← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 20583

ترتيب الفروق واختصارها

البقوري

Полный текст (1 044 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

السابع: التفضيل بشَرف المدلول، وهذا كتفضيل الأذكار الدالة على ذات الله تعالى وصفاته العلى وأسمائه الحسنى، كتفضيل الآيات الدالة على التوحيد على الآيات المتعلقة بذم أبي لهب وفرعونَ ونحوهما. الثامن: التفضيل بشرف الدلالة لا شرف المدلول، كالحروف الدالة علَى الاوصاف الدالة على كلام الله تعالى. التاسع: التفضيلُ بشرف التعلق كتفضيل العلم على الحياة، فإن الحياة لا تتعلق بشيء، بل لها موصوف فقط، والعلم له موصوف ومتعَلَّقٌ، وليس في الصفات السبع ما لا تَعَلَّقَ لها إلَّا الحياةُ. (٢٧٦) العاشر: التفضيلُ بشرف المتعلَّق به، كتفضيل العلم المتعلِّق بذات الله تعالى على غيره. (٢٧٧)

стр. 982

الحادي عشر: التفضيل بكثرة التعلق كتفضيل علم الله على قدرته. (٢٧٨)

стр. 983

الثاني عشَرَ: التفضيلُ بالمجاوَرة كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود، فلا يمسه محْدِثٌ، ولا غيرُ ذلك من الأحكام المتعلقة به. الثالثَ عشر: التفضيل بالحلول كتفضيل قبره ﷺ على جميع بقاع الارض، حكى القاضي أبو الفضلِ الاجماعَ في ذلك في كتاب الشِّفَا له، ولمَّا خَفي هذا المعنى على بعض الفضلاء أنكرَ الاجماع الذي ذكره أبُو الفضل وقال: التفضيل إنما هو بكثرة الثواب على الأعمال، والعملُ على قبر رسول الله ﷺ محرَّم، والصوابُ ليس معه، لحصره التفضيلَ وليس بمنحَصِر. الرابع عشر: التفضيل بسبب الإضافة، كقوْلهِ تعالى: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ (٢٧٩)، ؛ أن الإهانةَ بقوله: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾، وممَّا ذكرناه بيتُ الله، وحَرَمُ الله

стр. 984

الخامس عشر: التفضيل بالأنساب والأسباب، كتفضيل ذريته ﵇ على جميع الذراري بسبب نسبهم المتصل برسول الله ﷺ . السادس عشر: التفضيل بالجدوَى والثمرة كتفضيل العالم على العابد، لأن العالِم يُفيضُ خيرَه على غيره، والعابدُ قصرَ خيره على نفسه. (٢٨٠). السابع عشر: التفضيل بأعظمِ ثمرة وأكثرِها، وهذا كثمرة النحو واللغة، لكن النحو أعظم فائدة. (٢٨١)

стр. 985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 986

الثامن عشر: التفضيل بالتاثير، وهذا كتفضيل قدرة الله تعالى على الْعِلم والكلام. (٢٨٢)

стр. 987

التاسعَ عشر: التفضيل بجودة البِنْية والتركيب، كتفضيل الملائكة ﵈ على الجَانِّ بسبب جودة أبنيتهم. (٢٨٣)

стр. 988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 991

القاعدة الرابعة والعشرون: فِيمن يُقَدّم للولاية ومن يتأخر عنها: (٢٨٤) إعلم أنه يجب أن يُقَدَّم في كل ولاية من هُو أقْوَمُ بمصالحها على من هو دونه، فيقدَّم في ولاية الحروب من هو أعرفُ بمكايد الحروب وسياسةِ الجيوش

стр. 992

والصولة على الأعداء، ويقدَّم في القضاء من هو أعرف بالأحكام الشرعية وأشدُّ تفطنا لحِجاج الخصوم وخداعهم، (٢٨٥)، وكذا أيضا يقدَّم على الأيتام من هو

стр. 993

أعرف بمصالحهم، وعلى الإِمامة في الصلاة، (٢٨٦) وكذا سائر الخُطط، فتقدَّم المرأة في الحضانة على الرجال، لأنها أحسن قياما بالصغير من الرجل. (٢٨٧)

стр. 994

ويقدَّم في الإِمامة الكبرى من كان جامعاً لخصال عظيمة، بها تحصل منه سياسةُ الخَلْق، (٢٨٨)

стр. 995

وعلى هذا يرِد سؤال على قول عمر ﵁ لأبي بكر ﵁: رسولُ الله ﷺ ارتضاك لديننا فكيف لا نرتضيك لدنيانا؟ ! وهذا في ظاهر الحال لا يستقيم، لأنه لا يلزم من التقديم في الصلاة التقديمُ في الخلافة. والجواب عنه بن وجوه: الأول ما ذكره بعضُ العلماء أن رسول الله ﷺ كان يعلَم أن أبا بكر رضى الله عنه هو المتعيّن للخلافة، ولم يكن أن يفعلَ ذلك من قِبَلِ نفسه، لأنه ﵇ يتبع ما أنزل إليه من ربه، وما أنزل عليه في ذلك وحْيٌ يعتمد عليه، فعند ذلك وُكِل الامر فيه إلى الاجتهاد، فكان ﷺ يشير إلى خلافته بالإِيماء والثناء، كقوله ﵇: "يَأبَى اللهُ والمسلمون إلا أبا بكر". فمراد عمر ﵁ أن رسُول الله ﷺ رضيك لديننا الرضَى الحاضرَ، فيتعين علينا أن نرضاك للخلافة، وليس المراد مطلقَ الرضى. الثاني أن عمر قصدَ بذلك تسكين الثائرة وردْعَ الأهواء، فذكرَ حجة ظاهرة ليسكن إليها أكثرَ الناس فيندفع الفساد. الثالث أنَّا نحمل قول عمر ﵁: - رضِيَكَ رسولُ الله ﷺ لديننا - على ظاهره، ونجعل الإضافة على بابها موجِبةً للعموم، ففهِم عمر ﵁ من إشارته ﵇ أن الصِّديق ﵁ مَرضيٌّ لجميع حُرُمات الدين، ومن جملة ذلك أحوال الأمة، والنظرُ في مصالح الملة، فإنه من أعظم فروض الكفايات، فهو من الدين، ويكون قوله: "أفلا نرضاك لدنيانا" أي هؤلاء إنما يتنازعون - يعني الأنصار - في أمر رئاسة وعلو وحصول الامر والنهي من قِبلَهم، وهذا أمر دنيوي لا ديني، يكون خسيسا بالنسبة إلى الدين الذي به مصالح الأمة، والله أعلم. (٢٨٩)

стр. 996

القاعدة الخامسة والعشرون في الاستغفار . (٢٩٠) إعلَمْ أنَّ الاستغفار طلبُ المغفرة، وهذَا إنما يحسُنُ من أسباب العقوبات كترك الواجبات وفِعل المحرمات، أما المكروهات والمندوبات فلا يحسُنُ الاستغفار فيها، لعدم العقوبات في فعلها وترْكها، وهذا أمر ظاهر لاخفاء به، غيرَ أنه وقع لمالك ﵁ فيمن ترك الإقامةَ أنه يستغفر الله تعالى. ووجْهُ ذلك أن الله تعالى يُعاقِب المذنِبْ بأحدِ ثلاثة أشياءَ: أحدها: المؤلمات كالنار وغيرها. (٢٩١) وثانيها تيسير المعصية في شيءٍ آخَر. (٢٩٢)

стр. 997

وثالثها: تفويت الطاعة، لقوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. (٢٩٣)

стр. 998

وكما يعاقب الله تعالى بأحد ثلاثة أشياء يثيب بأحد ثلاثة أشياء: أحَدُها الأمور المستلَذَة. (٢٩٤) وثانيها تيسيرُ الطاعة. (٢٩٥) وثالثها تعْسير المعاصي عليه. إذا تقررت هذه القاعدة، فإذا نسيِ قوله الانسان الإِقامة وغيرها من المندوبات دلَّ هذا الحرمان على أنه مسبَّبٌ عن معاصِ سابقةٍ. (٢٩٦) وإذا كان ترْك الطاعة مسبَّباً عن المعاصي المتقدمة، فحينئذ إذا رأى المكلَّفُ ذلك سأل الله المغفرة من تلك المعاصي المتقدمة حتى لا يتكرَّر عليه مثلُ تلك المعصية، فالاستغفار على ترك الإِقامة لأجل غيْرها، لا أنه لها. (٢٩٧)

стр. 999

وكذلك سائرُ المندوبات إذا فاتت يتعين على الانسان الاستغفار لأجْل ما دل عليه الترك من ذنوب سابقة، فهذا وجْهُ أمر مالِكٍ بالاستغفار في ترك المندوبات، لا أنه يعتقد أن الاستغفار مشروع في ترْك المندوبات، ولا إشكالَ على هذا، واللهُ أعلم (٢٩٨)

стр. 1000

القاعدة السادسة والعشرون: في معنى الأفضلية والمزية (٢٩٩) إعلم أنه لا يلزَمُ من كون العبادةِ لها مزيةٌ تختصُّ بها أن تكون أرجحَ مما ليس له تلك المزية. فقد ورَدَ في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا أذن المؤذن ولى الشيطانُ وله ضُرَاط، وإذا فرغَ المؤذِنُ من الأذان أقبل، فإذا أقيمَتْ الصلاة أدْبَرَ، فإذا أحرمَ العبدُ بالصلاة جاء الشيطان فيقولُ له: أذكُر كذا حتى يضِلَّ الرجُلُ أن يدري (٣٠٠) كمْ صلَّى"، (٣٠١) فهذا يدل على أن الشيطان يفرُّ من الأذان والاقامة ولا يفرُّ من الصلاة، وليس بأفضلَ من الصلاة ولا بدَّ، لأنهما وسيلتان، والمقصِدُ أعظَمُ من الوسيلة، وقد قال ﷺ : "أفضل أعمالكم الصلاة". (٣٠٢)

стр. 1001

فعلى هذا قد يحصل للمفضول مزيَّةٌ ليستْ للأفضل، ولا يلزم بذلك أن يكون أفضلَ، وهذا؛ يقال: أبَيٌّ قوله أقرأ من أبي بكر، ومعاذٌ أعْلمُ منه بالحلال والحرام، وعليٌّ أقضىَ منه. ولنا مع هذا أنْ نقول: أبو بكر أفضلُ من كل واحد واحد من هؤلاء. ومن هذا الباب قوله ﷺ لِعُمَر: ما سلكتَ فجًّا إلَّا سلك الشيطان فجاً غيرَ فجِّك". (٣٠٣) وقال ﷺ : "إن عفريتا جآني ليفسد عليَّ صلاتي، ولولا دعوة أخي سليمانَ لأصبح مُوثَقاً يلعب به ولْدانُ أهلِ المدينة". (٣٠٤) وجآءه عفريت أيضا بشُعلة من نار، فاستعاذ منه ثلاث مرات حتى مدَّ يده .. " الحديث.

стр. 1002

وأين عمر من رسول الله ﷺ ؟ غير أنه يجوز أن يحصل للمفضول مالا يحصل للفاضل، ومثل هذا كثير، حتَّى إنه في الموجودات النباتية، فقد يوجد في الشعير من الفضائل مالا يوجد في البُرِّ، وفي المعدنية كالنحاس ما ليس في الذهب. القاعدة السابعة والعشرون في تمييز حقوق الله تعالى عن حقوق العباد . (٣٠٥) فحقُّ الله تعالى أمرُه ونهيْه، (٣٠٦) وحقُّ العباد مصالحهم، (٣٠٧). والتكاليف على ثلاثة أقسام: حق الله تعالى فقط كالإِيمان وتحريمِ الكفر، (٣٠٨) وحقُّ العبيد فقط كالدُّيُون (٣٠٩)، وقسم اختُلِفَ فيه، هل يغلَّبُ فيه

стр. 1003

حق الله تعالى أوْ حقُّ العبْدِ كحد القذف. ونعْني بحق العبد، المحضَ الذي لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق الله تعالى، وهو أمرُهُ بإيصال ذلك الحق إلى مستحِقه، فيوجَد حق الله تعالى بدون حق العبد، ولا يوجد حق العبد بدون حق الله تعالى. (٣١٠) وكثير من الحقوق التي لله تعالى وليس للعبد إسقاطها هي مصالح للعبد كتحريم الربا، وتحريمِ تضييع المال، (٣١١) وتحريمِ المسْكِرات، وتحريم السرِقَة، وتحريم القتل، وتحريم الغِيبة، فهذه كلها مشتملة على مصالح العبيد. (٣١٢)

стр. 1004

قال شهاب الدين ﵀: في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ : قال: "حق الله على العبيد أن يعبُدوه ولا يشركوا به شيئا"، فهذا يقتضي أن حق الله تعالى نفس الفعل لا الأمرُ به، وهو خلاف ما قلناه. والظاهر أن الحديث أوِّلَ، وأنه من باب إطلاق الأمر على متعلّقه، فأطلق الحقَّ على متعلَّقه الذي هو الفعل. (٣١٣)

стр. 1005

القاعدة الثامنة والعشرون في تمييز حقوق الوالدين عن الأجانب . (٣١٤)

стр. 1006

قال شهاب الدين: الحق الواجب للوالدين الذي امتازوا به عن الاجانب يظهر تقريبه بذكر ثمان مسائل: المسألة الأولى: جاء رجل إلى مالك وقال له: يا أبا عبد الله، لي والدة وأختٌ وزوجة، فكلما رأت لي الوالدة شيئا قالت: أعطِ هذا لأختِك، فإنْ منعتُها سبَّتْتي ودَعتْ عليَّ، فقال له مالك: ما أرى أن تغايِظها. تخلَّصْ منها بما قدَرت عليه، وتخلَّصْ من سخطها بوُسعك. المسألة الثانية: جاَء رجل إلى مالك فقال له: والدي في بلاد السودان كتب إليَّ أقْدَمَ أن أقْدَمَ عليه، وأمّي تمنعني من ذلك، فقال: . أطِع أباك ولا تعص أمّك. ورُوي أن الليث أمَره بطاعة الأمّ، لأن لها ثلُثي قوله البِر كما حكاه الباجي قوله، أن امرأة كان لها حقّ على زوجها، فأفتى بعض الفقهاء ابنَبها بأن يتوكل لها على أبيه وكان يخاصمه، وبعضهم قال له: هو عقوق، والحديث إنما دل على أن بِرَّه أقلّ من بِرّ الأم لا أنه يُعْصَى. (٣١٥)

стр. 1007

المسألة الثالثة: قال في "الموازية (٣١٦) ": إذا منعه أبواه من الحج فلا يحجُّ إلا بإذنهما إلا الفريضةَ، فنصَّ على وجوب طاعتهما في النافلة، وقال في المجموعة:

стр. 1008

يوافقهما في حجَّة الفريضة العامَ والعامين، وقال الأصحاب: لا يعصيهما في الخروج للغزو إلَّا أن يتَعيَّن بمفاجأة العدُوِّ. (٣١٧) المسألة الرابعة: قال الغزالي في الإِحياء: (٣١٨) أكثرُ العلماءِ على أن طاعة الوالدين واجبة في الشبُهاتِ دون الحرام، وإن كرِها انفراده عنهما في الطعام وجب عليه موافقتهما وياكلُ معهما، لأن ترك الشبهة مندوب، وتركَ طاعتهما حرام، والحرام مقدَّم على المندوب، ولا يسافِرُ في نافلة ومباح إلّا بإذنهما، ولا يبادرُ لحج الاسلام إلا بإذنهما، (٣١٩) ولا يخرجُ لطلب العلم إلا بإذنهما، إلا عِلْمٍ هو فرض عليه متعيَن ولم يكن في بلده من يُعَلِّمه، لأنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق. وقال الحسن: إذا منعَتْه أمه عن صلاة العِشاء في الجماعة شفقةً عليه فليعصها. قال الشيخ أبو الوليد الطرطوشي في كتاب بِرّ الوالدَيْن: لا طاعة لهما

стр. 1009

في ترك سُنةٍ راتبة (٣٢٠) وتركِ ركعتي الفجر والوتْر ونحوِ ذلك إذا سألاهُ ترك ذلك على الدوام، بخلاف ما لو دعواه لترْك أول وقت الصلاة، فإنه تجِبُ طاعتهما وإن فاتته فضيلة أول الوقت. (٣٢١) المسألة الخامسة: في صحيح مسلم، حديث جُريج الراهبِ مع أمّه يدل على قطع النافلة لأجْلِ الأم، ويلزم من ذلك أن لا تكون واجبةً بالشروع، أو يقال: ما وجب بالشروع يُقْطَعُ للأبوين، بخلاف الواجب بالأصالة. (٣٢٢)،

стр. 1010

غيرَ أن الاستدلال بالحديث فيه نظر، إذ ليس فيه إلا إجابةُ دعائِهِما، وذلك لا يلزم منه وجوبُ حقٌ الداعي وأنه مظلوم، فإن الظالم قد يجاب دعاؤه على المدعو عليه المظلوم، ويكون ذلك بسبب ذنب يسبقُ للمظلوم فعله فيعاقبه الله بهذا. وهذا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. ومما يدل على تقديم طاعتهما على المندوبات ما في مسلم، أن رجلا قال: يارسول الله، أبايِعُك على الهجرة والجهاد، فقال له: هل من والديك أحد؟ قال: نَعَم، كِلَاهما، قال: فتبتغى الأجْرَ من الله؟ قال: نعم، قال: فارجع إلى والديك فأحسِنْ صحتهما" (٣٢٣). فجعل ﵇ الكونَ مع أبويه أفضلَ من الكون معه ومِنْ الجهاد في أول الاسلام. وَمع. أنه لم يقل في الحديث: إنهما منعاه، بل هما موجودان فقط، فأمَرَهُ ﵇ بالأفضلِ. وهذا الحديث أحسنُ شيء في حَق الوالدين، وإذا قَدَّم ﵇ حقَّهما على فروض الكفايات فأنْ يُقدَّمَ على النفلِ أوْلى وأحق. (٣٢٤) وحديث جُريج يروَى في بعض طرقه أن النبي ﷺ : "لو كان جُريج فقيها لَعَلم أن إجابة أمّه أفضل من صلاته". وعلى التقدير يكون ذلك دليلا صحيحا. ومما يدل على تحريم أصل العقوق قولُهُ تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (٣٢٥). وإذا حرُمَ هذا حرم ما فوقه بطريق الأولى. ويدل على مخالفتهما (٢٣٢) أخرجه الإِمام مسلم ﵀ في باب البر بالوالدين وأنهما أحق به، (من كتاب البر والصلة والأدب

стр. 1011

في الواجبات قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾. (٣٢٦). وفي الآية فائدتان: الفائدة الأولى: أن الأبوين يجب بِرُّهما ويَحرُمُ عقوقهما وإن كانا كافريْن، فإنه لا يامر بالشرك إلا كافرٌ، ومع ذلك فقد صرَّحَتْ الآية بوجوب برهما. الفائدة الثانية: أن مخالفتهما واجبة في أمرهما بالمعاصي، ويؤكد ذلك قولُهُ ﵊: "لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق". (٣٢٧) المسألة السادسة: قال الطرطوشي ﵁: أمّا مخالفتهما في طلب العلم، فإن كان في بلده يجد ذلك ثم أراد أن يسافر إلى بلد آخر هو مثل بلده، لَمْ يجُزْ له السفر إلا باذنهما، لأن إذنهما لا يجوز إلا لضرورة، ولا ضرورة هنا، وإن أراد الخروج لمعرفة الكتاب والسُّنة والأدلة والنصوص إلى الاجتهاد، وإن لم يكن ذلك في بلده وكان ذلك في البلد الذي أراد السفر إليه خرج، ولا طاعة لهما إذا منعاه، لأن تحصيل درجات المجتهدين فرضُ على الكفاية، قال سحنون: من كان أهْلا للإِمامة ففرضٌ عليه أن يطلبها، لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ﴾. (٣٢٨)

стр. 1012

قال شهاب الدين: قد تقدم أن مخالفتهما في الجهاد الذي هو فرض كفاية لا تجوز، لما تبين في الحديث، وهذه الفتوى من أبي الوليد وسحنون بخلاف ذلك، فقال في الجواب: العِلْمُ وضَبْطُ الشريعة وإن كان فرضَ كفايةٍ، غير أنه يتعيَّن له طائفة من الناس، وهم الذينٍ جَادَ حِفْظُهُم، ورَاقَ فهمُهُم، وحسُنَتْ سيرتهُم. وإذا كانت هذه الطائفةُ متعينة بهذه الصفات فطلَبُ العلم عليها فرض عين، فلعل هذا هو معنى كلام سحنون وأبي الوليد. (٣٢٩) قلت: هذا تكَلَّفٌ بعيد، فالتصريح قد وقع من أبي الوليد في مخالفتهما في فروض الكفاية، وأيضا فكيف يصيرُ متَعَيّنا على من كانت فيه تلك الصفات التي ذكَر، بل لا يزال فرض كفاية إلا أن يُفرَضَ أنه ليس على وجه الارض أحدٌ هو على ذلك الوصف من التهيؤ غيرُهُ، وهذا لا يتأتى ولا يُتصوَّرُ صحة فرضه، والله أعلم. المسألة السابعة: إن أرادَ سفراً للتجارة يرجو به ما يستعين به على الاقامة (٣٣٠) فلا يخرج إلا بإذنهما، كان رجا أكثر من ذلك وهو في كفاف، وإنما

стр. 1013

يخرج تكاثراً، فهذا لو أذِنَا لهُ نهينَاه، وإن كان المقصود منه دفع حاجات نفسه أوْ أهلِه، بحيث لو تركَه تأذَّى بتركه، كان له: مخالفتهما، لقوله ﵇: "لا ضرَر ولا ضرار" (٣٣١). وكما نمنعه من أذيتهما نمنعهما من أذيته، بل ضرورته

стр. 1014

تُقَدَّم عليهما. (٣٣٢) قال: فإن قلتَ: قد قال مالك: إذا بلغَ الغلامُ ذهبَ حيث شاء، قال: قلتُ: هذا في الحضانة، لأنه قبل البلوغ كان تصرفه بإذن كافله، فإذا بلغ ذهب حِجْر الحضانة ويحَجَّر حَجْر البِّر، (٣٣٣) ويؤكدُ ذلك قولُ مالك في الذي دعاه أبوه من بلاد السودان ومنعتْهُ أمُّه، فمنعه مالك من الخروج بغير إذن الأم، (٣٣٤) فهو بعدَ البلوغ يمشى في البلد حيث شاء دون السَّفَرِ، فإن لحقتْهُما إذايةٌ في تصرفه في البلد منعاه مطلقا. (٣٣٥)

стр. 1015

المسألة الثامنة في بيان الواجب من صلة الرحم. قال الشيخ أبو الوليد (٣٣٦) الطرطوشي: قال بعض العلماء: إنما تجب صلة الرحم بين كل شخصين لو كان أحدهما ذكراً والاخَرُ أنثى لم يتناكحا، كالآباء والأمهات، والأخوات والِإخْوة، والأجْداد والجدات وإنْ عَلوْا، والأولادِ وإن سفلوا، والأعمامِ، والعمات، والأخوال والخالات، فأما أولاد هؤلاء فليست الصلة بينهم واجبة لجواز المناكحة بينهم. ويدل على صحة هذا القولِ تحريمُ الجمع بين الأختين، وبين المرأةِ وعمَّتِها، وخالتِها (٣٣٧) لما فيه من قطيعة الرحم، ويجوز الجمع بين بنتي العَمّ، وبنْتي الخال، وإن كُنّ يتغايَرْن ويتقاطعْنَ، وما ذاك إلا أن صلة الرحم بينهم ليست بواجبة.

стр. 1016

"سؤال": قوله ﵊: "صِلُةُ الرحم تزيد في العمر"، وقد ﵇: "من سَرَّة السَّعة في الرزق والنَّماء في الأجَل فلْيصِلْ رحمه" (٣٣٨)، كيف يكون هذا والأمورُ قد فُرِغ منها في الأزل (٣٣٩).؟ فمن العلماء من قال: إنما ذلك بزيادة البركة. وقال شهاب الدين: هذا لا ينبغي، لأن تلك البَركة داخلة في القَدَر، وهذا الجواب يُوهِمُ أنها ليست داخلة فيه. وأيضا ففيه فساد من حيث إن القصد بالحديث التحريضُ على هذا الخير، والحثُّ على صلة الرحم، فإذا سمع أحدٌ أنه لا رزيد إلا البركةَ كَسَل عن

стр. 1017

ذلك، وإنما الجواب - قال: أن يقال: ان الله قدَّر في الأزل أن يَعيش المرء ثلاثين سنة مرتَّبة على الأسباب العادية من الغِذاء والتنفس في الهواء، ورتَّب له عشرين سنة أخرى على هذه الأسباب، وصلةُ الرحم يجعلها الله تعالى سببا كَما الغِذاءُ سبب للعيْش، ويقال لذلك: إنها تَزيد في العُمُرِ حقيقة كما يقال: الإيمان سببُ الجنة، والكفر سبب النار. وعلى هذا التقديرِ ينبسط السامع لهذا ويسهل عليه صلة الرحم، ويبقى الحديث على ظاهره لا يُتأوَّل ويُخْرَجُ عن ظاهره. وهذا الجواب يجري في الدعاء أنه يرُدُّ القضاءَ ويزيد في العمر والرزقِ وما أشبهَ ذلك (٣٤٠). وهنا أيضاً سؤال صعب، وردَ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾، (٣٤١) فقال بعضُ الفقهاء: هنا سؤال، وهو أنه ﵇ إذا علِمَ الغيب، والذي في الغيب هو هذا الذي قد قدره الله تعالى من الخير، فكيف يستكثِر من الخير على تقدير الِاطلاع على الغيب.؟ والجوابُ أن الله تعالى قدّرَ الخيْر والشر في الدنيا والآخرة، وجعَل لكل مقدور سبباً يترتب عليه ويرتبط به. ومن جملة الأسباب، الأسبابُ التي جرت عادته بها من العلوم والجهالات، فالجهل سببٌ عظيم في العالم لمفاسدَ من أمور الدنيا والاخرة، والعلم سبب عظيم لتحصيل مصالِحَ ودرْء مفاسدَ في الدنيا والآخرة. فالذي دفع إليه الْسُّمُّ فأكلَه فمات إنما قدَّر الله له أن يموت لجهله بتناول السم،

стр. 1018

ولو علمه لم يتناوله فلم يمُتْ، فلو قَدَّر الله تعالى نجاته منه قدَّر اطلاعه فسَلِم، فيكون سببَ سلامته عِلْمُهُ، فالمقدَّر على تقدير الجهل نحن نمنع أنه مقدَّر على تقدير العلم، بل ضده، فالرزق الحقيرُ إنما قدره الله لأهله على تقدير جهلهم بالكنوز وعمَلِ الكيمياء وغير ذلك من اسباب الرزق، أما مع العلم بهذه الأسباب العظيمةِ الموجِبةِ في مَجْرَى العاداتِ سَعةَ الارزاق، فلا نُسَلّم أن الله تعالى قدَّر ضيق الرزق على هذا التقدر، كما نقول: ما قدَّر الله دخولَ الجنة إلا على تقدِير الايمان، أما مع عدمه فلا نسَلِّمُ أن الله تعالى قدَّر لهم الجنة، وما قدر للكفار النار إلا على قدر جهلهم با لله تعالى، أما على تقدير علمهم با لله تعالى فلا نسلم أنه قدَّر لهم النارَ، وعلى هذه الطريقة يتضحُ لك أن رسولَ الله ﷺ لو اطلع على الغيب كثَرُ عنده مِنْ الخير ما لم يكن عنده الآن، وما مسَّه السوء. فائدة: إنَّ ناسا يقولون: الأب ثلثُ البرّ وللام الثلثان، وقيل: الأب الربع، والأم ثلاثة أرباعه، وهذا لقوله ﵇: ثم أبوك في الثالثة في رواية. وفي الرواية الاخرى: ثم أبوك في الرابعة. (٣٤٢) قال شهاب الدين: وهذا ليس بصحيح، بل أقلَّ من ذلك بكثير، وهذا من حيثُ ثُمَّ التي التراخي، فهى تُعطى أن الرتبة الثانية أخْفَض رتْبةً من التي قبلها بكثير، ثم الثالثةُ أخفضُ من الثانية كذلك بكثير، فكيف يقال: الثلث، أوْ يقال الربع، وهذا الحرف أعطَى نقصان المرتبة الأخيرة عن التي قبلها بمراتب عديدة، ولابُدَّ، أقلَّ من الثلث ومن الربع قطعاً، وإذا كان الأمر هكذا فلَيس بصحيح ما قاله مَن تقدم، من الثلث والربع.

стр. 1019

ثم قالَ: فإن قلْتَ: هل يتعَيَّنُ ذلك بعد تسليم بطلانِ المقدَّر المذكور؟ فقال: قلتُ: ذلك عسير عليَّ، وإنما الذي يتيسر لي إيراد السؤال، أمَّا تحرير ذلك فلا. قلت: بل الظاهر ما قاله مَن تقَدَّم. وهذا كقوله ﵇ لمَّا قيل له: أكْبَرُ الكبائر يا رسولَ الله؟ قال: أن تجعلَ لله ندًّا وهو خلَقَك، قيل: ثم ماذا؟ قال: أن تَقتلَ ولدك خشيةَ أن يَطْعَمَ معك، قيل: ثم ماذا؟ قال: أن تزاني حليلة جارك". (٣٤٣). فكما أن قتل النفس هنا في الرتبة الثانية والزنى في الرتبة الثالثة، ولا تَوَسُّطَ بين شيئين مما ذُكر، وإن كانت لفظةُ ثُمَّ ثابتةً، وكذا الأمر في قوله: ثمّ من؟ فيقول: أمُّك، في أنه يفيد أن الأم لها من البر التقديم برتبتين أو ثلاثِ رُتب حسبما في الحديث من اختلاف الرواية. وأقول: أشار بالرواية الواحدة إلى ما اختصّت به الأم من الحمل والرضاع كما قال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، (٣٤٤) فزادت بهذين، واشتركت بعد ذلك مع الأب في القيام به فيما عدا الرضاع، (٣٤٥) وقدَّم الأب بالذكر، وبالرواية الأخرى أشيرَ إلى المختص المذكور، وذلك شاقّ كما تقدم.

стр. 1020

ثم إن المشترَك، وهو إنزال الماء الذي منه تصَوَّر، كان منهما معا، واستقر الابن عندها، فكان لها التقديم أيضا بهذا المشتَرك، فذكرَ ذلك ثلاث مرات، وفي الرابعة يكون الأب، وأظن هذه الرواية هي الثابتة، ومَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ على من لم يَحْفظ، والله أعلم. قال شهاب الدين: فإن قلت: ثمّ حرف عطف يقتضي معطوفاً ومعطوفا عليه، وليس معَنَا قبلَها ولا بعدَها إلا الأمُّ، فيَلزَمُ أن تكون معطوفة على نفسها في الرتبة الأولى والثانية، والقاعدةُ العربية أن الشيء لا يُعْطَف على نفسه، ثم قال: قلت: هذا أيضا سؤال مشكل. ثم إن السائل إنما سأل عن غير الأم المتراخَي عنها في الرتبة، فكيف أجيبَ بالأم، كيف يقال: إن المتراخي عن الأم في البِر هو الأم حتى يحصل الجواب به؟ (٣٤٦) وهذا أيضا إشكال آخر، فقال:
следующие страницы →