← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 457

[شرًا] (١) من البهائم، كان التفاضل [الذي] (٢) فيهم أعظم من تفاضل الملائكة، وأصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة الله ومحبته، فعلم أن تفاضلهم في هذا لا يضبطه إلا الله تعالى، وكل ما يعلم من تفاضلهم في حب شيء من محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم. وهكذا تفاضلهم في خوف ما يخافونه، وتفاضلهم في الخضوع والذل (٣) لما يذلون له ويخضعون، وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من المعروفات، ويصدقون به، ويقرون به، وإن كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم، والتصديق بهم، فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم. وكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها، والتصديق بها، أو في معرفة الجن وصفاتهم، وفي التصديق بهم، أو في معرفة ما في الآخرة من النعيم والعذاب -كما أخبروا به من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات والمسكونات- فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق بذلك (٤) أعظم من تفاضلهم في معرفة الروح التي هي النفس الناطقة، ومعرفة ما في الآخرة من النعيم والعذاب، بل إن كانوا متفاضلين في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك، فتفاضلهم في معرفة الله ﵎ أعظم وأعظم فإن كل ما يعلم ويقال يدخل في معرفة الله تعالى، إذ لا موجود إلا وهو خلقه، وكل ما في المخلوقات من الصفات والأسماء والأقدار والأفعال فإنها شواهد ودلائل على ما لله من الأسماء الحسنى والصفات العلى، إذ كل كمال في المخلوقات فمن أثر كماله، وكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق

стр. 458

أحق به، وكل نقص تنزه (١) عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه منه (٢)، وهذا على طريق كل طائفة واصطلاحها، فهذا يقول كمال المعلول من كمال علته، وهذا يقول: كمال المصنوع المخلوق من كمال صانعه وخالقه (٣). وفي الحديث الذي رواه أحمد في المسند، ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: "ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه قرحًا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن" (٤).

стр. 459

فقد أخبر في هذا الحديث أن لله تعالى أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، وأسماء الله متضمنة لصفاته، [ليست] (١) أسماء أعلام محضة، بل أسماؤه تعالى: كالعليم والقدير والسميع والبصير والرحيم والحكيم ونحو ذلك كل اسم يدل على معاني صفاته على ما لم يدل عليه الاسم الآخر (٢)، مع اشتراكها كلها في الدلالة على ذاته (٣). وإذا كان من أسمائه ما اختص هو بمعرفته، ومن أسمائه ما خص به من شاء من عباده، علم أن تفاضل الناس في معرفته أعظم من تفاضلهم في معرفة كل ما يعرفونه.

стр. 460

وبهذا يتبين (١) لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله تعالى حق معرفته، بحيث لم يبق له صفة إلا عرفوها، وأن ما لم يعرفوه ولم يقم لهم دليل على ثبوته كان معدومًا منتفيًا في نفس الأمر، قوم غالطون مخطئون متدعون ضالون، وحجتهم في ذلك داحضة، فإن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم (٢)، فليس (٣) عدم العلم القطعي أو الظني على الشيء دليلًا على انتفائه، إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك الدليل، مثل أن يكون الشيء لو وجد لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، فيكون هذا لازمًا لثبوته، فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، كما يعلم أنه لو كان بين الشام والحجاز مدينة عظيمة مثل بغداد ومصر لكان الناس ينقلون خبرها، فإذا نقل ذلك واحد واثنان وثلاثة علم كذبهم. وكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد (٤) النبي ﷺ مثل مسيلمة الكذاب (٥)

стр. 461

والعنسي (١) وطليحة (٢) وسجاح (٣) لنقل الناس خبره كما نقلوا أخبار

стр. 462

هؤلاء، ولو عارض القرآن معارض أي (١) بما يظن الناس أنه مثل القرآن لنقل كما نقل قرآن مسيلمة الكذاب (٢)، وكما نقلوا الفصول

стр. 463

والغايات (١)

стр. 464

لأبي العلاء المعري (١)

стр. 465

وكما نقلوا غير ذلك من أقوال المعارضين له (١) بخرافات لا يظن عاقل أنها مثله، فكان النقل لما يظهر (٢) فيه المشابهة والمماثلة أقوى في العادة والطباع في ذلك (٣) أرغب سواء كانوا محبين أو مبغضين، هذا أمر جبل عليه [بنو] (٤) آدم كما يعلم أن علي بن أبي طالب ﵁ لو طلب الخلافة على عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم وقاتل عليها لنقل ذلك الناس كما نقلوا ما جرى بعد هؤلاء.

стр. 466

و (١) كما يعلم أن النبي ﷺ لو أمره أن يصلي بالناس صلاتهم لنقلوا ذلك، كما نقلوا أمره أبي بكر ﵁ وصلاته بالناس (٢)، وكما يعلم أنه لو عهد له بالخلافة لنقلوا ذلك كما نقلوا ما هو (٣) دونه. بل كما يعلم أن لم يكن يجتمع هو وأصحابه على استماع دف أو كف ولا على رقص وزفن (٤). بل كما أنه لم يكن بعد الصلوات يجتمع هو وهم على دعاء ورفع [أيد] (٥) ونحو ذلك، إذ لو فعل ذلك لنقلوه، بل كما يعلم أنه لم يصل في السفر الظهر والعصر والعشاء أربعًا، وأنه لو صلى في السفر أربعًا بعض الأوقات لنقل الناس ذلك، كما نقلوا جمعه بين الصلاتين بعض الأوقات. بل كما يعلم أنه لم يكن يصلي المكتوبات وحده، بل إنما كان يصليهن في الجماعة، بل كما يعلم أنه لم يكن هو وأصحابه يحملون التراب في السفر للتيمم، ولا يصلون كل ليلة على من يموت من المسلمين، ولا ينوون الاعتكاف كلما دخلوا مسجدًا للصلاة، بل كما يعلم أنه لم يصل على غائب غير النجاشي (٦)، بل كما يعلم أنه لو كان دائمًا

стр. 467

يقنت في الفجر و (١) غيرها بقنوت مسنون يجهر به لنقل الناس ذلك، كما نقلوا قنوته العارض الذي دعا فيه لقوم وعلى قوم (٢)، وكان نقلهم لذلك أوكد، وكما يعلم أنه لما صلى بالناس بعرفة ومزدلفة قصرًا وجمعًا و (٣) لو أمر أحدًا خلفه أن يتم صلاته، أو أن لا يجمع معه لنقل الناس ذلك، كما نقلوا ما دون ذلك، وكما يعلم أنه لم يأمر الحيّض في زمانه المبتدآت بالحيض أن يغتسلن عند انقضاء يوم وليلة، وأنه لم يأمر أصحابه أن يغسلوا ما يصيب أبدانهم وثيابهم من المني، وأنه لم يوقت للناس لفظًا معينًا لا في نكاح ولا (٤) بيع ولا إجارة ولا غير ذلك، ولما حج حجة الوداع لم يعتمر عقيب الحج، وأنه لما أفاض من منى إلى مكة يوم النحر

стр. 468

ما طاف وسعى أولًا، ثم طاف ثانيًا إلى غير ذلك مما يطول ذكره. ومن تتبع كتب الصحيحين ونحوها من الكتب المعتمدة، ووقف على أقوال الصحابة والتابعين، ومن قفا منهاجهم من الأئمة المرضيين -قديمًا وحديثًا- علم صحة ما أوردناه في هذا الباب. [المدلول المستلزم للدليل] والمقصود هنا أن المدلول إذا كان وجوده مستلزمًا لوجود دليله كان انتفاء دليله دليلًا على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلًا على عدمه. فأسماء الله ﵎ وصفاته إذا لم يكن عندنا ما يدلنا عليها لم يكن ذلك مستلزمًا لانتفائها، إذ ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أنا لا بد أن نعلم كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء والصفات. بل قد قال أفضل الخلق وأعلمهم بالله في الحديث الصحيح: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (١). وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة: "فأخرّ ساجدًا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحصيها الآن" (٢). فإذا كان أعلم (٣) الخلق بالله تعالى (٤) لا يحصي ثناء عليه، ولا يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة، فكيف يكون غيره عارفًا بجميع محامد الله والثناء عليه، وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه

стр. 469

داخل في محامده وفي ما يثنى عليه، وإذا كان كذلك فمن كان بما له من الأسماء والصفات أعلم وأعرف [كان بالله أعلم وأعرف] (١)، بل من كان بأسماء النبي ﷺ وصفاته أعلم كان بالنبي ﷺ أعلم، فليس من علم أنه نبي كمن علم أنه رسول، ولا من علم أنه رسول كمن يعلم أنه خاتم الرسل، ولا من علم أنه خاتم الرسل كمن علم أنه سيد ولد آدم، ولا من علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من الشفاعة والحوض والمقام المحمود والملة وغير ذلك من فضائله ﷺ ، وليس كل من جهل شيئًا [من خصائصه] (٢) يكون كافرًا، بل كثير من المؤمنين لم يسمع بكثير من فضائله وخصائصه، فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته يكون كافرًا، إذ كثير من المؤمنين لم يسمع كثيرًا مما وصفه به رسوله وأخبر به عنه، فهذه الوجوه (٣) ونحوها مما تبين (٤) تفاضل الإيمان الذي في القلب، وأما تفاضلهم في الأقوال والأعمال الظاهرة فلا يشبه (٥) على أحد والله أعلم. فصل [إيمان القلب مستلزم لأعمال الجوارح] إذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والاعمال الظاهرة، كما أن القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه، زالت الشبهة (٦) العلمية في هذه المسألة، ولم يبق إلا نزاع لفظي في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل في مسماه، فيكون لفظ الإيمان دالًا عليه بالتضمن والعموم؟ أو هو لازم للإيمان، ومعلول له، وثمرة له، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق [للزوم] (٧)؟ .

стр. 470

وحقيقة الأمر أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد تقدم، فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالًا على الباطن فقط، وإن أفرد اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر، وبهذا تأتلف النصوص. [يختلف لفظ الإيمان بحسب وروده مفردًا أو مقترنًا] فقوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١) أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن والظاهر. وقوله ﷺ في حديث جبريل ﵇: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وفي ورسله واليوم الآخر" ذكره مع قوله ﷺ : "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت" (٢). فلما قرنه باسم الإسلام ذكر ما يخصه، فالاسم في ذلك الحديث مجرد عن الاقتران (٣)، وفي هذا الحديث مقرون باسم الإسلام. وكذلك اسم الإسلام إذا جرد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] دخل فيه الباطن، فلو أتى بالعمل الظاهر دون الباطن لم يكن ممن أتى بالدين الذي هو عند الله الإسلام. وأما إذا قرن الإسلام بالإيمان كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤].

стр. 471

وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] فقد يراد بالإسلام الأعمال الظاهرة كما في حديث أنس الذي في المسند عن النبي ﷺ أنه قال: "الإسلام علانية والإيمان في القلب" (١). ومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران، كما في اسم الفقير والمسكين، والمعروف والمنكر والبغي، وغير ذلك من الأسماء، كما في لغات سائر الأمم عربها وعجمها زاحت عنه الشبهة في هذا الباب والله أعلم بالصواب (٢). فإن قال قائل: اسم الإيمان إنما يتناول الأعمال مجازًا قيل له (٣): أولًا ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازًا، بل هذا أقوى لأن خروج العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونًا باسم الإسلام والعمل، وأما دخول العمل فيه فإذا أفرد كما في قوله ﷺ : "الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (٤). ومعلوم (٥) إنما (٦) يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما يدل عند التجريد والإطلاق (٧).

стр. 472

وقيل له ثانيًا: لا نزاع في أن العمل الظاهر هو فرع [عن] (١) الباطن وموجب له ومقتضاه، لكن هل هو داخل في مسمى الاسم وجزء منه؟ أو هو لازم للمسمى كالشرط المفارق والموجب التابع؟ [حقيقة الأسماء الشرعية] ومن المعلوم أن الأسماء الشرعية والدينية، كاسم الصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، هي باتفاق الفقهاء اسم لمجموع الصلاة الشرعية (٢)، والزكاة الشرعية، والحج الشرعي، ومن قال إن الاسم إنما يتناول ما يتناوله عند الإطلاق في اللغة، وأن ما زاده الشارع إنما هو زيادة في الحكم وشرط فيه لا داخل في الاسم، كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب (٣)، والقاضي أبو يعلى (٤)، ومن وافقهما على أن الشرع زاد أحكامًا شرعية جعلها شروطًا في القصد و [الأعمال] (٥) والدعاء، ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة، فقولهم مرجوح عند الفقهاء وجماهير المنسوبين إلى العلم، ولهذا كان الجمهور من أصحاب الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول (٦).

стр. 473

فإذا قال قائل: إن اسم الإيمان إنما يتناول مجرد (١) ما هو تصديق،

стр. 474

وإما كونه تصديقًا بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وكون ذلك مستلزمًا لحب الله ورسوله ونحو ذلك هو شرط في الحكم لا داخل في الاسم، إن لم يكن أضعف من ذلك القول فليس بدونه (١) في الضعف. فكذلك من قال: الأعمال الظاهرة لوزام للباطن، لا تدخل في الاسم عند الإطلاق، يشبه قوله قول هؤلاء. والشارع إذا قرن بالإيمان العمل فكما يقرن بالحج ما هو من تمامه كما إذا قال: من حج البيت وطاف وسعى [و] (٢) وقف بعرفة ورمى الجمار، ومن صلى فقرأ وركع وسجد، كما قال: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا. . . " (٣)، ومعلوم أنه لا يكون (٤) صومًا شرعيًا إن لم يكن إيمانًا واحتسابًا. [و] (٥) قال: "من حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه" (٦)، ومعلوم أن الرفث (٧) الذي هو الجماع يفسد الحج، والفسوق ينقص ثوابه، وكما قال: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا" (٨)، فلا يكون مصليًا إن لم يستقبل قبلتنا في الصلاة.

стр. 475

وكما قال ﷺ : "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له" (١)، فذكر المحافظة (٢) عليها، ومعلوم أنه لا يكون مصليًا لها على الوجه المأمور إلا بالمحافظة عليها، ولكن بين أن الوعيد مشروط بذلك، ولهذا لم (٣)

стр. 476

يلزم من عدم المحافظة عليها أنه (١) لا يصليها، بل قد يصليها (٢) بعد الوقت، فلا يكون محافظًا عليها، إذ المحافظة تستلزم فعلها في الوقت (٣). كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] نزلت لما أخرت العصر عام الخندق قال النبي ﷺ : "ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" (٤). وبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك (٥) على أن تارك الصلاة لا يكفر حجة ضعيفة، لكنه يدل على أن تارك المحافظة عليها (٦) لا يكفر، فإذا صلاها بعد الوقت لم يكفر (٧). ولهذا جاءت في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قيل له (٨): يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) (٩). وكذلك لما سئل ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]

стр. 477

قال: هو تأخيرها عن وقتها، فقيل له: كنا نظن ذلك تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا (١). والمقصود أنه يدخل في الاسم المطلق أمور كثيرة وإن كانت تخص بالذكر، وقيل لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيًا. وإن قلت: ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه من أنه قد (٢) يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر، وترك جميع الواجبات الظاهرة. قيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له، وموجب له، بل (٣) حقيقة قولك: إن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجوب (٤) الباطن،

стр. 478

وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك، وهو أيضًا خطأ عقلًا، كما هو خطأ شرعًا، وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع، إذ هذا يظهر من المنافق [فإنه يبقى] (١) دليلًا في بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا، كدلالة اللفظ على المعنى، وهذا حقيقة قولك. فيقال لك: فلا يكون ما يظهر من الأعمال لا (٢) ثمرة للإيمان الباطن، ولا موجبًا له، ولا (٣) من مقتضاه، وذلك أن المقتضي لهذا الظاهر إن كان هو نفس الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره، فإن ما كان [معلولًا] (٤) للشيء وموجبًا له لا يتوقف على غيره، بل يلزم من وجوده وجوده، فلو كان الظاهر موجب الإيمان الباطن لوجب أن لا يتوقف على غيره، بل إذا وجد الموجَب وجد الموجِب. [مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله] وأما إذا وجد معه تارة، وعدم أخرى، أمكن أن يكون من موجب ذلك الغير، وأمكن أن يكون موقوفًا عليهما جميعًا، فإن ذلك الغير إما مستقل بالإيمان، أو مشارك للإيمان، وأحسن أحواله أن يكون الظاهر موقوفًا عليهما معًا: على ذلك الغير، وعلى الإيمان، بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان، كما في أعمال المنافق، فحينئذٍ لا يكون العمل الظاهر مستلزمًا للإيمان، ولا لازمًا له، بل يوجد معه تارة، ومع نقيضه تارة، ولا يكون الإيمان علة له، ولا موجبًا، ولا مقتضًا، فيبطل حينئذٍ أن يكون دليلًا عليه، لأن الدليل لا بد أن يستلزم المدلول، وهذا هو الحق فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله. ولهذا قال النبي ﷺ لسعد لما قال له: هو مؤمن، قال: أو مسلم! (٥). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ

стр. 479

اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فدل ذلك على أن مجرد إظهار الإسلام لا يكون دليلًا على الإيمان في الباطن، إذ لو كان كذلك لم تحتج المهاجرات اللاتي جئن مسلمات إلى الامتحان، ودل ذلك على أنه بالامتحان والاختبار يتبين باطن الإنسان، فيعلم أهو مؤمن أم ليس بمؤمن. كما في الحديث المرفوع: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان". فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] (١). فإن قيل (٢): الأعمال الظاهرة تكون من موجب الإيمان تارة، ومن موجب غيره أخرى، كالتكلم بالشهادين: تارة يكون من موجب إيمان القلب، وتارة يكون للتقية (٣) كإيمان المنافقين. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ

стр. 480

بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، ونحن إذا قلنا هو (١) من ثمرة الإيمان إذا كانت صادرة عن إيمان القلب لا عن نفاق، قيل: فإذا كانت صادرة عن إيمان، إما أن يكون نفس الإيمان موجبًا لها، واما أن يقف (٢) على أمر آخر، فإن (٣) كان نفس [الإيمان] (٤) موجبًا لها ثبت أنها لازمة لإيمان القلب معلولة له (٥) لا تنفك عنه، وهذا المطلوب، وإن توقفت (٦) على أمر آخر كان الإيمان جزءًا لسبب (٧) جعلها ثمرة للجزء الآخر ومعلولة له، إذ حقيقة الأمر أنها معلولة لهما وثمرة لهما. فتبين أن الأعمال الظاهرة الصالحة لا تكون ثمرة للإيمان الباطن ومعلولة له، إلا إذا كان [موجبًا] (٨) لها ومقتضيًا لها، وحينئذٍ فالموجَب لازم لموجِبِه، والمعلول لازم لعلته، وإذا [نقصت] (٩) الأعمال الظاهرة الواجبة كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الواجبة الظاهرة (١٠)، بل يلزم من وجود هذا كاملًا، وجود هذا كاملًا، كما يلزم من نقص هذا نقص هذا و (١١) تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجِب تام بلا موجه، وعلة تامة بلا محلولها، وهذا ممتنع (١٢).

стр. 481

[امتناع وجود الإيمان التام في القلب بلا ظاهر] [و] (١) بهذا وغيره تبين (٢) فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه وأكثر أصحابه وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كالماتريدي (٣) ونحوه، حيت جعلوه مجرد تصديق في القلب تساوى (٤) فيه العباد، وأنه إما أن بعدم، وإما أن يوجد لا يتبعض، وأنه يمكن وجود الإيمان تامًا في القلب مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعًا من غير إكراه، وأن ما علم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر، فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب (٥)، وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن (٦) في القلب، بل يوجد إيمان القلب تامًا بدونها، فإن هذا القول فيه خطأ من وجوه: [أخطاء الجهمية والمرجئة في الإيمان] (أحدها): أنهم أخرجوا ما في القلب (٧) من حب الله وخشيته ونحو ذلك أن يكون من نفس الإيمان. (وثانيها): جعلوا ما علم أن صاحبه كافر -مثل إبيس وفرعون واليهود وأبي طالب و [غيرهم] (٨) - أنه إنما كان كافرًا لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن، وهذا مكابرة للعقل والحس، ولذلك جعلوا من يبغض الرسول ويحسده لكراهة دينه [مستلزمًا] (٩) لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك.

стр. 482

(وثالثها): أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله والتثليث وغير ذلك، قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحبه ذلك مؤمنًا عند الله حقيقة، سعيدًا في الدار الآخرة، وهذا مما (١) يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام. (ورابعها): أنهم جعلوا من لم (٢) يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته عليه (٣) قد (٤) يكون مؤمنًا بالله تام الإيمان، سعيدًا في الدار الآخرة، وهذه الفضائح تختص (٥) بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم. [قولهم بتساوي إيمان الأنبياء مع الفساق] (وخامسها): وهو يلزمهم ويلزم المرجئة أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنًا تام الإيمان، إيمانه مثل [إيمان] (٦) الأنبياء والصديقين و [لو] (٧) لم يعمل خيرًا [لا صلاة] (٨) ولا صلة ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، فيكون الرجل عندهم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا سجد (٩) لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء، وهذا يلزم كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن، فإذا قال: إنها من لوازمه، وأن إيمان الباطن (١٠) يستلزم عملًا صالحًا ظاهرًا، كان بعد ذلك قوله: إن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان، أو جزءًا مه نزاعًا لفظيًا كما تقدم. (وسادسها): أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى

стр. 483

المصحف في الحش عمدًا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل (١) من رآه يصلي، وسفك دم كل من رآه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين (٢)، يجوز أن يكون مع ذلك مؤمنًا وليًا لله، إيمانه كإيمان النبيين والصديقين. لأن الإيمان الباطن إما أن يكون منافيًا لهذه الأمور، وإما أن لا يكون منافيًا. فإن لم يكن منافيًا لها (٣) أمكن وجودها معه، فلا يكون وجودها دالًا على (٤) عدم الإيمان الباطن. وإن كان منافيًا للإيمان الباطن كان ترك هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمنًا في الباطن الإيمان الواجب إلا من ترك هذه الأمور، فمن لم يترك (٥) دل ذلك على فساد إيمانه الباطن. لماذا كانت الأعمال والتروك الظاهرة لازمة للإيمان الباطن كانت من موجبه ومقتضاه، وكان من المعلوم أنها تقوى بقوته، وتضعف بضعفه (٦)، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإن الشيء المعلول لا يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضيه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر

стр. 484

موجب الباطن ومقتضاه لزم أن يكون (١) زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلًا على زيادة الإيمان الباطن ونقصه (٢)، ولنقص الباطن، فيكون نقصه دليلًا على نقص الباطن، وهو المطلوب. وهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله، تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول، وصحيح المنقول كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والأئمة والله أعلم. [فصل] [مشابهة الجهمية للفلاسفة معنى السعادة عند الفلاسفة] وقول جهم ومن وافقه أن الإيمان مجرد العلم والتصديق، وهو بذلك وحده مستحق (٣) الثواب والسعادة، يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم (٤): إن سعادة الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه (٥)، كما أن قول الجهمية وهؤلاء الفلاسفة في مسائل "الأسماء والصفات" و "مسائل الجبر والقدر" متقاربان، وكذلك في مسائل الإيمان، وقد بسطنا الكلام على ذلك وبينا بعض ما فيه من الفساد في غير هذا الموضع (٦)، مثل أن العلم هو أحد قوتي النفس، فإن النفس لها قوتان:

стр. 485

قوة العلم والتصديق، وقوة الإرادة والعمل، كما أن الحيوان له قوتان: قوة الحس وقوة الحركة بالإرادة (١). وليس صلاح الإنسان ونفسه (٢) في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه. كما أنه ليست (٣) سعادته في أن يكون عالمًا بالله مقرًا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه (٤)، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان متحقًا من اللعنة- التي هي البعد عن رحمة الله (٥) - ما لا يستحقه من ليس مثله.

стр. 486

ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنهم (١) مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون (٢). كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون" (٣). [فساد قول المتفلسفة] والمتفلسفة أسوأ حالًا من اليهود والنصارى، فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء وضلالهم، وبين فجور هؤلاء وظلمهم، فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في اليهود ولا النصارى، حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق، حتى يصير الإنسان عالمًا معقولًا مطابقًا للعالم الموجود (٤). ثم لم ينالوا من معرفة الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئًا نزرًا (٥) قليلًا، فكان جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم، وكانوا مترددين بين الجهل البسيط والجهل المركب (٦)، فإن كلامهم في الطبيعات والرياضات (٧) لا يفيد كمال النفس وصلاحها وزكاها (٨)، وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي، [وكلامهم] (٩) فيه

стр. 487

لحم جمل غث (١) على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فإن كلامهم في "واجب الوجود" ما بين حق قليل، وباطل فاسد كثير. [معنى الملائكة عند الفلاسفة] وكذلك كلامهم (٢) في "العقول" و"النفوس" (٣) التي تزعم أتباعهم من أهل الملل أنها الملائكة التي أخبرت بها الرسل (٤)، وليس الأمر كذلك، بل زعمهم أن هؤلاء هم الملائكة من جنس زعمهم أن "واجب الوجود" هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، مع اعترافهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان (٥). وكذلك كلامهم في "العقول" و "النفوس" يعود على (٦) التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان، ثم فيه من الشرك بالله، وإثبات رب مبدع لجميع العالم سواه -لكنه معلول له- وإثبات رب مبدع لكل ما تحت فلك القمر هو معلول لرب (٧) فوقه، و (٨) ذلك الرب معلول لرب فوقه ما هو أقبح من كلام النصارى في قولهم: إن المسيح ابن (٩) الله

стр. 488

بكثير كثير، كما بسط في غير هذا الموضع (١). وليس لمقدميهم كلام في "النبوات" البتة، ومتأخروهم حائرون فيها، فمنهم من يكذب بها، كما فعل ابن زكريا الرازي (٢) وأمثاله مع قولهم

стр. 489

بحدوث العالم، لكن (١) أثبتوا القدماء [الخمسة] (٢) (٣)، وأخذوا من المذاهب ما هو شرها وأفسدها، ومتهم من يصدق بها مع قوله بقدم العالم، كابن سينا (٤) وأمثاله، لكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل،

стр. 490

ويجعلون (١) النبوة كلها من جنس ما يحصل لبعض الصالحين من الكشف والتأثير والتخييل (٢)، فيجعلون خاصة النبي ثلاثة أشياء: قوة الحدس الصائب التي يسمونها القوة القدسية. وقوة التأثير في العالم بنفسه (٣). وقوة الحس التي بها يسمع ويبصر المعقولات متخيلة في نفسه (٤). [طلب بعض غلاة الصوفية النبوة، واعتقادهم أنها بالاكتساب] فكلام الله عندهم هو ما في نفسه من الأصوات، وملائكته هي ما في أنفسهم من الصور والأنوار، وهذه الخصال تحصل لغالب أهل الرياضة والصفاء. فلهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة (٥).

стр. 491

وصار كل من سلك سبيلهم كالسهروردي المقتول (١)، وابن سبعين المغربي (٢) وأمثالهما يطلب النبوة، ويطمع أن يقال له: قم فأنذر، هذا يقول: لا أموت حتى يقال لي: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (٣)، وهذا يجاور بمكة

стр. 492

ويعمر (١) غار حراء، ويطلب أن ينزل عليه فيه الوحي كما نزل على المزمل المدثر مثله (٢)، وكل منهما ومن أمثالهما يسعى بأنواع من (٣) السيمياء (٤)

стр. 493

التي هي من السحر، ويتوهم أن معجزات الأنبياء كانت من جنس سحر السيماوي (١). [ادعاء ابن عربي أن الولاية أعلى من النبوة] ومن لم يمكنه طلب النبوة وادعاؤها لعلمه بقول الصادق المصدوق: (لا نبي بعدي) (٢)، أو غير ذلك كابن عربي (٣) وأمثاله طلب ما هو أعلى من

стр. 494

[خاتم الأولياء أعظم عند ابن عربي من خاتم الأنبياء] النبوة في زعمه (١)، فادعى أن الولاية أعظم من النبوة (٢)، وأن خاتم الأولياء أعظم من خاتم الأنبياء، وأن الولي يأخذ (٣) عن الله بلا واسطة، والنبي يأخذ بواسطة الملك، وبنى ذلك على أصل متبوعيه الفلاسفة بأن الملائكة عندهم: ما يتصور في نفس النبي، أو الولي من الأشكال النورانية الخيالية (٤)، فالملائكة عندهم ما يتخيله في نفسه، والنبي عندهم يتلقى (٥) بواسطة هذا التخيل، والولي يتلقى المعارف العقلية بدون هذا التخيل، ولا ريب أن من تلقى المعارف بلا تخيل كان أكمل ممن يتلقاها بتخيل. فلما اعتقدوا في النبوة (٦) ما يعتقده هؤلاء المتفلسفة صاروا يقولون

стр. 495

إن الولاية أعظم من النبوة، كما يقول كثير من الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي، فإن هذا قول الفارابي (١) ومبشر بن [فاتك] (٢) وغيرهما، [قول بعض الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي]
следующие страницы →