← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان كبعض سائر الواجبات. يبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطاً في ذلك البعض, وقد لا يكون [شرطاً فيه] (١)، [فالشرط] (٢) كمن آمن ببعض القرآن (٣)، وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل، وكفر ببعضهم. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠] وقد يكون البعض المتروك ليس شرطاً في وجود الآخر ولا قبوله، وحينئذٍ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر. [قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وإيمان وشعبة من شعب الكفر] كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: "أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن [كانت] (٤) فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (٥) وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق" (٦).

стр. 387

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (١). وفي الصحيح عنه ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم" (٢). وفي الصحيحين عنه أنه قال: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (٣). وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ "اثنتان في الناس [هما بهم كفر] (٤): الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت" (٥). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم" (٦).

стр. 388

وهذا من القرآن الذي نسخت تلاوته: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفراً بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (١). وفي الصحيحين عن أبي ذر سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن رمى رجلاً بالكفر، أو قال: عدو (٢) الله، وليس كذلك إلا رجع (٣) عليه " (٤)، وفي لفظ البخاري: "ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قوماً ليس منهم، فليتبوأ مقعده من النار" (٥). وفي الصحيحين من حديث جرير، وابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال في حجة الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض" (٦)، ورواه البخاري من حديث ابن عباس.

стр. 389

وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما" (١). وفي الصحيحين عن زيد بن خالد قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ [صلاة الصبح بالحديبية] (٢) في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؛ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب") (٣). وفي صحيح مسلم قال: قال رسول الله ﷺ : "ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلَّا أصبح فريق منهم بها

стр. 390

كافرين يقولون: بالكوكب با لكوكب" (١). ونظائر هذا موجودة في الأحاديث. وقال ابن عباس وغير واحد من السلف، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٢). وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما (٣). الأصل الثاني: [قد تتلازم شعب الإيمان عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف] أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [المائدة: ٨١].

стр. 391

وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم (١) لرحم أو حاجة، فيكون (٢) ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ ، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية (٣) [الممتحنة: ١]. وكما حصل من (٤) سعد بن عبادة لما انتصر لابن أبو نوبة (٥) الإفك، فقال لسعد بن معاذ: (كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله). قالت عائشة: (وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية) (٦). ولهذه الشبهة سمى عمر حاطبًا منافقًا، فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له: (إنه قد شهد بدرًا)، فكان عمر متأولًا في تسميته منافقًا للشعبة (٧) التي فعلها، وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين، هو من هذا الباب. وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشن (٨) منافق،

стр. 392

إن (١) كان قال ذلك لما رأي فيه من نوع معاشرة، ومودة للمنافقين. ولهذا لم يكن المتهومون (٢) بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان. وظهور (٣) الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يتعاقبون (٤) من النفاق على ما لم يكونوا يتعاقبون (٥) عليه قبل ذلك. [تسمية الحسن البصري للفاسق منافقًا] ومن هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري، ونحوه من السلف، أنهم يسمون (٦) الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا القول مخالفًا لأقوال (٧) الجمهور، إذ حكوا تنازع الفسق الملي، هل (٨) هو كافر؟ أو فاسق ليس معه إيمان؟ أو مؤمن كامل الإيمان؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق؟ (٩) والحسن رحمة الله

стр. 393

عليه لم يقل ما خرج به عن الجماعة، لكن سماه منافقًا على الوجه الَّذي ذكرناه، والنفاق كالكفر، نفاق دون نفاق. [أنواع الشرك والكفر، وما ينقل عن الملة وما لا ينقل] ولهذا كثيرًا ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر كما يقال: الشرك شركان: شرك أكبر وأصغر (١). وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي ﷺ قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر: يا رسول الله كيف ننجو منه، وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال: ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله، قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" (٢). وفي الترمذي وغيره (٣) عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" (٤) قال الترمذي: "حديث حسن".

стр. 394

[تفي اسم الإيمان بسبب انتفاء كماله الواجب] وبهذا تبين (١) أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه، كما قال: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" (٢). ومنه قوله: "من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا" (٣) فإن صيغة "أنا" و"نحن" ونحو ذلك من ضمير المتكلم في مثل ذلك، يتناول النبي ﷺ ، والمؤمنين معه الإيمان المطلق، الَّذي يستحقون به الثَّواب بلا عقاب، ومن هنا قيل: إن الفاسق الملي يجوز أن يقال: هو مؤمن باعتبار، ويجوز أن يقال: ليس بمؤمن (٤) باعتبار. وبهذا يتبين (٥) أن الرجل قد يكون مسلمًا، لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة، ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على من فسر قوله ﷺ : "ليس منا"، أي (٦) ليس منا، أو ليس من خيارنا، وقال: "هذا تفسير المرجئة" (٧)، وقالوا: لو لم يفعل

стр. 395

هذه الكبيرة، كان يكون مثل النبي ﷺ ، وكذلك تفسير الخوارج والمعتزلة، بأنه يخرج من الإيمان بالكلية [و] (١) يستحق به الخلود في النار، تأويل منكر كما تقدم، فلا هذا، ولا هذا. ومما [يبين] (٢) ذلك أنَّه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب، [تقتضي] (٣) حبه، ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المخوف تقتضي خوفه، فنفس العلم، والتصديق بالله، وما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، توجب (٤) محبة القلب له، وتعظيمه وخشيته، وذلك يوجب إرادة طاعته، وكراهة (٥) معصيته. والإرادة الجازمة مع القدرة، تستلزم وجود المراد، ووجود المقدور عليه منه، فالعبد إذا كان مريدًا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة. [هل يعاقب على الإرادة بغير عمل ؟ ] وبهذا يزول الاشتباه في هذا المقام، فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا عمل، هل يحصل بها عقاب؟ وكثر النزاع في ذلك، فمن قال: لا يعاقب احتج بقول النبي ﷺ الَّذي في الصحيحين: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به" (٦).

стр. 396

وبما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وابن عباس ﵄، أن النبي ﷺ [قال] (١): "إذا هم العبد بسيئة، لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم بحسنة، كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف" (٢). وفي رواية: "فإن تركها فاكتبوها (٣) له حسنة، فإنها تركها من جراي" (٤). ومن قال: يعاقب، احتج بما في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه" (٥). وبالحديث الَّذي رواه الترمذي وصححه عن أبي كبشة الأنصاري (٦)

стр. 397

عن النبي ﷺ : في الرجلين اللذين أوتي أحدهما علمًا ومالًا، فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل أوتي علمًا ولم يؤت مالًا، فقال: لو أن لي مثل مال فلان، لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا، ولم يؤته علمًا، فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالًا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثلما يعمل فلان، فهما في الوزر سواء" (١). [الفرق بين الهم والإرادة] والفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله كما ترك يوسف همه، أثيب على ذلك، كما أثيب يوسف ﷺ ، ولهذا قال أحمد: (الهم همان: همّ خطرات، وهمّ إصرار). ولهذا كان الَّذي دل عليه القرآن، أن يوسف لم يكن له في هذه القصة (٢) ذنب أصلًا، بل صرف الله عنه السوء والفحشاء، إنه من عباده المخلصين، مع ما حصل من المراودة، والكذب، والاستعانة عليه بالنسوة، وحبسه، وغير ذلك من الأسباب التي لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة، ولكن يوسف اتقى الله وصبر، فأصابه (٣) الله برحمته في الدنيا، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف: ٥٧] [حقيقة الإرادة الجازمة] وأما الإرادة الجازمة، فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطرة، أو تحريك بدن، وبهذا يظهر معنى قوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" (٤)، فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الَّذي قال: لو أن لي مثلما لفلان، لعملت فيه مثل

стр. 398

ما يعمل فلان، فإنه أراد [فعمل] (١) ما يقدر عليه، وهو الكلام، ولم يقدر علي غير (٢) ذلك (٣). ولهذا كان من دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا (٤)، لأنه أراد ضلالهم [ففعل] (٥) ما يقدر عليه من دعائهم، إذ لا يقدر إلَّا على ذلك (٦). وإذا تبين هذا في الإرادة والعمل، فالتصديق الَّذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية، لأن النفس فيها قوتان: قوة [الشعور بالملائم] (٧) والمنافي، والإحساس بذلك، والعمل.

стр. 399

والتصديق به، وقوة الحب [للملائم والبغض للمنافي] (١) والحركة عن الحس، بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة، وإدراك الملائم، يوجب اللذة والفرح والسرور، وإدراك المنافي يوجب الألم والغم. وقد قال النبي ﷺ : "كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، ويمجسانه كما تنتج البهيمة [بهيمة] (٢) جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ " (٣). فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به، ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، لما في الفطرة من حب الحق، وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه، ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]. [اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، وسبب ذلك] [و] (٤) قال النبي ﷺ : "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" (٥). لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما

стр. 400

فيهم من الكبر والحسد، الَّذي يوجب بغض الحق ومعاداته، والنصارى لهم عبادة، وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهم ضلال، هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة به، وينضم إلي ذلك، الظن واتباع الهوى، فلا يبقى في الحقيقة لهم (١) معرفة نافعة، ولا قضد نافع، بل يكونون (٢) كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب (٣): ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. [أصل الإيمان هو قول القلب وعمل القلب] فالإيمان الَّذي (٤) في القلب، لا يكون إيمانًا بمجرد ظن (٥) تصديق ليس معه عمل القلب [و] (٦) موجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما

стр. 401

أنَّه لا يكون إيمانًا بمجرد ظن وهوى، بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب، وعمل القلب. [لفظ النصارى ليس مرادفًا للفظ الإيمان في اللغة] وليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما تظنه (١) طائفة من الناس، فإن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهودة (٢) مثل قوله (٣): الواحد نصف الاثنين، والسماء فوق الأرض مجيبًا: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، حتَّى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر: آمنا له، وللمخبر به آمنا به، كما قال إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي بمقر لنا، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب. ومن قوله تعالى: ﴿قَالُوا (٤) أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]. وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ [الدخان: ٢١]. ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] أي: أقر له. وذلك أن لفظ الإيمان [يفارق التصديق] (٥) لفظًا ومعنى، فإنه أيضًا يقال: صدقته، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: آمنته، إلَّا من الأمان الَّذي هو ضد الإخافة، بل يقال (٦): آمنت له، وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان، كما يقال: هل أنت مصدق له؛ لأن الفعل المتعدي بنفسه، إذا قدم مفعوله عليه، أو كان العامل اسم فاعل ونحوه، مما يضعف عن الفعل، فقد يعدونه باللام تقوية له كما يقال: عرفت هذا، وأنا به عارف، وضربت هذا، وأنا له ضارب، وسمعت هذا، ورأيته وأنا له سامع

стр. 402

وراء، كذلك يقال: صدقته، وأنا له مصدق، ولا يقال: صدقت له به، وهذا خلاف آمن، فإنه [لا] (١) يقال إذا أردت التصديق آمنته، كما يقال: أقررت له، ومنه قوله: آمنت له كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ. والفرق الثاني: ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار (٢)، بل فى الإخبار عن الأمور الغائبة ونحوها، مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع، قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار (٣)، وأما المعنى فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال للصدق (٤) طمأنينة، والكذب ريبة، فالمؤمن داخل (٥) في الأمن، كما أن المقر دخل في القرار (٦)، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين: (أحدهما): الإخبار وهو من هذا الوجه، كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار. و(الثاني): إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ (٧) أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾] (٨) [آل عمران: ٨١] فهذا التزام (٩) للإيمان، والنصر للرسول ﷺ ، وكذلك لفظ الإيمان، فيه إخبار

стр. 403

وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر، لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الَّذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلَّا مجرد الطمأنينة [إلى صدقه] (١) فإذا تضمن طاعة المستمع، لم يكن مؤمنًا للمخبر إلَّا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان، كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد، فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين. وأيضًا فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الأخبار (٢)، وأن (٣) التصديق إخبار بصدق المخبر، والتكذيب إخبار بكذب المخبر، فقد يصدق الرجل الكاذب تارة، والصادق أخرى (٤)، فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر. فالحقائق الثابتة في نفسها، التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها بخلاف الإيمان والإقرار والإنكار والجحود ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضًا. وأيضًا [فالذوات] (٥) التي تحب تارة، وتبغض تارة، وتوالي تارة، وتعادي أخرى (٦)، وتطاع (٧) تارة، وتعصى أخرى، ويذل لها تارة، ويستكبر عنها أخرى، تختص هذه المعاني فيها بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك. وأما لفظ التصديق والصدق ونحو ذلك، فيتعلق بمتعلقها، كالحب

стр. 404

والبغض، فيقال: حب صادق، وبغض صادق، فكما أن الصدق والكذب في إثبات الحقائق ونفيها، متعلق بالخبر المنافي (١) والمثبت دون الحقيقة ابتداء، فكذلك في الحب والبغض ونحو ذلك، يتعلق بالحب والبغض دون الحقيقة ابتداء، بخلاف لفظ الإيمان والكفر، فإنه يتناول الذوات بلا واسطة [إقرارًا] (٢)، أو [إنكارًا] (٣)، أو حبًا، أو بغضًا، أو طمأنينة، أو نفورًا (٤). ويشهد [لهذا] (٥) الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر: (اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ ) (٦). فقال: إيمانًا بك ولم يقل تصديقًا بك كما قال: تصديقًا بكتابك. وقال تعالى عن مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] فجعل التصديق بالكلمات والكتب. ومنه الحديث الَّذي في الصحيح عن النبي ﷺ : "تكفل الله لمن خرج في سبيل الله (٧)، لا يخرجه إلَّا إيمان بي، وتصديق كلماتي (٨) " ويروي:

стр. 405

"إيمان بي وتصديق برسلي" ويروي: "لا يخرجه إلا جهاد في سبيل الله، وتصديق كلماته" (١). ففي جميع الألفاظ جعل لفظ التصديق بالكلمات والرسل، وكذلك قوله في الحديث الَّذي في الصحيح، ذكر النبي ﷺ منازل عالية في الجنّة، فقيل له: يا رسول الله، تلك منازل لا يبلغها إلَّا الأنبياء، فقال: "بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" (٢). وما [يحصى] (٣) الآن [الاستعمال المعروف] (٤) في كلام السلف، صدقت بالله، أو فلان يصدق بالله، أو صدق بالله، ونحو ذلك، كما جاء فلان يؤمن بالله، وآمن بالله إيمانًا (٥) بالله، ونؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ونؤمن بالله وحده، ونحو ذلك، فإن القرآن والحديث، وكلام الخاصة والعامة، مملوء من لفظ الإيمان بالله، وآمن بالله، ويؤمن بالله، فآمنوا بالله (٦)، ويا أيها الذين آمنوا، وما أعلم قيل التصديق بالله، [أو] (٧) أن (٨) صدقوا بالله و (٩) يا أيها النبي صدق بالله (١٠)، ونحو ذلك، اللهم إلَّا

стр. 406

أن [يكون] (١) في ذلك [شيء] (٢) لا يحضرني الساعة وما أظنه (٣). ولفظ الإيمان يستعمل في الخبر أيضًا كما يقال: ﴿كُلُّ آمَنَ بِاللهِ﴾ أي: أقر له، والرسول يؤمن له من جهة أنَّه مخبر، ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها، كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه. فالإيمان متضمن للإقرار للرسول والإقرار (٤) بما أخبر به، والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، والأصل في ذلك هو الإخبار بالله وبأسمائه، ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره، وإن كان الرسول أخبر [بكليهما] (٥)، ثم مجرد تصديقه في الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره، لا باطنًا، ولا ظاهرًا، ولا محبة لله، ولا تعظيم له، لم يكن ذلك إيمانًا. وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب.

стр. 407

وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وقال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، فالذي يقال هنا أحد أمرين: إما أن يقال: الاستكبار والإباء والحسد ونحو ذلك، مما كفر (١) به مستلزم لعدم العلم والتصديق الَّذي هو الإيمان، وإلا فمن كان علمه وتصديقه تامًا، أوجب استسلامه وطاعته مع القدرة، كما أن الإرادة الجازمة تستلزم وجود المراد مع القدرة، فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة، دل على أن (٢) ما في القلب همة ولا إرادة، فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم، من حب القلب وانقياده، دل على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا علم، بل هناك (٣) شبهة وريب، كما يقول ذلك طوائف من الناس، وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه كالقاضي أبي بكر ومن اتبعه، ممن يجعل الأعمال الباطنة والظاهرة [من] (٤) موجبات الإيمان، لا من نفسه، ويجعل ما ينتفي الإيمان بانتفائه من لوازم التصديق، لا يتصور عنده تصديق باطن مع كفر قط. أو أن يقال (٥): قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به، ولكن مما (٦) في القلب من الحسد والكبر ونحو ذلك، مانع من استسلام القلب وانقياده ومحبته، وليس هذا كالإرادة مع العمل، لأن الإرادة مع القدرة مستلزمة للمراد، وليس العلم بالحق والتصديق به مع القدرة على العمل بموجب ذلك العمل، بل لا بد مع ذلك من إرادة الحق والحب له. فإذا قال القائل: القدرة التامة [بدون] (٧) الإرادة الجازمة مستلزمة

стр. 408

لوجود المراد المقدور، [موجبة] (١) لحصول المقدور، لم يكن مصيبًا، بل لا بد من الإرادة، وبهذا [يتبين] (٢) خطأ من قال: إن مجرد علم الله قد بالمخلوقات موجب لوجودها، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الفلسلفة، كما يغلط الناس من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها، وكما خطأوا من قال: إن مجرد القدرة كافية، بل لا بد من العلم والقدرة والإرادة في وجود المقدور والمراد، والإرادة مستلزمة لتصور المراد والعلم به، والعلم والإرادة (٣) والقدرة ونحو ذلك، وإن كان قد يقال: إنها متلازمة في الحي، أو أن الحياة مستلزمة لهذه الصفات، أو أن بعض الصفات مشروط بالبعض، فلا ريب أنَّه ليس كل معلوم مرادًا محبوبًا ولا مقدورًا، ولا كل مقدور مرادًا محبوبًا، وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الشيء معلومًا مصدقًا به، أن يكون محبوبًا معبودًا، بل لا بد من العلم وأمر آخر به يكون هذا محبًا وهذا محبوبًا. فقول من جعل مجرد العلم والتصديق في العبد هو الإيمان، وأنه موجب لأعمال القلب، فإذا انتفت دل على انتفاء العلم، بمنزلة من يقول: مجرد علم الله بنظام العالم موجب لوجوده، بدون وجود إرادة منه، وهو [شبيه] (٤) بقول المتفلسفة: إن سعادة النفس في [مجرد] (٥) أن تعلم الحقائق، ولم يقرنوا ذلك بحب الله تعالى وعبادته التي لا تتم السعادة إلا به (٦)، وهو نظير من يقول: كمال الجسم أو النفس في الحس (٧) من غير

стр. 409

اقتران الحركة الإرادية به (١)، يقول: اللذة في مجرد الإدراك والشعور، وهذا غلط باتفاق العقلاء، بل لا بد من إدراك الملائم، والملائمة لا تكون إلَّا بمحبة بين المدرِك والمدرَك، وتلك المحبة والموافقة والملائمة ليست نفس إدراكه والشعور به. وقد قال كثير من الناس من الفلاسفة والأطباء ومن اتبعهم: إن اللذة إدراك الملائم، وهذا تقصير منهم، بل اللذة حال يعقب إدراك الملائم، كالإنسان الَّذي يحب الحلو ويشتهيه، فيدركه بالذوق والأكل، فليست اللذة مجرد ذوقه، بل أمر يجد من نفسه يحصل مع الذوق، فلا بد أولًا من أمرين، وآخرًا من أمرين، لا بد أولًا من شعور بالمحبوب ومحبة له، فما لا شعور به لا يتصور أن يشتهي، وما يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى، ثم إذا حصل إدراكه بالمحبوب نفسه، حصل عقيب ذلك اللذة والفرح مع ذلك. ولهذا قال النبي ﷺ في الدعاء المأثور: "اللهم إني أسالك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة" (٢). وفي الحديث الصحيح: "إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، نادى مناد: يا أهل الجنّة! إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويئقل موازيننا، ويدخلنا الجنّة، ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه" (٣) رواه مسلم وغيره.

стр. 410

فاللذة مقرونة بالنظر إليه، ولا أحب إليهم من النظر إليه لما يقترن بذلك من اللذة، لا أن نفس النظر هو اللذة. وفي الجملة فلا بد في الإيمان الَّذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب لله (١) ورسوله، والا فمجرد التصديق مع البغض لله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلَّا إذا كان القلب سليمًا من المعارض، كالحد والكبر، لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو الَّذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله، وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم ﵇ الَّذي اتخذه الله خليلًا. وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، فليس مجرد العلم [موجبًا لحب] (٢) المعلوم، إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة في النفس، وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوى بالعمل، والعمل يقوى بالعلم، فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له، ومعرفته بأسمائه وصفاته، فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر المحبوب، كما أن البغض يوجب الإعراض عن ذكر المبغض، فمن عادى الله ورسله (٣)، وحاد الله ورسوله، كان ذلك مقتضيًا [لإعراضه] (٤) عن ذكر الله ورسوله بالخير، وعن ذكر ما يوجب المحبة [فيضعف] (٥) علمه به حتَّى قد ينساه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]

стр. 411

وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٥٧]، وقد يحصل مع ذلك تصديق وعلم، مع بغض ومعاداة، لكن تصديق ضعيف، وعلم ضعيف، ولكن لولا البغض والمعاداة، لأوجب ذلك من محبة الله ورسوله ما يصيرب مؤمنًا. [العلم التام بالله ليس شرطًا في الإيمان به، والعذر بالجهل] فما من شرط الإيمان بالله تعالى وجود العلم التام (١)، ولهذا كان الصواب أن الجهل يعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًّا بما جاء به الرسول ﷺ ، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، لحديث الَّذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته (٢). بل العلماء يتفاضلون في العلم به، ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال أبو العالية (٣): (سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل) (٤)، وكل من

стр. 412

تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، ومنه قول ابن مسعود: (كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا) (١)، وقيل للشعبي (٢) أيها العالم فقال: العالم من يخشى الله (٣). وقال (٤): قد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وقال أبو حيان [التيمي] (٥): (العلماء ثلاثة: عالم بالله، وعالم (٦) بأمر الله، وعالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، فالعالم بالله الَّذي يخشاه والعالم بأمر الله الَّذي يعلم حدوده وفرائضه) (٧).

стр. 413

وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وهذا يدل على أن كل من خشي الله فهو عالم، وهو حق، ولا يدل على أن كل عالم يخشاه، لكن لما كان العلم به موجبًا للخشية عند عدم المعارضة، كان عدمه دليلًا على ضعف الأصل، إذ لو قوي لدفع المعارض. [معنى العقل] وهكذا لفظ العقل، يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد بها أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم (١)، كما قال النبي ﷺ : "إذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه، أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم" (٢). [معنى الجاهلية] والجهل هنا هو الكلام الباطل، بمنزلة الجهل المركب، ومنه قول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣) ومن هذا سميت الجاهلية جاهلية، وهي متضمنة لعدم العلم، أو لعدم

стр. 414

العمل به (١)، ومنه قول النبي ﷺ لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية" (٢)، لما ساب الرجل وعيره بأمه. إذ (٣) قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، فإن الغضب والحمية يحمل المرء على فعل ما يضره، وترك ما ينفعه، وهذا من الجهل الَّذي هو عمل بخلاف العلم، حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنَّه يضره، وترك ما يعلم أنَّه ينفعه، لما في نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم لعدم موجبه ومقتضاه، ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا يوجد (٤) عنه وحده، بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها، وبغض ما يضرها، فإذا حصل لها مرض ففسدت به أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها، فتصير النفس كالمريض الَّذي تناول ما يضره لشهوة نفسه له، مع علمه أنَّه يضره. قلت: هذا معنى ما روي عن النبي ﷺ : "إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات" رواه البيهقي مرسلًا (٥).

стр. 415

وقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]، فوصفهم بالقوة [في] (١) العمل، والبصيرة في العلم، وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر، فإن المؤمن قوته في قلبه، وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه، فالإيمان لا بد نيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له، وهذا (٢) أصل القول، وهذا أصل العمل، ثم الحب التام مع القدرة، يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم، فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبًا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما يسمى (٣) إيمانًا فقد غلط، بل لا بد من العلم والحب، والعلم شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في العلم، لكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته، إن لم يكن بين العلم والمعلوم معنى في المحب أحب لأجله، ومعنى في المحبوب كان محبوبًا لأجله (٤). [الأعمال والأقوال الظاهرة هي موجب ما في القلب] ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويحلمها وهو يبغضها، كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم، فنفس (٥) التصديق بوجود الشيء لا يقتضي محبته، لكن الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله، والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته، كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق به، فمن صدق به وبرسوله، ولم يكن محبًا له ولرسوله، لم يكن مؤمنًا حتَّى يكون فيه مع ذلك الحب له ولرسوله، وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما (٦) يظهر على البدن من

стр. 416

[القلب هو الأصل والبدن هو الفرع] الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلوب (١) ولازمه، ودليله ومعلوله، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه، كما في الشجرة التي يضرب المثل لكلمة الإيمان بها (٢). قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٣) [إبراهم: ٢٤، ٢٥]، وهو (٤) كلمة التوحيد، فالشجرة كلما قوي أصلها وعروقها (٥) وروي، قويت فروعها، وفروعها أيضًا إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في أصلها. وكذا (٦) الإيمان في القلب، والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطة، كان يستدل بها عليها، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أن من كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله؛ بل نفس الإيماد ينافي موادتهم (٧)، فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل الإيمان.

стр. 417

وكذلك قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١]. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، فأخبر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في قولهم: آمنا، ودل ذلك على أن الناس في تولهم آمنا: صادق وكاذب، والكاذب قيه نفاق بحسب كذبه. قال تعالى في المنافقين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ٨ - ١٠] و (١) يكذبون هما (٢) قراءتان مثسهورتان (٣). وفي الحديث: "أساس النفاق الَّذي بني عليه الكذب" (٤).

стр. 418

وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]. [جماهير المرجئة على أن عمل القلب من الإيمان] وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] الآية (١) ومل هذا كثير. وبالجملة فلا يستريب من تدبر ما نقول في أن الرجل لا يكون مؤمنًا بمجرد تصديق في القلب مع بغض (٢) لله ورسوله، واستكبار عن عبادته، ومعاداة (٣) له ولرسله (٤). ولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل في الإيمان، كما نقله أهل المقالات عنهم، منهم الأشعري فإنه قال في كتابه في المقالات: [فرق المرجئة] اختلفت (٥) المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم [اثنتا عشرة] (٦) فرقة: ١ - فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسوله (٧) وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم (٨)،

стр. 419

والخوف فيهما (١)، والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان (٢). قال: "وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه أنه لا بكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلَّا في القلب دون الجوارح". قال: ٢ - "والفرقة الثانية من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر به هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلَّا المعرفة به، ولا كفر بالله إلَّا الجهل به، وأن قول القاتل: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلَّا من كافر، وذلك أن الله كفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنَّه لا يقوله إلَّا كافر، وزعموا أن معرفة الله [هي] (٣) المحبة له، وهي الخضوع لله (٤). وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، ويقولون: إنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول (٥) إلَّا من آمن بالرسول، ليس ذلك لأن ذلك مستحيل (٦)، ولكن الرسول قال: "من لم يؤمن بي فليس

стр. 420

بمؤمن بالله" (١). [الصالحين] وزعموا أيضًا أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلَّا الإيمان

стр. 421

به، وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر، والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي (١) ". وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: "والذي اختاره في الأسماء قول الصالحي، وفي الخصوص والعموم أي (٢) لا أقطع بظاهر الخبر على العموم، ولا على الخصوص إذ (٣) كان يحتمل في اللغة أن يكون خاصًا، ويحتمل أن يكون عامًا، وأقف في ذلك فلا (٤) أقطع على عموم ولا خصوص إلَّا [بتوقيف] (٥) أو إجماع" (٦). ثم قال في المقالات: [السمرية] ٣ - والفرقة الثالثة من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه، والمحبة لله، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفًا بالله، غير أنَّه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس [المري] (٧). [أصحاب شمر ويونس] ٤ - والفرقة الرابعة وهم أصحاب أبي شمر (٨) ويونس يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والمحبة له، والخضوع له بالقلب، والإقرار به أنَّه واحد ليس كمثله شيء، ما لم تقم عليه حجة الأنبياء، وإن كانت قامت عليه حجة الأنبياء (٩)، فالإيمان بهم والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانًا ولا بعض إيمان حتَّى تجتمع هذه الخصال، فإذا اجتمعت سموها

стр. 422

إيمانًا لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لا يسمى بلقا إلّا مع السواد وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال كفرًا، ولم يجعلوا الإيمان متبعضًا ولا محتملًا للزيادة والنقصان (١). وذكر عن: [أصحاب أبي ثوبان] ٥ - الخامسة: أصحاب أبي ثوبان أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله، وما لا يجوز في [العقل] (٢) إلَّا أن يفعله. وذكر عن: [النجارية] ٦ - الفرقة السادسة: أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها (٣) والخضوع له [بجميع] (٤) ذلك، والإقرار باللسان، وزعموا أن خصال الإيمان كل منه طاعة، وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى، لم تكن طاعة، كالمعرفة بلا إقرار، وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية، وأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة، وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم، ويكون بعضهم أعلم وأكثر تصديقًا من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا قول الحسين بن محمد النجار (٥) وأصحابه.

стр. 423

[الغيلانية] و٧ - الفرقة السابعة: الغيلانية أصحاب غيلان (١) يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله [الثانية] (٢) والمحبة، والخضوع، والإقرار بما جاه به الرسول ﷺ ، وبما جاء من عند الله سبحانه، وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان. وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية، والجهمية، والغيلانية، والنجارية، ينكرون أن يكون في الكفار إيمان، وأن يقال فيهم بعض إيمان، إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم. [أصحاب محمد بن شبيب] قال: ٨ - والفرقة الثامنة من المرجئة: أصحاب محمد بن شبيب، يزعمون: أن الإيمان الإقرار بالله، والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله، وبجميع ما جاءت به من عند الله، مما نص عليه المسلمون، ونقلوه عن النبي ﷺ من الصلاة والصيام ونحو ذلك، مما (٣) لا نزاع بينهم فيه، والخضوع لله، وهو ترك الاستكبار عليه، وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به، وإنما كان كافرًا لأنه استكبر، ولولا الاستكبار (٤) ما كان كافرًا، وأن الإيمان يتبعض، ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان، ويكون صاحبها

стр. 424

كافرًا بترك بعض إيمان (١)، ولا يكون مؤمنًا إلَّا بإصابة الكل، وكل رجل يعلم أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء، ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء، وفيه خصلة من الإيمان، وهي معرفته بالله . [أبو حنيفة وأصحابه (مرجئة الفقهاء)] ٩ - الفرقة التاسعة من المرجئة: المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول (٢)، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير (٣).

стр. 425

[التومنية] ١٠ - الفرقة العاشرة من المرجئة: أصحاب أبي معاذ التومني (١) يزعمون: أن الإيمان ترك ما عظم من الكبائر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك، أو ترك خصلة منها كان كافرًا، فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان، وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على كفره (٢)، فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان، تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق، فيقال له: إنه يفسق، ولا يسمى بالفسق، ولا يقال فاسق، وليس (٣) تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرًا، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها، والرد لها، والاستخفاف بها، [كافر] (٤) بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها مشاغلًا مسوفًا، يقول: الساعة أصلي، وإذا فرغت من لهوي وعملي، فليس بكافر، وإن كان يصلي يومًا ووقتًا من الأوقات، ولكن نفسقه. وكان أبو معاذ يقول: من قتل نبيًا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له. [المريسية أصحاب بشر المريسي] و١١ - الفرقة الحادية عشرة (٥) من المرجئة: أصحاب بشر المريسي (٦)
следующие страницы →