ في بطن أمه أربعين ووما نُطفة، ثم يكون علَقة مثلَ ذلك، ثم يكون مُضغة مثلَ ذلك، ثم يرسَلُ إليه الملَكُ، فينَفخُ فيه الروحَ، ويُومَرُ بأربع كلماتِ: بكَتب رزقهِ، وأجله، وعمَله، وشقيّ أو سعيد، فوا اللهِ الذي لا إلاه غيرُه، إنّ احدَكم لَيعمَلُ بعملَ أهل الجنة حتى ما يكونَ بينه وبيْنها إلا ذِراعٌ، فيسبِقُ عليه الكتاب، فيَعملُ بعمل أهل النار فيدخلُها، وإن احدكم لَيعمَلُ بعمل اهل النارِ حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بحمل أهل الجنة فيدخلها". متَّفَقٌ عليه بين الشيخين: البخاري ومسلم رحمهما الله.
وهذا الحديث النبوي الشريف يشير إلى ما تضمنته الآية الكريمة في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ(١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ(١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ(١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٦]стр. 1017
ذلك، وإنما الجواب - قال: أن يقال: ان الله قدَّر في الأزل أن يَعيش المرء ثلاثين سنة مرتَّبة على الأسباب العادية من الغِذاء والتنفس في الهواء، ورتَّب له عشرين سنة أخرى على هذه الأسباب، وصلةُ الرحم يجعلها الله تعالى سببا كَما الغِذاءُ سبب للعيْش، ويقال لذلك: إنها تَزيد في العُمُرِ حقيقة كما يقال: الإيمان سببُ الجنة، والكفر سبب النار. وعلى هذا التقديرِ ينبسط السامع لهذا ويسهل عليه صلة الرحم، ويبقى الحديث على ظاهره لا يُتأوَّل ويُخْرَجُ عن ظاهره. وهذا الجواب يجري في الدعاء أنه يرُدُّ القضاءَ ويزيد في العمر والرزقِ وما أشبهَ ذلك (٣٤٠) .
وهنا أيضاً سؤال صعب، وردَ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، (٣٤١) فقال بعضُ الفقهاء: هنا سؤال، وهو أنه ﵇ إذا علِمَ الغيب، والذي في الغيب هو هذا الذي قد قدره الله تعالى من الخير، فكيف يستكثِر من الخير على تقدير الِاطلاع على الغيب.؟
والجوابُ أن الله تعالى قدّرَ الخيْر والشر في الدنيا والآخرة، وجعَل لكل مقدور سبباً يترتب عليه ويرتبط به. ومن جملة الأسباب، الأسبابُ التي جرت عادته بها من العلوم والجهالات، فالجهل سببٌ عظيم في العالم لمفاسدَ من أمور الدنيا والاخرة، والعلم سبب عظيم لتحصيل مصالِحَ ودرْء مفاسدَ في الدنيا والآخرة. فالذي دفع إليه الْسُّمُّ فأكلَه فمات إنما قدَّر الله له أن يموت لجهله بتناول السم، الحواشي
(٣٤٠) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: مَن سَرة أن يستجيبَ الله له عند الشدائدِ والكُرَب، فليكثر الدعاء في الرخاء"
وعن ابن عمرَ ﵄ عن النبي ﷺ قال: إن الدعاء ينفعُ مما نَزَل ومما لم يَنْزِل، فعليكم عِبادَ الله، بالدعاء" هـ
وعن سلمانَ ﵁ عنِ النبي ﷺ قال: لا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيدُ في العُمُرِ إلا البِرُّ" روى هذه الأحاديث الإمامُ الترمذي ﵀.(٣٤١) وأول الآية قولُ الله تعالى خطابا لنبيه الكيم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]стр. 1018
ولو علمه لم يتناوله فلم يمُتْ، فلو قَدَّر الله تعالى نجاته منه قدَّر اطلاعه فسَلِم، فيكون سببَ سلامته عِلْمُهُ، فالمقدَّر على تقدير الجهل نحن نمنع أنه مقدَّر على تقدير العلم، بل ضده، فالرزق الحقيرُ إنما قدره الله لأهله على تقدير جهلهم بالكنوز وعمَلِ الكيمياء وغير ذلك من اسباب الرزق، أما مع العلم بهذه الأسباب العظيمةِ الموجِبةِ في مَجْرَى العاداتِ سَعةَ الارزاق، فلا نُسَلّم أن الله تعالى قدَّر ضيق الرزق على هذا التقدر، كما نقول: ما قدَّر الله دخولَ الجنة إلا على تقدِير الايمان، أما مع عدمه فلا نسَلِّمُ أن الله تعالى قدَّر لهم الجنة، وما قدر للكفار النار إلا على قدر جهلهم با لله تعالى، أما على تقدير علمهم با لله تعالى فلا نسلم أنه قدَّر لهم النارَ، وعلى هذه الطريقة يتضحُ لك أن رسولَ الله ﷺ لو اطلع على الغيب كثَرُ عنده مِنْ الخير ما لم يكن عنده الآن، وما مسَّه السوء.
فائدة: إنَّ ناسا يقولون: الأب ثلثُ البرّ وللام الثلثان، وقيل: الأب الربع، والأم ثلاثة أرباعه، وهذا لقوله ﵇: ثم أبوك في الثالثة في رواية. وفي الرواية الاخرى: ثم أبوك في الرابعة. (٣٤٢)
قال شهاب الدين: وهذا ليس بصحيح، بل أقلَّ من ذلك بكثير، وهذا من حيثُ ثُمَّ التي التراخي، فهى تُعطى أن الرتبة الثانية أخْفَض رتْبةً من التي قبلها بكثير، ثم الثالثةُ أخفضُ من الثانية كذلك بكثير، فكيف يقال: الثلث، أوْ يقال الربع، وهذا الحرف أعطَى نقصان المرتبة الأخيرة عن التي قبلها بمراتب عديدة، ولابُدَّ، أقلَّ من الثلث ومن الربع قطعاً، وإذا كان الأمر هكذا فلَيس بصحيح ما قاله مَن تقدم، من الثلث والربع. الحواشي
(٣٤٢) إشارة إلى حديث أبي هريرة ﵁ قال: "جاء رجل إلى رسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله، مَنْ أحق الناس بحسْن صحابتي؟ (أيْ من هو أوْلاهم بحسْن معاشرتي وبُروري وإحسان) قال: أمك، قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: امك، قال: ثم من؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْأ قال: أبوك" رواه الشيخان رحمهما الله.
وعنه أيضا قال رجل: يا رسول الله، مَنْ أحقُّ الناس يحسْن الصحبة؟ قال أمُّك، ثمّ أمُّك، ثم امُّك، ثم أبوك، ثم أدْناك فأدناك"، أيْ الأقربُ إليك فالأقرب، رواه الإِمام مسلم رحمه الله تعالى.стр. 1019
ثم قالَ: فإن قلْتَ: هل يتعَيَّنُ ذلك بعد تسليم بطلانِ المقدَّر المذكور؟ فقال: قلتُ: ذلك عسير عليَّ، وإنما الذي يتيسر لي إيراد السؤال، أمَّا تحرير ذلك فلا.
قلت: بل الظاهر ما قاله مَن تقَدَّم. وهذا كقوله ﵇ لمَّا قيل له: أكْبَرُ الكبائر يا رسولَ الله؟ قال: أن تجعلَ لله ندًّا وهو خلَقَك، قيل: ثم ماذا؟ قال: أن تَقتلَ ولدك خشيةَ أن يَطْعَمَ معك، قيل: ثم ماذا؟ قال: أن تزاني حليلة جارك". (٣٤٣) . فكما أن قتل النفس هنا في الرتبة الثانية والزنى في الرتبة الثالثة، ولا تَوَسُّطَ بين شيئين مما ذُكر، وإن كانت لفظةُ ثُمَّ ثابتةً، وكذا الأمر في قوله: ثمّ من؟ فيقول: أمُّك، في أنه يفيد أن الأم لها من البر التقديم برتبتين أو ثلاثِ رُتب حسبما في الحديث من اختلاف الرواية.
وأقول: أشار بالرواية الواحدة إلى ما اختصّت به الأم من الحمل والرضاع كما قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، (٣٤٤) فزادت بهذين، واشتركت بعد ذلك مع الأب في القيام به فيما عدا الرضاع، (٣٤٥) وقدَّم الأب بالذكر، وبالرواية الأخرى أشيرَ إلى المختص المذكور، وذلك شاقّ كما تقدم. الحواشي
(٣٤٣) أخرجه الشيخان عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ سئِل: أيّ الذنب أعظمُ؟ فذكر الحديث.
وفي معناه حديثٌ آخَرُ صحيح عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال: ألا أخبركم بأكبرِ الكبائر؟ قالوا: بَلَى يا رسول الله، (أيْ أخْبِرنا بها لنتعرَّفها فنجتنِبَها). قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالديْن، وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قُلْنا: لَيْتَهُ سكتَ".(٣٤٤) والآية من أولها هي قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].(٣٤٥) عدَا أداةُ من أدوات الاستثناء مثل خلا، ويكون ما بعدهما مستثنى مجرورا على اعتبار أنهما حرفان من حروف الجر، أو منصوبا على انهما فعلان، ويتعين نصبُ المستثنى بهما حينئذ، إذا كان مسبوقا بما، كما في هذه العبارة، والى ذلك يشير ابن مالك في ألفيته بقوله:
واشتثْنِ ناصباً بـ ليس وخلَا ... وبِعَدَا وبيكونُ بَعدَ لا
واجرر بسابقَيْ يكونُ إن تُرِد ... وبعدما انصِبْ وانجرارٌ قد يَرِدْ
وحيث جَرَّا فهُما حرْفانِ ... كما هُما إن نَصَبا فِعْلانِ
كخلا حاشا، ولا تصحبُ، مَا ... وقيل: حاشَ وحشا فاحفَظْهُمَاстр. 1020
ثم إن المشترَك، وهو إنزال الماء الذي منه تصَوَّر، كان منهما معا، واستقر الابن عندها، فكان لها التقديم أيضا بهذا المشتَرك، فذكرَ ذلك ثلاث مرات، وفي الرابعة يكون الأب، وأظن هذه الرواية هي الثابتة، ومَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على من لم يَحْفظ، والله أعلم.
قال شهاب الدين: فإن قلت: ثمّ حرف عطف يقتضي معطوفاً ومعطوفا عليه، وليس معَنَا قبلَها ولا بعدَها إلا الأمُّ، فيَلزَمُ أن تكون معطوفة على نفسها في الرتبة الأولى والثانية، والقاعدةُ العربية أن الشيء لا يُعْطَف على نفسه، ثم قال: قلت: هذا أيضا سؤال مشكل.
ثم إن السائل إنما سأل عن غير الأم المتراخَي عنها في الرتبة، فكيف أجيبَ بالأم، كيف يقال: إن المتراخي عن الأم في البِر هو الأم حتى يحصل الجواب به؟ (٣٤٦) وهذا أيضا إشكال آخر، فقال: الحواشي
(٣٤٦) هكذا في جميع النُّسخ. وعبارة القرافي هي قولهُ: كيف يقال: إن التراخي عن الأم في البِر هو للأم حتى يحصل الجواب به؟ ولعل ما عند البقوري تبدو أظهرَ في المعنى باسم الفاعل، عوض المصدر: (التراخي كما هو عند القرافي)، فليتأمل ذلك للتصحيح. والله أعلم.следующие страницы →