← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

به، وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر، والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي (١) ". وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: "والذي اختاره في الأسماء قول الصالحي، وفي الخصوص والعموم أي (٢) لا أقطع بظاهر الخبر على العموم، ولا على الخصوص إذ (٣) كان يحتمل في اللغة أن يكون خاصًا، ويحتمل أن يكون عامًا، وأقف في ذلك فلا (٤) أقطع على عموم ولا خصوص إلَّا [بتوقيف] (٥) أو إجماع" (٦). ثم قال في المقالات: [السمرية] ٣ - والفرقة الثالثة من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه، والمحبة لله، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفًا بالله، غير أنَّه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس [المري] (٧). [أصحاب شمر ويونس] ٤ - والفرقة الرابعة وهم أصحاب أبي شمر (٨) ويونس يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والمحبة له، والخضوع له بالقلب، والإقرار به أنَّه واحد ليس كمثله شيء، ما لم تقم عليه حجة الأنبياء، وإن كانت قامت عليه حجة الأنبياء (٩)، فالإيمان بهم والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانًا ولا بعض إيمان حتَّى تجتمع هذه الخصال، فإذا اجتمعت سموها

стр. 422

إيمانًا لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لا يسمى بلقا إلّا مع السواد وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال كفرًا، ولم يجعلوا الإيمان متبعضًا ولا محتملًا للزيادة والنقصان (١). وذكر عن: [أصحاب أبي ثوبان] ٥ - الخامسة: أصحاب أبي ثوبان أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله، وما لا يجوز في [العقل] (٢) إلَّا أن يفعله. وذكر عن: [النجارية] ٦ - الفرقة السادسة: أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها (٣) والخضوع له [بجميع] (٤) ذلك، والإقرار باللسان، وزعموا أن خصال الإيمان كل منه طاعة، وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى، لم تكن طاعة، كالمعرفة بلا إقرار، وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية، وأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة، وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم، ويكون بعضهم أعلم وأكثر تصديقًا من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا قول الحسين بن محمد النجار (٥) وأصحابه.

стр. 423

[الغيلانية] و٧ - الفرقة السابعة: الغيلانية أصحاب غيلان (١) يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله [الثانية] (٢) والمحبة، والخضوع، والإقرار بما جاه به الرسول ﷺ ، وبما جاء من عند الله سبحانه، وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان. وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية، والجهمية، والغيلانية، والنجارية، ينكرون أن يكون في الكفار إيمان، وأن يقال فيهم بعض إيمان، إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم. [أصحاب محمد بن شبيب] قال: ٨ - والفرقة الثامنة من المرجئة: أصحاب محمد بن شبيب، يزعمون: أن الإيمان الإقرار بالله، والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله، وبجميع ما جاءت به من عند الله، مما نص عليه المسلمون، ونقلوه عن النبي ﷺ من الصلاة والصيام ونحو ذلك، مما (٣) لا نزاع بينهم فيه، والخضوع لله، وهو ترك الاستكبار عليه، وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به، وإنما كان كافرًا لأنه استكبر، ولولا الاستكبار (٤) ما كان كافرًا، وأن الإيمان يتبعض، ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان، ويكون صاحبها

стр. 424

كافرًا بترك بعض إيمان (١)، ولا يكون مؤمنًا إلَّا بإصابة الكل، وكل رجل يعلم أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء، ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء، وفيه خصلة من الإيمان، وهي معرفته بالله . [أبو حنيفة وأصحابه (مرجئة الفقهاء)] ٩ - الفرقة التاسعة من المرجئة: المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول (٢)، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير (٣).

стр. 425

[التومنية] ١٠ - الفرقة العاشرة من المرجئة: أصحاب أبي معاذ التومني (١) يزعمون: أن الإيمان ترك ما عظم من الكبائر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك، أو ترك خصلة منها كان كافرًا، فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان، وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على كفره (٢)، فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان، تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق، فيقال له: إنه يفسق، ولا يسمى بالفسق، ولا يقال فاسق، وليس (٣) تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرًا، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها، والرد لها، والاستخفاف بها، [كافر] (٤) بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها مشاغلًا مسوفًا، يقول: الساعة أصلي، وإذا فرغت من لهوي وعملي، فليس بكافر، وإن كان يصلي يومًا ووقتًا من الأوقات، ولكن نفسقه. وكان أبو معاذ يقول: من قتل نبيًا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له. [المريسية أصحاب بشر المريسي] و١١ - الفرقة الحادية عشرة (٥) من المرجئة: أصحاب بشر المريسي (٦)

стр. 426

[مذهب ابن الراوندي] يقولون: إن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وما ليس بتصديق (١) فليس بإيمان، ويزعمون (٢) أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعًا، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي (٣). وكان ابن الرواندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر و [التغطية] (٤)، وليس يجوز أن يكون كفرًا (٥) إلَّا ما كان في اللغة كفرًا، ولا يجوز أن يكون (٦) إيمانًا إلَّا ما كان في اللغة إيمانًا، وكان يزعم أن

стр. 427

ترك السجود ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر ولكنه علم على الكفر لأن الله تعالى بين أنَّه لا يسجد للشمس إلَّا كافر (١). [الكرامية] قال: ١٢ - والفرتة الثانية عشرة (٢) من المرجئة: الكرامية أصحاب محمد بن كرام (٣) يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير الصديق باللسان إيمانًا. [الجهمية والصالحية لا تدخلان عمل القلب في الإيمان] فهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة، يتضمن أكثرها أنَّه لا بد في الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم، وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة كجهم والصالحي. وقد ذكر أيضًا في المقالات جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة قال: [حكاية الأشعري مقالة أهل السنة] جملة ما عليه أصحاب الحديث [و] (٤) أهل السنة، الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، ولا يردون من ذلك شيئًا، وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ ، وأن الجنّة حق، وأن (٥) النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وإن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ

стр. 428

رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج إلى أن قال: ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ بدعة، من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال غير مخلوق، إلى أن قال: ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك، من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر. والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطأهم. والإسلام هو أن تشهد (١) أن لا إله إلَّا الله على ما جاء في الحديث، والإسلام عنده غير الإيمان إلى أن قال: ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، وذكر كلامًا طويلًا ثم قال في آخره: وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول إليه نذهب (٢). فهذا قوله في هذا الكتاب، وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث، بخلاف القول الذي نصره في الموجز. والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب (٣)، حتَّى عامة فرق المرجئة تقول بذلك (٤). وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم في ذلك معروف (٥)، وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة.

стр. 429

وهذا القول شاذ كما أن قول الكرامية الذين يقولون [هو] (١) مجرد قول اللسان شاذ أيضًا. وهذا (٢) مما ينبغي الاعتناء به، فإن كثيرًا ممن تكلم في مسألة الإيمان هل تدخل فيه) (٣) الأعمال؟ وهل هو قول وعمل؟ يظن (٤) أن النزاع إنما هو في أعمال الجوارح، وأن المراد بالقول قول اللسان، وهذا غلط، بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، إلَّا من شذ من اتباع ابن كرام، وكذلك تصديق القلب الَّذي ليس معه حب لله ولا تعظيم، بل فيه بغض وعداوة لله ولرسله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عبد عامة المسلمين، إلَّا من شذ من أتباع جهم والصالحي (٥)، وفي قولهما (٦) من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام، وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنه وإن سمى المنافقين مؤمنين يقول إنهم مخلدون في النار، فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم (٧) وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعًا.

стр. 430

فصل إذا عرف أن أصل الإيمان في القلب، فاسم الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية، والأعمال القلبية، من الصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة لوازمه وموجباته ودلائله، وتارة على ما في القلب والبدن، جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلًا في مسماه. [اختلاف دلالات الألفاظ بالإفراد والاقتران] وبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلامًا، فإنها (١) تدخل في مسمى الإيمان تارة، ولا تدخل فيه تارة. وذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالأفراد والاقتران، فقد يكون عند الأفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلَّا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحد مسمى يخصه، وكذلك لفظ المعروف والمنكر إذا أطلقا كما في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، دخل فيه الفحشاء والبغي، وإذا قرن بالمنكر أحدهما كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أو كلاهما كما في قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، كان اسم المنكر مختصًا بما خرج عن (٢) ذلك على قول، أو متناولًا للجميع على قول بناء على أن الخاص المعطوف على العام هل يمنع شمول العام له، أو يكون قد ذكر مرتين؟ فيه نزاع! والأقوال والأعمال الظاهرة موجب (٣) [الأعمال] (٤) الباطنة ولازمها، وإذا أفرد اسم الإيمان فقد يتناول هذا وهذا، كما في قول النبي ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" (٥).

стр. 431

وحينئذ فيكون الإسلام داخلًا في مسمى الإيمان وجزءًا منه، فيقال حينئذٍ: إن الإيمان اسم لجميع الطاعات الباطة والظاهرة. ومنه قوله ﷺ لوفد عبد القيس: "آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا (١) خمس المغنم" (٢) أخرجاه في الصحيحين. ففسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام؛ لأنه أراد بالشهادتين هنا أن يشهد [بهما] (٣) باطنًا وظاهرًا، وكان الخطاب لوفد عبد القيس، وكانوا من خيار الناس، وهم أول من صلى الجمعة ببلدهم بعد جمعة أهل المدينة؛ كما قال ابن عباس: "أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثا (٤)، قرية من قرى البحرين، (٥) وقالوا: يا رسول الله:

стр. 432

إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلَّا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل نعمل به، وندعو إليه من وراءنا، وأرادوا بذلك أهل نجد من تميم وأسد وغطفان وغيرهم كانوا كفارًا، فهؤلاء كانوا صادقين راغبين في طلب الدين فإذا أمرهم النبي ﷺ بأقوال وأعمال ظاهرة فعلوها باطنًا وظاهرًا فكانوا بها مؤمنين. وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر كما في المسند عن النبي ﷺ أنَّه قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (١). [اقتضاء الإيمان القلبي الاستسلام لله ] والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، ومتى حصل له هذا الإيمان، وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام، الَّذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، لأن إيمانه بالله وملائكته ورسله يقضي الاستسلام لله والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنًا، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد. وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا، امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم لانتفاء (٢) الإيمان

стр. 433

القلبي التام، وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه (١) في زعمهم أن مجرد إيمان القلب) (٢) بدون الإيمان الظاهر ينفع لي الآخرة، فإن هذا ممتنع، إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلَّا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة، فإن من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبًا جازمًا، وهو قادر على مواصلته، ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك. وأبو طالب إنما كانت محبته للنبي ﷺ لقرابته منه لا لله، وإنما نصره وذب عنه لحمية النسب والقرابة، ولهذا لم يتقبل الله ذلك منه، وإلا فلو كان ذلك عن إيمان في القلب، لتكلم بالشهادتين ضرورة، والسبب الَّذي أوجب نصره للنبي ﷺ -وهو الحمية- هو الَّذي أوجب امتناعه من الشهادتين، بخلاف أبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه ونحوه. قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ [الليل: ١٧ - ٢١] (٣). ومنشأ الغلط في هذه المواضع من وجوه: [أسباب انحراف الجهمية المرجئة في الإيمان] (أحدهما): أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجات الإيمان. (الثاني): ظن الظان أن ما في القلب (٤) لا يتفاضل الناس فيه. (الثالث): ظن الظان أن ما في القلب من الإيمان المقبول، يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه. (الرابع): ظن الظان أن ليس في القلب إلَّا التصديق، وأن ليس الظاهر إلَّا عمل الجوارح، والصواب أن القلب له عمل مع التصديق، والظاهر قول ظاهر، وعمل ظاهر، وكلاهما مستلزم لباطن.

стр. 434

[التلازم بين الظاهر والباطن] والمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا، وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن؟ أو هو لازم لمسمى الإيمان؟ والتحقيق أنَّه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون (١) لازمًا للمسمى بحسب إفراد الاسم واقترانه، فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل ﵇، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، وإن كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخل فيه، وعطف عليه عطف الخاص على (٣) العام، وبكل حال فالعمل تحقيق لمسمى الإيمان وتصديق له، ولهذا قال طائفة من العلماء كالشيخ أبي إسماعيل الأنصاري (٤) وغيره: "الإيمان

стр. 435

تصديق كله"، فالقلب يصدق ما جاءت به الرسل، واللسان مصدق (١) ما في القلب، والعمل يصدق القول، كما يقال: صدق قوله عمله (٢). ومن قول النبي ﷺ : "العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذنان تزنيان، وزناهما السمع، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (٣). والتصديق يستعمل في الخبر وفي الإرادة، يقال: فلان صادق العزم، وصادق المحبة، وحملوا حملة صادقة. والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، وقالوا: إن الإيمان يتماثل الناس فيه، ولا ريب أن قولهم: يتساوى (٤) إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس لا (٥) في التصديق، ولا في الحب، ولا في الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة.

стр. 436

وأيضًا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن (١). [امتناع قيام الإيمان بالقلب من غير عمل ظاهر] وليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداؤه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم، ويحضر على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة أن لا يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع! فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليلًا على انتفاء حقيقة الإيمان، بل قد ثبت في الصحيح عنه ﷺ : "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق" (٢)، وفي الحديث دلالة على أنَّه يكون فيه بعض [شعب] (٣) النفاق مع ما معه من الإيمان. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. وأيضًا فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنَّه قال: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (٤)، وفي رواية (٥): "وليس وراء ذلك من الإيمان حبة

стр. 437

خردل" (١)، فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من المنكرات كان عادمًا للإيمان، والبغض والحب من أعمال القلوب. ومن المعلوم أن إبليس ونحوه يعلمون أن الله حرم هذه الأمور ولا يبغونها، بل يدعون إلى ما حرمه الله ورسوله. وأيضًا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلمات (٢) الكفر، ليس هو كفر في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون السباب (٣) الشاتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنًا وظاهرًا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك، فيقال لهم: معنا أمران معلومان: (أحدهما): بالاضطرار من الدين، و (الثاني): معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند التأمل. [سب الله ورسوله طوعًا كفر باطنًا وظاهرًا] أما (الأول): فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله أو آياته، (٤) ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا، وأن من قال: إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله، وإنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين. وقد ذكر الله تعالى كلمات الكفار في القرآن، وحكم بكفرهم

стр. 438

واستحقاقهم الوعيد، ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الَّذي يغلط فيه المقر، لم يجعلهم الله من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صدقًا، وقد تكون كذبًا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلَّا بشرط صدق الشهادة. وهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧، ٧٢] وأمثال ذلك. وأما (الثاني): فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا للرسول معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه، بل (١) لا يتصور ذلك منه إلَّا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاده أنَّه صادق لا يكون إيمانًا إلَّا مع محبته وتعظيه بالقلب. وأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فتبين أن الطاغوت يؤمن به، ويكفر به، ومعلوم أن مجرد التصديق [بوجوده] (٢) وما هو عليه من الصفات، يشترك فيه المؤمن والكافر، فإن الأصنام والشيطان والسحر يشترك في العلم بحاله (٣) المؤمن والكافر. وقد قال الله تعالى في السحر: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين

стр. 439

على ملك سليمان، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، يعلمون أنه لا خلاق لهم في الآخرة ومع هذا يكفرون. وكذلك المؤمن بالجبت والطاغوت (١) إذا كان عالمًا بما يحصل

стр. 440

بالسحر من التفريق بين المرء وزوجه، ونحو ذلك من الجبت، وكان عالمًا بأحوال الشيطان والأصنام وما يحصل بها من الفتنة، لم يكن مؤمنًا بها مع العلم بأحوالها، ومعلوم أنه لم يعتقد أحد فيها أنها تخلق الأعيان، وأنها تفعل ما تشاء، ونحو ذلك من خصائص الربوبية، ولكن كانوا يعتقدون أنه يحصل بعبادتها لهم نوع من المطالب، كما كانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام، وتخبرهم بأمور، وكما يوجد مثل ذلك في هذه الأزمان في الأصنام التي يعبدها أهل الهند والصين والترك وغيرهم، وكان كفرهم بها الخضوع لها والدعاء والعبادة واتخاذها وسيلة ونحو ذلك، لا مجرد التصديق بما يكون عند ذلك من الآثار، فإن هذا يعلمه العالم من المؤمنين ويصدق بوجوده، لكنه يعلم ما يترتب على ذلك من الضرر في الدنيا والآخرة فيبغضه، والكافر قد يعلم وجود ذلك الضرر لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر. يبين ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾ [النحل: ١٠٦ - ١٠٩]، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده في الآخرة ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾، وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا. ومعلوم أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب

стр. 441

الحب والبغض وهؤلاء (١) يقولون: إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم، وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة، والله تعالى جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران (٢)، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ما له في الآخرة من خلاق (٣). وأيضًا فإنه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر إلا (٤) في حال الإكراه. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة ومنه قوله ﷺ : "يصبح [الرجل] (٥) مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" (٦). والآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح، وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين، لما أكرههم المشركون على سب النبي ﷺ ، ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر

стр. 442

على المحنة كبلال (١)، ولم يكره واحد (٢) منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم به (٣) فمن تكلم به (٤) بدون الإكراه، لم يتكلم به (٥) إلا وصدره منشرح به. وأيضًا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي ﷺ فقالوا: إنشهد إنك رسول الله) (٦) ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي: نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال: "فلم لا تتبعوني؟ "، قالوا: (نخاف من يهود) (٧).

стр. 443

فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى [يتكلم] (١) بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك للإخبار (٢) عما في أنفسهم، فالمناففون قالوا مخبرين كاذبين، فكانوا كفارًا في الباطن، وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفارًا في الظاهر والباطن.

стр. 444

[امتناع أبي طالب عن التوحيد] وكذلك أبو طالب (١) قد استفاض عه أنه كان يعلم نبوة (٢) محمد ﷺ وأنشد عنه: ولقد علمت بأن دين محمد. . . من خير أديان البرية دينا (٣) لكن امتنع من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبًا لدين سلفه، وكراهة أن (٤) يعيره قومه، فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنًا (٥).

стр. 445

[كفر إبليس وفرعون واليهود مع علمهم] وأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة العلو والحسد منع من حب الله، وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به، وصار في القلب من كراهة (١) رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفرًا لا ينفع معه العلم.

стр. 446

فصل [وجوه التفاضل في الإيمان] والتفاضل في الإيمان بدخول زيادة الإيمان والنقص فيه يكون من وجوه متعددة: (أحدها): الأعمال الظاهرة، فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص (١)، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان، فالنفاة يقولون: هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه، فأدخل يه مجازًا بهذا الاعتبار، وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه، أي زيادة ثمراته ونقصانها، فيقال: قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن يكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه لازمًا له أو جزءًا منه فهذا يختلف بحسب حال استعمال لفظ الإيمان مفردًا [أو] (٢) مقرونًا بلفظ الإسلام والعمل كما تقدم. وأما قولهم: الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه ومقتضيه فهذا غلط، فإن تفاضل (٣) معلول الأشياء ومقتضاها يقتضي تفاضلها في أنفسها، وإلا فإذا تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجها ومقضاها، فتفاضل الناس في الأعمال الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك ومقتضيه، ومن هذا يبين (٤): (الوجه الثاني): في زيادة الإيمان ونقصه: وهو زيادة أعمال القلوب ونقصها، فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله، وخشية الله (٥)، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق، والنصح لهم، ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية.

стр. 447

وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤]. وقال ﷺ : "والله إني لأخاشكم لله وأعلمكم بحدوده" (٢). وقال ﷺ : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" (٣). وقال له عمر ﵁: (يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي)، قال: "لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك"، قال:

стр. 448

فلأنت أحب إلي من نفسي، قال: "الآن يا عمر" (١). وهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية. وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة، ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولًا بدخول الزيادة والنقصان فيه، لما يجدون من ذلك في أنفسهم. ومن هذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وإنما زادهم طمأنينة وسكونًا. وقال ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا" (٢). (الوجه الثالث): أن نفس التصديق والعلم الذي (٣) في القلب يتفاضل باعتبار الإجمال والتفصيل، فليس تصديق من صدق الرسول مجملًا من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته والجنة والنار والأمم وصدقه في ذلك كله، وليس من التزم طاعته مجملًا ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلًا وأطاعه فيه. (الوجه الرابع): أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت، كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام،

стр. 449

بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك، فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت (١) وكذلك (٢) الإخبار عنه يتفاوت، وإذا قال القائل: العلم بالشيء الواحد لا يتفاضل، كان بمنزلة قوله: القدرة على المقدور الواحد لا [تتفاضل] (٣)، وقوله: ورؤية الشيء الواحد لا [تتفاضل] (٤)، ومن المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل الناس في رؤيته، وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاضلون في إدراكه، وكذلك الكلمة الواحدة يتكلم بها الشخصان ويتفاضلون في النطق بها، وكذلك شم الشيء الواحد وذوقه يتفاضل الشخصان فيه. فما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته، بل وصفات غير الحي (٥) إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر، حتى يقال: ليس أحد من المخلوقين يعلم شيئًا من الأشياء مثلما يعلمه الله من كل وجه، بل علم الله تعالى بالشيء أكمل من علم غيره به كيف ما قدر الأمر، وليس تفاضل العلمين من جهة الحدوث والقدم فقط، بل من وجوه أخرى. والإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه لبغيضه، ورضاه لمرضيه (٦)، وسخطه بمسخوطه (٧)، وإرادته لمراده، وكراهته (٨) لمكروهه، ومن أنكر التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطًا (٩).

стр. 450

(الوجه الخامس): أن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين، و [تبين] (١) فساد الشبهة العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك، بل من حصل (٢) له علوم ضرورية لا يمكن دفعها عن نفسه لم يكن بمنزلة من تعارضه الشبهة (٣)، ويريد إزالتها بالنظر والبحث. ولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبهة (٤) المعارضة لذلك، وبيان بطلان حجة المحتج عليها، ليس كالعلم الذي هو الحاصل عن دليل واحد من غير أن يعلم الشبهة (٥) العارضة (٦) له، فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه واضمحلت، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه. (الوجه السادس): أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكره واستحضاره، كما يحصل البغض من جهة الغفلة عنه،

стр. 451

والإعراض والعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك [فما] (١) في القلب، هي صفات وأعراض وأحوال تدوم وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها، والعلم وإن كان في القلب [فالغفلة] (٢) تنافي تحقيقه (٣)، والعالم بالشيء في حال غفلته عنه حاله فيه (٤) دون حال (٥) العالم بالشيء في ذكره له. قال عمير بن حبيب الخطمي من أصحاب النبي ﷺ : (الإيمان يزيد وينقص قالوا وما زيادته ونقصه؟ قال: إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه) (٦). (الوجه السابع): أن يقال ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم تفاضلًا وتفاوتًا من الإيمان، فكلما [تقرر إثباته] (٧) من الصفات والأفعال مع تفاضله فالإيمان أعظم تفاضلًا من ذلك. مثال ذلك: أن الإنسان يعلم من نفسه تفاضل الحب الذي يقوم بقلبه، سواء كان حبًا لولده أو لامرأته أو لرياسته أو وطنه أو صديقه أو صورة من الصور أو خيله أو بستانه أو ذهبه أو فضته وغير ذلك من أمواله. فكما أن الحب أوله علاقة (٨) لتعلق القلب بالمحبوب. ثم صبابة (٩) لانصباب القلب نحوه.

стр. 452

ثم غرام (١) للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه. ثم يصير عشقًا (٢). إلى أن يصير تتيمًا، والتتيم التعبد، وتيم الله عبد الله (٣)، فيصير القلب [عبد]، (٤) للمحبوب مطيعًا له، لا يستطيع الخروج عن أمره. وقد آل الأمر بكثير من عشاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس، مثل من حمله ذلك على قتل نفسه وقتل معشوقه، أو الكفر والردة عن الإسلام، أو أفضى به إلى الجنون وزوال العقل، أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل والمال والرياسة، أو أمرض جسمه وأضناه (٥). فمن قال: الحب لا يزيد ولا ينقص، كان قوله من أظهر الأقوال فسادًا، ومعلوم أن الناس يتفاضلون في حب الله أعظم من تفاضلهم في حب كل محبوب، فهو سبحانه اتخذ إبراهيم خليلًا، واتخذ محمدًا ﷺ أيضًا خليلًا. كما استفاض عنه أنه قال: "لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا

стр. 453

لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله" (١)، يعني نفسه ﷺ . وقال: "إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا " (٢)، والخلة (٣) أخص من مطلق المحبة، فإن الأنبياء ﵈ والمؤمنون يحبون الله، ويحبهم الله، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وقد أخبر الله تعالى إن الله (٤) يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص. وقد (٥) كان النبي ﷺ يخبر بحبه لغير واحد، كما ثبت عنه ﷺ في الصحيح أنه قال للحسن وأسامة: "اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما" (٦). وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"،

стр. 454

قال: فمن الرجال؟ قال: "أبوها" (١). وقال للأنصار (٢): "والله إني لأحبكم" (٣). [تفاضل الناس في حب الله] والناس في حب الله يتفاضلون (٤) ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهم صلى الله عليهما وسلم إلى أدنى الناس درجة، مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وما بين هذين الحدين من الدرجات لا يحصيه إلا الله (٥) رب الأرض والسماوات، فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على بعض كبني آدم، فإن الفرس الواحدة ما تبلغ أن تساوي ألف ألف. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر ﵁: أنه كان جالسًا عند النبي ﷺ ، إذ مر به رجل من أشراف الناس، فقال: "يا أبا ذر أتعرف هذا؟ "، قلت: نعم يا رسول الله، هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن قال يستمع (٦) لقوله، وإن غاب أن يسأل عنه، ثم مر رجل من ضعفاء المسلمين فقال: "يا أبا ذر أتعرف هذا؟ "، قلت: نعم يا رسول الله، هذا رجل من ضعفاء الناس، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن قال أن لا يستمع (٧) لقوله، وإن غاب لا يسأل عنه، فقال:

стр. 455

"يا أبا ذر هذا خير من ملء الأرض مثل هذا" (١). [تفضيل صالحي البشر على الملائكة] فقد أخبر النبي ﷺ الصادق الذي لا يجازف (٢) فيما يقول: أن الواحد من بني آدم يكون خيرًا من ملء الأرض من الآدميين، وإذا كان الواحد منهم أفضل من الملائكة (٣)، والواحد منهم

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 457

[شرًا] (١) من البهائم، كان التفاضل [الذي] (٢) فيهم أعظم من تفاضل الملائكة، وأصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة الله ومحبته، فعلم أن تفاضلهم في هذا لا يضبطه إلا الله تعالى، وكل ما يعلم من تفاضلهم في حب شيء من محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم. وهكذا تفاضلهم في خوف ما يخافونه، وتفاضلهم في الخضوع والذل (٣) لما يذلون له ويخضعون، وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من المعروفات، ويصدقون به، ويقرون به، وإن كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم، والتصديق بهم، فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم. وكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها، والتصديق بها، أو في معرفة الجن وصفاتهم، وفي التصديق بهم، أو في معرفة ما في الآخرة من النعيم والعذاب -كما أخبروا به من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات والمسكونات- فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق بذلك (٤) أعظم من تفاضلهم في معرفة الروح التي هي النفس الناطقة، ومعرفة ما في الآخرة من النعيم والعذاب، بل إن كانوا متفاضلين في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك، فتفاضلهم في معرفة الله ﵎ أعظم وأعظم فإن كل ما يعلم ويقال يدخل في معرفة الله تعالى، إذ لا موجود إلا وهو خلقه، وكل ما في المخلوقات من الصفات والأسماء والأقدار والأفعال فإنها شواهد ودلائل على ما لله من الأسماء الحسنى والصفات العلى، إذ كل كمال في المخلوقات فمن أثر كماله، وكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق

стр. 458

أحق به، وكل نقص تنزه (١) عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه منه (٢)، وهذا على طريق كل طائفة واصطلاحها، فهذا يقول كمال المعلول من كمال علته، وهذا يقول: كمال المصنوع المخلوق من كمال صانعه وخالقه (٣). وفي الحديث الذي رواه أحمد في المسند، ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه قرحًا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن" (٤).

стр. 459

فقد أخبر في هذا الحديث أن لله تعالى أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، وأسماء الله متضمنة لصفاته، [ليست] (١) أسماء أعلام محضة، بل أسماؤه تعالى: كالعليم والقدير والسميع والبصير والرحيم والحكيم ونحو ذلك كل اسم يدل على معاني صفاته على ما لم يدل عليه الاسم الآخر (٢)، مع اشتراكها كلها في الدلالة على ذاته (٣). وإذا كان من أسمائه ما اختص هو بمعرفته، ومن أسمائه ما خص به من شاء من عباده، علم أن تفاضل الناس في معرفته أعظم من تفاضلهم في معرفة كل ما يعرفونه.

стр. 460

وبهذا يتبين (١) لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله تعالى حق معرفته، بحيث لم يبق له صفة إلا عرفوها، وأن ما لم يعرفوه ولم يقم لهم دليل على ثبوته كان معدومًا منتفيًا في نفس الأمر، قوم غالطون مخطئون متدعون ضالون، وحجتهم في ذلك داحضة، فإن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم (٢)، فليس (٣) عدم العلم القطعي أو الظني على الشيء دليلًا على انتفائه، إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك الدليل، مثل أن يكون الشيء لو وجد لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، فيكون هذا لازمًا لثبوته، فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، كما يعلم أنه لو كان بين الشام والحجاز مدينة عظيمة مثل بغداد ومصر لكان الناس ينقلون خبرها، فإذا نقل ذلك واحد واثنان وثلاثة علم كذبهم. وكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد (٤) النبي ﷺ مثل مسيلمة الكذاب (٥)
следующие страницы →