← Акыда

Акыда · id 20587

الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي

ابن تيمية

Полный текст (658 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وصار كل من سلك سبيلهم كالسهروردي المقتول (١)، وابن سبعين المغربي (٢) وأمثالهما يطلب النبوة، ويطمع أن يقال له: قم فأنذر، هذا يقول: لا أموت حتى يقال لي: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (٣)، وهذا يجاور بمكة

стр. 492

ويعمر (١) غار حراء، ويطلب أن ينزل عليه فيه الوحي كما نزل على المزمل المدثر مثله (٢)، وكل منهما ومن أمثالهما يسعى بأنواع من (٣) السيمياء (٤)

стр. 493

التي هي من السحر، ويتوهم أن معجزات الأنبياء كانت من جنس سحر السيماوي (١). [ادعاء ابن عربي أن الولاية أعلى من النبوة] ومن لم يمكنه طلب النبوة وادعاؤها لعلمه بقول الصادق المصدوق: (لا نبي بعدي) (٢)، أو غير ذلك كابن عربي (٣) وأمثاله طلب ما هو أعلى من

стр. 494

[خاتم الأولياء أعظم عند ابن عربي من خاتم الأنبياء] النبوة في زعمه (١)، فادعى أن الولاية أعظم من النبوة (٢)، وأن خاتم الأولياء أعظم من خاتم الأنبياء، وأن الولي يأخذ (٣) عن الله بلا واسطة، والنبي يأخذ بواسطة الملك، وبنى ذلك على أصل متبوعيه الفلاسفة بأن الملائكة عندهم: ما يتصور في نفس النبي، أو الولي من الأشكال النورانية الخيالية (٤)، فالملائكة عندهم ما يتخيله في نفسه، والنبي عندهم يتلقى (٥) بواسطة هذا التخيل، والولي يتلقى المعارف العقلية بدون هذا التخيل، ولا ريب أن من تلقى المعارف بلا تخيل كان أكمل ممن يتلقاها بتخيل. فلما اعتقدوا في النبوة (٦) ما يعتقده هؤلاء المتفلسفة صاروا يقولون

стр. 495

إن الولاية أعظم من النبوة، كما يقول كثير من الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي، فإن هذا قول الفارابي (١) ومبشر بن [فاتك] (٢) وغيرهما، [قول بعض الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي]

стр. 496

وهؤلاء يقولون: إن النبوة أفضل الأمور عند الجمهور، لا عند الخاصة، ويقولون: خاصة النبي جودة [التخييل و] (١) التخيل. فجاء هؤلاء (٢) الذين أخرجوا الفلسفة في قالب الولاية، وعبروا عن المتفلسف بالولي، وأخذوا معاني الفلاسفة وأبرزوها في صورة المكاشفة والمخاطبة، قالوا (٣): إن الولي أعظم من النبي، لأن المعاني المجردة يأخذها عن الله بلا واسطة تخيل لشيء في نفسه، والنبي يأخذها عن الله بواسطة ما يتخيل في نفسه من الصور والأصوات، ولم يكفهم هذا البهتان، حتى ادعوا أن جميع الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، الذي هو من أجهل الخلق بالله، وأبعدهم عن دين الله، والعلم بالله هو عندهم العلم (٤) بأنه الوجود المطلق الساري في الكائنات، فوجود كل موجود هو عين وجود واجب الوجود. وحقيقة هذا القول هو (٥) قول "الدهرية الطبيعية" (٦) الذين ينكرون أن يكون للعالم مبدع أبدعه، وهو واجب الوجود بنفسه، بل يقولون: العالم نفسه واجب الوجود بنفسه، فحقيقة قول هؤلاء شر من قول "الدهرية الإلهيين" (٧)،

стр. 497

وهو يعود عند التحقيق (١) إلى قول الدهرية الطبيعيين. [تنازع ابن عربي والسهروردي في التجلي] وقد حدثونا أن ابن عربي تنازع هو والشيخ أبو حفص السهروردي (٢) هل يمكن كل (٣) وقت تجلي الحق لعبد مخاطبته (٤) له أم لا؟ . فقال الشيخ أبو حفص السهروردي: نعم يمكن ذلك. فقال ابن عربي: لا يمكن ذلك، وأظن الكلام كان في غيبة كل منهما عن صاحبه، فقيل لابن عربي إن السهروردي يقول: كذا وكذا، فقال: مسكين! ! نحن تكلمنا في مشاهدة الذات، وهو يتكلم في مشاهدة الصفات. وكان كثير من أهل التصوف والسلوك والطالبين لطريق التحقيق والعرفان -مع أنهم يظنون أنهم متابعون للرسول، وأنهم منفون (٥) للبدع

стр. 498

المخالفة له يقولون هذا الكلام ويعظمونه، ويعظمون ابن عربي لقوله مثل هذا، ولا يعلمون أن هذا الكلام بناه على أصله الفاسد في الإلحاد، الذي يجمع بين التعطيل والاتحاد. [حقيقة مذهب ابن عربي] فإن حقيقة الرب عنده وجود مجرد لا اسم له ولا صفة، ولا يمكن أن ترى ذاته (١) لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا له كلام قام به (٢)، ولا علم ولا غير ذلك، ولكن يرى ظاهرًا في المخلوقات متجليًا في المصنوعات، وهو عنده عين (٣) وجود الموجودات، وشبهه (٤) تارة بظهور الكلي في جزئياته، كظهور الجنس في أنواعه، والنوع في الخاصية (٥) كما تظهر الحيوانية في كل حيوان، والإنسانية في كل إنسان (٦).

стр. 499

وهذا بناه على غلط أسلافه "المنطقيين اليونانيين" حيث ظنوا أن الموجودات العينية تقارنها جواهر عقلية [بحسب] (١) ما يحمل عليها (٢) من الكليات، فيظنون أن في الإنسان المعين إنسانًا عقليًا، وحيوانًا عقليًا، وناطقًا عقليًا، و [حساسًا] (٣) عقليًا، وجسمًا عقليًا، وذاك هو الماهية التي يعرض لها الوجود، وتلك الماهية مشتركة بين جميع المعينات. وهذا الكلام له روعة (٤) عند من لم يفهمه ويتدبره، فإذا فهم [حقيقته] (٥) تبين له أنه بكلام المجانين أشبه منه بكلام العقلاء، وإنما ذلك مخالفة (٦) للحس والعقل، وإنما [أتي] (٧) فيه هؤلاء من حيث إنهم تصوروا في أنفسهم معاني كلية مطلقة، فظنوا أنها موجودة في الخارج، فضلالهم في هذا عكس ضلالهم في أمر الأنبياء، فإن الأنبياء (٨) [شاهدت] (٩) أمورًا خارجة عن أنفسهم، فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم. وهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورًا كلية مطلقة فظنوا أنها في الخارج، وليست إلا في أنفسهم، فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه، وجعلوا ما أخبرت به الأنبياء في أنفسهم، وإنما هو في الخارج، فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء # [مدعين] (١٠) أن ما يبصرونه في خيالهم هو من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء # (١١)، ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من

стр. 500

جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك # كوجود المائدة في الصورة، أو الصورة في المائدة # (١)، أو كوجود الوجود في الثبوت -عند من يقول: المعدوم شيء- فإنهم أرادوا [أن يجعلوه] (٢) شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها، فضربوا له مثلًا تارة بالكليات، وتارة بالمادة أو (٣) الصورة وتارة بالوجود المغاير للثبوت، وإذا مثلوه بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج، أو بالهواء في الصوفة، فضربوا لرب العالمين الأمثال، فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا. وهم في هذه الأمثال ضالون من وجوه: [ضلال ملاحدة المتصوفة] (أحدها): أن ما مثلوا به من المادة مع الصورة، والكليات مع الجزئيات، والوجود مع الثبوت، كل ذلك يرجع عند التحقيق إلى شيء واحد لا شيئين، فجعلوا الواحد اثنين، كما جعلوا الاثنين واحدًا، في مثل صفات الله، يجعلون العلم هو العالم، والعلم هو المعلوم، والعلم هو القدرة، والعلم هو الإرادة، وأنواع هذه الأمور التي إذا تدبرها العاقل تبين له أن هؤلاء من أجهل الناس بأمور الإلهية (٤)، وأعظم الناس قولًا للباطل، مع ما في نفوسهم ونفوس أتباعهم من الدعاوي الهائلة الطويلة العريضة، كما يدعي إخوانهم القرامطة الباطنية أنهم أئمة معصومون مثل الأنبياء، وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم. (الثاني): أنهم على كل تقدير من هذه التقديرات يجعلون وجوده مشروطًا بوجود غيره الذي ليس هو مبتدعًا (٥) له، فإن وجود الكليات في الخارج مشروط بالجزئيات، ووجود المادة مشروط بالصورة، وكذلك بالعكس. ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم، فيلزمهم على كل

стр. 501

تقدير أن يكون واجب الوجود مشروطًا بما ليس من مبتدعاته (١)، وما كان وجوده موقوفًا على غيره الذي هو ليس مصنوعًا له (٢) لم يكن واجب الوجود بنفسه، وهذا بين. (الثالث): أن هذا الكلام يعود عند التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك لكن يدعون المغايرة بين الوجود والثبوت، أو بين الوجود والماهية أو (٣) بين الكلي والجزئي، وهو المغايرة، و (٤) بين المطلق والمعين (٥)، فلهذا كانوا يقولون بالحلول، تارة يجعلون الخالق (٦) حالًا في المخلوقات، وتارة محلًا لها، وإذا حقق الأمر عليهم بعدم المغايرة كان (٧) حقيقة قولهم أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه. (الرابع): أنهم يقرون بما يزعمونه من "التوحيد" عند (٨) التعدد في صفاته الواجبة، وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسمًا أو جوهرًا، ثم هم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة (٩) الكائنة الفاسدة المتقذرة (١٠) ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك. و(١١) قالوا ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات؟ وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص (١٢)، وبصفات الذم، وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا،

стр. 502

وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو متصف بكل صفة محمودة، وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع (١)، فإن أمرهم أعظم من أن يبسط هنا، ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم، وبين ضلالهم لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات (٢). فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده هو شهود (٣) وجود (٤) مطلق، هو وجود الموجودات مجردًا مطلقًا لا اسم له ولا نعت، ومعلوم أن من تصور هذا لا يمكن أن يحصل له عنه خطاب، فلهذا زعم أن عند تجلي الذات لا يحصل خطاب، وأما أبو حفص السهروردي فكان أعلم بالسنة، وأتبع للسنة من هذا، وخيرًا منه، وقد رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده، ويخاطبهم حين تجليه لهم (٥)، فآمن بذلك (٦) لكن ابن عربي في فلسفته أشهر من هذا في سنته.

стр. 503

ولهذا كان أتباعهما (١) يعظمون ابن العربي (٢) عليه، مع إقرارهم بأن السهروردي أتبع للسنة، كما حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين (٣) القادم علينا (٤) السالك طريق ابن حمويه (٥) الذي يلقبه أصحابه سلطان الأقطاب، وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه والغلو فيهما أمر عظيم، فبينت له كثيرًا مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ ، وجرى في ذلك فصول، لما كان عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما، وما تضمنته من الضلالات، وكان مما حدثني عن شيخه الطاووسي (٦) الذي كان بهمدان عن سعد الدين ابن

стр. 504

حمويه أنه قال: محي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء! ! و (١) لكن نور المتابعة النبوية التي (٢) على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر. فقلت له: هذا كما يقال: كان هولاكو (٣) ملك الكفار ملكًا عظيمًا (٤)، لكن نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي (٥) صاحب ميافارقين شيء (٦) آخر.

стр. 505

فإنهم كانوا يعظمون ابن عربي، لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنًا من معرفة السنة ومتابعتها، وتحقيق ما جاءت به الرسل كتمكن ابن عربي في طريقه التي سلكها، وجمع فيها بين الفلسفة والتصوف، وهؤلاء إنما يقطع دابرهم المباينة لله (١) بين الخالق والمخلوق، وإثبات تعينه منفصلًا عن المخلوق، ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج الأنبياء. [إبطال مذهب ابن عربي ومن تابعه بإثبات المباينة بين الخالق والمخلوق] وفد ذكر السهروردي في عقيدته المشهورة قوله: "بلا إشارة ولا تعيين". وهذه التي استطال بها عليه هؤلاء، فإنه متى نفيت الإشارة والتعيين لم يبق إلا العدم المحض، والتعطيل (٢) أو الإلحاد و [الوحدة] (٣) والحلول. وابن سبعين وأمثاله من هؤلاء الملاحدة يقول (٤): هكذا لا إشارة ولا تعيين، بل عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى، ويقولون في أذكارهم: ليس إلا الله، بدل قول المسلمين، لا إله إلا الله، لأن معتقدهم أنه وجود كل موجود، فلا موجود إلا هو. والمسلمون يعلمون أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ليس هو المخلوقات، ولا جزءًا منها، ولا صفة لها، بل هو بائن عنها ويقولون: إنه هو الإله الذي يستحق العبادة دون ما سواه من الموجودات، فلا إله إلا هو كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣]. وكما قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٤]. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤].

стр. 506

وهؤلاء الملاحدة ما عندهم غير يمكن أن يعبد، ولا غير يمكن أن يتخذ وليًا، ولا إلهًا، بل هو العابد والمعبود، والمصلي والمصلى له، كما قال شاعرهم ابن الفارض (١) في قصيدته نظم السلوك: [شعر ابن الفارض في وحدة الوجود] لها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلتي كلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة إلى قوله: وما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة (٢) إلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلتي (٣) وقوله: وما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت (٤)

стр. 507

فهؤلاء "الجهمية" من المتكلمة والصوفية في قولهم: إن الإيمان هو مجرد المعرفة والتصديق يقولون: المعروف هو الموجود الموصوف بالسلب والنفي، كقولهم: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث، ثم يعودون فيجعلونه حالًا في المخلوقات، أو محلًا لها أو هو عينها، أو يعطلونه بالكلية، فهم في هذا نظير المتفلسفة المشائين، الذين يجعلون كمال الإنسان بالعلم، والعلم الأعلى عندهم والفلسفة الأولى عندهم [النظر] (١) في الوجود ولواحقه، يجعلون واجب الوجود وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق، لكن أولئك [يغيرون العبارات] (٢) ويعبرون بالعبارات الإسلامية القرآنية عن الإلحادات الفلسفية واليونانية، وهذا كله قد قرر، وبسط القول فيه في غير هذا الموضع. فصل [الكلام على الأحاديث التي تبين حقيقة الإسلام والإيمان] أول ما في الحديث سؤاله عن "الإسلام" فأجابه (٣): بأنّ الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت (٤). وهذه الخمس هي المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام

стр. 508

الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا) (١). وهذا قاله النبي ﷺ بعد أن فرض الله الحج، فلهذا ذكر الخمس، وأكثر الأحاديث لا يوجد فيها ذكر الحج كما (٢) في حديث وفد عبد القيس (٣): "آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟

стр. 509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 510

شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس" (١). [الكلام على حديث وفد عبد القيس] وحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وأصحها، وفي بعض طرق البخاري لم يذكر الصيام لكن هو مذكور في كثير من طرقه، وفي مسلم، وهو أيضًا مذكور في حديث أبي سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس، رواه مسلم في صحيحه عنه، واتفقا على حديث ابن عباس (٢)، وفيه: أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم، والخمس إنما فرض في غزوة بدر (٣)، وشهر

стр. 511

رمضان فرض قبل ذلك (١). ووفد عبد القيس من خير (٢) الوفد الذين وفدوا على النبي ﷺ ، وقدومهم على النبي ﷺ كان قبل فرض الحج، وقد قيل: إنهم (٣) قدموا سنة الوفود سنة تسع (٤). والصواب أنهم قدموا قبل ذلك، فإنهم قالوا: بيننا (٥) وبينك هذا الحي من كفار مضر (٦) -يعنون أهل نجد- وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام.

стр. 512

وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت الحرب، وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف، لما فتح الله مكة (١)، ثم هزم هوازن يوم حنين (٢)، وإنما كانوا ينتظرون بإسلامهم فتح مكة (٣). وقد بعث النبي ﷺ أبا بكر ﵁ أميرًا على الحج سنة تسع، وأردفه بعلي بن أبي طالب ﵁، لتنفيذ العهود التي كانت بين النبي ﷺ وبين العرب، إلا أنه أجلهم أربعة أشهر من حين حجة أبي بكر (٤) وكانت

стр. 513

في ذي القعدة (١)

стр. 514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 515

وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وهذه الأربعة التي أجلوها هي الأربعة الحرم. ولهذا غزا النبي ﷺ النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة تسع قبل إرسال أبي بكر ﵁ أميرًا على الموسم (١)، وإنما أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من جهة مشركي العرب، وعلم أنه لا خوف على الإسلام منهم. ولهذا لم يأذن لأحد ممن يصلح للقتال في التخلف، فلم يتخلف إلا منافق، أو الثلاثة الذين تيب عليهم (٢)، أو معذور. ولهذا لما استخلف عليًا على المدينة (٣) عام تبوك طعن المنافقون فيه

стр. 516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 517

لضعف هذا الاستخلاف، وقالوا إنما خلفه لأنه يبغضه، فأتبعه علي وهو يبكي فقال: (أتخلفني مع النساء والصبيان؟ ) فقال: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي" (١). وكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه، وفيها رجال من أهل القتال وذاك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب، لا بمكة، ولا بنجد ونحوهما، من يقاتل أهل دار الإسلام -مكة والمدينة وغيرهما- ولا يخيفهم. ثم لما رجع من تبوك أمر (٢) أبا بكر على الموسم، يقيم الحج والصلاة، ويأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (٣)، وأتبعه بعلي لأجل نقض العهود، إذ كانت عادة العرب أنهم لا يقبلون (٤)

стр. 518

إلا من المطاع الكبير، أو من رجل من أهل بيته (١). والمقصود أن بهذا يتبين (٢) أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل ذلك. [الكلام على حديث ضمام، الطريق الأولى] وأما حديث ضمام (٣) فرواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أن الله أرسلك، قال: "صدق". قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله". قال: فمن خلق الأرض؟ قال: "الله". قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: "الله". قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك [أنك تزعم] (٤) أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: "صدق".

стр. 519

قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم". [قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: "صدق". قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: "نعم"] (١). قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إله سبيلًا، قال: "صدق". ثم ولى الرجل، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن. فقال رسول الله ﷺ : "لئن صدق ليدخلن الجنة" (٢). وعن أنس قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد، إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم. فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي ﷺ "قد أجبتك". فقال الرجل للنبي ﷺ : إنني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: "سل عما بدا لك". فقال: أسالك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ . فقال: "اللهم نعم". وذكر أنه سأله عن الصلاة والزكاة، ولم يذكر الصيام (٣) والحج فقال

стр. 520

الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (١). هذان الطريقان في الصحيحين، لكن البخاري لم يذكر في الأول الحج، بل ذكر الصيام، والسياق الأول أتم، والناس جعلوا (٢) الحديثين حديثًا واحدًا. و[يشبه] (٣) والله أعلم أن يكون البخاري رأى أن ذكر الحج فيه وهمًا، لأن سعد بن بكر (٤) هم من هوازن، وهم أظْآر (٥) رسول الله ﷺ ، وهوازن كانت معهم وقعة حنين بعد فتح مكة، فأسلموا كلهم بعد الوقعة، ودفع إليهم النبي ﷺ النساء والصبيان بعد أن قسمها على العسكر (٦)

стр. 521

واستطاب أنفسهم في ذلك (١). فلا تكون هذه الزيادة (٢) إلا قبل فتح مكة، والحج لم يكن فرض إذ ذاك. [الطريق الثانية] وحديث طلحة بن عبيد الله ليس فيه إلا الصلاة والزكاة والصيام، وقد قيل: إنه حديث ضمام، وهو في الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع (٣) دوي صوته (٤)، ولا يفقه (٥) ما يقول، حتى دنا من رسول الله ﷺ ، فإذا هو يسأل

стр. 522

عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة"، قال: هل علي غيرهن (١)؟ قال: "لا إلا أن تطوع". قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة قال: هل علي غيرها؟ قال: "لا إلا إن تطوع"، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله ﷺ : أفلح إن صدق" (٢). وليس في شيء من طرقه ذكر الحج، بل فيه ذكر الصلاة والزكاة والصيام، كما في حديث وفد عبد القيس. وفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة: أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة. قال: "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه. فلما ولى قال النبي ﷺ : "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" (٣). وهذا يحتمل أن يكون هو ضمامًا (٤).

стр. 523

[الكلام على حديث الأعرابي] وقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الصلاة والزكاة فقط كما في الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري: أن أعرابيًا عرض لرسول الله ﷺ وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها (١)، ثم قال: يا رسول الله! أو يا محمد! أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار، قال: فكف رسول الله ﷺ ثم نظر إلى أصحابه ثم قال: "لقد وفق، أو لقد هدي". ثم قال: "كيف قلت"؟ فأعاد، فقال النبي ﷺ : "تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي (٢) الزكاة، وتصل الرحم"، فلما أدبر قال رسول الله ﷺ : "إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة" (٣)، هذه الألفاظ في مسلم. [الكلام على حديث النعمام بن قوقل] وقد جاء ذكر الصلاة والصيام في حديث النعمان بن قوقل (٤)، رواه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: سأل رجل النبي ﷺ قال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟ قال: "نعم". قال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا. وفي لفظ: أتى النبي ﷺ النعمان بن قوقل (٥).

стр. 524

[الكلام على حديث ابن عمر] وحديث النعمان [هذا] (١) قديم، فإن النعمان بن قوقل قتل قبل فتح مكة، قتله بعض بني سعيد بن العاص كما ثبت ذلك في الصحيح (٢). فهذه الأحاديث خرجت جوابًا لسؤال السائلين (٣)، إلا (٤) حديث ابن عمر (٥) فإنه مبتدأ. وأحاديث الدعوة والقتال (٦) فيها الصلاة والزكاة كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا [ذلك] (٧)، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله " (٨).

стр. 525

وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة (١).

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 527

[و] (١) رواه مسلم عن جابر قال #: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله" (٢). وفي لفظ لمسلم: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به" (٣). وهذا اللفظ الذي كان قد سمعه عمر، وناظر فيه أبا بكر، لما أراد

стр. 528

قتال مانعي الزكاة، فقال له: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله ﷺ # (١): "أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها". فقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال (٢). فكان من فقه أبي بكر ﵁ أنه فهم من ذلك الحديث [المختصر] (٣) أن القتال على الزكاة [قتال] (٤) على حق المال. وقد بين النبي ﷺ مراده بذلك في اللفظ المبسوط الذي رواه ابن عمر (٥). والقرآن صريح في موافقة حديث ابن عمر قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وحديث معاذ (٦) لما بعثه إلى اليمن لم يذكر فيه النبي ﷺ إلا الصلاة والزكاة. فلما كان في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض، أشكل ذلك على بعض الناس.

стр. 529

[الجواب عن سبب اختلاف الروايات] [فأجاب بعض الناس] (١) أن (٢) سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم الحديث الذي رواه، وليس الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة و [نسبة لهم] (٣) إلى الكذب (٤)، إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، وبعضهم لم يذكره، وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس، وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام، وبعضهم لم يذكره (٥). فهنا (٦) يعلم أن أحد [الراويين] (٧) اختص بالنقص (٨) أو غلط في الزيادة. فأما الحديثان المنفصلان (٩) فليس الأمر كذلك، لا سيما والأحاديث

стр. 530

قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما يبين (١) قطعًا أن النبي ﷺ تكلم بهذا تارة، وبهذا تارة. والقرآن يصدق ذلك فإن الله سبحانه في بعض الآيات علق الأخوة الإيمانية بالصلاة والزكاة فقط (٢) كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. كما أنه (٣) علق ترك القتال على ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقد تقدم حديث ابن عمر الذي في الصحيحين موافقًا لهذه الآية. وأيضًا فإن في حديث وفد عبد القيس ذكر خمس المغنم، لأنهم كانوا طائفة ممتنعة يقاتلون، ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه في حق نفسه. ولكن عن هذا (جوابان): (أحدهما): أن النبي ﷺ أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي (٤). بل قد ثبت في الصحيح أنه أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥] (٥). ثم أنزل عليه بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢] (٦)، فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس، والإرسال بعد الإنباء، فإن
следующие страницы →